تعريب رحلات في فارس‏ - ج1

- جان شاردن المزيد...
217 /
5

الجزء الأول‏

[مقدمات التحقيق‏]

استهلال‏

يصدر هذا الكتاب في إطار خطة متكاملة لتحقيق و ترجمة و نشر مجموعة مختارة من أعمال الرحالة و الحجاج و الأدباء الأوروبيين إلى الشرق، و ذلك منذ أقدم الرحلات إلى هذه الديار و حتى الرحلات التي قام بها الأدباء و الحجاج و السفراء و السائحون في مطلع القرن العشرين.

بما يشكل موسوعة معرفية متكاملة تكشف عن جغرافيا الشرق كما تمثلتها عبر العصور يوميات المسافرين الأوروبيين.

يسجل لأدب الرحلة الغربي إلى الشرق محاولته اكتشاف عالم مختلف و نقل الانطباعات عن هذا العالم لكن هذا الأدب كان في جانب منه قائما على تنميط الشرق و الشرقيين، عبر رسم صور دنيا لهم، بواسطة مخيّلة جائعة إلى السّحري و الأيروسيّ و العجائبيّ.

إن أحد أهداف هذه السّلسلة من كتب الرحلات هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكّل عن طريق الرحلة، و الأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرّحالة، و الانتباهات التي ميّزت نظرتهم إلى الدول و الناس و الأفكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكّل ثروة معرفيّة كبيرة، و مخزنا للقصص و الظواهر و الأفكار، فضلا عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف‏

6

و الغريب و المدهش مما التقطته عيون تتجوّل و أنفس تنفعل بما ترى، و وعي يلمّ بالأشياء و يحلّلها و يراقب الظواهر و يتفكّر بها.

و الواقع أنه لا يمكن قراءة نصوص السفر الغربية إلى الديار المقدسة في فلسطين و الأردن، أو إلى المناطق و الأقاليم المجاورة، و الشرق بصفة عامة، بمعزل عن جملة التطورات التي شهدها التاريخ الأوروبي في علاقته بالعرب و الشرقيين عبر محطات كبرى (الحروب الصليبية، سقوط القسطنطنية، سقوط الأندلس، نشأة الاستعمار الحديث) و بالتالي فهي نصوص تأسرها النظرة الغربية المسبقة إلى الشرق و الشرقيين. و لا يجوز عزل هذه النظرة أيضا عن استراتيجيات دول المركزية الغربية في التطلع نحو أراض و أسواق و استثمارات في الشرق، و ذلك في ظل حراك إجتماعي، سياسي، علمي، اقتصادي، عسكري، إمبراطوري الطابع، و من ثم حركة دؤوبة للبر جوازية الوليدة في مجتمعات دخلت عصور الصناعة الثقيلة و تحولت إلى مراجل أكول لم يكن ليكفيها ما تملكه من ثروة خاصة بها، فراحت عينها تتسع أكثر فأكثر على ثروات الشرق، و قد رافقها في الرحلة إليه و صافو الشرق من رسامين، و مستكشفين، و مغامرين عبر المدن و الصحارى و الجبال و السواحل قريبة و بعيدة عن عواصم الشرق.

بمتعة و حبّ اكتشاف للنظرة المختلفة يمكن قراءة جزء من نصوص الرّحالين الغربيين إلى الشرق و الديار المقدسة، و بتحفظ و تنبه لما في السطور و بين السطور و وراء السطور يجب قراءة بقية الأجزاء. من دون إغفال أهمية هذه النصوص كوثائق عن رؤية الآخر لنا.

7

بإنجاز هذا المشروع بشقيه الورقي و الإلكتروني تتوفر المكتبة العربية على كتر فكري و أدبي أنتجته الأمم عبر قرون و ما يزال أغلبه في مخطوطات، أو طبعات قديمة صارت خارج التداول، و بالتالي نتطلع إلى أن تكون هذه الموسوعة بمثابة ذخيرة للثقافة العربية تمكن من وضع شرق الرحالة بصورة موسوعية في متناول وعي الأجيال المقبلة.

محمد أحمد السويدي‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مدخل‏

سأقتصر هنا على تقديم بعض التفاصيل المتعلقة بأعمال شاردان، مع إيلاء عناية خاصة بمجلدي المؤلف غير المعروفين فعليا في الإنجليزية، و يعاد طباعتهما هنا للمرة الأولى.

بعد زيارته الثانية إلى بلاد فارس العام 1669، عاد شاردان إليها.

و في العام 1671 نشر عملا تحت عنوان" تتويج سليمان الثالث" حيث كان شاهد عيان. العام 1671، شرع ثانية في رحلة إلى فارس و لم يعد إلى أوروبا إلا بحلول 1677. كان شاردان قد وضع مخطّطا لكتاب حول رحلاته في أربعة مجلدات، لم يظهر منها عمليا سوى الأول في لندن العام 1686 تحت عنوان" وصف رحلة شاردان في فارس و الهند الصينية" شمل إعادة طباعة" تتويج سليمان الثالث" كما نشر في سنة 1671. تزامن نشر الترجمة الإنجليزية و نشر النسخة الفرنسية.

لم تعرف أسباب عدم نشر مجلدات أخرى من هذه النسخة، لكن ظهر أن شاردان كان على اتصال و جان لوي دو لورمي، ناشر في أمستردام، نشر العام 1711 المجلدات الثلاثة الباقية من" وصف رحلة ..." هذه النسخة المؤلفة من عشرة مجلدات أيضا، هي بمثابة نسخ موسعة من النسخة المؤلّفة من المجلدات الأربعة، و تشمل إعادة طباعة هذه الترجمة كتاب ج. م. زامبي" علاقة المينجريلين" الذي كان المجلد السابع من كتاب ج. ف. بيرنارد" مجموعة رحلات إلى الشمال" و نشر سنة 1731.

10

الآن، نأتي إلى النسخة الإنجليزية المكونة من مجلدين، التي يبدو أن كل مؤرخي الكتب لم ينتبهوا إليها، و لم تذكر حتى في مقالة و يستباي- جيبسون في" قاموس السير الوطنية". نشر الكتاب، المعاد طباعته، في ثمانية مجلدات، كما هو مدون على الغلاف، صدر أولها العام 1720.

كما ذكر في نهاية الاستهلال، موّل صدور العمل بالتبرع، و من الجلي أن الاستجابة لم تؤهله للاستمرار. لا بد أن الناشر، السيد ج. سميث، كان يملك عددا كبيرا من نسخ المجلدين الأولين، و حاول بيعها بكل السبل الممكنة. كانت المحاولة الأولى بمحو كلمة" ثمانية" من الغلاف و استبدالها" باثنين". توجد نسخة منها في مكتبة جمعية الجغرافيا الملكية. المحاولة التالية من طرف السيد سميث كانت بتصميم غلاف جديد للعمل غير الكامل تحت عنوان" مجموعة جديدة لرحلات و أسفار لم تنشر بالإنجليزية من قبل أبدا، تشمل أدق وصف لبلاد فارس و أمم الشرق الأخرى ...".

لم يكن هناك ذكر لشاردان أو لويد على الغلاف إطلاقا، و التاريخ هو العام 1721. محتويات المجلدات نفسها لم تتغير و ملازم المجلد الثاني عليها علامة" المجلد الأول" كما هي الحال أيضا في نسخة 1920 الأصلية. توجد نسخة منها في مكتبة بودليان.

بدا أن هذا المخطط كان فاشلا أيضا، و أن السيد سميث قد باع النسخ المتبقية عنده إلى مؤسسة أخرى، لأنها صدرت العام 1724 بغلاف آخر يحمل أسماء أربعة ناشرين أو باعة كتب مختلفين. كتب على الغلاف:" وصف جديد و دقيق لبلاد فارس و أمم الشرق الأخرى، يشمل التاريخ الطبيعي ...، في مجلدين- لندن- 1724. توجد نسخة منها في مكتبة المتحف البريطاني، غلافها في الصفحة المقابلة.

العام 1735، صدرت نسخة من أربعة مجلدات، تتضمن مقتطفات جديدة عديدة من مخطوطات شاردان، إلا أنها تحذف بعض المقاطع التي تعتبر أنها تحمل هجوما مباشرا على أتباع كالفن‏Calvin .

11

لم تظهر النسخة الكاملة حتى العام 1811، حين نشرت في عشرة مجلدات مع ملف صور بريشة م. أ. لانجلي. أما ما يتعلق بالحذف في النسخ السابقة، نجد بعض المعلومات المثيرة للاهتمام في" تراجم السير العالمية" المجلد الثامن ص. 74- باريس 1813، التي منها أقتطف الفقرة التالية:

" نقول إنها كاملة تقريبا، لأن قيم مكتبة ديلورم، الذي كان قد سجن يوما في الباستيل، قد اشترط على الكاتب حذف بعض المقاطع التي يمكن أن لا تروق لرجال الدين في الكنيسة الرومانية، و بالتالي تهدد سكون قيم المكتبة، حتى و لو كانت في هولندا، و تمنع رواج العمل في فرنسا. لقد تم إعادة تضمين هذه المقاطع، ربما بابتذال، في نسخة 1735، المجلد الرابع، لدرجة لا يمكننا أن نستبعد أن مروجي هذه النسخة جعلوا شاردان مسؤولا عن النقد اللاذع الموجه ضد المعمدانيين. كان هؤلاء الكلفانيون منهمكين. بمشاكل طائفتهم أكثر من عظمة شاردان، لذا تركوا لبعض الجهلة من المسؤولين عن المطابع مهمة إصدار هذه النسخة التي نلاحظ فيها بعض الأخطاء المطبعية، و الحذف الجسيم المروع. و لقد بلغ ثمنها- مؤخرا- سعرا باهظا رغم الشوائب. تجرأ كاتب هذا المقال بالقول إن هذه الشوائب التي تسببت فيها في النسخ الثلاث الأصلية من رحلات شاردان لا وجود لها في النسخة التي قام بنشرها سنة 1811، و المكونة من عشرة مجلدات مرفقة بأطلس، تتضمن كل سمات النسخ السابقة، علاوة على خريطة فارس رسمها بدقة فائقة السيد م. لابي" (1). نها أنها

لم يبق سوى أن نذكر المنهج المتبع في نسخة العام 1720، المعاد طبعها. لقد صححت فيها كل الأخطاء المطبعية البديهية، مع المحافظة على أشكال الطباعة و الهجاء المعاصرة. في بعض الحالات يعثر على أسماء

____________

(1) هذا النص ورد بالفرنسية المترجم خ خ‏

12

علم مكتوبة بأساليب متعددة مختلفة. قمنا هنا بأكثر طباعة مقبولة في تصحيح الهجاء. كان أحد الأخطاء الرئيسة في المجلد الأول حذف عنوان الفصل الثامن، و نقل عنوان الفصل السابع إلى أعلى الفصل الثامن.

استدعى هذا بعض التغييرات في التصميم، لكنه أعيد الآن لما كان جليا أنه مقصود في النسخة الأصلية.

أود أن أذكر في الخلاصة أن إعادة طباعة رحلات شاردان قد نشرت في مجموعات متعاقبة من" الرحلات". تظهر الرحلة عن طريق البحر الأسود إلى فارس في المجلد الثاني (ب) من كتاب هاريس‏

" Navigatium atque Itincrantium Bibliotheca"

و المجلد الخامس عشر و السادس عشر من" العالم الشاسع" 1767- 1768 يوجد ملخص لكل رحلاته في كتاب بينكيرتون" رحلات" المجلد التاسع، 1808- 1814. راجع أيضا" مجموعة جديدة من الرحلات" 1767 المجلد السادس.

كما يطيب لي أن أعبر عن امتناني لقيّم مكتبة مكتب الهند، و أدين له بالكثير لإعارتي نسخة العام 1720 من الترجمة الإنجليزية لشاردان، التي تعاد طباعتها هنا.

ن. م. بينزير

13

في الكتاب‏

الفصل‏I وصول المؤلف إلى أصفهان. حملة السيد" دو لا" هي إلى الهند الشرقية، و إخفاقه و أسباب ذلك. ثيران برية في خليج ترنيك- ميل.

ميزات خاصة للحم هذا الحيوان. رشق المدفعية و احتلال كورومانديل.

الفصل‏II المؤلف يكرس وقته لاستقبال معارفه، و النصائح المتعلقة بسلوكه منذ وفاة الملك. فسوق الملك الحالي و انتهاكاته في هذه النوبات و سكره.

إعادة تعيين رئيس الوزراء السابق. أسلوب الترفيه عن الملك.

الفصل‏III المؤلف يرسل إلى الناظر بخصوص ما كلفه به الملك الراحل في موضوع المجوهرات. شخصية الناظر. المؤلف يقرأ مضمون رسالة فرنسية باللغة الفارسية.

الفصل‏IV رسائل من السيد كارون إلى السيد دو ثو، كونت ميسلي، مدير الشركة الشرقية الفرنسية، مع تعليمات تتعلق بالتجارة. إضافة إلى الموضوع السابق.

14

الفصل‏V رسالة ملك فرنسا إلى إمبراطور الصين. تعليماته إلى مبعوثه إلى بلاط خان التتار و بلاط إمبراطور الصين. رحلته من ذاك المكان إلى الهند الشرقية.

الفصل‏VI رسالة ملك فرنسا إلى إمبراطور اليابان، المتعلقة بالتجارة. تعليمات موجهة إلى السيد كارون، المبعوث إلى البلاط الياباني. أسلوب تغليف و حمل رسالة الملك إلى البلاط.

الفصل‏VII ثلاثة مبعوثين من الشركة ينضمون إلى المندوبين، لكن دون أي صفة. الرسالة التي يحملونها إلى ملك فارس. عيوبها. تلبية طلبهم بواسطة وسائل المؤلف.

الفصل‏VIII (ليس هناك عنوان لهذا الفصل)

الفصل‏XI المؤلف يقدم احترامه إلى الشخصين المفضلين عند الملك، اللذين وعداه بخدمة لكنهما لم يقوما بشي‏ء، زيارات إلى شخصيات رفيعة المستوى، طلب لمقابلة الناظر. تقديم جواهره.

الفصل‏X أمر بحصول المبعوث الفرنسي على مقر إقامة. عدد بيوت الملك في أصفهان. الناظر يطلب المؤلف ثانية بخصوص المجوهرات. ما يجري بينهما يخصهما. عينة مرموقة من المهارة الشرقية. قدوم سفير المسكوب. عادات الفرس في استضافتهم.

15

الفصل‏XI قائد بوابة الحريم يجلد بالعصا. بعض النبلاء الشباب يشرب حتى الثمالة، و أمر الملك في ذلك. لقاء آخر حول المجوهرات. تحديد يوم استقبال المبعوث الفرنسي على الملأ. التماس الأرمن المسيحيين. مجي‏ء السفير الفرنسي و استقباله.

الفصل‏XII الملك يهين الوزير الأول أثناء سكره. ترتيب مائدة السفير إبان إقامته في أصفهان. الملك يتمادى في إهانة الوزير الأول أثناء سكره أكثر من قبل. اتصال الهولنديين بشأن الحرير يؤخذ بعين الاعتبار، و تخفيض المكوس عليها.

الفصل‏XIII المؤلف يعامل بكياسة أثناء مرضه. خراب إثر هزة أرضية. واجبات البرتغاليين. المبعوث يقدم التماسا ليؤذن له بالانصراف، رئيس الأرمن يعتنق الإسلام، و الخشية من العواقب. تأثير تطبيقها على البابا.

الفصل‏XIV المؤلف ينهي مسألة بيع مجوهراته مع الناظر. الأسباب التي دعته لتطويل البت فيها.

الفصل‏XV زواج أكبر أنجال الناظر. حاكم إقليم يجلب سجينا إلى المدينة.

صدور أمر يخص أموال المؤلف، عينة من لؤم الناظر.

16

الفصل‏XVI الناظر يستضيف الملك، وصف ذلك. مبعوث شركة الهند الشرقية الفرنسية يرغب في مقابلة الملك. ختان الأرمني معتنق الإسلام. زيارة الصدر أو المفتي الأكبر، و استقبال لطيف.

الفصل‏XVII سفير بلاد المسكوب يأتي للمقابلة. خصام بين المبعوث الفرنسي و الوكيل البريطاني حول أسبقية المقابلة، الخصام يدرس و يسوى. سلوك السفراء يجري وفق العظمة.

الفصل‏XVIII هدايا السفير، عرضها في هذه المناسبة، شخصية رجالات الحاشية الفارسية.

الفصل‏XIX بيع بعض المجوهرات للناظر. ابتزازه. تقديم هدية رائعة من اللحم المحلى للمؤلف من زوجة المفتي الكبير، و عمه الملك. مبعوث الشركة الفرنسية و الوكيل الإنجليزي يقابلان الملك و معهما هداياهما. شاهد على كبرياء ملوك فارس. تقدير الهدايا.

الفصل‏XX حديث عرضي حول المقابلتين. جلد ملا بالعصى. سبب ذلك.

هدايا المبعوث الفرنسي إلى الوزراء. المبعوث المسكوبي يجتمع مع الوزراء.

حدس حول مفاوضاته. الدقة التي يطاع بها كبار القوم في فارس.

المؤسسة الإنجليزية الأولى في فارس.

17

الفصل‏XXI ظهور امتعاض رئيس الوزراء من الإنجليز. أخطاء فادحة في رسائل المبعوث الفرنسي. الملك يشرع في رحلة إلى قزوين. رصد الخرافات.

ترف الطعام المقدم أثناء الترحال.

الفصل‏XXII بيع مجوهرات بألف بستول لزوجة المفتي، دفع المبلغ في شكل صفائح من ذهب. نزاع حول رسوم مستحقة لبعض الوزراء. لقاءات المبعوثين الفرنسي و الإنجليزي مع وزراء الدولة. الأميرة، زوجة المفتي، تعرض مجوهراتها الرائعة على المؤلف.

الفصل‏XXIII ترميم مسجد مشهد الذي هدمته الزلازل. إرسال خلعة إلى كل السفراء و المبعوثين. الملك يداوم رحلته. ترجمة مرسوم ملكي. جهل الفرس بالجزء الأوروبي من العالم.

الفصل‏XXIV رسالة الملك و الناظر إلى الشركة الفرنسية. رسالة إلى الإنجليز بعد ذلك. عقاب مسؤولين ملكيين عن الطرقات الخارجية. المؤلف يتسلم ثمن المجوهرات التي باعها للملك، تسديد دينه و الطريقة التي تم بها.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

غلاف طبعة العام 1720 من نسخة موجودة في مكتب الهند، لندن‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

المقدمة

سجلت رحلات السير جون شاردان في أواخر النصف الثاني من القرن السابع عشر ذروة فترة مرموقة، حين جذبت فارس، تحت حكم سلالة الصفويين، إلى بلاطها الأوروبيين المميزين. كانت مجموعة فذة شملت الإيطالي بيترو ديللا فالي (1623- 1616)، تبعه بعد بضع سنوات مواطننا واسع المعرفة السير توماس هيربرت (1627- 1628) رحل الصائغ الفرنسي تافيرني في فارس و الهند من 1629 إلى 1674 في حين كان ألاريوس سكرتير إرسالية تبشيرية أرسلت من طرف دوق هولشتين، وصلت فارس العام 1637 و قضت عاما هناك.

ولد شاردان، أعظمهم، في باريس سنة 1643. كان ابن تاجر مجوهرات ثري في دوفين. شعر بنداء الشرق في ريعان شبابه، و في العام 1664، شرع في رحلة إلى الهند الشرقية يرافقه السيد راسين من ليون.

وصل فارس، مارا بالقسطنطينية و البحر الأسود و جورجيا و أرمينيا، في أوائل 1666. ثم استقر في البلاد قرابة ثمانية عشر شهرا، باشر فيها دراساته في بلاد فارس و تركيا. كان محظوظا لوجوده في أصفهان يوم وفاة عباس الثاني في خريف 1666. كان ابنه الكبير الأمير صافي محتجزا في جناح الحريم وفق عادات السلالة، و سرت إشاعة واسعة الانتشار تقول إنه أذنب في حق والده فسملت عيناه.

22

حين علم علي القوم من المسؤولين في البلاط سرا بموت الشاه، اجتمعوا لانتخاب خليفته. قرروا، و قد هيمنت عليهم طموحاتهم الشخصية، تصديق إشاعة سمل عيني ولي العهد، و عليه أصبح غير قادر على ارتقاء العرش، فانتخبوا أخاه الأصغر، و هو صبي في الثامنة،" أمير توحي مناقبه الواعدة بشي‏ء غير عادي". غير أن مكيدتهم للهيمنة على مقاليد الحكم إبان الوصاية الطويلة حتى يبلغ سن الرشد قد باءت بالفشل بسبب خصي مخلص أفاد في شهادة أنه شاهد ولي العهد سليما معافى، و بعد تردد، استدعي لاعتلاء العرش. خرج من جناح الحريم و أبلغ بتبدل طالعه ليتوج مباشرة. جرى الحدث فوريا و بجزم حتى إن سكان أصفهان استيقظوا على عزف الموسيقا في القصر في منتصف الليل لإعلان تتويج الشاه الجديد، قبل أن يستوعبوا رحيل عباس الثاني.

كان هذا موضوع عمل شاردان الأول، الذي عنونه" تتويج سليمان الثالث". مع أخذ هذا العنوان بعين الاعتبار، كان الشاه صافي، كما دعي عند التتويج، دائم المرض و يعود ذلك بشكل أساسي إلى إفراطه في الشراب و أمور أخرى. أرجع طبيبه، الماكر العاجز عن علاجه و الخائف على حياته، هذه المسألة غير المرضية إلى أن سقام الشاه يعود إلى تتويجه في ساعة شؤم. تقبل الفرس، المؤمنون بالخرافات هذا التشخيص، فتوج الأمير الشاب مرة أخرى و حمل لقب سليمان الثالث.

بغض النظر عن قيمته التاريخية المعتبرة، يوفر عمل شاردان الأول نظرة تاريخية نافذة البصيرة في الذهنية الفارسية، أمر كان في غاية الجدة في الكتابة الأوروبية في ذلك العهد، كونها تقدم في الواقع نظرة داخلية.

زار شاردان الهند سنة 1667، لكنه عاد إلى فارس في ربيع 1669، و غادر إلى أوروبا و معه" رسائل ترخيص براءة ذمة" من الشاه الذي" أعطاني إياها لتصنيع عدة مجوهرات قيمة جدا، قام جلالته بنفسه بتصميم نماذجها بيديه". وصل الرحالة الجسور باريس سنة 1670، و بهذا ختم رحلته الأولى بنجاح.

23

شرع شاردان، رجل يتحلى بطاقة استثنائية، في العمل مباشرة بعد إيابه لينقب في أوروبا عن أروع المجوهرات التي يمكن أن يبتاعها المرء، ليضمن نجاح مهمته. استغرقت هذه المهمة سنة من الزمن، و عندما تم تصنيع كل قطعة وفق ذوقه و رضاه، شرع في رحلته الثانية إلى فارس، التي وصلها العام 1672. استقر تلك المرة في الريف مدة أربع سنوات، حيث درس آدابها و عاداتها و مصادر ثرواتها بشكل شامل. يظهر هذا في المجلدين المختارين لإعادة طباعتهما اللذين يحملان عنوان" أسفار السير شاردان في فارس". يوضح الرحالة العظيم في استهلاله أنه قدم في مجلد سابق رحلته من فارس إلى أصفهان، و بدوري أقدم في هذه المقدمة بعضا من تجاربه و تأملاته. لم يرحل شاردان بعيدا و عميقا، يدرس فارس و أهلها بعمق فقط، بل جنى ثروة ضخمة لتجارته في المجوهرات. و عندما قرر العودة إلى الوطن سنة 1677، أثرى تجاربه باتباعه طريقا تمر برأس الرجاء الصالح.

بعد انتهاء أسفاره، عاش شاردان في فرنسا بعض الوقت، لكن بسبب اضطهاد البروتستانت، الذي بلغ أوجه بعد بضع سنوات في إلغاء" مرسوم نانت"، قرر الاستقرار في إنجلترا، حيث استقبل هناك بالترحاب من قبل تشارلز الثاني، الذي عينه صائغ البلاط و منحه لقب فارس سنة 1681. بعد فترة و جيزة من إقامته في إنجلترا، تزوج أستير، ابنة عضو مجلس روين، الذي كان يدعى" زهرة التجار" في مراسلات عصره.

جلبت له رحلاته و كتاباته الشهرة أيضا، كما يثبت من دلالات أخرى أنه انتخب في الجمعية الملكية سنة 1682.

استقر في هولندا فترة كوكيل شركة الهند الشرقية، منصب تبوأه العام 1684، لكن بعد عودته إلى إنجلترا، كرس نفسه كثيرا إلى دراسته الشرقية و مسائل أدبية أخرى. توفي العام 1713 في الجناح الجنوبي من و يسمنسترال أبي، حيث توجد لوحة تحمل العبارة التالية" السير جون شاردان‏nomen sibi fecit cundo ".

24

الآن، اقترح تقديم تقويم لهذا الرحالة و المستشرق العظيم. في استهلال" رحلات السير جون شاردان في فارس و الهند الشرقية" يكتب المؤلف:" و رغم تجهيز نفسي بقوة الملاحظة، و كل أصناف المواد المتعلقة بها، بدرجة عظيمة أو ربما أعظم من هؤلاء الذين زاروا تلك البلاد قبلي (حيث إني كنت قد تعلمت كثيرا من اللغتين التركية و الفارسية، اللتين لم يتعلمهما أي ممن كتبوا عن بلاد فارس حتى الآن)، مع ذلك لم أعتبر نفسي آنذاك مؤهلا بما فيه الكفاية لنشر عمل كامل جدا، كما أردت ...

و الرغبة الجادة التي تملكتني لتحسين معرفتي في إمبراطورية فارس الشاسعة تلك أغوتني للرحيل ثانية إلى هناك متبعا، بشكل أساسي، البلاط في تنقلاته. لكنني قمت بالمماثل برحلات معينة بدافع حب الاستطلاع و التجارة، لتحقيق غاياتي و دراسة اللغة و التردد. بمواظبة على صفوة القوم و أعظم رجالات المعرفة في الأمة، و تثقيف نفسي بكل ما هو جديد و لافت للنظر لغرابته بالنسبة لنا في أوروبا ... بعبارة أخرى، كنت تواقا لمعرفة فارس، لدرجة أني عرفت أصفهان أفضل من باريس (رغم أني ولدت و ترعرعت فيها). كانت اللغة الفارسية بالنسبة لي سهلة كالفرنسية، و بمقدوري الآن قراءتها و كتابتها".

هذه أوراق اعتماد شاردان. كانت أصيلة و معرفته بفارس لغة و شعبا عميقة، ثبتت في مديح و إطراء المستشرق العظيم السير و ليم جونز، في حين اعترف بقيمة أعماله كل من مونتيسكيو، روسو و جيبون.

II

بغية رسم خلفية فارس، كما عرفها شاردان، دعونا نعود بالنظر إلى الأحداث التي قادت مثل هذا الشعب المتعصب ليرغب في الاتصال بأوروبا.

25

كان ظهور الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادي واحدا من أهم أحداث التاريخ. اندفع العرب المحاربون و قد وحدهم حماسهم المتقد لنشر تعاليم رسولهم محمد من صحاريهم ليطيحوا بالإمبراطورية الفارسية، التي كانت تحكمها سلالة الساسانيين الضعيفة. كما فتح العرب أيضا معظم مناطق الإمبراطورية البيزنطية الخصبة و وسعوا فتحهم حتى كونوا إمبراطورية تمتد من سيراداريا، ذاك النهر العظيم في أواسط آسيا حتى المحيط الأطلسي.

بقيت فارس مجرد مقاطعة في هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف لأجيال عدة، غير أن الروح الوطنية لم تفقد قط. تبنى الفرس، الذين بلغت مشاعر تفانيهم الصميم تجاه العائلة الملكية، ابن عم الرسول عليّا و زوج ابنته الوحيدة فاطمة و اعتبروه سيدهم القديس.

لم يكن عليّ خليفة محظوظا، فلقد اغتيل بعد خمس سنوات من الحكم المضطرب سيطر خلالها منافسه معاوية على دمشق. دعا أهالي الكوفة ابنه الحسين، الذي تزوج، وفق الاعتقاد الفارسي، ابنة آخر ملوك الساسانيين، لمقاتلة الخليفة الجديد. قبل الدعوة و غادر مكة مع مجموعة صغيرة من أقاربه و مناصريه، تعيق حركته النساء و الأطفال. يشتهر العرب بالتقلب إذ عند وصول الحسين لم ينضم إليه أحد و كانت الرسالة التي وصلته تقول:" قلوب الناس معك، و سيوفهم عليك".

في سهل كربلاء، قاتلت المجموعة الصغيرة، المقطوع عنها ماء الفرات و تعاني من العطش المميت، ببطولة تثير تقدير الأجيال. منذ البداية، كانت المعركة يائسة غير متكافئة، إذ تطايرت مئات السهام من الرماة لتقتل أو تجرح رجلا تلو آخر. يبدو أن الحسين قد صمد فترة، لكنه جرح أيضا و قد رفض الاستسلام بإصرار. تبع ذلك هجوم فرسان ثم انتهى القتال بجز الرؤوس. لم ينج أحد و أحصي في حينه سبعون رأسا أمام حاكم الكوفة- الذي قلبها و جنوده بقسوة كي يتم التعرف عليها.

26

و هكذا جزّ رأس الحسين، إلا أن موته جلب له شهرة خالدة و اعتبر شهيدا. تستخدم هذه التراجيديا كأساس" مسرحية آلام" تؤدى سنويا في كل أرجاء فارس. تسير مجموعات من الرجال في مواكب، تضرب صدورها العارية بإيقاع نادبين" سيدنا الحسين ذبح في سهل كربلاء، فلتغمر رؤوسنا بالتراب". يقود هذه المواكب أشخاص متعصبون متسربلون بأكفان فقط، بينما السلاسل و الأقفال و حدوة الخيل معلقة على جلودهم العارية. يصيحون و هم يطعنون رؤوسهم بالخناجر و الدم يغطي أجسادهم و أكفانهم.

مغادرة مكة، الوصول إلى المنطقة المجاورة للكوفة، و أخيرا القتال في سهل كربلاء، حيث يصيب رشق السهام النساء و الأطفال، تمثل بشكل واقعي في المسرحية، في حين يثير مقتل الشهيد الحسين العواطف الغامرة، حتى إني تأثرت بعمق و أنا مجرد مشاهد. أدت هذه العواطف المتفانية تجاه عليّ و سلالته إلى تكوين طائفة" الشيعة" شديدة العداء للسنة" التقليديين" التي يتبعها معظم المسلمين.

تدّعي السلالة الصفوية، التي ظهرت في القرن السادس عشر، أنها تنحدر من علي، و طالما نظر إليها كعائلة قديسين قبل تسلمها مقاليد الحكم. تفانى ألوف من رجال القبائل المحاربين في خدمتهم بعصبية، و عندما رفع إسماعيل رايته سنة 1499، كانت هناك موجة من الحماسة حملته على رأسها إلى سدة الحكم. و هكذا نشأت سلالة وطنية عظيمة تحت إمرة عاهل كان، مثل مالشيزيديك سيلم، قسيسا و ملكا في آن واحد. كان إسماعيل جنديا شجاعا، ظفر فارس بالسيف و قطع أوصال بلاد الأوزبيك وسط آسيا قطعا، غير أن سليم التركي الشرس هزمه، و قتل سلاح مدفعيته آلاف فرسان القبائل. لم يشف إسماعيل قط من هزيمته و مات سنة 1524، فشعر مواطنوه ببالغ الأسى.

تقهقر خليفته تهماسب، العاجز عن السيطرة على العاصمة تبريز، إلى قزوين في المناطق الداخلية. ذكر ميلتون هذه الخطوة السياسية:

27

" كما تراجع التتري من عدوه الروسي،

قرب أستركان، في السهول الثلجية،

أو الصفوي ذو السنامتين من طرفي‏

الهلال التركي، مخلفا الخراب وراءه‏

مملكة علادول، في تراجعه‏

إلى تبريز و قزوين" (1)

لا يساورني شك أن الحقائق المذكورة في القطعة أعلاه، قد استقيت من أنطوني جينكنسون، أول المكتشفين الإنجليز العظماء. أبحر جينكنسون سنة 1561 في نهر الفولجا رافعا راية القديس جورج. أبحر في بحر قزوين إلى ميناء شامقها، حيث تابع منه إلى قزوين في قافلة. استقبله تهماسب المتعصب بشكل سي‏ء و فكر حتى في إرسال رأسه هدية إلى السلطان التركي، الذي كان يدير مفاوضات معه، لكن الإنجليزي الشجاع نجا من هذا و من مخاطر أخرى و عاد أخيرا إلى البلاد سالما بأرباح وفيرة من حملته الجسورة.

بلغت سلالة الصفويين ذروة مدها إبان عهد الشاه عباس، الذي حكم من 1587 إلى 1629. عند عودته من حملة ناجحة ضد الأوزبيك، قدم السير أنطوني و السير روبرت شيرلي نفسيهما كفارسين إنجليزيين سمعا عن شهرته و يرغبان في الانضواء تحت خدمته.

أدرك الشاه عباس عجزه عن محاربة الأتراك قبل أن يملك جيشا مدربا على الطريقة الأوروبية. لذا رحب بالرجلين الإنجليزيين و عهد لهما

____________

(1) يلاحظ خلط ميلتون للأسماء، الصفوي عنده صوفي، بينما تبريز تصبح توريس، أما قزوين فهي قاصبين.

28

بتنظيم القوة الجديدة. كان نجاحهما باهرا لدرجة أن الشاه عباس ألحق بالأتراك هزيمة نكراء بعد أربع سنوات و استعاد المناطق الفارسية المفقودة.

حصل السير روبرت شيرلي، الذي جرح في المعركة على منحة تقاعد مدى الحياة، و أرسل في وقت لاحق كسفير لإيران في إنجلترا، حيث أحدث، كما يمكن أن نتخيل، ضجة كبيرة. يساورني قليل من الريبة بأنه ذكر في" الليلة الثانية عشرة" حيث كتب فابيان فيه" لن أهب ذاك الجزء من هزلي لمنحه تقاعدا بالآلاف يقدمها الصفوي".

أقام شاه عباس عاصمة جديدة في أصفهان، الواقعة في قلب بلاد فارس. هناك، على النهر الوحيد في الداخل تقريبا، شيد مدينة رائعة، موصولة بجسور جميلة و شوارع باتجاهين محفوفة بأشجار البلانيرة، تفضي إلى مبان فخمة ضخمة لا تزال قائمة إلى يومنا هذا. وصف شاردان هذه المدينة بتقدير عظيم. عمل شاه عباس دوما على استعادة رخاء فارس بقطع دابر قطاع الطرق بقبضة حديدية، كما شجع التجارة و الزراعة.

من سوء الحظ، و مثل معظم حكام الشرق، كان يخشى من سيخلفه، لذا إما قتل أو سمل عيون أبنائه. حجز ابنه الكبير في جناح الحريم لتربيه النساء و الخصيان، مما أدى إلى النتيجة التي لا مناص منها، عدم ترك ولي عهد قوي يخلفه. سرعان ما انحدرت السلالة فشعر في النهاية بخزي عظيم.

حكم خليفته شاه صوفي من 1620 إلى 1641، حيث سادت هذه الفترة سلسلة طويلة من الإعدام، بدأت بأقاربه أولا و من ثم أكثر مستشاري والده إخلاصا. خلف شاه صوفي، عباس الثاني، الذي وصل شاردان فارس إبان حكمه الذي امتد خمسا و عشرين سنة من سنة 1642 إلى 1667. بغض النظر عن حبه الشديد لقدح النبيذ، لم يكن حاكما سيئا. ذكر شاردان أنه كان محبا للمواطنين المسيحيين بشكل خاص، و رحب بالأوروبيين في بلاطه، و نظر إلى موته على أنه" حكم من السماء على هذا الإمبراطور القوي".

29

III غادر شاردان باريس في رحلته الثانية إلى فارس سنة 1671. مكث في القسطنطينية بضعة أشهر سنة 1672، لكن بسبب شجار وقع بين السفير الفرنسي و رئيس الوزراء، كاد يؤدي إلى سجن كل الفرنسيين هناك، غادر بسرعة متجها إلى كافا. هناك بدّل السفينة حتى وصل إلى ميناء في مينجريليا بغية الرحيل إلى تفليس عبر تلك البلاد و أميريتيا.

وصف البلاد و سكانها البائسين الذين كان أسيادهم القساة يبيعونهم عادة إلى الأتراك. كتب شاردان عن جارية جميلة" كانت ملامح وجهها لا تضاهى، بشرتها ناصعة البياض كالزنبق. حقا لم أر قط حلمتي ثديين أكثر جمالا. لا رقبة مسبوره و لا بشرة أنعم، مما بعث الغيرة و الشفقة في نفسي في آن واحد".

نصح الرحالة بعدم الهبوط على اليابسة إثر قلاقل أحدثتها غارة تركية، لكن بعد قليل من التردد، استأجر شاردان ثماني عربات لنقل حاجياته واتجه إلى دير، حيث استقبله رئيسه الأب زامبي بحفاوة.

حين بلغ خبر وصوله مع البضائع الثمينة إلى البلاط، هرعت أميرة مينجريليا بسرعة لزيارة الدير و طلبت مشاهدة ما يحمل من سلع. باءت محاولة شاردان للتظاهر بأنه راهب بالفشل، و لم ينجح في خداع الأميرة، التي غضبت لرفضه عرض ما تحتويه رزم بضاعته، فقالت للأب زامبي" كلاكما خدعني، لكن من دواعي سروري سماع القادم الجديد و هو يقيم مراسيم الصلاة أمامي". دفن شاردان أو أخفى أثمن بضاعته حيث أدرك أن المصاعب آتية لا محالة. لم يكد يفعل ذلك حتى اقتحم الدير نبيلان مع" رجالهم القتلة". قلبوا المكان رأسا على عقب بحثا عن السلع الثمينة. يصف شاردان كيف ألقى برزمتين يقدر ثمنهما ب 6000 جنيه‏

30

استرليني في دغل، و كيف عانى كثيرا و اللصوص يفتشون الحديقة. أخيرا، غادرت الجماعة بعد أن أخذت بعض السلع قليلة القيمة، غير أن شاردان لم يعثر على الرزمتين الثمينتين اللتين استعادهما أخيرا خادم مخلص.

و إذ أدرك أنه مدين بفراره إلى حسن طالعه، و أن حريته- إن لم تكن حياته- في خطر، استأجر مركبا و عاد إلى الأراضي التركية، إلى حد ما حاولت السلطات هناك سرقته، لكن ما إن حط على اليابسة حتى سافر في أمان مطلق و وصل سالما إلى تفليس بعد أن قطع أراضي القوقاز. صادق في عاصمة جورجيا الرهبان الإيطاليين الكبوشيين، و استطاع بفضل جهودهم المتفانية أن يتصل برفيقه، الذي ترك أملاكه في عهدته، و بعد عدة حوادث هرب خطرة من اللصوص دبرها خادم مسلم فصل من عمله، استعاد أخيرا مجوهراته و أمواله دون أن تمس. و بفضل رسائل الترخيص التي أعطاه إياها الشاه و التوصيات الأخرى من المسؤولين في البلاط الفارسي، استقبل شاردان بالترحاب من قبل أمير جورجيا، الذي قدر الهدايا التي قدمت له، بما في ذلك" ساعة كبيرة تعمل وفق حركة القمر و صندوق جراح".

كان شاردان كثير الحضور في البلاط، و بالتالي استطاع تقديم وصف ممتاز لتاريخ جورجيا و سلوك و عادات أهلها. كان أهم احتفال حضره زفاف ابنة أخ الأمير، حيث لاحظ أن النساء صرن يفصلن عن الرجال في المدن منذ أن حكم الفرس جورجيا المسيحية. كان الاحتفال هائلا. قدمت اللحوم على أطباق فضية تزن خمس مئة أونس‏ (2) قدمت الوجبة على ثلاث دفعات، كل تشمل ستين طبقا كبيرا من هذه الأطباق المسطحة. يصف شاردان الخبير الطاسات و الأكواب و الأبواق و الأباريق الذهبية. كانت كمية النبيذ التي شربت هائلة، و استمر الاحتفال حتى الصباح الذي لم يكد يبزغ إلا و الجميع سكارى حتى الثمالة. يعلق‏

____________

(2) يزن الأونس من 28- 31 غراما.،، المترجم.،،

31

الرحالة" لو أني شربت مثل الجالسين قربي، لوقعت صريعا في التو و اللحظة. غير أن الأمير كان في غاية اللطف حين أعطى أوامره بعدم شرب الأنخاب".

بعد هذه المأدبة بقليل، تلقى شاردان إذنا بالاستمرار في رحلته.

كان متلهفا لمغادرة تفليس، لأن الأمير ضغط عليه ليريه المجوهرات التي جلبها من الشاه، الأمر الذي لم يرد فعله بطبيعة الحال. من جهة أخرى، لم يشعر بالراحة لما قد يفعله الأمير المستبد، خاصة و أن سمعته كانت أبعد ما يمكن أن تكون جيدة.

يصف، عند عودته من تفليس في الأول من شهر مارس/ آذار، البلاد الخصبة المليئة بالغابات، التي يعبر منها، ملاحظا أن الجورجيين و الأرمن رغم أنهم يقطنون البلد نفسه إلا أنهم يعيشون دوما في قرى منفصلة و تسود بينهم علاقات سيئة. في الطريق المؤدي إلى أرمينيا، المغطاة بالثلوج الكثيفة، عانى شاردان من" ديزنطاريا" قوية" أجبرتني على الترجل عن دابتي، و من ثم حملني رجلان أثناء سفري". قطع تلك السلسلة الجبلية بصعوبة عظيمة مداويا علته بشرب القهوة الحارة، و قطع سهول أرمينيا عديمة الأشجار ليصل عاصمتها يريفان. مرة أخرى يقدم وصفا قيما للبلاد و ما يجري بها من أحداث، في حين كان وصفه للحاكم ممتعا.

يذكر جبل أرارات الذي رآه عن بعد، و يقول إن الأرمن يعتقدون أن سفينة نوح لا تزال على قمته و أن" أحدا ليس بمقدوره الصعود إلى المكان الذي تحط فيه، و عندهم اعتقاد راسخ بأن هذا يعود لمعجزة".

إبان إقامته في يريفان، دعي شاردان ثانية إلى حفل زفاف، حيث يطلق لنفسه العنان ليتحدث عن الزواج، و الزواج المؤقت و معاشرة الخليلات، و يروي قصصا مسلية لتوضيح موضوعه. يلخص فكرته بالتالي:" قد لا نقول تعميما و حسب، بل إن الزيجات أكثر سعادة في بلد لا يرى الرجال فيه النساء قط قبل الزواج، من بلد ترى فيه النساء كثيرا

32

و يخرج المرء معهن. و السبب واضح لأنهم لا يرون زوجات الآخرين، فلا يفقدون العاطفة تجاه ما يملكون، أو ما ينبغي أن يملكوا و يخصهم."

باع شاردان بعضا من مجوهراته، و هو الرابح في الصفقات بفضل الحاكم الذكي. بعد قضائه يوم رأس السنة الفارسية الجديدة (31 مارس/ آذار) في يريفان، استمر في رحلته إلى أصفهان.

يذكر حالة أطلال ناشيفان، التي كانت سياسة الشاه عباس المتروية سببا في دمارها، إذ سعى لحماية فارس من الغزوات التركية بخلق منطقة قاحلة بين البلدين، و قد تم ترحيل أهالي ذلك الجزء من أرمينيا إلى مازانديران حيث دمرتهم الملاريا.

دخل شاردان فارس بشكل لائق عابرا آراس السهلة، و قضى بضعة أيام في تبريز، التي كانت كهذه الأيام، المدينة الثانية في الإمبراطورية.

يقدم وصفا دقيقا لمبانيها، كثير منها كان مهدما و معاناتها في الأجيال السابقة على يد الأتراك" الذين اقترفوا في ذلك المكان كل أشكال عدم الإنسانية، إلى حد لم يسمع عنه من قبل".

قرب نهاية إبريل/ نيسان، شرع في الرحلة ثانية بصحبة رئيس التجار، و يظهر وصف شاردان كيف وجد متعة في خضرة الربيع القصيرة. مرورا بأطراف قزوين، اتجهت المجموعة إلى قم، المعروفة بأنها المكان الذي دفنت فيه فاطمة، ابنة الإمام موسى. سمح لشاردان، المحظوظ أكثر مني، بدخول الفناء بحرية و رسم مخططات له. يقول في وصفه للضريح" مرصع ببلاط من الخزف الصيني، و يغطيه قماش ذهبي تصل حوافه إلى الأرض من كل الجوانب. مقفل بقضيب فضي ضخم يبلغ ارتفاعه عشرة أقدام و يبعد نصف قدم عن الضريح. كل زاوية متوجة بتفاحة ضخمة من الذهب الخالص ... تتدلى بضع قطع من المخمل من داخل القضيب لتخفيه عن عيون الناس، و لا يمكن مشاهدته إلا بواسطة أو دفع نقود."

33

قم أيضا المكان الذي دفن فيه اثنان من ملوك الصفويين. يقدم شاردان بشمولية مميزة ترجمة لنقش في مدح عليّ مخطوط بحروف ذهبية يحيط بضريح عباس الثاني، أختار منها التالي:" في مديحك ينبغي علي القول إن الطبيعة ازدانت و زادت ثراء بك. لو لا كمال خلقك لبقيت حواء بتولا و آدم عازبا إلى الأبد."

كانت كشان المدينة التالية التي زارها شاردان و كتب فيها" لا يصنع في أي مكان في فارس قماش ستان و مخمل و حرير عتابي أو قماش غير مزخرف و بزهور حريرية أو حرير ممزوج بالذهب و الفضة أكثر مما يصنع في هذه المدينة." و لا تزال" بلدة الحرير" في فارس إلى يومنا هذا.

شارفت الرحلة الطويلة على نهايتها بسرعة. و من ممر كوه رود، انطلق صاعدا الدرب عبر الجبال و أخيرا" اقتربنا من المدينة العظيمة، حسبنا أننا في الضواحي قبل وصولنا بساعتين. دخلنا المدينة عند الساعة الخامسة صباحا سالمين جميعا بحمد اللّه".

عند وصوله دير الرهبان الكابوشيين، حيث أقام، استلم شاردان حقيبة من الرسائل من كل أرجاء العالم تقريبا. نتج عن هذا مباشرة استطراد قدم فيه أعظم وصف مثير للحملة الفرنسية في الهند الشرقية، التي استطاع الهولنديون تدميرها. عندئذ التفت إلى مهمته الرئيسة، تأمين دفع ثمن المجوهرات الثمينة التي اؤتمن عليها و كان مستعدا لتسليمها. كان الوضع محفوفا بالمصاعب. بغض النظر عن كون الشاه أقلّ ثراء مما حسب، كان رئيس الوزراء، الذي يصفه بأنه" وزير قادر حكيم، مشبع بالفطنة و الاستقامة و الأمانة" مسلما متعصبا و معاديا. بمرارة للمسيحيين.

يلقي شاردان ضوءا على المعاملة المهينة التي عامل بها الشاه السكير هذا العبد المخلص، فعندما رفض شرب عصير العنب المحرم، سكبه على وجهه و أمره" أن يشرب بعض‏coquenard " أو الأفيون. و بطبيعة الحال، بعد إطاعة الأمر" لم تصدر عنه حركة أكثر من حركة جسد ميت".

34

أما و قد فشل شاردان مع الوزير العظيم، و بعد كثير من الاعتبار المقلق، قرر أن يتقرب من الشاه عبر الناظر، مسؤول فارسي تقليدي،" سيد نشيط، حذر، مجد ... أفضل الوزراء. و لو لم تكبله خشيته من الملك، لما عرف العالم مبتزا أعظم منه".

لم يكن رجلا سهل العريكة. يعطي وصف شاردان المفصل للألاعيب و المكائد التي يلجأ إليها، نظرة نافذة موضحة للشخصية الفارسية التي تقرأ كمسرحية. بالمناسبة، هي تكشف الشخصية الأصيلة الراقية للرحالة العظيم، الذي ظفر في النهاية بفضل التحلي بالخصال الحميدة التي تقوم عليها الحضارة الأوروبية.

من بين أحداث أخرى مثيرة للاهتمام، يروي شاردان قصة مسلية للطريقة التي وصل بها السفير الفرنسي،" الذي نصب نفسه بنفسه سفيرا دون أوراق اعتماد"، إلى أصفهان و كيف استقبل بحفاوة من قبل الفرس اللطفاء، الذين عاملوا الأوروبيين وفق قيمهم. يوفر استقبال هذا السفير و المبعوثين الآخرين فرصة لشاردان لوصف فخامة البلاط، و هنا يبلغ الذروة في وصفه. نظف القصر الملكي، كما يدعوه، بعناية و رويت المزروعات. بعد هذه المقدمات، و على جانبي بوابة" الباب العالي" الشهيرة ستة من الجياد" اصطفت مزينة بأفخم و أروع سروج مزركشة يمكن للعالم صنعها. أربعة من هذه السروج كانت مزخرفة بالحجارة الكريمة، اثنان بالياقوت، و اثنان بحجارة كريمة بألوان مختلفة ممزوجة بالماس". أربعة صهاريج ماء، سطول الجياد، و حتى الجلاجل المشدودة إلى السيور الخلفية، كانت كلها من الذهب الخالص. كما كان الحال في القدس في عهد سليمان، كانت أصفهان أيضا تحت حكم ملوك الصفويين.

كان على السفراء الترجل من مسافة تبعد مئة و خمسين خطوة عن البوابة حيث روفقوا، كلّ على حدة إلى مقاعدهم، ثم أرشدوا بعد ذلك إلى جمهور فوق البوابة، حيث جلس الشاه في أبهة. لم يتلفت العاهل‏

35

الهادف لغاية معينة إلى الهدايا عندما" أمر بأن تمرر من أمامه" و لا إلى السفراء الذين خاطبهم دون تحية. كانت الفكرة إعلاء قدر جلالته.

في الساحة أدناه، كانت هناك عروض مصارعة، و مبارزة بالسيوف و أسود تهاجم ثيرانا لم تبد الأخيرة جهودا للدفاع عن أنفسها. من أجمل المشاهد كان مشهد لعبة نسميها" البولو" ندين بها لفارس. يقدم شاردان وصفا رائعا لهذه اللعبة، حتى بلغ بي التأثر و أنا أقرأها قبل ثلاثين سنة على أخذي عصيا و كرات إلى أصفهان في زيارتي الأولى إلى هذه المدينة الخلابة. في الصباح الباكر قبل خروج أهل المدينة لأعمالهم، ضربت الكرات بين أعمدة المرمى الحجرية التي لا تزال قائمة رغم عدم استخدامها قرابة القرنين، و بذلك عبرت عن تقديري عمليا لأعظم الألعاب. اختتم الاحتفال. بمأدبة لم يقدم النبيذ فيها للسفراء، رغم أن الشاه و حاشيته احتسوه بحرية. انعدام كرم الضيافة هذا يعود إلى مناسبة سابقة حيث شرب مبعوثو موسكو بشكل مخز. أقتطف مرة أخرى" كان هناك مائدة مفتوحة، على جزء منها خمسون زجاجة كبيرة من الذهب مليئة بأصناف النبيذ المختلفة ... و الجزء الآخر كان مزينا بما بين ثلاثة إلى أربعة و ثمانين قدحا، يتسع بعض هذه الأقداح إلى ثلاثة باينت‏ (3) و عديد من الأطباق الصينية الفخمة من الصنف نفسه،

كبيرة مسطحة القعر مرفوعة على قطعة أثاث يبلغ ارتفاعها إنشين. ليس بوسع أي بلد في العالم توفير أعظم من هذه الروعة و الثراء، أو أكثر من هذه الفخامة و البهجة".

____________

(3) ثمن غالون- المترجم.

36

نجحت سلالة الصفويين في انحلالها، و خيلائها و أبهتها الفارغة في تحقيق البسالة و الرجولة. و بهذه الملاحظة، ربما أنهي هذه المقدمة بشكل لائق.

العميد السيربيرسي سايكس‏

37

[اهداء]

إلى النبيل جيمس دوق شاندوس، ماركيز و إيرل كارنارفون نبيل شاندوس ويلتون في هيرفوردشير لورد شاندوس سودلي في جلوسيسترشير و حاكم شركة تركيا

ما علّه يسعد سموكم،

ألتمس، بكل طاعة، الإذن لأضع تحت قدمي سموكم الترجمة التالية:

ما لقي استحسان سموكم، لا يمكن إلا أن يستقبل بالقبول من العامة.

و هذا يا سيدي، حقل شاسع من المادة يفتح نفسه لي لأتبحر فيه، و لا يمكن لأعدائك (إن وجدوا) سوى الارتباك إن هم سعوا للتحلي ببعض من خصالك الحميدة العديدة، غير أني سأحجم عن ذلك لسببين لا يقبلان الجدل: الأول، يعود لعجزي عن إيفاء مثل هذا الموضوع العظيم و الرفيع حقه، و الثاني خشيتي أن أزعج تواضعكم.

لذا، سأضيف نقطة واحدة فقط تتعلق بمؤلف الكتاب، و هي كم كانت دهشتي كبيرة عندما فكرت بالنقاء و المنهج اللذين تناول بهما مواضيعه، علاوة على الإخلاص غير الشائع عند الذي يتحلى به هذا الرحال الأصيل، لأنه لم يظهر كاملا في لغتنا من قبل. لكن حيث إن‏

38

المجلد الثاني و الثالث، و نتفا قليلة من الأول، قد وقعت بين يدي، فإني بالغ السرور لأنه وفر لي فرصة لتقديم مساهمتي.

دون ذكر السيد بيللي الشهير، فإن السيد تورنيفورت، الذي رحل في هذه الأصقاع التي كتب عنها مؤلفنا في رسالته السادسة للسيد بونتشارترين، قد طاب له أن يصفه بالمؤلف بالغ الدقة.

من جهتي، أتمنى أن أكون قد أنصفته في الترجمة، و إن كانت حسنة الطالع و جلبت المسرة لسموكم في أوقات الفراغ، أعتبر نفسي في غاية السعادة. أتمنى لسموكم دوام الصحة و السعادة.

مع أخلص أمنيات‏

خادم سموكم‏

المطيع و المتواضع‏

إدموند لويد

39

إشارة

لست هنا لأخبر القارى‏ء أن المجلد الأول من رحلات السير جون شاردان قد نشر في الإنجليزية من قبل (أعتقد العام 1686).

يروي ذاك المجلد رحلاته بين باريس و أصفهان حيث تتركه الترجمة.

أبدأ معه من هناك لأدلف في ما تبقى من أعماله. الطبعات الفرنسية العديدة لأعماله، دليل كاف على شهرة المؤلف في الخارج، و من غيره سيستشير السيد بيللي الشهير في شهري سبتمبر/ أيلول، و أكتوبر/ تشرين الأول العام 1686، فيطلب منه أخبارا" من جمهورية الأدب" و يستقبله بحفاوة بالغة.

كثيرا ما يذكر السيد تورنيفورت، الذي سافر بأمر من المرحوم ملك فرنسا إلى تركيا و بلاد فارس، السير جون شاردان بتبجيل، و يقول التالي في رسالته السادسة إلى السيد بونتشارترين، سكرتير الدولة، حين يتكلم عن جورجيا:

" يقدم السيد شاردان وصفا مميزا طويلا جدا لسقوط جورجيا في أيدي الفرس، و أصفه للقارى‏ء بالمؤلف بالغ الدقة".

لكن عودة إلى موضوعي، ينبغي أن يشار إلى أن طبيعة وظيفة كاتبنا كصائغ و شخص مكلف بمهمة عظيمة من قبل والد الملك الحاكم إبان عودته الثانية إلى تلك البلاد من أجل المجوهرات، قد أكسبه أفضلية

40

جعلته يتفوق على معظم من رحل إلى هناك، و أهلته لتدوين أفضل الملاحظات، كما وفر له حضوره الدائم في البلاط و الحديث مع رئيس الوزراء في ذلك الموضوع فرصا لبلوغ تلك الغاية.

من جهتي، كنت في غاية الأمانة لكاتبنا (إن لم أخطى‏ء) حين قدمته كما هو، دون إضافة أو حذف. كما كنت حي الضمير حين أدخلت فقرة كما وردت في الأصل، التي علي الاعتراف أني لم أقدر على التسليم بها تماما، لكن إذا أسعفتني الذاكرة، فإنها الشي‏ء الوحيد في كل عمله (حيث يتكلم و هو الميت) التي قد لا يسلم المرء بها كونها شيئا نادرا بالنسبة لرحال أصيل و هي: حين يتكلم عن فواكه فارس و يذكر أصناف البطيخ يقول إن هناك من يأكلون 35 رطلا إنجليزيا منها في وجبة واحدة دون أن يسبب لهم ذلك أذى، و قد يكون ذلك خطأ مطبعيا. لكن لأواصل الأمر الذي لا حظته، مع احترامي للترجمة، فأنا مع الرأي القائل إن نشر العمل في مجلدين ضخمين مثل الأول لن يفي بغايتي في الترفيه عن القارى‏ء و عدم إرهاقه. لذا اتبعت النهج المستخدم في هولندا، حيث قاموا بنشر عشرة مجلدات عوض ثلاثة، بتكريس كتاب لكل موضوع، مثل تاريخ فارس في كتاب عام، و آخر للفنون و العلوم، و ثالث للحكومة السياسية و المدنية و العسكرية .. و هلمّ‏

جرا: و عليه، سيتألف كتابي من ثمانية مجلدات بورق بقطع حجم الثمن. أما فيما يخص أسلوب النشر، فسأتبع طريق المؤلف.

ينبغي أن أذكر ملاحظة قبل أن أستودع القارى‏ء، فلقد وضعت إحدى واجهات القصر الملكي في أصفهان في بداية المجلد الأول، المعنون بالمقدمة، لعلاقته و تفسيره كل المواضيع اللاحقة. لم يوضع هذا الرسم هناك، لأنه يأتي مع بقية وصف مدينة أصفهان، بل ليعطي فكرة عن عظمة هذا القصر العظيم، الذي هو بلا ريب الأروع في العالم.

ملحوظة: بما أن التكلفة معتبرة بسبب كثرة الصور التي يتطلبها الكتاب، لذا يقترح المؤلف أن يستمر نشره عن طريق الاشتراك. توجد

41

شروط ذلك في ربع ورقة غير مثبتة في الصفحة التي تحمل عنوان الكتاب.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

[فصول الكتاب‏]

رحلات السير جون شاردان المجلد الأول‏

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الفصل [الاول‏]I وصول المؤلف إلى أصفهان. حملة السيد" دو لا هي" إلى الهند الشرقية، و إخفاقه و أسباب ذلك. ثيران برية في خليج ترنيك- ميل. ميزات خاصة للحم هذا الحيوان. رشق المدفعية و احتلال كورومانديل.

بوصولنا أصفهان، ذهبت و رفيقي و أقمنا في دير الإخوة الرهبان الكابوشيين، الكائن في قلب المدينة، و القريب من القصر الملكي. وجدت هناك حقيبة مليئة بالرسائل مرسلة لي من كل أنحاء المعمورة تقريبا. تلك المرسلة من القسطنطينية قدمت لي تفاصيل الحملة التي قام الأتراك بها في بولندا، حيث عبروا في السنة المنصرمة نهر نستر العظيم دون مقاومة تذكر. دمروا أروع الأقاليم و احتلوا قلعة كامنيك الشهيرة التي كانت حصن بولندا. أخبرت من بين أشياء أخرى أن الجيش العثماني عبر الدانوب من فوق جسر يبلغ طوله خمسة آلاف خطوة هندسية، و كان قد شيد بعناية و اجتهاد عظيمين على نفقة أمير مولدافيا، و لما لم ينل طراز البناء إعجاب السيد العظيم، حرم الأمير تعيس الحظ من ولاية إمارته، و حكم عليه بدفع غرامة بلغت مئة و خمسين ألف كروان.

رسائلي من الهند شملت وصفا لرحلة السيد" دو لا هي"، نائب ملك مدغشقر، الذي انطلق من روشيل مع سرية معتبرة أوائل العام 1670. و كان قد بعث لإحياء ذكرى السيد كارون، المدير العام للشركة الفرنسية، لتنفيذ بعض المخططات العظيمة و منها السيطرة على بانكا، جزيرة صغيرة تقع شرق سومطرة و قريبة جدا من باتافيا. لم تكن جزيرة

46

بانكا الصغيرة هذه غير المأهولة في أيدي أحد من قبل. ارتأى السيد كارون أنها مكان مناسب لتكون المستودع الرئيس للشركة الفرنسية في الهند الشرقية و وضع خطة لمداهمتها و السيطرة عليها. لكن الهولنديين اليقظين و المحترسين للحفاظ على سيطرتهم على تلك البلاد، ضربوا بالدقة مستهدفين الأسطول الفرنسي حالما شاهدوا استعداده، رغم نشر الفرنسيين دون طائل في فرنسا أن الاستعداد موجه إلى الهند الغربية، إلا أن خديعتهم و ذريعتهم لم تنطل على أحد. أرسلوا ثلاثة مراكب متقدمة واحدا تلو الآخر إلى باتافيا، مع أوامر للمجلس لاحتلال بانكا، و هو ما نفذ قبل وصول السيد" دو لا هي" إلى الهند الشرقية. كانت رحلته طويلة، و من سوء طالعه نزل في مدغشقر حيث عزم على محاربة أهل الجزيرة، تحت توسل الفرنسيين المقيمين هناك. خسر ستة شهور هناك و قرابة ألف رجل كان من الأجدر تعيينهم في مكان آخر، إذ لم يجن شيئا من حربه ضد الزنوج، بل على النقيض، أثار سخطهم لدرجة أنه لم يعد بالإمكان استعادة السلام معهم و لا الحفاظ على أي تجارة لهم مع الفرنسيين، الذين تم دحرهم من الجزيرة في نهاية المطاف.

ذهب السيد" دو لا هي" من مدغشقر إلى سورات حيث مكث حتى أوائل العام 1672، و من ثم أبحر من هناك مع السيد كارون، و قد تلقى أوامر، مناقضة لنصيحة السيد كارون، بعدم التحرك. كان الأسطول آنذاك يتكون من ست سفن رئيسة و أربع سفن ضيقة موجودة في ميناء جوا. في يناير/ كانون الثاني، التقت السفن بسفن بريطانيا العظمى، سفينة أخرى من سفن الملك و اثنتان ضيقتان. شقت السفن الثلاث عشرة طريقها إلى سيلان و وصلت في 21 مارس/ آذار خليج كوتي- آري، المعروف بخليج ترنيك- ميل، و هو خليج ضيق بقعر ضيق لكنه جيد، يبعد ثماني درجات و مدة ثلاثين دقيقة عن خط العرض الشمالي، و يشرف على الجهة الشمالية الشرقية. بنى الهولنديون حصنا صغيرا يبعد فرسخا عن الشاطى‏ء، تتمركز فيه حامية من عشرة رجال، هجروه منذ أن شاهدوا الأسطول الفرنسي.

47

بعد أن ألقى السيد" دو لا هي" مراسيه، أرسل بعض المندوبين إلى ملك كاندي (الحاكم الشرعي لكل جزيرة سيلان) الذي أرسل بدوره آخرين له ثانية، و بعد عدة جولات من الذهاب و الإياب، توصلا إلى معاهدة يعطي الأمير بموجبها خليج ترنيك- ميل و الحصن الذي هجره الهولنديون لملك فرنسا. صيغت اتفاقية العطاء هذه بشكل منتظم، و نفذت وفق الأعراف المتعارف عليها، و بهذا سيطروا على الخليج و الحصن و المدافع تطلق نيرانها تحية، و بكل المراسيم المعتادة. بعد أيام شرعوا في بناء حصن على مدخل الخليج و آخر على الشاطى‏ء.

خلال المحادثات تفشى مرض الحمى الحارقة بين بحارة الأسطول.

دعا الأوروبيون الحمى التي أصابتهم في سيلان بمرض القرفة، لأن الروائح القوية لهذا الخشب تتسبب في التهاب البلغم و الصفراء و السوداء. مات عدد منهم، لكن الأغلبية ما إن تماثلت للشفاء حتى وجدت نفسها أيضا في فقر مدقع و عوز، لأن مؤن الأسطول بدأت تشح في شهر إبريل/ نيسان، بالرغم من إدارة نائب الملك الجيدة، الذي أمر بجلب كل المؤن و بيعها لهم، و لم يسمح لأي بالتعامل مع أهل البلاد في موضوع المؤن خشية تبديدها. أكثر اللحم انتشارا في ترنيك- ميل هو لحم الثيران البرية، لكنهم لا يأكلونه إلا ما ندر و بشكل قليل، لأن لحم ذلك الحيوان له خواص مميزة، و ما هو أكثر غرابة و إثارة للدهشة أنه يسبب ثقلا في العضد و مؤلما مثل ألم الأمراض التي تسببها النساء العاهرات. لكن ما هو أكثر غرابة أن ليس له من علاج سوى الامتناع عن تناول اللحم الذي سبب الإصابة. أرسلوا ثلاث سفن إلى كورومانديل للحصول على المؤن، غير أن الهولنديين قاموا بحجزها في طريق عودتها. تضاءل الأسطول جدا أثناء نقص المؤونة، و رغم أن الحصنين اللذين كانا تحت الإنشاء لم يكملا، إلا أنهم أجبروا على التوقف خشية الفناء من المجاعة.

تركوا وراءهم خمسين و مئة رجل للاستمرار في العمل و سفينة ضخمة تحت إمرتهم تدعى القديس جون.

48

كانت الذريعة التي تحجج بها الهولنديون لإعطاء مظهر يغري بالتصديق لحجزهم السفن الثلاث أنها تحمل مؤنا إلى أعدائهم، و بهذا يعبرون عن تقديرهم لملك كاندي و أهالي ترنيك- ميل. عرضوا إعادتها بعد وقت وضغطوا حتى على السيد" دو لا هي" لاستلامها، أو يختار غيرها من الأسطول الهولندي عوضا عنها. لم يعلموا آنذاك و هم في الهند الشرقية أن فرنسا قد أعلنت الحرب على هولندا، إلا أن الأخبار وصلت الهولنديين بعد حين، فاعتبرت هذه السفن ثمنا جيدا. أبحر الأسطول الهولندي إلى ترنيك- ميل و سيطر على السفينة هناك، و احتل الحصنين و اعتبر كل الفرنسيين سجناء.

وصل السيد" دو لا هي" يوم 22 مايو/ آيار كورومانديل التي في مرمى البصر من جزيرة القديس توماس، و التي هي مكان صغير من أملاك ملك كولكوندا، و منذ قرابة القرن تتبع البرتغاليين، الذين أحسنوا تحصينها بمعايير تلك البلاد. جدران الحصن من الحجر السلس القابل للقطع بسهولة، بالغة الارتفاع و سميكة قوية، فيها نتوءات منتظمة لكن دون أي تحصينات أخرى. أرسل نائب الملك لآمر الحصن يطلب مؤونة مقابل مال معد سلفا. رفض بيعه أي شي‏ء متذرعا بكثرة عدد سفن الأسطول الذي (كما قال) غير قادر على التزود بالمؤن دون أن يخلف البلدة معدومة قليلة الزاد. لم يعرفوا إن كان مخلصا في إجابته، أم قوله ذلك باقتراح من الهولنديين، الذين يواجهون هذا الأسطول في كل مكان و يلاحقونه في كل المناطق بآخر. قصف نائب الملك، المفتقر للمؤونة و خائب الظن لهذا التصرف، البلدة بعنف بالمدفعية لدرجة أنها رفعت الأعلام البيضاء في غضون أربع ساعات. و عليه، تم إرسال قارب صغير إلى الشاطى‏ء ليستطلع إن كانوا سيسلمون البلدة. أجاب آمرها إنه لم يفكر في الإقدام على هذا العمل، لكنه مستعد لأن يعطيهم من المؤونة ما يريدون لقاء ثمنها. رد نائب الملك قائلا حيث أنه أجبر على إرغامه على الموافقة بقصف المدافع، و الاستجابة لما كان منصفا و عادلا، فإنه توقع أن يعاد إليه ثمن القذائف. أراد الآمر أن يعرف كم أطلق من القذائف و ما

49

هو ثمن كل منها؟ أجابه بأنهم أطلقوا خمسة آلاف و ثلاث مئة قذيفة، ثمن كل واحدة عشرون كراون. ردّ آمر الحصن، ليكسب الوقت و يتأمل في اتخاذ القرار على راحته، أنه لا يقدر على فعل شي‏ء دون أمر حاكم الإقليم، الذي سيكتب له و سيخبر نائب الملك بذلك. أدرك السيد" دو لا هي" أن هذا لكسب الوقت فقط، فأرسل للآخر يقول إنه سينتظر ثلاثة أيام لتلقي إجابة الحاكم، و إن لم يأت الجواب في غضون ذلك سيحتل البلدة. و كان أهلا لكلمته، ففي مساء اليوم الثالث، هبط و مئتان من رجاله و مدفعا ميدان. عسكر بنفسه مع خمسين رجل أمام إحدى بوابات المدينة تحت أشجار النخيل التي ظللت رجاله و أرسل ضابطا مع الباقين إلى الجهة الأخرى من البلدة. مكث السيد كارون دون تلقي أوامر. عند انبلاج الفجر في صبيحة اليوم التالي، أمر بقصف البوابة.

هرعت البلدة بكاملها إلى استحكامات الطرف الآخر. هذا ما كان السيد" دو لا هي" يصبو إليه، أعطى إشارة لخمسين و مئة رجل في ذلك الجانب، فنصبوا سلا لم تسلقهم حالا و احتلوا تحصينات العدو دون مواجهة مقاومة، ثم دخلوا البلدة حيث أصيب السكان بالدهشة لرؤيتهم، كما لو هبطوا من السحاب. ألقى أفراد السرية الفزعة بأنفسهم عن الأسوار، حيث اجتمعت الحشود قرب البوابات: و هكذا احتلت البلدة بخسارة لم تتعد عشرين رجلا.

ثمة حادثة لافتة للنظر في ذلك الجزء من رحلة السيد دو لا هي.

لقد أخبر، كما أكد لي الملك بفمه، بأنه سيعلن الحرب على الهولنديين العام 1671. هكذا أخبره الملك عند مغادرته سنة 1670. و عليه، أرسله إلى الهند الشرقية دون أي غايات سوى المتعلقة بالحرب. لكن حين بلوغه سورات في نهاية العام 1671، وجد رسالة تعلمه أن الحرب أجلت لأسباب مهمة، لكن هذا لن يستمر طويلا و أن الإعلان سيرسل إليه حالما تعلن الحرب. بناء على ذلك، أرسلت إليه رزمتين في أغسطس/ آب، و سبتمبر/ أيلول 1671 لتعلماه أن الحرب ضد الهولنديين ستعلن في الربيع المقبل. لقد قمت بنفسي بإرسال هاتين الرزمتين قبل‏

50

مغادرتي باريس، و كان السيد بيري قد جلبهما لي من السيد كولبير.

كان السيد دو لا هي قد غادر سورات قبل وصول هذه الرسائل. فكروا بإرسالها له في قارب سريع، ما كان عليهم بالتأكيد فعله، لكن السيد بلوت، أحد مديري الشركة قال، و قد تخيل أن ليس فيها أمر ملح، ليس هناك من داع لهذه النفقات، و إن هناك سفينة ملك سمسار الشركة الفرنسية مبحرة إلى ساحل مالابار و يمكن إرسالها على متنها. تغلبت الروح الخاطئة و أرسلت الرزم في السفينة الهندية، مما أدى إلى القضاء عليها، فلقد اعترض قراصنة مالابار السفينة و أخذوا الرسائل و بعد ستة أشهر فتحت رزم البلاط الفرنسي و مزقت أكياسها إربا، إلى أن وقعت في يد التجار الفرنسيين على ذلك الساحل و أعيدت إلى سورات في فبراير/ شباط 1673، أي بعد سنة من إرسالها من فرنسا. مما لا شك فيه، لو أنها وصلت في الوقت المحدد، لكان السيد دو لا هي قد حطم الأسطول الذي يحمي سيلان، القوة الكاملة للشركة الهولندية في المنطقة، و لغزا لا حقا كل المناطق التي يملكها الهولنديون في تلك الجزيرة الجميلة.

تملكته مئة رغبة للانقضاض على الأسطول الهولندي، و كان يقول للسيد كارون بين حين و آخر:" سيدي، أعلم أننا حاليا في حرب مع الهولنديين في أوروبا، و كما ترى أن فرصة أفضل من هذه لن تسنح لنا أبدا لإضرام واحدة في الهند الشرقية." أوقف السيد كارون هذا بقوله" طالما لم نتلق أوامر، علينا أن ننتظر، أو على أقل تقدير حتى تصلنا أخبار مؤكدة أن الحرب قد أعلنت في فرنسا. صحيح، قد يمكنك تحطيم الأسطول الهولندي، لكن آخر سيأتي حالا من باتافيا و سيكون الوضع أصعب لنا." تكلم السيد كارون بحكمة على طريقته المعتادة، لكنه كان مخطئا هذه المرة، لأن الهولنديين لم يكن عندهم أسطول في باتافيا. لو هزم أسطولهم في سيلان، لنجح الأسطول الإنجليزي المكون من عشر قطع هناك، الذي وصل عند نهاية العام تقريبا إلى كورومانديل، و السيد دو لا هي في دحر الشركة الهولندية من المنطقة تماما، خاصة و هم في حالة الذعر التي هيمنت عليهم لدى سماعهم الأخبار التي وصلت إليهم من بلادهم. لكن‏

51

مشيئة اللّه كانت غير ذلك، و لم يحصل الأسطول الفرنسي بكل مخططاته على شي‏ء.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

الفصل [الثانى‏]II المؤلف يكرس وقته لاستقبال معارفه، و النصائح المتعلقة بسلوكه منذ وفاة الملك. فسوق الملك الحالي و انتهاكاته في هذه النوبات و سكره. إعادة تعيين رئيس الوزراء السابق. أسلوب الترفيه عن الملك.

قضيت اليوم الأول من وصولي إلى أصفهان و كل اليوم التالي في استقبال الأوروبيين المقيمين هناك، و بعض الفرس و الأرمن، الذين أقمت معهم صداقات بعد رحلتي الأولى إلى هذا المكان، و الذين أستشيرهم في تصريف أعمالي و إدارتها. كان البلاط قد تغير كثيرا منذ أن رأيته أول مرة، تسوده فوضى عارمة، فلقد توفي كل النبلاء المقربين من الملك الراحل تقريبا، أو طردوا من مناصبهم. المصالح و الواسطة أصبحت بين يدي بعض الأسياد الشباب المفتقرين للكرم و الفضيلة. ألحق العار برئيس الوزراء، الشيخ علي خان قبل أربعة عشر شهرا، حيث جرده ثلاثة من المسؤولين في البلاط من صلاحياته، إلا أن أسوأ ما في الأمر بالنسبة لي، أنهم حدثوه عن ترميم قصره و إعادته إلى الحظوة الملكية، لأنه من جهة عدو كبير للمسيحيين و الأوروبيين، و من جهة أخرى لا يمكن التأثير عليه بالتوصيات أو الهدايا. و لقد أبدى دوما إبان توليه مهامه في الدولة أن ليس هناك ما يستهويه أكثر من زيادة خزينة سيده. و تساورني خشية من أن يكون حجر عثرة أمام شراء المجوهرات التي أحضرتها بطلب من والد الملك الراحل، التي صممت وفق نماذج تسلمتها منه شخصيا. جعلني هذا أقرر إعلام الملك مباشرة بعودتي، و كانت مشكلتي تكمن في اختيار من‏

54

يقدمني للناظر، المشرف الأكبر و الأعلى على مكان الملك، و ثروته و أعماله و مسؤول كل العاملين في هذه المجالات. أعني من ينبغي علي أن أختار لييسر لي الإذن الأول بالدخول. نصحني بعض برئيس الصياغة و المجوهرات في فارس زرجوري باشي، و آخرون اقترحوا ميرزا طاير، المراقب العام لشؤون إقامة الملك. كان أجدر بي أن أضع ثقتي في الأول، كما وجدت لا حقا، لكن لما كانت معرفتي بالمراقب العام طويلة، قررت أن أوليه ثقتي.

في 26 منه، تجشم رئيس الكابوشيين العناء بالذهاب لزيارته نيابة عني. تضرعت أن يخبره أن وعكة صحية منعتني من زيارته لتقديم احترامي، و أن الطيبة التي عاملني بها قبل ست سنوات سمحت لي بمخاطبته ليقدمني للناظر، لأني على يقين أن لا أحد أفضل منه. و أتضرع له بكل تواضع ليعرض على الوزير الأمر الذي تلقيته من الملك الراحل بالذهاب إلى بلادي و جلب بعض المجوهرات الثمينة له بنفسي، الأمر الذي نفذته كما طلب بشكل أنا مقتنع أنه لا يمكن أن يكون أفضل.

و أضفت على هذا عهودا عظيمة بالمكافأة، التي كنت أعلم أنها ضرورية في مثل هذه الحالات. كانت الإجابة التي حصلت عليها من السيد أني على الرحب و السعة و يمكنني الاعتماد عليه و أنه سيبذل كل ما بوسعه لتحقيق ما أتوقع من مكتبه أن يقوم به. لكن علي أن أعلم بأن الملك قليل الميل للمجوهرات و أن البلاط خال من المال. من سوء طالعي أن الحظوة قد عادت لرئيس الوزراء، الذي ينفر من مثل هذه النفقات و ينأى بنفسه عن كل مصلحة، و إن أمر أن أبلغ أن لا أفقد الأمل، و عليهم أن يقنعوني ببيعها بثمن زهيد، و تقديم العطايا الكثيرة و تحمل العناء الشديد و التحلي بصبر عظيم. غير ذلك، سيخبر الناظر الملك بوصولي بأفضل أسلوب ممكن و علي أن أسلم أمري لرأفة اللّه. بهذه الكلمات يختم الفرس دوما حديثهم، كما نقول ليسهل اللّه سير الأمور التي يتضرع المعذبون أن تتكلل بالنجاح.