مرآة الحرمين - ج2

- إبراهيم رفعت باشا المزيد...
493 /
1

[الجزء الثانى‏]

الرحلة الثانية فى حجة سنة 1320 ه- 1903 م‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

نحمد اللّه و نشكر له نعمه المترادفة و نصلى على رسوله محمد بن عبد اللّه و آله و صحبه و التابعين لهم بإحسان. و بعد فقد كنت في الرحلة السابقة رئيسا (قومندانا) لحرس المحمل أما فى هذه الرحلة و الرحلتين التاليتين فكنت أميرا للحج و قد صدرت الإرادة السنية بتعيينى أميرا لأوّل مرّة فى 29 شعبان سنة 1320 ه (30 نوفمبر سنة 1902 م) و أبلغها الى حضرة صاحب العطوفة ناظر الداخلية مصطفى باشا فهمى بكتاب مؤرّخ فى 2 رمضان (2 ديسمبر). و قد سبق أن اجتمع مجلس النظار فى 22 شعبان و قرّر أن جميع الأشخاص الذين يبغون أداء الحج يجب عليهم أن يرافقوا قافلة المحمل ليكونوا تحت رعاية أميره و ملاحظة حرسه فاذا مرض منهم أحد وجد فى الحال الطبيب بجانبه و الدواء بيد الصيدلى و بذلك يتقى الوباء الذى نقل الحجاج جراثيمه فى العام الماضى من الحجاز الى القطر المصرى ففتك بالناس فتكا ذريعا و كذلك قرّر أن المحمل و الحجاج فى ذهابهم يسافرون الى السويس فجدّة فمكة فعرفات ثم يعودون الى جدّة و منها الى ينبع بحرا ثم الى المدينة برا و فى الإياب يقومون منها الى ينبع فالطور فالسويس و تكفلت الحكومة بتقل الحجاج برا و بحرا من السويس الى أن يعودوا اليها و حتّمت فى نظير ذلك على كل حاج يركب فى الدرجة الأولى أن يدفع‏

2

70 جنيها و له خمسة جمال على الأكثر و من يركب الدرجة الثالثة يدفع خمسين جنيها و له جملان (منشور 6 رمضان سنة 1320 ه الموافق 6 ديسمبر سنة 1902 م).

و هذا المبلغ ضمان عند الحكومة تحتسب منه نفقات الحجر الصحى و السفر برا و بحرا و تردّ الباقى لمن دفعه، و لقد كان رفع قيمة الضمان مثبطا للناس عن الحج فلم يحج إلا عدد قليل و ربما كان ذلك ما ترمى اليه الحكومة من إعلاء القيمة.

و لأن المحمل لم يسلك الطريق من ينبع الى المدينة منذ 43 سنة أرادت الحكومة أن تمهد سبيل السير به فكتب الىّ ناظر الداخلية أن أسافر الى ينبع قبل سفر المحمل و أتفق مع مندوبين من قبل والى الحجاز و أمير مكة على تسهيل السفر من هذا الطريق و قد التمست من عطوفة ناظر الداخلية أن يزوّدنى ببعض المعلومات التى تسهل لى ما عهد به إلىّ فأرسل إلىّ الكتاب الآتى:

صاحب السعادة أمير الحج المصرى فى طلعة سنة 1320 ه

بما أننا كلفنا سعادتكم أن تقوموا بتسهيل سفر المحمل من طريق ينبع و بما أن عربان هذه الجهة يزعمون أن لهم مرتبات مستحقة عن سنين مضت و بما أنكم طلبتم معلومات عن العمل الذى ندبتم له- من أجل ذلك نفيدكم أنه حينما تصلون الى ينبع تتفقون مع مندوبى الدولة و مشايخ العربان على أجرة الجمل الواحد بين ينبع و المدينة ذهابا و إيابا مع مراعاة أن هذه الأجرة مضافا اليها أجرة الجمل من جدّة الى مكة و من الأخيرة الى الأولى- تكون أقل من الأجرة التى دفعت فى العام الماضى عن السفر من جدّة الى مكة فالمدينة فالوجه و ينبغى أن تفهموا العربان أثناء المساومة فى الأجرة أن سلوك المحمل طريقهم يعود عليهم بفوائد جمة إذ يؤجرون جمالهم و يأخذون مرتبا سنويا من ابتداء هذه السنة فان رأيت منهم التساهل و الاستعداد للمساعدة فقد خوّلنا لك أن تعرّفهم أن الحكومة مستعدّة لأن تعطيهم عوضا عما يدعونه‏

3

من مرتبات مستحقة عن سنين خلت- من ألف ريال طاقى الى أربعة آلاف- مع إعلامهم بأنه لا حق لهم مطلقا فيما يدعونه لأن المرتبات إنما تكون نظير خدمات يقومون بها للمحمل و هو لم يمرّ بديارهم منذ سنين، و لنا الأمل بعد أن تبذلوا ما فى وسعكم و تتفقوا معهم أن تفيدوا بما حصل.

حرّر بمصر فى 14 شوّال سنة 1320 ه. الموافق 13 يناير سنة 1903 م.

ناظر الداخلية

مصطفى فهمى‏

و قد سافرت من القاهرة فى 13 يناير وعدت اليها فى 2 فبراير و رفعت الى ناظر الداخلية التقرير الآتى:

حضرة صاحب العطوفة ناظر الداخلية الجليلة

أتشرف بأن أرفع الى عطوفتكم التقرير الآتى تنفيذا لأمركم المؤرّخ فى 13 يناير سنة 1903 م.

سافرت من مصر الى السويس فى يوم 13 يناير و منها سافرت على باخرة القليوبية الى الطور فى يوم 15 و قضيت بالمحجر الصحى يومين و تابعت السفر الى ينبع يوم 19 فوصلت اليها يوم 21 و قابلت نائب دولة الوالى «القائم مقام» و سلمته الكتاب المرسل من عطوفتكم اليه بالمساعدة فأخبرنى بأن المندوبين لم يحضروا- و كانت الحكومة خابرت و الى الحجاز بارسال مندوبين من قبله الى ينبع للاتفاق معهم- و أن محافظ المدينة كتب اليه بأن المحمل يسلك طريقه المعتاد و قال النائب: إنه لا يمكننى أن أعمل شيئا و لا أصرح للمحمل بسلوك طريق ينبع إلا اذا صدر لى أمر من دولة أمير مكة كما ترون ذلك فى الجواب الذى كتبه لكم بعد جمعه مجلس الادارة و أخذ رأيه فى ذلك و بمساعدة وكيل شركة البواخر الخديوية استحضرت الشريف عبد اللّه شيخ قبيلة جهينة و نائب شريف مكة فى ينبع و كلمته فى تسهيل السفر من طريق‏

4

ينبع و وعدته المكافأة فقال: إن ذلك متمنانا و لكن لا يمكننا إلا بأمر من شريف مكة و لتعذر المخابرة مع الوالى و الأمير لفقد البرق و البريد ركبت الباخرة يوم 22 فأقلتنى الى جدّة التى بلغتها يوم 23 و هنالك وجدت من عطوفتكم إشارة برقية بأن الباب العالى أجاز ما قرّرته الحكومة المصرية من سفر المحمل من طريق ينبع و بعدد من يحجون من المصريين و علمت أيضا بأن شريف مكة أرسل الى ينبع مندوبا من قبله معه قسم من عساكر «البيشه‏ (1)» لظنه أن المحمل سميرّ بينبع قبل أداء الحج و ليس الأمر كما زعم ثم هممت بالرجوع الى ينبع للاتفاق مع مندوب الشريف و لكنى مكثت بجدّة ثلاثة أيام أنتظر باخرة و قد أبرقت فى خلالها الى الشريف و الوالى بأنى حضرت الى جدّة لعدم وجودى مندوبا بينبع و أنى راجع اليها لمذاكرة المندوب فى الموضوع فوردت الإجابة بلسان تركى تتضمن إرسال المندوب و اصدار الأوامر بتسهيل السفر و أنه يتعذر سير المحمل مع الحجاج دفعة واحدة لقلة الماء و حينما تحضرون مكة و تؤدّون الفريضة نتذاكر فى الموضوع فأبرقت لهما بقيامى الى ينبع و رجوتهما المساعدة حتى ندرك غايتنا فنعود شاكرين فلم ترد منهما إفادة حتى ساعة سفرنا.

و فى الساعة 3 و الدقيقة 35 من يوم 26 يناير سافرت الى ينبع و دخلتها مساء 27 و فى صباح اليوم التالى نزلت الى البر و تقابلت مع نائب الوالى «القائم مقام» الذى حضر فى ذورق مع بعض الضباط و مندوب الشريف لاستقبالى ثم سرنا الى دار الحكومة و تراودنا هناك مع بعض المشايخ فى سير المحمل من طريق ينبع و ما يلزمه من جمال و ماء و أخذت أسرد لهم المنافع التى تعود عليهم من مرور المحمل بديارهم فتهللت وجوههم و وعدونى المساعدة و التيسير و سألت عن بقية مشايخهم فأخبرونى أنهم فى مراكزهم لم يصدر أمر بجمعهم و لا يسهل حضورهم لأن الوقت موسم مرور الحجاج من ينبع الى المدينة فهم فى مراكزهم يحصلون العوائد ممن يمرّ بهم و سألت عن أجرة الجمل بين ينبع و المدينة فقالوا: إنها الآن عشرة ريالات مجيدية فى الذهاب‏

____________

(1) عساكر غير نظامية تبع دولة الشريف.

5

فقط و تزيد و تنقص حسب قلة الجمال و كثرتها و لقد صدقوا فلقد سألت من قبل وكيل البريد و آخرين فكان قولهم كما قالوا و رأيت من المصلحة ترك الكلام فى تقدير الأجرة لأن المحمل لا يحضر ينبع إلا بعد 50 يوما تقريبا تصعد فيها الأجر و تنزل حسب العادة و لأن المحمل متى حضر تجمّع المشايخ و ظهرت مطالبهم الحقيقة فربما طلبوا أجرا يسيرا و من جهة أخرى نكون قد عرفنا أجرة الجمل من جدّة الى مكة و بالعكس فيسهل علينا تقدير الأجرة بعمل النسبة بين الطريقين و لى كبير الأمل فى نقص أجرة الجمال عنها فى العام الماضى كما ترغب الحكومة و ربما تراوحت بين أربعة جنيهات و خمسة عن الذهاب و الإياب معا.

و قد سألت نائب الوالى و مندوب الشريف و أمير جهينة و الشيخ شاهر بن نصار «مقوم» المحمل سابقا عن أكبر و أصغر قافلة تسير بين ينبع و المدينة فأجابوا بأن العدد يختلف من 500 الى 5000 يسافرون ركبا واحدا و أن فى الطريق مياها تكفى هؤلاء و أكثر ما عدا المحطة الأولى بعد ينبع فانه لا يوجد بها ماء إلا بعد قطع مسافة تستنفد من 18 الى 21 ساعة و الماء يؤخذ لهذه المحطة من ينبع مضاعفا لأنها لا تقطع فى يوم واحد و لا يؤخذ قولهم هذا بالتسليم إلا بعد عبور الطريق و معرفته عن رؤية و تقديم تقرير عنه بعد الحج إن شاء اللّه.

و المياه فى ينبع قليلة جدا لعدم نزول الأمطار بها سنين و ثمن القربة فيها من خمسة قروش مصرية التى ستة و يجلب الماء على متون الإبل من مسيرة 10 ساعات ذهابا و إيابا.

و قد اختليت بمندوب الشريف و بعد ملاطفته سألته عن التعليمات التى أصدرها الشريف اليه خشية أن يكون من بينها تحصيل العوائد عن السنين الماضية فأخبرنى بأنها لا تعدو مرافقة المحمل و مساعدته فى الطريق و استحضرت أمير جهينة و سألته عن فكرة العربان فى سير المحمل فأخبرنى بأنهم يتمنون مرروه ليأخذوا عوائدهم و يبيعونه بضائعهم و أنهم يرضون بالقليل عن السنين الماضية لأنهم فى حاجة شديدة

6

لقلة الامطار ثم قابلت نائب الوالى و اعطانى الكتاب الذى يراه عطوفتكم مع التقرير و غادرت ينبع على ظهر باخرة المنيا بعد ظهر يوم 28 يناير وصلت عيون موسى مساء يوم 30 و مكثت بها 48 ساعة مدّة الحجر الصحى و سافرت من السويس بعد ظهر 2 فبراير فوصلت القاهرة فى الساعة العاشرة و الدقيقة 35 بعد الظهر (انظر عيون موسى فى الرسم 193) (1) اللواء)

3 فبراير سنة 1903

إبراهيم رفعت أمير الحج‏

هذا و قد جرت مخابرات بين الباب العالى و سموّ الخديو السابق بشأن ما قررته الحكومة المصرية من سفر المحمل من طريق ينبع فالباب العالى قرر أوّلا منع السفر من هذا الطريق فاحتجت حكومتنا على هذا القرار و رجت الخليفة فى العدول عنه و إلا منعت المحمل من السفر الى المدينة و اكتفت بسفره الى مكة فوافق الباب العالى على تغيير الطريق بعد تردّد و زاد على ذلك أن سترافق المحمل قوّة من الجنود الشاهانية من ينبع الى المدينة فأبرق الخديو السابق شاكرا. أنظر ما جاء فى جريدة المؤيد فى العدد رقم 3875 الصادر فى رابع ذى القعدة سنة 1320 ه. (2 فبراير سنة 1903 م).

و فى يوم 11 ذى القعدة (9 فبراير) جاءنى كتاب من ناظر المالية أحمد باشا مظلوم‏

____________

(1) عيون موسى قريبة من الشاطئ الشرقى للبحر الأحمر على مقربة من السويس و هى فى واد سهل مرمل به خمسة بساتين لبعض الأوربيين القاطنين بالسويس يصيفون فيها كثير من النخيل و بعض الأشجار المثمرة و الأرض بها مزروعة شعيرا و قمحا و لا يزرع بها غيرهما لأن الأرض رملية و لا يوجد هناك السماد اللازم لزرع الخضراوات و بأحد هذه البساتين ثلاث حفائر ماؤها «قيسونى» عمقها نحو مترأ و مترين و من هذه البساتين ثلاثه فى كل منها عينان يصلح ماؤهما لشرب الحيوان و بعض العيون فى مائه قليل الملوحة و بالبستان الخامس عين عذبة الماء و على مسير ثلاث دقائق من هذه البساتين أرض مرتفعة عن مستوى البساتين بنحو مترين و لكنها منحدرة فيما نخلة شامخة بجانب جذعها عين «قيسونية» قطرها متروعمقها 30 سنتيا و على نحو ستين مترا من النخلة تل يرتفع سنة أمتار سطحه مستو عشرة فى عشرة و فى وسطه معين «قيسونى» مساو للسطح و بعيون موسى محجر صحى و أكثر مياه الشرب ينقل اليها من السويس. (أنظر رحلة صادق باشا ص 140).

7

يخبرنى فيه بأنه جرت العادة أن يرسل الى الحرم المكى كل سنة 4459 أقة و 272 درهم من الزيت الطيب و أنه عين أحمد أفندى عاطف الطبيب البيطرى لمرافقة الزيت مع تابع آخر و أنه ينبغى إيابه بعد العيد مع الآئبين متى أمكن و لا ينتظر سفر المحمل.

و فى يوم 13 ذى القعدة كتب إشهاد بمسجد الحسين رضى اللّه عنه بتسليم الكسوة الى المحملى بحضورنا. و فى يوم 14 منه كتب إشهاد آخر بنظارة المالية بتسليم الصرة الى أمينها، حضرناه أيضا كما طلب منا ناظر المالية فى كتابه المؤرخ فى 12 ذى القعدة- و قد قدمنا صورة من إشهاد الكسوة فى أوّل رحلة سنة 1318 ه. و هاك إشهاد الصرة فى هذه السنة:

صورة حجة استلام الصرة الشريفة

بمحكمة مصر الكبرى الشرعية فى يوم الأربعاء 14 القعدة سنة 1320 ه.

الموافق 11 فبراير سنة 1903 افرنكية أذن فضيلتلو مولانا افندى قاضى مصر حالا حضرة العلامة الشيخ أحمد الغرابلى أحد أعضاء المحكمة المذكورة بسماع ما يأتى ذكره و الشيخ أمين يوسف و محمد افندى مصطفى من كتاب المحكمة المذكورة بكتابته ولدى حضرة العضو المومى اليه و بحضور الكاتبين المومى اليهما بالمجلس المنعقد فى الساعة 12 افرنكى صباحا من اليوم المذكور بسراى نظارة المالية المصرية أشهد على نفسه سعادة إبراهيم باشا رفعت أمير الحج الشريف المصرى و حضرة مهدى بيك أحمد أمين الصرة الشريفة و حافظ افندى نجمى صراف الصرة المذكورة و حسن افندى خليفة كاتب أوّل الصرة المرقومة أنهم قبضوا و استلموا و وصل اليهم من عهدة سعادة أحمد مظلوم باشا ناظر المالية المصرية حالا مبلغ الصرة الشريفة الإرسالية المعتاد إرسالها لأهالى الحرمين الشريفين و مرتبات العربان و الأشراف و مصارف دائرة المحمل الشريف المصرى ذهابا و إيابا طلعة سنة تاريخه و قدر ذلك بمبلغ 604 مليمات و 15753 جنيه و بيان مفردات ذلك: 15514 جنيه انكايزى و 32 جنيه مجيدى و 2/ 1 48 و ينتو و 2/ 1 2548 ريالا مصريا و 5181 قرشا و 447 مليما قبضا و استلاما

8

و وصولا شرعيات حسب إقرارهم بذلك بالمجلس المذكور بحضور كل من محمود افندى نسيم الكاتب بادارة الخزينة العمومية بنظارة المالية و على افندى علوى اليوزباشى و أركان حرب بنظارة المالية و ذلك بنقد و عدّ و فرز و وزن الصراف المذكور.

نائب حضرة مولانا القاضى حضرة العلامة الشيخ أحمد الغرابلى‏

الكاتبان حضرة الشيخ أمين يوسف و محمد افندى مصطفى‏

و قد أرسلت الينا نظارة المالية التعليمات التى ينبغى اتباعها فى مالية المحمل و ما الى ذلك و تتألف من سبعة و عشرين «بندا» و سنذكر ما يماثلها ان شاء اللّه فى حجة سنة 1325 ه. هذا و قد احتفل بنقل الكسوة الى ميدان محمد على فى يوم السبت 4 ذى القعدة (2 قبراير) و احتفل بسفر المحمل فى يوم الخميس 14 ذى القعدة (12 فبراير).

سفر المحمل‏

شحنت الأمتعة فى قطار قام من العباسية فى الساعة 11 الافرنجية من مساء يوم الجمعة 15 ذى القعدة (13 فبراير) و وصل الى السويس فى الساعة 7 و الدقيقة 35 صباح اليوم التالى. أما قطار المحمل فانه بارح العباسية على بركة اللّه فى الساعة 5 و الدقيقة 45 صباح يوم السبت 16 ذى القعدة و وصل الى السويس فى الساعة الأولى و الدقيقة 35 بعد الظهر و قمنا منها فى يوم 17 ذى القعدة فوصلنا جدّة يوم 27 بعد أن عرجنا فى الطريق على الطور و أقمنا به خمسة أيام مدّة الحجر الصحى و قد لقينا فى الطور من الشدّة و الإهانة ما دعانى لكتابة تقرير الى ناظر الداخلية بما كابدناه و رأيناه. قدّمته اليه بعد عودتى من الحج و سنوافيك به و كان برفقتنا من الأهالى 28 حاجا نقص نظيرهم من خدم المحمل بطريق الاستغناء و كان والى الحجاز بجدّة عند وصولنا اليها فزرته مع رئيس الحرس و أمين الصرة فقابلنا بمجيا طلق و قدّمت اليه كتاب سموّ الخديو السابق و رجوته أن يرعانا فى سفرنا بين ينبع و المدينة فأجاب بأنه أصدر الأوامر

9

لمحافظ ينبع أن يساعدنا ما استطاع و أنه مع ذلك سيكررها و يرسل مندوبين من قبله يرافقون المحمل فى ذهابه و إيابه فشكرت له و رجوته أيضا أن يساعدنا فى تقدير أجر الجمال فقال: إن ذلك الى دولة الشريف لا إلىّ و إن أمرها سيكون سهلا ثم انصرفنا الى معسكرنا و أرسلت برقية الى شريف مكة بوصولنا فأبرق إلينا أن عينت الشريف محمد بن عبد المحسن بن حازم ليرافق المحمل و عينت مجمدا أبا حميدى الحازمى «مقوّما» للمجمل يحضر له الجمال اللازمة. و فى يوم 28 ذى القعدة (26 فبراير) احتفل فى جدّة بالمحمل احتفالا حضره نائب الوالى و الجند المصرى و الشاهانى و كبار الموظفين و الأعيان (أنظر الرسم 194). و فى يوم الجمعة 29 ذى القعدة سافرنا من جدّة فبلغنا مكة فى مساء 30 و اجتزنا الطريق فى 18 ساعة و 35 دقيقة و جرت العادة أن يقطعه المحمل فى 23 ساعة، و قد رافقنا فى الطريق صهر شاه العجم و نجله و حاشيته- بأمر من دولة الوالى- و قافلتان و كثير من الحجاج من أجناس مختلفة كانوا ينتظرون سفر المحمل ليصحبوه لأن الطريق كان مخيفا و قد انقطع السير فيه مند اثنى عشر يوما و كان منهم الراجل و الراكب.

فى مكة- و فى غرة ذى الحجة- أوّل مارس- فى اليوم التالى لوصولنا زرت مع الأمين و رئيس الحرس دولة الشريف و قدمت إليه الخطاب المرسل له من سمو الخديو السابق فقال: إنى مسرور من قلة الحجاج فى هذا العام مراعاة للحالة الصحية و كلمته فى تسهيل سبيل ينبع لسفرنا فقال إننا بالحجاز للعمل على راحة الحجاج و إن المحمل حرّ يسلك أى الطرق أراد و إنى إن شاء اللّه مساعده و كنا كلما هممنا بالانصراف استمهلنا حتى قضينا فى حضرته ساعة و نصفا. و بعد ظهر هذا اليوم زرنا نائب دولة الوالى و رئيس الجند العثمانى- القومندان- كما هو المعتاد و فى صباح اليوم التالى زارونا كما زرناهم. و فى خامس ذى الحجة قابلت مع أمين الصرة دولة الشريف و سألناه تقدير الأجرة فوعد بذلك بعد العيد.

و فى اليوم نفسه بدأنا بصرف المرتبات و الأمانات لأربابها بعد ورود كتاب من دولة الأمير بتعيين الشريف عبد اللّه بن هاشم ملاحظا للصرف من قبل دولته‏

10

(انظر الكتاب فى الرسم 195) و فى السادس زارنا دولة الشريف و دولة الوالى منفردين زيارة رسمية فقابلناهما بالبشر و الترحاب و أطلقنا لقدوم كل منهما و رجوعه 21 مدفعا و قد تأملا كثيرا فى كسوة المحمل المقصبة و قالا: إنها أصبحت قديمة و كذلك لاحظ شيخ الحرم المدنى عند إدخالها للحجرة النبوية، و حقا ما قالوا فانها لم تجدّد منذ اثنتى عشرة سنة، و لما عدت الى مصر عرضت تجديد الكسوة على سموّ الخديو السابق فأمر بتجديدها فجدّدت.

و فى يوم الأحد ثامن ذى الحجة (8 مارس) قمنا من مكة الى عرفات فوصلناها بعد مسيرة 5 ساعات و 35 دقيقة و بقينا بها الى غروب شمس يوم الاثنين تاسع ذى الحجة حيث أفضنا منها الى المزدلفة و بتنا بها و بعد شروق الشمس من يوم النحر تركناها الى منا و رمينا جمرة العقبة فى يوم النحر و نحرنا و حلقنا و طفنا بالبيت ثم رجعنا الى منى و رمينا الجمار الثلاث فى اليومين الأوّلين من أيام التشريق و غادرناها الى مكة بعد ظهر 12 ذى الحجة و عند وصولنا اليها وضعنا المحمل بالمسجد الحرام كالمعتاد و بقى به الى يوم 22 من الشهر نفسه و أقمنا بمكة الى يوم 24 لصرف باقى المرتبات و الأمانات.

و قد أخذت كثيرا من الصور أثناء إقامتنا بمكة تقدّم لك كثيرا منها. و مما أخذنا بيوت مكة من الشمال الشرقى و تراها فى (الرسم 196) و ترى فى وسطه من أعلى قلعة لعلع؛ و كذلك أخذنا (الرسوم 197 و 198 و 199) و الأوّل أخذته بالقرب من مسجد نمرة و تصادف مرور الشريف عون الرفيق باشا بركبه ساعة كنت أرسم فأوقف عربته (الرسم 195)

11

و تقدم إليه مهدى بك أمين الصرة و صبرى بك رئيس الحرس و سلما عليه فسألهما عما أفعل فقالا له: يرغب أن يصوّر دولتكم فاعتدل و سوى ملابسه و قال: «خليه يرسم كويس» و ترى الشريف فى عربته محرما مكشوف الرأس، و كذلك ترى الأشراف و قد امتطوا هجنهم خلف عربته و فى الرسم الثانى الشقادف و «التختروانات» الخاصة بأمير الحج و امين الصرة و فى الرسم الثالث المحمل حوله حرسه و بجانبه الشيخ أبو النور طموم و الشيخ محمد حسين الديابى صديقنا و الشيخ محمد على العدوى والد الشيخ أحمد زكى العدوى رئيس المصححين الآن بدار الكتب المصرية و ترى فى (الرسم 200) الحجاج بميدان عرفات و الخط الأبيض فى شماليه مسجد نمرة.

و قد كتبت الى دولة الشريف كتابا رسميا أطلب فيه تقدير أجرة الجمال من جدّة الى مكة فعرفة فمكة فجدّة و من ينبع الى المدينة فينبع و سلمته اليه فى يوم 15 ذى الحجة فقال: إن تقدير الأجرة بين ينبع و المدينة يكون بالاتفاق مع محافظ الأولى ففرحت لهذه الإحالة؛ أما أجرة باقى الطريق فسيكتب الينا بها، فطلبت اليه أن يخبرنى بها قبل الكتابة الرسمية حتى لا يحصل نزاع فى مقدارها بعد رسميتها إذا كانت تزيد على المناسب فوعد بأن يوافينى بخبرها قبل الكتابة إلىّ و أنه سيراعى جانبنا بقدر ما تسمح به العدالة و الإنصاف. و فى السابع عشر كاتبنا رسميا بتقدير الأجرة من جدّة الى مكة فعرفة و بالعكس و أنها ستة جنيهات إنجليزية و لما لم يخبرنى بها قبل الكتابة كما وعد توجهت اليه فى يوم 18 ذى الحجة فقال قبل أن أجلس: لما لم أجد فى تقدير الأجرة حيفا عليكم لم أرداعيا لإخباركم بها قبل المكاتبة، فقلت له: إنها لكثيرة و إن الأهالى استأجروا الجمل من جدّة الى مكة بست ريالات مجيدية الى سبعة فأنكر ذلك و قال: إن أحمال ركب المحمل أثقل من أحمال الأهالى و استدعى كاتبه و أسرّه حديثا ثم أمره بإحضار الدفتر المقيد به أجرة الجمال فأحضر دفترا فردّه و تكرر الإحضار و الرد حتى سئمت ثم قال: إن الأجرة مناسبة ليس بها من زيادة بل فيها مراعاة لكم. و فى الحقيقة هى مناسبة فان بعض الحجاج استأجر الجمل من جدة الى مكة بأربعة عشر ريالا مجيديا أى بجنيهين و ثلث، و بعضهم استأجر بجنيه و نصف، و آخرين‏

12

بجنيه و سدس؛ و لكنى قصدت بمراجعته أن أضعف أمله فى زيادتها فى المستقبل.

و قد كتب الينا دولة الوالى كتابا تركيا حدّد فيه يوم الاحتفال بسفر المحمل و ساعته و ترى مثله مع ترجمته فى (الرسم 52) صحيفة 55 و فى يوم الاثنين 23 ذى القعدة احتفل بسفر المحمل احتفالا كالذى وصفناه فى حجة سنة 1318 ه. (انظر الرسم 201) و بعده قصدنا المعسكر للاستعداد لاسفر. و فى يوم 24 ذى الحجة زرت دولتى الشريف و الوالى مودعا و تسلمت منهما مكاتبات الى سموّ الخديو السابق إجابة ما كتب به إليهما و لم أحادث الشريف فى ال 6000 الريال التى قرّرتها نظارة المالية ترضية للعربان عما يطلبونه عن السنين الماضية بناء على طلبى ذلك منها.

السفر من مكة الى جدّة فينبع البحر- قام ركبنا من مكة فى يوم الأربعاء الخامس و العشرين من ذى الحجة (25 مارس) و وصلنا جدّة بعد ظهر يوم 26 و بعد حط الرحال قامت بجمال بجماليها من فورهم الى ينبع برا و بقى معنا «المقوّم» و كثير من مشايخ الحوازم و بعض مشايخ الأحامدة ليسافروا صحبتنا فى البحر و انتظرنا بجدّة يومين حتى شحنت الباخرة بالأمتعة و اشترينا من العلف ما يكفى حيواناتنا الى أن تصل- إن شاء اللّه- الى المدينة. و فى التاسع و العشرين أبحرنا من جدّة على باخرة النجيلة فوصلنا ينبع فى غرة المحرم سنة 1321 ه. (30 مارس سنة 1903 م). و قد استقبلنا بالميناء (انظر الرسم 202) محافظ ينبع و رئيس عسكرها (القومندان) بلباسهما الرسمى و حيتنا العساكر الشاهانية مصطفة على رصيف الميناء ثم أنزلت الأمتعة و المحمل الى البر و نزلنا و احتفل بالمحمل احتفالا عظيما هرع اليه الناس جميعا لأنهم لم يشاهدوا موكب المحمل قبل هذه المرّة اذ كان المحمل وقتما كان يسافر برا يمرّ بينبع النخل التى تبعد عن ينبع البحر مسيرة 12 ساعة و لا يمرّ بالثانية.

ينبع البحر- هذه المدينة واقعة على 24 و 5 دقائق عرضا شماليا و على 36 طولا شرقيا و هى على الساحل الشرقى للبحر الأحمر غربى المدينة و هى فرضتها التجارية و المسافة بينهما مسيرة 59 ساعة من طريق ينبع السلطانى و لها مرسى مبنى بالحجارة و يسكنها 7000 نفس و بها 800 منزل و 300 دكان و ثلاثة جوامع و تسعة

13

مساجد صغيرة- زوايا- و مكتب للتعليم و دار للحكومة و أخرى للبريد و مخزن كبير و صهاريج يتجمع بها ماء المطر و فيها ينابيع ماء لكنها قليلة الغناء و تجلب لها المياه من محل يسمى «المسيحلى» على مسير خمس ساعات (انظر شكوى أهل ينبع فى الرحلة الثالثة). و لينبع محافظ و نائب عنه و مجلس إدارة يرأسه المحافظ و يتألف منه و من ستة أعضاء ثلاثة منتخبون و الثلاثة الآخرون نائب المحافظ و مدير الأموال و رئيس التحريرات و فيها مجلس بلدى يتألف من رئيس و ثلاثة أعضاء و بها شرذمة «أورطة» من الجنود و جوّها رطب و يحيط بها سور به باب مخفور فى الجهة الشمالية و هذا السور بناه دولة المشير عثمان باشا نورى الحاكم العادل الذى منع الأعراب من الدخول فى هذه البلدة مسلحين بل يضعون سلاحهم فى المخفر ثم يدخلون و يأخذونه بعد الخروج و مكتوب على السور الأبيات الآتية:

سلطاننا عبد الحميد له الهنا * * * أمنت بسعد رجاله الأوطان‏

لا سيما عثمان و الينا الذى‏ * * * بوجوده وادى الحجاز أمان‏

قد شاد سورا حول ينبع لم يزل‏ * * * أثرا له ما دامت الأزمان‏

قلنا و قد لاح المؤرخ ناجزا * * * قد حصن سور ينبع عثمان (؟)

1303

و كان قبل هذا السور سور آخر جدّده عثمان أغا بأمر دار السعادة فى سنة 1126 ه.

و قبل السورين سور آخر أمر بهدمه فى سنة 1079 ه. الشريف سعد صاحب مكة.

و قد رأيت فى حجتى سنة 1320 ه. قلعة خربة كتب على بابها الغربى فى لوح ختب قديم:

يا سالما بلغت ما رمته‏ * * * فى دار عز أنت شيدته‏

إن زرته يا صاح أو جزته‏ * * * فتاريخه أثر قد نلته‏

1173

و فى سنة 617 ه. بنى بها قلعة الشريف قتادة و قد اشتراها فى سنة 639 ه.

صاحب ايمن على بن عمر بن رسول من الشريف أبى سعد الحسنى و أمره بهدمها.

14

و أكثر الحجاج يمرّون بينبع ميممين المدينة للصلاة فى المسجد النبوى و لزيارة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) تبعا لذلك فينبغى العناية بها لأن نسبتها الى المدينة كنسبة جدّة الى مكة.

فى ينبع البحر- فى ثانى المحرم (30 أبريل) زرت المحافظ زيارة رسمية و قدّمت له و لأمير جهينة مكاتبات من دولتى الأمير و الوالى تقضى بمساعدتنا و طلبت من المحافظ تقدير الأجرة فوعدنى صباح الغد، و فى الصباح قابلته فقال: إنه سينظر فيها بعد الظهر بحضور الأكابر فعدت اليه بعد الظهر فلم أجد بحضرته أحدا فطلبت اليه استحضار المجلس للفصل فى تقدير الأجرة فأرسل اليه، و بعد نصف ساعة حضر أمير جهينة و المقوّم و الأشراف و الأعيان و كبار الموظفين و بدأنا الحديث فى الأجرة فطلب المقوّم أجرة للجمل الواحد بين ينبع و المدينة ذهابا و إيابا عشرة جنيهات إنكليزية، فوقع ذلك من نفسى موقع الدهشة و قلت: هذا طلب غير معقول و إن الأهالى يدفعون من ثمانية عشر ريالا مجيديا الى عشرين: أى ثلاثة جنيهات إنكليزية و ثلث، فقال المقوّم: إن الأحمال ثقيلة و الحشيش مأكول الجمال مرتفع الثمن لقلة الأمطار و المحمل يقيم بالمدينة أكثر مما يقيم الأهالى حتى يصرف المرتبات و إنه سيستحضر عددا احتياطيا من الجمال لوقت الحاجة، فقلت: إن الأجرة أربعة جنيهات فأبى و كثر الأخذ و الرد فى الموضوع حتى قال المقوّم: لا أرضى بدون ثمانية، فأخذت أقدّر فى نفسى أجرة تناسب الأجرة من مكة الى المدينة فينبع، فإن الشريف قدّرها بتسعة و ثلاثين ريالا مجيديا لجمل الشقدف و أضفت الى ذلك نصف أجرة جمل للحملة كما هو المعتاد فاذا هى 2/ 1 47 ريالا: أى نحو تسعة جنيهات و نصف، و الطريق من مكة الى المدينة فينبع خمس عشرة مرحلة، و من ينبع الى المدينة ذهابا و إيابا عشر مراحل، فتكون الأجرة المناسبة ستة جنيهات و زيادة بل ذلك دون المناسب لأنه جرت عادة الحجاج أن يقدّموا للعربان وقت السفر المآكل الجيدة و يغدقوا عليهم العطايا فزدت الأجرة الى خمسة جنيهات إلا ثلثا فلم يقبل، فتوسط المجلس و حكم بسبعة فأبيت و هدّدت المقوّم بأنه اذا لم يقبل أجرا

15

مناسبا عدنا الى مصر و طال بنا الأخذ و الرد الى ما بعد المغرب بساعة و انفرط المجلس و لما نتفق، و أنذرت المقوّم بأنه إن لم يتنازل الى أجرة مناسبة عدلت عنه الى غيره فانصرف غضبان أسفا، و قد قلت لأعضاء المجلس قبيل الانصراف: إنى لم أرمنكم أية مساعدة كما وعدتم و لم تعملوا بوصايا الشريف و الوالى ثم تركتهم فاضطر المقوّم و وكيله و كبير جهينة لمقابلة رئيس حرسنا و أمين الصرة و شكوا اليهم كثرة النفقات و رجوهما التوسط فى الأمر. و فى الصباح حضروا الى سرادقى و تراودنا فى الأجرة فقبلوا بعد جهد جهيد أن تكون الأجرة خمسة جنيهات و نصفا و أخذت ما ينبغى من الشروط على المقوّم و لم أقابل المحافظ و لا غيره بعد ذلك لأنى لم أجد منهم أية مساعدة.

و قد أقمنا بينبع يومين دفعنا فيهما أزيد من خمسة و ثلاثين جنيها مصريا ثمنا للمياه لأننا كنا نشترى القربة الشعرية المصرية بثمانين مليما. و الماء يجلب الى البلد من آبار «المسيحلى» على مسيرة خمس ساعات أوست، و عند نزول الأمطار ترخص المياه.

السفر من ينبع إلى المدينة المنوّرة

صممت على السفر من ينبع الى المدينة فى يوم الخميس رابع المحرم سنة 1321 ه.

(2 أبريل سنة 1903) و أخبرت المحافظ بما صممت عليه فأبلغنى أن خ خ الطابور (500 جندى) الذى أمر به جلالة السلطان ليرافق المحمل فى ذهابه و إيابه لما يحضر، و أنه أخبره رسول قدم من المدينة بأن الذى أخر العساكر بها قلة الجمال و كتب الىّ يستأخرنى يوما أو يومين ريثما يحضر العسكر، فكتبت اليه بنفس كتابه أن التأخير لا يمكن و أن الأمر صدر بإعداد خ خ الطابور منذ شهرين و نصف و إنها لمدة تزيد عن الكفاية فحضر الىّ و رجانى فى التأخير فأبيت إلا ما صممت عليه و قلت: ما ينبغى لى أن أرجع بعد أن عزمت (فإذا عزمت فتوكّل على اللّه) فاضطر لتجهيز 110 عسكرى من عساكر ينبع و معهم مدفع و طلب الىّ مساعدته فى إعطاء العسكر 20 قربة فأجبته الى رغبته و زدت.

16

المرحلة الأولى- فى مفتتح الساعة الأولى العربية من يوم الخميس رابع المحرم استقل ركبنا من ينبع و خرج من باب المدينة و سار على الدرجة (115) البحر الأحمر عن يميننا و المحجر- موضع قطع الأحجار- عن يسارنا و بعد مسير ربع ساعة وقفنا 5 دقائق و قد سرنا ساعة فى ميدان واسع سهل أرضه رملية ملحة بها زمر الحشيش من الجانبين و شجر السنط الصغير و الجبال فى ميسرتنا على مبعدة منا. و فى الساعة 1 و الدقيقة 40 وجدنا بالأرض حصباء و مدقات و تزايد شجر السنط. و فى الساعة 2 و الدقيقة 30 مررنا بمرتفع حجرى- تبة- على ميسرتنا يبعد عن الطريق نحو 400 متر و كانت الحرارة 34. و فى الساعة 2 و الدقيقة 50 صعدنا الى نشز فى الطريق و تزايدت الحصباء. و فى الساعة 3 و الدقيقة 10 مررنا بتلال على اليسار بعضها خلف بعض يختلف بعدها عن الطريق من 50 الى 150 مترا، و بعد 5 دقائق مررنا على بيت صغير فى اليمين يبعد عن قارعة الطريق بنحو 300 متر و بجواره ثلاث آبار مالحة تشرب منها الإبل عمق الواحدة منها قامة و نصف و يجاورها ثلاث عشرة نخلة صغيرة على درجة 190 من طريقنا، و بعد 10 دقائق وجدنا على ميمنتنا حفائر مالحة. و فى الساعة 3 و الدقيقة 40 مررنا فوق نشز و قلت الأشجار فى أرض صفراء تصلح للزراعة من مبتدأ الآبار. و فى الساعة 4 و الدقيقة 35 مررنا على نشز آخر و وجدنا على يسارنا بيوتا من الشعر يسكنها العرب و انقطع شجر السنط، و بعد 10 دقائق هبطنا من النشز. و فى الساعة 5 وصلنا الى آبار المسيحلى و هى فى خور به البيوت على الجانبين و منها المالح و الحلو أيما حلاوة، و على مسيرة 20 دقيقة على درجة 215 ماء يصلح للشرب به قليل الملوحة، ثم قمنا من المسيحلى فى الساعة 8 و الدقيقة 30 و سرنا على درجة 150 فى أرض حجرية محصبة.

و فى الساعة 9 و الدقيقة 30 وجدنا شجر سنط و تزايد فى علوّ بعد ربع ساعة، ثم سرنا 20 دقيقة فى أرض عظيمة خ خ الطمى عرضها 100 متر، ثم فى أرض حجرية تبدو بها المدقات تارة و تختفى أخرى، و توجد بها الحصباء مرة و تفقد ثانية و أخذت الأشجار تقل و ما زلنا نسير حتى الساعة 12 و الدقيقة 20 أى بعد أن غربت الشمس و إذ ذاك حططنا الرحال و نمنا الى الصباح على غير ماء.

17

المرحلة الثانية- قمنا من مبيتنا مشرق الشمس من يوم الجمعة خامس المحرم عند تمام الساعة الحادية عشرة و سرنا على درجة 105 فى أرض رميلة سهلة لا شجر بها.

و فى الساعة 2 مررنا بنشزين من الحجر الأحمر أحدهما عن اليمين و الآخر عن الشمال، و وجد بالأرض حصباء قليلة و شجر قصير متفرق ليس بالكثير و اقتربت الجبال اليسرى من مسيرنا شيئا فشيئا. و فى الساعة 2 و الدقيقة 35 وصلنا خ خ مضيق الفجيج و عن يمينه و يساره جبال سود متلاحقة بين الجبل و الآخر من 30 مترا الى 200 و ببعض الجبال رمال أتت بها الرياح. و أرض الفجيج مرتفعة من أوّلها منحدرة من آخرها بعضها رملى و فيها أشجار عالية يستظل الناس بظلها و يجتاز المضيق الركب المؤلف من 500 جمل فى ساعة؛ و بعد الفجيج خ خ بطن العذيبة و هى ميدان واسع تتجمع فيه الأمطار و السيول التى تذهب الى البحر الأحمر و قد قطعناه فى ساعة و 35 دقيقة و قد استرحنا بالطريق من الساعة 5 الى الساعة 7 ثم تابعنا السير فوصلنا بعد ثلث ساعة الى مضيق كالفجيج قطعناه فى 10 دقائق. و فى الساعة 7 و الدقيقة 35 بدأنا السير فى واد مستو ناعمة أرضه تباعدت عنه الجبال نحو ألف متر، و الجبال اليمنى نشوز مرتفعة و فى سفح اليسرى شجر كثير. و فى الساعة 8 و الدقيقة 20 اقتربت الجبال اليسرى من محجة الطريق ثم ابتدعت الى ألف متر و تصلبت الأرض و وجد بها بعض الحصباء و تغير الاتجاه الى درجة 135، و فى الساعة 8 و الدقيقة 35 صعدنا على مرتفع تكتنفه الجبال من الجانبين و يقل به الشجر. و فى الساعة 8 و الدقيقة 45 مررنا بعقبة حجرية لا تسع سوى قطارين اجتزناها فى 45 دقيقة و تغير اتجاهنا الى درجة 105، و فى الساعة 9 و الدقيقة 30 عدلنا عن الطريق الأصلى و اتجهنا الى بئر سعيد على درجة 160 و سرنا فى أرض رملية تحفها الجبال و المرتفعات.

و فى الساعة 9 و الدقيقة 47 اجتزنا عقبة. و لتمام الساعة العاشرة وصلنا «آبار سعيد» و ماؤها عذب فرات و عمقها ثمان قامات و قد بتنا عندها فى محل تحيط به الجبال و ضربنا حولنا نطاقا من عساكرنا بين الشخص و الآخر 10 خطوات و اللصوص بهذه الجهة كثيرون. و فيها جرح جندى خرج فى الفجر ليتوضأ من ماء جبده بعض (2- 2)

18

العربان لسقى دوابهم و ليبيعوه لدواب غيرهم فضربه أحدهم بحجر كسر فكه الأيمن و لو لا استنجاده بالعسكر و إنجادهم له بسرعة لهلك و قد فرّ الضارب الى الجبال.

المرحلة الثالثة من بئر سعيد الى الحمرة- بدأنا الترحال من بئر سعيد فى منتصف الساعة الثانية عشرة بعد شروق الشمس من يوم السبت سادس المحرم و سرنا على درجة 45 ربع ساعة ثم عشر دقائق فوق عقبة مرتفعة لا تسع إلا قطارين قطارين على درجة 75 و هذه العقبة فى مجتمع الطريق الأصلى بطريق بئر سعيد.

و هناك الجبال فى جميع النواحى و على قممها الجنود العثمانية، و بعد العقبة سرنا 20 دقيقة فى ميدان متسع عرضه يقارب 200 متر، به رمل أحمر و حشيش و بعض الاشجار. و فى منتهاه مضيق ينتهى الى ميدان فسيح تحيط به الجبال و يسمى «ميدان واسط» و به رمل أحمر أيضا و أشجار عالية و نوع من الحشيش يسمى «ضرمة» تأكله الإبل. و فى الساعة 12 و الدقيقة 40 مررنا على رمل أبيض و بعد ثلثى ساعة تحجرت الأرض و اقتربت الجبال و انتهى وادى واسط فى الساعة 1 و الدقيقة 30 و بعد 5 دقائق وجدنا فى ميمنتنا تلا من الرمل الأبيض فى سفحه «أهل بدر» و قد تغير الاتجاه الى درجة 170 و اتسع الطريق و كثرت الأشجار ذات اليمين و ذات الشمال و استرحنا ربع ساعة. و فى الساعة 2 و الدقيقة 35 سرنا على درجة 92 و علونا نشزا هو أوّل «نقر الفار» فى ميسرته على مدى 400 متر بئران ماؤهما حلو مبنيتان بالحجر و الملاط (المون) عمق كل منهما 11 قامة، ثم هبطنا من النشز الى خور عرضه بين 200 متر و 300، به جبال عالية و أشجار ضخمة و أرضه حجرية صعبة يكثر بها الحصى الكبير و تمرّ منه الجمال فرادى و قد صعدت العساكر العثمانية الى أعالى الجبال لتحول دون العربان إذا أرادوا الاعتداء على ركبنا. و فى الساعة 4 علونا مرتفعا فى نهاية «نقر الفار» و اتسع الطريق لقطارين. و فى الساعة 4 و الدقيقة 40 تغير اتجاهنا الى درجة 140 و وجدنا بجانب الطريق الأيسر بئرا حجرية عمقها 15 مترا، و عرضها متران و بجدارها مشرب- سبيل- و تسمى البئر بئر عبيد بن نويفع الحازمى، و من البئر يوجد طريق الى الحمرة أخصر من الطريق المعتاد إلا أنه ضيق‏

19

لا يصلح لسير الإبل ذات الأحمال، و منه نسير فى خور بعض أرضه رملى و به شجر الحرمل و أشجار أخرى ضخمة كثيرة. و فى الساعة 5 و الدقيقة 50 سرنا على 110 و وجدنا بالطريق بعض العربان يبيع البطيخ و البلح و البصل الأخضر و الطماطم و الموز. و فى الساعة 6 و الدقيقة 30 تغير اتجاهنا الى 10 و ظهرت بلدة الحمرة.

و فى الساعة 7 و الدقيقة 10 دخلناها بعد أن سرنا 7 ساعات و 25 دقيقة من بئر سعيد و كان فيها المبيت و ترى معسكرنا بها فى (الرسم 203) و المتجمعون فى يسار الرسم السقاءون يأخذون المياه من العين الجارية و ترى فى أسفله صخرات بعضها فوق بعض. و بأعلاه قمة كقمة جبل غار حراء بمكة.

و الحمرة بلدة على يسار الطريق أرضها رميلة بها من النخيل ما يقرب من عشرة آلاف و فيها ألف شجرة ما بين ليمون و سدر و بها سوق كبير حوانيته من جريد النخل يباع به التمر و البطيخ و البصل و الفجل و الحناء و المراوح و الأجربة الجلدية.

و الموز و الملوخية الخضراء و بها عين ماء ذات قناة مبنية يجرى فيها الماء و هى تأتى من جهة الصفرة و تتفرّع الى 18 فرعا يسقى كل فرع بلدة.

و فى هذه البلدة حضر مندوبا الوالى و الشريف و المقوّم و أخبرونى بضرورة المبيت بهذه البلدة ليلة ثانية حتى تصل العسكر القادمة من المدينة فسألتهم عن السبب الحقيقى فقالوا: إن عربان الأحامدة يريدون الأذى بالمحمل فرفضت المبيت لأنه يطمع فينا الأعراب و لأنى تبينت الغرض الحقيقى من البيات و هو أنهم رغبوا فى التوجه الى منازلهم القريبة و اللبث بها يوما فاختلقوا مسألة الأحامدة و قد أمرت أن يكون الرحيل كالعادة فأذن مؤذن بذلك فى الركب و بعد نصف الليل بساعة أيقظونى من النوم و رجونى فى التأخير فأبيت إلا ما عزمت و استشرت رئيس الحرس فوافقنى فى الرأى و سطرت كتابين لكبار مشايخ الأحامدة أرسلتهما ليلا مع هجان و ضمنتهما أن سيمر المحمل بديارهم و أنهم يستعدون لمقابلته و مرافقته الى منتهى حدودهم، فجاءتنى الإجابة أثناء السفر بجهة الجديّدة متضمنة استعدادهم لكل خدمة و رجونى النظر فى معاشهم القديم و أن يصرف لهم من الآن فصاعدا المرتب السنوى‏

20

حسب المعتاد. و فى أثناء قطعنا لهذه المرحلة فى الإياب سمعت بعض الأعراب ينشد فى سير الهجين الجيد:

حثت و لا هزت‏ * * * أطراف الجاعد

يا بعد مسراحك‏ * * * على اللى قاعد

نبيع بما باعوا * * * و نشرى بما شروا

و لا غبن إلا * * * فى النضا و الحلايل‏

و يعنى بالجاعد الفروة، و يعنى بالنضا البعير المهزول، و بالحلايل الزوجات.

المرحلة الرابعة من الحمرة الى بئر عباس- فى الساعة الحادية عشرة و الدقيقة الخامسة مشرق الشمس من يوم الأحد سابع المحرم (5 أبريل) رحلنا من الحمرة و بعد مسير ثلث ساعة تغير اتجاهنا الى 75 و أرملت الأرض و وجدنا شجر الحرمل بين شجر كثير متفرق فى الجانبين. و فى الساعة 11 و الدقيقة 40 سرنا فى أرض حجرية.

و فى الساعة 12 تغير الاتجاه الى 55 و دنت جبال اليسار بالطريق و ابتعدت جبال اليمين و بعد ربع ساعة ارتفعت بنا الأرض و هبطت الى واد بعض أرضه رملى و بعضها صخرى. و فى الساعة 12 و الدقيقة 25 انعطفنا الى اليسار على 360 و بعد ربع ساعة ابتعدت عنا جبال اليسار بنحو 300 متر. و فى الساعة 12 و الدقيقة 54 وجدنا حجرا أزرق مكعبا ضلعه نصف المتر بدائره شكل الخاتم المعروف بخاتم سليمان، أنظر (الرسم 332). و فى الساعة 1 و الدقيقة 10 قربت منا الجبال الى 150 مترا و ارتفع الطريق و وجدنا معالم قناة قديمة مبنية خالية من الماء طولها 10 أمتار و هى فى سفح‏

21

الجبل الأيمن الذى به حفائر من مجرى السيول، و فى الساعة 1 و الدقيقة 55 ابتعدت الجبال عنا بنحو 1000 متر و بدت للعيون نخيل بلدة «الجديّدة» و وقفنا ربع ساعة لتنظيم الرحال. و قد بلغنى بالطريق أن كثيرا من عربان الأحامدة تجمعوا فوق الجبال يريدون بنا شرا فأمرت العساكر أن يستعدوا و تقدّم رجال المدفعية و تسلق قسم من عساكر الدولة جبالا تجاه الجبال التى اعتلاها العربان، و أخذ الجند حذرهم من الأعراب خشية أن يصلوا الى الركب بسوء، فلما رأى الأعراب استعدادنا صاحوا و ضربوا الطبل- النقارة- و اعتصموا بقمم الجبال و تهيئوا للقتال، و كنا وقتئذ نسير فى مضيق فأخذت المندوبين و الأشراف و الشيخ عبد المعين بن حصانى كبير مشايخ صبح و الشيخ فيصل بن فهد شيخ الفضلة و شيخ الحمرة و سرنا أمام الركب و أمروا العربان أن ينزلوا من معتصمهم فنزلوا و لما سئلوا قالوا: نريد عربان الحوازم و لا نقصد المحمل بسوء، ثم اجتمع الفريقان و أصلح الأشراف ما بينهم و مر الركب بسلام. و فى الساعة 2 و الدقيقة 37 بلغنا الجديّدة و هى على يميننا و بها نخل كثير و على اليسار نخيل أيضا فى أرض صفراء تشبه أرض مريوط يضيق عندها الطريق الى 30 مترا ثم يرتفع و ينحدر الى أرض رملية عرضها نحو 200 متر، و قد كان سيرنا فى مبدأ البلدة على درجة 180 و فى نهايتها تغير الاتجاه الى 25، و فى الساعة 3 و الدقيقة 45 وجدنا قبة مبنية من الحجر فيها مقبرة الشيخ عبد الرحيم البرعى، و فى الساعة 4 سرنا على 95 و رأينا على اليسار أرضا زراعية تحيط بها أسوار حجرية لأهل الجديدة و عندها الطريق حجرى تقرب منه الجبال العالية، و فى الساعة 4 و الدقيقة 45 تغير اتجاهنا الى 55 و بعد ثلث ساعة تغير الى 125، و وجدنا على شمالنا أرضا زراعية يحيط بها سور و بها 6 شجرات كبيرة من السدر «النبق» و فى الساعة 5 و الدقيقة 20 سرنا على 90، و على بعد 300 متر نظرنا فى ميسرتنا شجر نبق فى أرض زراعية، و فى الميمنة مزارع، و فى الساعة 5 و الدقيقة 55 تغير اتجاهنا الى 70 و وجدت أشجارا على يسارنا، و فى منتصف الساعة السابعة استرحنا و صلينا ثم تابعنا السير فى منتهى الساعة الثامنة على 155، و في الساعة 8

22

و الدقيقة 25 تغير سيرنا الى 110 و بعد 21 دقيقة سرنا على 40 و نزلنا من منحدر رملى، و فى الساعة 9 سرنا على 95 و وجدنا على يسارنا بئرا فى وسط أرض زراعية فسيحة بها كثير من البرك المائية الطبيعية تسمى الترعة و يسكنها عرب ميمون و ينام بها الحجاج، و فى الساعة 9 و الدقيقة 15 سرنا على درجة 20 و بعد ربع ساعة على درجة 115 و وجدنا بالأرض حصى صغير يسهل المرور فوقه، و قل ارتفاع الجبال اليمنى، و فى الساعة 9 و الدقيقة 55 سرنا على درجة 35 فى ميدان واسع به حصباء و قلعة خربة بنيت من الحجر و بئر سعة فمها أربعة أمتار و نصف و عمقها 15 و عرض جدرها 80 سنتيا، و حول البئر أحواض مستديرة يشرب منها الحيوان صنعت من جلد الغنم و هى معلقة على خشب رفيع من شجر السلم و مسندة بأحجار، و فى الساعة 10 و الدقيقة 45 وصلنا بئر عباس، و بعد أن نصبنا الخيام للمبيت بها قدم الينا من المدينة مائتا عسكرى عثمانى من المشاة على رأسهم عشرة ضباط يرأسهم «بكباشى» و معهم مدفعان جبليان و قد حييناهم التحية العسكرية و انضموا الى قوّتنا و رافقونا الى المدينة، و عند وصولنا الى بئر عباس وجدنا فى انتظارنا كثيرا من مشايخ عربان الأحامدة و تابعيهم فأقبلوا الينا قبيلة قبيلة محيين فقدّمنا لهم القهوة و الشاى ثلاث مرات كما تعودوا ثم خرجوا و رجعوا سريعا و طالبونا بحقوق سابقة و أخرى لاحقة، فقلت لهم: أحب أن يبقى رؤساء القبائل لأباحثهم فى المطالب و من عداهم ينصرف، فهاجوا و ماجوا حتى لم أستطع أن أميز نابلهم من حابلهم و كبيرهم من صغيرهم، فصرفتهم حتى يتفقوا أو تنتخب كل قبيلة رئيسا لها، فحضر أكثرهم غير متفق و استمروا متنازعين من الساعة 4 بعد الظهر الى الساعة الحادية عشرة، و لما رأيت كل فرد مستبدا برأيه و أنه لا يقف تحت لواء شيخه أخبرتهم على سواء أن إجابتهم الى مرتبات السنين الماضية مستحيلة لأنها تصرف لهم نظير خدمة المحمل و ما دامت الخدمة مفقودة فلا مرتبات إنما لهم الحق فى مرتب السنة التى يمر فيها المحمل بديارهم و أن عليهم أن يقدّموا الى الحكومة طلبا بذلك‏

23

و منيتهم المساعدة ففرحوا بذلك و استبشروا، و لم أر من المستحسن أن أفتح لهم باب النرضية بستة آلاف الريال- بطاقة- (600 جنيه) التى قررتها المالية لأن ذلك لا يكفيهم و يطمعهم فى أضعاف أضعافه.

المرحلة الخامسة من بئر عباس الى بئر درويش- فى الساعة التاسعة العربية و الدقيقة ال 45 من ليلة الاثنين ثامن المحرم سرنا من بئر عباس على درجة 35 الى الساعة 11 و مكثنا 10 دقائق صلينا فيها الصبح ثم واصلنا السير فى طريق تقترب منه الجبال و يحف به من الجانبين شجر السلم الكبير، و بالأرض حصى صغير أخذ يتكاثر الى الساعة 11 و الدقيقة 50 التى تغير وقتها اتجاهنا الى درجة 90 عند ملتقى الطريق السلطانى بالطريق الفرعى و طريق ينبع الذى نسلكه، و فى الساعة 11 و الدقيقة 55 وجدنا مشربا- سبيلا- باليمين، و فى الساعة 1 سرنا على درجة 100 و وصلنا بعد ساعة الى بئر الراحة و هو كبئر عباس عمقا وسعة، و حوله أشجار من الجانبين فى أرض زراعية يحيط بها سور من الحصى، و بعد الساعة 2 و الدقيقة 40 تكاثرت الأشجار و ضخمت، و فى الساعة 3 و الدقيقة 5 سرنا على درجة 15 و زادت الأشجار اليمنى كثرة، و فى الساعة 6 وضعنا الرحال و استرحنا ساعة و نصفا تغذينا فيها وصلينا، و فى الساعة 7 و الدقيقة 30 سرنا على درجة 360، و فى الساعة 9 تغير الاتجاه إلى درجة 110 و كانت الجبال على 100 متر منا و هى جبال صغيرة، و فى الساعة 10 وصلنا «بئر عار» و هى كبئر عباس و فى جوارها بئر خربة، و فى الساعة 10 و الدقيقة 10 سرنا على درجة 75 فى أرض بها الحصباء الحمراء و الجبال علت كما كانت من وقت مسيرنا من الحمرة، و فى الساعة 10 و الدقيقة 30 ابتعدت جبال اليمين، و فى الساعة 10 و الدقيقة 45 سرنا على درجة 20، و فى الساعة 11 و الدقيقة 10 وصلنا «بئر درويش» و هى فى ميدان فسيح مبنية بالحجر و الملاط (المون) وسعتها 8 أمتار و عمقها الى الماء 14 باعا- حوالى 25 مترا- و عرض جدرها ثلاثة أمتار، و ماؤها حلو غزير لا ينضب معينه يكفى جميع القوافل مهما بلغ عددها و كثر أفرادها، و قبل أن نصل الى بئر درويش أطلق أشقياء الأحامدة علينا اثنى عشر رصاصة

24

لم تصب و الحمد للّه أحدا منا بسوء و كانوا فوق جبل شامخ، و عند ذلك أمر «القومندان» الجند فترجلوا من على ظهور الجمال و استعدوا و لم نقطع السير بل تابعناه، غير أن مؤخرة الركب التى كانت من عساكر المدينة وقفت قليلا و أمر «قومندانها» قسما منها فتسلقوا الجبال فذعر الأعراب و انقطع إطلاق الرصاص و فى «بئر درويش» جلسنا جلسة حضرها مندوب الشريف و أكابر مشايخ الحوازم و الشيخ فيصل بن فهد كبير الفضلة و الشيخ عبد المعين بن حصانى من مشايخ قبيلة صبح بجهة بدر، و قد قدرنا فى هذه الجلسة ما يصرف لكل قبيلة مكافأة لها على خدمتها للمحمل و قد راعينا الاقتصاد ما أمكن ثم استحضرنا مشايخ القبائل أوزاعا و عرفنا كلا ما قدر له فكان يأبى إلا أن يزاد فأزيده النزر اليسير و ما كنت أعلم شخصا بما قدر للآخر حتى لا يتمادوا فى طمعهم و لا يحقد بعضهم على بعض، و قد استمرّ الصرف الى الساعة الثالثة بعد نصف الليل ثم أمرت الصراف أن يغلق الخزينة و يختمها ففعل و أخرج العسكر العرب من خيمة الصرف، و جاء الذين لم يأخذوا و كانوا طامعين فى الزيادة يرجوننى صرف المقرّر فوعدتهم ذلك فى الصباح و أمر «القومندان» جنديا يخفر خيمتى لما رأى من سوء حالة الأعراب.

المرحلة السادسة من بئر درويش إلى المدينة- فى منتصف الساعة الحادية عشرة العربية من ليلة الثلاثاء تاسع المحرم (7 أبريل) قمنا من بئر درويش على درجة 20 و سرنا فى ميدان فسيح الى الساعة 12 و الدقيقة 5 ثم اقتربت الجبال الى 100 متر و انقطعت الأشجار و تحجرت الأرض ثم تباعدت الجبال بعد 10 دقائق و تغير الاتجاه الى درجة 55 و وجدت الأشجار على جانبى الطريق و الحصباء على ظهر الأرض، و فى الساعة 12 و الدقيقة 55 انفسح الطريق و علونا نشزا بين تلين متقاربين لا يمر منه إلا قطاران قطاران ثم انحدرنا منه الى طريق واسع و تغير الاتجاه الى درجة 85، و فى الساعة 1 و الدقيقة 30 صعدنا على مرتفع آخر انتهى بنا الى واد

25

متسع ضخم الشجر، و تغير الاتجاه الى درجة 15، و فى الساعة 2 و الدقيقة 10 انعطفنا نحو اليمين على درجة 55 و تحصبت الأرض و وجدت بها مدقات و لقينا بالطريق «بئر الشريوفى»، و فى الساعة 2 و الدقيقة 45 سرنا على درجة 130، و فى الساعة 3 و الدقيقة 10 علونا مرتفعا و تغير الاتجاه الى درجة 75، و فى الساعة 3 و الدقيقة 50 سرنا على درجة 35: 55 دقيقة و على درجة 115: 25 دقيقة و درجة 55:

5 دقائق ثم صعدنا الى عقبة ذات ارتفاع و انخفاض و ازورار و تغير الاتجاه الى درجة 75، و لتمام الساعة السادسة استرحنا نصف ساعة ثم تابعنا السير على الاتجاه السابق، و فى الساعة 7 و الدقيقة 15 تغير الى درجة 57 و تباعدت الجبال، و فى الساعة 8 و الدقيقة 50 رأينا «وادى العقيق» على اليمين و فيه بئر الماشى على بعد 4 ساعات، و وصلنا «آبار على» فى الساعة 9 و الدقيقة 30 و «بئر عروة» فى الساعة 10 و الدقيقة 50 و بجوار البئر مسجد و مخفر و بستان، و منها يضيق الطريق حتى لا يسع سوى قطارين، و به ارتفاع و انخفاض و درجات واسعة مبنية، و فى الساعة 11 و الدقيقة 4 مررنا ببرج و قلعة على اليمين فوق ربوة عالية و بهما جنود عثمانية و الأرض حجرية سوداء، و قد اجتلى لأعيننا منظر المدينة، و فى الساعة 11 و الدقيقة 13 وجدنا مشربا على اليمين كتب عليه أبيات شعرية، و فى الساعة 11 و الدقيقة 30 وصلنا المدينة بسلام و قد استقبلتنا العساكر الشاهانية بموسيقاها و مندوبان من قبل المحافظ و شيخ المسجد النبوى و استقبلنا أهل المدينة على مسيرة ساعة منها، و كانت حفلة الاستقبال غاية فى البهجة و النظام.

الوصول الى المدينة

دخلنا المدينة من باب العنبرية الذى تراه فى (الرسم 204) و الذى ترى به عربة فيها سلطان زنجبار و محافظ المدينة وراءهما ثلة من الجنود التركية، و ترى فى الرسم أيضا جزء من السور المحيط بالبلد، و قد أقمنا بالمدينة من يوم الأربعاء عاشر المحرم الى عصر الجمعة تاسع عشره (17 أبريل).

26

و فى عاشر المحرم استرحنا و حظينا بالصلاة فى مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) ثم زيارته (صلى اللّه عليه و سلم) و قابلنا شيخ الحرم و المحافظ زائرين، و فى حادى عشره احتفل بإدخال كسوة المحمل فى الحجرة النبوية، و فيه أيضا رد لنا شيخ الحرم و المحافظ زيارتنا الرسمية، و بدأنا فى صرف المرتبات و الأمانات، و فى رابع عشره أخبرنى المحافظ أن عربان الأحامدة ممتعضون من عدم صرف المرتبات اليهم و أنكم وعدتموهم ارسال برقية الى نظارة المالية لتأذن بالصرف لهم، فأجبته بأنى لم أعد أحدا إلا شيخا من بنى عمر و يسمى حمزة بن راجح أخبرنى بأن له مرتبا مقطوعا منذ سنتين أو ثلاث، فقال: إنكم لم تصرفوا لهم من المكافآت إلا قليلا ثم هم يطالبون بالمرتبات القديمة فقلت له: انى أرضيتهم بما كافأت به و نبأتهم أن صرف المرتبات القديمة لا يمكن و منيتهم المساعدة فى باقى ما طلبوا، فرضوا بذلك و أخيرا طلبت منه إحضارهم لإقناعهم أمامه فاجتمعوا بمنزل المحافظ فكررت عليهم بصوت جهورى ما ذكرته للمحافظ من الاتفاق الذى تم بينى و بينهم فقالوا: حقا ما قال غير أنهم طلبوا منى الكشف من الدفاتر القديمة على ما كان يصرف لهم من المرتبات و قال أكثرهم: إن الأمراء كثيرا ما وعدونا النظر فى طلباتنا ثم لا يفون بالوعد فقلت لهم:

إنى رافع رغباتكم الى الحكومة بنفسى و مساعدكم فيها جهدى و إن الأمير الذى يأتى فى العام القابل سيخبركم بما أمرت به الحكومة و عليكم أن تذعنوا لأمرها ثم طلبت من المحافظ أن يعين لكل قبيلة شيخا تصرف له المكافأة و يكون مسئولا عما يحصل فى جهته فقال: إن العرب لا يذعن بعضهم لبعض و ليس لهم رئيس يخضعون لأمره و يرضون بما ارتضى ثم انصرف المشايخ و بقيت مع المحافظ و مندوبى الشريف و الوالى و باب عرب المدينة دياب افندى الذى يقضى فى المنازعات التى تحدث بين الأعراب و الحجاج و الأهالى ثم طلب الىّ المحافظ أن أغير الطريق الذى حضرت منه بطريق آخر الى ينبع يسمى «الطريف» زاعما أنه آمن من الأوّل و أنه يخشى علينا تحزب الأحامدة و وعد أن يمدنى بقوّة من عنده فقلت له و أنا مندهش: إنى حضرت من الطريق الذى تنفرنى منه و ليس معى إلا 300 عسكرى و لم يحدث‏

27

ما يكدر فكيف أخشى الرجوع منه و معى 500 جندى و أربعة مدافع إنا ان غيرنا الطريق ظن بنا الأعراب الظنون فقال: كثيرا ما غيرت المحامل طريقها، فقلت تلك عادة المحمل الشامى ليفرّ من دفع المرتبات أما نحن فلا نخلف وعدا و لا ننقض عهدا فمم نخاف؟ إنا من طريقنا آئبون ما لم تأمرنا الحكومة الحجازية بالتغيير أو نضطر إلى ذلك ثم انصرفنا، و فى مساء 17 المحرم جاءنى كتاب تركى العبارة يطلب حضورى بديوان المحافظة مع أمين الصرة و رئيس الحرس فى الساعة الأولى العربية من صباح الغد لعقد جلسة غير عادية، و قد أدركت لأوّل وهلة أن الاجتماع لتغيير طريق السير فاستحضرت من فورى المقوم و الشيخ فيصلا من الأحامدة و أخبرتهما بعزم المحافظ على تغيير الطريق، و قلت لهما: ينبغى أن تفهما القبائل التى تنتمى اليكما أن الطريق اذا تغير حرموا من مكافأة المحمل و خيراته. و فى الساعة الثالثة العربية من صباح 18 المحرم انتظم عقد المجلس بدار المحافظة رئيسه محافظ المدينة و أعضاؤه قاضيها و مفتيها و مفتى الشافعية و نقيب الأشراف و «الدفتردار» و أمير المحمل المصرى و أمين صرته و رئيس حرسه، و قد افتتح الرئيس الجلسة بقوله: إن الطريق السلطانى الذى سلكه المحمل فى قدومه مخيف و مهدّد من عربان الأحامدة، و قد اجتمعنا لنختار طريقا أوفق و أرى أن يكون طريق الطريف، فطلبت منه منهج السير فيه فأحضره و تأملته فاذا هو تسع مراحل تقطع فى 96 ساعة و هو مع هذا قليل الماء صعب المسلك بخلاف طريقنا فإنه سهل كثير الماء خمس مراحل تقطع فى 59 ساعة فقلت للمحافظ و من أنى بلغك مخافة الطريق؟ فقال: إشاعات بالأسواق فقلت: لا عبرة بالإشاعات بعد الذى رأينا من مساعدة الأحامدة فأخرج لى كتابا من «جيبه» حرره اليه الشيخ شاهر بن نصار مندوب الوالى المرافق للمحمل من مكة و فيه يعدد بعض أسماء من الأحامدة يريدون الفتك بالمحمل عند رجوعه من أجل وعد أميره بمخاطبة ناظر المالية فى مرتباتهم بالبرق اذا ما وصل الى المدينة و لم يف بما وعد و أنه ينصح بسلوك المحمل طريق الطريف و يتعهد بوصول المحمل منه سالما، و لما كان شاهر بن نصار مقوّم المحمل سابقا فرت منه‏

28

الجمالة بجمالهم لمنع الأجرة عنهم، و ترتب على ذلك مكث المحمل بالمدينة شهرا و تجشمه نفقات غير عاديه، لما كان ذلك منه اتهمته فى نصيحته و قلت للمحافظ بعد تلاوتى الكتاب على الحضور: لماذا انفرد شاهر بكتابة هذا اليكم دون أبيه؟ و كلاهما معين من قبل الوالى لمرافقة المحمل فقال: إن أباه كبير مريض و الثقة فى ابنه فقلت:

لا أترك طريقا أمما قريبا لقول متهم فقال المحافظ: هاك ما يؤيد قول شاهر و أخرج كتابا وصله من محافظ ينبع ينبئه فيه باحتشاد الأحامدة فى الطريق ليفتكوا بالمحمل و ركبه و أنه يخشى عليهم اذا رجعوا من حيث قدموا، و بعد تلاوة الكتابين تداول الأعضاء و قرّ قرارهم على سلوك طريق الطريف، و أمر المحافظ الكاتب الأوّل بتدوين القرار فدوّن، و أمسك الأعضاء بأختامهم ليوقعوا فقال لهم القومندان:

قبل أن تبرموا أمرا اعلموا أن حكومتنا حتمت السير من طريق ينبع بعد أن خابرت الباب العالى و الوالى و الشريف و أقروها على ما اعتزمت، فترووا فى الأمر فاستحضر المحافظ كتابا أتاه من الوالى يتضمن المخابرات و مساعدة المحمل على السير فى طريق آمن فحسب، فطلبنا من المحافظ إحضار مشايخ الأحامدة لنقف على أغراضهم فأحضرهم و تلوت عليهم كتاب الشيخ شاهر- على كره من المحافظ- فتأججت فى نفوسهم الحمية العربية و قام منهم فيصل بن فهد- و كنت وعدته المكافأة- و ضرب صدره بيده و قال: إنى بالنيابة عن قبيلتى و قبيلة بنى فهد و بنى زيد أتعهد بخدمة المحمل و المحافظة عليه اذا ما مرّ بديارنا و تبعه بقية المشايخ فقال المحافظ:

برهنوا على صدقكم بتقديم رهائن منكم حتى اذا ما وصل المحمل بسلام إلى ينبع أطلقنا سراحها فأجابوا بعد اختلاف بينهم و قدّموا خمسة منهم نظير 900 ريال- بطاقة- دفعناها تأمينا للرهائن و كانوا طلبوا عن كل شخص 1200 ريال- 20 جنيها مصريا- و لكن ما زال الأمين يساومهم حتى اتفق معهم على هذه القيمة و قدّموا الرهائن فى اليوم نفسه، فسكنت نفس المحافظ و انتهت هذه المشكلة التى لو سايرناه فيها لغرمنا 800 جنيه انجليزى فرق أجرة الجمال فقط إذ تزيد أجرة الجمل جنيهين و نصفا و لزدنا أربعة أيام فى الطريق نتكلف فيها النفقات الباهظة،

29

و من جهة أخرى يظن فينا العربان الضعف و الخور و الجهل بدخائل الأمور و لأجل إقناع المحافظ و أعضاء المجلس بأنى لم أعد الأحامدة بمخاطبة نظارة المالية فى مرتباتهم حين أصل الى المدينة- سألت مشايخ الأحامدة فردا فردا على مرأى من المحافظ و الأعضاء و مسمع هل وعدتكم ذلك؟ فكانوا يجيبون بالنفى. و من الغريب أن العربان لما طلبوا عن كل رهينة 120 جنيها ساعدهم المحافظ و قال: إما أن تدفعوا ما يطلبونه أو تغيروا الطريق كأنه يريد من سلوكه حاجة فى صدره و لكن لم يبلغها و قضى اللّه لنا بأيسر الطريقين فله الحمد و المنة.

و من 14 المحرم الى 19 منه كثر ورود الأعراب الينا طمعا فى المكافأة أو فى تقدير مرتب لهم، و كانت التكية المصرية مع سعتها تضيق بهم و قد عقدنا عدّة جلسات تارة معهم و تارة مع المحافظ لتقدير ما يرضيهم فما أنتجت نتيجة لأنهم كانوا ينقضون فى المساء ما أبرموه فى الصباح، و كثيرا ما كان الأعراب يهدّدوننا و يقول الواحد منهم «نحن نضرب الكف و نأخذ أجرته» فأطردهم و أرضى غيرهم فيأتون صاغرين فأعطيهم اليسير لا على أنه مرتب و لكن مكافأة نظير خدمة حتى لا يتخذوا من ذلك ذريعة للمطالبة به فى الأعوام المقبلة، و قد عسرت على العربان فى المكافأة خشية أن تظن الحكومة فينا التساهل و يعلم اللّه أنى لو كنت أنفق من مالى ما ساومت الأعراب هذه المساومة التى قبلوها بكل جهد جهيد، و قد بلغ ما أنفقته عليهم فى ذهابنا ألفى ريال و ما أنفقته حال عودتنا ثلاثة آلاف و مائة و خمسين ريالا و لو لا و لوع المحافظ بتغيير الطريق ما أنفقنا هذا المقدار كله و لكنه يسير فى سبيل تذليل طريق مختصر يوفر علينا كثيرا من النفقات فى السنين المقبلة.

و لما حان وقت السفر و لما ننته من ترضية العربان أمرت «القومندان» أن يسير بالمحمل و ركبه الى «آبار على» حيث المبيت هنا لك على ساعتين من المدينة و بقيت فى نفر من الفرسان بالمدينة أسترضى الأعراب الذين لا تنتهى طلباتهم‏

30

ما دام المحمل بالمدينة فأرضيتهم ثم لحقت بالركب فى الساعة التاسعة بعد الظهر؛ و قد رافقنا فى مسيرنا الى ينبع سلطان زنجبار و حشمه و صهر شاه العجم و نجله و حاشيتهما و ذلك بأمر والى الحجاز و محافظ المدينة و كذلك رافقنا أمير دارين بالبحرين محمد ابن عبد الوهاب باشا و مائتا عسكرى من عساكر الدولة المشاة معهم مدفع جبلى و ذلك بخلاف مائة العسكرى و العشرة الذين حضروا معنا من ينبع و سار معنا حجاج من أجناس مختلفة فى قافلتين بهما 3000 نفس و 2400 جمل على وجه التقريب و ترى سلطان زنجبار فى (الرسم 205) و قد أهدى الينا سيفا- كتاره فى لغته- بعد أن وصل الى سلطنته و بعث مع السيف الكتاب الذى تراه فى (الرسم 206).

31

و قد احتفلنا فى المدينة قبل مبارحتها بتلاوة قصة المولد النبوى احتفالا حضره وجهاء المدينة و كبار الحجاج و كان القائم بتلاوة القصة و تلاوة ما تيسر من القرآن الشيخ منصور المصرى الشهير و كان حضر الى المدينة صحبة المحمل الشامى و ساعده الشيخ حسن الشاعر السيوطى المجاور بالمدينة و كان الاحتفال بالمسجد النبوى و السرادق و قد وزعنا فى ختامه الحلوى فى قراطيس و عطرنا الحضور أسوة بأهل المدينة فى حفلاتهم و قد أنفقنا فى ذلك 2408 قرش.

السفر من المدينة الى ينبع فالطور

- قام ركبنا من المدينة بعد عصر الجمعة تاسع عشر المحرم سنة 1321 ه. (17 أبريل سنة 1903 م). و بتنا عند بئر على بذى الحليفة على مسير ساعتين من المدينة ثم تابعنا السفر فى الأيام التالية فوصلنا ينبع يوم الخميس 25 المحرم بعد أن سرنا 58 ساعة و 10 دقائق، و لم يحدث بالطريق مكدر سوى أن بعض أشقياء الأحامدة وقفوا على جبل تجاه الجبل الذى أطلقوا منه الرصاص فى ذهبنا و أرادوا من ذلك إيهامنا بقوّتهم و استدرار العطايا منا فأنزلهم المشايخ الذين رافقونا ليبينوا أن لهم كلمة مسموعة و ليكون ذلك ذريعة لهم الى مكافأة يرجونها و أكبر ظنى أن كل ما فعلوا مصطنع قد بيتوه من قبل. و لما وصلنا ينبع أنزلنا متاعنا الى الباخرة ثم احتفل بموكب المحمل و ودعنا ساحل الحجاز فى 27 المحرم و وصلنا الطور فى صباح 29 منه (27 ابريل سنة 1903 م). و به حجر علينا صحيا 16 يوما ذقنا فيها الأمرين و رأينا من سوء المعاملة ما حرّك قلمى لكتابة تقرير بما كابدنا الى صاحب العطوفة وزير الداخلية؛ و إنا نذكر لك خلاصته لما به من الفوائد الجمة و الملاحظات الهامة.

الحجر الصحى بالطور

- يقوم بالتفتيش جماعة من الأروام المسيحيين ليسوا على طريقة واجدة فى معاملة المسافرين و بحث الأمتعة؛ فمنهم من يبحث المتاع قطعة قطعة مع أدب و حسن معاملة، و منهم من يجعل عالى الأوعية سافلها و يرمى بكل ما فيها على ظهر الأرض من غير مبالاة مع أن أكثر ما بها زجاجات عطرية

32

و أوان فضية دقيقة فقلما تسلم من العطب و يريقون السمن البلدى الجيد و الزيت الطيب على وجه الأرض و كثيرا ما بخروا أمتعة جديدة نظيفة لم تسكن بها جراثيم الأمراض و اذا ما بخروا الثياب خلطوا بعضها ببعض ثم رموا بها الى الأرض فيصعب على الإنسان العثور على ملابسه و قد جرت العادة أن المسافرين اذا أدخلوا الحمامات هنالك لبسوا ثيابا قطنية سمراء مفتوحة الصدر ليس لها من أزرار ثم يخرجون منها حاسرة رءوسهم كاشفة أقدامهم فيمكثون فى حرّ الشمس و شديد الهواء مدّة حتى تبخر ثيابهم و يلتقطوها من بين الملابس الكثيرة فينتابهم أثناء ذلك زكام و آلام صدرية و أمراض مختلفة و قد مرض من جراء ذلك أحد الضباط و مكث عشرين يوما حتى أبل من مرضه فلو أنهم انتقوا من ملابس المرء ثيابا نظيفة ليلبسها بعد الحمام لمنعوا عنهم عاديات الأمراض.

ثم إن الأمتعة أنزلت كلها من الباخرة و وضعت فى فناء بجوار المبخرة و فتشت بحضور الخدم الذين رأوا ما بها من الأشياء الثمينة و بعد التفتيش أعيدت الى الفناء دون الباخرة و استمر التفتيش تسعة أيام حتى تم، ثم أعيدت الأمتعة كلها دفعة واحدة الى الباخرة كل ذلك جرى و أصحابها بعيدون عنها لا يمكنون من رؤيتها فسرق منها الشى‏ء الكثير خصوصا نفائس الأشياء و مثمناتها؛ و قد شكا الىّ اثنان من أكابر الحجاج سرقة بعض أمتعتهما من مصاغ و مصنوعات حريرية و سبح و غيرها مما توازى قيمتها 50 جنيها مصريا فأحلتهما الى «البوليس» فى 15 مايو علّ ما سرق منهما يكون ضمن ما ضبطوه مع أحد ملاحظى المباخر بالسويس. فلماذا لا يعاد الى الباخرة كل متاع بحث و يكون ذلك بمرأى من أصحابه حتى نأمن شر اللصوص.

و كان مع الحجاج أوان فخارية (قلل) يشربون منها و أباريق زنكية يستعملونها فى غير الشرب فأعدم كل ذلك إلا الجديد فانه حفظ بالمخازن و أبدلنا به أوانى صفيحية- أقساطا- نشرب منها و نستنجى و هذا غير مناسب لأنها تسخن الماء حتى تعافه النفس ثم من الجميل أن تختلف أوانى الشرب عن أوانى الاستنجاء؛ ثم إن بيوت‏

33

الأدب قائمة فوق حفر طول الواحدة ثلاثة أمتار فى عرض متر فى عمق مترين و يحيط بالمقعد جدر خشبية من ثلاث جهات؛ و فى الجهة الرابعة باب يرتفع عن الأرض بنحو 30 سنتيا و أرض البيوت بشكل خ خ درابزين فيرى قاضى الحاجة الفضلات فتشمئز النفس و تغثى و قد مرض بعض الحجاج مما رأى و شم؛ ثم إنه عند الاستنجاء و استعمال الماء يدخل الهواء بشدّة من الفتحة التى تحت الباب فيردّ منه الى الجسم و الملابس فتتلوث و لكون الحفر واسعة ليس لها مصرف و لا تردم كل يوم يتجمع فيها الذباب و ينتشر فى المساكن بحالة مريعة فأين ذلك من الصحة؛ ثم إن أبواب بيوت الأدب ضيقة حتى ما كان يتمكن من قضاء الحاجة بها البادنون و لا فرق فى ذلك بين ما أعد لذوى الدرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة كلها سواء.

و أماكن الاقامة- الحذاءات- و إن كانت جميلة متقنة البناء ينقصها المطابخ و المغاسل و الحمامات. و المراحيض على بعد 200 متر من أماكن الدرجة الأولى و الثانية و ليس لأهلهما مراحيض خاصة فيضطرون الى التعرض للهواء وقت القيام من النوم اذا ما ذهبوا اليها و ربما وجدوها مشغولة فانتظروا على أبوابها و ما هذا بالمناسب لمقام هؤلاء إذ لم يتعودوا من قبل و ترى فى (الرسم 209) الحذاءات و جبل الطور و أعمدة بينها شباك سلكية تتكوّن منها حذاءات أخرى و كذلك ترى به جملة حشائش. و قد بحثت المأكولات التى مع الحجاج فرمى قليل منها غير صالح على الأرض بمرأى منهم و الكثير النظيف- و منه مأكولاتى و مأكولات أمين الصرة- حفظ بالمخازن و كان معنا ثلاثون صندوقا بها مياه زمزمية داخل أوعية صفيحية فتركت بالفناء مملوءة. و فى ثامن ذى الحجة استأذنت برقيا من مجلس الصحة أن يعطى الحجاج مياه زمزم بعد غليانها فأذن لى بالبرق فى اليوم نفسه. و فى الساعة 5 بعد ظهر التاسع من صفر (7 مايو) حضر زكريادس بك ناظر المحجر الى مساكن المسافرين و جلس بحجرة الطبيب و كان من عادته أن يجلس فى سرادق الأمير فغير عادته لما رآه من شكوى الحجاج بالجرائد فسألته عن ماء زمزم فقال: إنه أعدمه مع ما بالمخازن من المأكولات فعجبت مما صنع بعد أن استأذنت فى المياه فأذن لى بعد غليانها و بعد

34

أن جرى فحص هذه المأكولات و وجدت صالحة و مكثت بالمخازن تسعة أيام بل 11 يوما لأننا وصلنا الطور صباح 29 المحرم و تم الفحص فى سابع صفر بمحضر الناظر و أرسلت الينا الأوانى التى كانت بها المأكولات و المياه فى العاشر منه، فتلك أحد عشر يوما ثم لماذا لم تعدم هذه المأكولات بحضورنا حتى تدفع شبهة اختلاسها و لما حاججت الناظر بذلك قال: إنى رئيس أمين أفعل ما أشاء و لست مكلفا بإخباركم أو إحضاركم فتركته و أبرقت الى عطوفة ناظر الداخلية بذلك فأمر بتعويض ما أعدم نقدا و قد بلغت قيمة ما أعدم من مأكولاتى الخاصة 54 جنيها و 462 مليما و المأكولات بالطور غير جيدة إلا الخبز و تندر به الحضراوات المصبحة و طلب الحجاج بعض المأكولات فلم يجدوه و وعدهم المتعهد باحضاره و لم يحضره حتى رحلنا و مع رداءة الأصناف فانها مرتفعة القيمة حتى عن مكة و المدينة مع أن المسافة بين السويس و الطور 125 ميلا و بينها و بين مكة أو المدينة لا تقل عن 700 ميل فكان ينبغى أن تكون الأثمان بالطور دونها بعاصمتى الحجاز و أذكر لك مثلا علبة الكبريت التى تباع فى القاهرة بنصف القرش كانت تباع فى الطور بقرشين و فى العاصمتين بقرش واحد و العلبة التى تباع فى مصر بملّيمين و نصف بيعت فى الطور بثمانية و فى العاصمتين بخمسة و قس على ذلك بقية الأصناف.

و قد جرت العادة أن ترسل الداخلية مندوبا من قبلها يرافق الحجاج بالطور و لم أر فى وجوده أية مصلحة للحجاج بل كان ضررا عليهم فقد رأيت ناظر المحجر يستخدمه كعامل صغير و اذا أساء بعض الموظفين بالمحجر الى أحد الحجاج على مرأى منه و طلب أن يعطيه شهادة بما رأى أبى و قال: (موش شغلى) و قال مرة أمام جمع كبير: (إن كلمة صغيرة من زكريادس تشيلنى) و فى سابع مايو كان أكل الحجاج متغيرا طعمه فاستحضره الناظر فى حجرة الطبيب و أخذ يكلمه و هو جالس على كرسيه واضعا إحدى رجليه فوق الأخرى و المندوب واقف أمامه و إن يكن غير جميل من المندوب تلك الذلة و المسكنة و الطاعة العمياء فغير جميل من الناظر أيضا علوّه و استكباره بله استبداده. و قد كتب اليه رئيس الحرس «القائم مقام» إبراهيم بك‏

35

صبرى يطلب منه شهادة بخمسين قربة أعدمت بالمبخرة لتخصم مما فى عهدته و كتب اليه فى صدر الكتاب: جناب ناظر محجر الطور فامتعض الناظر من مخاطبته بلفظة جناب و قال للمندوب: أبلغ رئيس الحرس أن عندى الرتبة الثانية و أن عليه أن يخاطبنى بلقبى الرسمى و استنكف أن يجيب «القومندان» الى ما طلب مع أنه رئيس مثله و يجب عليه بمقتضى وظيفته إعطاء الشهادة كذلك حصل خلاف بينه و بين «القومندان» على بعض المسائل فاشتكاه ببرقية الى الصحة مباشرة و كان ينبغى عرض هذا الخلاف علىّ بما أنى رئيس المحمل و لكنه لم يفعل و لما علمت بالشكوى أزلت سوء التفاهم بتنفيذ رغبات الصحة و أبرقت لعطوفة ناظر الداخلية فأبرق الينا شاكرا حسن صنيعنا.

و الطبيب الذى كان يراقبنا رومى لا يعرف اللغة العربية فلا يمكنه التفهم منا أو تفهيمنا إلا بمترجم، فلو أنه أبدل به عالم بلغتنا لكان أفيد و أجدى.

ثم إن ضباط الشرطة الذين يحققون فى السرقات و الضائعات اذا رأى زكريادس بك أن التحقيق منهم ليس فى مصلحة المحجر أحاله الى ضابط آخر تخلصا من أن يواجه المحجر و رجاله بصدمات الحق و لم أر بين الضباط مستقيما عادلا يساير الحق فى تحقيقه الا «اليوزباشى» بدرخان على أفندى‏ (1). و الكتبة الذين يكتبون أسماء الحجاج و محال إقامتهم بعضهم أروام يكتب بلغة أجنبية فيحرف و ينقص و عند مضاهاة ما كتب بما فى قلم الجوازات يحصل اختلاف منشؤه الكتابة بلغة أجنبية و يترتب على ذلك عدّ الحجاج مرة بعد أخرى تارة بمناداة الأسماء و تارة بوقوفهم صفوفا و تلك مضايقة لهم؛ و قد عدّ ركب المحمل فى الطور ثمانى مرات فى أربعة أيام مع أنه لا يتجاوز عدده 350 شخصا تجمعهم بقعة واحدة لها باب واحد به بعض الخفر و ينبغى أن تعلق على أبواب المباخر قوائم مطبوع بها الأشياء التى تقتضى قوانين‏

____________

(1) هو الآن- نوفمبز سنة 1924- مدير أسيوط و فى كل جهة يحل فيها لا يعمل إلا حسنا و لا نسمع عنه إلا جميلا.

36

الحجر إعدامها و الأشياء التى تبخر و التى لا تبخر فاذا ما اطلع الحجاج على ذلك اطمأنت نفوسهم و نفذوا الأوامر عن رغبة فاستراح عمال المحجر أيضا على أنه لو نشر ذلك بالجرائد لكان أجدى فانه ينبه الحجاج ألّا يشتروا ما يعدم بالطور فتتوفر عليهم أموالهم و لا يطالبوا الحكومة بعد بتعويض ما فقدوا.

هذا ملخص التقرير الذى رفعناه الى حضرة صاحب العطوفة ناظر الداخلية و أرسلنا نسخة منه الى رئيس الديوان الخديوى وقتئذ.

بعد ظهر 15 صفر (13 مايو) سافرنا من الطور الى السويس بعد أن لبثنا به ستة عشر يوما فوصلناها فى اليوم التالى. و قبل أن ننزل الى البر وصلتنا التعليمات الآتية التى أرسلتها الينا نظارة الداخلية بواسطة محافظ السويس لنقوم بتنفيذها و هاك أهمها:

(أوّلا) لا يصرح لأحد بالنزول من الباخرة حتى ترسو على الرصيف المعدّ لها (التخشيبة).

(ثانيا) يكون نزول المسافرين بالترتيب الآتى: المرضى فالحجاج فأسر موظفى المحمل فخدم المحمل فقوّته.

(ثالثا) يجب على كل فرد حين نزوله أن يملى اسمه و لقبه و مسكنه بالضبط و بعد ذلك يكشف عليه طبيا و يكشف على السيدات فى محل أعدّ لهنّ ممرضة أجنبية تساعدها طبيبة و طنية و اذا ذعت الحال لكشف طبيب السويس عليهن كشف و يجوز استبقاء بعض الخدم بالباخرة ليحرسوا المحمل بشرط أن لا يتجاوز عددهم العشرة و يكونوا قد كشف عليهم و أملوا أسماءهم و محال إقامتهم. و ينزل البحارة أيضا ليكشف عليهم طبيا.

(رابعا) بعد خلوّ الباخرة من جميع ما فيها يفتشها مكانا مكانا طبيب الصحة بالسويس و ضابط الشرطة (البوليس) و مندوب من قبل أمير الحج و على الركاب الذين معهم مفاتيح حجرات أن يسلموها الى المندوب المذكور.

37

و لما وصلت باخرة النجيلة الى السويس فتشها الأطباء و وجدوا عند نجارها أقتين من البلح فأخروها فى المرسى ست ساعات و كان رجال المحجر البحريون يطوفون طول الليل حول الباخرة كأنما نحن أعداء وقعنا فى أسر العدوّ و يخشى أن نفرّ و كان الأطباء البريون و البحريون و عمال الجمرك يحيطون بنا فى السويس و الناس ينظرون إلينا كأنما أتينا أمرا إدّا و كل هذا ناتج من أن أمتعتنا فتشت بالطور فى تسعة أيام و فى الباخرة مرّتين فظن الناس أن الأمراض التهمتنا أجمعين فجاءوا لذلك ينظرون مع أننا كنا فى صحة جيدة و لكن سوء تصرف موظفى المحجر بالطور و صمنا بما نحن منه براء، فبقينا بالسويس يومين بحثونا فيهما مرة ثالثة و إننا نحمد اللّه أن وصلنا ديارنا سالمين.

و قد غادرنا السويس فى صبح الثامن عشر من صفر (16 مايو) و وصلنا القاهرة ظهر اليوم و فى صباح العشرين احتفل بعودة المحمل و سلمت زمامه فى ختام الحلفة الى صاحب العطوفة ناظر الداخلية الذى أنابه عنه سموّ الخديو السابق.

و الى هنا أتممت المهمة التى انتدبت لها و كلفت القيام بها و بذلك ختمت الرحلة الثانية غير أنى قدّمت تقريرا الى ناظر الداخلية ضمنته وصف طريق ينبع بالإجمال و ما أنفق فيه و ما ينبغى من زيادة مرتبات أو نقصها و ما لا حظته فى حجتى هذه. و لما كان ذلك من الأهمية بمكان رأيت أن أذكر لك ملخص هذا التقرير الذى كتبته فى ثلاثين صفحة أو تزيد؛ و نسأل اللّه أن يسدد خطانا و يمدنا بروح من عنده حتى نتم هذا السفر و إنه بالاجابة جدير.

التقرير

المقدّم من أمير الحج المصرى فى طلعة سنة 1320 ه. الى صاحب العطوفة ناظر الداخلية مصطفى باشا فهمى.

بدأت التقرير بذكر أنى توخيت فيما كتبت الحقائق التى عرفتها عن تجربة و رؤية- و ما راء كمن سمعا- و أنه من أجل ذلك ينبغى أن يعتنى بتقريرى‏

38

العناية التامة فيعمل بما فيه من الإرشادات و النصائح ثم أو جزت وصف الطريق بين ينبع و المدينة فذكرت أنه طريق واسع بين جبال أكثرها شاهق يتخللها فواصل و أن سعته تختلف من 50 مترا الى 200 متر و فى بعض الأحيان تزيد على الألف.

و أن به مضيقين يسمى الأوّل «نقب الفار» يقطعه الراكب فى ثلثى ساعة و يمرّ منه الجمل تلو الجمل و ربما مرّ منه الجملان خلفهما آخران فآخران و كله أحجار تجعل السير فيه عسرا. و الثانى يسمى «الجديدة» يشبه الأوّل لكنه أطول و السير به أسهل لنعومة أرضه و الأوّل بديار «الحوازم» و الثانى بديار «بنى عمرو» و يسهل على العربان معاكسة الحجاج فى هذين المضيقين مهما بلغت قوّة الركب لأن الجبال التى تكتنفهما شاهقة فيعتليها أولئك العربان و يصوّبون منها الى الحجاج الرصاص أو السهام.

و الماء بالطريق كثير يكفى الآلاف المؤلفة من الانسان و الحيوان و هو فى محطتين فى قنوات مبنية يغترف منها الانسان بيده و فى باقيها آبار تنزح منها المياه بالدلاء ترفعها الحبال على بكر حديدى يدور بها، و فى بعض المحطات الآبار قليلة لا تكفى العدد الكبير إلا فى الزمن الطويل؛ و الماء بينبع معدوم و يجلب اليها من مسير خمس ساعات و لذلك كان ثمنه مرتفعا و فى أيام المطر يكون رخيصا.

نفقات الحج فى هذا العام و أجر الجمال و الزوارق- أنفق على راكب الدرجة الأولى الذى معه خادم واحد ما يأتى:

مليم جنيه مصرى‏

82 17 أجر جمال فى الطريق كله من جدّة الى مكة فعرفة ذهابا و إيابا و من ينبع الى المدينة كذلك.

120 2 نفقات حجر صحى (كورنتينا).

21 أجرة الباخرة لراكب الدرجة الأولى 13 جنيها و لخادمه راكب الثالثة 8 جنيهات.

202 40 جملة النفقات.

39

و كانت أجرة الباخرة لراكب الدرجة الأولى فى العام الماضى ثمانية جنيهات و لراكب الثانية خمسة جنيهات، و لراكب الثالثة ثلاثة جنيهات؛ و أنفق على راكب الدرجة الثالثة فى هذا العام ما يأتى:

مليم جنيه مصرى‏

890 6 أجرة جمال.

000 8 «باخرة.

60 1 نفقات حجر.

950 15 جملة النفقات.

و الدرجة الثانية لا تختلف أجرتها عن الدرجة الثالثة إلا فى أجرة الباخرة فهى عشرة جنيهات و نصف بدل ثمانية جنيهات و ربما قلت النفقات عن ذلك اذا سافر مع المحمل جمع كبير من الحجاج و قد بلغت أجرة الجمال فى الطريق كله هذا العام 3465 جنيها، و كانت فى العام الماضى 5662 جنيها، فالوفر فى هذه السنة 2197 جنيها و كان متوسط أجرة الحاج فى الجمال لا فرق بين راكب الدرجة الأولى و غيره 7 جنيهات و 624 مليما و يدخل فى ذلك نفقات أخرى صغيرة.

و أجرة الزوارق التى كانت تحمل الأمتعة من الباخرة الى البر بجدّة خمسة جنيهات و لمن يخرجونها من القوارب الى البر (المنجّلين) جنيهان و مثلهما لمن يحملونها من البر الى المعسكر. و قد استقل رئيس البلدية هذه الأجرة و لم يقبل تسلمها إلا قبيل قيامنا لأن بين مرسى الباخرة و البر ما يقارب ميلين و بين الشاطئ و المعسكر مسير نصف ساعة و الحمالون يحملون الأمتعة على ظهورهم فى هذه المسافة و أرى أن تزاد أجرة الحمالين جنيهين آخرين لأن نقل الأمتعة الى المعسكر يجهدهم إجهادا كبيرا و لقد رأيت كثيرا منهم يحمل الحملة ثم لا يرجع لأخرى لبعد المسافة و يفضلون نقل‏

40

أمتعة الأهالى عن نقل أمتعتنا لأنهم ينتفعون منهم أكثر مما ينتفعون منا. و قد ذكرت بالتقرير أن الشريف و الوالى ربما أحدثا فى العام المقبل عقبات فى سبيلنا اذا ما سلكنا طريق ينبع لأنه تفوتهما منفعة كبيرة من ترك الطريق الأول الى الطريق الثانى اذ كان لهما على كل جمل ثلاثة جنيهات؛ و كانت الأجرة فى الطريق الأوّل تتحمل ذلك أما فى الطريق الجديد فلا يمكن أن تتحمله بل و لا تتحمل سدسه ثم إن الخسارة لا تنشأ من ركب المحمل وحده بل من كل القوافل لأنها فى الأكثر تتبع سير المحمل أنى سار سارت وراءه، و قد حاولت أن أقوم الى جدّة قبل سفر المحمل الشامى الى المدينة بثلاثة أيام فلم أمكن إلا قبل قيامه بيوم واحد و ذلك خشية أن يتبعنا الناس فيفوت على الشريف و الوالى تلك المكاسب الكبيرة.

سلوك الطريق السلطانى أقصد- و قد استصوبت فى التقرير سلوك الطريق السلطانى فى السفر من مكة الى المدينة و طريق ينبع فى الرجوع منها بدل أن نركب البحر بين جدّة و ينبع و نسلك طريق الثانية فى الذهاب الى المدينة و الاياب منها و ذلك للأسباب الآتية:

(1) استغرق سفرنا من مكة الى جدّة فينبع فالمدينة 14 يوما و الطريق السلطانى يقطع فى زمن دون ذلك بكثير و متى قلت الأيام قلت النفقات و ذلك ما ترغب فيه الحكومة.

(2) اذا قارنا أجرة الجمال بين ينبع و المدينة مضافا اليها أجرة الباخرة بين جدّة و ينبع و نفقات انتظارها فى الثغرين- بأجرة الجمال من مكة الى المدينة بالطريق السلطانى و من المدينة الى ينبع- وجدنا أن الأجرة الثانية دون الأولى بكثير و توفر علينا بذلك أيام نقضيها بينبع ننتظر فيها الجمال و ندفع فيها أثمانا عالية للمياه كما تتوفر علينا مشقة إنزال الأمتعة بالباخرة فى جدّة و إخراجها منها فى ينبع.

(3) نتخلص بعض الخلاص من شر الأحامدة الذين قاسينا الشدائد فى استرضائهم و لما يرضوا و الذين لهم السلطان الكبير على طريق ينبع لأن ذهابنا و إيابنا من‏

41

طريقهم يترك لهم مجالا واسعا لمشاكستنا و الأخذ و الرد معنا فيثير ما كمن فى نفوسهم من الشر المتأصل و يفعلون بنا ما يريدون بخلاف ما لو مررنا بديارهم مرّة واحدة.

عربان الطريق بين ينبع و المدينة و طلباتهم و ضيافتهم الخ- طلب العربان منى صرف المرتبات التى كانت موظفة لهم و لم تصرف فى السنين السابقة فوعدتهم المساعدة، فقالوا: كم وعدا سمعنا و لم نر وفاء، فقلت لهم: إنى مساعدكم إن شاء اللّه و ستعرفون خبر المرتبات من الأمير الذى يأتى فى حج العام القابل و قد رجوت الحكومة فى تقريرى أن تبحث فى الدفاتر القديمة عن مرتباتهم فى الأعوام السابقة و تصرف لهم مثل ما كانوا يأخذون فى السنين القابلة و إن لم يتيسر لها ذلك فلتفوّض الأمر الى أمير الحج يتفق معهم بما فيه المصلحة حتى يصبح ما لهم معروفا فيطمئنوا و لا يشاكسوا المحمل و ركبه و رجوت الحكومة أن تبر بوعدى لهم حتى لا يصمونا بأن الإخلاف شيمتنا و قد أضفت مشايخ هذا الطريق و كبار عربانه فى بئر عباس فقدّمت لهم لحوم الغنم التى ذبحناها و الأرز و السمن فطبخوا و أكلوا و سروا سرورا عظيما حملهم على أن يتركوا مرتباتهم القديمة ضيافة لى كما أضفتهم. و كتبوا الى سموّ الخديو السابق كتابا هذا نصه بعد الديباجة

مقدّمة لجنابكم العالى عبيدكم عربان حرب القاطنين ما بين المدينة المنوّرة و ينبع البحر نعرض للأعتاب السنية بلسان الصداقة و الاخلاص معربين غاية الشكر و الممنونية من الحكم السلمية التى أتى بها سعادة إبراهيم باشا رفعت أمير الحج المصرى مزيلا ما كان بالخاطر و على ذلك أضفناه بما كان متأخرا من عوائد الثلاثين سنة الماضية التى حجب فيها مرور المحمل من ديارنا و حمدنا اللّه الذى منّ علينا بمروره فى هذا العام من هنا مع أمير تشهد له أعماله التى ثبّت بها دعيمه الأمن بفتح هذا الطريق الجديد نلتمس من مراحم سموّكم إمناحنا بالرواتب المسجلة بدفاتر حكومة

42

فخامتكم إحسانا من مراحم جنابكم نظير صداقتنا لخدمة المحمل و الحج متعهدين بغدوه و رواحه بين المدينة و ينبع البحر بكل راحة و أمان طائعين لكل متبوع لسموّكم فى هذه المأمورية الشريفة سنويا و الأمر لمن له الأمر افندم.

21 محرم سنة 1321

بنده (أنا) بنده بنده أعيان‏

الشيخ عبد المعين بن عبد اللّه حصانى أعيان أحمد بن حمدان صالح بن مايق‏

بنده شيخ الصميدات بنده مشايخ الصميدات بنده‏

عقاب ابن الشيخ حذيفة أحمد بن محمد بن عامر الشيخ عبد المعطى بن بخيت‏

شيخ الذكرة شيخ الرحلة الشيخ عبد الرحيم عبد اللطيف‏

عايض بن عتيق محمد نافع شيخ الجديدة

سالم بن محسن القليطى شيخ قبيلة الذكرة و الحمود الشيخ احمد ابن الشيخ زيد بن محمود

من مشايخ بنى عمرو عايض بن عبد الرحمن من مشايخ الأحامدة

الشيخ فاهد ابن الشيخ فهد الشيخ عوض نويفع الحازمى منصور عباس الحازمى‏

من مشايخ الأحامدة شيخ قبيلة أولاد أبى الحيا شيخ قبيلة المراوضة

عبد المنعم بن عبد الرحمن الحازمى عبيد بن عبد اللّه الحازمى‏

شيخ قبيلة بنى محمود شيخ قبيلة ذوى نصار و الغيشة

و قد أنفقنا فى فتح طريق ينبع 4487 ريالا طاقيا- كان الجنيه المصرى يساوى أحد عشر ريالا طاقيا- من ذلك بالميزانية العادية 100 جنيه مصرى أى 1100 ريال طاقى نفقات للجواسيس و الأدلاء، و وفرنا من أجر الجمال المقدرة بالميزانية 2299 ريالا أخذناها فى فتح الطريق فذان 3399 ريالا، فإذا طرحت مما أنفقنا كان الباقى 1088 ريالا أخذناه من ستة آلاف الريال التى كانت مقدّرة

43

فى الميزانية لترضية العربان عن مرتباتهم القديمة و لم تنفق فى ذلك و ما بقى منها و هو 4802 ريال ردّ الى خزينة المالية و ينبغى أن يبقى مبلغ الترضية فى كل ميزانية و يترك الأمر فيه الى حكمة الأمير لأن الأحوال تتقلب. كما ينبغى أن يضاف الى النفقات السائرة 39 جنيها مصريا لتكون 150 جنيها بدل 111 التى منها 26 جنيها ثمن قناديل للمسجد الحرام و ذلك لأن أثمان المياه كانت مرتفعة جدا و قد كانت نفقاتنا السائرة فى هذا العام 128 جنيها و لو مكث المحمل بينبع أكثر من يومين لتضاعفت النفقات؛ ثم إن الحكومة قدّرت أجرة للجمل الواحد فى الطريق كله 12 جنيها و الأجرة و إن لم تزد عن هذا المبلغ فى العام الحاضر ينبغى أن تزاد فى المستقبل الى 14 جنيها لأن الشريف و المقوّم قد يستبدان فلا يرضيان بدون ذلك فعلى الحكومة أن تقرّر الأحوط و على الأمير أن يجتهد فى تقليلها بقدر ما يستطيع.

و كما ذكرنا ذلك بالتقرير ذكرت أن الملابس و الحلويات التى تؤخذ للأعراب صرف بعضها لهم بعينه و بعضها صرف ثمنه كما ترغب الحكومة و لكن بكل مشقة لأن الأثمان مقدّرة حسب الأسعار فى مصر و هى دونها فى الحجاز و توقف بعض العربان فى أخذ الثمن و قد أبنت أن الأثمان لو أضيف اليها نصفها و صرفت الى العربان بدل الملابس و الحلويات لكان ذلك أوفر للحكومة لأن حمل هذه الأشياء يكلفنا نفقات باهظة دونها النصف الذى طلبت إضافته بكثير و ينبغى أن يؤخذ فى العام القابل الملابس التى رجعت معنا إذ قد يتشبث بعض العربان بأثمان عالية لعدم وجود الملابس صحبة المحمل فوجودها يمنع المغالاة فى استزادة الأثمان.

ملاحظات على بعض موظفى المحمل‏

(1) رئيس الحرس (القومندان)- من الإنصاف أن يكون مرتبه 100 جنيه بدل 50 لأنه يكون برتبة «قائم مقام» فمرتبه الشهرى 30 جنيها مصريا و هو يؤدّى عملا خارج القطر فيستحق عليه بدل سفر 3 فى المائة من مرتبه: أى‏

44

90 قرشا كل يوم، فيكون له فى ثلاثة الشهور 81 جنيها و بما أنه يقاسى من المشاق فى حفظ الركب ليلا و نهارا ما لا يقاسيه غيره فينبغى أن يكافأ على ذلك بباقى المائة على الأقل و قد أوصى بزيادة مرتبه أمير الحج فى العام الماضى و لقد كان رئيس الحرس فى هذا العام القائمقام إبراهيم بك صبرى و قد قام بما وكل اليه خير قيام، فكان دائما يمر بالركب أثناء سيره ليلا و نهارا و تارة تراه فى مقدّمته و تارة فى مؤخرته و تارة فى أثنائه و كان يقظا حتى أنه لم يضع من الحجاج شى‏ء مطلقا و لم يحصل منه ما ينافى الأدب و الكمال بل كان مثالا تجسمت فيه الأخلاق الطيبة و الشيم العالية التى اذا وجدت فى كل «قومندان» يرأس حرس المحمل كتب لركبه الأمن و السلامة فى الذهاب و الإياب و كثيرا ما ساعدنى على عربان الأحامدة حتى ألنا عريكتهم و أمنّا شرهم بل جلبنا مودّتهم و قد اقترحت فى تقريرى على الحكومة أن تمنحه الوسام- النيشان- المجيدى الثالث مكافأة له على خدماته الجليلة فأجابتنى الى طلبى و قرّر ذلك مجلس نظارها (انظر الرسم 208).

(2) صراف الصرة و كاتباها الأوّل و الثانى- ينبغى أن يضاف الى مرتب الصراف سبعة جنيهات و نصف ليكون مرتبه كمرتب كاتب الصرة الثانى و كاتب الإمارة و القسم العسكرى: أى خمسة عشر جنيها مصريا بل هو أولى لأنه يقدّم ضمانا لا تقل قيمته عن 5000 جنيه و قد بلغنى أن مرتبه كان 15 جنيها فنقص الى نصفه لأمر ما فينبغى أن يرجع الى أصله لأن النصف لا يكفيه ثمن عيش فى ثلاثة الشهور بله حاجاته الأخرى، و طلبت أيضا فى التقرير أن يضاف له جمل و كذلك لكاتب الضرة الثانى.

و لما كان كاتب الصرة الأوّل حسن افندى خليفه و كاتبها الثانى سعيد افندى أحمد و صرافها حافظ افندى نجمى- قد قاموا جميعا بعملهم خير قيام و سهروا ليالى فى ترضية العربان و الصرف لهم بدون أن يبدو منهم ضجر أو تململ طلبت الى الحكومة

45

فى تقريرى أن تصرف لكل منهم مكافأة اعترافا بجميل صنعهم و تشجيعا لمن يخلفهم و لا سيما أن مرتباتهم قليلة.

(3) إمام المحمل- له مرتب شهرى جنيه واحد و يتقاضاه طول السنة و يعطى فى مدّة السفر 75 قرشا شهريا بدل سفر و بما أنه عدّلت بعض المرتبات فى هذا العام و جعل لرؤساء العكامة و الضوئية و الفراشين 250 قرشا شهريا فمن المناسب للكرامة أن يزاد الإمام شهريا جنيها واحدا على الأقل حتى يكون جميع ما يأخذه فى الشهر 275 قرشا فمجموع الزيادة فى ثلاثة الشهور 3 جنيهات و إنها لقليلة و قد طلب الأمير السابق أن يزاد 15 جنيها على ما يأخذه.

و ينبغى أن يكون إمام المحمل من العلماء (1) الذين كملت نفوسهم و تهذبت أخلاقهم و كان لهم فى التقوى و الإرشاد قدم حتى يكون فيه للحجاج أسوة حسنة يرشدهم بقوله و عمله الى ما فيه سعادة الدارين؛ أما تعيين الإمام من غير العلماء فإنه غير جميل و إن علوّ العمل يستدعى علوّ العامل فليكن من الطبقة العالمة العاملة و يوكل اختياره الى «شيخ الإسلام» و يعطى له ما كان يعطى للإمام الدائم: أى عشرون جنيها فى مدّة الحج أو أكثر حسب الأحوال.

(4) أمير الحج- يعطى لأمير الحج عن مدّة سفره صحبة المحمل مكافأة غير ثابتة و لكنها لا تزيد على 500 جنيه و منشأ اختلافها المرتب الذى يتقاضاه الأمير فانه يخصم منه مرتبه فى ثلاثة شهور من مبلغ الخمس المائة فان كان مرتبه فيها 195 جنيها- و هو الكثير بالنسبة للواء- أعطى 305 جنيهات، و إن كان 180 جنيها مثلا أعطى 320 جنيها و هكذا، و إن لم يكن له مرتب و لا معاش أعطى خمس المائة بتمامها و بما أن الأمير نائب عن الحكومة و ممثل لها فى هذا العمل الدينى الكبير و يحكم عليه عمله بأن يكون سخىّ اليد موفور الكرامة و ذلك يستدعى نفقة ربما كانت ضعف الخمس المائة- لهذا اقترحت فى تقريرى على الحكومة أن يعطى‏

____________

(1) الآن يعين الامام من العلماء فى عهد حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأوّل ملك مصر.

46

الأمير خمس المائة بتمامها بدون أن يخصم منها مرتب ثلاثة شهور أو معاشها و كلمت عطوفة ناظر الداخلية فى ذلك فوعدنى إجابتى الى ملتمسى و قد وفّى بما وعد فقر مجلس النظار فى 8 نوفمبر سنة 1903 صرف المكافأة لى بتمامها و جعل ذلك لنا خاصة فأخذت المبلغ تاما فى حجة سنة 1320 ه. و كذلك قرّره لنا خاصة فى حجة سنة 1321 ه.

فتسلمته كاملا و لم يأخذه الأمير تاما فى حجة سنة 1322 ه. لأنه أضاع من نقود الصرة 8000 جنيه ثم صارت المكافأة تصرف بتمامها الى أمير الحج من سنة 1323 ه.

الى يومنا هذا.

و قد طلبت فى تقريرى أيضا أن يضاف الى جمال الأمير خمسة جمال فى الطريق كله أو يجعل المرتب له فى الطريق الطويل مرتبا له فى الطريق كله و يضاف أيضا جمل واحد للنجار و عدّته و ينقص بدله جمل من جمال الخزينة التى تزيد عنها أثناء السفر.

(5) العسكر- ينبغى أن يزاد مرتب العسكرى كل يوم قرشا واحدا صحيحا مدّة سفره لأن المقرّر له قليل بل لو صرفت لهم مأكولات كانت أجدى و أفيد لجسمهم مما يأكلون من زيتون و جبن و بلح و هم يقومون بأشق الأعمال و مكلفون بالحراسة فى الليل و النهار، فينبغى أن يكون غذاؤهم جيدا و المأكولات لا تكلفنا جمالا أخرى تقلها لأنه يمكن توزيعها على الإبل المخصصة للقسم العسكرى.

و قد التمست فى تقريرى أن يعين للعسكر مطوّف يرشدهم الى مناسك الحج بمكة و مرشد (مدعى) يرشدهم الى الأماكن الأثرية بالمدينة و اقترحت أن يكون مرتب الأوّل 15 جنيها و مرتب الثانى عشرة و أن يكون أمر الطواف الى محمد حامد أبى ناصف و إخوته، و أمر الارشاد الى محمد سعيد تحّه لما رأيت من حسن أدبهم و جميل خلقهم و يمكن أن يحتسب هذان المرتبان مما يعطى للمقوّم مكافأة أو من النفقات السائرة.

47

و الذى دفعنى الى طلب ذلك للجند فقرهم و قلة مرتبهم فدفع الأجرة للمطوّف و المرشد من قبلهم يضر بمصلحتهم و هم أولى الناس برعايتنا لأنهم يتحملون من مشاق السفر و وعثائه فوق ما يتحمله أى امرئ آخر فى ركب المحمل و قد رتبت الحكومة بعد للمطوّف المذكور و جعلت له نصف إردب من القمح كل شهر و يتقاضى ثمنه 927 مليما و رتبت لمرشد المدينة جنيها و 916 مليما.

(6) العكامية و الضوئية و السقاءون و الفراشون و تعيينهم- جرت العادة أن نظارة المالية تعين أربعة أشخاص باسم مقدّمين: أحدهم يقدّم العكامة، و الآخر يقدّم الضوئية، و الثالث يقدّم السقائين، و الرابع يقدّم الفراشين، و تخبر النظارة أمير الحج بتعيينهم و تكل اليهم اختيار الأشخاص الذين يقومون بهذه المهن فيختارون من يتقدّم اليهم بالرشوة أو يقدّم لهم صكا بأنه تسلم مرتبه أو قيمته قبل سفره.

و قد انتقدت فى تقريرى هذه الطريقة و طلبت أن يكون أمر الاختيار الى المحافظ بعد أخذ رأى أمير الحج أو الى النظارة كذلك أو يجعل للأمير حق اختيار النصف على الأقل حتى تضمن بذلك انتخاب أشخاص لهم سيرة طيبة و خلق حسن على أن كل شهادة تقدم من الرؤساء بأنهم سلموا مرءوسيهم مرتبهم أو قيمته ينبغى أن لا تعتبر إلا اذا كان الأمير مصدقا عليها لأن أكثرها صورى أخذ قبل السفر كرشوة أو أخذ بطريق الإكراه و لا يصح مطلقا أن يتوقف صرف المرتبات لهذه الفئات على تصديق هؤلاء الرؤساء لأنهم يتمنعون من التصديق حتى ينالوا أجرا منهم و من خالف من هذه الطوائف رئيسه يصح أن يعاقب باقتطاع بعض مرتبه الى 15 يوما أو برفته عند الضرورة و يعين أمير الحج بدله.

و بهذه الطرق تتحسن حال هؤلاء و لا يشكون مر الشكوى من الفقر و خلو اليد و لهم حق فى الشكاية لأن رؤساءهم سلبوهم مرتباتهم فأصبحوا عالة على الحجاج بفضل تلك السلطة التى منحها رؤساؤهم.

48

فقراء الحجاج- حظرت وزارة المالية علينا فى تعليماتها أن نحمل معنا فى البواخر فقراء ممن انقطع بهم السبيل و هذا لا يتفق مع كرامتنا و كرامة الحكومة التى من أهم واجباتها إعانة الضعيف و إغاثة الملهوف و أكثر هؤلاء المنقطعين ممن سلب نقودهم العربان فأصبحوا لا أمل لهم إلا فى حكومتهم التى هى أحق الناس برحمتهم، فكيف نترك هؤلاء فى الثغور يقتلهم الجوع و العطش، لو كان فى ينبع أو فى الوجه برق لخابرت الحكومة فى شأنهم كما خابرتها بجدّة فى شأن بعض الفقراء فأذنت لى فى سفرهم معنا و قد حتمت علىّ الشفقة و الرحمة أن آخذ معى من ينبع من استطعت و لا أخال حكومتنا إلا مشجعة لى على الرحمة بابن السبيل و حمله الى بلده بل لا أظنها إلا مخولة- إن شاء اللّه- لأمير الحج أن يحمل معه من يجد من الفقراء أو المنقطعين و على الحكومة بعد حضورهم أن تتعرف حالهم فان كانت تسمح باسترداد ما أنفق عليهم استردته و إلا تركته صدقة على أبناء السبيل الذين لهم فى مال الحكومة حق معلوم حسبما نطق به كتاب اللّه المبين.

صيدلية ملكية- كان يرسل صحبة المحمل صيدلية ملكية خلاف الصيدلية العسكرية و لكنها لم ترسل فى هذا العام و لم نجد الغناء فى الصيدلية العسكرية لقلة الأدوية بها و لقد مرض أحد الضباط بمكة و طلب له الطبيب «حراقة» فلم نجدها فى هذه الصيدلية و اضطررنا أن نشتريها من مكة بستة عشر قرشا صحيحا مع أن قيمتها فى مصر قرش واحد على أنا نحمد اللّه أن كان المرض بمكة و وجدنا المطلوب و ماذا كنا نصنع لو كان ذلك بالطريق؟ أكنا نترك المريض فريسة لمرضه حتى يستل حياته من بين جنبيه؟ أم ماذا نفعل؟ لقد أكدت على الحكومة فى تقريرى أن ترسل هذه الصيدلية كما أرسلتها فى سنة 1902 و أن تخصص لها جملا يحملها و يحمل ممرضا معها و تكون فى عهدة الصيدلى العسكرى، و قد أجابتنى الحكومة الى طلبى و أرسلت الىّ كتابا بذلك فى 19 شوال سنة 1321 ه. بعد أن عينت أميرا للحج فى طلعة هذا العام.

49

ختام التقرير- و قد ختمت تقريرى بالثناء على ضباط المحمل و موظفيه و شكرت لهم صادق خدماتهم و إخلاصهم فى أعمالهم و لا سيما أمين الصرة مهدى بك أحمد، فانه بهرنا أدبه و كمال خلقه و لين عريكته و مساعدته لنا فى الأمور الهامة (1) و خليق بالحكومة أن تقدر أمثاله قدرهم و توفيهم قسطهم من العناية و الرّعاية.

(انظر الرسم 209) و كذلك شكرت للضباط و الجنود العثمانيين الذين كانوا طوع بناننا و أحرص الناس على مصلحتنا و سرعان ما كانوا يتسلقون الجبال اذا شموا رائحة تحرش بنا، هذا الى ما هم عليه من البسالة و الإقدام و كرم الخلق. هذا ملخص التقرير نتبعه بالجدول الآتى:

____________

(1) و قد توفى مهدى بك بعد رجوعنا بسنتين و نرى قضاء لحق الصحبة و واجب العشرة و اعترافا بالفضل لذويه أن نذكر كلمة وجيزة فى تاريخ حياته فنقول: ولد (رحمه اللّه) سنة 1845 م. بزاوية أبى شوشه بمركز الدلنجات فى البحيرة و لما ارتقت معلوماته التحق بخدمة الحكومة فى نظارة المالية سنة 1861 ثم عين صرافا لجيب المغفور له سعيد باشا و رحل معه الى الأراضى الحجازية و حظى بزيارة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم). و فى سنة 1871 عين فى لجنة المقابلة فى الاسكندرية. و فى سنة 1876 عين أمينّا لصندوق الدين العمومى إبان إنشائه. و فى سنة 1884 م. اختير فى لجنة توزيع أطيان الترعة النوبارية التى لم تكن فى حوزة أحد و ذلك فى عهد الخديو توفيق باشا. و فى سنة 1891 عين أمينا لصرة المحمل تحت إمرة اللواء محمد نصحى باشا. و فى سنة 1903 اختير معنا للوظيفة نفسها فرأينا منه ما أنطق لساننا بالثناء عليه و ما زال أمينا لصندوق الدين حتى توفى فى 11 يناير سنة 1905 م. بعد أن خدم بلاده ثلاثة و أربعين عاما أو تزيد كان فيها مثال الجد و الأمانة بل الرقة و اللطافة، و لقد أعجب به ممثلو الدول الأوربية إذ رأوا فيه رجلا مقداما يمثل الإباء و العزة و إن يكن شبل أشبه بأبيه فذلك نجله إبراهيم مهدى بك الأمين الحالى لصندوق الدين. رحم اللّه أباه الرحمة الواسعة، لخصنا هذه الترحمة من كتاب بعث به الينا السيد افندى فهمى صهر النجل فى 31 ديسمبر سنة 1923.

50

جدول خط السير من مصر الى الحجاز ثم الى مصر سنة 1320- 1321 ه (1903 م)

من/ الى/ التاريخ/ مدّة السير/ المياه/ معلومات عامة

دقيقة/ ساعة

القاهرة/ السويس/ 16 القعدة سنة 1320 14 فبراير سنة 1903/ 15/ 7/ ماء ليل بالقطار/ السير بالسكة الحديدية المصرية.

السويس/ الطور/ 17 القعدة سنة 1320/ 15/ 16

الطور/ جدّة/ 23 و 24 و 25 و 26 منه/ 15/ 73/ ماء ليل بالباخرة/ السير بالباخرة بسرعة 5 و 7 أميال فى الساعة.

جدّة/ مكة/ 29 و 30 منه/ 35/ 18/ بالطريق آبار كثيرة/ السير على متون الإبل، تقدّم وصف الطريق.

مكة/ عرفات/ 8 ذى الحجة/ 35/ 5 عرفات/ مزدلفة/ ليلة 10 ذى الحجة/ 50/ 1 مزدلفة/ منى/ يوم 10 ذى الحجة/ 30/ 1 منى/ مكة/ يوم 10 ذى الحجة/- 2 مكة/ منى/ يوم 10 ذى الحجة/- 2 منى/ مكة/ يوم 12 ذى الحجة/-/ 2// مياه عذبة من عين زبيدة/ السير على متون الابل، تقدّم وصف الطريق.

مكة/ جدّة/ يوم 25 ذى الحجة/ 40/ 17/ آبار/ السير على متون الابل، تقدّم وصف الطريق.

جدّة/ ينبع البحر/ 29 ذى الحجة و 1 المحرم سنة 1321/ 20/ 24/ ماء نيل بالباخرة/ السير بالباخرة بالسرعة السابقة.

ينبع البحر/ مبيت بالطريق/ 4 المحرم/-/ 9/ بعد 5 ساعات آبار المسيحلى ماؤها قليل العذوبة/ بالطريق بعض نخلات و بعض حشائش و شجر سنط و الأرض صالحة للزراعة بعد مسير خمس ساعات و الطريق ميدان واسع رملى.

المبيت/ آبار سعيد/ 5 المحرم/-/ 9/ آبار سعيد عذبة الماء عمقها ثمان قامات/ بالطريق مضيق الفجيج ثم بطن العذيبة التى تتجمع فيها الأمطار و السيول ثم شجر كثير ثم عقبة لاتسع سوى قطارين و بآبار سعيد لصوص.

آبار سعيد/ الحمرة/ 6 المحرم/ 25/ 7/ بالطريق بئر نويفع و بالحمرة عين كعين زبيدة/ الطريق حجرى شامخ الجبال. عقبتان الأولى مسيرة 55 دقيقة، و الثانية مسير ساعتين لا تسع إلا جملا و تسمى نقر الفار و بعدها ميدان واسع و تباع خضراوات بالطريق‏