الرحلات المغربية والأندلسية

- عواطف محمد يوسف النواب المزيد...
504 /
1

-

2

[هوية الكتاب‏]

الرحلات المغربية و الأندلسية مصدر من مصادر تاريخ الحجاز في القرنين السابع و الثامن الهجريين- دراسة تحليلية مقارنة- عواطف محمد يوسف نواب‏

الرياض 1417 ه/ 1996 م‏

3

الإهداء

إلى من أفنيا شبابهما و أرهقا أيامهما و ركبا الصعاب و بذلا الكثير الكثير من أجلي بالجهد و الوقت و المال‏

إلى من لهما الفضل كل الفضل بعد الله سبحانه و تعالى بخروج هذا العمل المتواضع إلى النور

إلى أبي و أمي .. مع التقدير و إلى ابني محمد الذي عانى طيلة فترة البحث من بعدي و انشغالي عنه فإليه‏

و إلى كل من يقرأ رسالتي أرجو منه أن يدعو لوالدي بالصحة و طول العمر و لابني بالصلاح و الهداية

4

ح مكتبة الملك فهد الوطنية، 1417 ه

فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر

نواب، عواطف محمد يوسف‏

الرحلات المغربية و الاندلسية مصدر من مصادر تاريخ الحجاز في القرنين السابع و الثامن الهجريين: دراسة تحليلية نقدية مقارنة.- الرياض.

502 ص؛ 24 سم‏

ردمك 0- 071- 00- 9960

1- الرحالة العرب 2- الرحلات و الأسفار 3- الحجاز- تاريخ‏

1- العنوان‏

ديوي 12، 953 3685/ 16

رقم الإيداع: 3685/ 16

ردمك: 0- 071- 00- 9960

5

قائمة المحتويات‏

الموضوع الصفحة

التقديم 11

المقدمة 15

التمهيد 25

تحديد الحجاز 27

مفهوم الرحلة في القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة 29

الرحلة في مفهوم اللغة 40

بداية الرحلات في الإسلام و أشهرها 42

الفصل الأول: 69

فن الرحلة عند المغاربة و الأندلسيين 71

أنواع الرحلات و البرامج 72

خصائص الرحلات المغربية و الأندلسية 76

الخصائص العامة 76

الخصائص الخاصة 88

أهمية الرحلات المغربية و الأندلسية 91

الفصل الثاني: 95

الرحالة المغاربة و الأندلسيون و مناهجهم 97

ابن جبير 97

الرعيني 107

ابن رشيد 110

العبدري 116

التجيبي السبتي 121

6

الموضوع الصفحة

ابن جابر الوادي آشي 124

ابن بطوطة 129

البلوي 136

الفصل الثالث: 141

الأحوال السياسية و التنظيمات الإدارية لبلاد الحجاز من خلال كتب الرحالة المغاربة و الأندلسيين مع مقارنة ببعض ما أوردته المصادر التاريخية. 141

الأحوال السياسية في بلاد الحجاز: 143

أ- إمارة مكة المكرمة 145

ب- إمارة المدينة المنورة 178

ج- المدن و القرى التابعة للحجاز 183

التنظيمات الإدارية في بلاد الحجاز: 184

أ- أمراء بلاد الحجاز 185

ب- نظام ولاية العهد 187

ج- نظام الوزارة 190

د- الوحدات الإدارية 191

ه- التنظيمات المالية 193

و- التنظيمات القضائية 195

ز- التنظيمات الحربية 197

الفصل الرابع: 199

الأحوال الاجتماعية و الاقتصادية لبلاد الحجاز من خلال كتب الرحالة المغاربة و الأندلسيين 199

الأحوال الاجتماعية: 201

1- عناصر المجتمع 201

2- طبقات المجتمع 203

7

الموضوع الصفحة

3- العادات و التقاليد 208

4- الاحتفالات 221

5- المواكب 237

6- الملابس 239

7- الأطعمة و الأشربة 239

الأحوال الاقتصادية: 240

1- الزراعة و مصادر المياه 240

2- الثروة الحيوانية 242

3- الصناعة 243

4- التجارة 243

الفصل الخامس: 247

الحركة التعليمية و الأدبية في بلاد الحجاز من خلال كتب الرحالة المغاربة و الأندلسيين مع مقارنة ببعض ما أوردته المصادر التاريخية 247

1- المذاهب في بلاد الحجاز 249

2- مراكز العلم و مدارسه 255

3- كبار العلماء 264

4- أشهر العلوم و أهم الكتب 262

الفصل السادس: 307

المشاهدات الجغرافية و العمرانية- من خلال كتب الرحالة المغاربة و الأندلسيين: 307

1- المشاهدات الجغرافية: 309

مكة المكرمة 309

منى و المزدلفة و عرفات 313

المدينة المنورة 317

8

الموضوع الصفحة

القرى و بعض منازل الحجيج 320

2- العمارة الدينية: 335

المسجد الحرام 335

المساجد الموجودة بمكة المكرمة 362

المساجد بالمشاعر المقدسة 367

المدينة المنورة 375

المسجد النبوي 375

المساجد بالمدينة المنورة 383

المساجد بجدة 387

3- العمارة المدنية: 389

المدارس 389

الأربطة 389

المباني 393

المباني بمكة المكرمة 393

الدور بالمشاعر المقدسة 399

الدور بالمدينة المنورة 400

الدور بجدة 400

4- العمارة الحربية: 400

الأسوار 400

الحصون 403

القبور بمكة المكرمة 405

الآثار المعمارية القديمة بالحجاز 408

5- النقوش و الزخارف 410

6- مشاريع المياه 418

الخاتمة 427

9

الموضوع الصفحة

الملاحق و الرسومات 439

الملحق رقم (1) كتاب صلاح الدين الأيوبي لأمير مكة 441

الملحق رقم (2) أسماء أمراء مكة المكرمة الذين كان لهم إسهام في أحداثها 442

الرسم رقم (1) خارطة جغرافية مكة المكرمة 443

الرسم رقم (2) خارطة جغرافية المشاعر المقدسة 444

الرسم رقم (3) أماكن الحج 445

الرسم رقم (4) خارطة طرق الحج 446

الرسم رقم (5) مصور مدائن صالح 447

الرسم رقم (6) مصور للمسجد الحرام 448

الرسم رقم (7) مصور لباب الصفا 449

الرسم رقم (8) مصور للصفا 450

الرسم رقم (9) مصور للمروة 451

الرسم رقم (10) مصور للمسجد الحرام 452

الرسم رقم (11) مصور لمقام إبراهيم 453

الرسم رقم (12) مصور للمسجد الحرام 454

الرسم رقم (13) مصور تخطيطي للمسجد الحرام 455

الرسم رقم (14) مصور لمسجد بلال 456

الرسم رقم (15) مصور للمسجد الحرام يظهر فيه مسجد بلال 457

الرسم رقم (16) مصور لمسجد البيعة 458

الرسم رقم (17) مصور لمسجد الخيف 459

الرسم رقم (18) مصور لمسجد نمرة 460

الرسم رقم (19) رسم تخطيطي للمسجد النبوي 461

الرسم رقم (20) رسم تخطيطي لقبر النبي (صلى الله عليه و سلم) 462

الرسم رقم (21) مصور لأحد جوانب المسجد النبوي 463

10

الموضوع الصفحة

الرسم رقم (22) مصور لمسجد قباء 464

الرسم رقم (23) مصور لمساجد الفتح 465

الرسم رقم (24) مصور للرفوف التي تعمل في الجدار 466

الرسم رقم (25) مصور للرفوف التي تعمل في الجدار 467

الرسم رقم (26) مصور للمدينة المنورة يظهر سورها 468

الرسم رقم (27) مصور للمدينة المنورة يظهر سورها 469

الرسم رقم (28) رسم تخطيطي لمدينة جدة 470

الرسم رقم (29) مصور لقبر السيدة خديجة رضي الله عنها 471

الرسم رقم (30) مصور لقبر السيدة خديجة رضي الله عنها 472

الرسم رقم (31) مصور لقبر أم البشر حواء 473

الرسم رقم (32) مصور لقبر أم البشر حواء 474

الرسم رقم (33) مصور للمسجد الحرام 475

ثبت المصادر و المراجع 477

11

التقديم‏

الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده محمد و على آله و صحبه و من سار على سنته و اتبع هديه ... و بعد:

يسعدني أن أقدم لكتاب «الرحلات المغربية و الأندلسية مصدر من مصادر تاريخ الحجاز في القرنين السابع و الثامن الهجريين» لمؤلفته الأستاذة الفاضلة/ عواطف محمد يوسف نواب و مصدر سعادتي هذه تكمن في كون مؤلفته إحدى طالباتي منذ مرحلة البكالوريوس و في الماجستير و قد تميزت عن قريناتها بجدها و عشقها للبحث و الدرس و حب المناقشة و استقلالية الرأي.

و قد تابعت عملها هذا منذ أن كان فكرة للنقاش حتى تم وضع الإطار العام له في ظل خطة بحثية ثم خطا خطواته الأولى في مسوداته حتى أصبح رسالة جامعية قدمت للمناقشة و نالت صاحبتها عليها درجة الماجستير بتقدير امتياز بعد أن أشادت لجنة المناقشة بها و أوصت بطباعتها.

لعل شهادتي للأستاذة المؤلفة مجروحة و لكن هي الحقيقة فقد كانت من خيرة المجموعة التي أشرفت عليها في مرحلة الدراسات العليا، حيث امتازت بالدقة في نقل النصوص التاريخية و التقصي في جمع مادتها العلمية من مظانها المتنوعة. و لم تكتف بما أتيح لها من مصادر و مراجع في مكتبات الجامعات السعودية؛ بل شدت الرحال تبحث و تنقب و إن أعياها الترحال اتخذت من المراسلة و الهاتف وسيلة أخرى لنيل مبتغاها من الاستشارات و المقالات و البحوث.

لذلك كله جاء مؤلفها هذا ممتعا في أسلوبه شاملا في موضوعه جديدا في طرحه حيث رصدت المؤلفة الأحداث التاريخية في كتب ثمانية من الرحالة المغاربة و الأندلسيين فتناولت الجانب السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي في تاريخ‏

12

الحجاز مع مقارنة النصوص ببعض ما أوردته المصادر التاريخية المعاصرة لكتب الرحلات لتثبت في النهاية أن كتب الرحالة هؤلاء تعد من أهم المصادر التاريخية لرصد تاريخ الحجاز سياسيا و اجتماعيا في هذه الحقبة من الزمن.

إن مما يلحظه المتابع للدراسات التاريخية هو مدى الإقبال الشديد على دراسة الموضوعات العامة التي تتناول الجانب السياسي في تاريخنا الإسلامي، و لعل مرد ذلك إلى سهولة تناولها و بحثها و توفر مصادرها بدرجة كبيرة إلى جانب وضوح منهجها.

أما دراسة مناهج المؤرخين خاصة الرحالة منهم فإنها لا تلقى ذلك الاهتمام و الإقبال لا سيما و إن دراستها قائمة على الاستقراء المتأني، و التحليل العلمي الدقيق، و الاستنتاج و المقارنة؛ و كلها أمور تحتاج إلى صبر و جلد و دراية و خلفية علمية للتعامل معها. فجاء هذا الجانب من الدراسات قليلا و يحتاج إلى مزيد من التشجيع و العناية.

و إذا كان الباحثون و الدارسون في مجال الدراسات التاريخية لم يولوا هذا الجانب حقه فنرجوا أن يسهم هذا الكتاب إلى جانب الدراسات الأخرى مع قلتها في إلقاء الضوء على أهمية دراسة كتب الرحلات و أسلوب و منهج هؤلاء الرحالة الذين أبدعوا في تدوين رحلاتهم و تسجيل انطباعاتهم، لا سيما و إن كتب الرحلات عموما تعد من أصدق المصادر التاريخية و أكثرها عناية بما يتعلق بالحجاز سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا و جغرافيا مما تفتقر إليه المصادر الأخرى إذ اتصف الرحالة و لو بدرجات متفاوتة بدقة الملاحظة و الوصف و التقصي و تسجيل مشاهداتهم بأمانة و صدق كما حرص أغلب الرحالة على التفرقة بين المشاهدة و الرواية عند تسجيل معلوماتهم.

فلقد كان من بين الرحالة رجال علم و دين قامت رحلتهم على أساس التزود بالعلم و الالتقاء بالعلماء في مراكز الحضارة الإسلامية كما كان من بينهم رجال شغفوا بالتطواف و السفر و كانت المغامرة و استكشاف المجهول دافعا لرحلاتهم.

13

إلى جانب الرحلة في طلب العلم و الاستفادة من علماء الحجاز كان الحج من أهم العوامل التي دفعت بهؤلاء و غيرهم من المسلمين لشد الرحال إلى مدنه لزيارة البيت الحرام و السلام على الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم و أداء الركن الخامس من أركان الإسلام ما لم يعقه عائق يحول دون تحقيقه سواء كان عائقا بدنيا أو ماليا أو أمنيا.

لقد كانت الرحلة عونا للمؤرخ و الجغرافي على حد سواء إذ أن أغلب الجغرافيين المسلمين كانوا رحالة سجلوا مشاهداتهم و معايناتهم للأقاليم المختلفة التي وطئوها. فقد كان للرحلة دور في صقل منهج هؤلاء و تأكيد الوقائع و الأحداث بالمشاهدة و الملاحظة و أدت بالتالي إلى اتساع أفق صاحبها لكثرة ما زار من البلدان و اختلط بالعلماء و أصحاب المعرفة فجاءت بذلك في أسلوب أدبي رفيع.

و لعل هذا الكتاب يكشف لنا القيمة العلمية لكتابات الرحالة المغاربة و الأندلسيين بوصفه مصدرا مهما- و معولا عليه- من مصادر تاريخ الحجاز.

و الله أسأل أن يوفق الجميع لخدمة تاريخ أقدس البقع و أحبها إلى الله.

د/ فواز علي بن جنيدب الدهاس‏

أستاذ تاريخ الجزيرة العربية بقسم التاريخ الإسلامي‏

كلية الشريعة و الدراسات الإسلامية جامعة أم القرى‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

المقدمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده سيدنا و نبينا محمد بن عبد الله و على آله و صحبه أجمعين ... و بعد.

لقد شهد إقليم الحجاز حدثا فريدا غيّر وجهة التاريخ، و هو مبعث النبي عليه أفضل الصلاة و السلام من مكة المكرمة بيت الله الحرام أطهر بقاع الأرض حيث ولد و عاش جل عمره (صلى الله عليه و سلم) و من ثم هاجر و أصحابه الغر الميامين (رضوان الله عليهم أجمعين) إلى المدينة المنورة، و فيها تنزل عليه ما بقي من القرآن الكريم و بها ثوى جسده الطاهر.

بالإضافة إلى كثير من الأماكن المختلفة في منطقة الحجاز و التى شهدت مواقع خاضها النبي (صلى الله عليه و سلم). كانت الفيصل بين الحق و الباطل؛ و لذلك فقد ضم الحجاز مناطق تاريخية تهفو نفس كل مسلم لمعرفتها و الإلمام بها.

فالحجاز كان و لا يزال و سيظل إن شاء الله مركزا لتجمع المسلمين من مختلف أقطار المعمورة يتجهون إليه بأنظارهم و أفئدتهم؛ لهذا عد من أقوى مراكز نشر الثقافة الإسلامية بين الأقطار المختلفة و محط رحال العلماء و المتعلمين.

و لكن مع انتقال مركز الخلافة الإسلامية خارج شبه الجزيرة العربية، انصرف اهتمام الدارسين إلى حيث يكون الملك و السلطان. و ظل الحجاز محتفظا بأهميته التى تمثلت في كونه مركزا من مراكز الثقافة و مجمع العلماء كل عام يفد إليه منهم ما لا يشهده قطر آخر.

و إذا كان الدارسون ولّوا وجهتهم إلى العناية و التاريخ للملوك و الأمراء و أغفلوا التاريخ للحجاز و شعبه؛ فهناك من المصادر التاريخية التى تعد مصدرا

16

أساسا من مصادر التاريخ تحتوي على معلومات ذات قدر كبير من الأهمية، و هي كتب الرحلات و التي لم تنل ما تستحقه من الدراسة على اعتبار أنها من أوفى المصادر و أوثقها؛ بل و أشملها فيما يتعلق بالحجاز من النواحي التاريخية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و الجغرافية. حيث ينفرد هذا النوع من المصادر بأهمية خاصة، فإلى جانب أن مصنفي هذا النوع من الكتب اتسمت منهجيتهم بتسجيل ارتساماتهم عن مشاهداتهم في مسارهم الطويل جيئة و ذهابا فوصفوا البلاد و معالمها، و العباد و عاداتهم في قالب أدبي قد يطول أو يقصر حسب ميلهم و ما رسموه لأنفسهم. فنراهم ينوهون بأسماء شيوخهم مع تراجم مطولة أو موجزة مسجلين إجازاتهم ذاكرين أسماء نفيس المصنفات التي اطلعوا عليها، إضافة إلى وصف المسجدين الشريفين المكي و المدني و المشاهد الإسلامية المقدسة.

و لهذا تنفرد كتب الرحلات بأهمية خاصة. فإلى جانب ما سبق، فإن مصنفي هذا النوع من المصادر قد شهدوا ما دونوه في أغلب الأحيان؛ لذا اشتملت مصنفاتهم على بعض المعلومات التي تلقي الضوء على الجوانب المختلفة من تاريخ الحجاز.

و لا يغرب عن بالنا: أن الحجاز قد دخل دائرة النسيان بعد القرن الثالث الهجري بمجرد وفاة مؤرخي الحجاز، الأزرقي المتوفى سنة 250 ه/ 864 م، و الفاكهي المتوفى سنة 280 ه/ 893 م. (1)

و كان تاريخ الحجاز خلال الفترة الممتدة من القرن الثالث الهجري إلى الثامن الهجري مبعثرا بين طيات المصادر التاريخية؛ إضافة إلى أن ما كتب عن تاريخه لا يوضح ما وقع فيه من أحداث و لا يتناول إلا الجانب السياسي في‏

____________

(1) عبد الله عقيل عنقاوي: المؤرخ تقي الدين الفاسي و كتابه شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام. بحث ألقي في الندوة الأولى لدراسات تاريخ الجزيرة العربية ضمن مجموعة أبحاث مصادر تاريخ الجزيرة العربية، الرياض 1399 ه/ 1979 م، ج 2، ص 63.

17

أغلب الأحيان؛ مما أوجد فراغا تاريخيا في النواحي الأخرى.

و في القرن الثامن الهجري ظهر المؤرخ المكي تقي الدين الفاسي الذي أخذ على عاتقه سد هذا الفراغ التاريخي للحجاز، و ذلك بتأليفه كتبا عن أحوالها أهمها: العقد الثمين في أخبار البلد الأمين، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام. و قد أشار إلى باعثين جعلاه يقدم على تأليف تاريخه، و هما:

1- افتقاره لمصادر متخصصة في تاريخ مكة المكرمة بعد الأزرقي و الفاكهي.

2- رغبته في كتابة تاريخ لبلده خلال الفترة التي أعقبت وفاة الأزرقي إلى وقته‏ (1).

و قد أورد أخبارا عن الفترة التي انقطع فيها التاريخ للحجاز فيما بين القرنين الثالث و الثامن الهجريين. و مع هذا فمؤلفاته لاتفي بالفرض خاصة و إنها مدة طويلة لم يشهد أحداثها.

و في هذه الفترة المنسية من تاريخ الحجاز قيض الله للحجاز من تتبع تاريخها من معظم جوانبه بصدق و عفوية و هم الرحالة المغاربة و الأندلسيون و من هنا كان سبب اختيارى لموضوع" الرحلات المغربية و الاندلسية مصدر من مصادر تأريخ الحجاز في القرنين السابع و الثامن الهجريين دراسة تحليلية نقدية مقارنة" مع الأخذ في الحسبان النقد و التحليل للمعلومات التي أوردتها كتب الرحالة و مقارنتها و توثيقها مع ما جاء في بعض مصادر التاريخ العامة إلى جانب إلقاء الضوء الكافي على منهجية هؤلاء الرحالة من كتاباتهم و أسلوب معالجتهم للقضايا التي طرحوها.

إضافة إلى أنني لم أجد على حد علمي من تطرق لمثل هذا الموضوع و بالأخص كتب الرحالة المغاربة و الأندلسيين خلال القرنين السابع و الثامن الهجريين و اعتمادهما مصدرا من مصادر تاريخ الحجاز، و عليه فأحسب أن هذا الموضوع من المواضيع الجديدة التي لم تنل ما تستحقه من البحث و الدراسة. كما أن هؤلاء الرحالة عرف عنهم تمسكهم بالدين و تقوى الله فمنهم من كان قاضيا و عالما و كاتبا، فبحكم مكانتهم الدينية و العلمية جاءت كتاباتهم‏

____________

(1). الفاسي: شفاء الغرام، ج 1، ص 12، 15.

18

متسمة بالصدق و الصراحة لأحداث تلك الفترة حيث ألقت الضوء على تاريخ الحجاز و كشفت عن معالمه و أحداثه بعكس المؤرخين المسلمين الذين دونوا تاريخ الحجاز، فهم بطبيعة الحال عند ما تناولوا تاريخه لم يشاهدوا الحدث حتى و لو كانوا معاصرين له لأنه وصل إليهم بالسماع و ربما من نقل إليهم الحدث قد حرفه أو أنقص منه أو زاد عليه و بهذا فلا يأتي الحدث بالصورة التي وقع فيها.

لذا وجدت في نفسي ميلا لبحث هذا الموضوع، خاصة بعد اطلاعي على بعض كتب الرحلات في تلك الفترة و ما وجدته من معلومات غزيرة تنتظر الإخراج و البحث. و كلي أمل أن أكون قد توصلت إلى نتائج مرضية تظهر أهمية كتب الرحلات و اعتمادها مصدرا مهما من مصادر تاريخ الحجاز.

أما أهم الصعوبات التي و اجهتني فهي: مقارنة بعض ما جاء في كتب الرحلات و خاصة المواقع الجغرافية ببعض كتب المعاجم و المصادر التاريخية الأخرى و خاصة المؤلفة من قبل أبناء الحجاز. و لا يخفى علينا أن الرحالة المغاربة و الأندلسيين ليسوا من أبناء الحجاز. فوجدت أن بعض ما كتبوه لا وجود له إما بسبب إندثاره أو تغير المسميات أو إطلاق الرحالة على هذه الأماكن أسماء من قبل أنفسهم استنادا على ما وجد فيها من معالم ربما تكون قد تغيرت أو إندثرت. فكان لزاما عليّ الاطلاع على كتب المعاجم و التراجم و التاريخ العام لعلّي أخرج ببصيص نور يوضح ما غمض عند مقارنته. و لكني استطعت بحمد الله تعالى اجتياز هذا الأمر و استأنفت صياغة موضوعي وفق الشروط و القواعد المتبعة في كتابة البحوث و الدراسات العلمية و التي أرشدني إليها أستاذي الفاضل. فأرجو الله تعالى أن أكون قد وفقت.

و قد قسمت هذا البحث إلى مقدمة و تمهيد و ستة فصول و خاتمة تضمنت أهم النتائج التي توصل إليها البحث. أما الفصول فقسمتها على النحو الآتي:

المقدمة: بينت فيها أهمية الموضوع و سبب اختياره بالإضافة إلى عرض موجز لأهم المصادر التي أفادت البحث.

19

التمهيد: و اشتمل على تحديد الحجاز، و مفهوم الرحلة في القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة، و مفهوم الرحلة في اللغة، و بداية الرحلات في الإسلام و أشهرها، سواء ما كان منها بالمشرق أو المغرب مع بيان أنواع الرحلات.

الفصل الأول: تناول فن الرحلة عند المغاربة و الأندلسيين. و تندرج تحته عدة مباحث فرعية تحدثت فيها عن أنواع الرحلات سواء منها البرامج أو الرحلات الوصفية. ثم تكلمت عن خصائص الرحلات المغربية و الأندلسية التي منها ما هو عام يشمل كتابات جميع الرحالة، و خاص انفرد كل واحد منهم بشي‏ء منها. و ختمت هذا الفصل بأهمية الرحلات المغربية و الأندلسية، و إعادة النظر في وجوب الاعتماد عليها بوصفها مصدرا مهما من مصادر تاريخ الحجاز.

أما الفصل الثاني: فقد سلط الضوء فيه على الرحالة الثمانية الذين كان الاعتماد عليهم و هم ابن جبير- الرعيني- ابن رشيد- العبدري- التجيبي السبتي- ابن جابر الوادى آش- ابن بطوطه- البلوى. و قد تناولت فيه مقتطفات عن حياتهم و مكانتهم الاجتماعية و العلمية و مؤلفاتهم ثم خصائص و مميزات رحلتهم. و قد سرت في ترتيبهم على حسب قدومهم للحجاز الأقدم فالأحدث.

و قد تم استبعاد رحلة ابن خلدون بالرغم من أنها كانت في القرن الثامن لأنه لم يورد ما يفيد عن أحوال الحجاز و وصفه‏ (1).

أما الفصل الثالث: فقد أفردته للحديث عن الأحوال السياسية حسب ما جاءت في كتب الرحلات، فهذا الجانب أخذ حيزا من البحث لا بأس به و قد سردت فيه العلاقات السياسية لأمراء الحجاز سواء منها الداخلية أو الخارجية. ثم تطرقت إلى نظم الحكم و الإدارة بالحجاز.

و قد شمل الجانب السياسي الأحوال الداخلية لبلاد الحجاز، و أسماء بعض الأمراء الأشراف المعاصرين لتلك الفترة، و انطباعات الرحالة عنهم‏

____________

(1). ابن خلدون: العبر، ج 7، ص 455.

20

و مقارنة ذلك كله بما ورد في بعض المصادر التاريخية. سواء منها المعاصر أو اللاحق. أما نظم الحكم فكان الحديث فيها عن أهم الوظائف القيادية التي وجدت في ذلك الوقت من وزراء و قواد و غير ذلك.

أما الفصل الرابع: فقد أفردت الحديث فيه للناحية الاجتماعية و التي اشتملت على الحياة الاجتماعية بالحجاز. و قد تناولت فيه عناصر المجتمع و طبقاته و العادات و التقاليد السائدة في تلك الفترة و الاحتفالات و المواكب و الملابس و الأطعمة و الأشربة. و قد قمت ببعض المقارنات بما ورد في بعض كتب المصادر التاريخية و إن كان هذا الفصل أقل الفصول مقارنة لإغفال المؤرخين لهذا الجانب، فاقتصرت في كثير من الأحيان على ما ورد في كتب الرحلات. ثم أتبعته بإلقاء الضوء على الحالة الاقتصادية في بلاد الحجاز من خلال كتب الرحالة.

أما الفصل الخامس: فقد تناولت فيه الحياة العلمية في بلاد الحجاز حسب ما وردت في كتب الرحلات، و اشتمل على المذاهب الموجودة و أهم مراكز العلم بالحجاز و هما: المسجدان المكي و النبوي؛ إضافة إلى المدارس الموجودة في ذلك الوقت بمكة المكرمة أو المدينة المنورة، و سردت أسماء أشهر العلماء و أهم العلوم و الكتب المتداولة في ذلك الوقت.

أما الفصل السادس: فقد اشتمل على المشاهدات الجغرافية و العمرانية من خلال كتب الرحلات، فالمشاهدات الجغرافية شملت الطرق التي سلكها الرحالة داخل الحجاز للوصول إلى مكة المكرمة و المدينة المنورة ثم المشاهدات العمرانية و شملت العمارة الدينية من المساجد و المسجدين المكي و المدني، كما شملت أيضا العمارة المدنية من الدور، و العمارة الحربية من الأسوار و القلاع و الحصون سواء منها الجديد أو الخرب، ثم النقوش و الزخارف و مشاريع المياه.

أما الخاتمة: فقد اشتملت على أهم ما توصل إليه البحث من نتائج. تلاه ثبت للمصادر و المراجع و الفهارس.

21

و فيما يلي عرض مختصر لأهم المصادر التى استخدمت في البحث:

لقد قمت بالاستعانة ببعض المصادر التاريخية التي كتبت عن تاريخ الحجاز بخلاف كتب الرحلات و التي أفردت لها فصلين هما الأول و جزء من الفصل الثاني تكلمت فيهما عن خصائصها و مميزاتها و ما جاء فيها من معلومات و أهميتها؛ لذا لا لزوم لإعادة القول عنها. و نكتفي بذكر أهم المصادر المساندة لتلك الرحلات و التي اعتمدت عليها في المقارنة و التوثيق و التي أمدتني في الوقت نفسه بمعلومات لم يذكرها الرحالة توضح ما غمض في بعض المواضيع، أو تحدث الرحالة عن طرف معين منها مما يجعل الغموض يكتنفها، و بمساندة هذه المصادر استطعنا إزالة الغموض و توضيح ما خفي على الرحالة إظهاره. فمن هذه المصادر التي استفدت منها في المعلومات عن مكة المكرمة:

1- العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين و شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام لتقي الدين الفاسي.

فالكتابان من أهم المصادر التي اعتمدت عليها في البحث لوفرة المعلومات بهما. فالكتاب الأول تناول أخبار مكة المكرمة منذ عهد الإسلام الأول أعقبها بتراجم لأهم الشخصيات من الأمراء و العلماء و القضاة سواء منهم المجاورين أو من أبناء مكة المكرمة. كما تناول أهم أعمال الأمراء، و الأحداث الجارية في عهدهم. و قد رتب كتابه على حسب الحروف الأبجدية ما عدا المحمدين و الأحمدين إذ قدمهما لفضل الاسمين. فكتابه هذا يعد موسوعة تحوي معلومات علمية و أدبية و سياسية و اجتماعية مبثوثة خلال التراجم. و قد أسند و وثق في إيراده لبعض هذه المعلومات إلى ما نقله من شواهد القبور و واجهات المساجد و الدور. أما الكتاب الثاني: فقد تناول فيه الحديث عن أهم أحداث مكة المكرمة منذ عهد الرسول (صلى الله عليه و سلم) إلى عصره مرتبة بتسلسل السنوات و قد استفدت منه الكثير من المعلومات العلمية و السياسية و الاجتماعية الوفيره، فضلا عن العمرانية.

22

2- إتحاف الورى بأخبار أم القرى لنجم الدين عمر بن محمد بن فهد.

و هذا الكتاب لا يقل أهمية عن كتابي الفاسي. و قد قام بترتيبه بحسب السنوات و ما وقع فيها من أحداث بمكة المكرمة متخللا ذلك تراجم لأشهر العلماء و الأمراء مبتدئا بالعصر النبوي و حتى وفاة المؤلف. و قد أفادني بالكثير من المعلومات السياسية.

3- الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج و طريق مكة المعظمة لعبد القادر ابن محمد الجزيرى.

و قد استفدت مما أورده من معلومات سياسية، و ما ذكره عن طريق الحج المصرى، و ما تم فيه من إصلاح و إنشاء.

أما أهم المصادر التي استفدت منها في المدينة المنورة:

1- أخبار مدينة الرسول المسمى الدرة الثمينة لمحمد بن محمود ابن النجار.

و هو مصدر مهم امتاز بمعلومات عمرانية، و خاصة عن المسجد النبوي و مشاهد المدينة و هو من المصادر التي رجعت إليها؛ خاصة و أنه عاش في القرن السابع الهجري فجاءت أقواله مطابقة لأقوال الرحالة في كثير من الأمور.

2- وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى لنور الدين علي السمهودى.

يعد كتابه من الكتب المهمة في تاريخ المدينة المنورة لأنه قد اعتمد على كتب قديمة لم يصلنا منها شي‏ء، و قد استفدت منه في النواحي: العمرانية و الاجتماعية و السياسية و الدينية.

3- التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة لشمس الدين السخاوي:

يعد كتابه من الكتب المهمة الزاخرة بالتراجم التي يبرز من ثناياها النشاط العلمي الذي حفلت به المدينة المنورة و الذي استفدت منه كثيرا و قد أمدني هذا الكتاب بالكثير من المعلومات التي أثرت البحث.

و من الكتب المساندة التي استرعت انتباهي في المقارنات العمرانية كتاب الاستبصار لمؤلف مجهول من القرن السادس الهجرى‏ (1).

____________

(1) مؤلف مجهول من كتاب القرن السادس الهجري: الاستبصار في عجائب الأمصار، تحقيق سعد زغلول عبد الحميد.

23

و على هذا فإن مؤلف هذا الكتاب عاصر ابن جبير (1)؛ إلا أن ما أورده من أوصاف لبعض المعالم التاريخية بمكة المكرمة و المدينة المنورة يختلف تماما عما أورده ابن جبير. و لعل ذلك يرجع إلى ما قيل عن مؤلف الاستبصار ما ذكره محقق كتاب الاستبصار حول مؤلفه؛ إذ يفترض أن للكتاب مؤلفين أحدهما مجهول و الآخر هو أبو الفضل جعفر بن محمد بن علي بن طاهر ابن تميم القيسى المعروف بابن محشرة أحد كتاب الموحدين الذي أعاد ترتيب الكتاب و أضاف إليه من الأحداث المعاصرة له. أما الدكتور/ محمد المنوني فأكد أن الكتاب لمؤلفين. و أضاف أن الثاني كان يعيش في سنة 588 ه/ 1192 م. كما أشارت الدكتورة/ ليلى نجار أن المؤلف الثاني لهذا الكتاب قد قام بإهدائه إلى أبي عمر ابن أبي يحيى بن وقتين و هو أحد كبار رجال الدولة الموحديه، بعد أن قام بترتيبه و تنقيحه و وضع المقدمة له و قد أيدت ما ذهب إليه الدكتور/ المنوني من أن من قام بهذا العمل أحد كتاب المنصور الموحدي‏ (2).

و هو ما نميل إليه أيضا خاصة و أن التجيبي ينقل نصوصا ظهر لنا من مقارنتها إنها من كتاب الاستبصار لا سيما و إننا قد وجدنا تطابقا فيما وصفه التجيبي و صاحب الاستبصار في بعض الأماكن أشرت إليها في مواضعها (3).

و في نقله يصرح أحيانا بأنه ناقل عن شخص نعته بالأديب الكاتب أبي العباس ابن عبد الرؤوف. و أحيانا لا يصرح بذلك و في كلا الحالتين وجدت تطابقا في‏

____________

(1) المصدر السابق: المقدمة، ص ب، ث.

(2) مؤلف مجهول: الاستبصار، المقدمة، ص ب، ث؛ محمد المنوني: الاستبصار في عجائب الأمصار، الجزيرة العربية في الجغرافيات و الرحلات المغربية و ما إليها. مصادر تاريخ الجزيرة العربية، ج 2، ص 308؛ ليلى أحمد نجار: المغرب و الأندلس في عهد المنصور الموحدي.

ص 24- 25، رسالة دكتوراه.

(3) انظر التجيبي: مستفاد الرحلة، ص 12- 13، 243.

24

الوصف لفظا و معنى مما يرجح أن أبا العباس بن عبد الرؤوف هذا هو صاحب كتاب الاستبصار.

كما أن التجيبي أشار إلى أنه كان يحمل كتاب رحلة لرحالة أندلسي تشير الدلائل السابقة إلى أنه كتاب الاستبصار. و لكن للأسف لم أعثر على ترجمة لهذه الشخصية. ربما لأنه لم يصرح باسمه كاملا مما زاد في غموض الموضوع. و لكن أرجو أن أكون في بداية الطريق الصحيح لمعرفة مؤلف الاستبصار. خاصة و إنني قد عرفت جزءا من اسمه و الذي سيقودني و من يأتي بعدي إن شاء الله إلى معرفته و من ثم الاطلاع على ترجمة لحياته و ما تركه من مؤلفات.

و أخيرا لا يسعني إلا أن أتوجه إلى المولى عز و جل بالدعاء أن أكون قد وفقت فيما قدمت.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين فهو نعم المولى و نعم المعين و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

25

التمهيد

أولا- تحديد الحجاز.

ثانيا- مفهوم الرحلة في القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة.

ثالثا- الرحلة في مفهوم اللغة.

رابعا- بداية الرحلات في الإسلام و أشهرها.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

أولا: تحديد الحجاز

الحجاز أحد أقاليم شبه الجزيرة العربية القديمة. معروف موقعه غير واضحة حدوده. و معنى الحجاز: الحد أو الفصل أو الحجز (1). و لفظ الحجاز عرف قديما منذ كان سكان شبه الجزيرة العربية يعيشون أشتاتا يعمهم التفكك السياسي و لا تجمعهم دولة. فهم مجموعة من القبائل استقرت في مناطق معينة غير واضحة الحدود و غير ثابتة و لا متطابقة مع الأقسام الجغرافية، مع ملاحظة تمتع بعض مدنه بالاستقلال وفق نظم خاصة. مثل مكة و المدينة و بعض إمارات اتسعت رقعتها على حساب غيرها.

و بعد ظهور الإسلام أصبح الحجاز جزءا من الدولة الإسلامية. فأوجد المسلمون تقسيمات إدارية متلائمة مع مستجدات الظروف دون الالتزام بالتقسيمات الجغرافية. فنتج عن ذلك عدم ثبوت تلك التقسيمات مما جعل لكل من المدينة و مكة و الطائف واليا قائما بذاته، امتدت في بعض الأحيان سيطرته السياسية إلى أطراف العراق‏ (2).

و قد أطلق على البقعة الممتدة من اليمن جنوبا إلى أطراف الشام شمالا الحجاز لحجزه بين نجد و تهامة و روي هذا التحديد عن ابن عباس رضي الله عنهما إذ يعد أول من تطرق لحدوده‏ (3) و هو كما نلاحظ تحديد واسع غير دقيق.

و حدد الهمداني الحجاز شمالا بأرض طي‏ء و جنوبا بتثليث‏ (4) و ما حولها (5). و ورد تحديد آخر للحجاز لدى الأصفهاني: بأنه يمتد من صنعاء جنوبا إلى أطراف الشام شمالا و سمي حجازا لحجزه بين نجد و تهامة و عليه‏

____________

(1) انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج 5، ص 331.

(2) صالح العلي: تحديد الحجاز عند المتقدمين، مجلة العرب، الرياض، العدد الأول، السنة الثالثة، 1388 ه/ 1968 م. ص 1- 2.

(3) الهمداني: صفة جزيرة العرب، ص 57- 58.

(4) (تثليث) بكسر اللام موضع بالحجاز قرب مكة. انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 3، ص 15- 16.

(5) الهمداني: صفة جزيرة العرب، ص 57- 58.

28

فمكة من تهامة و المدينة و الطائف من الحجاز. و ما انحدر من ذات عرق‏ (1) غربا فهو من الحجاز. و ما انحدر من ذات عرق شرقا فهو من نجد (2).

و ذكر عرام ابن الأصبغ حد الحجاز الشرقي و الغربي، و أغفل حده الشمالي و الجنوبي. فالحجاز لديه: المنطقة الواقعة بين المدينة و معدن النقرة (3) فالمدينة نصفها حجازي و نصفها تهامي‏ (4). أما الحربي فجعل حد الحجاز من الشمال تبوك و فلسطين و من الجنوب يلملم‏ (5) و من الشرق الربذة (6) و بطن نخل و من الغرب العرج‏ (7). فجعل الطائف و المدينة من نجد (8).

أما ابن حوقل فحدده جنوبا بالسرين‏ (9) و شمالا بمدين و الحجر، و شرقا باليمامة و جبلي طي‏ء (10). و ذكر ياقوت أن الحجاز ما حجز بين تهامة و نجد و بين الشام و تهامة و البادية كما نقل عن الأصمعي قوله: أن مكة تهامية و المدينة و الطائف حجازية (11). بينما يذكر البكري أن تبوك و فلسطين و الرّمة من الحجاز. و من البصرة إلى بطن نخل حجازي فمكة وجدة من تهامة. (12)

____________

(1) (ذات عرق) ميقات أهل العراق و هو الحد بين نجد و تهامة فما ارتفع من بطن الرمّة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق و يذكر أهلها إنهم من تهامة. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 4، ص 107- 108.

(2) الأصفهاني: بلاد العرب، ص 14- 15.

(3) (معدن النقرة): بطريق مكة و هي منازل حجاج الكوفة و هي حد نجد. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 5، ص 298- 299.

(4) عرام ابن الأصبغ: أسماء جبال تهامة، ص 424.

(5) (يلملم) موضع على ليلتين من مكة و هي ميقات أهل اليمن. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 5، ص 441.

(6) (الربذة) من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز و بها قبر أبي ذر الغفارى. انظر المصدر السابق، ج 3، ص 24- 25.

(7) (العرج): قرية في واد من نواحي الطائف. انظر المصدر السابق، ج 4، ص 98- 99.

(8) الحربي: المناسك و أماكن طرق الحج، ص 533- 537.

(9) (السرين) بلدة قرب مكة على ساحل البحر تبعد عن مكة أربعة أو خمسة أيام قرب جده. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 3، ص 219.

(10) ابن حوقل: صورة الأرض، ص 29- 30.

(11) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 2، ص 218- 219.

(12) البكري: معجم ما استعجم، ج 1، ص 12.

29

و شارك الجغرافيون المحدثون في تحديد الحجاز حيث ذكر القثامي: أن العقبة و البتراء ضمن الحجاز مدخلا فيه خيبر و تيماء و تبوك و العلا (1). بينما يرى البلادي: أن حدود الحجاز غير معروفة (2). أما العلي فيميل إلى أن الحجاز هو الحد الفاصل بين تهامة و نجد مع التسليم بالاختلاف في تحديد الأماكن من الجهتين الشرقية و الغربية (3).

و يظهر من استعراض بعض أقوال الجغرافيين المسلمين عدم اتفاقهم على حدود جغرافية واضحة المعالم للحجاز، و ما ورد من أقوالهم لا يحدد موقعه بدقة، و إنما يشير إلى موقعه بصورة عامة.

لذا نقتصر على المنطقة التي يعتقد أنها من الحجاز. و التي تبدأ من تبوك شمالا إلى أطراف اليمن جنوبا و من ساحل البحر الأحمر غربا إلى أطراف نجد شرقا.

ثانيا: مفهوم الرحلة في القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة:

لم يدع الإسلام وسيلة من الوسائل التي تفيد الإنسان إلا و حثه على فعلها، و منها الرحلة. سواء أكانت للعلم أو الهجرة بالدين من أرض الشرك إلى أرض الإسلام أو الحج أو التجارة.

و في بداية الحديث عن الرحلة لابد من التطرق إلى أولى الرحلات الثابتة لدينا و المستقاة من أوثق و أصدق مصادرنا الإسلامية و هو القرآن الكريم. فقد حفل القرآن الكريم بالأمثلة العديدة لكل نوع منها على الرغم من عدم ورود لفظ رحلة فيه إلا مرة واحدة في سورة قريش. قال تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَ الصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ‏ (4).

____________

(1) القثامي: الأثار في شمال الحجاز، ج 1، ص 18.

(2) البلادي: معجم معالم الحجاز، ج 1، ص 8.

(3) صالح العلي: تحديد الحجاز عند المتقدمين، مجلة العرب، الرياض، ج 1، السنة الثالثة، رجب 1388 ه/ تشرين الأول 1968 م، ص 9.

(4) القرآن الكريم: سورة قريش، 106/ 1- 4.

30

و قد أفردت هذه السورة بكاملها للحديث عن الرحلة. و هي رحلة قريش التجارية. فكما هو معلوم أن أهل مكة المكرمة اتجهت أنظارهم إلى التجارة بحكم موقع مكة بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ‏ كما قال تعالى على لسان خليله إبراهيم (عليه السلام) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏ (1).

فهذا الموقع جعلها منطلق التجارة. و أظهرت سورة قريش بوضوح رحلتيها إلى الشام و اليمن، و التي جنت منهما أرباحا طائلة انعكست آثارها على أوضاعها الاقتصادية. و غدت ذات مركز مالي خطير في الحجاز، و سوقا لتبادل السلع. و لم يكن هدفها من الاستيراد الاكتفاء الذاتي فقط؛ بل قامت بتصدير القائض عن حاجتها إلى أطراف السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية و الشام و اليمن و السواحل الإفريقية المقابلة. حيث بلغت أحمال كل قافلة لتلك الجهات أكثر من ألف بعير (2). إلى جانب أن أكثر تجارها هم من سدنة و أهل بيت الله الحرام و الذي زادت مهابته في نفوس الناس عقب حادثة الفيل، فلم يجرؤ أحد بالتطاول على تجار مكة؛ إذ أن الله تعالى منّ عليهم بهذا الأمان كما جاء في سور قريش.

و على ضوء ذلك تمتعت مكة المكرمة بمكانة عظيمة و تقاطر الناس عليها استجابة لدعوة خليل الرحمن إبراهيم (عليه السلام). هذا فيما يتعلق بالرحلات الخارجية. أما الرحلات الداخلية فكانت:

أولا: لأداء فريضة الحج بدافع ديني و كانوا يستفيدون من رحلتهم تلك في التبادل التجاري حيث كانت تعقد الأسواق قبل الحج و بعده.

____________

(1) القرآن الكريم: سورة إبراهيم، 14/ 37.

(2) جواد على: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 7، ص 290- 291.

31

ثانيا: الرحلات إلى أسواق العرب التي أقاموها في نواح متعددة من جزيرتهم و اشتهر منها سوق عكاظ (1) و ذي مجاز (2) و مجنة (3) و دومة الجندل‏ (4) و عمان‏ (5) و هجر (6) و المشقر (7) و صنعاء (8)

____________

(1) (عكاظ) اسم سوق من أسواق العرب في الجاهلية كانت قبائل العرب تجتمع به كل سنة و يتفاخرون فيه و يحضرها شعراؤهم لإلقاء قصائدهم الشعرية ثم يتفرقون. و هو أعظم أسواق قريش و العرب و يستمر طوال شوال، و عكاظ نخل من واد بينه و بين الطائف ليلة و بينه و بين مكة ثلاث ليال و هو أرض واسعة شرق الطائف بميل نحو الشمال خارج سلسلة الجبال المطيفه به و تبعد تلك الأرض عن الطائف مسافة 35 كم تقريبا. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 4، ص 142؛ جواد على:

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 7، ص 378؛ حمد الجاسر: موقع عكاظ، مجلة العرب، رمضان 1388 ه/ كانون الأول ديسمبر 1968 م، ج 3، ص 1138- 11158.

(2) (ذى مجاز): موضع سوق بعرفة على ناحية كبكب عن يمين الإمام على فرسخ من عرفة و تقيم فيه العرب في الجاهلية ثمانية أيام من ذى الحجة بعد انصرافهم من سوق مجنه. أنظر ياقوت الحموي:

معجم البلدان، ج 5، ص 54؛ جواد على: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 7، ص 390.

(3) (مجنة) اسم سوق للعرب كان في الجاهلية و هو بمر الظهران قرب مكة يقال له الأصفر و هو بأسفل مكة على قدر بريد منها و كان العرب يقيمون فيه عشرين يوما من ذى القعدة. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 5، ص 58- 59؛ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 7، ص 380.

(4) (دومة الجندل): حصن و قرى بين الشام و المدينة قرب جبلي طى‏ء و دومة الجندل من القريات من وادي القرى و يكون سوقها خلال شهر ربيع الأول. انظر اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 270؛ ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 2، ص 487؛ جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، ط 1378 ه/ 1959 م، ج 8، ص 159.

(5) (عمان) اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن و الهند من شرقي هجر تشمل على بلدان كثيرة ذات نخل و زرع. انظر ياقوت: معجم البلدان، ج 4، ص 150؛ جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، ط 1378 ه/ 1959 م، ج 8، ص 159.

(6) (هجر) مدينة و هي قاعدة البحرين و قيل ناحية البحرين كلها هجر. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 5، ص 393.

(7) (المشقر): حصن بين نجران و البحرين و هي على تل عال و يقابلها حصن بني سدوس و قيل حصن بالبحرين عظيم و يقوم سوق المشقر في جمادى الأولى. أنظر اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 270؛ ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 5، ص 134؛ جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، ط 1378 ه/ 1959 م، ج 8، ص 159.

(8) (صنعاء) مدينة قديمة باليمن بينها و بين عدن 68 ميلا و هي قصبة اليمن و أحسن بلادها و يقوم بها السوق في النصف من شهر رمضان. انظر اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 271؛ ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 3، ص 426؛ جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، ط 1378 ه/ 1959 م، ج 8، ص 159.

32

و حضرموت‏ (1) و حباشة (2) و بدر (3) و بني قينقاع‏ (4) و غيرها.

لقد حرص العرب على إقامة هذه الأسواق سنويا، و تميزت بتنافس الشعراء في إظهار عبقريتهم الشعرية، إلى جانب استغلال هذه الأسواق أيضا لتبادل السلع التجارية المختلفة، و الترويج للأفكار و الديانات الجديدة. فقد عرض الرسول (صلى الله عليه و سلم) نفسه على العرب في هذه المواسم، و دعاهم إلى الإسلام و الدفاع عنه‏ (5).

ثالثا: الانتقال سعيا وراء العشب و الماء؛ لأنهما قوام حياة العربي في ذلك الوقت. فهذه الرحلات الثلاث داخلية. يقومون بها سنويا و بانتظام داخل بلادهم.

و لقد لفت القرآن الكريم الانتباه إلى فوائد و أنواع الرحلات. و يمكن إدماجها في الآتي:

____________

(1) (حضرموت) ناحية واسعة من شرقي عدن بقرب البحر و حولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف و بها قبر هود (عليه السلام) و هي مخلاف من اليمن بينه و بين البحر رمال. انظر ياقوت الحموي:

معجم البلدان، ج 2، ص 270؛ جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، ط 1378 ه/ 1959 م، ج 8، ص 159.

(2) (حباشة): سوق من أسواق العرب في الجاهلية و هو سوق بتهامة و هو سوق لقينقاع. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 2، ص 210- 211.

(3) (بدر): ماء مشهور بين مكة و المدينة أسفل وادي الصفراء بينه و بين الجار ساحل البحر ليلة و كان بها الواقعة المباركة التي أظهر الله بها الإسلام في شهر رمضان في السنة 2 ه/ 623 م و بين بدر و المدينة سبعة برد. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 1، ص 357؛ جواد علي:

تاريخ العرب قبل الإسلام، ط 1378 ه/ 1959 م، ج 8، ص 159.

(4) (بني قينقاع): اسم شعب من اليهود الذين كانوا بالمدينة أضيف إليهم سوق كان بها يقال له:

سوق بني قينقاع. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 4، ص 424؛ جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، ط 1378 ه/ 1959 م، ج 8، ص 159.

(5) ابن هشام: السيرة، ج 2، ص 245؛ و أخرج ابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يعرض نفسه على الناس في المواسم فيقول: الا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي" ابن ماجه: السنن، ج 1، ص 73.

33

1- الرحلة فرارا بالدين من أرض الشرك إلى أرض الإسلام.

2- الرحلة في طلب العلم.

3- الرحلة للحج.

4- الرحلة للتجارة.

1- الرحلة فرارا بالدين من أرض الشرك إلى أرض الإسلام:

و أشهرها هجرة المسلمين الأولى و الثانية إلى الحبشة فرارا من إضطهاد و ظلم قريش ثم هجرة الرسول (صلى الله عليه و سلم) و أصحابه من مكة إلى المدينة فرارا بالدين و خوفا من الفتنة و رغبة بما وعد الله من التوسعة في الرزق و ثبوت الأجر في حالة الوفاة قبل بلوغ البلاد المنتقل إليها (1) قال تعالى: وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (2) و روي عنه (صلى الله عليه و سلم) قوله: إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرى‏ء ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (3).

2- الرحلة في طلب العلم:

وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة، تبين هذا النوع من الرحلة. و أشهر رحلة علم وردت فيه. هي رحلة موسى (عليه السلام) مع الخضر (عليه السلام) ليتعلم منه قال تعالى: وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً. فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً. فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً. قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا

____________

(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 5، ص 347- 351؛ سيد قطب: في ظلال القرآن، ج 2، ص 745- 746.

(2) القرآن الكريم: سورة النساء، 4/ 100.

(3) البخارى: صحيح البخارى بحاشية السندى، ج 1، ص 6؛ مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي، ج 13، ص 53- 54.

34

الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى‏ آثارِهِما قَصَصاً. فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قالَ لَهُ مُوسى‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً. قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً. قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً. فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً. قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً. فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً. قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً. فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً. قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً. وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً. فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً. وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَ يَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (1).

فهذه الآيات مثال واضح ضربه الله تعالى لطلب العلم و بيان وجوبه. و قد فهم المسلمون معنى ذلك مبكرا، فسعوا لطلبه من مكان إلى آخر، مع الحرص على لقاء العلماء و الأخذ عنهم.

فموسى (عليه السلام) بالرغم من بلوغه تلك المرتبة العالية عند الله تعالى و اختصاصه بكلامه يرحل إصرارا على لقاء العبد الصالح بغض النظر عن‏

____________

(1) القرآن الكريم: سورة الكهف، 18/ 60- 82.

35

المسافة و المشقة (1). و طالبا بأدب‏ (2) و سائلا إياه أن يعلمه مما علمه الله تعالى و اشتراطه بعدم الاستفسار مما يراه مخالفا لشريعته‏ (3) مقابل ذلك يفسر له ما غمض عليه و يمضي السرد القرآني إلى أن يفترقا (4). و من الآيات السابقة نستنتج أن الاستزادة من العلم واجبة على الإنسان و وجوب السعي و الرحلة لأخذ المزيد منه فكليم الله تعالى رحل لتحصيل علم لا يعرفه. و قد كان بمقدوره تعالى إحضار العبد الصالح إلى موسى (عليه السلام) لتعليمه، و لكنه سبحانه و تعالى أراد توضيح أن العلم يتطلب البحث و الانتقال لطلبه.

و قد اختلف القول في شخصية العبد الصالح أهو الخضر أم غيره، و لكن ثبت في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) رواه ابن عباس أنه الخضر (5).

إن الله تعالى خالق كل شي‏ء و مدبره و مسخره للإنسان و بالتالي وضع في الإنسان الدافع لاستكشاف كل ما حوله و الاستفادة منه في معرفة عظمة الخالق‏ (6)، قال تعالى: وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ (7).

و في القرآن الكريم آيات كثيرة للتفكر و التدبر: أولا في خلق الله تعالى ثم السعى لرؤية المزيد ترسيخا لإيمان الإنسان و منعا من المعاصي الموجبة للسخط و العذاب‏ (8).

____________

(1) سيد قطب: في ظلال القرآن، ج 4، ص 2278.

(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 17؛ سيد قطب: في ظلال القرآن، ج 4، ص 2279.

(3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 95.

(4) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 9- 23؛ سيد قطب: في ظلال القرآن، ج 4، ص 2279.

(5) البخاري: صحيح البخاري بحاشية السندى، ج 1، ص 25.

(6) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 16، ص 16؛ سيد قطب: في ظلال القرآن، ج 5، ص 3226- 3227.

(7) القرآن الكريم: سورة الجاثيه، 45/ 13.

(8) سيد قطب: في ظلال القرآن، ج 4، ص 2035.

36

3- الرحلة للحج:

قال تعالى: وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ‏ (1). فالدعوة لحج بيت الله الحرام قديمة منذ أيام خليل الرحمن (عليه السلام). فهو معروف في الجاهلية و مشهور. و كان مما يرغبهم إلى ذلك الأسواق التى تقام فيه، فلما جاء الإسلام ألزمهم به مرة في العمر للقادر على ذلك، قال تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ (2).

و أصبح الحج أحد قواعد الإسلام مقرونا بالاستطاعة. و أجيب نداء الله تعالى للمرة الثانية؛ و لكن المسلمين كرهوا التجارة و إقامة الأسواق في موسم الحج كما، هي حالهم في السابق على اعتبار أن أيام الحج أيام ذكر و عبادة (3).

فأنزل الله تعالى آية قرنت الحج بالتجارة و محت إحساسهم بالتحرج من ذلك.

فجمعوا رضى الله تعالى من أمر الدنيا و الآخرة. قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ‏ (4).

4- الرحلة للتجارة:

لقد مهر العرب في التجارة، و إن كان ذلك داخل نطاق محدود في الجاهلية.

فهم يرحلون رحلتين في الصيف و الشتاء إلى الشام و اليمن، و لكن بعد إسلامهم اتسع نطاق تجارتهم تبعا لاتساع دولتهم؛ بل لقد تعداه إلى أماكن لم يصلها غيرهم و لم يكتفوا بالرحلة برا؛ بل ركبوا البحر أيضا خاصة بعد أن وجه الله تعالى أنظارهم لذلك‏ (5)، قال تعالى: (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) (6). لم يكن القرآن الكريم وحده الحاث على‏

____________

(1) القرآن الكريم: سورة الحج، 22/ 27.

(2) القرآن الكريم: سورة آل عمران، 3/ 97.

(3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 414- 415.

(4) القرآن الكريم: سورة البقرة، 2/ 198.

(5) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 10، ص 291.

(6) القرآن الكريم: سورة الإسراء، 17/ 66.

37

الرحلة في طلب العلم، بل إن أحاديث الرسول (صلى الله عليه و سلم) فيها الشي‏ء الكثير الدال على فضل العلم و طلبه و الحث على ذلك. ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال" ... و من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة و ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم إلا نزات عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة و حفتهم الملائكة و ذكرهم الله فيمن عنده" (1).

و أما عن الأحاديث الدالة على الرحلة في سبيل العلم، فقد أشرنا إلى قصة موسى (عليه السلام)، فهى أصدق مادلت عليه. فالصحابة (رضوان الله عليهم) و من بعدهم التابعون و العلماء و بعض خلفاء المسلمين، يستشهدون بأحاديث الرسول (صلى الله عليه و سلم) الحاضة على العلم و فضله‏ (2).

و قد حرص صحابة رسول (صلى الله عليه و سلم) على المعرفة و الاستيضاح لكل ما سنه (صلى الله عليه و سلم) من أمور دينهم و دنياهم، فأبو هريرة رضي الله عنه يعد من أحرصهم عليه مبادرا بالسؤال. و كان الرسول (صلى الله عليه و سلم) يعلم فيه هذا و يحثه عليه فالعلم يؤخذ بالاستفسار و التقصي‏ (3).

كما حث الرسول (صلى الله عليه و سلم) على الترحيب بطلبة العلم الذين يقدمون على مسجده ليعلموهم فقد روي: عن أبى سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال:

سيأتيكم أقوام يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا لهم مرحبا بوصية رسول الله (صلى الله عليه و سلم) و اقنوهم" (4).

و يعدّ مسجد رسول الله (صلى الله عليه و سلم) بمثابة كبرى الجامعات في العالم الإسلامي يقبل إليه طلبة العلم للتزود منه فمما روي عنه (صلى الله عليه و سلم) حاثا على زيارته للعلم ما

____________

(1) مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي، ج 17، ص 21؛ ابن ماجه: السنن، ج 1، ص 82.

(2) البخاري: صحيح البخاري بحاشية السندي، ج 1، ص 24- 25؛ الترمذي: السنن، ج 4، ص 137؛ ابن ماجه: السنن، ج 1، ص 80.

(3) البخاري: صحيح البخاري بحاشية السندي، ج 1، ص 30.

(4) ابن ماجه: السنن، ج 1، ص 90- 91.

38

رواه أبو هريرة قال" سمعت رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يقول: من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله و من جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره" (1).

كما بين (عليه السلام) مكانة طالب العلم إذا توفي و هو على حاله، فعن" عبد الله بن عباس قال:" قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم)" من جاءه أجله و هو يطلب علما ليحيي به الإسلام لم يفضله النبيون إلا بدرجة" (2)، و ما رواه أيضا أبو هريرة و أبو ذر جميعا سمعا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يقول: «إذا جاء الموت طالب العلم و هو على تلك الحال مات شهيدا»" (3).

فالرسول (صلى الله عليه و سلم) يحبذ العلم على العبادة لأن من فقه في العلم أتقن العبادة" فعن أبي ذر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم)" يا أبا ذر لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة و لأن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل خير من أن تصلي ألف ركعة" (4).

و عند ما فهم الصحابة (رضوان الله عليهم) و من بعدهم التابعون فضل ذلك، أكبوا على العلم ينهلون منه، و رحلوا للأخذ من المدارس المنتشرة في الأقطار الإسلامية و التي يمثلها العلماء الموجودون بها بعد أن استقروا بها. فهذا ذر ابن حبيش يخرج للقاء صفوان بن عسال المرادي ليأخذ عنه فيسأله صفوان" ما جاء بك قال انبط العلم قال: فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يقول: «ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة اجنحتها رضا بما يصنع" (5). كما خرج جابر بن عبد الله لعبد الله بن أنيس في طلب حديث المظالم فرحل إليه حتى قدم عليه الشام و سمع منه ثم انثنى عائدا" (6).

____________

(1) المصدر السابق و الجزء، ص 82- 83.

(2) ابن عبد البر: جامع بيان العلم و فضله، ج 1، ص 115.

(3) المصدر السابق و الجزء و الصفحة.

(4) ابن ماجه: السنن، ج 1، ص 79.

(5) المصدر السابق و الجزء، ص 82.

(6) ابن عبد البر: جامع بيان العلم و فضله، ج 1، ص 111- 112.

39

كما كان (عليه السلام) يحث صحابته على التبليغ عنه لمن لم يسمعه. فعن ابن عمر قال:" إن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال ليبلغ شاهدكم غائبكم" (1). فالرسول (صلى الله عليه و سلم) عالم بطبائع البشر فربما كان من يحمل العلم يستفيد منه غيره إذا أبلغه فورد في هذا المعنى ما رواه أنس بن مالك قال" قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني فرب حامل فقه ليس بفقيه و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" (2).

و جعل الرسول (صلى الله عليه و سلم) تبليغ العلم أفضل الصدقات. فعن أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال «أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علما ثم يعلمه أخاه المسلم" (3)، و في المقابل حذر (عليه السلام) من مغبة كتمان العلم و عدم نشره.

فعن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال «ما من رجل يحفظ علما فيكتمه إلا أتي به يوم القيامة ملجما بلجام من النار" (4).

و مما لا شك فيه أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) ابتغى من وراء أحاديثه الحث على العلم النافع المحمود فمن دعاء رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ما رواه أبو هريرة قال" كان رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يقول اللهم انفعني بما علمتني و علمني ما ينفعني و زدني علما و الحمد لله على كل حال" (5).

و نجد أن أحاديث رسول الله (صلى الله عليه و سلم) عن العلم و الحث عليه متممة لما جاء في القرآن الكريم خاصة و أن أول آية نزلت من كتاب الله تعالى هي: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏ (6) أمر للرسول (صلى الله عليه و سلم) ينطبق على أمته من بعده خاصة و أنه أمر بالاستزادة من العلم في قوله تعالى: وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (7) و هذا أيضا يشمل أمته (عليه السلام).

____________

(1) ابن ماجه: السنن، ج 1، ص 86.

(2) المصدر السابق و الجزء و الصفحة.

(3) المصدر السابق و الجزء، ص 89.

(4) المصدر السابق و الجزء، ص 96.

(5) المصدر السابق و الجزء، ص 92.

(6) القرآن الكريم: سورة العلق، 96/ 1.

(7) القرآن الكريم: سورة طه، 20/ 114.

40

فهذا مفهوم القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة للعلم؛ لذا كثرت الرحلات في سبيل طلب العلم سواء أثناء وجود الرسول (صلى الله عليه و سلم) قبل هجرته أو بعد هجرته إلى المدينة، و أيضا بعد انتقاله (عليه السلام) إلى جوار ربه. فكثرت الرحلات في طلب الحديث و قطعت المسافات الطويلة لسماعه من العلماء المنتشرين آنذاك في الأقطار الإسلامية.

ثالثا: الرحلة في مفهوم اللغة:

الرحلة في اللغة الترحيل و الارتحال بمعنى الإشخاص و الإزعاج. يقال رحل الرجل إذا سار (1). فالرحلة هنا بمعنى السير و الضرب في الأرض و جاءت الرحلة بمعنى الارتحال أي الانتقال من مكان لآخر" و الترحل و الارتحال الانتقال و هو الرحلة و الرحلة اسم للارتحال".

و جاءت الرحلة أيضا بمعنى الجهة التي يقصدها الإنسان" الرحلة الارتحال. و الرحلة بالضم الوجه الذي تأخذ فيه و تريده؛ تقول أنتم رحلتي أي الذين أرتحل إليهم". كما تطلق الرحلة أيضا على السفرة الواحدة" الرحلة السفرة الواحدة" (2).

و مما سبق في معنى الرحلة نجد أنها جاءت بمعنى السير و الانتقال و الوجهة أو المقصد الذي يراد السفر إليه. و بمعنى دنو المكان المراد الوصول إليه. أو اقتراب وقت الرحيل؛ و لهذه المعاني كلها كان لفظ رحلة يطلق على من انتقل من مكان لآخر. و منه أخذ لفظ رحّال: و هو الشخص المتنقل من مكان لآخر.

فالشخص الذي قام بالرحلة، قد ترك موطنه، و انتقل إلى مكان آخر، و سافر من موطنه و قصد جهة أخرى غير موطنه و سار إليها؛ لذا كان لفظ رحلة أعم‏

____________

(1) ابن منظور: لسان العرب، ج 11، ص 276؛ الفيروز أبادي: القاموس المحيط، ج 3، ص 394؛ الفيومي: المصباح المنير، ج 1، ص 264.

(2) ابن منظور: لسان العرب، ج 11، ص 279؛ الفيروز أبادي: القاموس المحيط، ج 3، ص 394؛ الفيومي: المصباح المنير، ج 1، ص 264.

41

و أشمل ما يطلق على المسافر من مكان إلى آخر، فالرحال صفة مشتقة من الفعل الذي قام به و هو الرحلة.

و رحلات المسلمين منذ بدايتها كانت كاملة. متوفر بها جميع الأسباب و الوسائل. فمنهم من رحل لأخذ العلم، و منهم من رحل لاكتشاف الأقطار المراد فتحها و هناك رحلات منتظمة ربطت أقطار الدولة الإسلامية بعضها ببعض، مثل البريد المعروف في الدولة الإسلامية.

و عرفت الدولة الإسلامية نظام الجواسيس لمعرفة خطط المشركين ضدها.

و أول من أوكل له القيام بهذا العمل هو عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، فقد أمره أبو بكر بالتحري عن أقوال قريش فيه و في رسول الله (صلى الله عليه و سلم) نهارا و يأتيه بالأخبار ليلا في غار ثور عند هجرتهما إلى المدينة (1).

و كانت الناحية الاقتصادية ذات أهمية في الدولة الإسلامية فرافق نشوءها تنظيمات إدارية تتطلب الرحلة لوصف البلدان المفتوحة، و تقدير الأموال المفروضة على أهلها من جزية أو خراج‏ (2)، و يضاف أيضا رحلات المسلمين التجارية و وصولهم لأماكن لم تكن معروفة لهم سابقا (3) إلى جانب الرحلة لأداء فريضة الحج و زيارة المسجد النبوي في المدينة المنورة.

و من خلال رحلات الحج لمعت أسماء بعض من قام بها لتسجيلهم مشاهداتهم بأسلوب جميل و سهل الوضوح لكل مامر بهم منذ خروجهم من مدنهم إلى وصولهم لمكة المكرمة و المدينة المنورة. و شمل الوصف الطرق التي قطعها الرحالة، و الحياة الاجتماعية و العمرانية لكل المدن التي وصلوا إليها.

و من أمثلة هؤلاء الرحالة ابن جبير، و القاسم بن يوسف التجيبي السبتي، و ابن بطوطة، و خالد بن عيسى البلوي.

____________

(1) ابن هشام: السيرة النبوية، ج 2، ص 485.

(2) أحمد رمضان أحمد: الرحلة و الرحالة المسلمون، ص 11.

(3) المرجع السابق، ص 13.

42

رابعا: بداية الرحلات في الإسلام و أشهرها

: 1- رحلة الإسراء و المعراج:

قال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1).

و أسرى بعبده معناه سير عبده، و أسريت إذا سرت ليلا (2).

إن حادثة الإسراء ثابتة متواترة منذ حدوثها. فقد سيره سبحانه و تعالى، ليلا إلى المسجد الأقصى. و سمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام، فهو لا يبلغ إلّا برحلة و راحلة. و قال المفسرون إنما قال ليلا بلفظ التنكير لتقليل مدة الإسراء؛ و إنه قطع به المسافات الشاسعة البعيدة في جزء من الليل. و كانت مسيرة أربعين ليلة (3). و هذه رحلة كما في سياق الآية لرؤية آيات الله تعالى و الوقوف عليها.

2- رحلة أبي ذر الغفاري لفهم تعاليم و قواعد الإسلام:

من أولى الرحلات في عهد الرسول (صلى الله عليه و سلم) أثناء وجوده بمكة المكرمة أول مبعثه، و غرضها معرفة مبادى‏ء الدعوة الإسلامية. و هي رحلة أبي ذر الغفاري إلى مكة المكرمة إبان مبعثه (صلى الله عليه و سلم) للتثبيت مما يدعو إليه‏ (4).

3- رحلات لتعليم مبادى‏ء الإسلام و هجرة الصحابة من أرض الشرك:

و هذه الرحلات حدثت في وقت مبكر من الدعوة، فمنها رحلة مصعب ابن عمير عقب بيعة العقبة الأولى إلى المدينة المنورة مع وفد العقبة ليقرئهم القرآن و يعلمهم الإسلام و يفقههم في الدين‏ (5).

____________

(1) القرآن الكريم: سورة الإسراء، 17/ 1.

(2) ابن منظور: لسان العرب، ج 14، ص 382.

(3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 1، ص 204- 212؛ الصابوني: صفوة التفاسير، ج 2، ص 151.

(4) مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي، ج 16، ص 27- 31؛ ابن الأثير: أسد الغابة، ج 5، ص. 10- 101؛ ابن حجر: الإصابة، ج 4، ص 62- 63.

(5) ابن هشام: السيرة النبوية، ج 1، ص 434.

43

و كانت رحلات الصحابة بأمر من الرسول (صلى الله عليه و سلم) بترك أرض الشرك عقب معاناتهم من أذى المشركين. فأشار عليهم بالتوجه إلى الحبشة فأستجابوا لذلك فرارا بالدين و خوفا على أنفسهم من الفتنة. و تتابعت هجرة المسلمين إلى الحبشة؛ فمنهم من خرج بأهله و منهم من خرج وحيدا. ثم تلتها هجرة الرسول (صلى الله عليه و سلم) من مكة إلى المدينة، و قد سبقه إليها بعض أصحابه‏ (1). ثم تتابعت البقية لحاقا به.

4- رحلات تجسس:

وجد هذا النوع من الرحلات منذ بدء الإسلام، و تنوعت أغراضها أثناء حياة الرسول (صلى الله عليه و سلم) فمنها ما كان بغرض التجسس على الأعداء مثلما حدث في غزوة بدر حين" بعث الرسول (صلى الله عليه و سلم) علي بن أبي طالب و الزبير بن العوام و سعد ابن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر" (2).

و استمر هذا النوع من الرحلات الاستكشافية في عهد الخلفاء الراشدين و من تلاهم من الخلفاء و مثال ذلك. ما حدث في معركة القادسية حيث بعث سعد كاشفا إلى الحيرة (3)، فأتاه الخبر بأن الملك قد أمّر على الحرب رستم ابن الفرخزاد الأرمني و أمده بالعسكر (4).

5- رحلات الوفود لاعتناق الإسلام:

بعد استقرار الرسول (صلى الله عليه و سلم) بالمدينة المنورة و انتشار دعوته بين القبائل العربية، قدمت عليه الوفود راغبة في اعتناق الإسلام. و منها وفد عبد القيس حيث أرشدهم لتعاليم الدين الإسلامي الصحيح و كانوا يجدون المشقة في القدوم‏

____________

(1) ابن هشام: السيرة النبوية، ج 1، ص 332- 323، 468، 485.

(2) المصدر السابق، ج 2، ص 616.

(3) (الحيرة) مدينة تبعد ثلاثة أميال عن الكوفة على موضع يقال له النجف و بالحيرة الخورنق بقرب منها مما يلي الشرق على نحو ميل و السدير وسط البرية التي بينها و بين الشام و كانت مسكن ملوك العرب في الجاهلية من زمن نصر ثم من لخم النعمان و آبائه. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 2، ص 328.

(4) ابن كثير: البداية و النهاية، ج 7، ص 37.

44

عليه لحيلولة قوم من الكفار بين ديارهم و المدينة، فأجابهم إلى ما سألوه في الشئون الدينية ليكونوا دعاة الدين الإسلامي لقبيلتهم و القبائل المجاورة لهم. (1) و منهم من يأتي وحيدا و يكون سببا في إسلام قومه مثل ضمام بن ثعلبة (2).

6- رحلات الرسل لتبليغ الدعوة الإسلامية:

بعد إرساء قواعد الدولة الإسلامية وقع عب‏ء تبليغ الدعوة للجهات النائية على الرسل الذين انطلقوا لنشر تعاليم الإسلام. و منهم معاذ بن جبل الذي توجه بأمر الرسول (صلى الله عليه و سلم) إلى اليمن‏ (3).

و قد أحسن الرسل أداء مهمتهم على أكمل وجه، و خاصة أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) أرشدهم إلى الطرق الصحيحة لذلك.

7- رحلات لفهم أحكام الشريعة:

بعد فتح مكة المكرمة وجد نوع جديد من الرحلات للاستعلام عن بعض أحكام الشريعة الإسلامية و مراجعة الرسول (صلى الله عليه و سلم) في ذلك مثل رحيل عقبة ابن الحارث إلى المدينة للاستعلام عن حكم الرضاعة (4)، و نلاحظ من أمثلة الرحلات التي قامت في حياة الرسول (صلى الله عليه و سلم): إما لتبليغ دعوة الإسلام إلى مناطق لم يصلها، و إما لمعرفة تعاليم الدين الجديد، أو للتجسس، و إما لمعرفة حكم من أحكام الإسلام.

8- الرحلة لمراجعة الأحاديث النبوية:

عقب وفاة الرسول (صلى الله عليه و سلم) لم تنقطع الرحلات نظرا لتفرق الصحابة في البلدان المفتوحة و استقرارهم بها. فكثرت أسفار بعضهم للبعض الآخر لمراجعة الأحاديث النبوية خشية نسيانها و حفاظا عليها. و من أمثلة هذه الرحلات رحلة

____________

(1) مسلم: صحيح مسلم، ج 1، ص 187- 188.

(2) البخاري: صحيح البخاري بحاشية السندي، ج 1، ص 22؛ ابن الأثير: أسد الغابة، ج 2، ص 439- 440؛ ابن حجر: الإصابة، ج 2، ص 210- 211.

(3) ابن هشام: السيرة النبوية، ج 4، ص 590.

(4) البخاري: صحيح البخاري بحاشية السندي، ج 1، ص 28.

45

جابر بن عبد الله لعبد الله بن أنيس، و رحلة أبي أيوب لعقبة بن عامر (1).

و يمكننا أن نعزو كثرة الرحلات العلمية في ذلك الوقت إلى عدم تدوين الحديث الذي لم يتم تدوينه بصورة رسمية في مصنفاته إلا في النصف الأول من القرن الثاني الهجري‏ (2).

و قد رحل التابعيون أيضا لطلب الحديث الواحد؛ بل و حتى لضبط حرف منه‏ (3).

و من فوائد رحلات طلاب الحديث و تنقلاتهم بين الأقطار الإسلامية الاطلاع على الروايات المتعددة أحيانا للحديث الواحد. و من هذا ما حدث عند ما قدم البخاري للبصرة فطلبوا منه أن يعقد لهم مجلسا للإملاء فأجابهم و حدد لهم موعد المجلس الذي حضره جمع غفير من الفقهاء و المحدثين و الحفاظ و النظار. حدثهم فيه بأحاديث ليست عندهم بالأسانيد التي ذكرها (4).

و من فوائد الرحلات ما يقام من مناظرات. و الامتحانات التي تعقد لاختبار كفاءة و علم العلماء. و منها على سبيل المثال ما حدث للإمام البخاري في بغداد حيث اجتمع العلماء لامتحان علمه و حفظه، و عمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها و أسانيدها و جعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر و إسناد هذا المتن لآخر و دفعوها لعشرة أشخاص لإلقائها على البخاري. و بعد إلقاء كل شخص بما عهد إليه من أحاديث، و هو لا يزيد على قوله بعد سماع كل حديث لا أعرفه. و كان العلماء الذين حضروا المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض و يقولون فهم الرجل و من لم يدر القصة يقضي على البخاري بالعجز و التقصير و قلة الحفظ و بعد انتهاء إلقاء الأحاديث المائة، أعاد البخاري تصحيحها. فأقر له الناس‏

____________

(1) ابن عبد البر: جامع بيان العلم، ج 1، ص 111- 112؛ محمد عجاج الخطيب: السنة قبل التدوين، ص 177.

(2) محمد عجاج الخطيب: السنة قبل التدوين، ص 337.

(3) ابن عبد البر: جامع بيان العلم، ج 1، ص 113.

(4) البغدادي: تاريخ بغداد، ج 2، ص 15- 16؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 12، ص 409، 410؛ ابن حجر: هدية الساري، ص 487، المقدمة.

46

بالحفظ، و أذعنوا له بالفضل، خاصة و أنه صححها على الترتيب الذي سمعه‏ (1).

و أدى انتشار العلماء إلى تعدد المراكز العلمية، و التي أسهمت بدورها في النشاط العلمي على أيدي العلماء الموجودين بها أو العلماء المتنقلين بينها الحريصين على الاستزادة و نشر العلم بين الناس. و مثال ذلك تنقلات البخاري بين الأمصار الإسلامية فكانت أولى رحلاته سنة 210 ه/ 825 م لطلب الحديث و الحج‏ (2). و قال البخاري عن نفسه معبرا عن رحلاته الكثيرة قائلا:" دخلت إلى الشام و مصر و الجزيرة مرتين، و إلى البصرة أربع مرات، و أقمت بالحجاز ستة أعوام، و لا أحصي كم دخلت الكوفة و بغداد مع المحدثين" (3).

9- رحلات التجار:

لم تكن رحلات المسلمين مقتصرة على الناحية العلمية التي حظيت بالنصيب الوافر؛ بل كان للتجارة دور كبير، و خاصة أن أساطيل المسلمين التجارية أخذت تجوب جميع البحار، فليست رحلاتها قاصرة على المناطق الإسلامية؛ بل وصلت إلى مناطق شاسعة في الهند و الصين و البلدان الأوربية و غدا المسلمون بفضل نشاطهم البحري ذوي شهرة كبيرة و أصحاب ثروات هائلة (4).

و قد أسهمت رحلات التجار إلى تلك المناطق النائية في معرفة الكثير من أحوالها. و من أشهر التجار في هذا المجال سليمان السيرافي، و ابن وهب القرشي. و قد أفاض المسعودي في سرد رحلة ابن وهب القرشي التي نقلها عن أبي زيد الحسن السيرافي‏ (5).

____________

(1) البغدادي: تاريخ بغداد، ج 2، ص 20- 21؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء، 12، ص 408- 409.

(2) ابن حجر: هداية الساري، ص 486، المقدمة.

(3) المصدر السابق، ص 478، المقدمة.

(4) محمد محمود الصياد: رحلة ابن بطوطة، ص 7- 8.

(5) المسعودي: مروج الذهب، ج 1، ص 144.

47

و مع الأسف لم يكن شائعا في ذلك الوقت تدوين تلك المعلومات في كتب معروفة؛ بل عرفت عن طريق أصدقاء الرحالة من معاصريه، أو من خلال الأجيال التي تناقلتها بعد ذلك. و قد شكلت تلك المعلومات مادة علمية غزيرة استطاع المؤرخون الأوائل الاستفادة منها في كتاباتهم عن تلك البلدان سواء في النواحي السياسية أو الحضارية. و للدلالة على ذلك ما أورده المسعودي من خبر رحلة أحد تجار سمرقند إلى الصين، و ما لحقه من ظلم في مدينة خانقوا (1) من جابي الضرائب فما كان منه إلا أن رفع مظلمته إلى ملك الصين فأنصفه‏ (2).

تبع تلك الخطوة من قبل التجار، قيام نوع جديد من الرحلات. و هي الرحلات الجغرافية لوصف الطرق المؤدية إلى البلدان المفتوحة. و وصف أحوالها حيث اقتضت مصلحة الدولة ذلك‏ (3). فقدموا وصفا جغرافيا دقيقا لها.

و من أمثلة هؤلاء ابن خرداذبه الذي تولى منصب صاحب البريد في الدولة العباسية (4).

و قد اعتمد الجغرافيون في تصانيفهم على الوصف و المشاهدة و الملاحظة.

فنمت معارفهم الجغرافية، و أصبحت مؤلفاتهم ذات أهمية كبيرة؛ مما حدا بالخلفاء تكليف عمال اقتصرت مهمتهم على كتابة التقارير الجغرافية عن الأمصار المفتوحة (5).

____________

(1) (خانقوا) مدينة على نهر عظيم أكبر من دجلة يصب في بحر الصين. و تبعد هذه المدينة عن البحر مسيرة ستة أيام أو سبعة. و يدخل إلى هذا النهر سفن التجار الواردة من بلاد البصرة و سيراف و عمان و مدن الهند و جزائر الزابج و الصنف و غيرها من الممالك؛ بالأمتعة و الجهاز. و بالمدينة خلائق من الناس مسلمون و نصارى و يهود و مجوس و غير ذلك من أهل الصين. انظر المسعودي: مروج الذهب، ج 1، ص 138.

(2) المصدر السابق و الجزء، ص 140- 142.

(3) عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب و مقتطفات من آثارهم، ص 41.

(4) كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ج 1، ص 156.

(5) البلوي: تاج المفرق، ج 1، ص 86.

48

بالإضافة إلى ما سبق يبدو أنه قد توفرت لدى المسلمين الكثير من المعلومات عن الأقطار المراد فتحها. و مثال ذلك ما رواه اليعقوبي عن طلب عمرو بن العاص فتح مصر من الخليفة عمر بن الخطاب و ترغيبه في ذلك بقوله:

«يا أمير المؤمنين تأذن لي أن أصير إلى مصر فإنا إن فتحناها كانت للمسلمين و هي من أكثر الأرض أموالا، و أعجزه عن القتال» (1).

و نرى هنا أن عمرا بن العاص كان يعرف الشي‏ء الكثير عن مصر و ربما كان هذا بسبب اشتغاله بالتجارة قبل الإسلام؛ و لذلك شجع الخليفة على فتحها و ضمها لبلاد الإسلام.

بالإضافة إلى علم حكام الدولة الإسلامية بالبلدان المراد فتحها. فقد أرسل عمر بن الخطاب رسالة إلى سعد بن أبي وقاص يأمره فيها أن يصف له منازل المسلمين قبل معركة القادسية كأنه ينظر إلى أرض المعركة" (2).

و ربما يمكننا إرجاع العناية بالأقاليم و وصفها إلى بداية التأليف لأخبار الفتح و المغازي. يضاف إليه أن اتساع الدولة الإسلامية تطلب الوصف و الدراسة؛ تمهيدا لتطبيق أحكام الشريعة؛ و تسهيلا لمهمة الولاة (3).

و مما سبق يتضح لنا اختلاف أغراض الرحلة و الارتحال. و التي في جملتها أفرزت لنا أدبا مميزا يمكن أن نطلق عليه أدب الرحلة. و لا شك أن أمتع كتب الرحلات و أرفعها قيمة علمية و أدبية: هي تلك التي قام أصحابها بتأليفها بسبب خروجهم للحج أو طلب العلم أو الاثنين معا." فكانت حواضر العالم الإسلامي مراكز علم و إشعاع، خاصة مكة المكرمة و المدينة المنورة. فكان العلماء يقصدونهما بغية التزود بالعلم و المعرفة يفد إليهما الوافد من أقصى المشرق أو المغرب فيلتقي بعالم آخر من بلاد بعيدة عن بلاده فيحصل من هذا الالتقاء

____________

(1) اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 147- 148.

(2) الطبري: تاريخ الأمم و الملوك، ج 4، ص 90.

(3) أحمد رمضان أحمد: الرحلة و الرحالة المسلمون، ص 10- 11.

49

تقارب و تفاهم و استزادة علم و امتداد المعرفة و انتشار الأفكار بين مختلف الأقطار الإسلامية" (1).

و لقد كان للخلفاء دور كبير في بروز رحلات لها طابع خاص؛ و لعل أشهرها رحلة سلام الترجمان‏ (2).

رحلة سلام الترجمان:

نالت رحلة سلام الترجمان انتشارا و شهرة واسعة. حيث نجد الجغرافيين المسلمين يصفونها بالأخبار المشهورة (3) أو مشهور الأخبار (4) مما يدل على انتشارها و لكن؛ بالرغم من شهرتها إلا أنها عرضة للشك المتركز على ما ورد فيها من أخبار حتى أن من تطرق لذكرها من المؤرخين الجغرافيين كانوا على حذر شديد في الإشارة إليها حتى أن ابن خرداذبه معاصر سلام الترجمان في حديثه عن الرحلة قال: إنه سمعها أولا من سلام ثم نقلها من الكتاب الذي كتبه سلام للواثق بالله‏ (5) زيادة في الاستيثاق مما ورد فيها.

و قد نقل ابن رستة قول ابن خرداذبه حول الرحلة فقال": فحدثني سلام الترجمان بجملة هذا الخبر ثم أملاه علي من كتاب كان كتبه بذلك إلى الواثق و كتبناه نحن لنقف على ما فيه من التخليط و التزييد لأن مثل هذا لا يقبل صحته فوجدته موافقا" (6).

____________

(1) الدرعي: ملخص رحلتي ابن عبد السلام الدرعي المغربي، ص 11- 12.

(2) سلام الترجمان يجيد عدة لغات و ربما كان يعمل في ديوان الترجمة. أنظر ابن خرداذبه: المسالك و الممالك، ص 163.

(3) القزويني: آثار البلاد و أخبار العباد، ص 597.

(4) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 3، ص 199.

(5) هارون الواثق بالله ابن محمد المعتصم بالله ابن هارون الرشيد العباسي أبو جعفر من خلفاء الدولة العباسية بالعراق ولد ببغداد و ولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 227 ه/ 841 م و كان عمره اثنتين و ثلاثين سنة. انظر ابن خرداذبه: المسالك و الممالك، ص 162- 170؛ الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج 14، ص 15- 20.

(6) ابن رستة: الأعلاق النفيسة، ج 7، ص 149.

50

كما أن ياقوت الحموي بعد أن سرد رحلة سلام قال": قد كتبت من خبر السد ما وجدته في الكتب و لست أقطع بصحة ما أوردته لاختلاف الروايات فيه و الله أعلم بصحته فليس من صحة أمر السد ريب و قد جاء ذكره في الكتاب العزيز" (1).

و لا ريب أن كثرة الروايات و اختلافها جعلها مثار شك لدى ياقوت. و إن كان ما أورده عن رحلة سلام موافقا في معظمه لما ذكره ابن خرداذبه.

و مجمل الرحلة كما أوردها ابن خرداذبه أن الخليفة الواثق رأى في منامه كأنّ السد الذي يحجز يأجوج و مأجوج قد انفتح. و وقع اختياره على سلام الترجمان كرجل يصلح لمهمة الاستطلاع فهو كما يقال:" يتكلم بثلاثين لسانا" فجهزه بكل ما يحتاجه و أمره بالخروج بعد أن زوده بكتب توصية لكل الملوك و الأمراء الذين تقع مماليكهم في طريقه لتسهيل مهمته. و قد وصف سلام جميع ما مر به في رحلته إلى أن وصل إلى مكان السد و أتم مهمته و تأكد أن السد لا يزال سليما، فعاد إلى سر من رأى. و كان من وقت خروجه إلى وقت عودته ثمانية عشر شهرا (2).

و قد حفل وصف سلام بالكثير من الغرائب التي اختلط بها الكثير من الأساطير المنتشرة هناك، و أوردها على أنها حقيقة مما جعلها مثار شك كبير لدى من تعرض لذكرها. و لكن مجي‏ء ذكر الرحلة بألفاظ سلام في كتاب ابن خرداذبه يوحي بأن الرحلة قد حصلت فعلا لاعتماده على ما ورد في الكتاب المقدم للواثق بالله.

____________

(1) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 3، ص 200.

(2) ابن خرداذبه: المسالك و الممالك، ص 162- 169؛ القزويني: آثار البلاد و أخبار العباد، ص 597- 599؛ ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 3، ص 199- 200؛ زكي محمد حسن:

الرحالة المسلمون في العصور الوسطى، ص 15- 18؛ على محسن عيسى مال الله:

أدب الرحالة عند العرب في المشرق، ص 31- 34؛ أحمد رمضان أحمد: الرحلة و الرحالة المسلمون، ص 38- 40.