تاريخ المستبصر، صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز

- يوسف بن يعقوب ابن مجاور المزيد...
340 /
5

مقدمة الناشر

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و نشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و نشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله، شهادة نلقى بها ربنا يوم العرض عليه ...

و بعد،،،

فيسر «مكتبة الثقافة الدينية» أن تقدم للمكتبة الإسلامية هذا السفر الجليل من كنوز تراثنا الإسلامى، و هو كتاب: «تأريخ المستبصر» لمؤلفه: «ابن المجاور» و هو كتاب فى تاريخ مكة و الحجاز و بلاد اليمن، لم تعرف وفاة مؤلفه.

و لنا هنا وقفة، حيث اختلفت المراجع فى نسبة ابن المجاور، و لم تتفق له على اسم واحد، فغالبية المراجع تذكره على أنه: «أبو الفتح، يوسف بن يعقوب بن محمد بن المجاور الشيبانى» و هكذا أورده الزركلى فى «الأعلام» و أيضا ورد بنفس الصورة فى «موسوعة العلوم الإسلامية و العلماء المسلمين» و هكذا ورد على غلافة الكتاب- ط. ليدن سنة 1951- 1954 و هى نسبة خاطئة.

فقد أورد المؤلف فى ص: 281 من هذه الطبعة الجديدة، التى بين أيدينا ما نصه:

6

«و كتب والدى محمد بن مسعود بن على بن أحمد بن المجاور البغدادى النيسابورى ...».

و هكذا نجد أن المؤلف قد ذكر اسم والده بالكامل، إلا أنه لم يذكر اسمه هو أو كنيته.

و قد ذكرت صاحبة «الموسوعة الذهبية للعلوم الإسلامية» تحت عنوان: «تاريخ المستبصر» ما يلى:

لمحمد بن مسعود بن ... الذى كان حيا سنة 626 ه/ 1228 م.

مخطوط رقم 463 مكتبة المتحف العراقى.

و هو كتاب فى تاريخ مكة و الحجاز و بلاد اليمن، لم تعرف وفاة مؤلفه، و قد ذكر المؤلف اسمه فى الورقة 158 من هذه النسخة و هو: ...

و يلاحظ أن المؤلفة هنا اعتبرت أن النسبة الواردة فى المخطوط فى الورقة 158 أو فى ص 281 من الطبعة التى بين أيدينا هى للمؤلف نفسه، بينما نجد عبارة المؤلف صريحة فى قوله: «و كتب والدى ...».

من هنا كان حرصنا على عرض كل هذه الاختلافات و وضعها بين يدى القراء الأعزاء و الباحثين المتخصصين سائلين اللّه تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل ...

إنه سبحانه نعم المولى و نعم النصير

الناشر

7

القسم الأول‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة [المولف‏]

الحمد للّه الذى رفع السماء عبرة للناظرين و بسط الأرض و جعل فيها آيات للموقنين و أودع فى اختلاف الألسن و الألوان باختلاف الأقاليم و البلدان بصائر المستبصرين و شواهد عموم رحمته و سبوغ نعمته للعالمين، و صلى اللّه على سيدنا محمد المصطفى من خلقه فى السموات و الأرضين و على آله الطيبين و أصحابه أجمعين، و بعد.

فإن فن التاريخ و لا سيما ما يتعلق بمعمورة الأرض و عروض بلادها و أطوالها و أوضاع مبانيها و مسافات مغانيها و تصوير أقطارها و تبيين أحوال أمصارها من أبدع الفنون و أغربها و أبعدها غورا و أعجبها، تجدد لك أوراقه البالية المدائن الدارسة يرصاصها و قصورها و يحيى موات فصولها و أبوابها القرون الطامسة فى طى حروفها و سطورها.

هذا و لا مرية لذوى العقول و الأديان فى أن مكة- زادها اللّه شرفّا- أم القرى و سرة الأرض المعمورة، و أحب بلاد اللّه إلى اللّه و رسوله فى السنن المشهورة (1)، ثم‏

____________

(1) ثبت عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال عند خروجه من مكة مهاجرا إلى المدينة المنورة: «و اللّه-

10

إن أيمن ما حولها من البلدان و أبركها مملكة اليمن المخصوص بالبركات الثلاث النبوية فى جواهر السنن منبع الحكمة و معدن الفقه و الإيمان من سالف الزمن، فخصصت هذين القطرين فى هذا الكتاب بذكر ما يتعلق بهما فى هذا الفن من بيان البقاع و البلاد و المدن و الجبال و البحار و شرح المنازل و المغانى و مقادير المسافات فى المفاوز و المقار ثم تصوير كل بقعة منه حتى كأنك تراها رأى العين و توقف بها على أرجائها فيغنيك ذلك عن الأين فى البين، و لا يعدم كل بقعة من نادرة جرت فيها من الأخبار و شعر نظم فى سلكها قديما من الأشعار.

و هذا أوان الشروع فى مقصود الكتاب، و تسهيل الحجاب، و فتح الباب، و اللّه ميسر الأسباب، إنه كريم وهاب.

____________

- إنك لأحب أرض اللّه إلى اللّه، و أحب أرض اللّه إلىّ، و لو لا أن قومك أخرجونى منك ما خرجت».

11

ذكر أسماء مكة و صفاتها

سماها اللّه تعالى بأربعة أسماء: مكة و البلد و القرية و أم القرى.

قال اللّه تعالى: وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ (1) فإذا الكلام على هذا الاسم.

قال الزجاج: مكة لا تنصرف لأنها مؤنثة، و هى معرفة، و يصلح أن يكون اشتقاقها بكة لأن الميم تبدل من الباء، كما يقال: ضربة لازب و لازم، و يصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم مككت العظم إذا مصصته مصا شديدا حتى لا يبقى فيه شى‏ء، شبهت بذلك لشدة ازدحام الناس فيها.

و قال ابن فارس: مككت العظم إذا أخرجت مخه، و المك الاستقصاء، و فى الحديث: «لا تمككوا على غرمائكم».

و فى تسمية مكة بهذا الاسم أربعة أقوال:

أحدها: أنها مسافة يأتيها الناس من كل فج عميق، فكأنها هى التى تجذبهم إليها، من قول العرب امتك الفصيل ما فى ضرع أمه.

الثانى: من قولهم: مككت الرجل إذا أردت تخوّفه، فكأنها تمكك من ظلم فيها، أى تهلكه، كما قال:

يا مكة الفاجر مكّى مكا* * * و لا تمكى مذحجّا و عكّا

____________

(1) الآية: 24 من سورة الفتح.

12

و الثالث: أنها سميت بذلك لجهد أهلها.

و الرابع: لقلة الماء بها.

و قد اتفق العلماء أن مكة اسم لجميع البلدة، و اختلفوا فى بكة على أربعة أقوال:

أحدها: أنه اسم للبقعة التى فيها الكعبة، قاله ابن عباس رضى اللّه عنهما.

و الثانى: أنها ما حول البيت، و مكة ما وراء ذلك، قاله عكرمة.

و الثالث: انها اسم للمسجد و البيت، و مكة اسم للحرم، كما قاله الهروى.

و الرابع: أن بكة هى مكة قاله الضحاك و احتج لتصحيحه ابن قتيبة و قال بأن الباء تبدل من الميم و يقال ضربة لازم و لازب.

و أما اشتقاق بكة فمن البك، يقال: بكّ الناس بعضهم بعضا أى دفعه.

و فى تسميتها بكة ثلاثة أقوال‏ (1):

أحدها: لازدحام الناس بها، قاله ابن عباس.

و الثانى: تبك أعناق الجبابرة، أى تدقها، فما قصدها جبار إلا أهلكه اللّه، قاله ابن الزبير.

و أما تسميتها بالبلد فقد قال اللّه عز و جل‏ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (2) يعنى مكة و البلد فى اللغة صدر القرى.

____________

(1) المذكور هنا قولان فقط.

(2) الآية الأولى من سورة البلد.

13

و أما تسميتها بالقرية فقال اللّه عز و جل: وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً أى ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى انتقال عنها لخوف أو ضيق‏ يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ‏ الرزق الواسع الكثير، يقال: أرغد فلان إذا أصاب خصبا و سعة فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ‏ أى كذبت محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ‏ (1) و أصل الرزق بالنعم و أكثر اشتقاقه منه و ذلك أن اللّه تعالى عذب كفار مكة بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف و العظام المحرقة و كانوا يخافون من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و من سراياه.

و القرية اسم لما يجمع فيها جماعة كثيرة من الناس، و هذا اسم مأخوذ من الجمع يقال: فريت الماء فى الحوض إذا جمعته فيه، و يسمى ذلك الحوض مقراة.

و أما تسميتها بأم القرى فقد قال اللّه عز و جل: وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها (2) يعنى مكة.

و فى تسميتها بذلك أربعة أقوال:

أحدها: أن الأرض دحيت من تحتها، قاله ابن عباس، و قال ابن قتيبة: لأنها أقدمها.

و الثانى: لأنها قبلة يزوها الناس.

و الثالث: لأنها أعظم القرى شأنا.

و الرابع: لأن فيها بيت اللّه عز و جل.

____________

(1) الآية: 112 من سورة النحل.

(2) الآية الأولى من سورة الأنعام.

14

قال ابن المجاور (1): و مما قرأت فى كتاب الفاكهى قال: قال لى رجل من أهل مكة قال أعطاه كتابا بعض أشياخه فإذا فيه أسماء مكة فإذا فيه مكتوب: مكة و برة و بسّاسة و أم القرى و الحرم و المسجد الحرام و البلد الأمين.

و قالوا: و من أسمائها صلاح، و قال القائل فى ذلك: ... صلاح و قال كانت تسمى فى الجاهلية النشاشة لأنها تنش من فيها، أى تخرجه منها.

قال ابن المجاور: و حدثنى هندى بالهند أنها تسمى عند الهنود مكى مسير.

و قال بعض الفضلاء: اسمها كوسا، و احتج بقول الشاعر:

سألت عمرا عن فتى اسمه‏* * * يحيى و ثان اسمه عيسى‏

فقال: يحيى أبصرته جالسا* * * بالفجّ يحلق رأسه موسى‏

و أبصرت عيسى داخلا قرية* * * هى التى قد سميت كوسا

و يسمونها التجار عروق الذهب، و يسمونها البغاددة مربية الأيتام.

و قد ذكر المسعودى فى كتاب مروج الذهب أن مكة من الإقليم الثانى تنسب إلى المريخ، و بناها إبراهيم الخليل (عليه السلام)، و هواها صحيح وجوها طيب و ليلها أطيب من نهارها لأنها تنزل فى لياليها الرحمة على من بها، و ماؤها من الآبار و أطيبها ماء الشّبيكة و الوردية و الواسعة، و هى بئر وراء جبل أبى قبيس، فيها يربح الفقير، و جميع ذلك بنته أم العزيز زبيدة بنت جعفر بن أبى جعفر المنصور.

____________

(1) هو مؤلف الكتاب، و سبق التعريف به فى المقدمة، و سيتكرر كثيرا فى الكتاب.

15

و أهلها عرب و أشراف من نسل الحسن بن على بن أبى طالب، و ما بقى من أهلها قرشيين على مذهب الإمام زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، و هم رجال سمر، لأن جلة مناكحهم الجوارى السود من الحبش و النوية، طوال الجثث صحيحين اللغة قليلين المال كثيرين العشائر و القبائل ذوو قناعة، و قد قال النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) «القناعة غنى» و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «القناعة كنز لا ينفد».

و كان أحدهم يبقى على قرص و قليل سمن ثلاثة أيام بلياليها، و فى ذلك أنشد الإمام أبو عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعى يقول:

أمتّ مطامعى و أرحت نفسى‏* * * فإن النفس ما طمعت تهون‏

و أحييت القنوع و كان ميتا* * * و فى إحيانه عرضى مصون‏

إذا طمع أحلّ بقلب عبد* * * علته مذلة و علاه هون‏

و ملبسهم النصافى النيسابورى الرفيع و يتحزم بنصفه الثانى و يرمى بما فضل منها، و لبس نسائهم القنوع (و سيأتى‏ (1) ذكر القنوع فى أعمال صنعاء) و البراقع، و مأكولهم اللحم و السمن و الخبز، و أساميهم سالم و مسلم و غانم و غنام و فراح و فارح و قاسم و هياب و نهاب و وثاب و مطاعم و مطاعن و مفرج و فارج و قاسم و قائم و ضاحك و ضحكان و سلال و فلال و سيار و هبار و راشد و رشاد و رشد و شاكر و مشكر و فاضل و فضائل و طالب و ظالب و واصل و حاصل و راجى و مرتجى و راجح و ناجح و فاتك و مالك و مهيوب و هياب و وهّاس و رعاش و حواس و كناس و قادم و مقدم و مشمر و هانى‏

____________

(1) فى الأصل: «و قد تقدم» و الصواب ما أثبتناه، و انظر ص: 214 و ما بعدها.

16

و مهنا و زاكى و طائب و ظافر و ناجى و منجى و جابر و لاحق و سيار و صابر و جابر و عارس.

ذكر زواج اهل مكة

فى العاشر من ذى الحجة يخطب زيد بنت عمرو و فى العاشر من المحرم يدخل كل واحد منهم على عرسه بالنظرة و التظهير، قلنا: و لم ذاك؟ قالوا: لأن كلا منا يعيش مع الحاج فى كل فن من الفنون من حرام و حلال، فإذا رحل الحاج دار الخطب و النكاح و الأفراح و الأعراس بين الناس.

فإذا تزوج رجل من أهل مكة و قطع المهر و أراد الدخول على المرأة يخضب الرجال أيديهم و أرجلهم تزينا، و كذلك جميع أهل اليمن و حضر موت، و يحضر كل أصدقائه من الأهل و الأقارب و بيده قرطاس مشرور مكتوب عليه اسم الآتى مع وزن المبلغ و عدده يقدمه قدام العروس كلّ على قدر حاله وسعة ماله، و كذلك تفعل النساء، و يخرج العريس إلى الحرم و يطوف سبعا و يصلى فى مقام إبراهيم ركعتين و يقبّل الحجر الأسود، و يخرج بالشمع إلى بيت العروس فتجلى عليه و يدخل عليها و يبقى عندها سبعة أيام، ففى اليوم السابع يخرج يضم الطرح الذى طرح له و يدبره رأس مال فى يده، و عند ذلك يفتح له دكانا يعيش به، و يكون ذلك الطرح دينا عليه.

و كل من تزوج من القوم الذين حضروا العرس يرجع يرد إليهم الذى أخذ إلى كل واحد من القوم مثل الذى جاء به إليه أو أزيد منه، و كذلك يفعلون فى سائر أقاليم اليمن.

17

و كانت أهل مكة فى سالف الدهر يشترون العبيد و يقطعون عليهم قطعة تعطى لسيده كل يوم بيومه، و كذلك النساء تقطع المرأة قطعة على جواريها فى تحصيل الذهب فترجع الجارية ترجو الفرج أو تبذل الفرج للرجل و الحرج فى هرج و مرج، و إلى الآن هذا موجود فى عدن من الغريب و أهلها، و ليس هذا الفن عندهم عار بل تفتخر النساء بذلك، و كذلك كان فى أيام الجاهلية كل جارية لا تبذل فرجها ينكر عليها إلى أن نزلت هذه الآية: وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (1) فهى من ذلك العهد و هم على ذلك العهد باقون.

و إذا خرج السيد و العبد و الجارية إلى أشغالهم خليت المرأة فى الدار وحدها حتى إنها تبرك على أربع إذ ليس لها شغل تشتغل به فيرجع بروكها على وركها عادة و ألفوه إلفا.

و يقال: إذا تخاصم رجل و امرأته و اغتاظت المرأة منه غاية الغيظ تقول المرأة لزوجها: لا شك أنك على أنى أكسره، و المعنى أنك تريد أن أقعد على عجزى، فيقول لها زوجها: باللّه عليك لا تفعلى ذلك.

فصل: [ (سيف الدولة مع بنت عمه)]

دخل سيف الدولة بن عبد اللّه بن حمدان على بنت عمه، و يقال:

بنت خاله و هى باركة على أربع، و هى تنظم لها حب عقد لؤلؤ فقال لها سيف الدولة: بكم هكذا؟ قالت له: بالموصل، قال لها: اشتريت، فقالت له: و أنا بعتك،

____________

(1) الآية: 33 من سورة النور، و انظر فى ذلك باب: «الإكراه على البغاء» فى كتاب: «سورة النور و مشكلاتنا الاجتماعية» إعداد/ ممدوح حسن محمد، ص: 125 و ما بعدها، من إصدارات دار الأمين بالقاهرة.

18

و قضى منها شغله ... فلما أصبح من الغد جاء الخادم يتقاضى ثمن ما اشتراه فقال سيف الدولة للوزير: اكتب لها منشورا بتسليم الموصل، فما أعجب الوزير هذا القول و أمسك عن الكتب، فقال له سيف الدولة: اكتب لها، فواللّه لقد أخذت منها فردا يسوى جملا أحمر، أو يقال: جمل عراقى، كما قال:

نعم أقول لو ان القول مقبول‏* * * ظل الهوى و تمادى القال و القيل‏

ليس السلام بشافى القلب من دنف‏* * * ما لم يكن فيه تخميش و تقبيل‏

و ليس يرضى محب عن أحبته‏* * * حتى يفوز بما ضم السراويل‏

و لأجل ذلك تكبر أعجاز نساء الحجاز لأنهم يربونه قصدا.

و يطلع بها من جميع الخضر مثل البطيخ و الخيار و القثاء و الباذنجان و الكراث و يأكلونه بالتمر و الفجل و ما أشبه ذلك و بها الرطب الطيب من البرنى و المكتوم.

و يقال: إنه كان فى قديم الأيام يجتمع بها من جميع الأزهار و الفواكه و الثمار و الرياحين، و من جملة ذلك أنه كان يزرع فى زهران الزعفران، و كان يرفع إلى بغداد كل عام بعد الخرج و المؤن ثمانون ألف دينار، و قيل: ثمانية عشر ألف دينار، و هو الأصح، و جميع ذلك كان من الزرع و الضرع و دخل الأشجار و جنى الثمار و سقى الأنهار و مراعى الإبل و دخل النخيل.

فلما دار الدهر نقص جميع ما ذكرناه لاختلاف النيات مع قلة الأمانات، و كل من بها يستعمل الطيب من الرجل و المرأة، و فى يد كل واحد من القوم سيف و لم يرموا العدة من أيديهم إلا فى شهر اللّه الأصم رجب، عظّم اللّه حرمته.

19

و بناء البلد بالحجر و الجص و بناء الطبقة الثانية بالشكل، و هذا فى زمان معاوية بن أبى سفيان، و صارت بعده فى أيام أبى عبد اللّه محمد المهدى باللّه أمير المؤمنين لما بنى الحرم الشريف كل دار تشابه حصنا من الحصون لأجل إحكامها، و بنى الأمير هاشم مدينة ظاهر مكة ما بين درب الثنية و المسفل تسمى مربعة الأمير، فكان يسكن بها جنده و خدمه و حشمه و بقى البلد عامرا، و خربت فى دولة الأمير عيسى ابن فليتة و بقيت خرابا إلى دولة الأمير قتادة بن إدريس بن مطاعم بن عبد الكريم و جدّد فيها آثارا و مواضع شتى و أراد أن يسكن فيه الغرباء و قريش و يسكن هو و جميع أهل الشرف مكة فمات على غفلة و بطل جميع العمل من طول الأمل.

و أدار الأمير قتادة بن إدريس على مكة سورا من الحجر و الطين، و ذلك على رءوس الجبال و بطون الأودية، و ركب عليه أربعة أبواب: باب درب المعلى ينفذ إلى عرفات، و باب درب الثنية ينفذ إلى مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يسمى باب جدة، و باب العمرة، و باب المسفلة ينفذ إلى اليمن، و باب الصغير ينفذ إلى الصفا المصافى و الصحيفة و هو واد ليس عليه طريق- على هذا الوضع و الترتيب- و اللّه تعالى أعلم بالصواب.

20

[صورة مكة]

و صورة مكة شرفها اللّه تعالى على هذا الوضع و الترتيب:

21

ذكر ولاة مكة من آل الحسن بن على بن أبى طالب كرم الله وجهه‏

الأمير منصور بن مكثر بن عيس بن مكثر بن قاسم بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبد اللّه بن أبى هاشم بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد اللّه بن موسى الجون بن عبد اللّه ديباجة بنى هاشم بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، و الأمير حسن بن قتادة بن إدريس بن مطاعم بن عبد الكريم ابن عيسى بن الحسين بن سليمان بن على بن عبد اللّه بن موسى الجون، و هاهنا يرجع النسبين [كذا] إلى فرد نسب.

فهؤلاء الذين نزلوا مكة من أيام دولة الإمام عبد اللّه الخليفة أبى جعفر بن هارون الرشيد إلى سنة تسع عشرة و ستمائة.

و فى هذا التاريخ ملكها السلطان الملك المسعود صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن محمد ابن أبى بكر بن أيوب بن شاذى بن مروان بن محمد.

22

ذكر المعاملات [مكة]

و نقد البلد ذهب مصرى و بها يضرب على عيار المصرى يسوى الدينار أربعة و عشرين علويا، و يحسب كل علوى أربعة دراهم كل درهم ستة فلوس، فلما رجعت الدولة لآل أيوب ضربوا الدراهم الكبار، و يقال: أول من ضرب هذا الدرهم الكبير بها المعز إسماعيل بن طغتكين فى اليمن، و أول من ضرب الدراهم الكبار بمكة الملك المسعود يوسف بن محمد على قوانين اليمن، يسوى الدينار المصرى أربعة دنانير و نصف ملكى يصح ثمانية عشر درهمّا يحسب كل أربعة [دراهم‏] دنانير دينار مكى و كل درهم ثلاث جوز كل جوزة ثمانية فلوس و كل فلس أربع درّس.

قال ابن المجاور: و كل ما كان يصح فى أول العهد بعلوى رجع ذلك الشى‏ء بدرهم كبير.

و الرطل مائة و ثلاثون درهما و هو ست أواق يحسب كل أوقية أحد و عشرون درهمّا و ثلث و به يباع جميع الحوائج و العطر، و من اليمن ثلاثمائة و عشرين درهمّا، و به يباع الثياب و السكر و العسل و جميع الحوائج الحلوة، و من اللحم أربعمائة درهم، و به يباع اللحم و الشحم و الهريسة و المجبنة و الألية، و من السمن ثمانمائة درهم، و به يباع السمن و الزيت و الخل و الشيرج، و الذراع اليد فى أيام الموسم و أيام الصدقة و إذا كان بعد الموسم بمدة شهر كامل زيد فى الذراع، و فى سنة اثنتين و عشرين و ستمائة زيد فى الذراع و رجع الذراع على ذراع مصر، و كانت صنجة مكة فى بغداد تصح المائة خمسة و تسعين دينارا.

23

فلما تولى ملك الحجاز طغتكين الكاملى نقص المائة الدينار فصار الآن تصح المائة المكية ببغداد أربعة و تسعين دينارا، و جميع ما يباع بمكة مقايضة كج بكج، و يباع الحنطة و سائر الحبوب بالصاع و يحسب الصاع أربعة أمداد و كل مد أربعة أرباع رطل، و يباع الأدم بالبيعة كل بيعة مائة من يصح الحمل ببيعتين و نصف، و يحسب العوار ثلاثة أصناف: عوار الذى يكون فى أوسط الطاق خدش بسكين فى رقبة الطاق، و الثانى الشعرانى، و هو الذى يكون فى الشعر، و المقفع يكون قد تقفع الكيمخت من على الجلد، و كذلك اليابس من الدهن و الخفيف و الأسود، و الأديم الجيد و هو الثقيل النقى الطاهر عنابى الوجه مشتبك بعضه ببعض مبرأ من العيوب التى ذكرناها.

قال ابن المجاور: هذا فى اليمن و نواحيها يكون يسوى كل مائة من بخوارزم على الصفة التى ذكرنا سبعين دينارا.

و يدبغ الأديم فى جميع إقليم اليمن و الحجاز و نواحيها و يبيعونه طاقات بالعدد، و كذلك الحبشة و أعمالها، و يسميه العجم أديم خوش و فى كشك من أعمال الهند كذلك، و ما تدبغ الأدم إلا بالقرظ، و يدبغ فى مكة جلود الجمال و البقر و الغزلان، و كان مسافرو خراسان يشترون جلود البغال الفحولة من رستاق الموصل و سواد إربل و تدبغ فى مكة، و قد بطل جميع ذلك من سنة عشر و ستمائة لظهور الكافر بخراسان و الرى.

و الأديم الخفيف يصلح للعراق و الشام لأنهم ينشرون الطاق حتى يجعلوه على الكيمخت، و ما يريدون فى خوارزم و خراسان إلا الأديم الثقيل لأنهم يبطنون به الخف، و يقال فى الأثمان: يسوى الخوارزمى و الفنا أربعة دوانيق ربكية و خفة عشرة دنانير و كذلك الروم.

24

و يقال: إن الصديق بمنزلة الرأس و العدو بمنزلة الرجل، و لأجل ذلك لبست أهل هذه النواحى أرجلهم أجود ما يكون من الملابس.

حدثنى محمد بن رزق اللّه قال لى: هل ترون فى خراسان كوكب سهيل؟

قلت: لا و اللّه، قال: لهذا لم يصح لهم دباغة الأدم، قلت: و كيف ذاك؟ قال: كل إقليم يطلع عليه و فيه سهيل يصح فيه دباغة الأديم لأنه يحمره و يصيره إلى ما ترى من الليونة و النعومة.

من مكة إلى المدينة

على طريق بنى عصبة و هم السرو، من مكة إلى بطن مر أربعة فراسخ و هو واد طيب، و بنى فيه بعض أمراء مكة من الشرق قصرا، و هو الآن خراب، و إلى الهدى أربع فراسخ، و إلى برزة أربع فراسخ، و إلى شابة أربع فراسخ، و إلى المدينة قدر أربع فراسخ، و إلى هجر قدر سبع فراسخ، أرض عزة، و هى أرض بنى سليم التى فتحها أمير المؤمنين على بن أبى طالب، (كرم اللّه وجهه).

ذكر فتح أمير المؤمنين على بن أبى طالب هذه الجبال‏

حدثنى عيسى بن أبى البركات بن مظفر البغدادى بمكة قال: إنى قرأت فى بعض الكتب أنه كان لبنى سليم فى الجاهلية نحل عظيم فكان إذا جاءهم عدو دخّنوا فى الأكوارات- يعنى النحل- فكان يطير و يعلو الجو فيبان لناظره شبه غمامة

25

من كثرته، فإذا تعلّى انحدر و نزل على خيل العدو و نكد عليهم فعند ذلك تنهزم خيل العدو من بين أيديهم، و كان بنو سليم قد قهروا جميع أعدائهم بهذا الفن و بقوا على حالهم إلى أن أظهر اللّه عز و جل الإسلام و خرج النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و من معه من الصحابة إلى هذه الأعمال، ففعلت بنو سليم ما تقدم ذكره، فلما صعد النحل الجو و انحدر على عساكر الإسلام نادى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: أين يعسوب الدين؟ فلم يجبه أحد، فقال: أين أمير النحل؟ فلم يجبه أحد، فقال: أين على بن أبى طالب؟

فلما سمع على بن أبى طالب- (رضوان اللّه عليه)- ذلك من لفظ النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) جذب ذا الفقار (1) و حمل على النحل، فأدبرت النحل على أثرها راجعين على بنى سليم و لدغتهم، فهربت بنو سليم بين أيدى النحل إلى رءوس الجبال و بطون الأودية و فتح اللّه جبال بنى سليم على يد أمير المؤمنين على بن أبى طالب.

فلما استتم الفتح و استقام النصر قال بعض الصحابة للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا رسول اللّه شبهت على بن أبى طالب باليعسوب و هو النحلة؟ فقال النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم): «المؤمن كالنحلة لا تأكل إلا طيبّا و لا يخرج منها إلا طيب» فمن ذلك الحين و [تلك‏] الواقعة لقب أمير المؤمنين على بن أبى طالب بيعسوب الدين أمير النحل.

و إلى الآن يجلب من هذه الجبال نحل، أى عسل يشترى منه الحاج و الحجاز و بعض أهل اليمن.

____________

(1) اسم سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

26

ذكر وادى انظر

قال ابن المجاور: رأيت فى المنام ليلة السبت سادس شعبان سنة أربع و عشرين و ستمائة كأن إنسانّا يقول لى: إن فى أعمال المدينة يثرب واد مسروق و جبال و شعاب لم يفهم أحد كيف دخوله، قلت له: ما يسمى؟ قال: وادى انظر، قلت:

و ما المعنى فيه؟ قال: إنه سأل إنسان شيخّا من أهل هذا الوادى فقال له: من أين الشيخ؟ فقال: من وادى انظر، قلت: و ما المعنى فى هذا الاسم؟ قال: لأنه واد للإسلام به عز، قلت: و من أين سكانه؟ قال: هم قوم من أولاد حام بن نوح، (عليه السلام)، و هم مع ذلك قوم لا عرب و لا عجم و لا هند و لا حبش و لا ترك و لا نبط بل لهم لغة منهم و فيهم، قلت: فكم يصح دوره؟ قال: فرسخين أو مسيرة يومين، و لا يزال الأمير قاسم بن المهنا بن جماز الحسينى يرعى إبله و نعمه فيه، و أرضه ذات مزارع و عيون و أمن و سكون، و قد خلت من الناس، فسألت عن زمان فقلت:

ما السبب فى خلوها؟ قال: إن اللّه عز و جل قلب عاليها سافلها.

قال ابن المجاور: و فى هذه الأيام قتل الأمير قاسم بن المهنا بن جماز ابن عمه شيحة و تولى بعد قتله الأمير هاشم بن قاسم على ملك مكة، و مع ذلك يمكن أن يكون هذا الوادى فى هذه الأودية و الجبال و الشعاب مسروق لم يعلمه أحد من الأعراب سوى سكانه، و العلم عند اللّه.

و إلى الخضراء من يثرب أربع فراسخ و به أعين و نخيل و يسكن أهلها فى أخدار الشعر إلى الآن و إلى عين النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أربع فراسخ و هى عين جارية و عليها نخيل و هى‏

27

أواخر الجبال و الأودية و أول الفلاة و الرمال، و إلى عمق أربع فراسخ و به أعين و نخيل، و أحرق نخلها الأمير عز الدين أبو عزيز قتادة بن إدريس سنة خمس عشرة و ستمائة.

و إلى نجد أربع فراسخ و تسمى مبرك و هى أرض قفر و بها بركة عظيمة خلقها الرحمن، و يقال: اغتسل بها و من مائها النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلا يزال بها الماء طول الدهر من بركات النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و تمر على ثلاثة جبال تسمى البرانين فإذا كنت طالبّا المدينة فاترك جبلين منها على يسارك، و إن كنت طالبّا مكة فاتركهما عن يمينك و امش بالقرب من الجبال لكى لا تضل، لأنه واد فيه رمل أبيض يشابه دقيق السويق، و لا شك أنه لا ممر إليه إلا فى هذا المكان.

و إلى بئر على بن أبى طالب رضى اللّه عنه أربع فراسخ، و هى بئر عظيمة البناء يروى الحاج منها و من حولها من الأعراب ما عندهم من المواشى و غيرهم.

و إلى قباء أربع فراسخ، و كانت مدينة قبل المدينة، و قيل: بنيت فى زمن النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فى مسجدها قبلتان: إحداهما إلى المشرق و الثانية إلى الكعبة، لما أمر اللّه سبحانه النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يوجه وجهه نحو الكعبة [حيث‏] قال: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ‏ (1) ثم إلى المدينة فرسخ بين نخل باسقات شامخات.

____________

(1) الآية: 144 من سورة البقرة.

28

و من مكة إلى الطائف‏

من مكة إلى منى فرسخ، و إلى المشعر الحرام فرسخ، و إلى جبل عرفات فرسخ، مبتدى وادى نعمان، و فيه أراك و نخل.

ألا هل لأيام المحصب أوبة* * * و هل لى بهاتيك القباب حلول‏

و هل لليالى الخيف بالخيف مرجع‏* * * و هل لمبيت بالجمار سبيل‏

و هل لى بأعلام المعرّف وقفة* * * و بالسرح من وادى الأراك مقيل‏

و إلى برقة ثلاثة فراسخ، و به قبر الأمير شكر بن أبى الفتوح الذى استفتح جدة، و إلى المرزة أربع فراسخ، و الأصح ستة فراسخ، و إلى الحجر فرسخين [كذا] و يكون جوازك على جبل عال يسمى عفر.

قال ابن المجاور: و لا شك أنه يسمى غزوان، و به قال الشاعر:

إذا خفت يوما من أمير عقوبة* * * فلى باللوى من راس غزوان منزل‏

بناء الطائف‏

قرأت فى كتاب الفاكهى قال: حدثنى الحسين قال: حدثنى على بن الصباح قال: حدثنى ابن الكلبى، عن إياد بن نزار، و يقال: عن أبيه، عن أبى صالح، عن ابن عباس قال: كان بالنخع و ثقيف رجلان من إياد بن نزار يقال لأحدهما: ثقيف، و هو قسى بن منبه ابن بنت أفصى بن دعمى بن إياد بن نزار، و الآخر: النخع بن‏

29

عمرو بن طهمان بن عبد مناة بن يقدم بن أفصى بن دعمىّ بن إياد بن نزار، فخرجا و معهما غنيمات لهما فيها عنز لبون و هما يشربان من لبنها، فعرض لهما مصدّق ملك من ملوك اليمن فأراد أن يأخذ من غنمهما الصدقة، فقالا: خذ منه أيتهن شئت، فقال: آخذ صاحبة اللبن، فقالوا: إنما معيشتنا و معيشة هذا الجدى من لبنها، فأبى إلا أخذها فقتله أحدهما، فقال له صاحبه: لا يجمعنى و إياك بلد و لا تحوينا أرض، فإما أن تصعد و أنحدر، و إما أن تنحدر و أصعد، فقال النخع: أنا أصعد.

فأتى النخع بيشة فنزلها، و مضى ثقيف إلى وادى القرى فكان يأوى إلى عجوز يهودية يكمن عندها بالليل و يعمل بالنهار، فعند ذلك اتخذته ولدا و اتخذها أما، فلما حضرها الموت قالت: يا بنى، إذا أنا مت فخذ هذه الدنانير و هذه القضبان من الكرم فإذا نزلت بلدا فاغرس هذه القضبان فإنك لا تعدم منها رزقا.

ففعل ثقيف ذلك ثم أقبل حتى نزل موضعا قريبا من الطائف، فإذا هو بجارية حبشية على ظهر ترعى مائة شاة لمولاها، فأسرّ طمعا فيها و قال: أقتلها و آخذ الغنم، فألقى فى نفسها ما أراد بها، فقالت له: يا هذا، كأنك طمعت نفسك أن تقتلنى و تأخذ غنمى؟ قال: نعم، قالت له: لقد عدلت‏ (1) و لو قتلتنى و أخذت الغنم ما نجوت، فأنا جارية عامر بن الظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر، و هو سيد أهل الوادى و أنا أظنك غريبا خائفا، قال: نعم، قالت: أفلا أدلك على خير مما أردت؟ قال: بلى.

____________

(1) أى: ابتعدت عن الصواب.

30

قالت: إن مولاى إذا طلعت الشمس يأتى إلى هذه الصخرة فيضع ثيابه و قوسه و جفيرته عندها و ينحدر فى هذا الوادى يقضى حاجته و يتوضأ من العين التى فى الوادى ثم يرجع و يأخذ ما ترك و ينصرف إلى رحله و يأمر مناديا ينادى: ألا من أراد العيش و التجمع فليأت دار عامر بن الظرب، فيقبل جميع من أراد ذلك، فاكمن له تحت الصخرة و خذ ثوبه و قوسه و جفيرته فإذا رآك و قال: من أنت؟ فقل: غريب فأنزلنى، و خائف فأجرنى، و عزب فزوجنى، إن كنت برا شريفا.

فقال: أنا أفعل جميع ما ذكرت، قال: فخرج عامر بن الظرب كعادته فاستخفى له ثقيف، فلما دخل الوادى فعل ثقيف ما أمرته به الجارية، فقال عامر بن الظرب:

انطلق، فانطلق معه فانحدر إلى قومه، و نادى مناديه فأقبلت الناس يهرعون إليه، فأكلوا و تجمعوا، فقال لهم عامر: ألست سيدكم؟ قالوا: بلى! قال: و قد أجرتم من أجرت و آمنتم من آمنت و زوجتم من زوجت؟ قالوا: بلى! فقال عامر: هذا قسى بن منبه، فزوجه فى الحال ابنته، فولدت لثقيف عوف و دارس و سلامه، ثم تزوج بأختها بعدها فولدت له قاسم، و أقام بالطائف و غرس تلك القضبان من الكروم فنبتت و أطعمت، و بنى المكان فسمى الطائف لأنه طاف البلاد و سكن بها.

و قيل: ما سمى ثقيفا [إلا] لأن أباه ما ثقف حتى ثقف عامرا حين أمنه و زوجه، و ثقف الكرم حين غرسه فسمى ثقيفا.

حدثنا محمد بن أبى عمرو قال: حدثنا شعبان بن جريج عن مجاهد فى قوله عز و جل: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏ (1) قيل:

____________

(1) الآية: 31 من سورة الزخرف.

31

القريتان مكة و الطائف، و أما الرجل فقيل: هو عتبة بن ربيعة، و كان ريحانة قريش يومئذ، و قالوا: بل هو مسعود بن معتب.

ذكر حصن الهجوم‏

حدثنى أبو على أحمد بن على بن آدم اليزنى قال: كان حصن الهجوم جبلا مدورا فى وسط قاع صفصف فجاء الأنباط، و هم من نسل اليونانيين النصارى، و يقال: الروم، و قد بقى من تذاكيرهم طى القنوات و مجارى الأعين و حجر الطواحين التى يطحن عليها القرظ لأجل دباغة الأدم.

قال الراوى: و دور كل حجر منها ثمانية أذرع فى الارتفاع إلى سبعة أذرع، و ليس هذا من عمل العرب لأنه لا يتدبر لهم فيه عمل و لا يستدير لهم فى أيديهم و لا يتصور فى خواطرهم بل هذا و ما أشبهه من عمل الجبابرة و حكمة الأوائل.

و ما ذكرت تلك الأحكام إلا لما نذكره من بناء الحصن و ذلك أن الأنباط جاءوا و بنوا حول الجبل الحجر المنقوش المربع طول كل حجر منه سبعة أذرع فى عرض ثلاثة أذرع و ما زال القوم فى بنائه إلى أن حاذى البناء ذروة الجبل، فلما استتم البناء به على حسب المراد بما أراد الفكر بنوا بعده الأسوار و الأبراج، و هو على وضع ما تقدم ذكره، و ركب عليه باب واحد و حفر فى داخل القلعة بئر عظيم عميق فظهر فى البئر مع تمام الحصن الوافر ماء يحاكى الشهد فى حلاوته و الماورد فى رائحته و عين الحياة فى صفائه.

32

فلما دار الدهر بالسنين و الشهور ارتدم ما بين الأمة من التقارب و الاتصال و تقاربت بهم الآجال و تباعدت عنهم الأحوال إلى أن أظهر اللّه عز و جل الإسلام ففتحها النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالسيف، و بقى الحصن على حاله إلى أن وصل ملك الحجاز إلى الأمير عز الدين أبى عزيز قتادة بن إدريس فأمر بهدم الحصن فهدم خوف أن لا يعصيه فيه أحد من الأعراب، و بقى الحصن خرابا إلى الآن، و يسمى عند أهله حصن الغراب.

ذكر الوهط

حدثنا معبد بن عبد الرحمن المخزومى قال: حدثنا شعيب عن عمرو بن دينار قال: كتب عمرو بن العاص فى وصيته و ذلك فى الوهط و جعلها صدقة لا تباع و لا توهب و لا تورث: و هى للأكبر من أولادى و المتبع فيها عهدى و أمرى، فإن لم يقم بعهدى و لا أمرى فليس له ولاء، يعنى بذلك الوهط، حتى يرثه اللّه تعالى قائما على أصوله.

حدثنا محمد بن منصور قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار قال: عرش عمرو بن العاص فى الوهط مائة ألف عود كل عود بدرهم.

و الوهط قرية من أعمال الطائف بينهما ثلاثة أميال فكان كل فاكهة الطائف و مكة من ذلك الوهط.

حدثنا محمد بن موسى القطان قال: حدثنا محمد بن الحجاج الثقفى قال:

33

حدثنا عبد العزيز بن أبى رواد عن عطاء عن ابن عباس قال: كان الطائف من أرض فلسطين، فلما قال إبراهيم [كما حكى القرآن الكريم‏]: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ‏ (1) قال: فرفع اللّه تعالى له موضعها إلى الطائف فى موضعها.

قال حدثنى محمد بن فارس القرشى قال لى: ما بقى فى الوهط من الشجر سوى شجرة توت و هى إلى الآن وقف عليهم.

ذكر سليمان بن عبد الملك ابن مروان و خروجه إلى الطائف‏

حدثنى محمد بن صالح البلخى قال: حدثنا محمد بن إبراهيم قال: كنا مع عبد العزيز بن أبى رواد فى المسجد الجرام فأصابنا مطر شديد و ريح شديدة فقال عبد العزيز: خرج سليمان بن عبد الملك إلى الطائف فأصابهم نحو من هذا ببعض الطريق فهالهم ذلك و خافوا فأرسل إلى عمر بن عبد العزيز، و كانوا إذا خافوا شيئا أرسلوا إلى عمر، فقال له سليمان بن عبد الملك: ألا ترى ما نحن فيه؟ فقال:

يا أمير المؤمنين، هذا صوت رحمته، فكيف بصوت عذابه!.

و خرج سليمان إلى الطائف، قال: فلما قدم إليها لقيه أبو زهير، أحد بنى ثقيف، فقال: يا أمير المؤمنين اجعل منزلك عندى، فقال: إنى أخاف من الصداع،

____________

(1) الآية: 37 من سورة إبراهيم.

34

فقال: كلا، إن اللّه قد رزقنى خيرا كثيرا، قال: فنزل ورمى بنفسه على البطحاء فقيل له: الوطاء، فقال: لا، البطحاء أحب إلىّ، فلزمه بطنه فأتى بخمس رمانات فأكلهن، و أتوه بخمس أخر فأكلهن، ثم قال: أعندكم غيرها؟ قالوا: نعم، فجعلوا يأتون بخمسة خمسة حتى أكل سبعين رمانة، ثم أتى بخروف وست دجاجات فأكلهن، و آتوه نصيبا من الزبيب يكون فيه قدر مكوك على نطع فأكله جميعا ثم نام، وانتبه فدعا بالغداء فأكل مع أصحابه.

فلما فرغ دعا بالمناديل فكان فيها قلة من كثرة الناس فلم يكن عندهم من المناديل ما يسعهم، فقال: كيف الحيلة يا أبا زهير؟ فقال أبو زهير: أنا أحتال، فأمر بالصرح و الخزامى و ما أشبههما من الشجر فأتى له بما يمسح به سليمان يده، ثم شمه فقال: يا أبا زهير دعنا و هذا الشجر وخذ هذه المناديل فأعطها العامة، ثم قال سليمان: يا أبا زهير هذا الشجر الذى ينبت عندكم أشجر الكافور هو؟ قال: لا، فأخبره بخبره فأعجب سليمان، و قد قال امرؤ القيس الكندى:

كان المدام وصوب الغمام‏* * * و ريح الخزامى و نشر القطر

يعلّ به برد أنيابها* * * إذا طرّب الطائر المستحر

فلما فرغ قال أبو زهير: افتحوا الأبواب، ففتحت و دخل سليمان مع الناس فأصابوا بستانا ذات أكمام و أتمام من الخير و الفواكه فأصابوا الفاكهة، فأقام سليمان يومه و من الغد ثم قال لعمر: ألا ترى أنا قد أضرينا بهذا الرجل؟ فرحل و نظر إلى الوادى و خضرته مع طيب رائحته فقال: للّه در قيس، أى واد نزل! و نظر إلى عناقيد عنب يظنها الحرار فقال له عمر: يا أمير المؤمنين، هذه عناقيد العنب، فأقام سبعا ثم رجع إلى مكة.

35

و وصف بعضهم النارنج فأنشأ يقول:

و روضة يتركنى زهرها* * * بالحسن و النضرة مبهوتا

أنعت منه حسن نارنجها* * * و لم يكن من قبل منعوتا

و صحت فى الناس: ألا من يرى‏* * * زبرجدا يحمل ياقوتا

و قال فى السوسن:

سقيا لأرض إذا ما نمت ينبهنى‏* * * قبل الهجوع بها صوت النواقيس‏

كأن سوسنها فى كل ساقية* * * على الميادين أذناب الطواويس‏

و قال فى المنثور:

و منثور حططت إليه رحلى‏* * * و قد طلعت لنا شمس النهار

كشبه دراهم من كل فن‏* * * يخالطه كبار مع صغار

و قال فى الياسمين:

و ياسمين آتاك فى طبقه‏* * * قد أسكر الناس (..) من عبقه‏

قد نفض العاشقون ما صنع ال* * * بين بألوانهم على ورقه‏

و قال فى اللينوفر:

و لا زوردية تاهت بزرقتها* * * بين الرياض على زرق اليواقيت‏

كأنها فوق طاقات لها صبغت‏* * * ذبائل النار فى أطراف كبريت‏

و قال فى النرجس:

و أحداق مسهدة عوانى‏* * * سرقن السحر من حدق الغوانى‏

على قضب الزبرجد شاخصات‏* * * حوين صفات نور الأقحوان‏

بأحداق من الكافور صيغت‏* * * مكحلة الجفون بزعفران‏

36

صفة الطائف‏

الطائف سامية باردة الماء صحيحة الهوى كثيرة الفواكه، زراعتهم الحنطة اللقمية التى تشابه اللؤلؤ، و أهلها من ثقيف و قريش على زى أهل مكة فى الأكل و اللبس، و أهلها يرثون البنت عند الموت و لم تورث بنت أحدهم الدراهم، و كذلك بنو هذيل و مضر و بجيلة و جميع أهل السراة و جميع العرب الذين هم سكان بأرض الحجاز و ما حول مكة.

و للقوم عصبية عظيمة، إذا مات بها أحد لم يحمل جنازته إلا الشبان و مع ذلك يقولون: سلم سلمك اللّه، هذا ما وعد اللّه نعم القاضى، و هم يتداولون النعش إلى الجبانة، و هم الذين يحفرون القبر.

حدثنا الزبير بن أبى بكر قال: حدثنا عمر بن أبى بكر الرملى قال: أخبرنى بعض أهل العلم من قريش قال: ما استنّ للنوائح و احرباه إلا من بعد موت حرب بن أمية فناحت نوائحه و احرباه، فجعلن النوائح للناس كلهم يقلن: و احرباه من ذلك العهد.

و به قبر عبد اللّه بن العباس رضى اللّه عنهما.

و جميع عملهم دباغ الأدم و يدبغ بها الأديم المليح الثقيل المعروف بها و هو الذى يصلح لخوارزم، و كل نبق يغرس فى هذه البلاد يطلع مكتسبى [كذا] و به يطحن السدر و هو سويق النبق من نبق العراق ليس له شوك و كذلك شجرة فى زبيد مما يلى القرتب.

37

من الطائف إلى جبل بدر

من الطائف إلى المعدى ستة فراسخ و به تنحت قدور البرم التى يفخر حجرها على سائر الأحجار.

حدثنى شيخ قدورى بهذا قال: إن الحجر الأملس لا يعمل فيه الحديد إلا الفولاذ.

و إلى خبت عنتر خمس فراسخ و هو عنتر بن زبيبة العبسى، و هى أرض ذات شعاب و مكسرات و بها بئر عذب فرات، و إلى حدان ستة فراسخ، و إلى بحرى خمس فراسخ، و به تزرع الحنطة فى العام مرتين، بعد كل ستة أشهر مرة، و هذا خلاف كل العالم فى الزروع.

و إلى الدرب فرسخين [كذا] و إلى أرض ليلى العامرية و قيس بن الملوح، و يقال: إن ليلى العامرية و قيس بن الملوح كانوا فى هذه الأرض و ماتوا بها، و فى قبيلتها يقول الشاعر:

ألا لسيت أمى بالمنا عامرية* * * إذا صابها ضيم دعت يالعامر

و إلى نوا فرسخ، أول معاملة بجيلة، و هم الذين يسمون السرو.

38

ذكر السرو

فأما السرو فإنهم قبائل و فخوذ من العرب ليس يحكم عليهم سلطان بل مشائخ منهم و فيهم، و هم بطون متفرقون، فإذا خرج أحدهم إلى سفر أتت المرأة الى عند المخلف، أى عشيق تلك المرأة، يحاضنها إلى أن يرجع زوجها، فإذا قرب المسافر من منزله نادى بأعلى صوته: أيها المخلف اللجوج، قد حان وقت الخروج، و يدخل المسكن غفلة فإن وجده فى المسكن قتله، و إن كان قد خرج فقد عفا اللّه عما سلف.

و سألت رجلا منهم فى مكة فقلت له: أيها الرجل و النزيل ماذا يصنع المخلف؟

فردّ أسوأ الجواب فقال: يسحق الخبز و يمحق المرأة.

و غاية حج القوم عمرة أول رجب و قد ضمن لهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- تلك العمرة بحجة كاملة مقبولة (1) فإذا دخلوا مكة ملأوها خزا من الحنطة و الشعير و السويق و السمن و العسل و الذرة و الدخن و اللوز و الزبيب و ما يشابه ذلك، و لذلك يقول أهل مكة: حاج العراق أبونا نكسب منه الذهب، و السرو أمنا نكسب منهم القوت.

يقال: إن معامله يوازى مائتى قرية أو أكثر، و من جملة القرى المائتين المسلم‏

____________

(1) لم نجد ما يؤكد صحة ذلك فيما بين أيدينا من مراجع، و الثابت فى ذلك فى عمرة رمضان لقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «... و من أدى فيه نافلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه» و ذلك من ناحية الأجر و الثواب فقط، لأن عمرة رمضان لا تسقط فريضة الحج عن صاحبها أصلا، و اللّه أعلم.

39

و عقدة و الفرع و حدا و الراهن و سعموم و نزيف، و بها وقعة أمير المؤمنين على بن أبى طالب مع الأفعى فقتله.

و به جبل إبراهيم الخليل، (عليه السلام)، و منهور و الفروات و الشعبين و اللقاع و حرف و الرجعين و هى قرى جماعة، و بهذه الأعمال كانت وقعة بنى تميم و بكر ابن وائل و فى حرب منها هلك لقيط بن زرارة أخو حاجب بن زرارة و حسن.

و إلى الفرداء ستة فراسخ، و الى الملحاء ستة فراسخ، و هو جبل عظيم و اللّه أعلم.

ذكر جبل الملحاء

حدثنى أبو على أحمد بن محمد بن آدم اليزنى قال: لما ملك تبع جزيرة اليمن و أرض حضرموت و بلاد الأحقاف و الحجاز و أراد أن يخرج إلى ناحية العراق فجاء إلى هذا الجبل و أراد أن يحفر فيه سربا عظيما فجهز تحت الأرض مسيرة ثلاثة فراسخ أو أكثر من ذلك مستفلا منحدرا، فلما حفر هذا القدر أمر أن يحفر فى أواخر السرب بلدا عظيما، و الأصح سوقا عظيما، بدكاكين متقابلة مصطفة على خيط واحد ما مقداره ألف دكان و نقر من وراء الدكاكين الدور و الأملاك.

فلما تم عمله ملأ كل دكان من الدكاكين صنفا من الأمتعة و الأطعمة و من الحوائج و العقاقير و ما يحتاج إليه من ثقيل و خفيف ذخيرة له، و حفر فى وسط السوق بئرا واسعا عميقا (1) فى الطول و العرض، و جمع جميع الأموال التى كانت معه‏

____________

(1) هكذا فى الأصول، و قد ورد لفظ البئر فى القرآن الكريم بصيغة التأنيث فى قوله تعالى: وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ [الحج: 45] و اللّه تعالى أعلم.

40

و كنزها فى البئر و جعل الذهب بيان لأنه قد نصب على خرزة البئر عودا معرضا و فيه طلسم إذا أنزل إنسان رجله على العود المعارض دار العود، و فى العود سيف مصنوع قاطع يضرب الإنسان نصفين يرميه فى البئر.

قال ابن المجاور: و ما أظن السيف أصله إلا من الصاعقة التى ضربها يافث بن نوح، (عليه السلام).

ذكر سيوف الصواعق‏

حدثنى عيسى بن أبى البركات بن مظفر البغدادى قال: أما سيوف الصواعق فثلاثة، و قيل: سبعة، و قال آخرون: بل أربعة عشر سيفا، ضربت فى أيام يافث بن نوح، (عليه السلام)، و ذلك أنه لما مات نوح، (عليه السلام)، وقع الخلف بين أولاده فى طلب الرئاسة فتفرقوا، فطلب يافث المغرب و بنى بها مدينة جابلقاه، و طلب أخوه حام المشرق و بنى بها مدينة جابرسا، و أما ما كان من أمر يافث فإنه جمع الأموال أموال الربع المسكون و عباها خزين و عمل عليها طلسما و ركب السيوف على الطلسمات، و بقيت الكنوز على حالها إلى أيام ذى القرنين، فحينئذ أبطل الخضر عمل الطلسمات و أخذ ذو القرنين تلك الكنوز.

قال ابن المجاور: و إحدى تلك السيوف فى جبل الملحاء فى البئر التى فيها الكنز الذى أودعه تبّع.

و يقال: إنه يسبك من الصاعقة وزن حبة خردل على الفولاذ و يضرب منه سيف‏

41

لم يحمل لغمد بل يوضع فى جراب خزف، و قيل: إذا وقعت الصاعقة لم تسكن إلا إذا أفلت عليها الخل و إنها إذا وصلت الماء وقفت و إذا لم يفلت الخل عليه فإنه يخرق تخوم الأرض، و الأصل فيه أنه عمود من حديد جهنم، نعوذ باللّه منها.

فصل: [ (فى فنون السيوف)]

قال اللّه عز و جل: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (1) قال بعضهم: الحقب أربعة آلاف سنة، و السنة أربعة عشر ألف شهر، و الشهر أربعة آلاف يوم، و اليوم أربعة آلاف ساعة، و الساعة مقدار سبعين ألف سنة من سنى الدنيا.

قال ابن سلام: مساكين أهلها، نسأل اللّه أن يعيذنا من شرها، و يؤخذ قياس نارها و حديدها من قياس أيامها و ساعاتها.

و يقال: إن السيوف المذكورة أربعة أصناف:

الصنعانى: يضرب فى صنعاء، متقدم قصير، لأنه سيف الرجالة، يقطع اليابس سوى الرطب، و علامته أن يكون فى وسطه مرازب، و يقال: مرازب واحد، و كثير ما توجد هذه السيوف فى جبال اليمن عند العرب.

و الكرمانى: قديم ضرب فى أيام دولة ملوك العجم بكرمان، و هو قضيب مادّ، ما بين القصير و الطويل، و أصل هذه السيوف من الفولاذ، و بلد هراة مخصوص به.

و قيل: بل كان عندهم معدن يستخرج منه الحديد، و غاية ما توجد هذه السيوف عند الأكراد الشارونية و البلوج و الكوشان و الأوغان و السرهدية من أعمال غزنة.

و الإفرنجى: سيف طويل ماد بالمرة و ما يطولونه إلا لأجل الفرسان، و أصله من‏

____________

(1) الآية: 23 من سورة النبأ.

42

تكاسير نعال الخيل و يسقى من نداوة زرع بلادهم، لين بالمرة و يقطع فى اللين دون اليابس و لربما قطع اللحم فى البدن و سلم العظم، و غاية ما تجلب هذه السيوف المعروفة عندهم فى علب الخشب، و علامته أن يكون به كف إنسان فهو الجيد، و يقال: إن الذى نقش على سيوفه ذلك ضرب أربعمائة سيف لم يضرب مثلها فى الربع المسكون.

فلما رأى ملك الروم هذه الصنعة الشريفة أمر بقطع يده اليمنى، فلما فعل به ذلك ارتحل من المدينة التى كان يسكنها و نزل بمدينة أخرى فضرب بيده اليسرى أربعمائة سيف آخر و نقش عليها الكفوف، فما جرب سيف من تلك السيوف إلا تراه و هو حديد أبيض و فى وسطه مرازب.

و الهندى: أصناف شتى، فمن جملتها الباخرى، يضرب فى السند و أصله من حديد و فولاذ هراة و علامته أخضر اللون كأنه السلق، و شى‏ء منه أحمر يشبه لون النار يرفع الدرهم و يبرى مرسغ الجمل، و صنف يأتى من الروهينيا يضرب فى بعض الأقاليم يتلوى و هو قضيب ماد فيه جوهر شبه الغبار و هو ما بين ذلك قواما، و الصنف الثالث فيه أهلة يضرب فى خور فوفل و يقال: بحار يديها سيوف طوال عراض بالمرة ذات جوهر عال لا غليظ و لا دقيق إلا وسط و هو يقطع فى اللين لا غير، و منه فلالك الشاهى يضرب فى الكوز، و يقال فى مرهب سيوف طوال عراض بالمرة، الواحد خفيف مرهف و علامته أن يكون جوهره أربع أصابع و هو غليظ خشن كخشونة خضرة الكراث اول ما ينبت قد اشتبك بعضه فى بعض شبه ثعابين ملتفين، و أربع اصابع منه شبه جمع الذر (1) على الشى‏ء حلو، و يبان الجوهر فى‏

____________

(1) صغار النمل.

43

أرض السيف شبه فضة شبكت مع الحديد، يبان جوهره أبيض صاف و الأرض منه زرقاء سماوى.

و يقال: إنه أهدى إلى الملك قطب الدين أييك الأبثل من هذه السيوف سبعين بندا إلى سبعين سلسلة.

و يرى فيها مائية و نداوة شبه ماء الزلال، إذا رفعته انحدر و إذا حططته صعد، يابس يقطع فيما يرطب، و به يضرب أعناق الجواميس قدّام البيوت فى يوم عيد لهم، و خاصيته إذا معص فؤاد إنسان يغسل سيفا من هذه السيوف و يشرب ماءه يزول عنه ما يشتكى من المعص.

و أما السيوف فى العالم فكثيرة الأصناف و تضرب فى كل بلد و إقليم إلا هذه الأربعة الأصناف الذين ارتفعوا دون غيرهم و عرفوا من بين جنسهم و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات‏ (1).

و لنرجع إلى الحديث الأول [ (اى: جبل الملحاء ثانيا)]

فصار أهل هذا الزمان يدخلون كبب غزل الوبر و يصطحبون معهم سراجا و مقدحة و خطافا و فتل وبر يشد خيط الوبر فى رأس باب الغار، و كلما مشى أحدهم نشر الغزل و الخطاف، فإذا وصلوا الى الدكاكين رأوا فيها من جميع الأمتعة و الأقمشة و قد تهرت من طول المدى و الحديد قد علاه الصدأ، و الصفر قد تزنجر، فيأخذ جميع ما يرى له فيه رمق، و يجد بعض القوم ذهبا و فضة و دراهم.

____________

(1) هكذا فى الأصل الخطاب للعاقل.

44

و إذا رجع القوم لا يزالون يكببون غزل الوبر و هم راجعون إلى فم السرب، فذلك العمل دأب القوم.

و يقال: إن بها ثلاث طرق إحداها تنفذ إلى سوق عكاظ، و الثانية إلى جبل الملحاء، و الثالثة تنفذ إلى برية فيد، و هى أقربهن مسافة.

حدثنى أبو على بن آدم اليزنى قال: كثير من الرعاة ممن يحمل الذئب على غنمه فيقوم الراعى يطارد الذئب يريد يقتله فيقع على المطلب، و هو طريق تنفذ إلى وسط البئر التى تقدم ذكرها، و طريق وسطى و هى التى بجبل الملحاء، و البعيدة التى تلى سوق عكاظ، و المكان الى الآن باق ينزله من أراد على ما تقدم ذكره.

و إلى أبيدة فرسخ و هى قرية حصينة فى واد نزه، و إلى العقيق ستة فراسخ، و هو بلد يدبغ فيه الأدم و منه يجلب القرض إلى مكة، و بها الأمير أبو الحسن بن المعلم يقول:

قل يا رفيق .. المستها* * * م .. متى يفيق المستهام‏

هذى المنازل و العقي* * * ق فأين ليلى و الخيام؟

و قال أيضا:

قف بالخيام المشرفات على الحما* * * و امزج دموعك فى مغانيها دما

و إذا مررت على العذيب فقل له‏* * * هل شربة تروى الصدى من الظما

إنى ندمت على الذين ترحلوا* * * يوم الغوير و حق لى أن أندما

فوددت لو سمحوا علىّ بعودة* * * يبرا بها الطرف القريح من العما

يا عين لا يذهب بناظرك العما* * * فلربما دنت الديار و ربما

إن بات جسمى فى سهام فإن لى‏* * * قلبّا يتيمّا بالعقيق متيّما

45

و إلى تبالة ثمان فراسخ، و إلى الجبل ثمان فراسخ، و هو جبل بنى بدر و جميع من بها يهود، و الحصن حصن مكين فى طرف جبل عال، و اللّه أعلم.

ذكر نهر السبت‏

قالت أهل الذمة: إنه فى أرض التيه، و حدثنى يهودى صائغ بعدن قال: إن نهر السبت فى أرض يقال لها: صيون و الأصح أنه فى الحجاز ظهر، و هو نهر رمل سيال يجرى من ليلة الجمعة إلى غداة يوم السبت لم يقدر الإنسان يعبره من شدة جريانه فى ذلك اليوم و يسكن باقى الأسبوع، و وراء هذا النهر من اليهود مائة ألف ألف رجل و امرأة و هم زائدون على العدّ خارجون عن الحد، و القوم عرب يعقدون القاف الألف فى لغتهم، و فى جملة القوم أولاد موسى بن عمران (عليه السلام)، و يقال: إنما حصلوا هؤلاء اليهود فى هذه الأرض و الأعمال إلا من غزوة بختنصر البابلى لليهود بأرض الشام و ديار مصر و الأصح لإظهار اللّه عز و جل محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) فخرجوا هاربين من خيبر و وادى القرى و سكنوا هذه الأراضى، و إلى الآن إذا تاه بعض الحجاج بطريق مكة و وصل إلى القوم فبعضهم يقتله و آخرون يقبلونه و يردونه على أحسن حال.

فصل: [ (مسالة شرعية)]

مما ذكره الإمام أبو عبد اللّه محمد بن عمر بن الحسن الرازى فى كتاب معرفة الأديان: مسألة شرعية، قال:

إن لليهود يوما إذا عمل فيه إنسان شغلا حل دمه، فإن لم يعمل فيه الشغل حل دمه، قلنا: و ما ذاك؟ قال: إذا ولد لليهودى طفل ففى سابع يوم الطفل يطهر- أى‏

46

يختن- فإذا اتفق سابع الطفل يوم السبت وختن الطفل حل دمه لكسر سنته، و إن لم يختن حل سفك دم والده لمخالفة والده الشرع، و ذلك شرعهم لأنه قال بترك الأوامر.

فصل: [ (قول بعض النصارى فى الاسلام)]

قال بعض النصارى: إن الإسلام عجيب! قلت: و ما رأيت من العجب؟

قال: إن تنصر الإنسان حل قتله يعنى لامتناعه‏ (1) فى دخول الدين الحنيفى و إن أسلم قطع- أى ختن- فجريان الدم فى الحالتين حاصل، و كذلك اليهودى قتله فى الحالتين حاصل على الخبر الأول، و اللّه أعلم.

ذكر شهور اليهود

قمرية و أوسط المسير تشرى و مرحشون و كسليو و طيبث و شفط و آذار و نيسن و إير و سيون و تمّز و أوب و إيلل‏ (2)، و يعمل على هذه الشهور جميع يهود الربع المسكون.

ما الفسح؟ فى أعياد اليهود خرج فيه بنو إسرائيل من مصر هاربين من بعد

____________

(1) الصواب أن يقال: لارتداده عن الدين الحنيفى، لأن المرتد هو الذى يحل دمه، و قد كان مسلما، فكيف يمتنع عن دخول شى‏ء كان فيه أصلا.

أما النصارى و اليهود الباقون على ديانتهم فهم أهل كتاب، و لهم أحكامهم الخاصة بهم، و ليس منها سفك دمهم لامتناعهم عن الدخول فى الإسلام، و اللّه تعالى أعلم.

(2) أسماء الشهور هنا قريبة من أسماء الشهور المعروفة لنا الآن، مثل شباط لفبراير، و نيسان لأبريل، و تموز ليولية، و آب لأغسطس، و أيلول لسبتمبر، و هكذا ...

47

أن تخلصوا من العبودية و قربوا القرابين كما مثّل لهم، و هى سبعة أيام تسمى الفطير لا يجوز لهم أكل اللحم و لا إمساكه فى الرحل، و فى اليوم الآخر منها غرق فرعون فى بحر سوف، و هو القلزم و يعرف هذا اليوم بالكبس‏ (1).

ما العنصرة؟ هو السادس من سيون يسمى عشر مشتق من الاجتماع و هو حج من الخجوج لإدراك الغلال.

ما الكفور؟ هو اليوم العاشر من تشرى و هذا ربما يسمى العاشوراء، و أما الكفور فهو من تكفير الذنوب، و هذا اليوم فقط هو الذى فرض على اليهود صومه و القتل على من لا يصومه، و مدة الصوم خمس و عشرون ساعة يبتدى بها قبل غروب الشمس فى اليوم التاسع و يختم بمضى ساعة بعد غروبها فى اليوم العاشر، و لا يجوز أن يقع الكفور فى يوم الأحد و لا فى يوم الثلاثاء أو فى يوم الجمعة.

ما المظلة؟ هى بلغتهم مصلى و هى سبعة أيام، أولها الخامس عشر من تشرى، و كلها أعياد يجلسون فيها تحت الظلال من الأغصان و الخلاف و العنب و الزيتون، و قد أمروا أن يسكنوا فيها تذكارا لإظلال اللّه إياهم فى أرض التيه بالغمام.

ما العربا؟ تفسيره ما الخلاف؟ و هو آخر عيد المصلى أعنى بذلك الحادى و العشرين من تشرى، و هو أيضا حج لهم.

ما التبريك؟ هو عيد مشتق من البركة، و هو بعد عرابا بيومين.

ما الحنكة؟ هو عيد مشتق الاسم من التنظيف، و هو ثمانية أيام، أولها الخامس و العشرين من كسليو، يسرجون فيها على أبواب دورهم فى الليلة الأولى سراجا

____________

(1) و يعرف الآن بالبحر الأحمر، و القلزم هو الاسم القديم لمدينة السويس الحالية.

48

واحدا، و فى الثانية اثنين، إلى أن تتم الثمانية الأيام ثمانية سرج، و ذلك تذكار لهم من أصغر ثمانية إخوة قتل بعض ملوك اليونان، فإنه كان قد تغلب عليهم، كان يفترع من عذاريهم و يطوف ببيت المقدس على بغلة.

ما البورى؟ هو اسم مشق من الاقتراع و الفأل، و هو الرابع و العشرين من آذار يتلوه نيسن، و يعرف أيضا بعيد المجلة، أى مغلا، و سببه أن هيمون وزير احشويرش أى أبرويز بن أنوشروان كان يكايدهم أيام كانوا ببابل فدبر عليهم و استأذن فى صلبهم فانقلب الأمر عليه فى هذا اليوم فصلب، و لهذا يعملون تماثيل مصلوبة و يحرقونها و يفرحون بذلك، و لليهود فى شهره صيام و نوافل و أسبابها أمور حدثت فحرّمته و أوجبت الامتناع عن الطعام.

و كذلك إذا حاضت المرأة عندهم يسكنونها وحدها و تعزل لها آنية تأكل فيها و تشرب منها و لا يقربها أحد حتى تخرج من طمثها، أى حيضها، فإذا خرجت منه غدت إلى الحمام فغسلت و امتشطت و تجى‏ء بعد ذلك إلى بيت بئر تسمى طومى.

قال ابن المجاور: و لهم ببغداد بئر تسمى بئر طومى فى محلة خرابة بين خرزة، و هو بئر مدرج، و قد عرض فى وسط البئر عود على خرزة البئر، و قد ضرب فى الخشبة سلسلة طويلة إلى أن يصل إلى آخر السلسلة ثم إلى قرار الماء، فتخلع المرأة ما عليها من الأثواب و تلزم السلسلة، و لا تزال تسقط فى الماء، أى تغوص، و تنبع إلى أن تقول لها امرأة من أعلى البئر: نظفت، أى تطهرت، فإذا سمعت المرأة ذلك علمت أنها طهرت من نجس الحيض، فحينئذ تلبس جميع ثيابها و جميع اليهوديات يلقينها حين تطهر المرأة.

49

و يقال فى الأمثال: شاور المسلمين، و نم عند النصارى، و تعشّ عند اليهود، و يقال: إن للمسلم فرجه، و للنصرانى ماله، و للمجوسى رئاسته، و لليهودى بطنه.

من الطائف إلى صعدة

حدثنى محمد بن زنكل بن الحسين الكرمانى قال: إن من الطائف إلى المعدن أربع فراسخ، و إلى الران ثمان فراسخ، و إلى محرى ثمان فراسخ، و إلى الدروب أربع فراسخ، و إلى يافع ثمان فراسخ، و إلى عدا ثمان فراسخ، و إلى ران كيسه أربع فراسخ، و هو جبل ذو طول و عرض و عليه مجاز الخلق، و إلى صفى أربع فراسخ، و هو سوق يقوم يوم الجمعة، و إلى خفن أربع فراسخ، و إلى مدر أربع فراسخ، و إلى بلاد بنى قرن أربع فراسخ، و إلى بلاد بنى عبد الدار عشرون فرسخّا، و إلى ذهبان سبع فراسخ.

صفة هذه الأعمال‏

و حدثنى الراوى قال: جميع هذه الأعمال قرى متقاربة بعضها من بعض فى الكبر و الصغر كل قرية منها مقيمة بأهلها، كل فخذ من فخوذ العرب و بطن من بطون البدو فى قرية، و من جاورهم لا يشاركهم فى نزلها و سكنها أحد سواهم، و قد بنى فى كل قرية قصر من حجر و جص و كل من هؤلاء ساكن فى القرية له مخزن فى القصر يخزن فى المخزن جميع ما يكون له من حوزه و ملكه و ما يؤخذ منه إلا قوت يوم بيوم، و يكون أهل القرية محتاطين بالقصر من أربع ترابيعه.

50

و يحكم على كل قرية شيخ من مشائخها كبير القدر و السن، ذو عقل و فطنة، فإذا حكم بأمر لم يشاركه و لا يخالفه أحد فيما يشيره عليهم و يحكمه فيهم.

و جميع من فى هذه الأعمال لم يحكم عليهم سلطان و لا يؤدون خراجا و لا يسلمون قطعة إلا كل واحد منهم مع هوى نفسه، فلهذا لا يزال القتال دأبهم، و يتغلب بعضهم على مال بعض و يضرب قرابة زيد على أموال عمرو و هم طول الدهر على هذا الفن، و جميع زرعهم الحنطة و الشعير و شجرهم الكروم و الرمان و اللوز، و يوجد عندهم من جميع الفواكه و الخيرات و أكلهم السمن و العسل، و هم فى دعة اللّه و أمانه، و هم فخوذ يرجعون إلى قحطان و غيرهم من الأنساب.

و اما ذهبان‏

فهى أم القرى بلاد عز، و يقال: إن دور أعمالها أربعون فرسخا، و هى نجد اليمن، و الأصح أطراف أعمال نجد اليمن من شرقى تهامة، و هى قليلة الجبال مستوية البقاع.

و نجد اليمن غير نجد الحجاز، غير أن جنوب نجد الحجاز يتصل بشمال نجد اليمن.

و إلى بلاد قحطان أربع فراسخ، و إلى راحة بنى شريف فرسخان واد فيه وضعت مدينة البصرة و يسمى درب العقيق، و إلى صعدة عشرون فرسخا و هى مدينة ذات عمارة و أرض نزه و درب أمن.

51

قال ابن المجاور: و فى هذا الطريق من الأمم و البلاد و المدن و القرى ما لا يعد و لا يحصى و لا تحويه أقلام الدواوين، أى فى صنعة الحساب.

و شرب أهل البلاد من أنهر سائحة، و بعضهم يشرب من آبار ماؤها خفيف على الفؤاد ذات هضم ولذة.

من الطائف إلى مكة

راجعا من الطائف إلى حدب الرنج فرسخان، و هو كهف جبل، و إلى الطود الأعظم ثلاث فراسخ جبل طويل و هو الذى يسمى الحجاز.

ذكر الحجاز

قال الأصمعى: سميت بذلك الحجاز لأنها احتجزت بالحرار الخمس، منها حرة بنى سليم و حرة و اقم، و يقال: احتجز الرجل بإزار أى شده على وسطه، و منه قيل: حجزة السراويل، و قول العامة حزّة خطأ.

و قال الخليل: لأنه فصل ما بين الغور و الشأم و بين البادية.

و قال الجوهرى: إنها حجزت بين نجد و الغور.

و قال أهل اليمن: مكة يمانية، و الدليل على برهانه قول النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) [وقد] وقف على المتكأ و قال: «هذا شأم و هذا يمن».

52

و قال أهل الطائف: مكة تهامية لأن ما بين نجد و تهامة جبل يسمى الطود الأعظم، فكل ما غرّب منه فهو تهامة، و ما شرّق منه فهو نجد.

و قال أهل العراق: مكة أرض الحجاز.

قال ابن المجاور: إن الطود الأعظم على هذا الوجه هو الحجاز بعينه لأنه حجز ما بين نجد و تهامة، و يقال: إنه جبل متصل إلى اليمن، و ديار العرب هى الحجاز التى تشتمل على مكة و المدينة و اليمامة و مخاليفها و نجد الحجاز المتصل بالبحرين، و ليس فى سائر الأقاليم أطيب منه لا أصح من جوه و هواه، كما قال:

اسكندرية دارى‏* * * لو قر فيها قرارى‏

لكنّ ليلى بنجد* * * و بالحجاز نهارى‏

و بادية الشأم و اليمن المشتملة على تهامة و نجد اليمن و عمان و مهرة و حضرموت و بلاد صنعاء و عدن و سائر مخاليف اليمن.

فما كان من حد السرين فهى تنتهى إلى ناحية يلملم حتى تنتهى إلى ظهر الطائف ممتدا إلى بحر اليمن إلى بحر فارس شرقّا من اليمن فيكون ذلك نحو من ثلثى بلاد العرب، و ما كان من السرين على بحر فارس إلى قرب مدين راجعا إلى حد الشرق على هجر إلى جبل طيئ ممتدا على ظهر اليمامة إلى بحر فارس من الحجاز و مدين.

و ما كان من حد اليمامة إلى قرب المدينة راجعا على بادية البصرة حتى يمتد على البحرين إلى البحر فمن نجد.

53

و ما كان من عبادان إلى الأنبار و نواحيها لنجد و الحجاز على طيئ و أسد و تميم و سائر قبائل مضر بادية العراق.

و ما كان من حد الأنبار إلى بالس و نواحيها لبادية الشأم على أرض تسمى برية حسان إلى قرب وادى القرى و الحجر من بادية الجزيرة.

و ما كان من بالس إلى أيلة موجها للحجاز على بحر فارس إلى ناحية مدين معارضا لأرض تبوك حتى يتصل بديار طيئ من بادية الشأم.

و على أن من العلماء من يقسم هذه الديار و زعم أن المدينة من نجد لقربها منها و أن مكة من تهامة اليمن لقربها منها.

من مكة إلى جدة

من مكة إلى عين أبى سليمان فرسخ، و هى عين جارية و قد غرس عليها نخل و شجر السدر، و إلى مقتلة الكلاب فرسخ، و كان السبب فيه أن لرجل من الأعراب كلبّا فحمل الكلب على رجل من أهل الحلة فنيبه و عوره فقتل المنيوب الكلب، فجمع صاحب الكلب بنى عمه و جمع المنيوب أهله و قامت الحرب بين الفريقين، و ما زالوا على قتالهم إلى أن قتل الجميع فعرف المكان بمقتلة الكلاب.

و إلى الركابية فرسخ، و هى بئر حول جبلين على يسار الدرب تسمى رشان، و فيه بعض الأعراب يقول:

أيا جبلى رشان باللّه خبّرا* * * متى جازكم بدر الحجاز معرّضا

54

و إلى حدة فرسخ، و كانت أرضا مودعة لبنى البدرية فباعوها فاشتراها منهم سليمان بن على بن عبد اللّه بن موسى و استخرج العين، و قيل: كانت العين على حالها فبقيت فى أيدى القوم مدة زمان يستعملونها فى إدراك الغلال، فاشتراها منهم الشريف الحسين بن ثابت السديدى و غرس فى جميع البلاد نخلا مقدار عشرين الف نخلة و القوم ملاكها إلى سنة اثنتين و عشرين و ستمائة.

و فى هذا التأريخ ملك الأمير طنبغا الملك الكامل ولاية الحجاز و ملك نخل الأشراف مستهلكا لها و أخذ هذا النخل فى جملة ما أخذه، و النخل رجع الآن سلطانى.

و يقال: إنما عرف حدة بهذا الاسم لأنه آخر حدود وادى نخلة و الأصح أنه من وادى الصفراء إلى القرين فرسخ، بناية الأمير هاشم، و كان يوقف فى الموضع رتبة خيل يجيرون القوافل فى الطرق و كان لهم على كل جمل دينار علوية، و هو حصن صغير مربع مبنى على أكمة بالحجر و الجص، و قد بنى على دوره ثلاثة عشر برجا صغارا تحتها بئر طيبة الماء عذبة، و إذا قل الماء فى حدة فمنها يستقى الماء أهل حدة.

و يقال: إنما سمى القرين قرينا إلا لأنه أقرن نصف الطريق ما بين مكة وجدة، و يقال: أقرن ببنائه العدل و الأمن.

و إلى كتانة فرسخ، يقال: إن اللّه عز و جل أهلك الحبشة الواردين بالفيل من صنعاء بهذا المكان.