لبنان في عهد الأمراء الشهابيين‏ - ج3

- حيدر أحمد الشهابي المزيد...
936 /
541

الجزء الثالث‏

[تتمة الجزء الثاني من كتاب الغرر الحسان‏]

[839]

فى السنة 1224

اننا نذكر من تخلف من الاسلام كما مرّ ذكرهم فى تاريخنا هذا فردنا نجمع بنوع الاختصار الدول المنتقلة علي ما مرّ من الادوار و الاعصار (1)

[853] و فى هذه السنة من بعد ذهاب مصطفى بربر من مدينة طرابلوس فى شهر كانون الثانى سنة 1224 رتب كنج يوسف باشا علي بيك الاسعد متسلما علي مدينة طرابلوس و نهض بالعساكر راجعا الى مدينة حماه. فلما بلغ بيت رسلان الذين كانوا لم يزالوا محاصرين فى قلعة مصياد من بلاد القدموس كما تقدم عنهم الايراد فدخل عليهم الخوف من الوزير و ارسلوا طلبوا منه الامان و جعلوا له تلاتماية كيس فقبل سوالهم و اعطاهم الامان علي حالهم و اموالهم. و بعد تسليمهم القلعة امرهم بالخروج منها و رتب بها من قبله قيم مقام و اعطا نظام تلك البلدان على احسن مرام و كف راجعا الى مدينة دمشق الشام‏

و فى هذه السنة فى شهر صفر حضر الى الامير بشير الشهابى خلع الالتزام على البلاد من سليمان باشا حسب المعتاد فنظم المعلم نقولا الترك بذلك هذه الابيات الحاوية التواريخ حيث يقول‏

فخر الوجود امير العالمين كسى‏* * * ابهى سنا خلعة بالسعد مقترنه‏

فهو البشير الذى مولاه قلده‏* * * مراتب العز دون الخلق و اتمنه‏

ادام رب العلا ايام دولته‏* * * و خلد اللّه فى هذا الورى زمنه‏

____________

(1) يتبع هذا الكلام (الصفحات 839- 853) جدول باسماء الخلفاء و السلاطين الوارد ذكرهم في تاريخه، من ابي بكر الى السلطان محمود العثماني. و لما كان هذا الجدول معروفا، و ليس فيه ما يستحق الذكر، لم نر من حاجة لايراده.

542

لما زهى طالع الاقبال و انتشرت‏* * * اعلامه البيض بالافراح معتلنه‏

انشدته بيت شعر نظمه عجب‏* * * قد حاز خمسة تواريخ اتت حسنه‏

فمعجم البيت تاريخ و مهمله‏* * * و كل شطر حوى التاريخ و احتضنه‏

و هاك منطوقه يبدى الدعا ابدا* * * لسيد اجزل المولي له مننه‏

عام اربع بعد عشرين يسود يدم‏* * * الفا و ينفق دهر المايتين سنه‏

و قد كان تقدم الايراد عن قيام السلطان محمود العثمانى فبعد جلوسه على السدة الخاقانية انعم علي يوسف باشا ضيا المعدن الوزير القديم برجوعه الي الصدارة و ولاه تدبير الاحكام فاصلح ما كان انفسد من نظام و رتب ما كان دتر من زود الخصام و اصلح بين الدولة العثمانية و الدولة الانكليزيه الصلح التام‏

و امّا مصطفى بربر بعد اقامته فى مدينه صيدا ارسل سليمان باشا الى الدولة العلية و التمس له الانعام بالصفح عنما ابداه من العصيان و الخصام. و فى هذه الايام حضر له فرمان الامان‏

و فى هذه السنة حين كان كنج يوسف باشا فى مدينة حماه فتوجّه الى مقابلته الامير سلطان اخو الامير جهجاه [الحرفوش‏] و دفع ثلاثماية كيس على حكم بلاد بعلبك مكان اخيه فقبل الوزير سواله و اعطاه ما طلبه و وجّه معه جملة من العسكر. فلما بلغ اخيه الامير جهجاه ذلك الخبر اطلق التنبيه علي حزاب البلاد و ارسل اعياله الى بلاد عكار و حضر برجاله الى الكرك‏

ثم فى شهر ربيع الاول المصاقب الى شهر نيسان قدم الامير سلطان فى العسكر الذى معه الى بلاد بعلبك و التقا مع رجال اخيه بالقرب من الكرك فانتشب الكون بينهم و قتل من رجال الامير جهجاه تلات انفار و انتقل الامير جهجاه الى قرية زحله و حضر الى عنده الشيخ ضاهر التل. و قد كنا ذكرنا مسير الشيخ ظاهر بعد ما قتل السيّاد فى الزبدانى انه توجّه الى بلاد بشاره و حضر له طيبان خاطر من سليمان باشا و رجع استقام فى قرية مشغره عند المشايخ اولاد ناصيف النصار الى هذه الايام‏

و قد كان الامير بشير يميل الى الامير جهجاه و منشرح خاطره عليه فاعرض الى سليمان باشا يطلب منه الاسعاف له و ارسل سليمان باشا يستميل خاطر يوسف باشا علي الامير جهجاه فكان الجواب بالايجاب و ان يبقا الامير جهجاه [854] فى قرية زحله مدة يسيرة لبينما يورد الامير سلطان القرش الذى اوعد به فارسل سليمان باشا الى الامير بشير ان يطمن‏

543

خاطر الامير جهجاه بما اوعد به يوسف باشا. و بالحال ارسل الامير بشير الى الامير جهجاه يعرفه عن مامورية سليمان باشا. و بما ان من عادة الامير جهجاه الاحتساب من الدولة كما جرت له فى العادة التيقظ خشى من ذلك و سار من قرية زحله الى عكار. فحين بلغ الامير بشير قيامه و عدم اركانه استخف به و تركه. ثم امر الى الشيخ ضاهر التل ان يرجع الى قرية مشغره بعياله و يكون مقيما تحت انظاره‏

و اما الامير سلطان رجع الى بعلبك و عمر البلاد

و فى هذه السنة حضر من سليمان باشا تعريف الى الامير بشير فى اتلاد ابنت الى السلطان محمود كما محرر

فخر الامرا الكرام مراجع [الكبرا] (1) الفخام ذى القدر و الاحترام صاحب العز و الاحتشام و لدنا الامجد الامير بشير الشهابى زيد مجده. غب التحية و التسليم بمزيد العز و التكريم و السوال عن خاطركم السليم على كل خير و عافيه. المنهى اليك انه بتاريخه حضر امر عاليشان عن يد افتخار الاماجد [و الاكارم‏] حاوى [صنوف‏] المحامد و المكارم دركاه عاليشان احمد عارف اغا زيد مجده. [و منطوقه‏] السامى بان من كرم الملك المنان و الطاف ذو الاكرام و الاحسان قد رزق مولانا السلطان نصره العزيز الرحمان مخدره مفخمه من ربات الحجول و سميت فاطمه سلطان عالية الشان و صادف هذه النعم و السرور [التام‏] و الحبور الزايد الذى لا يرام عند الخاص و العام فنساله تعالى و هو خير كل مسؤل بان يدر البركات بنسل ولى نعمتنا الملوك العدّل آل عثمان الى انتهى الزمان و انقراض الدوران. فمن بعد تلاوة الامر العالى امرنا علي عمل شنك سبعة ايام حسب منطوق الامر الشريف الخاقانى فلزم الان اخباركم و تبشيركم بهذه البشرة العظيمة لكى تظهروا الفرح و التهانى و المسرات و الامانى و تبادروا بعمل شنك سبعة ايام و تواضبوا الدعا بالخير بدوام دولة مولانا السلطان نصره العزيز الرحمان و القاء البركات بدريّة آل عثمان على ممر الاعصار و الازمان. فبناء على ذلك اصدرنا لكم مرسومنا هذا من ديوان محروسة عكا المحميّة فبوصوله و اطلاعكم على مضمونه تعملوا بموجبه و اعتمدوه‏

____________

(1) في الاصل «مراجع الكرم»، و هي في الارجح «الكبرا» لورودها على هذه الصورة في البقية الباقية من مراسيم سليمان باشا. اطلب احد هذه المراسيم، تاريخ 17 محرم سنة 1223، لدى سعادة الامير فايق شهاب.

544

غاية الاعتماد حرر فى واحد و عشرين ربيع اول سنة 1224

فحين وصول هذا الامر من سليمان باشا امر الامير بشير فى الافراح فى جميع البلاد حسب المامورية العلية

و امّا كنج يوسف بعد دخوله الى الشام ارسل حاكم الى البقاع و امره ان يضبط القرايا الذين سيموا خاص وزير و ادّعا ان الدروز ممتلكينهم ظلما. و ارسل حاكم البقاع مباشرين بالضبط على اكثر قرايا البقاع فارسل الامير بشير تراما علي الوزير و اظهر له بعض بيانات و ان ذلك الاماكن لهم مدة سنين بيد الدروز و قد مرّ جملة وزر متملكين على الشام و لم ابتدوا بذلك المرام. فامر يوسف باشا بان كل شى يجرى على عادته. ثم بعد ذلك غيّر فى قوله و ابتدا حاكم البقاع فى الجور و المظالم و طلب الزخاير من جميع القرايا. و اذ كانت تلك السنة زايدة الاقبال فى الغلال فلا قدر احد يخالفه‏

و فى هذه السنة حضر الى اراضى غزه عرب يقال لهم عرب الهنادي و هولاى ينتسبون الى بنى هلال من قديم الزمان و هم الان من اراضي صعيد مصر الذين كانوا يقيمون فى الحملة للحاج المصرى. و اذ بهذه السنين انقطع الحاج فضاق بهم المعاش و قد حضروا كما ذكرنا الى اراضي غزه. فلما بلغ متسلّم غزه محمد اغا ابو نبوت فما رضى بحضورهم و ركب و سار الى حيّهم فتلقوه بكل اكرام و قد كانوا سبعة طوايف و الكبير عليهم يقال [855] له الامير حسن فقدموا له سبعة تقادم و واحد و عشرين جمل محملة سمن بحمولتها فما قبلهم محمّد اغا و طلب منهم بان يقوموا من ارضه و خوّفهم بان يطردهم باى وجه كان و جرى بينه و بينهم مشاجرة كثيرة و رجع من حيّهم على غير رضى. و بعد رجوعه الى المدينة جمع عسكر و كبس عليهم و قد كانوا تحدروا له و فى وصوله انتشب الحرب بينهم فظفرت العرب و هزموا عساكره و ارموا حصانه و جرحوه فسارع اليه احد مماليكه و اركبه حصانه و فرّ هاربا فقتلوا العرب المملوك. ثم ارسل محمد اغا طلب النجدة من سليمان باشا والى صيدا و جمع سليمان باشا ما انوجد عنده من العسكر و ارسلهم صحبة مصطفى بربر و لم يكون يوجد عند سليمان باشا عساكر حيث انه لم يكن عازما علي القتال مع جبل الدروز كما كان سالفه احمد باشا الجزار بل كان بكل راحة و محبة يستورد المير المرتبة له على جبل الدروز و بلاد المتاوله و بلاد صفد و غيرهم من جميع الايالات الذى بيده‏

[856] و فى هذه السنة حضر صورة هذه الكتابه المحرره ادناه جواب من الموهّب الى يوسف باشا

545

بسم اللّه الرحمن الرحيم من الموهّب للّه الى يوسف باشا (1) السلام التام و التحية و الاكرام [يهدا] الى سيّد الانام محمّد عليه افضل الصلاة و السلام. و بعده ننهى الى الجناب المكرم و المحب المحترم يوسف باشا بلّغه اللّه من الخيرات ما شاء. فقد وصل الينا كتابكم و فهمنا ما حواه خطابكم صحبة الركب القادمين الى بيت اللّه الحرام. اذ وصلوا فى السلام و حصل لهم ما ارادوا من مشاهدة تلك الاماكن العظام. و قضوا المناسك و بلغوا المرام و وقع لهم منا ما شاؤا من حسن الرعاية و الاحترام و عاملناهم بما استحقّوه من الاكرام و تاملوا ما نحن عليه من اقامة الشرايع الدينية و احياء السنن النبوية و الحمد للّه الذي بنعمته نتمم الصالحات و ما كنا لنهتدى لو لا ان هدانا اللّه. لقد جاءت رسل ربنا بالحق و كنا قبل منّت اللّه علينا فى هذا الدين فى غاية الجهل و الضلال المبين. فهدانا اللّه لدين الاسلام.

فانقدنا به من الضلالة. و بصرنا بعد العماية و جمعنا به بعد الفرقة. فازال اللّه به الشرك و الفساد.

و مكّن دينه و اظهره فى العباد و البلاد. و اعاننا علي اقامته فى جميع رعايانا الحاضر منهم و الباد. و ازال الظلم فيما بينهم. و من اللّه علينا فى اقامة العدل فى الرعيه حتى صاروا الحمد للّه على الحق فى السوية. فتطمنت البلاد و امنت السبل من الظلم و الفساد. فالحمد للّه على ما اولانا. و الشكر له على ما اعطانا و قد بلغكم ما نحن عليه و ما نآمر به و ندعو الناس اليه. و لكن ربما يقع من نقل الاخبار زيادة النقصان فنذكر الان لكم حقيقة الامر على وجهه لتكونوا من معرفة دعوتنا علي يقين. و عسى ان تكونوا لنا من المسعفين. على اقامة

____________

(1) كان قد كتب: «يوسف باشا حاكم طرابلوس الغرب»، ثم ضرب على «حاكم طرابلوس العرب».

و في تاريخ حودت: وقايع دولت عليه 9: 362 هكذا: «يوسف باشا حاكم الشام و طرابلس».

546

هذا الدين. فيقيننا الدين نحن عليه و ندعو الناس اليه. هو الاخلاص لعبادة اللّه وحده و لا شريك له و ترك عبادة ما سواه. فلا ندعو الّا للّه وحده و لا نذبح القربان الّا له و لا نرجو الّا هو و لا نخاف الّا منه و لا نتوكل الّا عليه. و اننا نتبع الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) و نوجب طاعته على جميع المكلفين. و نستسن بسنته. و نهتدى بهداية اللّه فلا نعبد الّا اللّه وحده و لا نقترب الّا اليه بما شرع على لسان رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) مما دلّت عليه النصوص [القرآنيه‏]. و السنن النبويه. و هادان الاصلان هما حقيقة شهادة لا اله الّا اللّه.

و شهادة ان محمّد رسول اللّه. و لا اله معبود الّا اللّه. فمن حرّف شى من العبادة لغير اللّه فقد اتخذ اله مع اللّه. و اللّه سبحانه قد ارسل رسله و انزل كتبه ليعبدوه وحده و لا يشركوه به. و اخبر انه ارسل رسله بالدعوة الى التوحيد و قال اللّه تعالى لقد القينا فى كلام الرسل‏ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ‏. و قال تعالى و ما ارسلنا من قبلكا من رسول الّا يوحى اليه ان لا اله الّا اللّه فاعبدوه‏ (1). و قال تعالى فادعوا اللّه مخلصين له الدين و لو كره الكافرين‏ (2). و قال تعالى فاعبدوا اللّه مخلصين له الدين الّا للّه الدين الخالص‏ (3) [فالدعوة] الى [857] التوحيد هو دين الرسل فلا يدعا الّا للّه وحده. كما قال تعالي‏ وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (4). و فى الحديث عن الصادق و المصدوق رحمة اللّه عليه و سلامه. ان الدعا منح العباده. ثم قرا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال ربكم ادعونى فاستجيب لكم. إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ [عِبادَتِي‏] سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ‏ (5). فمن دعا غير اللّه او استغاث بغيره فى كشف الشدايد و جلب الفوايد فقد اشرك باللّه و اللّه لا يغفر للشرك. كما قال تعالى ان اللّه لا يغفر ان يشرك به و يغفر ما دون ذلك الى من يشاء (6). و قال حكي عن المسيح (عليه السلام) من يشرك باللّه فقد حرّم اللّه عليه الجنّة. و قال تعالي و الدين تدعوه من دونه لا يستجيبون لهم بشي‏ء الا

____________

(1) «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ.» (القرآن 21 [الانبياء] 25)

(2) «فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ.» (القرآن 40 [المؤمن‏] 14)

(3) «فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ.» (القرآن 39 [الزمر] 2 و 3)

(4) القرآن 72 [الجنّ‏] 18

(5) «استجب» (القرآن 40 [المؤمن‏] 62)

(6) «لمن يشاء». (القرآن 4 [النساء] 51)

547

كباسط كفيه الى الماء. ليبلغ فاه و ما هو ببالغه و ما دعا الكافرون الا بضلال‏ (1).

و قال تعالي‏ وَ مَنْ [يَدْعُ‏] مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ‏ (2). فمن دعا مع اللّه الها غيره او سال مايتا و استغاث به فى قضا الحاجات و تفريج المكربات قد اتخذوا الها مع رب الارض و السماوات. و كذلك من ذبح القربان لغير اللّه او سجد له او خافه خوف السراء او اتكل عليه او عبده لان هذه الامور لا تصلح الا للّه وحده. و قال تعالى فالان صلواتى و نسكي و حياتى و مماتى للّه رب العالمين و لا شريك له‏ (3). و صلى لربك و انحر (4). و قال تعالى فلا تخافوهم و خافونى ان كنتم مومنين‏ (5). و قال‏ [وَ لَمْ يَخْشَ‏] إِلَّا اللَّهَ‏ (6) فاعبدوه و توكلوا عليه ان كنتم مومنين‏ (7). فالتوحيد هو اصل دين المرسلين فاول ما تدعو الناس اليه. فمن استجاب للّه وحده و اخلص له فى العبادة و عمل ما فرض اللّه عليه فهو اخونا المسلم له ما لنا و عليه ما علينا و من لم يستجيب لذلك بل اقام على شركه كفرناه و قاتلناه كما امرنا اللّه بذلك قال تعالى‏ وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‏ (8). و نآمر باقامت الصلوات فى اوقاتها باركانها و احيانها [و نلزم‏] جميع رعايانا و من هو تحت طاعتنا بذلك. و نامرهم باتيان الزكات و صرفها فى مصارفها الشرعية المذكورة فى صورة براءة و فى صيام رمضان و حج بيت اللّه الحرام [و نامرهم‏] للّه الفضل و المنة علينا بالمعروف و ننهى عن المنكر من الزنا و السرقه و شرب الخمر و الحشيشة و ما شاكلهم و اكل اموال الناس بالباطل و ناخذ

____________

(1) «وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْ‏ءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَ ما هُوَ بِبالِغِهِ وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ.» (القرآن 13 [الرعد] 15)

(2) القرآن 23 [المؤمنين‏] 117

(3) «قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ.» (القرآن 6 [الانعام‏] 163)

(4) «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ.» (القرآن 108 [الكوثر] 2)

(5) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.» (القرآن 3 [آل عمران‏] 169)

(6) القرآن 9 [التوبة] 18

(7) «وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.» (القرآن 5 [المائدة] 26). اما كلمة «فاعبدوه» فلم ترد مع ما تقدّم، بل أخذت وحدها من آية أخرى.

(8) القرآن 8 [الانفال‏] 40

548

الحق من القوى للضعيف و ننصف المظلوم من الظالم و ننهى عن ساير المنكرات و نزيل البدع السيّات المحدثات و نحن فى الاعتقاد على عقيدة السلف و الصواب السلف الصالح من الصحابت و تابعيهم باحسان و نوصف اللّه تعالى و نقدسه بما وصف به نفسه فى كتابه و على لسان رسول اللّه صلّي اللّه عليه و سلم من غير تشبيه و لا تمثيل و لا تحريف و لا تعطيل فنتبت للّه تعالى ما اثبت لنفسه من الصفات و ننفى عنه مشابهت المخلوقات و لا نكفر احدا من اهل الاسلام بذنب و لا تخرجوا منهم بعمل و لا [نكفر] الا من كفر باللّه و رسوله كما اشركا باللّه و سال من غير اللّه قضا الحاجات و تفريج المكربات و اغاثت [اللهفات‏]. و لا نقاتل الا من آمر اللّه بقتاله من المشركين و من ترك شرايع الدين. قال قاتلوا المشركين حيث وجدتوهم خدوهم و احصروهم و اقصدوا لهم كل مرصدا فان تابوا و اقاموا الصلاة و اتوا الزكات فخلوا سبيلهم‏ (1). و قال فى الاية الشريفة فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ‏ (2) و تبت فى الصحيحين عن النبى. قال امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا اللّه و محمد رسول اللّه و يقيموا الصلوات و ياتوا الزكاوات فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دمايهم و اموالهم و حسابهم على اللّه تعالى فعلّق رسول اللّه العصمه علي الشهادتين التى هما اصل دين الاسلام و على اقامت الفرايض من الصلاة و الزكات. فمن لا يفعل ذلك لم يعصم دمهم و مالهم و من فعل ذلك فهو المسلم له ما للمسلمين و عليه ما على المسلمين. فهذا الذى ذكرناه [859] (3) فهو حقيقة ما نحن عليه و ندعوا اليه الذى هدانا (4) الى هذا الدين و من علينا [باقتفاء] اتر سيّد المرسلين و انت فى [حفظ] اللّه و امانه [امين‏].

[و فيها] قد شرع سعادة الامير بشير عمار جسر نهر الكلب. الذى انهدم فى الاعوام السالفه كما مر ذكره فى تاريخنا هذا و قد ابناه قديما الملك انطونيوس قيصر ثم هدم و ابناه الملك الاشرف سنة ثم هدم سنة. و اعتنا ببناه الامير حسن الشهابى و لم يثبت بناوه و قبل ان يتم هدمته الامياه فامر فى بناه بهذه السنه سعادة الامير بشير كما ذكرنا و قد كتب تاريخه هذا

____________

(1) «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ». (القرآن 9 [التوبة] 5)

(2) القرآن 9 [التوبة] 11

(3) كذا، و لا وجود للرقم 858

(4) و في تاريخ جودت: «و نحمد الذي هدانا».

549

ملوك الورا كم قد اشادوا بعضهم‏* * * بناية هذا الجسر قدما و هدّد

فوالاه رب الفضل و الجود عند ما* * * راه وقيعا و ابتناه مجدّدا

امير هو المولي البشير الي الورا* * * شهاب ابان العدل و الامن و الهدا

بهلت شعبان [اشاد] عماره‏* * * و تم البنا ارّخ بخير توبّدا

و قال ايضا

وقينا معاطب خوض نهر عرمرم‏* * * بجسر تجدد عامرا تابت العمد

بنته ملوك القدم و الماء هدّه‏* * * فبات وقيع اميرنا صاحب المدد

فانشاه تسعي الخلق بالامن فوقه‏* * * علي نهر كلب حل ارصاده الاسد

فلما انتهي في شهر رمضان اشرقت‏* * * تواريخه في بيت شعر به ورد

تري العجم ثم الهمل من كل مصرع‏* * * من البيت تاريخا اتي كامل العدد

بشير مجير ناصر دام حكمه‏* * * شهابي بني جسرا متينا الي الابد

و فى هذه السنة خرج يوسف باشا من الشام الي المزاريب لاجل ان يجمع الاموال الميريه من جبل نابلوس و جمع من تلك البلدان مالا زايدا ثم دخل القدس و اصلح قناء الماء الذى كان قديما و فى اول شهر ذلقعده رجع للشام و قد كانت اهالى البقاع و الدروز عزموا على عدم الزرع فى البقاع هذه السنه لزود الظلم الذى توقع في هذا العام من الشيخ محمد الصفدى صوباشي البقاع و لما بلغ يوسف باشا ذلك و هو فى القدس ارسل اوامر الى اهالى البقاع طيبان خاطر فما قبل احد ان يزرع [من‏] خوفهم من الظلم في العام القادم ثم حضر اعلام الى الامير بشير ان يامر الدروز بان يزرعوا اراضيهم فرد جواب ان لم احد يامن ما لم يرتفع الشيخ محمد الحاكم. و يسمح الوزير فى القرايا المضبوطه و انها خاص وزير فما قبل الباشا ذلك و بعد دخوله للشام امر فى المناداه ان بعد تلات ايام اى من وجد بالشام من اهالى جبل الدروز يقتل و امر بقطع الطرقات عن الجبل و ان تخرج العساكر الى البقاع فخافت اهل زحله و البقاع و وزعوا كلمالهم و توجه منهم جملت اشخاص الى الشام و حضروا قدام الوزير و اعتذروا له ان عدم تمشى احوالهم و زرعهم لسبب المظالم الذى اجراها عليهم الشيخ محمد الحاكم و انه قد سلب منهم [اموالا] زايده لم اوردها الى خزينت الشام و رقموا له دفاتر بكلما اخده منهم الحاكم و صادق على قولهم عبد القادر اغا الكولحلى الذى هو متسلم القرايا الذى تخص بيت الشيخ مراد بالبقاع و كان محبوبا عند الوزير لزيادة عقله و حسن فطنته فلما تحقق الوزير ما ذكرناه و ان الشيخ‏

550

محمد الصفدى رجل ظالما امر بنفيه و طيب بخاطر اهالى البقاع و امرهم بالرجوع اواطنهم و تمشى احوالهم و ان بهذه السنه يكون متروكا لهم خمسين كيس من اصل اموال الميريّه و رجعوا من امامه مجبورين مسرورين و بعد رجوعهم الى البقاع اخبروا الامير بكلما توقع و انه لا يطلب منهم زخاير و لا مغارم خارجه عن اموال الميريه و قد كان بلغ سعادة الامير بشير تنبيه يوسف باشا الاول و انه مزمع ان يخرج عسكره الى البقاع فاخبر بذلك سليمان باشا والى صيدا فرجع له جوابا انه لا ينوهم من والى الشام و امر بارسال عسكر ارناووط الي صيدا و اخرج اوامر بمنع الطرقات عن الشام و الاستعداد المقتال. فلما حضرة اهالي البقاع فلم يقدر الامير بشير ان ياذن لهم و لا الي اهالي بلاده ان يزرعوا فى البقاع وجدد التنبيه بقطع الطرق عن الشام ثم ان حضر الملا سمعيل الي الشام و وجه معه سليمان باشا كتابات الى [862] (1) يوسف باشا بانظام الحال و رفع المظالم الصادرة على البقاع فقبل يوسف باشا السوال و ارسل كتابات الى الامير بشير تعلن انشراح خاطره و تمشى الاحوال برفع المظالم عن الرعايا و سلوك الطرقات و امر باخراج عبد القادر اغا الكولحلى حاكما علي البقاع و راقت الاحوال فى تمام هذا العام اى فى خمس عشر يوم من شهر محرم المساقب الى خمس ايام خلت من شهر كانون الثانى‏ (2)

و قد كانت هذه السنة قليلة الامطار و انعاق المطر الى خلوص كانون الاول‏

و فى هذه السنة وقع الصلح بين محمد باشا علي والى مصر و بين سناجق الغز الخارجين الى الصعيد و رجعوا الى اراضى مصر و تصرفوا بمالهم من الارزاق و اسكنهم فى مدينة الجيزه و بولاق و راقت فى ايامه مصر و كان قد سد التغرة الخارجة من البحر المالح على اراضى مصر فاغصبت الارض و كانت غلال زايدة

و كان فى هذه السنه الحرير سعر 50 و الحنطه ك 1 سعر 6 و العمله مشخص سعر 5/ 10 اسطنبولي سعر 5/ 6 مصر سعر 5/ 5 مجر سعر 5/ 9 ذهب كبير سعر 38 بوطاقه سعر 5/ 5 يزلي سعر 5/ 2 مجوز سعر 2

و فى هذه السنه دارت الحروب فى البلاد الفرنجية و تمرد نابليون الاول على الملوك و ترك الديانة مع قومه و قد اجرى اضطهادا جسيما على روميه و المتمسكين بالديانة

____________

(1) كذا، و لا وجود للرقمين 860 و 861

(2) كذا في الاصل، و الصواب ان 15 محرم 1224 وافق 2 اذار 1809

551

المسيحيه و من ثم حضر كتابة من احد ساكنى روميه توضح حقيقة ما ذكرنا و هذه صورتها

نخبركم انها لا تعرف كيف تكون نهايتنا لاننا حاصلين تحت رق العبودية بوجل جسيم من القوم المتمردين حزب الظلام القايمين ضد الديانة المسيحيه كالدياب الكواسر و مجدين علي سلب المال و قد بددوا كل النظامات و انقطع معاش الاكثرين و ضبطوا جميع مداخيل الاديرة و نفوا جميع المطارين و الكردينالية و روسا العام حتى و الحبر الاعظم و بعض امرا و اعيان المدينه و مزمعين ان ينفوا الرهبان و يضبطوا الاديره و هم ماشين على حكم الشرايع الحديثه التى انشاها نابليون الاول و يدعون ارباب الوظايف الى الحلفان بحفظ هذه الشرايع. و لا يمكن لكل من هو معتصم بوحدة الايمان ان يفعل هذا ليلا يسقط تحت لايمة الحرم الذى اطلقه الحبر الاعظم. و جعلوا عقد الزيجة اولا ان يكون قدام القاضى و بعده الاكليل فى الكنيسة و من جرى هذه الامور حاصل خوف و وجل عظيم و فقر عمومى و ياخذون الناس الى الحروب غصبا. و بالنتيجه و الاختصار نقول ان ابواب الجحيم انفتحت و خرج اركون الظلام. و اما الحبر الاعظم بعد ما استمر فى سرايته سنة و خمس اشهر و خمسة ايام ففى ستة من شهر تموز سنة 1809 بعد نصف الليل اجتمع القوم و ربطوا الطرقات حتى لا احدا يخرج من منزله ثم وضعوا السلالم و صعدوا الى عنده و عرضوا عليه صكا لكى يسجله بختمه و قيل ان مضمونه خمس [شروط] الاول ان البابا يكون مقره فى باريز مع مجمعه حتى كلما بت امرا يكون بعلم نابليون المذكور الشرط الثانى ان جميع المرسلين بامر البابا الى البلاد البعيده يكونون بادريه فرنساويه و نفقتهم تعطى لهم من سلطان فرنسا الشرط الثالث انه متى قضى علي البابا لا يقوم بابا بعده الا من فرنسا الشرط الرابع يتضمن تلاشى الرهبنات بوجه العموم الشرط الخامس هو ان يسمح للرجل الجندى فى غيابه عن حرمته ان يتخذ له امراة ثانية و كذلك كل امراة لا تلد او تنغص عيش رجلها فله ان يتخذ معها اخري فاما البابا فلم يرتض بذلك بل زجرهم و حينيذ قبضوا عليه و انزلوه فى كروسا تحت القفل و معه وزيره و سافروا به و قد كان الحبر الاعظم كل اقامته مسجونا فى سرايته دايما كان مضادا اراوهم و مطلقا الحرم الكبير علي اصحاب هذه الافاعيل و المشيرين و المجيرين و المساعدين لهم فهذا ما هو تامم الان و الذى يجد نخبركم به‏

552

[863]

سنة 1225

و فى هذه السنة انعطف خاطر سليمان باشا على الامير بشير بانه يكون حاكما على جبل الدروز مدة حياته و ارسل له شرطنامات التصريف‏

و هذه صورته‏

صدر المرسوم المطاع الواجب القبول و لازم الاتباع الى افتخار الامرا الكرام مراجع الكبرا الفخام ذو القدر و الاحترام صاحب العز و الاحتشام ولدنا الامير بشير الشهابى زيد مجده. و الاعلام به الى امرا و مقدمين و مشايخ و مشايخ عقل و عقال و ارباب التكلم و مبادرين الامور و اختيارية و رعايا جبل الشوف و كسروان بوجه العموم تحيطون علما. انه غير خافيكم توجهنا لنحو جناب الامير المومى اليه بسبب وفاده و شدة روايته‏ (1) الى ساير الامور و اطواره المرضية. و ادّاه الاموال الميرية. و تعاطيه طاعة الدولة العلية فى اوقاتها و تبوته بالخدامات الصادقه. و ربط و ضبط و تامينه الطرقاة و ابناء السبيل. فبناء على [اطواره‏] المرضيه. و تفوقه بذلك على ساير اقرانه و تعهّده لدينا بموجب سندا محفوظا بخزينتنا على شروط متعينه. و قد انعمنا عليه بالتزام جبل الشوف و جبل كسروان و توابعهما بمدة حياته ما دامه مراعى الشروط. و بما ان الداب القديم و القانون المستديم. بكل عام بدخول المارت الجديد يتجدد الشرطنامات و يتشرف المومى اليه بخلعتنا الفاخره. و الان قد دخل مارت هذه السنة المباركة سنة 1225 و مراعات قوانين صوابا و تركها خطاء لزم الان تجديد الشرطنامات و اصدار بيلوردينا هذا اليكم لكى تعلموا ان الامير المومى اليه مبقا و مقرّر بهذه السنة المباركه كما كان سابقا و مفوض بربط و ضبط جبل الشوف و جبل كسروان و توابعهما بموجب الشرطنامات الصادرة من لدنّا فيكون ما بينكم مسموع الكلام مرفوع المقام بما فيه الصالح و العمار و اطاعة اولى الامور و مهما كان مترتب عليكم من الاموال الميريّة و اعشار شرعيّه و رسومات عرفيه و اخراجات شجيه و سقط انعام الدولة العلية صانها رب البريه. توردوه عن يد الامير المومى اليه من غير توقف و لا تعلل و الكل منكم يسعى بامر معاشه و عمار محله كجارى عوايدكم. و بحوله‏

____________

(1) ن 2: «و شدة روايته و حسن ادارته الى ساير الامور».

553

تعالي و قدرته و باهر عظمته هذه السنة المباركة و السنين و الاعوام القادمة. الجميع ما يشاهدوا من لدنّا الّا كامل الحماية و الصيانه و الرفاهية من ساير الوجوه. و نخبر الامير المومى اليه ان درايتك و ادراكك و حسن سلوكك و ضبطك و ربطك و ادّاك الاموال الميريّة و طاعتك للدولة العلية و ساير المطاليب و الخدامات المحولة لعهدة لياقتك‏ (1) مقبولين لدينا. فبناء على وعدنا السابق و قيامك و تعهدك لدينا قد اكّدنا و قرّرنا التزام جبل الشوف و جبل كسروان و توابعهما لعهدك [و] لياقتك و استيهالك بهذه السنة المباركة كما جرت العادة بتاكيد ذلك بدخول المارت. فيلزم من مزيد حميتك تشمّر ساعد اهتمامك فى الضبط و الربط و اجراء الاحكام الشرعية الشريفه و تأييد القوانين المعينه و مطابقة كامل امورك عليها و تسعى فى عمار البلاد و العباد و تامين الطرقات و ابنا السبيل و قطع ساير كل مفسد و منافق و من يتعدى الحدود من غير ادنى مسامحة و السعى بادّاء مال تواسط الدولة العلية و اموال الميرية و ساير المطاليب و الخدامات بوقتها و التجنب عن الجور و التعدى و الاعتساف كمالوف عادتك دايما تسعى بالاستجلاب و الدعوات من الخاص و العام بدوام و بقى [864] سلطنه مولانا سلطان السلاطين و خاقان الخواقين قامع الكفرة و المشركين. ناشر الوية العدل و الدين‏ (2) سليمان الزمان و اسكندر العصر و دور الاوان و ظل اللّه و خليفة الملك المنان مدى الايام و الدوران. و لاجل ترفيع شانك على اقرانك و قهر اعداك و اخصامك قد انعمنا عليك بالشرطنامات المعتاده و خلعة من ملبوسنا فرجية سمور مورثة الفرح و الحبور (3) عن يد رافعه قدوة الاماثل و الاقران سلحدارنا حالا الحاج عثمان اغا زيد قدره. المراد بوصول المومى اليه تبادروا لملتقى خلعتنا و تجروا مراسيم الادب و التجليل و تتلوا مرسومنا هذا اعلانا على روس الاشهاد و تسربل بخلعتنا الفاخره و اظهروا الافراح و التهانى و المسرات و الامانى بساير الاطراف و الانحا. فبناء على ذلك اصدرنا لكم بيلوردينا هذا بديواننا بمحروسة عكا المحمية فبوصوله و اطلاعكم على مضمونه اعملوا بموجبه اعلموا و اعتمدوا غاية الاعتماد و الحذر من الخلاف حرر فى خمس عشر محرم افتتاح سنة 1225 خمس و عشرين و [مائتين‏]

____________

(1) ن 2: «المحمولة لعهدتنا من لياقتك».

(2) ن 2: «ناشر الوية الحق و الدين و العدل المبين».

(3) ن 2: «مورثة البهجة و الفرح و الحبور».

554

و الف صح صح تحرير الختم ما شآ اللّه بسم اللّه الرحمن الرحيم و فوضت امرى اليه الحاج سليمن باشا و الى صيده حالا

[865] و فى هذه السنه كانت الحروب ما بين السلطان محمود العثمانى و المسكوب و اصطلح السلطان محمود مع الانكليز و رفع سلطان الانكليز مراكبه من البحر و سلّك الطرقات البحرية

و فى السنة 1225

و فى هذه السنة كان المطر قليلا جدا و لم يكن فى مدة من الازمنة حدث سنة قليلة الامطار مثل هذه السنة الى ان نشفت اكثر النبوع و الابيار و عدمت الزروع فى اكثر البلدان و لم يكن اكثر مطرا فى هذه السنة من نواحى القبلية من صيدا الي يافا الى اراضى الجبال التى بتلك النواحى فكانت الغلال مغصبة. و امّا نواحى البلاد الشمالية فكانت عديمة الاغلال لقلة الامطار و لم يكن فى نواحى حمى و حمص و تلك الديار الا قليل من الاغلال. و كان وجود الفار فى بلاد البقاع و بعلبك فاكل ما بقى من الزروع و كان لكثرته كالجراد و غلية الحنطه الى ان بيع مد القمح بتلات غروش من على البيادر

و فى هذه السنة كانت الحروب فيما بين سلطان الاسلام و الانكليز و كان الغلا فى تلك النواحى زايدا

و فى هذه السنة خطب نابليون الاول قيصر فرنسا بونابارته اخت ملك النسا و تزوج بها و ترك امراته الاولى لان لم يكن ياتيه منها اولادا و ادّعا انه متزوج بها علي سنة المشيخه من دون اكليل‏

و فى هذه السنة بعد ما تمكن الامير سلطان الحرفوش من حكم بلاد بعلبك واجبا الاموال و ارضا خاطر الوزير فضاق فى اخوه الامير جهجاه الامير و مل من الغربة و لم كان يركن الى مواجهة الدوله و قد حتم كنج يوسف باشا [والى‏] الشام ان لم يحضر الامير جهجاه امامه لم يرجعه الى مقامه و كفل له الملا اسمعيل انه يحضر عن يده فلم يركن و الجاه الامر و الخوف الى ان ترك كل من كان يتبعه و حضر بستة انفار وقيع على اخيه الامير سلطان فقبله بكل بشاشة و اكرام و اتفقا مع بعضهما البعض و قد ارتضا الامير جهجاه بان يكون له معاش يكفيه و ترك حكومة بلاد بعلبك الى اخيه. و كان اخيه‏

555

الامير سلطان لخسافة عقله و سوء اطباعه ابتدا يخفض مقام اخيه و يهين خدمه و من كان تابعه فى الضرب و الحبوس و النهب. ثم انه عزم على ان يغتال اخيه و يقلع عينيه. و حين لحظ اخيه الامير جهجاه و نظر منه عين الغدر فهرب ليلا الى مدينة حماه و التجا فى بيت الملا اسمعيل فقبله و زاد فى اكرامه و اوعده ان لا بد ما يرجعه الى مقامه و لامه على عدم حضوره الى مقابلة الوزير و انه كان هو الكفيل فاعتذر الامير جهجاه ان ذلك من خوفه و احتسابه و لما بلغ الامير بشير الشهابى توجّه الامير جهجاه الى حماه ارسل حالا يوصى اسمعيل اغا به و يتمناه بان يكون مسعفا له. و فى الحال ارسل الملا اسمعيل يتراما علي كنج يوسف باشا بان يقبل سواله فى الامير جهجاه و يرجّع له حكم بلاد بعلبك فقبل الوزير سوال الملّا اسمعيل بشرط ان يدفع الامير جهجاه ماية الف غرش مقبوضا حالا الى خزينة و فى الحال باشر الملا اسمعيل بإيراد المال من غير امهال. و لما فهم كنج يوسف باشا ان ليس تعويق من ايراد المال نقض ما كان اوعد به و اعتذر انه قد جعل ذلك الطلب لاجل التعجيز و ان لا يمكنه بان ينقض ما كان اوعد به الى الامير سلطان من عدم التغيير. فعظم ذلك الامر على الملا اسمعيل [866] و لكن لم امكنه يبدى فى امر و ابقا الامير جهجاه عنده و ينظر ما يتجدد من الامور

و اما كنج يوسف باشا ارسل الى على بيك الاسعد المتسلّم من قبله مدينة طرابلوس ان يطلب زخاير من جميع ايالة طرابلوس و من بلاد جبيل ايضا و يجمع سبع الاف غرارة حنطه و يرسلهم اسعافا الى الدولة فطلب على بيك من الامير بشير الشهابى ان يفرع زخاير على جميع مقاطعات بلاد جبيل فرد الامير جواب ان لا يمكنه يجرى على بلاده عوايد مستجده. ثم ان الامير بشير اعرض حالا الى سليمان باشا والى صيدا بما هو طالبه يوسف باشا و حضر له جواب ان يقوى عزمه و لا يقبل فيما هو مطلوب منه. ثم ارسل يوسف باشا الى على بيك الاسعد ان لا يصرّف الامير بشير فى حكم بلاد جبيل و لا يوجه له الخلع كجارى العادة. فارسل الامير الى الملا اسمعيل يتمناه بان يكون الوسيط بينه و بين يوسف باشا و ارسل الملا اسمعيل الى الباشا فلم يقبل سواله‏

و لمّا علموا بيت عماد بما هو متوقع بين الامير بشير و يوسف باشا من المباعدة ظنوا ان يبلغوا اربهم بما هو مكمن فى انفسهم و توجهوا فى الحال الى الشام مع ان قد كان الامير بشير سمح لهم عن كلما ابدوه من الخيانات و زال من خواطرهم كل الارتيابات و اعطاهم و اكرمهم و امر الشيخ بشير جنبلاط ان يصطلح معهم و حضروا الى بيت الشيخ‏

556

بشير فاكرمهم و قدم لهم الهدايا و زال ما بينه و بينهم من البغضة و لم يعلم ما بقلبهم الى ان توقع ما ذكرنا و ساروا الى الشام‏

ثم ان فى هذه السنه حضر قبجى من الدولة العلية فى اوامر سلطانية تامر يوسف باشا [والى‏] الشام فى القيام بالعساكر القوية و الذهاب الى صفر لحرب المسكوب كون ان الدولة كانت متضايقة من عظم الحروب و شدة الغلا و بظنها ان يوسف باشا ذو قوة فى المال و الرجال‏

و فى شهر جماد الثانى المصاقب الى شهر تموز حضر جملة من العرب الوهابيين الى اطراف بلاد حوران لاجل ضيقة المعاش و عدم الما فى بلادهم بهذه السنة فصادف ذلك سببا لاعتذار يوسف باشا عن المسير الى السفر و فى الحال اطلق التنبيه على جميع ايالات الشام و جمع العساكر و العشاير و خرج من الشام قاصدا سحرا المزاريب و قد كانت تلك العربان قصدت المزاريب فالتقاهم شملين اغا المتسلم جبل اربد و عجلون و تلك النواحى من قبل يوسف باشا و صار بينهم كاينة فالتجا شملين اغا و عسكره الى قلعة المزاريب. و قد كان يوسف باشا وصل الى الصلما بالقرب من المزاريب و لما بلغه ان العرب محاصرة عساكره فى قلعة المزاريب قوّص المدافع و اشعل المشاعيل و قام ليلا بالعساكر لنجدة المحاصرين. فلما سمعت العرب اصوات المدافع و نظروا النيران ارتحلوا حالا و ردّوا راجعين نواحى بلادهم و احرقوا فى رجوعهم جملة قرايا من اراضى حوران و قتلوا كثير من رجال و نساء و لما وصل يوسف باشا الى المزاريب و بلغه رجوع تلك العرب بقى مستقيما فى المزاريب‏

و قد كان حين خروج يوسف باشا من الشام ارسل الى سليمان باشا يطلب منه المساعدة على الموهبين و قد كانوا يظنون الجميع ان سعود الموهب قادم بجميع عساكره الى تملك هذه البلدان‏ (1). و حين وصل تلك الاخبار الى سليمان باشا سار فى الحال بمن عنده من الرجال من مدينة عكا الى مدينة طبريّا و ارسل يطلب النجدة من الامير بشير حاكم جبل الدروز و ان يسرع اليه بالعساكر و فى الحال اطلق الامير التنبيه‏

____________

(1) و هذا الامر ظاهر في النسخة الثانية فان خبر هجوم الوهابيين على حوران ورد هكذا:

«و بهذه السنة تواردت الاخبار بقدوم العرب الوهابين ... و قد كان سعود الموهب قادم بجميع عساكره الى تملك هذه البلدان».

557

على جميع بلاده و جمع عساكره و اجناده و سار من دير القمر الى قرية جزين ثم الى مرج عيون و كان قد تجمع عنده من العساكر نحو خمس عشر الف فسار بهم الى مدينة طبريّا. و عند وصوله الى خان المنى التقته عساكر سليمان باشا و ساروا قدامه فى النوبه و العراضات الى ان وصل الى قدام مدينة طبريّا فوجد قد انتصبت له الصواوين و الخيام ما ينوف عن الاربعماية [867] خيمه. و بعد ما نزل الامير و عساكره فى الخيام، و رتب ما يلزم لهم من النظام سار بثلاثة انفار من عبيده لاجل السلام فالتقاه الوزير بكل اكرام و حيّاه بالسلام و قبّله بين عينيه و شكره و اتنا عليه و بعد ساعه رجع الامير الى خيامه. و عند الصباح حضر الى عنده الوزير و سلّم ليده جميع التدبير و قاموا ينتظرون ما يتجدد من نواحى يوسف باشا من الاخبار. ليكون له مسعف على تلك العربان الاشرار.

و بعد تلاثة ايام تواردت الاخبار. فى رجوع العربان الموهبين من تلك الديار. و ما فعلوه فى بلاد حوران من الادية و الاضرار. من سبي الحريم و قتل الاطفال و حريق القرايا و الغلال الى ان قيل بانهم قد اتلفوا ما ينوف عن الخمس الاف كيس. و كان الكبير على العربان و القايد بهم الى هذه البلدان. رجل يقال له عليّان. من آل ضبيب و كان متقدما عند الامير سعود الذى هو راس الموهبين. و الناشى هذا الدين‏ (1). و لما تحقق سليمان باشا رجوع تلك العربان من هذه البلدان. احضر لديه الامير بشير فى خلوة و استحلفه فى كتمان الاسرار (2) و اشهر عليه ما كان عنده مضمر. و اعرض عليه اوامر سلطانية من لدن الدولة العلية. كانت قد حضرت له فى تلك الايام فى التولى على الشام. و استشار الامير كيف يكون التدبير (3). فى ذلك الامر العسير. لعلمه بان همة يوسف باشا علية و عساكره قوية. غنى فى المال قادر على الحرب و القتال. و قال الى الامير بشير اد كنت تقدر بان تساعدنى على هذه الاحوال‏ (4). و تسعفنى فى العساكر و الرجال. و تنصح قدامى فى التدبير و القتال‏ (5). دعنا نسير الى الشام من غير مطال. و نغتنم هذه الفرصه فى غياب يوسف باشا. واد كنت لا تقدر على هذه الامور. و تخاف من الوقوع فى‏

____________

(1) ن 2: «راس الموهبين و اساس هذا الفعل المشين».

(2) ن 2: «و استحلفه بكتم السراير و ختم ما فى الضماير و اشهر عليه الخ».

(3) ن 2: «التدبير و كمية المصير».

(4) ن 2: «المنوال و الاحوال».

(5) ن 2: «و تبرز قدامى الى الحرب و القتال».

558

المحذور (1). فانا ارجع الاوامر العلية سرا و لا ادع ان يعلم بها احدا (2) فلما فهم الامير كلام الوزير قوّى عزمه على القيام الى الشام. و انه يسير قدامه بكل اهتمام. و يبلغه المطلوب و المرام. و فى الحال حرروا الاعلام الى جميع الايالات التابعة الشام. يعلموهم فى تلك الاحوال و ان يحضروا فى عاجل الحال. فى العساكر و الرجال. و ادّعا الوزير بظبّاط عساكره و اعلمهم بما فى خاطره. و امرهم ان ياخذوا الاهبّة الى السفر و ربط جميع الطرقات ليلا تشيع الاخبار فى تلك الديار. و فى الغد رجع الامير بشير الي مرج عيون و وجه تلك الاعلام التى من الوزير الى اصحاب ايالات الشام. مثل الملّا اسمعيل حاكم حماه و على بيك الاسعد متسلم طرابلوس و باقى المتسلمين تلك المقاطعات و ارسل جدّد الاعلام الى البلاد بان يحضر اليه كل من تخلف فى البلاد. و كان الشيخ بشير جنبلاط حدث له مرض عايقه عن المسير صحبة الامير فارسل الامير ان يحضر فى الحال اليه.

و فى الحال سار بجملة من الرجال و التقا فى الامير فى مرج عيون و فى الغد وصل سليمان باشا الى خان حاصبيا و سار الامير اليه و توجهوا جميعا الى ضهر الاحمر ثم الى قرية قطنا.

و كان قد بلغ يوسف باشا تلك الاخبار من رجل بدوى من بنى صخر (3) سار اليه فى الاغتلاس و اعلمه بما تجدد بعده. فرجع عن المزاريب فى الحال و دخل الشام من غير امهال.

و بعد وصول سليمان باشا [868] الي قرية قطنا بلغه دخول يوسف باشا الي الشام فارسل فى الحال اعلام الى اكابر الشام يخبرهم بما انعمت عليه الدولة العلية و انه يريد الدخول الى الشام حسب الاوامر السلطانية فخرج الى عنده البعض من اكابر الشام و قضات الاحكام فاعرض عليهم تلك الاوامر الشريفة ليفهموا فحواها و يخبروا يوسف باشا بمعناها.

و اشار عليه‏ (4) الامير بشير فى الاطاعة و التسليم الى تلك الامور و لا [يرمون‏] الرعية فى الغرور و قال لهم انى مزمع ان انفد اوامر [الدولة] العلية علي التمام و لو خربت الشام و سوف اجلب عساكر من بلادى مثل الغمام و لا احول الى ان ابلغ سليمان باشا المرام فان كنتم الى اللّه و السلطان طايعين و الى اوامره سامعين. اطردوا يوسف باشا من دياركم و امنوا على احوالكم و اعيالكم فلما سمعوا اكابر الشام ذلك الكلام و شاهدوا صولة

____________

(1) ن 2: «و تخاف من معاطب الشرور».

(2) ن 2: «سرا و لا ننشى بذلك امرا».

(3) ن 2: «من بنى صخر يقال له الحميدي».

(4) ن 2: «و اشار عليهم».

559

الامير بشير القوية و همته العلية و قدوم عساكر بلاده متداومة لانه كان قد ارسل اولاد عمه ان يدوروا بذواتهم على جميع البلاد و يوجهون جميع من بقى من الرجال من غير امهال. فبقيت العساكر اليه متواصلت غير منقطعة. فطلبوا تلك الاشخاص الذى حضروا من الشام المهلة تلاتة ايام فاوعدهم بما طلبوه و امنهم بما يرغبوه و عادوا راجعين من امامه و هم متعجبين من عظم اهتمامه. و دخلوا الشام و اخبروا يوسف باشا فى الاوامر السلطانية و ما شاهدوا من عظم همة الامير بشير القوية. فعزم على العصاوة و ان يحاصر فى القلعة و ارسل كلما يحتاجه من الة الحصار. و بعد مضى التلات ايام فلم يردوا اهالى الشام جواب. فنهض سليمان باشا و الامير بشير من قرية قطنا الى قرية الجديده و داريّا الذى بقرب الشام. و فى وصولهم الى تلك الارض التقتهم البعض من عساكر يوسف باشا و وقع بينهم القتال و بقى ذلك الحال نحو تلات ساعات فخرج يوسف باشا بجميع عساكره فصدمتهم عساكر سليمان باشا و الامير بشير و هزموهم هزيمة قوية و ادخلوهم الشام و قد قتلوا منهم جملة انفار و اخدوا منهم القلايع و الجنايب و بات الوزير و الامير بشير تلك الليلة فى قرية الجديده بالنصر و الظفر فى 1 من شهر رجب و اما يوسف باشا بعد تلك الكسرة جمع امواله و اتقاله و عزم ان يخرج فى الليل من الشام و يكبس على عسكر سليمان باشا و الامير بشير فان ظفر بهم يكون بلغ المرام و ان لم يظفر يسير فى البر و الاكام. فبلغ الامير بشير ذلك التدبير. و بالحال جهّز عساكره و رتب عساكره و فرق الخيل تلات فرقات فى الليل. و بقى ينتظر القتال و لما حققت عساكر يوسف باشا ما هو عازم عليه و انه اذا انكسر عسكره لا يرجع الى الشام و كان مكسور لهم علايف وافره ابتدوا ينهبوا من تلك الاحمال و الاموال. و لما نظر يوسف باشا عساكره تنهب امواله اخاف من غدرهم ففر من بينهم هاربا بنفر قليل من اتباعه و لم يامن على نفسه الى ان خرج من الشام و سار فى تلك البر و الاكام. و عند الصباح وصلت البشاير و الاخبار فى ذهاب يوسف من تلك الديار. ففرح سليمان باشا بما حصل عليه من السعد و دخل فى الحال الى الشام و صحبته الامير بشير و عساكره فالتقوه اهالى الشام و جلس فى مقام الاحكام و طمّن الخاص و العام. ثم حضر لديه الملا اسمعيل و ابتدا الامير بشير عند الوزير فى حسن النظام و التدبير و صارت كل الامور راجعة اليه و التصرف من يديه فوطّد اصحاب الايالات على رتبهم و [طبقاتهم‏] فوجّه مصطفى بربر متسلما علي مدينه طرابلوس من دون ان يتسلّم القلعة. و الملا اسمعيل متسلما علي حما و حمص و تلك البلدان. و حسين اغا

560

كمركجي بيروت متسلما علي اللادقية. و على اغا الخزندار بقى قيم مقام سليمان باشا فى عكا. و الامير جهجاه [الحرفوش‏] على بلاد بعلبك. و انعم الوزير على اولاد الامير بشير فالامير قاسم ولّاه على بلاد جبيل حسب عادته. و الامير خليل اعطاه حكم بلاد البقاع. تم بعد ما تمم الامير بشير [869] جميع ما يلزم من النظام عزم على الرجعة من الشام. فاتحشدت فى ذلك الوقت اهالى الشام‏ (1) و عزموا علي الفتنة و القيام. لسبب ان سليمان باشا اقام عليهم متسلما كنج احمد اغا الذى قد كان متسلما عليهم سابقا فى زمان الجزار. و قد ظلمهم فى تلك الاوان و ذاقهم الدل و الهوان. فخافوا من ظلمه الان و ان لا يسلمون من شرّه و لا يامنون من غدره فاتعصبوا سوية جميع القبيقول و الانكچارية مع البعض من العوام و عساكر يوسف باشا الذى كانت باقية فى الشام و اغت القبى قول الذى كان متسلّم القلعة اغلق الابواب و عزم على الحصار و وجّه المدافع على السرايا.

فلما بلغ سليمان باشا ذلك الاتفاق و ما هم عازمين عليه اهالى الشام من الفتنة و النفاق حار من ذلك الامر و خاف علي ذاته من الغدر. و فى الحال احضر الامير بشير و استشاره كيف يكون التدبير فى ذلك الامر العسير فبادر فى الحال الامير الى حسن التدبير و عزل كنج احمد عن المتسلمية بامر الوزير و وجهه متسلما على القدس و قام مكانه متسلما علي الشام درويش اغا ابن جعفر اغا الذى كان متسلما قديما فى ايام عبد اللّه باشا العظم و كان ذلك مرغوب اهالى الشام فهديت الفتنة و استكنت. ثم ان الامير بشير اشار على الوزير ان يعين عساكر يوسف باشا الذى فى الشام و ان يفرقها علي البلدان ليربطها و يامن شرها. فعيّن شملين اغا دالى باش و ارسله الى عكا و كان هو جمرة عساكر يوسف باشا. ثم عيّن بقوة الظباط و فرقهم فى الايالات و آمن من غدرهم و اكتفا شرهم. و هذا التدبير من الوزير قد كان من حسن راى الامير بشير. ثم ان الامير استاذن من الوزير و رجع الى بلاده بالعز و النصر و لم يكن وصل احد من سلفايه قبل هذه الاعصار ما وصل اليه الامير بشير من الكبرة و الاقتدار و السعادة و الافتخار و العز و الانتصار.

و قد نظم به نقولا الترك الشاعر هذه الابيات‏

عرا الكون خطب هوله لا يقدر* * * اثارته اوغاد من البدو فجّر

جموع حكت عد الرمال خوارج‏* * * شرود عصت قوم سوى الغى ما دروا

____________

(1) ن 2: «حشدت لذلك اعيان الشام».

561

الي مذهب التوهيب ساروا و هم على‏* * * ضلال مبين حيث للكتب انكروا

ملوا ارض نجد و العراقين منهم‏* * * فسادا و فى الطغيان للخلق هوروا

و حاطوا بمكة ثم فى دار يثرب‏* * * و هدوا القباب العاليات و دمروا

و حاقوا على القطر الحجازى بأسره‏* * * و بثّوا به ما ابدعوه و اشهروا

و قاموا بهذا العام يبغوا تملكا* * * لشام العلا و علي المزاريب جمهروا

فسارع والى امرها الكنج يوسف‏* * * الى صدهم لما اتاه المخبر

و من حصن عكا هم للحرب و الغزا* * * سليمانها الشهم الوزير الموقر

و نادى باقطار البلاد الوحى الوحى‏* * * الي مشهد فيه الفتى ليس يخسر

فلبّى الندا بحر الندا قاهر العدي‏* * * شهاب الهدي ذاك السعيد المظفر

بشير الملا بالنصر و العز و العلا* * * امير به اعتزّ الولى و التأمّر

و سار بانخى آل قيس و حوله‏* * * رهوط شداد كالعرايين يزئروا

قروم صناديد نخود اماجد* * * اسود صعاب للغزا قد تصدروا

[870]

امامهم الشهم‏ (1) الذي ذاع بطشه‏* * * همام شديد الباس فى الحرب مشهر

هو السيد (2) البشير الفتى الذى‏* * * هو الركن فيه طود لبنان يعمر

لديه رجال كالشواهين ان سطت‏* * * ترى القوم منها كالعصافير تنفر

فقل لسعود البدو يرتد خاسيا* * * على عقبه اذ قد اتاه الغضنفر

امير له فى كل نقع و غارة* * * فعال و اهوال الى الحشر تذكر

اذا ما غشي الهيجا و انقض هاجما* * * على الجيش قالوا ما الدريد و عنتر

له فى الوغى للفتك باع مشرّع‏* * * و ساق الى خوض المنايا مشمّر

صبور على الاهوال ان طال جورها* * * حزوم سديد الراي رهط مدبّر

ملا ارض هاتيك البحيرة جحفلا* * * عديدا مديدا و استعز المعسكر

____________

(1) كان قد كتبها «الشيخ» ثم حوّلها الى «الشهم». و قد وردت «الشيخ» في نسخة اليازجي (طبعة المغبغب: ص 915) و الشاعر يشير بها الى الشيخ بشير جنبلاط، كما يظهر من البيت التالي.

(2) كانت اللفظة المكتوبة اصلا: هو «الجنبلاطي» كما في نسخة اليازجي (طبعة المغبغب: ص 915). الا ان الناسخ ضرب بالحبر على «طي» ثم حوّل «الجنبلا» الى «السيد»، غير عابئ بالوزن.

562

و طاب بلقياه فواد وزيرنا* * * فبات يذيع الحمد عنه و يشكر

و لما سرت اخباره للعدا ناءت‏* * * و من بعد ما كانوا تدانوا تاخروا

و فروا جزاعى من سطاه و هكذا* * * جراد الفلا يفنى قواه السمرمر

و ما حال هذا الحال الا و اقبلت‏* * * فرامين خنكار تشير و تأمر

بعزل وزير الشام مع ضبط ماله‏* * * لامر قضاه اللّه و هو المقدر

و ولى سليمان على تخت جلق‏* * * و وافا له الخط الشريف المقرر

و ساد على تلك التخوم باسرها* * * و لم يبق من صدر سواه يدبر

فقام مجدّا نحوها فى عزايم‏* * * تقد الجبال الشامخات و تفطر

و سار الامير المنتخى فى عساكر* * * غدا النصر يسرى معهم اينما سروا

وصف خيام جيوشه حول جلّق‏* * * و دقت مضاربه و نادى المبشر

فاشعر والى امرها فى مصابه‏* * * و فاجاه و هو على المزاريب مندر

فقام مجدّا طالبا دار جلّق‏* * * و مذ حل داخلها طغاه التكبر

و اغراه للعصيان عظم عناده‏* * * و من يعص امر مليكه ليس ينصر

و بالغد وافى قاحما ساحة الوغى‏* * * و لم يدر ان الطالب الشر يخسر

و خاض الوغى بثلاث الاف فارس‏* * * [فظن‏] بان سطاه للقوم يكسر

فلاقته فرسان المنايا مغيرة* * * نوافل ابطال من الاسد اجسر

تنادى و هى تصول من فوق ضمّر* * * على الباغى الجبار اللّه اكبر

و تار العجاج و قارع السيف للقنا* * * و غطا الفريقين الغبار المكدر

و عان الاله و فيئة القوم ادبرت‏* * * و فى سهل داريّا الاعادى تقهقروا

هناك كنت ترى على ذاك الثري‏* * * مجاريحهم ملقاه و الدم يفجر

و كم من مقادمهم ترامت جماجم‏* * * كاوراق اشجار علي الارض تنثر

و فرساننا ظنوه عيدا و موسما* * * فباتوا باعداهم يضحوا و ينحروا

[871]

فكم من دم قد اهرقوا بل و كم اتوا* * * بخيل و كم اسروا كماة و جنزروا

و تم لهم نصر من اللّه مقبل‏* * * بوجه ابي سعدا و فيه تبشروا

و ولوا العدى و وزيرهم كرّ راجعا* * * ذليلا و حاق به الاسى و التحير

و من بعد كسرة قومه فر هاربا* * * من الشام و هو مخبل الراس مقهر

563

و شال باحمال من المال بادرت‏* * * الى نهبها اقوامه و هو مدبر

و سار بانفار قليلة عدادها* * * و قد بات للقفار يطوى و ينشر

و راح وقيع البدو نزالة الفلا* * * يروم من العربان نصرا و يوثر

بهذا يجازى من يخاصم اميرنا* * * و من يسعي طرق البغى لا بد يعثر

و جاز الامير مع الوزير بموكب‏* * * عظيم نظيم مثله ليس ينظر

و حاق الملا صفو ملا القطر و انجلي‏* * * قتام البلى عنه و زال التكدر

و بث البشير بشايرا عمت الورى‏* * * و كل البلاد فزينوا ثم نوروا

و ذاع الثنا لاميرنا الفاتح الذي‏* * * له نخوة عن وصفها اللسن تقصر

و عهد اذا ما فاه فيه لملتج‏* * * تزول الرواثي و هو لا يتغير

فكم يممته قبايل مع عشاير* * * و حازوا و نالوا منه ما قد تخيروا

و قرر ارباب الولايات كلها* * * علي حكمها و الكل في ظله اندروا

فللقاسم المفضال قد وطد الولا* * * و عادت جبيل فيه تزهو و تزهر

و قطر البقاع اضا بانوار شبله‏* * * خليل المفاخر و الشهاب المنور

و اذ رام بعد تمهد القطر عودة* * * تجدد فيها حادثا و هو مخطر

عصاوة سردار بقلعة جلّق‏* * * و تعصّب قوم من [بنيها] تجمهروا

و اغلق باب الحصن و ارتاعت الوري‏* * * من الهول و اشتمل الوزير التفكر

و كاد يخامر ذلك الامن و الصفا* * * هياج مريع و ارتجاج مكدر

و تفضى الامور الي انبرام مشاكل‏* * * و عقد رباطات عن الحل [تعسر]

فجرد سيف العزم ذو الهمة الذي‏* * * تعالت و قام لذلك الخطب يزجر

و حل بحسن الراى ما كان مبرما* * * و طاع له منها صغير و اكبر

و اخمد شرا كاد لولاه يصطلى‏* * * و هاب سطاه حين وافاه ينهر

و كان فتوحا اخرا لاميرنا* * * فذاع ثناه و الورى فيه انذروا

و بعد ان اطفى لظى كل فتنة* * * و عاد كل فيه يشدو و يشكر

و عاد لمربضه عزيزا مظفرا* * * بنصر و تاييد الى البعث يذكر

و تجلى علينا منه اشراق طلعة* * * من الكوكب الوضاح ابهى و ابهر

بيوم سعيد فيه خلنا قلوبنا* * * به عند بهجتها من الطير اطير

و شرف اوطان به طاب عيشها* * * و انشا لها شانا الى الدهر يدخر

564

و أحيى الى الاحيا جاها مخلدا* * * بذكراه كم تطوى عصورا و ادهر

[872]

و عبق في الافاق من طيب صنعه‏* * * عبير ثناء من شذا المسك أعطر

و باتت عيون العالمين قريرة* * * به و القلوب امينة فيه تجبر

و ولى الهنا للخلق ارخت كلها* * * فوالوه حمدا مستديما و كرروا

56 128 53 555 433

سنة 1225 صح‏

فامّا ما كان من يوسف باشا بعد ذهابه من الشام سار بنفر قليل نواحى اللادقيه و سافر من هناك فى البحر الى مصر فالتقاه محمّد على باشا بكل اكرام و جعله فى الجيزه و سوف ياتى عنه الشرح فى وقته‏

و فى هذه السنة تكاثر مرض الجدرى فى جميع المدن و البلدان حتي لم بقى و لا مكانا خاليا من هذا المرض و مات كثيرين. و قد تحقق عند الجميع صدق مطعوم الجدرة الفرنجية الذى تقدم شرحها و سلم من هذا المرض كل من كان متطعما بها

و بعد تولى سليمان باشا علي الشام حضر كتابات من سعود الموهّب باسم يوسف باشا حيث انه كان يظن انه لم يزل متوليا علي الشام و هذه صورتهم‏

بسم اللّه الرحمان الرحيم الحمد للّه معز من اطاعه و اتقاه. و مذل من اضاع امره و عصاه. الذى وفق اهل طاعته للعمل بما يرضاه. و حقق على اهل معصيته ما قدره عليهم و قضاه. و اشهد ان لا اله الا اللّه رب [ليس‏] لنا سواه. و لا نعبد الّا ايّاه.

و اشهد ان محمّدا عبده و رسوله ارسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و كفى باللّه شهيدا. من سعود ابن عبد العزيز الى جناب يوسف باشا وزير الشام. سلام على من اتبع الهدي.

فاما بعد فانى ادعوك الى اللّه وحده لا شريك له كما قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).

و اكمل الدين على لسانه. و اخبر جل جلاله فى كتابه. مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏ (1).

و اول ما دعا اليه (صلّى اللّه عليه و سلم) عبادة اللّه وحده لا شريك له و ترك عبادة ما

____________

(1) القرآن 4 [النساء] 82.

565

سواه. قال اللّه تعالى و لقد بعثنا في كل امه رسول ان اعبدوا اللّه و اجتنبوا الطاغيون‏ (1).

قال تعالى‏ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏ (2).

و قال تعالى‏ وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏ (3).

و قال تعالى و ان المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه احد (4). و قال تعالى‏ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْ‏ءٍ الاية (5). و قال تعالى‏ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ [يَدْعُوا] مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ وَ هُمْ [عَنْ‏] دُعائِهِمْ غافِلُونَ‏ (6). و قال تعالى يدعوا من دون اللّه ما لا يضره و لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعوا لمن ضرره اقرب من نفعه لبئس المولى و لبئس العشير (7). و قال تعالى‏ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْواهُ النَّارُ (8). و قال تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ [يَشاءُ] (9). و آمر جل جلاله بطاعته و طاعة رسوله. و مبنى الدين على اتباع امر اللّه و امر رسوله. و الاختلاف بيننا و بين الناس عند هذين الاصلين الاخلاص و المتابعه. فالاولي نفى الشرك. و الثانيه نفى البدع. و قال اللّه تعالى‏ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (10). و فصل النزاع بين مختلفين عند كتاب اللّه. و قال اللّه تعالى‏ وَ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ‏ (11). و اصل الدين الذى ندعوا الناس اليه هو ما دعا اليه محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) و اصحابه من بعده. فالذى دعا الناس اليه (صلّى اللّه عليه و سلم) اخلاص العبادة للّه [و اقامة] الفرايض التى افترض اللّه عليه. و نفى الشرك و توابعه من كل قبيح. و هذه جمله تكفى عن التفصيل‏

____________

(1) «وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ.» (القرآن 16 [النحل‏] 38)

(2) القرآن 21 [الانبياء] 25.

(3) القرآن 43 [الزخرف‏] 44.

(4) «احدا» (القرآن 72 [الجن‏] 18)

(5) القرآن 13 [الرعد] 15.

(6) القرآن 46 [الاحقاف‏] 4.

(7) «يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَ ما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى‏ وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ.» (القرآن 22 [الحج‏] 12- 13)

(8) القرآن 5 [المائدة] 76.

(9) القرآن 4 [النساء] 51 و 116.

(10) «لِقاءَ رَبِّهِ ... رَبِّهِ أَحَداً» (القرآن 18 [الكهف‏] 110)

(11) القرآن 42 [الشورى‏] 8.

566

فان هداك اللّه فخيرتها لك و تفوز بسعادة الدنيا و الاخره. و لا نلزمكم الا ما اوجب [873] اللّه عليكم و شهدتم انه الحق. و لا ننهاكم الا عمّا حرمه اللّه عليكم.

و شهدتم انه الباطل. فان اشكل عليكم الامر و طلبتوا المناضره جوكم منا مطاوعه و ناظروكم و الا يقبلون‏ (1) علينا مطاوعتكم و المناضره عندنا. فان ابيتم [الّا] الكفر باللّه و اخترتوا الضلال على الهدى نقول كما قال جل جلاله فان تولوا فانما هم فى شقاق فسيكفيكم اللّه و هو السميع العليم‏ (2) و نقول يا مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏ (3) فانه نعم المولى و نعم النصير. و صلى اللّه على محمد و على اله و صحبه و سلم‏

و هذه صورة مكتوب من عليّان الضبيبي الى حضرة الوزير المشار اليه‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم من عليّان الضبيبي الى جناب عالى الجناب. و الدستور المهاب.

عين الاعيان. و عهدة الكبراء الفخام. ذوى القدر و الاحتشام. الوزير المكرم. والى الشام الحاج يوسف باشا سلمه اللّه تعالى من الافات. و هداه اللّه الى العمل بالصالحات الباقيات السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته‏

ثم بعده نخبرك لا اخبرك اللّه بمكروه و اننا انشاء اللّه تعالى ما تعرف الا بالذى فيه الصواب. ثم نعلمك باحوال المسلمين باسر حضر و اعراب و يحكمون مطاوعتهم بموقوع كتاب اللّه المنزل بشريعة رسول اللّه محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) و ينصفون الضعيف من القوي و ينهون عن الشينه. و يهدون الى الزينه. و لا يسلك عندهم مثل احوالكم هدا الافتخار بالملابس و كل الحوادث الغير مرضيه للّه. فلا يقبلونها و نحن اعراب و نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) عربي و اصحابه عربيه بعده (رضوان اللّه عليهم اجمعين). فسبب تسطير هذه الاحرف اليكم اننا لما كنا عندكم العام و اعلمناكم بالواقع و لم امكننا نصلكم لما لقينا علي الازرق و صارت المسلمين وجهها لطرفكم حتى يطالعوا من يجلب الخير و ما كان نواجههم فاحنا لم نزال حتى نحقن دم الاسلام ما بيننا (4) و كتب [امامنا] المكرم ولد عبد العزيز اسعود (5) لكم مكاتبه و هى واصلتكم و مراده ترسلون‏

____________

(1) و في تاريخ جودت: «و الا تقبلون».

(2) «وَ إِنْ تَوَلَّوْا ... فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ» (القرآن 2 [البقرة] 131)

(3) القرآن 1 [الفاتحة] 3 و 4

(4) و في تاريخ جودت هكذا: «و ما كان توجههم لمحاربة و نحن لم نمقت دماء الاسلام ما بيننا».

(5) و في تاريخ جودت: «سعود ولد عبد العزيز».

567

علماكم و يقابلوا علمانا و كل منهم يوجب مسالته بما انزله اللّه علي رسوله. فاذا اشتهيتم و اردتم ترسلوا لنا اربعة علما يكونوا ذو فصاحة علي الاربعة مذاهب و يلفوا علينا فى مدينة الكرك و نتسلمهم بامان اللّه تعالى بالاحتشام و الاكرام حتى نوصلهم و نردهم سالمين بحيل اللّه و قوته. و لو اننا نشوف علمانا يغلبوا فهم مكرمين معزوزين و انما اشتهيتم و الا ارسلوا لنا بالامان حتى نجيب لكم علما لاننا نعرف امان اللّه. ثم امانكم صادق‏ (1) و كل من وقف علي ديانة الحق انشا اللّه نتبعه. و نحن نعرض عليكم زياده علي ما فى مكتوب اسعود عن الاشتراك فى العباده و ذبح القربان لغير اللّه و بنا المقامات علي القبور و الاعتقاد بالاوليا و الانبيا و الشهدا و الصالحين و اصحاب النوبه و الاقطاب و الفقرا و الدراويش كل هذا يرجوكم بالشفاعه و التوسط فهذا كله عندنا اشتراك. و الذى نحن عليه كل من ارضا اللّه باعماله و بانت شواهده بالبر نحشمه و لا نستغيث به و زيادها لخطايا الظاهره مثل شرب الخمر و اللوط و النساء الخارجات و سب الدين و الحلف بغير اللّه و شرب التتون و الاركيله و لعب المنقله و الورق و المحدث بالقهاوي و ضرب الطار و لعب النقرا (2) و الاشعار. و كلما يلهى عن عبادة اللّه فكل هذا مكروه و يبعد من اللّه تعالى و ظلم العباد و البلايص‏ (3) و اقبال الرشوه من العلما و يراعون الوجوه فى الشريعة هذا كله بدع و ما يقبلوه المسلمين هذا شرحنا لك فان كان انت قاصد علي الارتفاع عند اللّه‏ (4). ثم عند اسعود ديرتك مملكة لك [874] و كل مدخولها و كل لوازمها بحقيقة اللّه لك و بغير امر منزل من السبع سماوات ما نعمل شى‏ء و انت فاصل فى رايك. و ان كان لك خاطر فى طلوع الحاج ارسل لنا تتواجه انت و اسعود. و الذى يوجب الديانة الحقيقية نحن نتبعه. و الذي يجنبه عنها فهو ضعيف و لا دين غير دين الاسلام فاحنا متوجهين عليك بفاطر السماوات و الارض تحقن دم الاسلام باقبال العلما لبعضهم و ترسلوا لنا في المعتمد

صورة جواب عن مكتوب ابن اسعود المرسل له فى 15 رجب لبعض علما الشام‏

انه من سليمان باشا والى اقاليم الشام من طرف الدولة العثمانية. ايّدها اللّه تعالي‏

____________

(1) و في تاريخ جودت: «ثم سالكم صادق».

(2) و في تاريخ جودت: «و لعب الفقرا».

(3) و في تاريخ جودت: «و البلاقص».

(4) و في تاريخ جودت: «على الانتفاع».

568

الى يوم القيامة. و ثبتها علي عقيدة اهل السنّة و الجماعة. الي سعود ابن عبد العزيز.

و انه بسم اللّه الرحمن الرحيم. الحمد للّه رب العالمين و الصلاه و السلام على نبينا خاتم النبيين و المرسلين و اله الطيبين الطاهرين. و من تبعهم الى يوم الدين.

امّا بعد فقد وصل الينا كتابكم المرسل الى سلفنا يوسف باشا المنبي عن احوالكم كما لا يخفى و قراناه و فهمنا فحواه و معناه و ما ذكرتم من الايات القرانية. و الاحاديث النبوية. فعلى غير ما آمر اللّه و رسوله من الخطاب الي المسلمين. بمخاطبة الكفار المشركين. و هذا حال الضاللين. و قسوة الجاهلين. كما قال تعالي‏ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ (1). و اما نحن اهل السنّة و الجماعة من الملّة المحمدية.

نومن و نقر بتلك الايات القرانية و الاحاديث النبوية. و لكن نقروها علي الكفره الفجره. لا علي الملة الاسلامية. فان ذلك يوجب كفرا باجماع الايمة الاربعة. و بهذا نميّز ان اعتقادكم غير اعتقاد اهل السنّة و الجماعة. و كذلك فيما ارسله عليّان الضبيبي الحاوى للافترات و الترهات و اننا للّه الحمد و المنة علي الفطرة الاسلامية. و الاعتقادات الصحيحة.

و لم نزل بحمده تعالى و توفيقه عليها نحيى و عليها نموت. كما قال تعالى‏ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ (2). فظاهرنا و باطننا بتوحيده تعالي في ذاته و صفاته. كما بين فى محكم كتابه. قال تعالى‏ وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً (3). لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ. وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (4) و اطيعوا اللّه و اطيعوا الرسول و اولى الامر منكم اوليك هم المومنون حقا. و قال (عليه السلام) امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا اللّه فاذا قالوها عصموا منى دماءهم و اموالهم الا بحقها و حسابهم علي اللّه. و كما قال (عليه السلام) بني الاسلام علي خمس شهاده ان لا اله الا اللّه و ان محمد رسول اللّه. و اقام الصلاه و ايتآء الزكات و صوم رمضان و حج البيت من استطاع اليه سبيلا. فنحن بحمد اللّه و توفيقه معاشر اهل السنّة و الجماعة متمسكون بالكتاب و السنّة. قايمون بالاركان الاسلامية و الايمانيّة. امنّا باللّه و بما انزل الينا و لا نشرك به شيئا. نحل ما احل اللّه و نحرّم ما حرّم اللّه. و اطعنا علي ذلك امام المسلمين سلطاننا و ولاتنا. و نقاتل اعداء الدين‏

____________

(1) القرآن 3 [آل عمران‏] 5

(2) «... و في الاخرة.» (القرآن 14 [ابراهيم‏] 32)

(3) القرآن 4 [النساء] 40

(4) القرآن 42 [الشورى‏] 9

569

اعداينا فنحن مسلمون حقا. و اجمع علي ذلك [ايمتنا] ايمة المذاهب الاربعة. و مجتهدوا الدين المحمدية من الكتاب و السنّة. و امّا طلبكم منا اربعة من علما المذاهب الاربعة او ارسال مطوعيكم لاجل المباحثه و المناظره. فقد وقع ذلك مرات من غيرنا. و قد تبين الرشد من الغي. و [حصحص‏] الحق و الحق احق ان يتبع. فماذا بعد الحق الا الضلال و هذا ما قيل و يقال. و التزلزل محال. و اما ما اعترانا و ما ابتلينا من المعاصى و الذنوب فليست اول قارورة كسرت فى الاسلام. و لا يخرجنا من دايرة الاسلام كما زعمت الخوارج من الفرق الضالّة الدين عقيدتهم علي خلاف عقيدة اهل السنّة و الجماعة من الملة المحمدية و قد بشرنا اللّه تعالى بايات لا تعد و لا تحصى. و كذلك سنن الهدى بما يكفرها و يمحوها. [875] و ما يوجب حدودها و در. مفاسدها. قال تعالى‏ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ‏ (1). وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (2). إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ (3) وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً [عَسَى‏] اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ‏ (4). و قال (عليه السلام) شفاعتى لاصحاب الكباير من امتى. و قد وقعت الحدود الشرعية فى زمان خير الورى [و جرت‏] الى زماننا هذا و نحن بحول اللّه تعالى نقيمها. كذلك الى ما شاء اللّه تعالى و لا عصمة لغير الانبيا (عليهم السلام) و هذا شان‏ (5) الملة الاسلامية. و عقيدة اهل السنة و الجماعة. قال تعالى‏ فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ‏ (6) و كل مسير لما خلق له فمسيركم الجهل و الفتنة. قال تعالى‏ الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ‏ (7) اذ انتم اعراب سكان الباديه فتنة نجديه فيئه مسيلميه اعتقادكم محدثه و بدعه قوم جهله بقواعد ايمة الدين اهل السنة و الجماعة. انتم طايفه باغيه خوارج عن عبادة [و] اعتقاد اهل السنة و الجماعة و عن الطاعة السلطانية. فان كانت شهوتكم بدعا من الاسلام‏

____________

(1) القرآن 11 [هود] 116

(2) القرآن 13 [الرعد] 22

(3) القرآن 4 [النساء] 51 و 116

(4) القرآن 9 [التوبة] 103

(5) و في تاريخ جودت: «و هذا لسان الملة ...»

(6) القرآن 35 [الملائكة] 29

(7) القرآن 9 [التوبة] 98

570

المقاتله و المعانده‏ (1) فقاتلوا اعدا الدين الكفرا الفجره لا الملة الاسلامية و لا افتتانها. قال (عليه السلام) المسلم من سلّم المسلمون من يده و لسانه. و كيف تخاطبون اهل الايمان و الاسلام مخاطبة الكفار و تقاتلون قوما يومنون باللّه و اليوم الاخر. قال (عليه السلام) الفتنة نايمه لعن اللّه من ايقظها. و قال تعالى‏ أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ (2). و من قال عن الناس هلكو فهو اهلكهم كما فى الحديث فاى حالة [اسوأ] و اضل و اعظم ظلما من قتال المسلمين و استباحة اموالهم و اعراضهم و عقر مواشيهم و حرق اقواتهم‏ (3) من نواحى الشام التى هى خيرة اللّه [في‏] ارضه و تكفير المسلمين و اهل القبله و التجرى على ذلك و على مخاطبة المسلمين بما خوطب به الكفار و لم يسمع ذلك من ايمة الدين الا من الفرق الضاله و كيف تدعون العلم و انتم جاهلون بل انتم خوارج فى قلوبكم زيغ تبتغون الفتنه و تريدون الملك بالحيله. و قد خلت امتالكم زايلة و الامور باوقاتها مرهونة. و سيعلم الذين ظلموا اى منقلب ينقلبون و لا حول و لا قوة الا باللّه. و احتسبنا باللّه و توكلنا على اللّه و يكفيكم عبرة قصة الشيخ النجدى و نسبتكم اليه و سكنتكم واديه و فضيلة شامنا [تكفينا] و عزة ربه‏ (4) فان كان لكم فهم و رشد و هدى يكفيكم هذا القدر من الكلام مختصر فارجعوا الي اوطانكم كما كنتم و كفوا شركم من قريب و بعيد فلا باس عليكم و الا اغمد سيوفنا فيكم‏ (5).

و احتسبنا باللّه عليكم. قال تعالى‏ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللَّهِ‏ (6) و جزاء الدين يسعون فى الارض فسادا ان يقتلوا فى شريعة اللّه و السلام على من اتبع الهدي و ترك الفتنة و الاذى. و صلى اللّه على نبينا محمد خير الورى و على اله الدين تركوا الهوى و سلّم تسليما كثيرا

و فى هذه السنه كان الحرير سعر 55 و العمله المشخص سعر 13 و الاسطنبولي سعر 5/ 6 و المصرى 5/ 5 و دهب الكبير سعر 39 و البطاقه سعر 5 و 2/ 5

____________

(1) و في تاريخ جودت: «فان كانت شهوتكم فى اعانة الاسلام بالمقاتله و المعانده» و هو الصحيح لاستقامة المعنى، و تحريفه بالنسخ ظاهر ممكن.

(2) القرآن 35 [الملائكة] 9

(3) «و حرق قراهم» في جودت.

(4) و في تاريخ جودت: «و تكفينا شامنا و عزة ربه».

(5) و لعل الاصل هكذا: «و الا فنغمد سيوفنا فيكم»، كما ورد في تاريخ جودت.

(6) القرآن 49 [الحجرات‏] 9

571

[876]

فى السنة 1226

و فى دخول هذه السنة فى شهر كانون 2 المصاقب الي شهر محرم افتتاح هذه السنة

و قد حدث قبل دخولها فى شهر ايلول امطار متزايدة و دام المطر فى اكثر الاوقات فكانت سنة مباركه كثيرة الخصب و الاثمار الا ان قبل دخول الغلال الجديدة حدث غلا شديد لقلة المطر فى السنة الماضية. فبلغ تمن الشنبل الحنطه الى العشرين غرش‏

و امّا الحرير تزايدت اتمانه عنما كان فى الموسم الماضى فبلغ الرطل من السبعين غرش الى التمانون غرش‏

و فى هذه السنة توجه عزيز مصر محمد باشا علي الى السويس لاجل عمل المراكب و الاستعداد الى السفر الى الحجاز علي عرب الوهابيين لاجل محاربتهم. ثم انه حضر الى مصر و قدم له اوامر من الدولة العلية بان يعجل في القيام بهذه المهمة. فشيع محمد باشا اخبارا بان مراده يقيم ولده طسون باشا قيم مقام مكانه و اطلق التنبيه فى الافراح و عمل مجمعا فى القلعة و طلب حضور روسا عساكره و سناجق الغز الذى كانوا قد حضروا و اصطلحوا معه فحضروا و هم مطمانين. و حين اكتمل المجمع امر روسا عساكره ان يضربوا في الغز بالسيف ففعلوا ما امرهم به و قتلوهم الى اخرهم. و قد بلغ عدد المقتولين من الغز سبعماية منهم سبعة سناجق بيكاوات كبار و اكبرهم مرزوق ابن ابراهيم بيه الكبير و شاهين بيه. و نهب العساكر بيوت الغز و اخذت نساءهم و اموالهم الا انهم قتلوا من العساكر قتلا كثيرة. و قد كان يوما عظيما جرى الدم به من ابواب القلعة. ثم ابرز محمد على باشا امرا فى التفتيش على زمرة الغز المماليك القاطنين فى الديار المصرية فكل من وجدوه قتلوه. و لم يبقا من جنس الغز سوى ابراهيم بيك و من برفقته الهاربين و قتئيد و متحصنين فى الصعيد. و حين بلغتهم تلك الاخبار ازتادوا تحصينا فى الصعيد الاعلا الذى لم يمكن محمد على الوصول اليهم. و لا الاقتدار عليهم‏

ثم بعد ما تمم محمد باشا هذا التدبير شرع يهتم بالمسير الى الاقطار الحجازية و سيّر العساكر الكثيرة و الجيوش الغزيرة. صحبة ولده طوسون باشا بثلاثون الف و سارت تلك العساكر فى شهر رجب. و عند وصولهم الى مدينة جده منعهم الشريف عن الدخول اليها و ارسل لهم ان يذهبوا الى استخلاص مكة و المدينة. فتحولت تلك العساكر عن مدينة جده و ساروا قاصدين مكة و المدينة فالتقت بهم عساكر الوهابيين و جرى بينهما حروب‏

572

كثيرة و مواقع عظيمة. و انكسرت العساكر المصريين و ولوا على عقابهم راجعين. و تشتتوا فى تلك الارض و مات منهم خلق لا يحصى. و كسبت العرب خيلهم و سلاحهم‏

و فى هذه السنة رجع سليمان باشا من مدينة الشام الى مدينة عكا. و جعل فى الشام درويش اغا ابن جعفر اغا متسلما من قبله‏

و فى هذه السنة حدث فى مدينة القسطنطينية سيلا عظيما و امطارا زايدة و خربت اماكن كثيرة. و قد كان الحرب فى هذه السنة بين الدولة العثمانية و الدولة المسكوبية.

و تملكوا المسكوبيين جملة اماكن من الاسلام. ثم استظهرت العساكر العثمانية و استخلصوا منهم البعض من تلك الاماكن الذى قد كانوا تملكوها المسكوبيين‏

و فى هذه السنة فى تشرين الاول كانت وفاة الامير علي شهاب و قد كان [مسن‏] فى العمر نحو تسعين سنة و كان ذو عقل تاقب و راي صايب و هو الاسغر فى اولاد الامير حيدر الذي هو اب الاول لجميع [الامراء] بيت الشهاب. و فى هذه السنة تغير خاطر [877] سليمان باشا على الملّا اسماعيل اغا الذى قد كان جعله متسلما علي مدينة حماه و تلك الايالات فخاف المذكور على ذاته من الغدر و سار الى عند عرب الموالى و قام عندهم مدة. ثم حضر الي مدينة بعلبك. و قام عند الامير جهجاه [الحرفوش‏] نحو شهرين.

فحضر له تطمينا من سليمان باشا و رجع الى بلاد حماه. و قام فى قلعة المديق حيث لم يكن مطمآن على ذاته‏

و فى هذه السنة قامت الفتنة ما بين الدروز القاطنين جبل الاعلا الذى فى اراضى مدينة حلب و سكان تلك الارض. و جرى بينهم حروب كثيرة. و قد اتفقوا جميع اهالى تلك البلدان علي هولاء الشردمة اليسيرة. فارسلوا يستغيثوا فى الامير بشير الشهابي المتولى و قتيذ حكم جبل الدروز. و بالحال وجّه كتابات الى تلك المتوليين الاحكام علي تلك البلدان. و استخلص الدروز المذكورين و احضرهم الى بلاده و فرقهم قاطنين فى البلاد. و وجّه لهم مايتين كيس لاجل معاشهم. و قد كانوا اربعماية عيلة. و قد مات منهم فى الطريق اولاد و نساء كثيرين و ضاقوا مشقة عظيمة قبل وصولهم الى هذه البلاد

سواك الى المعالى ليس يدعى‏* * * لان اللّه احسن فيك بدعا». الخ‏

(1)

____________

(1) ن 2: «وصولهم الى هذه البلاد. و حينيذ انشد الامير المشار اليه المعلم نقولا الترك هذه القصيدة

سواك الى المعالى ليس يدعى‏* * * لان اللّه احسن فيك بدعا». الخ‏

573

و فى هذه السنة آمر سليمان باشا الي مصطفى اغا بربر المتسلم وقتيذ مدينة طرابلوس الشام. بان يسير فى العساكر لتاديب ملّة النصيريّة القاطنين فى بلاد المرقب. فسار المذكور اليهم بجملة من العساكر و جرى بينهما حروب كثيرة مدة اربعة اشهر فلم يقدر على تملكهم. حيث صعوبة تلك البلاد التى لم تكن تسلك بها الخيل و لا تجوزها العساكر. و كابدة عساكر مصطفى اغا مشقة عظيمة من زود البرد و الامطار. حيث ان قد كان عند وصوله احرقوا تلك القرايا التى تملكوها من اطراف البلاد و جعلوا اقامتهم بتلك المدة فى الخيام. و قد كان اول الشتى و زادت الامطار و الارياح. ثم ارسل مصطفى بربر يستنجد من سليمان باشا ان يامر متسلم حماه بالمعاونة له فحضر متسلم حماه بعسكر نحو الفين. و حين وصوله امره مصطفى بربر ان يهجموا علي قرية النصيرية.

و كان يقال لها عين الكروم. و قد كانت موعرة المسالك صعبة الطرقات و لم يقدر عسكر حماه ان يجوزها. و غضب مصطفى بربر على عسكر حماه و امر المتسلم بالرجوع و لم يعود يقبله. فرجعوا و ضاقوا مشقة زايدة من كثرة الامطار و تزايد الانهر الذى جازوها عند رجوعهم. و قد هلك منهم عدة اناس و دواب فى الانهر و ذهبت اتقالهم و احمالهم و رجعوا الى حماه بسوء حال و بقى مصطفى بربر متابرا امام بلاد النصيرية الى ان سلموا له و ارتضا منهم بمالا يسيرا لا يبلغ جزوا من تلك الاكلاف الذى نفدت منه علي ذلك التدبير. و بعد ان سلمت مقاطعة قرداحا و تلك الايالات الى مصطفى اغا بربر. رجع الى اللادقية و اعطا نظام تلك الاماكن. ثم رجع الى مدينة طرابلوس‏

و فى هذه السنة ظهر فى السما نجم ذو دنب و كان ابتدا ظهوره فى الربيع و دام يظهر كل يوم قبل الصبح فى محلة [بنات‏] نعش و بقي الي اواخر الصيف و غاب و لم بان له اتار فى ما كانوا يدللون على ظهوره. و فيها كانت [878] الحروب الهايلة و المواقع العظيمة ما بين الفرنساويين و السبنيوليين و مات من الفريقين خلق لا يحصى عدده [الا] اللّه.

و تملكوا الفرنساويين اكثر تلك البلدان‏

و فى هذه السنة حضر الى مدينة حلب راغب باشا الذى تقدم عنه الشرح. انه حضر ظابطا الي خزاين الجزار بعد وفاته فى سنة 1219 و قبل وصوله الى حلب اجتمعت عليه الانكچاريه و عزموا على طرده و صدّه فدخل بهم بالرقّة. و اصطلح معهم و دخل المدينة بالرضا و القبول لما كان عنده من الخداع و التدبير

و فى هذه السنة في شهر ذى الحجه اتجد الى السلطان محمود العثمانى مولود و دعى‏

574

اسمه السلطان مراد. و اذ لم يكن بقى موجودا من دريّة آل عثمان سوى السلطان محمود ففرحت الرعية باتجاد هذا المولود و قيل فى ذلك هذه الابيات‏

شعر

سلطاننا المحمود فى اوصافه‏* * * فخر الملوك و سيّد الافراد

اللّه اسعدنا بمولود له‏* * * قد جاء يحيى دولة الاجداد

بالتسع من ذى الحجة اعتلنت لنا* * * بشراه و احتاطت بكل بلاد

و استأمن الملك السعيد على اف* * * تتاحات تعود و قهر كل اعاد

لما تهنّى الكون فيه جاء من‏* * * طوى يؤرّخ موقع الميلاد

فتراه فى بيتين شعر فيهما* * * سرّ بدى للماهر النقّاد

فى كل شطر منهما تاريخه‏* * * جاء جليا كامل الاعداد

و بمهملات حروف كل منهما* * * تجد الحساب متمم التعداد

و كذاك معجم كل بيت فيه تا* * * ريخ صريح للنواظر بادي‏

و الهمل من اعلاه مع ادناه او* * * مع اى شطر كان فيه ينادي‏

و كذا حساب العجم فيه و كيفما* * * قلبته تهدى لخير رشاد

و بذاك يعلن سره الخافى الذي‏* * * فيه المعانى بالبيان تهادي‏

صدع الدهور لآل عثمان انجلى‏* * * خاصا لرويا جوهر الاولاد

كم قلت مع صدق الرجا لمديحه‏* * * محمود مجد هاك خير مراد

ثم اتجد له ولدا اخر و ابنتان فماتوا الاولاد و ابنت و بقى له ابنت واحدة أو فيها توجه حكم مقاطعة بلاد جبيل علي محمود بيك ابن سليمان باشا والى [صيدا] و عبد اللّه بيك ابن على باشا الخزندار [مالكانه‏] فوجه سليمان باشا تدبير ذلك ليد الامير بشير الشهابي‏

اخى تخت لبنان الوطيد الدعايم‏* * * و فيه تلالى يا شهاب العوالم‏

يا رعى اللّه النداما و الحمى‏* * * و ربا تلك المغانى الانّس‏

مولاى طلت مدى الزمان بقاء* * * و بلغت ما يعلو السها ارقاء»

(1)

____________

(1) ن 2: «و فيها حضرت الخلع الفاخره الى الامير بشير على البلاد فانشده المعلم نقولا الترك هذه القصيدة و هى‏

اخى تخت لبنان الوطيد الدعايم‏* * * و فيه تلالى يا شهاب العوالم‏

الخ.

«و قال ايضا يمدح الامير المومى اليه بهذا الموشح و متغزلا بمحروسة مصر القاهرة ثم فى جبل لبنان و مختتما بمدح الامير و هو

يا رعى اللّه النداما و الحمى‏* * * و ربا تلك المغانى الانّس‏

الخ.

«و قال مهنيا الامير المومى اليه بهذه القصيدة فى عيد الضحية و مضمنا بها عن عدم المطر فى العام‏

575

و فى هذه السنة كان ثمن كيل القمح ستة عشر غرشا و ثمن [رطل‏] الحرير خمسة و سبعين غرشا. ثم لما كان راغب باشا واليا على حلب ارسل الي كنج المحمد امير عرب الموالي امنه بان يحضر اليه و بعد حضوره غدر به و قتله و هذا الرجل كان يحكم علي جميع عرب الموالي و كان شجيع اهل زمانه‏

[879]

سنة 1227

ابتدا هذه السنة شهر محرم المساقب الي شهر كانون التاني اذ كنا قد ذكرنا بان حين تولى [سليمان‏] باشا علي الشام جعل درويش اغا ابن جعفر اغا متسلما من قبله علي الشام. و بعد دهاب سليمان باشا الي عكا فكان درويش اغا القيم مقام علي الشام و قد وشي الى سليمان باشا انه سالبا [اموالا] زايدة من اهالي الشام فارسل الباشا ارما القبض علي درويش اغا و اجرا له حسابات فبلغ الذى سالبه دون علم الوزير ستماية الف غرش فوضعه في السجن تحت الترسيم فباع درويش اغا املاكه و اورد جملة من تلك المال ثم امر الباشا بانتقاله الي مدينت طرابلوس و بعد مدة احضره الي مدينت صيدا الي ان اكتمل ايراد ما توجب عليه و بقي مقيما بعد انطلاقه فى مدينت صيدا و صفى خاطر سليمان باشا عليه و احضر [عياله‏] من الشام الي صيدا و قد كان حين حضور درويش اغا الي مدينت طرابلوس خافوا اولاد عمه فحضروا الي عند الامير بشير فارسل استعطف خاطر سليمان باشا عليهم و رجعوا الي اماكنهم مطمّنين و ارتفع الضبط عن املاكهم.

و فيها سار الامير بشير الي بلاد جبيل ليعطي نظام تلك المقاطعات فحضر الي مقابلته المشايخ بيت الرعد حكام بلاد الضنيه و علي بيك الاسعد و اخوته حكام بلاد عكار و قدموا له الخيل و الزخاير فاكرمهم غايت الاكرام ثم رجع الامير الي بلاده بالامان‏

و قيل بذلك المعلم نقولا الترك الشاعر

افديه من سيد فيه الوري شهد* * * بانه نصرة للعالمين بدا

شهاب افق انار الكون حين زهي‏* * * بطلعت اظهرة بعد الضلال هدا

و اشرقت دار بيت الدين فيه و قد* * * ضاءت بانواره [الاحياء] مذ وجد

____________

- الماضى و اشتداد الغلا و هى‏

مولاى طلت مدى الزمان بقاء* * * و بلغت ما يعلو السها ارقاء»

الخ.

576

دار غدت للعلا و العزّ منزلة* * * ضمت بدارتها المريخ و الاسد

و اصبحت جنّت يحيي الجنان بها* * * و كوترا رايقا عذب لمن وردا

اميرها بدر تم لا افول له‏* * * عن الخواطر ان [دانى‏] و ان بعد

و هو الهلال الدى فى كل [جارحة]* * * منا و فى كل قلب هل و اتلد

ما مال طبعا لحب الاقتناص و لا* * * حبا لصيد طيور البر [مجتهدا]

الا ليخبر عنما فيه من همم‏* * * و لا يقال ان الليت قد زهدا

قد عود النفس حب الافتراس و ان‏* * * تسود ظافرة في كلما حمد

حب اكتساب العلا و المجد سيمته‏* * * و من مناقبه ارغام كل عدا

هده خلايق مولانا الذي كملت‏* * * صفاته و لسان الترك فيه [شدا]

و فيها تواردت الاخبار فى عزل سليمان باشا عن ايالة الشام و انه قادم من اسطنبول السيد سليمان باشا واليا [عليها] و هذا قد كان قديما سلحدار السلطان سليم ابن عثمان و قيل انه من سلالة عبد اللّه باشا الشتجه الذى قد كان تولي علي الشام من قديم الزمان كما تقدم عنه الايراد.

و فيها زاد تمن بزر القز الي ان بلغ تمن اوقت البزر اربعين قرش‏

و فى هذه السنه فى شهر نوار المساقب الي شهر جماد قدم الي هذا البلاد الجراد الطيار من نواحي بلاد يافا الي بلاد نابلوس ثم الي بلاد صفد و غرز في سواحل البحرية من بلاد صفد الي بلاد طرابلوس و احتسبت الناس من ضرره حسابا عظيما و خافوا ان اذا فقست افراخه لم يبقي شيا. اخضرا و لاكن اذا اراد اللّه سبحانه فى زوال شي من الضرر امر له باسباب. و حين غرز ذالك الجراد فى سواحل جبل الدروز من ساحل صيدا الي بلاد جبيل فامر الامير بشير الشهابي [880] المتولى على هذه البلاد. و النافذ امره على العباد. بان كل رجل من بلاده يجمع نصف مد من بزر ذلك الجراد.

و جعل وكلا و مباشرين على جمع ذلك البزر. و ابتدت الناس تفلح الارض و تجمع من بزر ذلك الجراد و يحضروه الى قدام المباشرين. فجمع ما ينوف عن الخمسين غراره و بادوه فى الحريق و الرفس. ثم فقس بزر الذى تبقا فى الارض فى تلك المحلات الذى غرز بها و املا فى اكثر ارض السواحل‏

فامر الامير بشير ان تبادر اليه الناس و يصنعون له حفرا و يطموه بها. و جعل اهتماما زايدا بذلك الشان حتى انه كان يرسل اولاد عمه و خدمه لكى يباشرون قدام اهالى‏

577

البلاد. و بعناء زايد اباد ذلك الجراد المتكاثر من تلك الاماكن التى قد كان فقس بها من سواحل البحر و البلاد الذى هى فى حكم الامير بشير و لم يبق منه شيا. بل طمّه الناس فى الحفر. و اما الاماكن التى لم يكن ممكنا ان يصنع بها حفرا كانوا يبيدوه فى حريق النار. و سلمت الناس من ضرره. و لم حدث منه اذيّة اصلا. و كان رفع هذا الضرر عن هذه البلاد من حسن تدبير الامير بشير الذى لم يكن سبقه احدا لذلك التدبير (1). و اما بقية البلدان الذى غرز بها الجراد اكل ما كان اخضرا و حدث منه ضررا زايدا

و فى هذه السنه حضر طوخين من الدولة العثمانية الى على اغا الخزندار الذى هو فى مقام كاخيه عند سليمان باشا والى صيدا. و هذه الاطواخ اجلب له اياها سليمان باشا لاجل رفع المقام من دون منصب‏

و فى هذه السنه قد كان محمد على باشا مهتما فى جمع العساكر و الاموال من الديار المصرية ليوجه الاسعاف الى ولده طسون باشا اذ كان لم يزل مقيما فى بلاد الحجاز. و قد كان محمد على باشا خلى باله من الغز المماليك بعد ان هربوا الى داخل بلاد الصعيد. و فى تلك الايام حدث فى بلاد مصر فيضانا زايدا من النيل فى شهر نوار المصاقب الى شهر جماد. و لم يكن آن زمان فيضانه. فخافت اهالى تلك البلدان انه لم يعود يفيض ثانية فى اوقاته كجارى عادته. الّا ان من مراحم اللّه سبحانه و تعالى قد [فاض‏] النيل فى اوقاته ثانية و اكتفت تلك البلدان و زرعوا زروعهم كجارى عادتهم‏

و فيها تواردت الاخبار بان عساكر المسكوبية قد رجعت عن حرب الاسلام و جرى الصلح بموجب شروط زايدة على الاسلام. ثم بعد ذلك تجدد الحرب فيما بين الدولة الفرنساوية. و الدولة المسكوبية. و كان باسعاف الفرنساويين النمسا و غيرهم من الممالك.

و باسعاف المسكوب بروسيا و السويس و جرت بينهما حروب كثيرة الى ان آل الامر بان استظهر الفرنساوى على المسكوب و دخل بلاده. و قيل ان حدث بين اوليك الملوك موقعه و دام الحرب خمسة ايام. فمات من الطايفتين نحو خمسين الف قتيل‏

و فيها فى هذه الشتويه الذى عبرت كثيرة السيول و الاهوية و حدث فى بلاد جبيل سيل زايد فاعدم ارزاق كثيرة الا ان امتنع المطر فى شهر نيسان و حدث فى شهر تموز

____________

(1) ن 2: «لم يكن احد سبقه لذلك قط بحسب ظنى».

578

حرّا عظيما. و فى وقت ذلك [881] الحرّ حدث سحابة زايدة المطر فى جبة عسال الورد التى هى الشرقى من بلاد بعلبك‏

و قد كنا ذكرنا عن قدوم السيد سليمان باشا لاجل ولاية الشام. و بعد وصوله الى مدينة حماه اقام مدة ثم قدم الى الشام و وصل بكل عز و اكرام. و نادى فى الامان.

و قد كان متسلما على الشام على اغا البغدادى من قبل سليمان باشا فحين عزل عنها بقى على اغا متسلم كعادته من قبل السيد سليمان باشا و حين وصول الباشا للشام دخل على اغا المذكور القلعة و عزم على العصاوه و هيّج اهالى الشام على القيام ضد سليمان باشا فامر الباشا الى العساكر ان تحاصر القلعه. و كان على اغا البغدادى يعهد ان القلعه حصينة و مكفية من الذهاب فما اعتبر حصار تلك العساكر. و قد كان مستامنا فنصبوا تلك العساكر السلالم من الناحية الشرقية. و صعدوا بغتة الى اعلا القلعه. و اما الذى هم داخل القلعه لم شعروا ان وصلت اليهم الاعدا. فقبضوا على على اغا و من عنده.

و نهبوا القلعه و اخذوا اموالا زايدة. و اتوا فى على اغا الى قدام الباشا فآمر بقتله و اطلق التنبيه على جميع البغاده الذى فى الشام ان كلمن بقى فى الشام يقتل. فحدث رجه عظيمه و اعترا الخوف اهالى الشام. ثم نادى الباشا فى الامان. و قد صار له اقتدارا زايدا بعد ما كانت طمعت به اهالى المدينه. ثم ارسل تعريف الى المتسلمين الذى فى ايالته و من الجمله حضر كتابه منه الى الامير خليل ابن الامير بشير الذى هو وقتيذ حاكما على بلاد البقاع. يعلمه بما توقع‏

و هذه صورتها افتخار الامرآ الكرام ملتزم ناحية البقاع حالا ولدنا العزيز الامير خليل الشهابى زيد مجده‏

بعد التحية و التسليم. بمزيد الاعزاز و التكريم. المبدى انه غير خافى عنك ما توقع من على اغا بغدادى متسلم الشام سابقا من الشقاوة و الخيانة و المغايرة قديما و حديثا ثم فى حين حلول ركابنا بمقر حكومتنا بمحروسة دمشق الشام سمحنا له عنما توقع منه فى منصبنا من الامور الردية و الداخل عليه من ايراداتنا. و عملنا بموجب قوله تعالى عز من قال و ان العفو اقرب للتقوى‏ (1). و اظهرنا له بعد العفو الاستماله و الانعام و ابقيناه متسلما فى‏

____________

(1) «وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏» (القرآن 2 [البقرة] 238)

579

الشام. فلم يزداد الا غرور و شقاوة و فساد و جمع من جماعته بعض اوباش و شقاه و دخل بهم الى القلعه و تظاهر فى العصاوة كالشمس الضاحية فى السماء الصاحية. فاقتضى اننا اخذناه بطولة البال احتسابا ليلا يصير ثقله على البلد و رعاياها و دايع الباري تعالى.

و راسلناه مع ذى الامانة. و ذوى التصديق و التقاوة. و نصحناه عن ذلك الغرور.

فلم يقبل النصح و حسّن له الشيطان ذلك الارتكاب و تخايل بعقله الخسيف ان يسود بالعصاوة و الشقاوه فى الدنيا و لم نزل نراسله بالتحذير و التنذير. [882] و هو لم يزل يزتاد الّا شقاوة و غرور. بمخالفة اوليا الامور. و ظن ان بعصاوته يعطّل امورنا الذى يسّرها البارى سبحانه. و لم يعتبر بقوله عز من قال ان اللّه لا يفسد عمل المفسدين‏ (1).

فحينيذ توسلنا الى اللّه تعالى و آمرنا جيوشنا المنصوره بالزحف عليه. و وجهنا الاطواب و آلات الحرب على القلعه و ذلك فى نهار السبت المبارك الثانى و عشرين من شهر تاريخه.

و دارت بهم الجنود و المواكب. و صار الزحف على القلعة من كل جانب مع ضرب الاطواب و المدافع. و لم يبرح الامر على هذا الوجه يوم السبت المذكور و يوم الاحد.

و فى نهار الاثنين المبارك رابع و عشرين شهره شددنا الحصار [التشديد] التام. و دارت فى القلعه الكتايب و المواكب من المشارق و المغارب. و صار الزحف من الجهات الاربع و امرنا الجيوش المنصوره ان يصعدوا على السلالم. ففعلوا ذلك و صعدوا على السلالم و ملكوا الابراج و صار بينهم و بين الاشقيا الذى داخل القلعه الحرب و الهياج. و بعون عناية الوحدانية و الوقاية الصمدانية. و بسر روحانية سيد البرية عليه انعم الصلوة و اتمّ التحية. انعم اللّه تعالى علينا بالظفر و النصر و قابل الاشقيا بالقهر و الكسر فارمينا القبض على الجميع. و لم ينجا منهم لا رفيع و لا وضيع. و بعد ذلك آمرنا بفتح باب القلعه.

و اخرجنا الاشقيا تحت القبض و الشقا. و الشقى على اغا ترتب قصاصه و جزاه بما قد نواه. و بمنّه تعالى لم يحصل الى اهالى البلد ادنا ثقله و لا ضرر [من‏] هذه الحركه لان مدة الحصار كانت يومين و نصف لا غير فاقتضى اننا قد اصدرنا مرسومنا هذا اليكم ليكون معلومكم و تكونوا متقيدين فى اشغالكم. و راحة الفقره و الرعيه. و دايع رب البريه. و استجلاب الدعوات المرضيه. الى حضرة ظل اللّه فى ارضه مولانا سلطان السلاطين و خاقان الخواقين. ادام اللّه ايام دولته و ظل رافته على العالمين. بحرمة سيد

____________

(1) و لعل المقصود: «إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ.» (القرآن 10 [يونس‏] 81)

580

المرسلين والى عساكر المسلمين. و جيوش المرابطين و تطيبوا خواطر الرعايا و ان شا اللّه تعالى جميعا يشاهدون من طرفنا كلما يسر الخواطر. و يقر النواظر من جميع الوجوه.

فبناء على ذلك قد اصدرنا لكم مرسومنا هذا من ديوان الشام. على يد رافعه قدوة الاماثل و الاقران خليل اغا زيد قدره. فبوصوله تعملوا بموجبه و اعتمدوه غاية الاعتماد فى 2 ر سنة 1227

و من بعد تملك القلعه تمكن سليمان باشا فى الشام و اجرا العدل و الامان. و كان التدبير بيد كاخيته على اغا الذى اتى معه من اسلامبول. و كان الباشا لا يتعاطى الامور و لا يامر احد ان يجلس فى ديوانه من اكابر دولته. و كان يحب لعب الخيل.

و في هذه السنه كان الوبا العظيم فى اسلامبول حتى انه كان يخرج فى اكثر الايام [883] الف جنازه‏

و فى هذه السنه حضر حسين افندى المرادى الى عند الامير بشير. و كان هاربا من الشام من خوفه من سليمان باشا حيث ان كان واقع بينه و بين المفتى ابن المحاسنه بغضه. و كان المفتى له قبول عند سليمان باشا فاحتسب حسين افندى من غدره و حضر الى بتدين فالتقاه الامير بكل اكرام. و بقى مدة بكل انشراح ثم سار الى عكا.

فتعاطى سليمان باشا صوالحه و قد كان واقع مباغضه فيما بين سليمان باشا و الى صيدا و بين سليمان باشا والى الشام كما ذكرنا من جهة عصيان علي اغا البغدادى ثم اصطلحوا و رجع حسين افندى الى الشام كعادته‏

و فى هذه السنه آمر الامير بشير ان يبطل جميع الاغفار من على الطرقات الذى كانت مرتسمه من قديم الزمان من خان الحصين و غفر المديرج و غفر الناعمه. و مينة جونى و جبيل و ان تسافر القوافل و التجار على جميع الطرقات بالامان من غير اكلاف و لا اغفار. و حدث للخلق مرحمه عظيمه من ذلك الشان‏

و فى هذه السنه فى اول شهر تموز ابتدا الامير بشير الشهابى فى اجرا الماء من نهر الصفا من تحت قرية عين زحلته الى بتدين‏

و فيها فى عشرة ايام من تموز المصاقب الي شهر رجب كانت وفاة الشيخ نجم العقيلة فى قرية السمقانية التى هى بالقرب من دير القمر. و كان رجلا فطنا عاقلا حسن الراى و التدبير شجيع القلب و كان الامير بشير يحبه محبه عظيمه و يتخذ رايه فى المهمات. و كان فى مقام كاخيه عنده كون انه قد كان قضى اتعاب زايده و اخطار كثيرة فى خدامته الى‏

581

الامير بشير. و بسبب ذلك قتلوا اخوه و ابن عمه بيت عطا اللّه فى عنداره كما اتى عنهم الشرح قديما فى تاريخنا هذا فكافاه الامير باحسن مكافاه حتى انه اقتنى ارزاق و سحوت وافره. و قد كان فى ابتداه فقير الحال. ففى خدامته الى الامير بشير حصّل سحوت كثيره.

و قد ارثاه المعلم نقولا الترك بهذه الابيات‏

يا سحب جود اللّه عمى تربة* * * ضمّت كريمّا عمّنا فيه المصاب‏

فهو العقيلى اعقل العقلا من‏* * * قد كان قدوة كل ذى راى نصاب‏

ندب رمانا البين فيه و راشنا* * * منه بسهم ليت ذاك السهم خاب‏

يا رحمة الرحمن عمّى بالرضى‏* * * تربا به ارخت نجم الصبح غاب‏

و فيها كبس سعيد اغا متسلم اريحا على اداب التى هى من اعمال مدينة حلب فارسلوا اهالى البلدة استجاروا فى راغب باشا المتولى وقتيد على حلب. فجمع العساكر و خرج [884] الى معونتهم فالتقاه سعيد اغا و ابن عمه طبال على اغا و حين وقع بينهما الحرب انكسرت عساكر راغب باشا. و قضى الوزير اهانه زايده. و رجع الى حلب مخجولا

و قد كان قدمنا ما وقع من المناضلة فيما بين الامير جهجاه الحرفوش و اخيه الامير سلطان. و قد كان الامير سلطان حين رجع اخيه الى حكم بلاد بعلبك كما قدمنا عنه الايراد. فهرب الامير سلطان من البلاد و التجا الى عبود بيك ابن عم على بيك الاسعد حاكم بلاد عكار. و مكث عنده الى ان قدم السيد سليمان باشا الى حماه فتوجه الامير سلطان الى عنده و جعل له عبوديه مايتين الف قرش على حكم بلاد بعلبك فاعطاه الامان و اوعده ان ينعم عليه فى رجوعه حاكما. و قد كان سليمان باشا والى صيدا يودّ الامير جهجاه. فارسل الى سليمان باشا يساله ان يبقى الامير جهجاه حاكما على بلاد بعلبك. فقبل سؤاله و بقى الامير سلطان عنده و دخل معه الشام‏

ثم بعد ان قتل على اغا البغدادى كما قدمنا الشرح. و كان يظن السيد سليمان باشا ان ذلك بتدبير سليمان باشا والى صيدا

ففى هذه الايام انعم على الامير سلطان فى رجوعه الى حكم بلاد بعلبك. و ارسل صحبته عسكر. فكبسوا على اخيه الى مدينة بعلبك. و اذ ان الامير جهجاه كان دايما محترزا من الدوله و له رواقيب و [ارصاد] فى كل مكان. فاتت اليه الاخبار قبل خروج اخيه من الشام. فهرب باعياله نحو بلاد الضنيه و دخل الامير سلطان الى بعلبك. و اجرا

582

مظالم على الرعايا و سلب اموال زايده. و قد كان اخيه جمع الاموال الميريه من البلاد فجمعها هو ايضا مره ثانيه و اراد ياخذ من اهالى الجبل الزارعين فى بلاد بعلبك فارسل الامير بشير اعلم سليمان باشا و حضر له امر برفع المظالم عنهم‏

و فى هذه السنه فى شهر رمضان حضر الى مدينة بيروت حريم سليمان باشا والى الشام.

من اسلامبول فارسل الباشا نحو مايتين خيال لكي يسيروا في صحبتهم الى الشام‏

و حين بلغ الامير بشير ذلك فارسل من خواص خدمه خمسين خيال الى بيروت و آمر بتقديم الزخاير الى الطريق‏

و حين وصلت اتباع الامير و اعلموا الاغا الذى اتى بذلك العسكر بان الامير بشير مقدم الزخاير انسر سرورا زايدا و فى الحال ارسل ساعيا اعلم الباشا بما ابداه الامير من المعروف و الاكرام. فانشرح خاطر الباشا و ارسل الى الامير بشير كتابات بها يستكثر خيره و ارسل له فروا ثمينا و حضر له بيولرده‏

و هذه صورتها افتخار الامرا الكرام كبير [الكبرا] الفخام الاجل الامجد ولدنا الامير بشير الشهابى المحترم زيد مجده. [885] غب اهدا الدعوات الصافيه. و التسليمات الوافيه. و السوآل عن خاطركم نبدى اليكم انه قد طرق مسامعنا عن غيرتكم فى ابدا المعروف و الاكرام الواقع منكم مع ولدنا البيك المحترم حين وصوله الى مدينة بيروت. فحصل لنا من ذلك محظوظية عظيمة فبارك اللّه في غيرتكم و هذا املنا منكم تدوموا بها ان شاء اللّه.

فلزم نيابة الى المحبة الواقعة مرسلين لكم فروة سمور من ملبوسنا لاجل تلطيفكم تلبسوها ان شا اللّه بالهنا و السرور. و من الان و صاعد مهما لزم لكم اعرضوه لدينا و لا تخرجونا من خاطركم. فى رم سنة 1227 (1)

خالص الفواد سليمان والى الشام‏

و فى هذه السنه حضرت ابنة اخت وزير سلطان الانكليز الى مصر فاقتبلها محمد على باشا بكل اكرام‏

ثم طلبت الحضور الى برّ الشام فقدم لها هدايا عظيمة و حصان بعدّه كامله ثمينه [فارسلته‏] الى سلطان الانكليز و وجه معها اثنين من مماليكه و حضرت الى عكا

____________

(1) ن 2: «حرر في شهر رمضان سنة 1227».

583

فالتقاها سليمان باشا بكل اكرام. ثم حضرت الى مدينة صيدا. فارسل الامير بشير عزمها و حضرت الى دير القمر و انشرح خاطرها فى هذه البلاد. و قدم لها الامير الخيل و الزخاير. و حضر لها كتابات من سليمان باشا والى الشام يكلفها الى الحضور. فسارت الى الشام و حصلت منه على كل اكرام. و اقامت مده ثم سارت الى حماه. و توجهت الى عند العرب تتفرج على زيّهم. ثم سارت الى حلب و سار معها الامير مهنا الفاضل شيخ عنزه بمايتين خيال خوفا من الطرق و كان قصد هذه السنيوره الجولان في عرب بستان لاجل الفرجه و التنزيه لسبب ان كان حاصل لها مرض من قبل الحصر. و كان سببه ان كان لها خطيب من اولاد عمها فقتل فى احدى الحروب. و قد حصل لها هذا المرض من حصرها فارسلها خالها الى التنزه و كان بيدها اوامر من الدولة العثمانية. ان يقدموا لها كل اكرام اين ما حلّت و كان بصحبتها ابن عمها و خدمها

و قد كانت امارة الانكليز بهذه الايام يجولون فى عرب بستان و يتفرجون على هذه البلدان و يكتبون كلما يشاهدوه. و قد حضر منهم جملة امرا الي عند الامير بشير.

و كلما حضر احد يقدم له الاكرام حيث كانت المحبه عنده لهم من قبل هذه الايام‏

و في هذه السنة فى 15 رمضان المصاقب الى شهر ايلول اطلق الامير بشير لحيته.

و كان قد بلغ من العمر سته و اربعين سنه و قد مدحوه الشعرا الموجودين بخدمته فى هذه الابيات و هى تنسب الى المعلم بطرس كرامه الحمصى ابن اخت مخايل البحرى‏

[886]

ان البشير الذي فاز الزمان به‏* * * قد فاز بالمجد و الافضال و اللطف‏

بدا عذار البها فى سعد طلعته‏* * * يحكى اساطير بسم اللّه في الصحف‏

اللّه عظمه قدرا و جمّله‏* * * ارّخ و زينه فى حلية الشرف‏

و هذه الابيات تنسب الى المعلم نقولا الترك‏

لما تبدّى ذو المعالى مسبلا* * * ابهى عذارا لاح فى وجناته‏

فنشدته لك الهنا يا من به‏* * * ارخ عش عمرا عديد نباته‏

و هذا ينسب الى المعلم الياس اده‏

فريد العصر مولانا المفدّى‏* * * بشير الامن زينه الجمال‏

و جمّعت المحامد فيه حتى‏* * * لنور شهابه سجد الهلال‏

و مذ ابدا محياه عذارا* * * فنادى ارخوا ظهر الكمال‏

584

ثم ان الامير بشير بعد ان اطلق لحيته غيّر حلّته. و ازال عن راسه الطربوش الطويل.

و غيّر رونق عمامته فاقتدى به خدمه. و الاكثر اطلقوا لحاهم. و البعض غيّروا لفاتهم.

فانشد بذلك المعلم نقولا الترك‏

بشير العصر سنّ الى البرايا* * * لعظم جلاله سنن الكمال‏

فاهدوا الخلق بالتاريخ بشرا* * * ببطلان الطرابيش الطوال‏

و فى هذه السنه غدر راغب باشا المتولى وقتيد على مدينة حلب فى الكنج ابن الامير محمد الخرفان امير عرب الموالى و قتله. و السبب ان عرب الموالى كانوا قاطنين بارض حلب.

و كان الامير كنج له محبة عظيمة عند راغب باشا. و كان الباشا يكرمه حين يحضر اليه.

الى ان حدث بان الكنج غزا فريق من العرب و ظفر بهم. ثم فى رجوعه نزل على عرب الحديديه و بات عندهم. فنظر الى ابنة فى بتلك الحى فاختلا بها. ثم سار الى حلب فدخلوا اهلها على راغب باشا و اشكوا له حالهم. و كان الكنج جالسا. فنفر بهم و عظم ذلك على راغب باشا فآمر بقتله فى الحال و بعد ذلك غارت عرب الموالى على اراضى حلب و قطعوا الطرقات فارسل الباشا اخلع على محمد ابن الكنج و اقامه مكان ابيه. و قوّى عرب عنزه فقويت العداوه بينهما و بين الموالى و كانوا يغزوا بعضهم. ثم ان راغب باشا وجّه العسكر على عنتاب. و اصطلح مع سعيد اغا. و اعطاه عشرين الف قرش فمشا عسكره معه الى عنتاب و تسلمها بالامان.

و فى هذه السنه اعرض الشكايات على محمد باشا ابو مرق انه متظاهر فى الخروج و شرب [887] الخمر و ان قصده يرمى الفساد فيما بين انكشارية حلب و الباشا. فحضر امر من الدولة العثمانية بقطع راس محمد باشا ابو مرق و كان وقتيد مقيما فى حلب.

فحضر اليه راغب باشا و قطع راسه‏

و فى هذه السنه فى 13 ذى القعده ليلة الثلاثه فى 5/ 3 فى الليل وقع فى اراضى بغداد برد عظيم مثل قطع الصخور. فزانوا الواحده بلغت رطل و اربع اواق. و قتل اناس و بهايم لا تحصى و هدم عماير كثيره. و دام ذلك ربع ساعه‏

و فيها زادت العمله فصار ذهب المشخص سعر 13 و الاسطنبولى سعر 8 و المصرى سعر 7 و الاحمدى سعر 12 و ريال اليوزلى سعر 3 و الاكلك سعر 5/ 2 و بوطاقه الفرنجى سعر 16. ثم فى اخر هذه السنه بلغ سعر الحرير الاصفر 80 و الابيض 75 و خرجت اوراق من الامير بشير عن سعر الحرير 85 فصار الى اواخر السنه بهذه الاسعار.

585

و فى هذه السنه كان البطريرك اغناطيوس بطريرك طايفة الكواتلي متوجها من دير ماري؟؟؟ سمعان الى دير النياح الذى بقرب بسكنتا. فاغتالوه الياس عماد و اولاده من بيت المعلوف. و قد كانوا رابطين له فى الطريق فقوسوه ضربين و ضربوه فى النجاق الى ان مات. و هربوا حالا من البلاد الى مدينة طرابلوس و اذ كانت البغضه [متجده‏] بين طايفة الروم و طايفة الكواتلي اخفوا الياس عماد و اولاده و جهزوا لهم مركب و توجهوا الي مدينة قبرص‏

و حين بلغ الامير بشير ذلك الخبر عظم عليه جدا و ارمي التفتيش على المذكورين فراهم هربوا و قد شاعت الاخبار ان هذا التدبير من بعض اناس من طايفة الروم من اهالي قرية بسكنتا و سبب ذلك ان طايفة الروم كانوا يبغضون البطريرك المذكور كون انه كان فارغ جهده ان يصيّر اكثر الروم ان يرتدوا الي طايفته‏

و حين بلغ سليمان باشا والي صيدا تلك الاخبار تحرّك بالغضب علي طايفة الروم حيث خدم بابه اكثرهم من طايفة الكاتوليكيين و حضر منه اوامر الي الامير بشير انه يجرى القصاص و التاديب الي كلمن له اشتراك بذلك الامر و قبض الامير بشير على البعض من طايفة الروم القاطنين فى قرية بسكنتا. و اجري عليهم العذاب الاليم. و عند ما لم يبان عندهم تاكيد الامر [امر] فى اطلاقهم بعد اقامتهم فى الحبس مدة طويله و ابتدا يترصّد وقوع الياس عماد و اولاده‏

ثم اننا قد شرحنا فى تاريخنا هذا عن تمرّد العرب الحجازيه و كيف انقادوا الي بدعة كبيرهم عبد الوهاب والد سعود المتسلط عليهم الان من اجل ذلك سميوا الوهاوبين.

و هذا الرجل كان مقرّه فى بلاد نجد فى مدينة الدرعيه و توفا بها

ثم بعده استولي مكانه [888] سعود و ذهب على مذهب ابيه. و اطاعته عربان تلك البلاد. و تولى على بلاد الحسا و القطيف و بلاد مسقط و بلاد البحرين و بلاد الحجاز [و الينبع‏] و جده الى اطراف بلاد اليمن و جرا بينه و بين الشريف و اهالى الحجاز حروب كثيره‏

ثم تملكوا المدينه و هدم القباب و المزارات الى ان ذهبت اهل تلك الارض و انقطع الحاج من اطراف الشام و مصر و بغداد كما مرّ ذكره فى تاريخنا هذا الي ان كان سنة 1226 ذكرنا عن تجهز محمد على باشا عزيز مصر و توجهه العساكر صحبة ولده [طوسون‏] باشا الي الحجاز و توجيهه الى الينبع البحرى و هى اسكلة بحد جسر السويس علي طريق‏

586

جدّه و كيف تقدم بعساكر الي ملتقاه. و كيف التقوا العساكر فى بلاد بدر. و عند دخولهم الي بوغاز الجديده تقابلوا مع عبد اللّه ابن سعود. و كان مقدام عساكر المصريه الارناووط و وقع الجنك يومين. و قتل من عساكر عبد اللّه ابن سعود نحو عشرين الف. و من العساكر المصرية نحو ثمان الاف الى ان امتلت الارض من القتلا

ثم دخلوا العساكر الوهابين الي داخل البوغاز فزحفت عساكر مصر فى تلك الوادي و طبقت عليهم الوهابين فلم يسلم الّا القليل. و رجع طوسون باشا و من سلم معه الي الينبوع. و رجع عبد اللّه ابن سعود الي المدينه و حضر والده فى كامل العساكر

و فيها حضر له خبر ان العتوب و هم قبايل عربان قد اتوا من بلاد العجم الى بلاد القطيف. فخاف ان يتملكوا تلك البلدان‏

و فى الحال دخل بعساكره من الحجاز خلف الشريف محافظا للمدينه اما طوسون باشا بعد تلك الكسره و تضعضع احواله ارسل يستمد الاسعاف من والده. فحالا جهّز له العساكر الوافره و الجنود المتكاثره برا و بحرا. و اسعفوه فى الزخاير و آلات الحرب فقوي باسه و زحف الي تملك المدينه المنوّره فى العساكر المتكاثره‏

بشراك يا سدة لا زال يخدمها* * * سعد السعود و ثغر المجد يلثمها.»

(1)

سنة 1228

ابتدا هذه السنه شهر محرم الحرام حضر الامير جهجاه الحرفوش [من‏] الضنيه الى الهرمل بامله ان يصير له انعام بحكم بلاد بعلبك. لان كان قد ترجّا به الملّا اسمعيل اغا قبل ذهابه فى الدوره الى بلاد نابلوس و اوعده سليمان باشا ان بعد اربعين يوما ينعم علي الامير جهجاه برجوعه الي حكم بلاد بعلبك‏

ثم بعد حضور المذكور الي الهرمل احتسب اخوه الامير سلطان و جمع عسكر و عزم علي الهرب. فحضر له تطمين من الشام ان لا يقع معه تغيّر و كان ذلك لكى يورد

____________

(1) و قد وجدنا في نهاية اخبار سنة 1227 في ن 2 ما يلي: «و فيها حضرت الشرطنامات و الخلع الفاخره الى الامير فانشده المعلم نقولا الترك هذه القصيدة و معرضا بذكر ولديه الامير قاسم و الامير خليل فى لبس كل منهما خلعة المنصب فكان منصب الامير قاسم فى جبيل و ما يليها و منصب الامير خليل فى اراضى البقاع فى التاريخ المذكور و هى‏

بشراك يا سدة لا زال يخدمها* * * سعد السعود و ثغر المجد يلثمها.»

و قد اورد من هذه القصيدة 24 بيتا.

587

الباقي عنده من المال الذى تعهّد به فلم يورد شيا. و حين رجوع الملّا اسمعيل من الدوره آمر سليمان باشا بتوجيه الخلع الي الامير جهجاه و هرب اخيه الامير سلطان الى بلاد الشام. و كان مراده المسير الي عند العرب. و قد كان توجه له عسكر من الشام فالتقوا [889] به فى الطريق و فى الحال قبضوا عليه و رجعوا به الي الشام. و بقى فى السجن الى ان دفع ما كان باقى عنده‏

و فى هذه السنه حضر فريق من عرب الهنادي من بلاد مصر الى بلاد يافا فقبلهم محمد اغا ابو نبوت المتسلم وقتيد مدينة يافا من قبل سليمان باشا ثم ان تلك العربان نهبوا قفل من بلاد مصر يبلغ ستة الاف كيس. فظن محمد علي باشا بان ذلك بامر سليمان باشا. فارسل له اعلام بذلك الشان. فوجّه سليمان باشا عساكره الي تلك العربان فكسروا عساكر الباشا و هزموهم‏

و فيها فى 25 محرم انكسفت الشمس ثم بعد خمسة ايام حدث هوا عظيم يومين ثم اعقبه الثلج فى 3 صفر الموافق الى 25 ك 2 (1) و بقي من [صباح‏] نهار الجمعه الى عشيه السبت. فدام رمى الثلج سبعة و ثلاثين ساعه و نصف لم انقطع ساعه واحده. و قد بلغ على الارض ذراعين من الجبال الى السواحل قد كان قريب القياس و اما الجبال العاليه لم كان يعرف مقداره. و كان ناشفا جدا حتى انه علق على ورق الاشجار. و قد اهلك ارزاق لا تحصى و فى اكثر الاماكن اعدم من اكثر نصف الزيتون و قيل فى اراضى الشام لم ابقي من الزيتون و الليمون الّا اليسير و عدم عماير كثيره فى القرايا التى فى الجبال و وصل الثلج الى داخل بلاد حوران و الى مدينة عكا. و كان فى سهل البقاع ينوف عن السبعة اشبار. و مات اكثر اهالي قرية كفره حيث ان لم عاد يعرف اين القرية. و لم عاد قدر احد يسلك اليهم. و هلك طرش كثير فى القرايا الذى فى الجبال من الجوع. و بقى مدة ايام فى جميع بلاد الدروز و الطرقات منقطعه من قرية الى قرية حتى و فى اكثر القرايا من بيت الي بيت‏

و قيل في ذلك هذه الابيات‏

هاجت رياح بالشمال تجول‏* * * فتعمدت ريح الجنوب تصول‏

و تكافحا حتى كان هبوبها* * * فرسان حرب اقبلت و خيول‏

____________

(1) كذا في الاصل. و الصواب ان 3 صفر 1228 وافق 5 شباط 1813، و كان نهار الجمعة.

588

هبت و قد جعل الغمام ظليلها* * * فكانما هو قسطل مسبول‏

و البرق في افق السماء كانه‏* * * [درع‏] عليه مزرر مقفول‏

و نما الضباب علي الهضاب معمما* * * قمم الجبال كانه الاكليل‏

نحرت سيوف البرق اعناق الغما* * * م فسال منه دمعه المهطول‏

و تزاحمت فرق السحاب و قد بدا* * * للرعد فى وسط الغيوم صهيل‏

ما زالت الانواء يخبط جيشها* * * حتى علا نور الضياء افول‏

و الشمس قد كسفت بسلخ محرم‏* * * و عقيب هذا الكسف جاء [سيول‏]

و تعاظم النو الشديد و قد اتى‏* * * صفر بغرته الرياح تحول‏

[890]

و بثالث منه اتى فى جمعة* * * ثلج يعم على البطاح مهول‏

متكبكب متنشف يومان مع‏* * * ليل تواصل هطله الموصول‏

عمّ الجرود و كذا الوسوط سوية* * * و تعمّمت منه الربا و سهول‏

و حل بامصار و زاد بها و لم‏* * * يعلم له قبلا بهن حلول‏

و تراه فى تلك البقاع مقدرا* * * نحو الذراع و بعضهن يطول‏

و اشتد هذا الودق حتى لم يكن‏* * * من هوله لابن السبيل سبيل‏

و لازم الناس البيوت مخافة* * * يومان و كل بالدعا مشغول‏

و استدت الطرقات حتى لم يكن‏* * * من الجار للجار القريب دخول‏

كم قرية اضحت به [مغمورة]* * * فكان ليس لها ربا و طلول‏

و فى بعض اقطار لم يبق بها* * * شجر سوى المكسور و المخدول‏

و كذلك الزيتون اضحى عاريا* * * متنكسا تعلو الفروع اصول‏

و بجلّق لما اناخ بارضها* * * مليت به بطحآها و تلول‏

للّه كم من انفس هلكت و كم‏* * * غصن رطيب قد علاه دبول‏

و لفرط عظمته و شدة برده‏* * * دهشت به ابصارنا و عقول‏

و عرى الانام مخافة لما دنا* * * خطب جسيم بالثلوج مهول‏

و تصايحت تلك الخلايق بالدعا* * * للّه فهو الحافظ المسئول‏

[متشبثين‏] بلطفه و بحلمه‏* * * فهو الرحيم القادر المامول‏

شمل الانام برافة نلنا بها* * * امنا و زال الضيق و التنكيل‏

589

قد كان ان يفنى الملا لو لم يكن‏* * * من لطفه جرّت عليه ذيول‏

و الشمس قد كسفت فقلت مورخا* * * ثلج اتى و به الكسوف دليل‏

و فى هذه السنه كان الحرب بين عساكر مصر و العرب الوهابين فى بلاد الحجاز و ظفرت عساكر مصر فى العرب و طردوهم و تملكوا المدينه و جدّه و مكه. و انتصر طوسون باشا ابن محمد على عزيز مصر من عظم شجاعته على تلك العربان و كان والده يمدّه فى الاسعافات الملوكيه و حضر الى الامير بشير تخبير من سليمان باشا والى الشام‏

و هذه صورته افتخار الامرا الكرام ذو القدر و الاحترام جناب ولدنا الاعز الامجد الامير بشير الشهابى زيد مجده. بعد التحية و الاكرام. و مزيد العز و الانعام. نبدى اليك هو انه يوم تاريخه ورد لنا قايمة محترمه من سعادة الدستور الوقور الافخم الاخ الامجد والى مصر القاهره حالا دستور جليل [891] الشان المحترم و مضمونها ان سعادة مخدومه [طوسون‏] باشا المحترم بعد استيلابه على المدينة توجه فى العساكر المنصوره الي مكه [المكرمه‏] و قطع [دابرة] الملة الفاجره الوهابيه الكافره و دارت عليهم الدايرة بقدرة ملك الدنيا و الاخره. و تطهرت تلك الرحاب الشريفه و البقاع المنيفة من تلك الملة الباغيه.

فهل تري لهم من باقيه‏ (1) و استولي علي مكه و جدّه تلك الديار المعظمه. و لم يبق من الاشيا (2) بتلك الديار و لا نافخ نار. و بحسب ان هذه البشاره تجلب السرور التام اصدرنا لكم مرسومنا هذا لكى تشهروه على روس الخاص و العام. و تستجلبوا الدعوات الخيريه الى حضرة ظل اللّه فى ارضه مولانا السلطان نصره العزيز الرحمن و لنا والي العساكر المسلمين و زمرة الموحّدين. فبناء على ذلك اصدرنا لكم مرسومنا هذا من ديوان الشام على يد ناقله قدوة الاماثل و الاقران عمر اغا اندرون اعلموه و اعتمدوه و السلام‏

و فى هذه السنه بعد تملك الفرنساويه اكثر بلاد المسكوب. ثم ظفر بهم و طردهم من بلاده. و كان السبب لزود وجود البرد و الثلج فى تلك البلاد و الفرنساويه لم يكونوا معتادين لذلك‏

و فى هذه السنه حلم سليمان باشا والى الشام على الامير جهجاه الحرفوش فى رجوعه‏

____________

(1) ن 2: «فما تبقى لهم من باقيه».

(2) ن 2: «الاشقيا».

590

الى بلاد بعلبك و وجه عساكر من الشام ليرموا القبض على الامير سلطان فصودف انه كان هاربا نواحى بلاد حوران و التقوا به و قبضوا عليه و رجعوا به و وضعه الوزير فى السجن‏

و فى هذه السنه كانت وفاة الامير قعدان ابن الامير محمد ابن الامير ملحم فى قرية اعبيه‏

و فيها فى شهر ربيع اول تباين الطاعون فى مدينة عكا و قد كانت هذه السنه كثيرة الامطار. فمن نصف شهر الثانى‏ (1) الموافق الى شهر ذى القعده سنة 1228 الى شهر نيسان الموافق شهر ربيع [الثانى‏] لم استهل هلة شهر الّا فى الامطار. و تزايد الطاعون فى عكا خمسة اشهر و مات ما ينوف عن الثلث ما فيه من المدينه من الناس. و احتجبوا سليمان باشا و علي باشا فى الصرايا و وقع الطاعون فى جملة اناس من الذين داخلين الصرايا و فى الحال يخرجوهم. و ماتوا اولاد سليمان باشا الصغار و جملة من خدمه. و فى اول شهر ادار مات خورى برج البراجنه فى الطاعون فخافت اهالى جبل الدروز. و احتجبوا كل فى محله. و اطلق الامير بشير التنبيه [فى‏] جميع البلاد ان كل قرية يتباين فيها الطاعون يرفعوا اهلها حالا المطعون من بينهم. و آمر يوسف الشلفون ان يكون مناظرا فى ساحل بيروت ان كل [من‏] يمرض فى الطاعون يرفعه الى القلّابات. و جعل فى القلابات خيام مخصوصه [892] الى المطعونين و عيّن لهم مصروف يومى. و كان كل من يمرض فى برج البراجنه فى الطاعون يرفعوه الى القلابات. و ايضا كل من يلاصقه. و مات فى البرج نحو عشرين انسان. و فى شهر نوار الموافق الى شهر جماد الثانى تباين الطاعون فى صور و صيدا و امتد الى ما حولهم من القرايا. ثم الى الحوله و الجولان و مات كثيرين من العرب و من اهالى تلك البلدان و وقع الطاعون فى مدينة طرابلوس. و لاجل عدم ادراك اهالى تلك البلاد وقع الطاعون فى بلاد عكار و صافيتا و الضنيه و جبة بشرى. و مات اناس كثيرين من تلك الاماكن الذى دخلها الطاعون و تباين فى مدينة بيروت و تصاوب اكثر اهالى المدينه. و كان الموت منهم قليلا. و وقع الطاعون ايضا فى الشام و فى حوران و مات اناس كثيرين‏

و فى بعض القرايا لم يبقا من اهلهم الّا اناس قليل. و كان الامير بشير دايما يطلق‏

____________

(1) كذا في الاصل. و لعلّ الصواب: تشرين الثاني، لانه يوافق ذا القعدة المذكور.