النفحة المسكية في الرحلة المكية

- عبد الله بن حسين السويدي البغدادي المزيد...
357 /
5

المؤلف و كتابه‏

الفصل الأول سيرته‏

أسرته:

منذ عهود غابرة لا يعلم مبتدأها، نشأت على كهف ذي صخور و حجارة في ضفة دجلة اليسرى، قرية صغيرة عرفت بالدور، و سرعان ما زهت هذه القرية و ازدهرت بمن سكنها من قبائل العرب، حتى عرفت بدور عربايي، أو دور العرب، تمييزا لها عن قرى أخرى كانت تحمل اسم الدور أيضا. (1) و شهدت البلدة ذروة عزها في الحقبة التي انتقلت فيها الخلافة العباسية إلى سرّ من رأى، حيث لم تبعد هذه الحاضرة الفخمة عنها غير ثلاثين كيلومترا أو أقل، و بنمو سرّ من رأى و اتساعها الهائل، أضحت (الدور) معدودة ضمن ضواحيها، و كثيرا ما ورد اسمها، في أخبار القرن الثالث الهجري (9 م) بوصفها جزءا من معالم الحاضرة نفسها (2) و عرفت يومذاك ب (دور سرّ من رأى).

و نبغ فيها، في القرون التالية، عدد من أهل العلم و الحديث، الذين لقوا من أهلها العناية و الرعاية، و استرعى وجود هذه الحركة العلمية فيها اهتمام بعض أمراء الدولة، فأنشأ أحدهم مدرسة علمية فخمة و مسجدا عند ضريح الإمام محمد الدوري، الذي يظن أنه محمد بن موسى بن جعفر «و كان شيخا ظريفا يتعاهد الصوفية و أصحاب الحديث» و توفي بعد سنة 300 بقليل. (3) و ما تزال بقايا هذه المدرسة العلمية موجودة حتى اليوم، تذكّر الناس بما كان‏

____________

(1) ياقوت: معجم البلدان ج 2 ص 480 (دار صادر) و الخطيب: تاريخ بغداد ج 3 ص 167.

(2) انظر مثلا الطبري: تاريخ الرسل و الملوك (دار المعارف بمصر) ج 9 ص 280، 246، 383، 269، 379، 389، 402، 444، 446، 450، 459، 462.

(3) الخطيب: تاريخ بغداد ج 3 ص 167.

6

للبلدة من شأن علمي خطير في تلك العهود. (1) و لم تعدم البلدة، حتى في عهود التأخر التي رانت على البلاد، تميزها برعاية الحركة العلمية، فوردت إشارات مهمة إلى وجود «جوامع قديمة» و «معاهد علمية» (2) فيها، حتى عرفها بعضهم «بقرية العلماء». (3)

إلّا أن ظروفا متنوعة قاسية أدّت إلى أن تفقد البلدة رونقها و عزّها، فأخذ بعض أسرها بالنزوح عنها إلى بغداد. و يذكر عبد الرحمن حلمي، و هو مؤرخ بغدادي دوري الأصل، إن من تلك الظروف «تحول النهر عنها، و بقاء أراضيهم لا يصعدها الماء غير صالحة للزرع و الحراثة». كما يذكر أنّ ما دعا أهلها إلى هجرها «ما لحقها أيضا من مظالم الحكام» فضلا عن غارات العشائر عليها و على ما يليها، إلى حد أنه «لم تبق حرفة لمحترف» (4)، و لا يحدّد هذا المؤرخ، الذي وضع تاريخه في أواخر القرن الثالث عشر الهجري (19 م) زمن حدوث تلك الهجرة، و من الراجح عندنا أنها بدأت بالحدوث منذ أوائل القرن التاسع الهجري (15 م) و استمرت حتى القرن الثاني عشر (18 م). و يفهم مما ذكره الرحّالة الفرنسي تافرنييه الذي مرّ بالبلدة في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، أنها لم تكن في أيامه إلا «مزارا» يؤمه الناس لزيارة ضريح دفينها الإمام محمد الدوري من أجل الدعاء و النذور». (5)

____________

(1) كشف عن أسس هذه المدرسة في أثناء أعمال الصيانة للضريح. انظر مخططها في عطا الحديثي و هناء عبد الخالق: القباب المخروطية في العراق (بغداد 1974) ص 23.

(2) عبد الرحمن حلمي العباسي السهرودي: كتاب في تاريخ بغداد حققناه و نشرناه بعنوان «تاريخ بيوتات بغداد في القرن الثالث عشر للهجرة (بغداد 1997) ص 87.

(3) مجلة لغة العرب ع 12 (السنة 1: 1912) ص 470

(4) عبد الرحمن حلمي: المصدر السابق ص 87.

(5) العراق في القرن السابع عشر كما رآه الرحالة الفرنسي تافرنييه، ترجمة بشير فرنسيس و كور كيس عواد (بغداد 1949) ص 74

7

و في بغداد اختار الدوريون النازحون إليها الإقامة في أقصى جانبها الغربي، بين علاوي الحلة و سوق العجمي‏ (1) مؤلفين هناك محلة صغيرة نسبت إليهم‏ (2) و تدريجيا، أمست هذه المحلة موئلا لكلّ أسرة دورية آثرت أن تقيم في بغداد على مدى القرون الثلاثة الأخيرة.

و كانت من الأسر العريقة في بلدة الدور، أسرة نبيلة تنتمي إلى السلالة العباسية، و لذا فقد اشتهرت بآل الخليفة (3) ثم عرفت بآل مدلل، نسبة إلى جد لها يدعى محمد بن الحسين، و يعرف بالمدلل، و هو لقب يدل على ما كانت عليه الأسرة في أيامه من عزّ و تقدير.

و على الرغم من عدم معرفتنا بتاريخ الأسرة في هذه الحقبة إلا أنّنا نرجح أن يكون محمد المدلّل هذا قد عاش في أواخر القرن الثامن الهجري (14 م)، و لا نعلم ما إذا كان هو أول من أقام في (الدور) أم أن أسرته كانت موجودة فيها منذ عهد سابق و أن تلقب الأسرة كلها- فيما بعد- بلقبه (المدلّل) و ربما رجح الرأي الأول، و الله أعلم.

و على أية حال، فقد أنجب محمد ولدا سماه أحمد أو حمد. و أنجب الأخير ولدا دعاه علي، على اسم أبي جده، و كان لعلي ولد سماه حسينا، على اسم أبي جده أيضا، و يظهر أنه عاش في النصف الأول من القرن العاشر الهجري (6 م)، و ولد لحسين ولد دعاه بناصر الدين، (4) و لأمر ما، ربما اتصل بما ذكرناه من تدني الأحوال المعيشية و الزمنية في (الدور)، غادر ناصر الدين هذا موطن آبائه و أجداده في أواخر القرن المذكور، ميمما شطر مدينة

____________

(1) انظر عن موقع هذه المحلة، أحمد سوسة: أطلس بغداد (بغداد 1954) ص 20.

(2) و قد دخل معظم هذه المحلة اليوم في أرض شارع حيفا الجديد بما يحف به من عمائر حديثة.

(3) شجرة آل السويدي (مخطوطة لدى المؤلف).

(4) اعتمدنا في هذه المعلومات النسبية على ملاحظات مدونة على شجرة السويديين الخطية المحفوظة نسختها المصورة لدينا، و تبتدى‏ء هذه الشجرة بعبد الله السويدي فمن الطبيعي ألا تذكر الأولاد الآخرين لآبائه و أجداده، و هم الذين ظلوا في الدور و لم ينزلوا بغداد مثله. و قد عد أفراد هذه الأسرة، أو العشيرة، في أوائل القرن العشرين ب (60) رجلا، يتولى زعامتهم عبد الله الرشيد. انظر مجلة لغة العرب 12 (1 [بغداد 1912]) ص 471.

8

السلام بغداد. و كان أول ما فعله فيها، أن وثّق لدى نقيب أشرافها نسب أسرته، فكان على النحو الآتي:

ناصر الدين بن الحسين بن علي بن حمد بن محمد المدلل بن الحسين بن علي بن عبد الله ابن الحسين بن علي أبي بكر بن الفضل بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن اسحاق ابن جعفر بن أحمد بن الموفق طلحة بن جعفر بن محمد بن الرشيد بن محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي. (1)

و قد صادق النقيب و القاضي و المفتي و سائر العلماء على صحة هذا النسب و وضعوا تواقيعهم عليه، و بذلك أيضا وضعوا بداية مرحلة جديدة لتاريخ هذه الأسرة.

أقام ناصر الدين هذا في الكرخ ببغداد، مما دل على وجود محلة الدوريين في هذا الجانب منذ ذلك الحين على الأقل، و ولد له فيها ولد ذكر سماه مرعي، فولد لهذا بدوره حسين، و قد عرف الأخير ب (الملا) مما دل على أنه كان يعمل بمهنة تعليمية دينية، و يظهر أنه حاز، وراثة أو اكتسابا، ثروة لا بأس بها، لكنه أنفقها كلها على مستلزمات مركزه الاجتماعي بوصفه رئيس عشيرته و مقدمها. يقول عبد الله السويدي «أما أبي حسين فكان من الأخيار الأجواد، ذا عقل رصين و شجاعة و براعة، كبير قومه و عشيرته، يرجع أمرهم إليه .. و كان ذا مال غزير صرفه كله على الفقراء و الضيوف و الضعاف حتى افتقر آخر عمره، فكان يبيع من متاع البيت و يصرفه على الفقراء و الضعاف حتى مات مدينا». (2)

____________

(1) ذكر كاظم الدجيلي أنه رأى نسخة هذا النسب الأصلية عند يوسف أفندي السويدي و تاريخ كتابتها يرتقي إلى سنة 975 ه/ 1567 م و هي موقعة بتواقيع جماعة من العلماء المشهورين في عصرهم، منهم الشيخ عبد الرحمن الرحبي مفتي الشافعية في بغداد، و منهم محمد السعيد القادري (نقيب الأشراف) المولى الحكم (أي القاضي) ببغداد محمد رشيد و الشيخ علاء الدين الموصلي و الشيخ عبد الله الناصري، و غيرهم. مجلة لغة العرب (1912) ص 219.

(2) النفحة المسكية في الرحلة المكية. الورقة 3 (نسخة المتحف البريطاني المرقمة 23385) و سنعتمد هذه النسخة في جميع الإحالات المقبلة.

9

و تزوج حسين من امرأة من أسرة علمية أيضا، كانت تتولى المشيخة و الخدمة في جامع الشيخ معروف الكرخي، القريب من محلة الدوريين، و قد اشتهر منهم الملّا أحمد بن سويد أخو زوجته المذكورة، الذي كان يتولى أوقاف جامع الشيخ معروف الكرخي.

طفولته و صباه:

و في إحدى ليالي سنة 1104 ه/ 1692 م، ولد للملّا حسين طفل ذكر سموه مرتضى، و كانت تسميته هذه بسبب وفاة وليد سابق عليه، و ما لبث شبح الموت أن داهم مرتضى أيضا، فمرض و هو ما زال رضيعا بعد، و اشتد مرضه حتى بات «عظاما في جراب»، (1) و صادف أن رأته إحدى نساء الجيران و هو على تلك الحال، فشبهته ببعض من تعرفه من مجاوريهم، و كان نحيفا في غاية النحافة، يدعى (عبد الله) فلم يكن إلا أن ذاع هذا التشبيه، و لأمر اختاره الله، عرف الطفل بهذا الاسم، و نسي اسمه السابق مرتضى، و سرعان ما اقتنعت الأسرة بمزايا الاسم الجديد «و ذلك لأن الله تعالى خاطب نبيه ((صلى الله عليه و سلم)) في أشرف المقامات بالعبد فقال في مقام الوحي، فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ .... (2)

و لم يلبث الطفل أن رزي‏ء- و هو ما يزال في الخامسة من عمره- بوفاة أبيه، تاركا وراءه أطفاله الصغار، عبد الله و مرعي و موسى، و حليمة، و ديونا لم يكن قد وفّاها لأصحابها، فاضطرت الأم إلى أن تعيل أسرتها وحدها، متحملة من المشاق أشدها، و كانت تنفق عليهم من بيع ما تقوم بغزله من قطن، و لم يكن ما تحصل عليه بكاف لسد حاجات الصغار الذي باتوا- على ما يذكر السويدي- «لحما على و ضم، لا حال و لا مال». و شاء سوء حظ الأسرة، أن يكون الخال أحمد بن سويد الصوفي، غائبا آنذاك في رحلة له إلى‏

____________

(1) المصدر نفسه، الورقة 2

(2) المصدر نفسه، الورقة 2

10

القسطنطنية، فقضت- من ثم- أياما عصيبة- و ربما شهورا- حتى عاد الخال من رحلته، ليجد أولاد أخته و هم «على آخر رمق» (1) فكفلهم و ربّاهم و تعهدهم برعايته.

و لأنه كان مثقفا بحسب ثقافة ذلك العصر، و يعمل في إدارة أحد المرافق الدينية المهمة في المدينة، و يكسب رزقه من أوقافه، فإنّه أدرك ألا سبيل لأن يفوز من يرعاهم بتقدير المجتمع، و أن يضمنوا- بذلك- مستقبلهم، إلا بالاتجاه إلى طلب العلم، و من هنا فقد أرسلهم إلى الكتّاب، حيث تلقوا- و عبد الله بينهم- مبادئ العلوم الدينية على يد الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمود من أهل ما وراء النهر، فختموا عنده القرآن الكريم، و تلقوا عليه رسالة في التجويد، و تعلموا الكتابة.

و يتضح لنا مدى الأثر الذي تركه هذا الشيخ على الطفل عبد الله، مما أغدقه عليه من صفات، و ما استنزله عليه من رحمات، إذ قال «شيخنا الصالح الناسك الورع التقي العالم ..

(رحمه الله) رحمة واسعة في الدين و الدنيا».

و بعد الفراغ من تلقي مبادئ المعرفة، انتقلوا- و عبد الله بينهم- إلى المرحلة التالية، فشرعوا بتعلم الخط، على قواعده، و أصوله و فنونه، و ثابر عبد الله على إتقان ضروبه، و التمهر فيه، على الرغم من ضيق و أحوال أسرته المادية آنذاك، يقول «إلى أن بقيت أسوّد مشقي على ضوء القمر» و ما ذاك إلا لأنه عدم ضوء المصباح، و لعدم قدرته على دفع ثمن وقوده، و يظهر أن الظروف المعيشية للأسرة، هي التي دفعتها، في هذه المرحلة، إلى الاكتفاء بما نهله أبناؤها من أسباب المعرفة، فاشتغلوا بأعمال تزيد من دخل الأسرة و تخفف عن كاهل الأم و أخيها مؤونة الحياة و أعباءها.

متاعب الدرس:

بيد أن رغبة عبد الله في مواضلة التعليم لم تكن اعتيادية، فقد ذاق حلاوة المعرفة،

____________

(1) المصدر نفسه الورقة 4.

11

و أعجب بما تضفيه على رجالها من هيبة و سكينة، و تاقت نفسه إلى الاستزادة من علومهم، و لكن رغبته هذه لم تكن تلقى آذانا صاغية من أمه، التي كانت ترجو أن يتولى- بوصفه أكبر أبنائها- دوره في إعالة الأسرة. و يظهر أن أكثر من مشادة قد حدثت بين الابن الطموح و الأم المحدودة الأفق حول جدوى العلم و التعلم، و قد سجل هو لنا بعض ما كان يدور بينهما فقال «و كانت والدتي- رحمها الله تعالى- بلهاء، و كان نساء المحلة يضحكن عليها، يقلن لها: ايش ينفعك العلم و أنت امرأة أرملة و ابنك الكبير لا يساعدك في شي‏ء فكانت رحمها الله تقول: يا ولدي نحن فقراء و أنتم أيتام، هب أن عمّك يطعمك فمن يكسوك؟ و أنا لا أصغي لها حتى ألّحت عليّ في ذلك و قطعت كسوتها عني، كل هذا نشأ عن بلهها، و إغواء نساء الجيران إياها، و إلا فهي في حد ذاتها مباركة رحمة الله عليها». (1) و هكذا تحولت أيام الطلب إلى أيام معاناة و ألم و صبر، بحيث لم يجد ما يشتري به شمعا أو شيرجا لمطالعة دروسه، فكان يطالعها على ضوء القمر، أو على سرج السوق، و بقي- كما يقول- مدة مديدة ما أكل فيها لحما، و كان يلبس الثوب فلا يخلعه حتى يتمزق لعدم حصوله على الصابون، و يطول شعر رأسه فلا يجد ما يحلقه به، يقول ملخّصا تلك المدة العصيبة من حياته «و الحاصل أني وجدت أيام الطلب من المشاق و الجوع و السهر و العري و الإفلاس ما لا طاقة به لولا إسعاف الله و لطفه، و كنت مع هذه المشاق أجد للطلب لذة عظيمة». و وجد عبد الله في خاله ما يعوضه عن موقف أمه غير المتفهم، فقد شجعه هذا على المضي في سبيل العلم، و مواصلة الأخذ عن الشيوخ، فبعد أن أنهى دراسته في كتّاب الشيخ عبد الرحمن، و أتقن الخط، أرسله خاله إلى عالم الكرخ يومذاك «الشيخ العالم النحرير و الجهبذ الشهير، تذكرة السلف، و عمدة الخلف، زين الملة و الدين، الشيخ حسين نوح الحديثي الحنفي‏ (2)» و كان هذا العالم يتولى التدريس في المدرسة العمرية التي أنشأها له‏

____________

(1) المصدر نفسه الورقة 5

(2) المصدر نفسه و الصفحة.

12

خصيصا والي بغداد عمر باشا 1090 ه/ 1679 م، و تقع على كتف دجلة في الجانب الغربي شرقي جامع القمرية ملاصقة له، (1) فانتظم الشاب عبد الله في سلك طلبة المدرسة، و ربما استعان ببعض مخصصاتها على مواصلة التفرغ للعلم، و ساعده ذلك التفرغ، مع ما أوتي من مواهب، على النبوغ في دراسته و التفوق على الأقران، و امتثالا لتعليمات شيخه، فقد حفظ الأجر و مية متنا مع إعراب أمثلتها و أتقنها غاية الإتقان، و بات موضع اعتزاز شيخه و ثنائه، و شجّعه ما حصل عليه من تقدير على الانتقال إلى شيوخ آخرين، يأخذ عنهم و يستفيد منهم، فتنقل بين مدارس بغداد الشهيرة يومذاك، و يبدو أنه ترك، في هذه المرحلة من حياته، الإقامة في بيت أمه نهائيا، و أمسى يبيت في المدرسة المرجانية في الجانب الشرقي من بغداد، و هي أكبر مدارس بغداد و أكثرها أهمية، ثم ما لبث أن انتقل للإقامة و الدرس في المدرسة الأحسائية على شاطى‏ء دجلة في الجانب الشرقي أيضا، و كانت هذه المدرسة تحتوي على غرف بعضها مطل على النهر، و بعضها في الجهة الشمالية، و هي تعد مجمع الزّهاد و المتقشفين. (2)

تاقت نفس عبد الله الكبيرة إلى الاستزادة من علوم عصره، و مواصلة رحلة الدرس و البحث، و يبدو أنه أدرك أن لا مزيد هناك إن هو أقام في بغداد وحدها، فما فيها من شيخ‏

____________

(1) و قد عرفت هذه المدرسة باحتوائها على خزانة عامرة بالكتب، و وصفها السيد محمود شكري الآلوسي بقوله «و كانت في هذه المدرسة حديقة مشتبكة الأغصان، و خزانة كتب يعجز عن وصفها لسان التحرير، و هي اليوم خراب، لا مدرس و لا طلاب و لا تقرير و لا كتاب» (مساجد بغداد و آثارها، بغداد 1925، ص 135) و قد جددت هذه المدرسة سنة 1319 ه/ 1901 م، على يد (الحاج عبد القادر البحرية) كما نطقت بذلك الكتابة القاشانية البديعة التي كانت مثبتة في مدخلها، و جعلتها وزارة الأوقاف مدرسة أولية للصغار الناشئين، إلا أنها أزيلت تماما عند تجديد جامع قمرية الأخير سنة 1971- 1972 م.

(2) و هي التي أقام فيها، فيما بعد، الشيخ خالد النقشبندي، مجدد الطريقة النقشبندية في العراق، فقام والي بغداد سعيد باشا بتجديدها و تحويلها إلى تكية نقشبندية سنة 1231 ه، باسم التكية الخالدية، و لما تزل قائمة حتى يومنا هذا. انظر الآلوسي، محمود شكري: مساجد بغداد و آثارها ص 26- 27.

13

و عالم إلّا و التقى به و أخذ عنه، فضلا عن أن ثمة علوما لم يجد بين البغداديين في أيامه، من تخصص بها أصلا، و هكذا فقد استجمع أمره على الرحلة إلى الموصل لمواصلة دراسته على علمائها، كان عمره إذ ذاك قد تجاوز الثالثة و العشرين.

و في سنة 1127 ه/ 1716 م سافر عبد الله إلى مدينة الموصل بهدف «تحصيل علم الحكمة و الهيئة»، و لكنه، ما إن وصلها، و التقى بشيوخها، حتى أخذ بإكمال سائر ما درسه من علوم أخرى و هو في بغداد، مثل النحو و علوم العربية، و العلوم الشرعية و العقلية، كما درس الهيئة (الفلك) و تلقى الحديث الشريف على المشايخ، و قراءة القرآن و تجويده. و لم تكن أحوال الشيخ في الموصل بأفضل مما كانت عليه في بغداد، فقد داهمه الجوع و البرد، و ألفه الفقر، و لم يكن له في الموصل من معين، و الظاهر لنا أنه كان يتقوت من مخصصات بعض المدارس هناك، و ربما أقام فيها، يقول واصفا تلك المرحلة من حياته «و الحاصل أني نلت في طلب العلم نهاية التعب و غاية النصب مع عدم المساعدة و المعين و الناصر و الظهير حتى حصلت على أكثر الفنون من سائر العلوم» (1) و قد استغرقت إقامته في الموصل ثلاثة عشر شهرا، فتكون عودته إلى بغداد بين عامي 1128 و 1129 ه/ 1717- 1718 م.

استقراره الاجتماعي:

عاد عبد الله إلى بغداد و قد حصل من العلم ما لم ينله غيره من معاصريه، فطار صيته، و اشتهر أمره، و نال في هذه المرحلة من حياته لقبه الشهير (السويدي) الذي سيعرف به، و أولاده من بعده، أجيالا عديدة. و سبب تلقبه به، هو أن زميلا له في الدرس، يدعى الشيخ حسين بن عمر الراوي سافر ذات مرة إلى (راوة) بقصد زيارة أهله، فأخذ يراسل عبد الله من هناك على العنوان الآتي «يصل الكتاب إلى الملا عبد الله ابن أخت الملا أحمد بن سويد»، ثم اختصر ذلك، في ما بعد، إلى (السويدي) فعرف به. و كانت أسرته تعرف قبلها بأولاد

____________

(1) النفحة المسكية الورقة (6)

14

مرعي نسبة إلى جده، كما عرف هو- في أثناء إقامته في الموصل- بالبغدادي، على أن هذه الألقاب لم تشتهر شهرته بالسويدي.

و يبدو أن شيئا من التحسن أصاب أحواله المادية، فقد استطاع أن يتزوج من امرأة صالحة، تدعى فاطمة، شجعته على المضي في طلب العلم. و منّ الله عليه منها بأولاد نابهين، ولد أولهم عبد الرحمن سنة 1134 ه/ 1721 م، و ولد ثانيهم محمد سعيد سنة 1141 ه/ 1728 م، و ولد ثالثهم إبراهيم سنة 1146 ه/ 1733 م، و ولد رابعهم أحمد في سنة 1153 ه/ 1740 م و بابنتين هما سارة، ولدت سنة 1150 ه/ 1737 م، وصفية، و قد ولدت سنة 1155 ه/ 1742 م.

و انتقل عبد الله من مسكنه القديم في محلة الدوريين، إلى دار أخرى- يظهر أنها كانت أحسن حالا من سابقتها- في محلة خضر إلياس من محال الكرخ القديمة من بغداد، و كانت الدار قريبة من دجلة، مطلّة عليه، و مشرفة على الفضاء الواسع الذي يحيط بالكرخ آنذاك، و الذي كان محط القبائل العربية النازلة للاكتيال، و كان هذا الحي يمتاز- على نحو واضح- بصبغته العربية الخاصة، حيث كان موطنا للأسر العربية الكبيرة النازحة إلى المدينة من البادية، أو من أطرافها، مثل آل الشاوي زعماء قبيلة العبيد القحطانية و كانت دورهم مجاورة تقريبا لدار أسرته، و الآلوسيين الحسينيين الذين كانوا قد نزحوا من بلدتهم آلوس على الفرات منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، (1) و العشاريين القحطانيين القادمين من نواحي الفرات الأعلى قبل ذلك، (2) و غير هؤلاء. و كانت إقامة تلك الأسر النازحة في حي واحد، و تعرضها إلى ظروف متشابهة، يساعد على خلق روح جماعية

____________

(1) نعمان خير الدين الآلوسي: حديقة الورود (مخطوط).

(2) ديوان العشاري، بتحقيق د. عماد عبد السلام رؤوف، و وليد الأعظمى، مقدمة التحقيق (بغداد 1977) ص 6

15

مترابطة، (1) و هي روح أثرت إلى حد عميق في شخصية السويدي، و ابنه المؤرخ الأديب عبد الرحمن، إلى الحد الذي رشح الأول إلى تمثيل أهل بغداد في مؤتمر النجف سنة 1156 ه/ 1743 م و دفع الثاني إلى تزعم أهل حيّه في عدد من المناسبات و الظروف، و خاصة ما اتصل منها بفتنة عجم محمد سنة 1190 ه/ 1776. (2)

دوره في الحياة العامة:

و تزامن ذيوع شهرة عبد الله السويدي في بغداد، مع تولي أحمد باشا بن حسن باشا (1136- 1160 ه/ 1723- 1747 م) الحكم. و سرعان ما اتصل نجمه بنجم أحمد باشا الصاعد، و كان الأخير يرغب في تقريب العلماء و الأدباء إليه، رغبة منه في خلق مجتمع بغدادي مثقف، يسانده في مشاريعه و خططه، كما رأى فيه هؤلاء نموذجا جديدا لحاكم عراقي طموح لم تشهد البلاد مثله منذ أمد بعيد، فنشأت بين الباشا و الشيخ صداقة وثيقة، كان من آثارها عدد من القصائد الطوال التي مدح بها الأخير واليه، و أرّخ فيها الأحداث العامة المهمة التي جرت في عهده‏ (3) و جاء اندلاع الحرب العثمانية- الإيرانية سنة 1135 ه/ 1732 م لتؤجج مشاعر العراقيين و تذكيها، فقد اندفعت قوات عراقية كبيرة، بقيادة والي بغداد حسن باشا، إلى داخل إيران مفتتحة كرمنشاه و مدنا إيرانية أخرى، منهية بذلك عهدا كاملا مليئا بأنواع الاعتداءات الإيرانية على أرض العراق، و كان تولي أحمد

____________

(1) كان وجود دجلة بين الجانبين يعد حاجزا طبيعيا بين السلطة العثمانية المتمركزة في السراي بالجانب الشرقي، و زعامة هذه البيوتات و القبائل العربية في الجانب الغربي، مما جعل قبضة الحكومة ضعيفة إلى حد كبير على الجانب الأخير، و هو وضع استفادت منه تلك القوى في تأكيد أهميتها و تزعمها.

(2) انظر تفاصيل هذا الدور في عبد الرحمن السويدي: تاريخ حوادث بغداد و البصرة (بتحقيقنا، بغداد 1978) ص 79.

(3) انظر ديوان عبد الله السويدي ص 15، 14، 47، 46، 23، 22، 21، 19، 20، 18، 17، 16 (مخطوط) و حديقة الزوراء الأوراق 128، 101، 86، 157، 136، 143، و 160 (نسخة المتحف البريطاني برقم 23385).

16

باشا، ولده، قيادة القوات المحاربة سنة 1136 ه/ 1723 م و نجاحه في فتح همذان عاصمة الصفويين آنذاك، مدعاة لفخر العراقيين الذين أسهموا، بصيغ مختلفة، في تحقيق هذا النصر الباهر. و قد أبدى السويدي إعجابه بقابليات الوالي الشاب القيادية و تابع أخباره باهتمام شديد، و كانت له آراؤه فيما جرى يومذاك من أحداث، و قد نقل ابنه عبد الرحمن عنه آراء سديدة في تفسير ما تعرّض له الجيش العثماني من نكسات. (1)

و حينما حاصر نادر شاه بغداد صيف سنة 1145 ه/ 1732 م لم يتخل السويدي و أسرته، عن دوره في الدفاع عنها، فقد كانت خطة المهاجمين تعتمد على إحداث حركة تطويق على الجانب الغربي من بغداد، و هو أمر أدى إلى قيام أهل هذا الجانب بتحصين جانبهم على عجل. و لما كانت دار السويدي تطل على الفضاء القريب، خارج السور، فقد خرج هو و رجال عشيرته لصد المهاجمين و إفشال تعرضهم على تلك الناحية، و شارك الجميع، بحماسة منقطعة النظير، في معركة دفاع باسلة، وصفها ابنه عبد الرحمن- فيما بعد- و كان شاهد عيان لها بقوله «كنت على علية في دارنا مشرفة على محل الوقعة، فانظر إلى الخيل تعثر في الرجال و إلى السيوف تخطف رؤوس الأبطال حتى صار العدو أضعافهم، و كثر فناؤهم فأبصرت خيل عسكرنا (يريد: العسكر العثماني النظامي) ولت على أدبارها، و جدّت في جريها لفرارها، و أبصرت رجالنا ثبتوا ثبات الرجال، و قارعت الأبطال منهم الأبطال، و قاتلوا قتال من لا يريد الحياة، و كثر الرهج من جميع الجهات» (2) فكانت تلك الملحمة مبعث ذكريات وطنية مشتركة ظلت تتردد في أفواه الناس أجيالا متعاقبة. و من ناحية أخرى فإن فشل نادر شاه في اقتحام المدينة الصامدة، و اضطراره إلى الانسحاب منها، كان بشير تحسن في أحوال السويدي نفسه، و إيذانا بتبدل أوضاعه المعيشية و الاجتماعية، فقد لفتت شهرة الشيخ العلمية، و كفاءته الشخصية، انتباه أحمد

____________

(1) حديثة الزوراء 94

(2) حديقة الزوراء 118

17

باشا، صحيح أن السويدي سبق له أن اتصل به مهديا إياه بعض قصائده، إلا أن الأمر لم يزد يومذاك عما يدخل في نطاق صلات الأدباء بولاتهم، أما الآن، فإن نظرة الوالي إليه أخذت طابعا أكثر تقديرا وجدية. و ما أن مضت مدة قصيرة، حتى أمر بتعيينه مفتيا في قصبتي النجف و كربلا، و هو منصب رفيع، و مهم، يومذاك، فغادر الشيخ و أسرته بغداد ليستقر- فيما ظهر- في قصبة كربلا، و ليمضي هناك مدة ثلاثة شهور هانئة «مسرورين بقرب أولئك الأكابر، مغبوطين بأولي الشرف الظاهر». (1)

على أن الأيام لم تمض هانئة سعيدة، إذ سرعان ما تواردت الأنباء بتعرض إيراني جديد على العراق، و اضطر السويدي إلى مغادرة كربلا، مع متوليها، على عجل، صحبة القوات الخاصة بمدينة الحلة، و سلك طريق شفاثة الصحراوي، ليصل، بعد حين، إلى الموصل التي كانت تتمتع بظرف أكثر أمنا، بعد أن استطاعت قواها العسكرية المحلية سنة 1145 ه/ 1732 م أن تلحق هزيمة منكرة بقوة إيرانية أرادت احتلالها. (2)

و بانتهاء الحركات العسكرية، و تقهقر الجيوش الإيرانية، عاد عبد الله السويدي إلى كربلاء ليتولى وظيفة فيها، و لكنه لم يلبث أن انتقل بأسرته إلى بغداد، ليستقر فيها بصفة نهائية.

و شهدت المدة التالية من حياته نشاطا كبيرا في مجال العلم و التعليم، بل في توجيه الحركة الفكرية في بغداد يومذاك، فقد تقلّد أرفع المناصب العلمية، إذ تولى التدريس في مدرسة جامع الإمام أبي حنيفة النعمان، (3) فكان ثاني من درّس فيها بعد إعادة افتتاحها في منتصف القرن الثاني عشر الهجري (18 م)، (4) كما تولى التدريس أيضا في المدرسة

____________

(1) حديقة الزوراء 124

(2) محمد أمين بن خير الله العمري: منهل الأولياء 1/ 147 (بتحقيق سعيد الديوه‏جي، الموصل 1968) و ياسين بن خير الله العمري: الدر المكنون ص 588 (نسخة المكتبة الأهلية بباريس برقم 4949).

(3) محمد خليل المرادي: سلك الدرر 3/ 85

(4) الخطاط وليد الأعظمي: مدرسة الإمام أبي حنيفة تاريخها، و تراجم شيوخها و مدرسيها (بغداد 1985) ص 71

18

المرجانية، (1) التي سبق أن تلقى العلم فيها أيام الطلب، و كان التدريس فيها معقودا «لأعلم أهل بغداد». (2)

ثم أنه تولى سنة 1155 ه/ 1742 م التدريس في مدرسة جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني، بعد تجديدها، في المدة نفسها (3) «فانتفعت به الطلبة علما و عملا». (4)

و جاء عدوان نادر شاه الجديد على العراق سنة 1156 ه/ 1743 م ليلقي على كاهل السويدي، و قد بلغ الخمسين من العمر، مسئولية كبرى و مهمة صعبة، ففي ذلك العام قدم نادر شاه إلى العراق «بجحافل متواترة و جنود متوافرة عدد الرمل و الحصى، و بث سراياه و عساكره في تلك الأراضي، فأبقى لحصار بغداد نحو سبعين ألفا (5). و في ظل ظروف حصار قاس طويل، و تحركات معادية مستمرة، انتدب السويدي للسفر- في مهمة شاقة و خطيرة- إلى معسكر نادر شاه، ممثلا للجانب العثماني، في المؤتمر المعقود هناك تحت ذريعة التوفيق بين المذاهب الإسلامية. و قد سجّل لنا السويدي نفسه، يوميات ذلك المؤتمر و ما جرى فيه من جدال و حوار، و ما انتهى إليه هو من نجاح في المهمة التي انتدب من أجلها. (6) و لا نشك في أن اختيار أحمد باشا للسويدي دون غيره من علماء بغداد المعاصرين كان دليلا على الشهرة العريضة التي حققها الأخير، و الإجماع الذي انعقد عليه بوصفه أعلم أهل بغداد و أكثرهم كفاءة و مقدرة على رد الخصوم.

____________

(1) سلك الدرر ج 2 ص 85

(2) إبراهيم الدروبي: البغداديون أخبارهم و مجالسهم (بغداد 1985) ص 316

(3) كتابنا: الآثار الخطية في المكتبة القادرية، الجزء الأول (بغداد 1973) المقدمة.

(4) سلك الدرر ج 3 ص 85

(5) النفحة المسكية الورقة 6

(6) النفحة المسكية الأوراق 8- 55

19

و يبدو أن شعورا غامرا من الرضا عمّ نفس السويدي- بعد فراغه من مهمته الخطيرة- ممتزجا بالحمد و الامتنان لله الذي وفقه فيما فعل، فعزم على حج بيت الله الحرام. و ما إن رفع الحصار عن بغداد في أواخر سنة 1156 ه/ 1743 م حتى كتب- وفق التقليد السائد- طلبا إلى والي بغداد يستأذن فيه للسفر «لأن العادة في بغداد إذا كان لأحد جهة تدريس أو خطابة أو إمامه لا بد له أن يستأذن من والي بغداد» و قد افتتح طلبه بقصيدة دالية وصف فيها شوقه إلى بيت الله الحرام و إلى «تلك الأماكن الشريفة، و البقاع السامية المنيفة». (1) و بعد صدور الموافقة المرجوة، أوكل الشيخ عبد الله في تدريس مدرسة الشيخ عبد القادر الكيلاني ابنه الشاب النابه عبد الرحمن. و غادر بغداد في رحلة طويلة- بحسب مراحل طرق ذلك العصر- إلى مكة المكرمة زار خلالها العديد من المدن و القرى، و التقى في أثناء ذلك بالكثير من العلماء و الأدباء و المشايخ، و هي التي جمع أخبارها في كتابه الذي عنونه (النفحة المسكية في الرحلة المكية) و هو الذي بين يدي القارئ الكريم.

عاد السويدي إلى مدينته بغداد، ليقضي فيها ما تبقى له من العمر، دون أن يغادرها إلى أي بلد فيما نعلم. و لسنا نعلم طبيعة المناصب العلمية التي تولاها بعد استقراره نهائيا في بغداد، و أغلب الظن أنه انصرف، خلال هذه السنين، إلى التدريس و كتابة بعض الرسائل و ربما نظم الشعر أيضا.

شهرته العلمية:

طارت شهرة السويدي و انتشر صيته بما حققه من مجد علمي، و ما صنفه من مؤلفات تلقفتها أيدي الطلبة، و ما رنّت بصوته المنابر و حلقات الدرس، فضلا عما حصل عليه من إجازات العلماء خارج العراق، و اقترن باسمه من توفيق في المهمة التي كلفه بها والي بغداد سنة 1156 ه/ 1743 م، فقصده الطلاب من كل حدب و صوب، آخذين عنه العلم،

____________

(1) النفحة المسكية الورقة 65

20

مستجيزين منه الإجازة، على وفق تقاليد ذلك العصر و أعرافه، و لم يكن مجلسه يخلو من أمثال أولئك الطالبين في كل حين. و في هذا يقول واصفا منزلته الاجتماعية «و صرت- و الحمد لله- بحيث يشار إلىّ بالبنان، و يوقّرني العامة و الأعيان، و ترفع محلي الولاة، و تتمنى رؤيتي القضاة، مسموع الكلمة، نافذ الأمر ... و كل هذا، أيها الواقف على هذه الرحلة- من بركات العلم». (1)

نال السويدي تقدير معاصريه، فوصفه الأديب عصام الدين عثمان بن علي العمري الموصلي (ت 1184 ه/ 1770 م) بأنه «ممن يجلّه الدهر، و يعظّمه العصر، و يقدمه الفخر .. صاحب الأمثال السائرة، و البديهة الغريبة النادرة، و هو النبيه النبيل، الذي ما للوصول إلى كماله سبيل. رجل العراق، و واحد الأدب على الإطلاق، شمس سماء ذلك البلد، الذي لا يدانيه في فضله أحد ... فهو من حسنات الزمان، و ثمار الأمن و الأمان ..

الخ» (2) و تساءل الأديب محمد بن مصطفى الغلامي (ت 1186 ه/ 1772 م): «ما ذا أقول في حقه و قد طارت أجنحة الأخبار بفضله في البلاد كما ملأت الدروب؟» (3) و وصفه المؤرخ محمد خليل المرادي الدمشقي (ت 1206 ه/ 1791 م) بأنه «الشيخ الإمام العالم العلامة، الحبر المدقق الأديب الشاعر المفنن». (4)

و منهم من قصد بغداد خصيصا للأخذ عنه، و الاستفادة من علمه، ذكر الشيخ عبد الرحمن بن عبد الكريم الأنصاري المدني (ت 1195 ه/ 1781 م) في مقامة أدبية أنشأها على غرار مقامة الأمثال السائرة للسويدي، (5) أنه طرق سمعه- و هو في بلده- من يشدو

____________

(1) النفحة المسكية الورقة 17

(2) الروض النضر في ترجمة أدباء العصار 3 (بغداد 1977) ص 380

(3) شمامة العنبر و الزهر المعنبر (بغداد 1977) ص 380

(4) سلك الدرر ج 3 ص 85

(5) نشرت في آخر مقامة (الأمثال السائرة) ص 380

21

«قصائد رائقة، و مدائح فائقة، دلائل الإعجاز تلوح من تراكيبها، و مخايل الإيجاز تضوع من أساليبها، أسرار البلاغة في تلخيص مبانيها، و مفتاح الفصاحة في إيضاح معانيها ...» فاعتقد أن صاحبها «من الفضلاء المتقدمين». و لما حدثه بعض الثقات «ممن جاب البلاد» أن بغداد «مشحونة بالجهابذة النحارير، و الفضلاء المشاهير» استنكر هذا القول، لأنه سبق أن أقام بها، و كان العلم فيها «اسما بلا مسمى» فقيل له إنّه «نبغ فيها جناب العالم النحرير، عديم المثيل و النظير، إن ذكر العلماء فله القدح المعلّى، أو عد الفضلاء كان التاج المحلّى، عضد الملة المحمدية، و ناصر الشريعة الأحمدية، آراؤه صائبة، و أفكاره ثاقبة» يعني بذلك عبد الله السويدي، و قال إنه فرح حين تحقق صحة رواية من أخبره، و انطلق «قاصدا بذلك كعبة الآمال، يقطع الروابي و الوهاد، و الأغوار و الأنجاد» حتى وصل مدينة السلام، ليأخذ على عالمها و ليدرس على يديه، فإذا به «فوق ما يصفه الواصفون بكثير».

و بعد عمر ناهز السبعين سنة قمرية، توفي الشيخ الجليل عبد الله السويدي في ضحوة يوم السبت الحادي عشر من شوال سنة 1174 ه (17 مايس- مايو 1760 م)، فدفن بإجلال يليق بحياته الثرة، و عطائه الجم، و منزلته الرفيعة، في جوار مسجد الشيخ الزاهد، العارف بالله، معروف الكرخي، في مقبرته الكائنة بالجانب الغربي من بغداد. و قد ترك وراءه أربعة من كرام البنين، أحسن تربيتهم و تعليمهم، فضلا عما أورثهم من ذكاء فطري و نباهة، فبرز جميعهم في مجالات العلم و المعرفة، و لم تكن شهرة بعضهم بأقل من شهرة أبيهم، فعبد الرحمن، أبو الخير (المتوفّى سنة 1200 ه/ 1786 م) كان مؤرخا فذا و فقيها و أديبا و شاعرا بارزا، بلغت مؤلفاته نحو اثنين و عشرين كتابا و رسالة، (1) و محمد سعيد، أبو السعود (المتوفّى سنة 1223 ه/ 1808 م) كان فقيها شاعرا أديبا، له مؤلفات و محاورات شعرية، و نال إحدى إجازاته من العالم اللغوي البارع، الشيخ محمد مرتضى بن محمد

____________

(1) ترجمنا له بتفصيل في مقدمة كتابه (تاريخ حوادث بغداد و البصرة) الذي حققناه و نشرناه، بغداد ط 1:

1978 و ط 2: 1987 ص 16- 36

22

الحسيني الواسطي الزبيدي مؤلف معجم (تاج العروس في شرح جواهر القاموس)، (1) و إبراهيم، أبو الفتوح (المتوفّى في الهند، و لم يعرف تاريخ وفاته). و كان محدثا أديبا له تصانيف، و أحمد أبو المحامد (المتوفّى سنة 1210 ه/ 1795 م) و هو الشاعر المؤلف في الأدب و التصوف و غير هما، (2) فكلهم كان مشهودا له بالفضل و الأدب، معروفا بسعة العلم، و إليهم انتهت إجازات العديد من علماء العراق التالين، و على أيديهم تتلمذ كثير من الطلبة و الدارسين، و وصفت أسرته بأنها «واحدة من تلك الأسر العربية الفاضلة التي حفظت لنا تقاليد العلوم الإسلامية القديمة في هذه العصور المظلمة بالنسبة للأدب العربي و مهّدت الطريق لنهضة ذلك الأدب في القرن التاسع عشر». (3)

____________

(1) بحثنا (محمد أمين السويدي، عالم بغداد و مؤرخها و أديبها) مجلة المورد، المجلد 2 (بغداد 1972) ص 58

(2) مجلة لغة العرب، المجلد 2 (بغداد 1913) العدد 9 ص 381- 582

(3) كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم (القاهرة 1965) ج 2 ص 761

23

الفصل الثاني دوره في الحياة الفكرية

شيوخه و إجازاته العلمية:

أخذ السويدي العلم عن عدد كبير من العلماء و الشيوخ من الذين التقى بهم في بغداد و الموصل و مدن بلاد الشام و الحرمين الشريفين، و نال منهم إجازات عديدة بمروياتهم و معارفهم، كما أجاز- هو- عددا كبيرا آخر من تلامذته. فأعاد بذلك الحياة إلى كثير من العلوم و المعارف التي كادت أن تندرس في العراق نتيجة ما توالى عليه من كوارث و محن.

و وصل تلامذته في العراق بأهم أسانيد الرواية المتسلسلة لدى العلماء الآخرين من المعاصرين في خارجه، بعد أن كانت هذه الأسانيد تنقطع عند بلوغها حدا معينا من الرواة فلا تتجاوزه لقلة العلماء في العراق في القرون التي سبقت القرن الحادي عشر للهجرة (17 م) و تبعثر جهودهم العلمية. و من ناحية أخرى، فإنه أسهم- إسهاما جادا- في تجديد الحياة الثقافية في العراق و في توجيهها عن طريق إثارة اهتمام طلبته- و هم كثر- بالمصنفات المهمة، التي وضعها علماء الأمة في عصور خلت، ثم عزّت نسخها، أو فقدت في عصور الفوضى التالية.

و لا نشك في أن لرحلته الطويلة و إقامته، خلالها، في مدن عربية عديدة، و أخذه من علمائها، و روايته عنهم الكتب و الرسائل، أثرا كبيرا في نقله مصنفات مهمة، ما كانت لتعرف في بغداد لولا جهوده تلك، و لا أدل على ذلك من أنه كان أول بغدادي في عصره أحيا علمين كانا قد أوشكا على الاندثار بين علماء مدينته، و هما الحكمة، و يعني بها الكيمياء غالبا، و الهيئة، أي الفلك. و قد درسهما في الموصل على بعض من تبقى هناك من‏

24

علمائها. و في هذا يقول العزاوي بأنه «من أفاضل علماء بغداد، و من أكبر الموجهين للحركة الثقافية». (1)

و تكشف قائمة شيوخه و أساتيذه و من أخذ عنهم، عن سعة معارفه و تنوع مآخذه، و غزارة ما نقله عن شيوخ زمانه إلى تلامذته من علوم و قد نوّه بأسماء العديد من هؤلاء الشيوخ و الأساتيذ في ثنايا هذه الرحلة التي نقوم بتحقيقها، كما أشار إلى عنوانات الكتب و الرسائل التي قرأها عليهم و أسانيد هم، فلم تبق ضرورة لإدراج هذه المعلومات في هذه الدراسة.

مؤلفاته:

وضع السويدي عددا من الكتب و الرسائل في المجالات العلمية التي عني بها، و تشمل علم القراءات و التفسير و الحديث و اللغة و النحو و الأدب و الشعر و غيرها. و لقد أشار مترجموه إلى «إن له مؤلفات عديدة» (2) و لكن أحدا منهم لم يحط بكل عنواناتها، لأننا وقفنا على آثار له لم تشر إليها مصادر ترجمته، و بالمقابل، فإن تلك المصادر نوهت بمؤلفات له فقدت، و لم نعلم ما آل إليه مصيرها، على أهمية موضوعاتها. و فيما يأتي بيان بآثاره العلمية:

أولا- في علوم القرآن:

1- تعليقات على شرح المقدمة الجزرية في علم تجويد القرآن الكريم للشيخ محمد بن محمد الجزري المتوفّى سنة 833 ه.

أولها «قوله افتتح فيه براعة استهلال كما لا يخفى، قوله أجزل أي كثّر و عظّم».

علق فيها على الشرح المذكور تعليقات نافعة أبانت عن علمه بدقائق هذا الفن، و هو

____________

(1) تاريخ الأدب العربي في العراق 2/ 128

(2) محمود شكري الآلوسي ج 1 ص 63

25

متوسط في التفصيل، ناقش فيه المؤلف و ردّه أحيانا، و انتقد (أرباب التصريف) في بعض أقوالهم، و ربما ردّهم أيضا. و تتسم التعليقات- بوجه عام- بالتركيز، و الوضوح، و البعد عن الإطناب.

منها نسخة خطية ضمن مجموع في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد برقم (22811) كتبها محمد أمين بن عبد الرحمن بن محمد محسن الدوري [السهروردي‏] سنة 1275 ه/ 1858 م. (1)

ثانيا: في الحديث الشريف:

2- شرح صحيح البخاري، نوّه به محمود شكري الآلوسي و وصفه بأنه «شرح جليل». (2)

ثالثا: في علم الكلام (العقائد):

3- شروح أو حواش في علم الكلام، أشار إليها الآلوسي.

رابعا: في الأذكار و الأخلاق الدينية:

4- أنفع الوسائل في شرح الدلائل. شرح فيه كتاب «دلائل الخيرات و شوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار «للشيخ محمد بن سليمان الجزولي المتوفّى سنة 854 ه/ 1450 م.

أوله «الحمد لله الذي جعل الصلاة على نبيه رحمة للعالمين» نوّه به المرادي‏ (3) و البغدادي، (4) و وقفنا على نقول منه في مجموعة خطية في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد برقم 3797 و موضوعها التشبيه الوارد في الصلاة عليه- عليه الصلاة و السلام- الوارد في التشهد».

____________

(1) عبد الله الجبوري: فهرس المخطوطات العربية في مكتبة الأوقات المركزية ج 1 ص 34

(2) المسلك الأدفر ج 1 ص 63

(3) سلك الدرر ج 3 ص 86

(4) إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون ج 1 ص 135

26

خامسا: في الردود:

6- رسائل تتناول عددا من المسائل العقائدية و الفقهية، استند فيها على الكتب المردودة و ناقشها، و قد رتبها على مباحث، أفرد كلا منها لموضوع محدد.

و في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد نسخة منها، ضمن مجموع رقمه (13785)، و قد سقط شي‏ء من أولها، و بدأ الموجود بقوله «و من هفواتهم العظيمة، و زلاتهم الجسيمة قولهم».

7- رسالة أخرى في الردود، ناقش فيها أحد المؤلفين، على طريقة (قال) و (أقول)، و اعتمد، في ذلك، على مصادر عديدة، و في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد نسخة منها، في المجموع المذكور آنفا، و هي ناقصة من أولها، و ليس عليها اسم المؤلف، سوى تعليقات على الهامش تشير إلى أن الرسالة من تأليفه، و يظهر أن الناسخ قد اختصر بعض مباحثه، بينما أبقى البعض الآخر بحروفه.

سادسا: في اللغة:

8- رشف الضرب‏ (1) في شرح لامية العرب، شرح فيه القصيدة اللامية للشنفرى شرحا دقيقا ذكيا، تناول فيه ما تتضمنه القصيدة من غريب اللفظ، و أعرب أبياتها، و بين المفنن.

أوله «الحمد لله الذي فتق بالفصاحة ألسنة العرب».

و قد أوضح المؤلف، في خطبة كتابه، منهجه في الشرح، و طريقته في التأليف، فقال «لما كانت اللامية الموسومة بلامية العرب للشنفرى ثابت بن جابر الأزدي من غرر القصائد ..

و كانت مبانيها مرتجة الأبواب، و معانيها لا يهتدى فيها إلى الصواب، محتاجة إلى شرح يرفع عن وجوه مخدراتها نقابها، و يكشف عن خرائدها جلبابها. التمس مني من تضلع في اللغة العربية و تدرب .. أن أضع عليها شرحا يبين الغامض المشكل، و يوضّح الخافي المعضل، فأجبته إلى طلبه، مبادرا في إنجاز بغيته، فشرحتها شرحا، الاختصار إهابه، و الاقتصار

____________

(1) الضرب: العسل الأبيض الغليظ

27

جلبابه، مجردا عن الإطناب و التطويل و الإسهاب، و جعلته مشتملا على ثلاث تراجم، الأولى في تفسير اللغة الخفية، و الثانية في إعرابه على أصح الأعاريب النحوية، و الثالثة في حل معناه و كشف مغزاه، و ذيلت هذه التراجم في الغالب، برابعة رائعة المطالب. و نفعها غير قليل، و لذا و سمتها بالتكميل، أتكلم فيها على دفع انتقاد، و توضيح مراد، و فك مبنى، و سبك معنى، و غير ذلك من المطالب المفيدة، و المقاصد السديدة، فصارت كالشرح الثاني لما أعاني».

و وصف المرحوم عباس العزاوي هذا الكتاب بأنه «يعد من الشروح المعتبرة» و إنه من الكتب المهمة في شرح اللغة و غريبها، و مراجعة بعض ألفاظها، و هو على اختصاره مفيد». (1)

منه نسخة في كتب العزاوي أشار إليها، و ذكر أنها بخط المؤلف، مع أنه ورد في آخرها «تم على يد الملّا علي بن عبد الله في آخر شهر المحرم ليلة الأربعاء عام 1164 للهجرة» فهي قد كتبت في حياة المؤلف لا بقلمه. و نسخة أخرى ذكر العزاوي أنها في مكتبة المرحوم ناجي القشطيني مقابلة من المؤلف على أصل مسوّدته، و ذكر أيضا أن منه نسخة ثالثة في مكتبة المتحف العراقي، و ليس في فهارس المكتبة المنشورة إشارة إليها». (2)

و في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد نسخة أخرى، بخط جيد، لكن ليس عليها اسم ناسخها، و هي برقم (85) و تقع في 66 ورقة.

سابعا- في النحو:

9- إتحاف الحبيب على شرح مغني اللبيب: و هو حاشية ناقش فيها «شراح مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» تأليف جمال الدين عبد الله بن هشام الأنصاري المتوفّى سنة

____________

(1) تاريخ الأدب العربي في العراق ج 2 ص 36

(2) أسامة النقشبندي: المخطوطات اللغوية في مكتبة المتحف العراقي (بغداد 1969).

28

761 ه/ 1359 م، و هم:

أ- بدر الدين الدماميني (توفاه الله سنة 827 ه/ 1424 م) في كتابه «تحف الغريب بشرح مغني اللبيب».

ب- أحمد بن محمد الشمنّي (المتوفّى سنة 872 ه/ 1467 م) في كتابه «المنصف من الكلام على مغني ابن هشام».

ج- أحمد بن محمد المعروف بابن الملّا (المتوفّى سنة 1002 ه/ 1594 م) في كتابه «منتهى أمل الأديب من الكلام على مغني اللبيب».

د- ابن هشام نفسه، في شرحه المتن.

أوله «الحمد لله الذي أمر بالعدل و الإنصاف و نهى عن الزيغ و الانحراف» (1)

و لم نقف على أثر لهذا الكتاب فيما راجعناه من خزائن المخطوطات و فهارسها، و كان الأستاذ عز الدين علم الدين سبقنا في البحث عن نسخة منه، و انتهى إلى القول بأنه «لا يعرف اليوم مستقر هذه الحاشية المخطوطة التي تصبو- و لا ريب- إليها قلوب النحاة لما تنطوي عليه المحاكمة من النقد و التمحيص». (2)

10- كتاب في إعراب آي الذكر الحكيم، لم يشر إليه مترجموه، لكن توجد منه فائدة منقولة، مذيلة باسمه، ضمن مجموعة فيها فوائد في إعراب القرآن و تفسيره، محفوظة في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد برقم (3797).

11- فوائد متنوعة و أجوبة لمسائل في إعراب أحاديث شريفة و أبيات مختلفة، سأله الإجابة عنها علماء معاصرون له، موجودة في المجموعة المذكورة آنفا.

____________

(1) البغدادي: إيضاح المكنون ج 1 ص 16 و العزاوي: تاريخ الأدب العربي ج 2 ص 37

(2) خزائن الكتب القديمة، مقالة في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق ج 8 (المجلد 8، 1928) ص 449

29

ثامنا- في الأدب:

12- مقامة الأمثال السائرة المتضمنة للأحوال الموصلة للمقامات الآخرة.

و هي مقامة في (90) صفحة، ضمنّها مجموعة من الأمثال العربية، استخرج معظمها من الكتب الأدبية التي اطّلع عليها، و أورد فيها بعض الأمثال المتداولة على ألسنة معاصريه.

أولها «الحمد لله الذي رفع منار الأدب، و أعلى مقاماته، و نصب موائد فضائل العرب لمن رام ذلك في أسفاره و مقاماته .. و بعد، فيقول العبد الفقير إلى ألطاف مولاه الغني عبد الله ابن حسين بن مرعي بن ناصر الدين العباسي الشافعي الشهير بالسويدي: هذه مقامة الأمثال الناصعة السائرة في غابر الأزمان و المولدة المشهورة الدائرة بين أبناء هذا العصر و الأوان».

و قد جعل المقامة تدور على لسان شخصية ابتدعها، هي الحسن بن سهل، يروي فيها أخبار من يدعى السري العذري و ضمنها شيئا من شعره.

منها نسخة في المكتبة العباسية في البصرة، و أخرى في مكتبة الدكتور محمود الجليلي في الموصل، و ثالثة في مجموعة عيسى صفاء الدين البندنيجي و بخطه، و قد أشار إليها العزاوي، بوصفها من كتب خزانته. (1)

طبعت في مطبعة النيل بمصر، مصدّرة بترجمة المؤلف، و مذيلة بمقامة قصيرة للشيخ عبد الرحمن الأنصاري في مدح السويدي و الثناء عليه.

مقامة أدبية.

13- أنشأها على لسان من سماه (قيس الشجون) يروي فيها أخبار (أبي الوله الغرام).

أولها «حدثنا قيس الشجون، و نحن بثغر المجون، قال أنبأنا أبو الوله الغرام». أدرجها في آخر كتابه (النفحة المسكية) و بيّن أسباب إنشائه إياها.

و منها نسخة مستقلة في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد برقم (4/ 13785) و تقع في خمس أوراق.

____________

(1) تاريخ الأدب العربي ج 2 ص 211

30

تاسعا- في البلاغة:

14- الجمانات في الاستعارات، نوّه به المرادي‏ (1) و قال «ألّف متنا في الاستعارات جمع فيه فأوعى».

15- شرح الجمانات في الاستعارات. قال المرادي «و شرحه شرحا حافلا» و الواقع أنّه لم يشرح منه غير المقصد الأول، ثم كلف ابنه عبد الرحمن سنة 1168 ه/ 1754 م بإتمام ما بدأ به، فأتمه الأخير و سماه (التبيان بشرح الجمان). (2)

عاشرا- في التاريخ:

15- فضائل أهل بدر (رضوان الله عليهم).

أوله «الحمد لله الذي أمدّ أهل بدر بجنود الفتح».

منه نسخة في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد، كتبت سنة 1162 ه/ 1748 م، تحت العدد (3/ 4834). (3) و أخرى في مكتبة أوقاف الموصل، كتبها عبد الهادي رؤوف بعدد (19). (4)

نشرها إسماعيل الجيلاني البغدادي و طبعت في مطبعة بولاق سنة 1278 ه/ 1298 م و صححها عبد الباقي الآلوسي. (5)

حادي عشر- في الرحلات:

14- النفحة المسكية في الرحلة المكية. و هي هذا الكتاب.

____________

(1) سلك الدرر ج 3 ص 86

(2) عبد الرحمن السويدي: تاريخ حوادث بغداد و البصرة، بتحقيقنا، ص 35 من مقدمة التحقيق.

(3) الجبوري: فهرس ج 4 ص 236

(4) سالم عبد الرزاق: فهرس مخطوطات مكتبة الأوقاف العامة في الموصل ج 6 ص 344

(5) هو ابن أبي الثناء الآلوسي، مؤلف تفسير (روح المعاني)، توفي سنة 1298 ه 1881 م.

31

ثاني عشر- في الشعر:

15- ديوان، نوّه به مترجموه، و كان يظن أنه من كتبه الضائعة ثم عثرنا على نسخة منه لدى بعض الفضلاء السويديين، أحفاد المؤلف. و في خزانتنا نسخة مصورة منه. أوله «الحمد لله الذي نصب مآدب الأدب، و شرّف بالبلاغة من الصنف الإنساني صنف العرب، فخصهم بمزايا البيان، و فضلهم بفصاحة اللسان ... و بعد فيقول العبد الفقير إلى الله الغني عبد الله بن الحسين بن مرعي بن ناصر الدين الدوري الشافعي المعروف بالسويدي البغدادي: كنت في إبان عصر الشبية. و عنفوان الأوقات المستعذبة الرطيبة أتولع بالنظام، و آتي منه على حسب المرام ... و كان من شنشنتي المستمرة، و هجيراي المستقرة، أني لا أقيده بمجموع أو ديوان ..

فذهب أدراج الرياح .. و ذلك لاشتغالي بفنون العلم و أنواعها، و شغفي بالتقاط فرائد الفوائد و استجماعها، و هذا هو الأحرى و الأولى، و الأفخر الأنفس الأغلى لكن ناداني لسان الحال، و أفصح و قال: ما لا يدرك كله لا يترك كله، و إن الإتيان بالمستطاع أمر ترتاح له الطباع، فشرعت في التقاط ما تبدد، و قيد أوابد ما [ت] شرد، و هو بالنسبة إلى ما ضاع كقطرة في بحر ..».

و النسخة بخط الشيخ أحمد أبي المحامد، و هو ابن الناظم، و قد أضاف إليها قصائد عدة لأبيه لم ترد في أصل الديوان.

ثالث عشر- في موضوعات أخرى:

16- رسالة فكاهية، جمع فيها بين كتابين زعم أنهما من الجن ألقى الواحد تلو الآخر في دار السيدة صفية بنت حسن باشا و جوابه عنها، و مدار ذلك النيل من القاضي و المفتي، و تاريخ الكتابة سنة 1163 ه/ 1749 م، و تقع في 11 صفحة. (1)

شخصيته العلمية:

لا تكمن أهمية ما قام به السويدي من شروح و حواش في أنه يسّر متونا تعليمية أساسية

____________

(1) تاريخ الأدب العربي ج 2 ص 211

32

لطلبته، أو للطلبة في عهده عامة، فأعمال كهذه لم تكن بعيدة عن أيدي الدارسين يومذاك، و إنما تكمن أهميتها في أنها احتوت، فيما احتوت، على روح نقدية جديدة لم نكن نلحظها لدى سابقيه، من مواطنيه في الأقل، و بشّرت بولادة اتجاه قوي له (موقف) مما في الكتب الموروثة التي اكتسبت قدسية خاصة لكثرة ما اعتمدها الشيوخ أولا، ثم مما كان يبرز في واقعهم نفسه من ظواهر اجتماعية مختلفة. و لنبدأ هنا بتوضيح المسألة الأولى، فعلى رغم أن السويدي قرّض شرح صحيح البخاري للشيخ إسماعيل العجلوني، و كان عالم دمشق و محدثها، بناء على طلب مؤلفه، فإنه انتقده بقوة مستهدفا منهجه، إذ وصفه بأنه «مجرد نقول لا محاكمة فيه و لا تحرير معنى و لا ضبط مبنى، بل إنه ينقل عبارة بعض الشروح ثم يعقبها بعبارة شرح آخر، و يكون بين العبارتين مخالفة فما يرجّح أحد القولين على الآخر و لا يجمع بينهما، و تارة تكون العبارتان متفقتين فينقلهما فتؤول إلى التطويل من غير فائدة» و انتقد منهجه في تدريس الشرح بأنه يجري «من غير تقرير و لا تحرير و لا حل إشكال و لا فك تركيب» (1) فما انتقده هنا لم يكن كتابا بقدر ما كان منهجا بأكمله، و لم يكن العجلوني وحده الذي اختصّ بالتأليف وفق هذا المنهج، و إنما كان نهج العديد من المؤلفين قبله أيضا، فعبارة السويدي إذن كانت تحدد موقفا جديدا من مناهج معاصريه و متقدميه من علماء القرون المتأخرة التي سبقته، و هم الذين عمدوا إلى شرح المتون و التحشية عليها دون أن يكون لهم (موقف) مما يكتبون. و لا شك في أن السويدي تلافى ما رآه نقصا منهجيا حين وضع شرحه على صحيح البخاري، و لكن من المؤسف أن هذا الشرح ضاع فيما ضاع من آثاره، و على أية حال فإن في وسعنا تتبع موقفه الفكري هذا في جميع أعماله المتبقية الأخرى، و ها هو في شرحه للامية العرب للشنفرى يصرح بأنه تكلم فيها «على دفع انتقاد، و توضيح مراد، و فك مبنى، و سبك معنى» و إن هذا العمل جاء مهما

____________

(1) النفحة المسكية الورقة 134

33

في نظره لأنه صار «كالشرح الثاني» بعد أن قام بشرح مفردات القصيدة و إعرابها، و هو ما يقوم به الشارحون عادة. و نحن نلمح في هذا الشرح روحا نقدية عالية، أتى فيها بكلام السابقين، و عقد موازنات بين آرائهم، و انتقد بعضها، و أوضح أسباب ذلك، و أيد البعض الآخر، و بين بواعث تأييده لها، و لم يتردد في الرد على مشاهير العلماء إذا ما ظهر له بطلان ما يستندون إليه من أدلة، و ضعف ما توصلوا إليه من نتائج.

و هو في حاشيته على مغني اللبيب، لم يجعل النقد جزءا من منهجه، و إنما منهجه كله، فقد ناقش فيه، مرّة واحدة، أربعة من شارحيه السابقين، بضمنهم مؤلف المتن نفسه، فجعله- كما وصفه المرادي- «محاكمة بين شارحيه» و هذا اللفظ، أعني «المحاكمة» و هو ما نقد كتاب العجلوني عليه لخلوه منه كما رأينا قبل قليل، و هو ما دفعه أيضا إلى تأليف عدة رسائل في الردود، ناقش في بعضها كتبا محددة على طريقة (قال) و (أقول) و هي طريقة تمنح المؤلف قدرا واسعا من الحرية في مناقشة النصوص.

إن هذه الروح الجديدة في تناول النص و مناقشة صاحبه مهما كانت منزلته، هي- في تقديرنا- أهم ما أورثه السويدي لتلامذته العديدين، و هو بهذا يمكن أن يكون رائدا لمدرسة نقدية حقيقية في وسع الباحث أن يتتبع مسارها إبان أواخر القرن الثاني عشر و القرن الثالث عشر للهجرة (18 و 19 للميلاد).

و هذا بدوره يجرنا للكلام عن المسألة الثانية و هي أثر الاتجاه الذي بشّر به، و بدأه السويدي من خلال كتبه و تلامذته، على الفكر الاجتماعي في ذلك العهد و العهد الذي تلا، فإن ما بدأه السويدي من صياغة (موقف حر) في نقد العلماء (و الأدباء من ضمنهم) من خلال نصوصهم، جرّ إلى موقف مشابه من نقد المجتمع من خلال واقعه نفسه. و رغم أن كتابا للسويدي لم يصلنا بهذا المعنى، إلا أن لنا أن نلمح ذلك في ثنايا مقامة أدبية وضعها لينتقد بها شخصيتين اجتماعيتين بارزتين، هما القاضي و المفتي، و ربما نجد شيئا أكثر أهمية في نقده الجاد للحياة العلمية و المستوى الفكري في عهده، من خلال هجومه على ما

34

وصلت إليه المدارس التقليدية من ترد فادح، و من خلال تعريضه بفئات واسعة النفوذ من العلماء و المشايخ و الصوفية و متولي الأوقاف، بل إنه مضى في ذلك ليشمل في نقده فئات اجتماعية لا صلة لها بالعلم، كالانكشارية و من يدور في فلكهم، كما أنه انتقد أيضا ما سماه (قانون الأتراك) و يعني به ما كان متّبعا، في عهده، من شراء للمناصب العلمية و التدريسية في المدارس ذات الأوقاف الكثيرة.

إن هذا الموقف من المجتمع، و الذي لمحنا بعض بداياته لدى السويدي، استمر، بوضوح أكثر، لدى تلامذته، و بخاصة لدى أبنائه من العلماء، من ذلك أن حفيدا له، هو علي بن محمد سعيد (المتوفّى سنة 1214 ه/ 1799 م) ألف، بعد نصف قرن من وفاة السويدي، كتابا مهما سماه «العقد الثمين في بيان مسائل الدين» حمل فيه بجرأة مشهودة على مظاهر و عادات و تقاليد اجتماعية سكت العلماء المعاصرون عن معالجتها، و دعا فيه صراحة إلى العودة إلى المنابع الأولى للدين، و هجر كثير مما كان سائدا، أو مألوفا، في عهده، من مزاولة للسحر بضروبه، و سكنى المقابر و تقديسها، و الاغتسال بالآبار المباركة، و غير ذلك من أمور، كان التعرض إلى أيّ منها كافيا، لإثارة حفيظة فئات اجتماعية واسعة، و ليس صعبا أن نلمح أوجه شبه عديدة، و أساسية، بين أفكار كهذه، و ما تضمنته كتب السويدي الجد من طروحات و ملاحظات. و على أية حال، فإن تيارا نقديا كهذا لم يكن ليتوقف، فقد وجد كتاب (العقد الثمين) انتشارا واسعا بين معاصريه، و جاء محمد أمين ابن مؤلفه علي السويدي ليبلور أفكاره، و ينضج مواقفه، في شرحه له، الذي عنونه (التوضيح و التبيين لمسائل العقد الثمين) و الذي عد نموذجا لفكر إصلاحي أخذت رياحه تعصف بكثير من التقاليد الموروثة في مجال الحياة الفكرية- الاجتماعية في القرن الثالث عشر الهجري (19 م) حتى وصف بأنه كتاب «تشد إليه الرواحل و تقطع دونه المنازل». (1)

____________

(1) بحثنا محمد أمين السويدي، عالم بغداد و مؤرخها و أديبها» المنشور في مجلة المورد العدد 3 (المجلد 2 بغداد 1972) ص 58

35

و في وسع الباحث أن يتتبع هذا الفكر، و هو يقوى و يشتد، في مؤلفات علماء عراقيين آخرين، أمثال أبي الثناء محمود الآلوسي (المتوفّى سنة 1270 ه/ 1854 م) و نعمان خير الدين الآلوسي (المتوفّى سنة 1317 ه/ 1899 م) و محمود شكري الآلوسي (المتوفّى سنة 1343 ه/ 1924 م) و في مواقفهم الاجتماعية و السياسية أيضا.

شعره:

للسويدي شعر كثير ضاع معظمه كما صرح هو في مقدمة ديوانه، و قد أشاد مترجموه بجزالة هذا الشعر و جودته، فقال عثمان العمري الموصلي (توفي سن 1184 ه/ 1770 م) «له نظم أحلى من الضرب، و نثر يريك في اتساقه العجب، و لكن لم يحضرني منه إلّا القليل، و هو على كل حال على الكثير دليل» (1) و أورد له منه نماذج جيدة. و أشاد محمد الغلامي (توفي سنة 1186 ه. 1772 م) بشعره و أدبه، و ساق نماذج أخرى منه. (2) و قال الشيخ كاظم الدجيلي «قلّ من العلماء من يبرع في العلم و الشعر فيكون عالما فاضلا و شاعرا ماهرا، و شيخنا المترجم قد حاز قصب السبق في كليهما، فقد بلغ في الأدب شأوا بعيدا و نال فيه منزلة ترفعه بين الأدباء، و له نظم يزري بالمنظوم .. و له في الغزل و النسيب شعر يدخل الأذن بغير إذن». (3)

و فضلا عما احتجنه ديوانه من شعره الذي نظمه في مناسبات شتى، فقد أورد مترجموه نماذج عدة من شعره تدليلا على شاعريته، مثلما فعل العمري و الغلامي، و شي‏ء منه انتشر في مقاماته (الأمثال السائرة) و أثبت ابنه المؤرّخ عبد الرحمن في كتابه (حديقة الزوراء) قصائد مهمة له قالها في مناسبات وطنية و عامة مختلفة.

____________

(1) الروض النضر ج 3 ص 93

(2) شمامة العنبر ص 380

(3) مجلة لغة العرب، المجلد 2 (بغداد 1912) ص 221

36

فمن شعره الذي ضمنه مقامته، و هو في الوعظ الرقيق، قوله:

إلى م تطلب الجد* * * و تبغي الحظ و الجد

و تعني الكبر و الجد* * * بذكر الأب و الجد

تجنب جانب الزهو* * * و خل عنك ذا السهو

إلام أنت في لهو* * * و لا كسب و لا كد

غدا تكون كالأمس‏* * * إذا حللت في الرمس‏

و لا جهر و لا همس‏* * * و لا جزر و لا مد

توقّ الخطب و الهول‏* * * و راع الصدق في القول‏

إذا مت فلا عول‏* * * و لا فرض و لا رد

إلى كم أنت تعمل‏* * * و كل الشر تفعل‏

فعن ذا الفعل تسأل‏* * * فما الجواب و الرد

تجنب قول من ذم‏* * * و إن خص و إن عم‏

و لا تصغ لمن نم‏* * * و لو جاءك بالحمد

إذا حل بك الموت‏* * * أجبت داعي الفوت‏

و لا حس و لا صوت‏* * * و هذا آخر العهد

غداة تظهر الحال‏* * * و لا قيل و لا قال‏

فأين العم و الخال‏* * * و أين الأب و الولد

أتعهد قول يا ليت‏* * * و لا كيت و لا ذيت‏

و لا دار و لا بيت‏* * * سوى أن ضمك اللحد

هناك تخشى الأهوال‏* * * و ليس تجدي الآمال‏

و لا أهل و لا مال‏* * * و لا عرض و لا نقد

37

و قوله شابا، و هو في الموصل، متغزلا: (1)

جزم الحبيب بأن قلبي قد سلا* * * ودّا تحكم في الحشاشة أولا

لا و الذي جعل الفؤاد أسيره‏* * * ما حال قلبي عن هواك و بدلا

أ أحول يا سكني و حبك ساكن‏* * * قلبا من الهجران ظل مبلبلا

و أحيد عمدا عن هواك و أنثني‏* * * عن سالف العهد القديم محولا

فوحق صدق مودتي و تولهي‏* * * لم يخطر السلوان في قلبي و لا

أ تظن أني في هواك معذب‏* * * و أبين حبك للأنام تعللا

ما كل ما جمع المحامد صالحا* * * للحب أو أضحى لحب مولها

فو حق طيب رضاك و هو اليتي‏* * * إن لم تدع هجري هجرت الموصلا

فاعطف على صب تصب دموعه‏* * * حتى غدت من ودق سحب أهطلا

و ارحم فديتك مغرما عبثت به‏* * * أيدي الصبابة فاستبيد مجدلا

و انعم بوصل فالوصال زكاة من‏* * * قد كان في فن المحاسن أجملا

و اسأل نجوم الليل عن سهري و عن‏* * * عين تراعي النجم أول أولا

بل لا تسل عما حوته جوانحي‏* * * من زفرة فيها الجوانح تصطلى‏

أ يليق في دين الغرام و شرعه‏* * * أني من الهجران أبقى مهملا

فإلام أبقى في هواك مبلبلا* * * و إلام أبقى من قلاك محوقلا

إن كان في تلفي تروم عبادة* * * بادر به يا ذا الصباح معجلا

حتى يكون على الدوام مجاهدا* * * جازاك ربي بعد ذاك تقبلا

أو كان يرضيك التذلل خاضعا* * * وافيت دارك في الظلام مهرولا

مستغفرا من سوء ذنب جئته‏* * * مستعفيا مستصفحا متنصلا

فكأن حظي في النحوس و طالعي‏* * * إن لم أجد بدري تخير منزلا

____________

(1) الروض النضر ج 3 ص 98- 100

38

و قوله في مطلع قصيدة يمدح بها أحمد باشا والي بغداد: (1)

دهتني خطوب و الزمان معاندي‏* * * و دهر طوى كشحا بقدري والع‏

ترامت بي الأقطار من كل جانب‏* * * فما أنا عن مغنى الأماجد شاسع‏

و كم أزمة مرت عليّ و لم يكن‏* * * لها كاشف بين البرية رافع‏

____________

(1) حديقة الزوراء الورقة 128

39

الفصل الثالث رحلته‏

زمن تأليف النفحة المسكية

سجّل السويدي وقائع رحلته إلى الحج سنة 1157 ه/ 1744 م في كتاب عنونه «النفحة المسكية في الرحلة المكية»، يحتوي على وصف عدد كبير من المدن و القرى و المحطات التي كانت تقع على الطريق العام المؤدي من بغداد إلى الموصل فحلب و دمشق وصولا إلى الحرمين الشريفين، و هي على التوالي:

بغداد، تل كوش، نهر الحسيني، نهر مزارع حمارات، الفرحاتية، المحادر، مهيجر، العاشق، مدينة المنصور، تكريت، وادي الفرس، قزل خان، الغرابي، البلاليق، الخانوقة، القيارة، المصايد، حمام علي، الموصل، بادوش، أسكي الموصل، تل موس، عين زال، صفية، الرميلة المتفلتة، ازناوور، نصيبين، قرده دره، دنيسر، مشقوق، دده قرخين، تل العطشان، أصلام جايي، مرج ريحان، الرها، سروج، الجيجلي، الببرة، الكرموش، ساجور، الباب، حلب، خان تومان، سرمين، معرة النعمان، كتف العاصي، المحروقة، حماة، حمص، شمسين، النبك، بريج، قارة، دمشق، دلة، المزيريب، الزرقاء، خان الزبيب، البلقاء، القطراني، الأحساء، معان، عنزه، العقبة، جغيمان، ذات حج، تبوك، المغرة، الأخيضر، الدار الحمراء، ديار ثمود، العلى، آبار غنم، البئر الجديدة، هدية، الفحلتين، العقبة السوداء، وادي القرى، المدينة المنورة، ذو الحليفة، الجديدة، بدر، الحمراء، القاع، رابغ، خليص، قديد، عسفان، مكة المكرمة.

40

و ذكر المرادي‏ (1) أن السويدي وضع مؤلفاته بعد عودته إلى بغداد، من رحلته الشهيرة التي دوّن أخبارها في «النفحة المسكية» و عليه يكون تدوينه هذه الرحلة هو أول كتبه، أي أنه بدأ بالتأليف و قد تجاوز الخمسين من عمره، و لا ندري مصدر المرادي في هذه الرواية، لأننا لاحظنا أن السويدي قد صرح في إجازته العلمية إلى الشيخ عبد الرحمن الصناديقي المؤرخة في 8 رمضان سنة 1157، و التي دوّن نصها في رحلته نفسها، أنه أجازه بجميع مؤلفاته «و هي الآن أكثر من عشرة» فتكون (النفحة المسكية) من أواخر أعماله لا أولها، و هو ما يفسر ما تبدو عليه من قوة الأسلوب، و جزالة في اللفظ، و بعد عن التكلف، و دقة في الوصف، و نضج في الاستنتاج و التعليل. (2)

و لقد نالت هذه الرحلة اهتمام معاصري السويدي، كما عني بها العلماء التالون، فتعددت نسخها الخطية، و اختصرها بعضهم، و اجتزأ منها آخرون قطعا لتبدو رسائل مستقلة بذاتها.

منهجه:

1- ضبطه لأسماء الأعلام الجغرافية:

أولى السويدي اهتماما واسعا لتسميات الأعلام الجغرافية، من مواضع، و جبال، و أنهار، و عيون، مما مر به في أثناء رحلته، فجاءت هذه الرحلة أكثر فائدة- من هذا الجانب في الأقل- من كثير من كتب الرحلات الأجنبية إلى المنطقة في الحقبة نفسها، ففي حين كان الرحالة

____________

(1) سلك الدر، ج 3 ص 86

(2) ذكر الأستاذ كراتشكوفسكي عند كلامه عن السويدي «إن المادة الجغرافية عنده شحيحة للغاية» (تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، القاهرة 1965، ج 1 ص 761)، و ليس هذا بصحيح، إذا علمنا أن كراتشكوفسكي، لم ير النفحة المسكية ليحكم عليها بهذا الحكم، و إنما اعتمد على رسالة مستقلة للسويدي وصف فيها وقائع المناظرة التي شارك فيها بحضور نادر شاه، في النجف سنة 1156 ه/ 1743 م، و طبعت باسم (الحجج القطعيه لاتفاق الفرق الإسلامية) و ليس لهذه الرسالة من صلة بالرحلة سوى أن الأحداث التي وصفتها كانت الدافع وراء قيام السويدي برحلته.

41

الوافد، و هو أوروبي غالبا، يسجل الأسماء كما تلتقطها أذنه من أفواه معاصريه، و ربما سمعها بشكل مشوه أو محرف فسجلها على ذلك الشكل أيضا، وجدنا السويدي، بما أوتي من باع طويل في اللغة و البحث، يضبط كل اسم ضبطا محكما دقيقا، فهو حينما يمر بمهيجير يذكر أنها «بضم الميم و فتح الهاء و سكون المثناة التحتية و جيم مكسورة بعدها ياء مثناة تحتية ساكنة و آخر الحروف راء مهملة» و كذا حين يمر بالخانوقة، يقول: إنها «بالخاء المعجمة، فألف، فنون مضمومة، فواو ساكنة، فقاف مفتوحة، آخرها هاء التأنيث» و في ضبطه لخان شيخون، بأنها «بشين معجمة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فخاء معجمة مضمومة فواو ساكنة فنون آخر الحروف» و هكذا نجده يفعل في المئات من أسماء الأعلام الجغرافية التي مر بها، و لذا فقد جاءت هذه الأسماء بمنجى عن أي تحريف أو تصحيف قد تتعرض له عند النقل أو النسخ.

و لم يكتف السويدي بهذا فحسب، بل عمد إلى تثبيت طريقة التلفظ بالاسم نفسه، كلما دعت الضرورة إلى ذلك، فقال عن نصيبين أنها «على صيغة جمع المذكر السالم لنصيب» و عن العاشق أنه «بوزن اسم الفاعل» و قال عن موضع اسمه صفيّة أنه «كسمية مصغرا» و عن موضع آخر يدعى المعظم أنه «على صيغة اسم المفعول من التعظيم،» و عن المتفلتة أنه «اسم فاعل من تفلت، في آخره هاء التأنيث» و عن زيزى أنها «كضيزى» فضبطت بذلك طريقة تلفظ الاسم فضلا عن ضبطه حروفه.

و فرّق السويدي في هذا المجال بين التسمية الجارية على ألسن معاصريه من العامة، و التسمية الفصيحة التي أوردتها الكتب و المعاجم، فقال عن البلاليق إن «العامة تبدّل القاف كافا» و عن مرحلة تدعى ذات حج: إنها «بكسر الحاء المهملة، كذا سمعتهم ينطقون به» و قال في تعليل تسمية مرحلة الأخيضر: إنه «يحتمل أنه الوادي الذي بين المدينة و الشام كما في القاموس و يحتمل أنه الحضير و العامة تصرفت فيه».

2- بحثه في أسباب تسمية الأعلام الجغرافية:

بحث السويدي في سبب اكتساب كل موضع مر به تقريبا للتسمية التي عرف بها، و قد

42

استفاد في ذلك من روايات مرافقيه من أهل تلك الديار و النواحي، أو من النصوص التي أوردتها المعاجم اللغوية و البلدانية و كتب التاريخ، و التي أظهر أنه كان مطلعا عليها بشكل واسع، أو من ملاحظاته الشخصية حول علاقة الموضع بما يكتنفه من مظاهر بيئية مختلفة.

و عند تحليل النصوص التي أوردها حول هذا الموضوع، يظهر للباحث أن السويدي يعزو هذه التسميات إلى عاملين رئيسيين لا ثالث لهما، أولهما عامل تاريخي يتصل بما مر على المكان من أحداث أو ما مر به من أشخاص، و ثانيهما عامل جغرافي يتعلق بما يحيط بالمكان من تضاريس مختلفة، أو ظواهر جيولوجية أو مناخية أو غير ذلك.

و يتجلّى العامل الأول في بحثه عن الأعلام التاريخية التي نسبت إليها المدن و القصبات و المواضع التي مر بها، فقال عن تل كوش «لعل نسبته إلى كوش بن كنعان» و عن تكريت أنها «سميت بتكريت بنت وائل» و أن خان تومان منسوب إلى امرأة اسمها تومان بنته»، و أن معرّة النعمان منسوبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري، و قوله في موضع اسمه عنزة» الظاهر أنها سميت بعنزة بن أسد بن ربيعة، و به سميت القبيلة المشهورة لأن تلك الأرض مسكنهم قديما و تفسيره لاسم مرحلة تدعى جخيمان أنها «سميت كما قيل باسم شيخ من شيوخ الأعراب كان يأخذ الصرّ عندها» و قوله عن بئر تسمى بالبئر الجديدة: إنها «سميت بذلك لأن البئر حفرها ليس قديما، أو أنه مغير عن جدّ و هو البئر الكثيرة الماء أو قليله ضد».

هذا بينما يتجلى العامل الثاني، أعني الجغرافي، في ملاحظات السويدي الذكية للصلات التي تربط المكان ببيئته الجغرافية، و تفسير إطلاق تسمية الموضع بحسب معطيات تلك البيئة و ظواهرها المختلفة، فهو يذكر أن موضعا سمي المحادر لما فيه «من الانحدار و الهبوط»، و أن عينا تسمى الغرابي «لكون الماء في مقره أسود يشبه الغراب»، و أن البلاليق «سميت بذلك لأن الأماكن التي حواليها بلق بيض، و جبلها لا شجر فيه فهو أبلق»، و أن المصايد، و هو موضع على دجلة، أنها سميت بذلك «لأن ماء دجلة يتعوج فيها لما فيها من الانحراف، فكأنها تصيد الكلك»، و أن عينا تسمّى صفية» سميت بذلك أما لصفاء مائها، أو لكونها تجري على صفاة»، و أن البلقاء «سميت بذلك لأنّ حجارتها متلونة بالسواد

43

و البياض أو لأن أرضها خالية عن النبت و الشجر» و أن موضعا سمي القطراني «نسبة إلى القطران عصارة الأبهل، سميت بذلك لكون حجارتها سوداء» و أن المنزلة المسماة المغر هي جمع مغرة، و تعني الطين الأحمر، و الممغر: المصبوغ بها. و مثل ذلك الموضع المعروف بالدار الحمراء «سميت بذلك لكون رملها أحمر و كذا جبالها، و البدو يسمونها الهضب لأن حواليها هضابا كثيرة و أهل الشام يسمونها مفارز الأرز لأن فيها حصى بيضا صغارا يشبه الأرز الأبيض»، و أن مرحلة العلى «سميت بذلك لكون الجبلين اللذين يكتنفانها عاليين مرتفعين». و غير ذلك من الملاحظات الجغرافية التي توزعت الرحلة، و حاول من خلالها التوصل إلى حقيقة كثير من المسميات التي شاهدها بنفسه.

3- عنايته بالجغرافية الطبيعية:

قدم السويدي وصفا مفصلا و بالغ الدقة لكثير من الأماكن التي مر بها، مما يدخل ضمن ما نسميه بالجغرافية الطبيعية، فقد تكلم على:

أ- الجبال و التلال:

أهتم السويدي بوصف الأوضاع الطبيعية لتلك الأماكن ذات التكوين الطبيعي المعقد، من جبال و تلال و وديان، و قد جاءت عباراته، في هذا المجال، معبرة عن الصورة التضاريسية للمكان، شاملة لأبعاده، فحين نزل تلّ كوش، و هو تل أثري قديم، وصفه بأنه «تل صغير مستطيل الشكل» و وصف تل مهيجر، قرب سامراء بأنه «تل صغير مدوّر قريب دجلة» و تل موس بأنه «تل عال مدور». و وصف الطبيعة المعقدة عند عين الزرقاء، في طريقه من دمشق إلى المدينة المنورة، وصفا شاملا إذ قال إنها «أراض وعرة و عقبات ذوات انحراف و اعوجاج و صعود و هبوط و وديان منخفضة» و مثل ذلك كلامه على منطقة الأحساء بأنها «واد بين جبلين و في طريقها عقبات و أوعار و اعوجاج و صعود و هبوط»، و وصفه لأرض معان بأنها «ثغر فيه وعر و عقبة صعبة المسلك لما فيها من الجنادل و الانحدار و الارتفاع مع ضيق المسلك». و لم يكتف بذكر الجبال، و إنما تكلم عن وديانها، فوصف مرحلة العقبة بأنها تقع «في واد تحيط به الجبال من جوانبه الأربع (كذا)»، و وصف مرحلة المغرة بأنها «منزلة بين‏

44

جبلين حجارتها حمراء كالمغرة». كما وصف قلعة الأخيضر، على طريق تبوك، بأنها «في عقبة تحيط بها الجبال، و في طرفها مما يلي الشام عقبة ضيقة و عرة ذات جنادل كبار»، و تكلم على ما يحيط ببلدة المعلى من جبال «عالية» مرتفعة».

ب- السهول:

و مثلما اهتم السويدي بوصف ظواهر السطح المعقدة، فإنه اهتم أيضا بوصف الأراضي المنبسطة، سعتها، و شكلها، و طبوغرافيتها، من ذلك وصفه منطقة الفرحاتية، من أعمال دجيل، بأنها بر أفيح (أي واسع) ذو حصى دقاق، و وصفه للمناطق التي تحيط بالبلاليق بأنها «بلق بيض»، و البلقاء بأنها «أرضها خاليه عن النبت و الشجر» و أن «حجارتها متلونة بالسواد و البياض» و إشاراته إلى «الجنادل السود» في أرض «مشقوق» و في «تل عطشان» من نواحي الجزيرة. و وصفه لمجاري الانحسار إن كانت صخرية أو رملية، و قوله عن الكثبان الرملية في جنوبي الأردن إن «الرمل كثير متراكم تسوخ فيه الأقدام، و هذا الرمل يبدو بلون أحمر، و لذا فإن منظر الحصى الأبيض الصغار على الأرض الحمراء يشبه الأرز الأبيض» و ملاحظته أن أرض هدية على طريق الحجاز «كثيرة الرمل» و مثل هذه الإشارات يدل على قوة ملاحظة، و اهتمام يجعله أقرب إلى اهتمامات عالم الصخورPetrologist منه إلى مجرد عالم ذي ثقافة دينية تقليدية ماض في طريقه إلى الحج.

ج- الأنهار و مصادر المياه:

وجه السويدي عنايته إلى وصف مصادر المياه المختلفة في المدن و القرى و النواحي التي مر بها، حتى إنه يندر أن دخل مدينة أو قرية إلا و تطرق إلى مصادر مياهها، من أنهار و برك و عيون، و لم ينزل موضعا على الطريق إلا و أتى على ذكر ما يتوفر فيه من ماء و كميته و مذاقه أيضا، و ربما أراد من تفصيله في هذا الأمر أن يكون كتاب رحلته دليل سفر للذين سيسلكون الطريق نفسه من بعد، فضلا عن اتساق ذلك مع اهتماماته العامة في رصد الظواهر الطبيعية و الطبوغرافية فيما يمر به من بلاد، من ذلك إشارته إلى نهر الحسيني «و هو جدول يخرج من دجيل»، و إلى نهر الفرحاتية» من أعمال دجيل أيضا، و وصف نهر قويق‏

45

بأنه «نهر صاف عذب لأهل تلك الديار» و أنه «يمد قناة حلب» و أن منبعه من عين إبراهيم (عليه السلام) «و هي من جيلان قرية شمالي حلب» و أنه «نهر ذو فوائد كثيرة و منافع غزيرة».

و نوه بما يسقيه من بساتين، و قد أثارت دهشته سعة ما يرويه منها مع صغر مجراه «بحيث لو أراد أدنى الناس قطعه لقطعه، و هو يزيد على كفاية حلب مع [ما] فيها من كثرة البساتين و القساطل و الحمامات و الخانات و البرك و الأحواض، بحيث لو شاهد أحد ذلك لاعتقد أن دجلة تعجز عنه». و استرعت انتباهه تسمية نهر العاصي، و بعد أن عرض أقوال بعض متقدميه حول هذا الأمر، أعلن أنه لا يرى سببا لتلك التسمية إلا لأن «منبعه نحو الغرب إنما يرى في بعض الأماكن جريانه من الشرق إلى الغرب لتعرج مجاريه في بعض الأراضي فيظن الرائي أنه كذلك من منبعه يجري على خلاف جريان الأنهار».

كما اهتم أيضا بالمياه الجوفية، من عيون و آبار، و ذكرها في مناسبات كثيرة، و نوه بمذاق بعضها، بل عمد إلى المقارنة أحيانا بين عين و أخرى، فقال عن عين زال (عين زالة) مثلا إنها «عيون كثيرة على وجه الأرض، و ماؤها عذب إلا أنه دون عين موسى عذوبة و صفاء»، و قال واصفا عين صفية بعدها» هي عين ماؤها في غاية الصفاء، يجري أولا على أحجار كالصفا .. و ماؤها عذب يشبه ماء دجلة» و وصف ماء عين الرميلة بأنه «عذب خفيف، قيل إنه أخف المياه»، و ماء عين حسية بأنه عذب صاف، و لكن ماء عين النبك «أعذب من الأولى».

و بالمقابل فإنه وصف ماء نصيبين بالرداءة، و مثله ماء قرية العلى. و لاحظ وفرة المياه تحت الكثبان الرملية في جنوب الأردن، فقال «و هذه الأرض إذا حفر فيها نحو ذراع خرج الماء لأنه كامن تحت الرمل، إلّا أنه ردي‏ء مسهل لما فيه من ملوحة»، و حين أخبر بأن ثمّة موضعا يعرف بالغرابي نسبة إلى لون مائه الأسود، لاحظ أن هذا الماء يأخذ لونه من لون مجراه، و إلّا فلا لون له.

و تطرق إلي الآبار الارتوازية، و نوه بالمشاق التي كان يكابدها بعض أهل تلك النواحي في الوصول إلى مياه الشرب، بسبب انخفاضها عن مستوى سطح الأرض. قال مثلا واصفا مورد

46

قرية سرمين إن «أهلها يشربون ماء المطر، يحفظونه في الآبار و آبارهم لا ينبع منها ماء لبعد غوره جدا».

و وصف أيضا البرك و الصهاريج، فعند الأبهل بركة عظيمة مشرفة على الخراب، تمتلى‏ء من ماء المطر، «و عند الأحساء سهل من الأرض يجتمع فيه الماء أو غلظ فوقه رمل يجمع ماء المطر كلما نزحت دلوا جمعت أخرى». و نوه بسعة بركة المعظم فإنها «تزيد على ثلاثين ذراعا في ثلاثين، و عمقها نحو خمسة عشر ذراعا يجتمع فيها ماء المطر، و له مسيلات ينحدر فيها».

د- المناخ:

أورد السويدي إشارات عديدة، و دقيقة، عن الأحوال المناخية للمناطق التي مر بها، و لم يفته، حين يصف مدينة أو صقعا ما، أن يتطرق إلى ما تختص به من مناخ، فنصيبين مثلا «وخمة، هواؤها ردي‏ء» يشير بذلك إلى ارتفاع نسبة الرطوبة في جوها، و دنيسر «هواؤها معتدل»، و معان «طيبة الهواء» بينما تعد العلى «رديئة».

و لاحظ أن ثمة مناطق شديدة الحرارة، رغم أن الفصل كان شتاء، قال واصفا مناخ خيبر «و صدفنا في هذه المنزلة حر شديد يزيد على حر تموز في العراق حتى تجردنا عن غالب الثياب، و نحن نسبح بالعرق و كان قد مضى من كانون الأول اثنا عشر يوما».

4- عنايته بالجغرافية الاقتصادية:

ا- وصفه للنبات:

و لم يغفل السويدي عن أن يسجل لنا وصفا دقيقا لبعض ما لفت نظره من غرائب بيئته من نبات، فكانت تلك الكتابات قريبة إلى ما كتبه بعض الرحالين الأوربيين الذين جابوا المنطقة في عصره، (1) و في الحقيقة فإننا لسنا نعلم رحّالة محليا، في ذلك العصر، قد سجّل أوصاف النبات بتلك الدقة العلمية التي تميز بها السويدي في رحلته، انظر إلى قوله يصف‏

____________

(1) و من أبرزهم الدكتور ليونهارت راوولف، الذي بدأ رحلته سنة 1573 و انتهى سنة 1576، و قد نقلها إلى العربية سليم طه التكريتي، بغداد 1978

47

نوعا من الشجيرات رآه عند نزوله بعض قرى دجيل إلى الشمال من بغداد» و كان نزولنا عند شجيرات جذوعها كجذوع السّدر و أوراقها و أغصانها كالرمان، و لها ورد أصفر كصورة الجلنار، (1) إلّا أنه يخالفه في اللون، و في أسفل كل وردة نقطة تشبه العسل لونا و طعما، و لها دبق كدبق العسل، و لقد ذقتها فوجدت طعم العسل فيها، إلا أن النقطة إذا قرب جفافها يصير فيها شائبة مرارة، و أهل تلك الأرض يسمونها بشجيرات العسل على صيغة التصغير». و وصفه شجرة الغزوح و ما تتركه من أثر مخدر لدى آكليها، و هي «قضبان دقاق خضر لها ورد أصفر صغير أشبه شي‏ء بالشيح».

و نحن نجد السويدي شديد الاهتمام بما مر من نبات و زرع لا يفتأ أن يسجّل لقرائه أخبار ذلك، فسرمين، و هي قرية قريبة من حلب «يحيط بجوانبها أشجار الزيتون» و الطريق إليها مزدان بأشجار السنديان و البطم، بل يصل به اهتمامه إلى حد إحصاء عدد النخيل فيما يمر به من نواح، فيذكر أن ناحية العلى، من نواحي وادي القرى «فيها حدائق من النخيل نحو عشرة آلاف نخلة، و تمرها جيد، و فيها الليمون الحلو الكبار»، و تثير اهتمامه العلمي كثرة المزروعات في بساتين حلب مع قلة مصادر المياه فيها، فيقول «و رأيت كرومها و أشجار التين و الزيتون و الفستق و اللوز تعيش بلا ماء، و كذلك البطيخ الأخضر و الأصفر، و رأيتهم يبذرون في ترابها و هو جاف غاية الجفاف فينبت و ما ذاك إلا لطيب تربتها».

و بالمقابل، فإنه لم يفته أن يسجل ما كان عليه كثير من المناطق التي مر بها من جدب أو قلة زرع، فالبلاليق «جبلها لا شجر فيه»، و البلقاء «أرضها خالية عن النبت و الشجر»، و القاع «عبارة عن بر أفيح لا ماء فيه»، و هكذا فإنه قدّم من الملاحظات الكثير مما يفيد الباحث في دراسة جانب من الحياة الاقتصادية للمدن و القرى العربية في القرن الثاني عشر الهجري (18 م).

____________

(1) هو زهر الرمان.

48

ب- وصفه لطرق المواصلات:

تعد طرق المواصلات من مقومات الجغرافية الاقتصادية، و قد أولاها السويدي جانبا من عنايته، فسمى، على نحو دقيق، جميع مراحل الطريق المؤدي من بغداد إلى الموصل فحلب ثم دمشق فالحرمين الشريفين، و ضبط المسافة، بالفراسخ، بين كل مرحلة و أخرى، و قد ظل هذا الطريق مسلوكا، و مفضلا بوجه عام، عند الحجاج العراقيين على الطريق القصير المباشر الذي يجتاز بوادي نجد و قفارها.

و طريق الحج هذا، كما وصفه السويدي، يتألف من 75 مرحلة و يمر بأكثر من ثمانين مدينة و قرية و محطة، و يتراوح طول المرحلة الواحدة بين ثلاثة فراسخ و عشرين فرسخا، أي بين تسعة كيلومترات و ستين كيلومترا تقريبا (الفرسخ- 6 كم) و يستغرق قطع الفرسخ الواحد نحو ساعة أو أكثر بحسب استواء الطريق أو و عورته.

و على الرغم من استخدام السويدي الفرسخ وحدة رئيسة لقياس المسافات، فإنه استخدم أيضا الميل، و يبلغ ثلث الفرسخ، أي زهاء الكيلومترين، و البريد، و يساوي أربعة فراسخ، أي نحو 24 كيلو مترا.

أشار السويدي إلى أهم ما يعنى به المسافر في طرق ذلك العهد، فقد ثبّت مواضع الخانات و وصفها تفصيلا، و حدّد أماكن برك المياه وسعتها و نوع مياهها، كما لم يغفل عن الإشارة إلى الآبار الارتوازية و العيون المتدفقة، و من ناحية أخرى فإنه سجّل ملاحظاته حول الحالة الأمنية للطرق يومذاك، و أشار إلى النواحي التي يكثر فيها خروج قطاع الطرق و مداهمتهم قوافل التجار و المسافرين، كما أشار أيضا إلى القلاع المنشأة لغرض حماية الطرق، و من يقيم فيها من الجند، و المدد التي يقضونها في تلك القلاع قبل إبدالهم بغيرهم، و ما يتصل بذلك من شؤون تهم المسافر في ذلك العهد، لأغراض عملية مباشرة، و تهم الباحث في يومنا هذا، بوصفها تلقي ضوءا على مرفق مهم من المرافق الاقتصادية يومذاك.

49

5- عنايته بجغرافية المدن:

ا- معاييره في تصنيف المدن:

قدّم السويدي، من خلال رحلته، معلومات قيمة عن أحوال المدن و القرى العربية في عصره، و قد كان دقيقا في تصنيفه المستوطنات البشرية التي مرّ بها، إذ نراه يفرّق بين المدينة و البلدة الكبيرة، و البلدة الكبيرة و القرية و القلعة و محطة الطريق، أو المرحلة، ففي حين عدّ الموصل و حلب و حمص و حماة و دمشق و المدينة المنورة مدنا، وصف كلا من تكريت و أسكي موصل بأنها بلدة كبيرة، وعد كلا من الخانوقة و دنيسر و الرّها و معرّة النعمان و البلقاء بأنها بلد أو بلدة، و البيرة بأنها بليدة، هذا بينما وصف الباب و النبك و سرمين بأنها قرى كبيرة، في حين وصف قرى أخرى مثل تل موس و عين زال و نصيبين و قره دره و خان شيخون و قاره و العلى بأنها مجرد قرى، وعد نواحي أخرى مثل: بريج، الزرقاء، المزيريب، القطران، عنزة، المدورة، ذات حج، تبوك، الأخيضر، المعظم، آبار غنم، هدية، قلاعا، و إن وجد حول بعضها عدد من البيوت. و ليس من العسير تحديد معاييره في هذا التصنيف، إذا ما حللنا طبيعة المعلومات التي أوردها عن كل صنف من أصناف المستوطنات هذه، فالمدينة هي التي تتميز بوجود دار للحكم (سلطة سياسية و إدارية) و أسواق متنوعة، و خانات للتجار و المسافرين (نشاطات اقتصادية) و جوامع كبيرة، و مدارس، و وفرة في العلماء (نشاطات ثقافية و روحية) فضلا عن الأسوار و الحصون و بعض المظاهر الأخرى. أما البلدة، فالأوصاف التي أوردها عن بلدة كمعرة النعمان، تشير إلى أنها تلك التي تتميز بوجود أسواق، و جامع كبير، و حمام، و ليست البلدان الكبيرة- على ما نفهم من وصفه لتكريت و أسكى موصل- إلا مدنا قديمة، أدى خرابها إلى فقدانها صفتها (كمدن) و لكنها لم تبلغ حد أن تتساوى مع (بلدات) ناشئة ليس لها تراثها أو شهرتها. و على هذا الأساس نفسه عد مدنا لها مكانتها السالفة كنصيبين مجرد قرى لأنها «مشرفة على الخراب لا جمعة فيها و لا جماعة».

و تتميز القرى، بحسب وصف السويدي، بوجود بساتين قريبة، مما يدل على غلبة النشاط الزراعي على أهلها، و مع ذلك فإنه وصف قرية حسية الصغيرة بأنها «لها خان كبير

50

لأبناء السبيل فيه جامع يخطب فيه، و فيه بركة ماء كبيرة، و خارج القرية بركة أكثر من عشر في عشر»، و وصف قرية النبك بأن في «ظاهرها خانا لأبناء السبيل، و في داخله خانات للشتاء و فيه جامع خطبة»، و ذكر أن لقرية قارة «جامع خطبة» و أنّ لقرية قطيفة خانا كبيرا واسعا» مما دل على النمو الذي أصابته بعض القرى في ذلك العصر، بسبب موقعها من الطرق التجارية، بل إن كثيرا من القلاع التي رآها، و وصفها، كانت مهمتها حماية تلك الطرق و الإشراف على حركة النقل، فيها، و قد بدأت بالتحول إلى قرى يسكنها المعنيون بتقديم الخدمات إلى القوافل في عهده نفسه، فقد لاحظ هو أن بعض القلاع قد نمت بقربها بيوت.

ب- وصفه للمدن القديمة:

اهتم السويدي، فيما اهتم به في رحلته، بوصف الآثار الشاخصة أو الدارسة من العصور التالدة، من تلال أثرية، و بقايا قصور و قلاع و مدن دائرة. و في الواقع فإن مجرد أن تسترعي هذه الآثار اهتمامه يدل على تحسسه البارع لتاريخية المواضع التي كان يجوس خلالها في أثناء رحلته تلك، و هو ما يجعله يقف ضمن أوائل المثقفين العراقيين الذين نالت آثار بلادهم المادية جانبا من اهتماماتهم العلمية، في عصر انحصرت فيه معظم تلك الاهتمامات، لدى علماء آخرين، بالترجمة للأحياء و تسجيل ما أخذوه عنهم من إجازات، و ما رووه عنهم من روايات و أخبار. قال واصفا تل كوش الأثري، إلى الشمال من بغداد بأنه «تل صغير مستطيل أحمر على كتف دجلة الغربي» و حاول، في أثناء مروره ببقايا قصر العاشق الأثري، في ضواحي سامراء القديمة، أن يقدّم تفسيرا لوجود تسميتين مختلفتين لهذا القصر في عهده، إحداهما العاشق و الأخرى المعشوق، و كان الناس، في أيامه، قد نسجوا قصصا متنوعة حول هاتين التسميتين، فقال هو ناقلا من القاموس المحيط: إن المعشوق قصر بسر من رأى، و لكنه استدرك بقوله: فلعله غيره، لأن العاشق في الجانب الغربي من دجلة، و سر من رأى في الجانب الشرقي، فلعل هذا البناء يسمى بالعاشق، و القصر الذي يسمى بالمعشوق .. و العاشق هذا بناء قديم لم يبق منه إلا أثر الجدران مبني‏

51

بالآجر و الجص.

و لاحظ، و هو يمر بالخانوقة، في طريقه إلى الموصل، أن هذا الموضع يتألف من «تلال عظام من تراب مستديرة، بعضها إلى جانب بعض كهيئة القلعة و السور».

و وصف آثار مدينة ثمود الأثرية، في طريقه إلى وادي القرى، و لاحظ عدم صحة ما كان يتداوله الناس حول كونها قد قلبت بسبب غضب الله عليها، فقال «ديار ثمود و تسميها العامة ديار صالح .. و هي أرض موحشة .. و فيها بيوت ذوات أبواب، على سطح كل باب هيئة الدرجين المعكوسين، تظن العامة أنها مقلوبة و ليس كذلك كما هو ظاهر لمن تأمل البناء و عقد الأبواب و الأواوين، و أكثر البيوت علا عليها الرمل». و إشارته إلى «تأمل البناء و عقد الأبواب و الأواوين» لافتة للنظر حقا، لأنها تدل على أن مروره بتلك الآثار الشاخصة، لم يكن مرور عابر سبيل اعتيادي، و إنما كان مشاهدة، و درسا، و اهتماما.

ج- وصفه المدن القائمة:

شغف السويدي بوصف عمارة المنشآت المهمة في المدن التي أقام بها أو زارها، و لم يكن وصفه لها مجرد إشارات عابر سبيل، أو تنويه بوجودها فحسب، و إنما وصف تأمل و تدبر، فيه من دقة الملاحظة و حسن التصوير ما هو جدير بالالتفات، و لذا فقد حفلت رحلته بفقرات مسهبة عن عدد من تلك المنشآت، كالمساجد و المدارس و الخانات و القلاع. و نحن نراه حين يعمد إلى وصف عمارة منشأة ما، يحيط بالعناصر الرئيسية المكونة لها، على نحو متوازن لا خلل فيه؛ ففي حديثه عن المساجد لا يغفل عن وصف عناصر المسجد الرئيسية:

القبة و المحراب و المصلى و الصحن و المئذنة، و ربما قارن بعض هذه العناصر بغيره مما سبق أن شاهده في مساجد أخرى، و استفاد من النصوص و الكتابات الأثرية على المسجد نفسه في التعرّف على تاريخ إنشائه أو تجديده. قال في وصفه لجامع دنيسر «لها جامع كبير واسع قديم من محاسن الدنيا بناء و عمارة، إلا أن نصف قبته ساقطة و الباقي متداع .. و له محراب في غاية الجودة عليه كتابة عربية و كوفية مكتوب عليها بعض آيات قرآنية، و عليه اسم من‏

52

عمّره و هو السلطان خالد تحيط به جدران عالية شامخة، تكتنفها منارتان رفيعتان في غاية الجودة و الحسن تشبهان منارة الجامع الكبير في حلب، إلّا أن هاتين أحسن و أحكم بناء، و للمصلى الداخل باب عن يمينها و عن شمالها آخر، و يكتنفها أربعة شبابيك يمينا و شمالا».

و كلامه عن جامع حمص يكشف عن دقة ملحوظة في تتبع تاريخ البناء و ما مر عليه من تطورات، و في تسجيل الكتابات الأثرية التي فيه، و في إحصائه لأساطين الجامع و أحجامها، و ما إلى ذلك من أمور، يقول «جامع كبير في صحنه بركة و عواميد سمّاقية ملقاة و مطروحة على الأرض، و أعلى المصلى مسقف بالخشب و ظاهر البناء يدل على أنه كان عقدا، فأخبرت أن تيمور الخبيث هدمه. و على باب الجامع المذكور من خارج كتابة فيها اسم الباني و هو السلطان المالك الملك المجاهد المرابط المؤيد المنصور أسد الدنيا و الدين ملك المسلمين أبو الفتح شير كوه بن محمد بن شير كوه ناصر أمير المؤمنين في شهر رجب سنة ثمان و تسعين و خمسمائة .. و في داخل المصلى عواميد من الرخام في غاية الغلظ و الطول، و هي سبعة عشر عمودا طول الواحد نحو أربعين شبرا، و دوره قدر ما يحضن الإنسان مادا يديه بمرة و نصف».

و وصف جامع معرة النعمان و مئذنته بأنه «جامع كبير في أحسن ما يكون من العمارة، و له منارة رفيعة حسنة البناء مربعة» كما وصف الجامع الأموي في دمشق مجملا فقال «و هذا الجامع كبير واسع في غاية الحسن من العمارة و النقش و الاسطوانات و الرواقات بحيث يعلق في كل ليلة من رمضان نحو اثني عشر ألف قنديل كما قيل»، و جاء وصفه لعمارة جامع السليمانية بدمشق و مدرسته دقيقا، تطرق فيه إلى ما كان يحفل به من برك و فوارات و حجر و مآذن، قال «هو جامع جليل تحيط به البساتين من جوانبه الأربعة، في وسط صحنه بركة ماء واسعة فيها خمس فوارات، و فيه مطبخ يطبخ فيه الطعام، و له حجر متعددة، سقوفها قباب مطلية بالرصاص، و كذا قبة الجامع، و له منارتان حسنتان، و الحاصل أنه جامع من عجائب الدنيا إلّا أن مصلاه صغير .. و يتصل به مدرسة السليمانية، و هي ذات حجر كثيرة في صحنها بركة ماء عشر في عشر ذات فوّرارات خمس، و موضع التدريس قبة واسعة

53

عظيمة تفتح شبابيكها على البساتين من الجوانب الأربع، و جميع قباب الحجر و سطوحها مصفحة بصفائح الرصاص».

و استأثرت الخانات (فنادق المسافرين) بجانب من عناية السويدي، فخصّ عددا منها بوصف شامل لمرافقها في ذلك العصر، و يظهر مما ذكره أن هذه المنشآت كانت تمر بمرحلة من الازدهار نتيجة لتطور أحوال التجارة و نموها و بخاصة تجارة النقل في المشرق العربي في أواسط القرن الثامن عشر، و ازدياد اهتمام السلطات المحلية بها بوصفها مراكز لحماية التجار، مصدر تمويل تلك السلطات آنذاك. قال واصفا أحد الخانات عند مدخل مدينة حمص «هو خان كبير مشتمل على خانات، فإذا دخلت بابه رأيت صحنا كبيرا واسعا في أطرافه حجر لأبناء السبيل و عن يمين الصحن باب كبير فيه خان فيه أواوين و حجر و اصطبل، و مقابل الوجه باب كبير أيضا فيه أواوين و حجر أيضا و جدول ماء صغير متشعب من العاصي، و عن يساره صحن طويل يشقه جدول من العاصي و عليه ناعورة صغيرة».

كما أشار إلى خانات أخرى في المدن و الطرق التي مر بها، منها قزل خان و خان الأغوات (في الموصل)، و خان تومان، و خان حماة و خان القطيفة و خان الزبيب، و غيرها.

و من ناحية أخرى فإن رحلته حافلة بإشارات مهمة إلى عدد من قلاع المدن، و القلاع التي على الطريق، مثل قلاع شمسين، و بريج، و القطيفة، و المزيريب، و الزرقاء، و القطران، و عنزة، و المدورة، و ذات حج، و تبوك، و الأخيضر، و المعظم و غيرها. و لم يغفل أن ينوه أحيانا بالقرى الكبيرة التي ليس لها سور يحميها.

و نظرا لاهتماماته الدينية و التاريخية فقد سجّل لنا ما كانت تحفل به مدن تلك العهود من قبور الصحابة، و الأولياء، فضلا عن المقامات المنسوبة للأنبياء، و ما هو مشيد عليها- أحيانا- من قباب و مبان.

6- عنايته بالجغرافية البشرية:

عني السويدي بتقديم ملاحظات علمية ذكية عن المجتمعات البشرية التي مر بها، مما يدخل ضمن نطاق ما يعرف بالجغرافية البشرية، فقد تكلم عن الصفات الموروثة لبعض‏

54

الجماعات. قال واصفا أهل ناحية قزل خان «و لهم نسل في بغداد في مشهد الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه يقال لهم القزلخانية، و الغالب عليهم الشقرة»، و تطرّق أحيانا إلى تحديد العروق التي ينتمي إليها سكان بعض النواحي، فقال عن سروج إن «حولها ضيعة تركمان»، و أفاض في مواضع عديدة في وصف الأخلاق العامة لبعض المجتمعات، فوصف سكان بعض القرى بأن «أهلها ليس لهم ملاءمة مع الغرباء، و هم من الوحشة التي يستوحشها الغريب على جانب عظيم». و قال عن سكان مدينة حلب «أهلها في غاية الرقة و اللطف و نهاية الشفقة و العطف»، و عن قرية سرمين إن «أهلها ليسوا من أهل الأنس» و مثل هذه الأوصاف، على إيجازها، تدل على إحساس قوي لدى رحالتنا ب (مجتمعات) تلك المدن و القرى التي صادفها، و ليس بأفراد منها، يأخذ عنهم الإجازات العلمية أو ينقل عنهم أخبارهم الأدبية، كما كانت تنحصر مهمة الرحالين المحليين السابقين.

و لم يقف السويدي عند تسجيل السمات الظاهرة لبعض ما صادفه من مجتمعات زمانه، و إنما حاول سبر مكنونات هذه المجتمعات، بالنظر إلى ما تضمنه من فئات و شرائح مختلفة، و الملاحظات التي ساقها بشأن مجتمع دمشق تقف دليلا على عمق نظرته العامة، و وعي ظاهر بالقوى الاجتماعية السائدة يومذاك، فلقد لاحظ أن هذا المجتمع يتألف من ثلاث «مراتب» أو «طبقات» اجتماعية، أعلاها ما يسميه ب «الطبقة العليا من أكابر و علماء و مشايخ طريق» و أدناها «المرتبة السفلى من الينكجرية (الأنكشارية) و من كان على طريقتهم من الأرذال الأنذال» أما المرتبة الوسطى فهم «أهل الحرف كالعطارين و البزازين و البقالين و بعض العلماء و من ينحو نحوهم» و هو حينما يوجّه إلى الطبقة العليا انتقاداته القاسية «فراعنة كذابون مراؤون لا علم و لا عمل» فإنه يعلم أنه إنما ينتقد الطبقة التي طالما وقفت على قمة الهرم الاجتماعي للمدينة العربية، و التي تتألف غالبا من القوى الإقطاعية التقليدية (أكابر) و حلفائها من العلماء الكبار و زعماء الطرق الصوفية (علماء، مشايخ)، و لكنه يحس الآن بأن هذه الطبقة أخذت تفقد مبررات احتفاظها بتلك المرتبة، نتيجة للتطورات الاقتصادية و الاجتماعية الآخذة بالظهور في عهده (القرن 12 ه/ 18 م)