خطط الشام‏ - ج1

- محمد الكرد علي المزيد...
288 /
1

الجزء الأول‏

الإهداء

صديقي الأبرّ العلامة العامل أحمد تيمور باشا (حفظه اللّه):

رأيتك بعد عالمي مصر و الشام، و مفخر العرب و حجة الإسلام، أستاذينا المعظمين الشيخ محمد عبده و الشيخ طاهر الجزائري (رحمهما اللّه)، فردا في المعاصرين من بني قومي، بأخلاقك الطهر، و علومك الغر، و حرصك على نشر آثار السلف، و تفانيك في تثقيف عقول الخلف.

و لقد أوليت كتاب «خطط الشام» من معارفك و عوارفك قسطا عظيما و هو لم يبرح، علم اللّه، غرسا ضئيلا، فلما أن أورق عوده، و أطعمت شجرته، كانت خزانة علم الأعلام في عاصمة النيل، أحق أن تهدى إليها ثمرة طال التوفر على تعهدها في جنات دمشق.

لم تفتأ تبعث همتي على العمل، و تأخذ بيد عجزي لأقوى على إخراج هذا السفر للناس، فالآن و قد تحققت الأماني تفضل و زد في الإحسان، و اقتطع من وقتك الثمين ساعات ترشدني بها الى مواطن الضعف منه، فتقلدني من مننك اللاحقة، قلادة فوق قلائدك السابقة.

و إني لمعترف بقصوري عن وفاء حق مروءتك و وفائك، في زمن قلّ فيه أهل المروءات الأوفياء، ممن لا تبطرهم المظاهر الغرارة، و لا تسكرهم النعم الدارّة، و لا تغيرهم البيئات و الأجواء.

أعزّ اللّه بحياتك دولة العلم و الأدب، و علّم العاملين من إخلاصك ما يستعيدون به عزّة العرب، و أقال هذه الأمة المحبوبة عثرات الليالي و نزوات الأيام، و قيض لها من ينعشها بالعلم من تشتت الكلمة و التواء الأعلام، ليعلو في المجتمع الإنساني سعدها، و يرتفع في أمم الحضارة الحديثة مجدها، بحوله و طوله.

محمد كرد علي‏

صدر الخطط

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

عونك اللهم يا لطيف‏

نشرت عام 1317 ه (1899 م) في مجلة المقتطف تسعة فصول في «عمران دمشق» صادفت استحسان بعض من قرأوها من خاصة الباحثين، و جمهور المطالعين، فوقع في النفس يومئذ أن أتوسع في هذا البحث، و أدرس عمران الشام كله، لأن صورة العاصمة وحدها لا تكفي للدلالة على حالة القطر، و من الإشراف على الأطراف، قد تعرف صحة الجسم عامة و القلب خاصة، و من اهتم بالجزء كان حريا أن يضاعف العناية بالكل.

فشرعت من ثم أتصفح كل ما ظفرت به من المخطوطات و المطبوعات باللغات العربية و التركية و الفرنسية، و قصدت دور الكتب الخاصة و العامة في الشام و مصر و المدينة المنورة و الاستانة و رومية و باريز و لندرا و إكسفورد و كمبريدج و ليدن و برلين و مونيخ و مجريط و الاسكوريال. و كنت كلما استكثرت من المطالعة. تتجلى أمامي صعوبة العمل، هذا مع ما قام في سبيل نشر هذا المجموع من العقبات، منذ وطدت العزم على وضعه، و ما نالني من الكوارث في العهد الماضي. و لكن الشقاء قد يأتي بسعادة، و رب ضرّ أعقب خيرا. فإن التضييق عليّ نشأ منه اضطراري الى الارتحال غير مرة، فأخذت أستقري المعالم و المجاهل في هذا القطر، و نزلت على‏

2

أمم كثيرة في بلاد الغرب، فاستفدت من تنقلي بعض ما عندهم من أسفارنا و آثارنا، و قابلت عن أمم بين عمراننا و عمرانهم، و جمودنا اليوم و حركتهم.

رحلت الى اوروبا ثلاث رحلات، أبحث في دور كتبها عن المخطوطات التي يرجى أن يكون أصحابها قد تعرضوا لحوادث هذا القطر، وزرت أصقاع الشام لأقابل بين حاضره و غابره، و لما نسجت بأخرة ما جمعت، قدمت له مقدمة في بيان ما تشترك فيه بلاد الشام عامة من المظاهر و الأوضاع، و سميته «خطط الشام» و أعني بالشام الأصقاع التي تتناول ما اصطلح العرب على تسميته بهذا الاسم، و هو القطر الممتد من سقي النيل الى سقي الفرات، و من سفوح طوروس الى أقصى البادية، أي سورية و فلسطين في عرف المتأخرين. و يراد بالخطط كل ما يتناول العمران، و البحث في تخطيط بلد بحث في تاريخه‏ (1) و حضارته.

أول من صنف في الخطط و استقصى فيها على ما علمنا الحسن بن زولاق المصري (المتوفى سنة 387) و قال المقريزي (المتوفى في سنة 843) إن أول من صنف فيها أبو عمر بن يوسف الكندي، ثم القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعي (454) و الذي انتهى الينا كتاب خطط مصر للمقريزي المنوه به، و هو أجمل مثال في باب الإجادة في التأليف. و لم نعلم أن أحدا من المتقدمين كتب على الشام و خططه، و كتب بعض المتأخرين في موضوع خاص و بلد معين. و ما خطط الشام في الحقيقة إلا زبدة الوقائع و الكوائن، و أخبار الصعود و التدلي، و المظاهر الغريبة التي ظهرت بها هذه الديار، في غابر الأعصار، مقتبسا ذلك مما أبقته‏

____________

(1) قال العلامة البيروني: التاريخ هي مدة معلومة من لدن اول سنة ماضية كان فيها مبعث نبي بآيات و برهان، أو قيام ملك مسلط عظيم الشأن، أو هلاك أمة بطوفان عام مخرب، أو زلزلة أو خسف مبيد، أو وباء مهلك، أو قحط مستأصل، أو انتقال دولة، او تبدل ملة، أو حادثة عظيمة من الآيات السماوية، و العلامات المشهورة الأرضية، التي لا تحدث الا في دهور متطاولة، و أزمنة متراخية، تعرف بها الأوقات المحددة، فلا غنى عنه في جميع الأحوال الدنيوية و الدينية.

3

الأيام مكتوبا أو مطبوعا على ورق، أو مزبورا على حجر و آجر و برديّ ورقّ.

لا جرم أن موضوع الخطط موضوع جليل، تتعين الإحاطة به على كل من يحب أن يعرف أرضه ليخدمها، و يستفيد منها، و أحق الناس بمعرفة بلد أهله و جيرانه. و من لم يرزق حظا من الاطلاع على ما حوى موطنه من الخيرات، و ما أتاه أجداده من الأعمال، لا ينهض بما يجب عليه ليؤثر الأثر النافع في الحال و المآل، و من أجدر من الأبناء و الأحفاد، بالرجوع الى سجلات الآباء و الأجداد، و كيف يحب المرء بلدا لا يعرفه، و يحرص على سعادته ليسعد هو فيه، و هو لا علم عنده بما تعاقب عليه حتى صار الى ما صار اليه، و هل يفهم الحاضر بغير الغابر، و هل تنشأ في الأمة روح وطنية إذا لم تدرس تاريخها حق الدراسة.

*** كتب الغربيون في آثار هذا القطر و عمرانه و تاريخه و اقتصادياته و عادياته أحمالا من الكتب بلغاتهم، و قلما نشرت كتب جامعة لأحد أبنائنا بلغتنا و على نهجنا. و استنفض الغربيون كل بقعة من بقاعنا، و مدينة من مدننا، و بادية من بوادينا، و منهم من أجاد و أفاد، مما يسجل و يا للأسف علمهم بنا، و جهلنا حتى بأرضنا، و يكفي أن يقال إن علماء الغرب و سياحهم صنفوا بين سنتي 1805- 1903 م خمسة و تسعين كتابا فقط في آثار سلع أو البتراء (وادي موسى) على حين قلّ جدا في الشاميين أنفسهم من زاروا هذه الخرائب المهمة، و منهم من لم يسمع باسمها.

أخذت مما ظفرت به من الكتب الافرنجية، و عنيت أشد العناية بالرجوع إلى ما كتبه الأسلاف في هذا الشأن، على تفرقه، و اعتمدت على مؤلفي العرب خاصة لأن كل أمة أعرف على الغالب بحالتها من غيرها، فإن بحث علماء الافرنج في تاريخ هذا القطر قبل الإسلام، و نبشوا عادياته و مصانعه، و حلوا لغاته و لهجاته، فتاريخه بعد هذا العهد أقرب الى أن يكون علماؤنا مرجعا فيه، فقد قيل «قتل أرضا عالمها».

جاء الكلام ناقصا في بعض الأدوار المتأخرة، و عمي عليّ بعض‏

4

مواضع مهمة ذات صلة بمدنية الشام، و السبب فيه أن المتأخرين زهدوا في التاريخ حتى كادوا لا يفرقون بينه و بين أقاصيص العجائز، و موضوعات المخرفين و الوضاعين، و عنيت بتجريد هذا الكتاب ما أمكن من المبالغات، و نخل لباب الوقائع المهمة الثابتة و حذف ما فيه شية شبهة، أو شائبة غلو، و إن كان منها ما يروق بعضهم و يتفكهون بسماعه، و يطربون لترداده. فخاطبت ما استطعت العقل أكثر من العاطفة، و عنيت في قسم التاريخ السياسي أن أبين علل الحوادث، و تسلسل الكوائن، و دواعي الأحوال القريبة أو البعيدة، و استخراج النتائج و استنباط القواعد. و التاريخ ربيب الحرية لا يتصرف على هوى من يكتبه و يقرأوه و لا على أذواق أهل العصر و أهوائهم. و ما دام موضوعه الاعتبار بالخالي لمعرفة الحالي و الآتي فهو جدير بأن يتحرى فيه الحق و لا يدون سواه. قال أحد العلماء: عند ما نريد أن نصل الى الحقائق التاريخية، يجب أن تصح همتنا على إزالة الأوهام، و نزع الزوان من الأساطير التي تعلق بالوقائع الثابتة القليلة التي وصلت إلينا.

*** كان المؤرخون بعد القرون الوسطى بين عاملين قويين، إما أن يكذبوا فيغضبوا الحق، أو يصدقوا فيغضبوا الخلق، و العمال و الأعيان منهم خاصة. فقد ألف مثلا ابن زوجة أبي عذيبة المقدسي المتوفى سنة 856 تاريخين مطولا و مختصرا، و لما توفي اطلع بعضهم على الكبير منه، فوجد فيه أشياء توهمها في ثلب أعراض الناس فأتلفه، و صنف عبد اللّه البصروي من أهل القرن الثاني عشر تاريخا لهذه الديار، فبلغ أعيان دمشق خبره، و لما هلك دخلوا داره و آلوا أن لا يأذنوا بدفنه أو يأخذوا التاريخ الذي وضعه، فضبطوه و أحرقوه على أعين القوم، مخافة أن تنكشف سيئات بعضهم. و الذي ضاع من مدوّنات المتقدمين و المتأخرين يعد بالعشرات، لكثرة الجوائح الأرضية و السماوية التي أصابتها. و إذا كتب البقاء لشي‏ء مما كتبه المتأخرون فيكون في الغالب الى الركاكة لا تسقط فيه على حقيقة. و كثيرا ما كان العقلاء يعلقون على حواشي‏

5

بعض الكتب تعاليق لحوادث جرت، و أمور اهتم لها الناس و شغلت مجتمعهم، و من مثل تلك الأوراق و من العهود و الصكوك ضم هذا السفر جانبا.

بحثت جد البحث عما دوّن في التاريخ العام أو الخاص بتاريخ بلد من أرض الشام، فرأيت يد الضياع قد غالتها إلا قليلا، و قد أهمني منها الاطلاع على تاريخ صفد للعثماني و تاريخ البرزالي و تاريخ حلب الكبير لابن العديم و تاريخها لابن أبي طي و تاريخ حمص لابن عيسى و لعبد الصمد بن سعيد و أخبار قضاة دمشق للذهبي و تاريخ ابن أبي الدم الحموي و تاريخ قنسرين و تاريخ أنطاكية و تاريخ المعرة لابن المهذب و تواريخ كثيرة في سير مشاهير الفاتحين كتبها أمثال ياقوت الحموي و ابن شداد و ابن واصل و ابن حبيب و ابن الداية و ابن عبد الظاهر و ابن تيمية و الجبريني و العسقلاني، فلم أظفر بسوى ورقات من بعضها، أو مختصرات و منقولات لا تبل غلة، حرّفت بالنقل فتشوهت محاسنها.

*** و لقد وددت لما تيسر وضع خطط الشام على هذه الصورة لو ساغ لي أن أصبر عليه زمنا آخر حتى يتم التحقيق فيه على ما يجب عملا بالحكمة التي تمثل بها الثعالبي في اليتيمة قال: «و كلما أعرته على الأيام بصري، و أعدت فيه نظري، تبينت مصداق ما قرأته في بعض الكتب، أن أول ما يبدو من ضعف ابن آدم، أنه لا يكتب كتابا فيبيت عنده ليلة، إلا أحب في غدها أن يزيد فيه أو ينقص منه، هذا في ليلة فكيف في سنين عديدة». و لكن رأيت بعد طول التأمل أن من الحزم الاكتفاء بما تهيأ في هذه السنين، و التمحيص بحر لا ساحل له، و لطالما ذكرت و أنا أغوص في الكتب المختلفة التي طالعتها قول المؤرخ فوستيل دي كولانج ليس التاريخ من العلوم السهلة فلأجل يوم واحد يصرف في التركيب ينبغي قضاء أعوام طويلة في التحليل. على أني لما راجعت مسودات ما صنفت و رأيتني قد تذوقتها فهضمتها، أيقنت أنه لا يثقل على القراء في الجملة، فأبرزته خائفا حوادث الأيام، و نزول داعي الحمام، و أنا موقن بأن فوق‏

6

ما طالعت و بحثت غايات، لم يمكني الزمان و المكان من بلوغها، و عسى أن يقوم غيري بعدي فيتم هذه الخطوط التي رسمتها من بنيان كتاب الخطط، و يصلح بما يتوفر له من المواد ما ربما وقعت فيه من الغلط و الشطط، و اذا حصلت الفائدة من عمل استغرق جلب مادته خمسا و عشرين سنة، و كلّف تعبا و نشبا، فهو غاية ما أتطالّ اليه، و إلا فهو جهد المقلّ، و الكمال للّه وحده.

و كتب في دمشق في اليوم الرابع من شعبان من شهور سنة ثلاث و أربعين و ثلاثمائة و ألف بعد الهجرة بموافقة شباط من شهور سنة خمس و عشرين و تسعمائة و ألف للميلاد.

7

تقويم الشام‏

تعريف الشام للأقدمين:

الشأم و الشأم و الشام و الشآم هو اسم هذا القطر العزيز على ما عرفته العرب، و هو يتناول عامة الأقاليم الداخلة اليوم في فلسطين و سورية بحسب الاصطلاح الحديث. و سورية اسم غلب إطلاقه على القطر الشامي على عهد الإسكندر مقتضبا مع تخفيفه من اسم أشوري لغلبة الأشوريين عليه و السين و الشين تتعاوران في اللغات السامية. قال البكري: سورية «بضم أوله و كسر الراء المهملة و تخفيف الياء أخت الواو و فتحها» اسم للشام.

و قيل: إن سبب تسميته بسورية نسبة لصور ثغر الشام القديم و مخرج الصاد و السين واحد. و قال آخرون: إن اليونان لما فتحوا الشام رأوا الأشوريين يتولون أمره فسموه أشورية. قال المسعودي: سورية هي الشام و الجزيرة و كان الروم يسمون الصقع الذي سكانه المسلمون في عهده (345 ه) من الشام و العراق سوريا، و الفرس كانوا يسمون العراق و الجزيرة و الشام سورستان إضافة إلى السريانيين الذين هم الكلدانيون و تسميهم العرب النّبط.

و يقال إن فلسطين‏ (1) سميت بفلسطين بن سام او بفلسطين بن كلثوم، او بفليستين بن كسلوخيم من بني يافث بن نوح ثم عربت فليشين.

و جوزوا في اسم الشام التذكير و التأنيث و المشهور التذكير. و للغويين‏

____________

(1) قد ننقل عبارة المؤلفين برمتها او نحذف منها جملا او الفاظا بحسب ما يقتضيه تأليف الكلام و بسطه او اقتضابه و لا نعزو عبارات المؤرخين التي نقلها غير واحد منهم على الأغلب و يكون العزو لما تفرد به مؤرخ او كان له ابتكارا دون غيره من معاصريه و سابقيه.

8

و الجغرافيين في سبب تسميته شاما آراء مختلفة فقيل: سمي لتشاؤم بني كنعان اليه و قيل: بل سمي بسام بن نوح لأنه نزل به و اسمه بالسريانية شام بشين معجمة. و قال بعضهم: إن سام بن نوح لم يدخل الشام قط و قيل: لأن أرضه أي أرض الشام مختلفة الألوان بالحمرة و السواد و البياض فسمي شاما لذلك، كما يسمى الخال في بدن الإنسان شامة، و قيل: سمي شاما لأنه عن شمال الكعبة. و الشام لغة في الشمال، و قيل: سميت الشام شاما لكثرة قراها و تداني بعضها من بعض فشبهت بالشامات و جوزوا فيه وجهين أحدهما أن يكون من اليد الشؤمى و هي اليسرى و الثاني أن يكون فعلا من الشؤم.

معنى الشام و جمعه:

و اختصرت العرب من شامين الشام و غلب على الصقع كله (ياقوت) و هذا مثل فلسطين و قنسرين و نصيبين و حوّارين و هو كثير في نواحي الشام. و ذكروا أن معنى الشام الطيب، و يقال للشام اللمّاعة و اللماعة بالركبان تلمع بهم اي تدعوهم اليها و تطبيهم، و قد تجمع الشام على شامات و تسمى الشام بذلك، و من الناس من لا يجعله الا شاما واحدا، و منهم من يجعله شامات فيجعل بلاد فلسطين و الأرض المقدسة الى حد الأردن شاما، و يقولون الشام الأعلى و يجعل دمشق و أرجاءها من الأردن الى الجبال المعروفة بالطوال شاما و يجعل سورية و هي حمص و ما ضمت الى رحبة مالك شاما، و يجعلون حماة و شيزر من مضافاتها و يجعل قنسرين من إقليمها و حلب مما يدخل في هذا الحد الى جبال الروم و العواصم و الثغور. فأما عكا و طرابلس و كل ما هو على ساحل البحر و كل ما قابل شي‏ء منه شيئا من الشامات فيحسب منه.

و إطلاق الشام على دمشق من باب إطلاق العام على الخاص و العرب (نالينو) كثيرا ما يسمون المدن القواعد بأسماء أقاليمها فكانوا يقولون بلا فرق دمشق او الشام- الفسطاط او القاهرة او مصر- شبام او

9

حضرموت- صحار أو عمان- الأندلس بدلا من قرطبة- صقليّة عبارة عن بلرم.

حدّ الشام قديما:

و حدّ الشام من الغرب البحر المتوسط أو بحر الروم أو بحر الملح أو بحر الشام، و من الشرق البادية من أيلة الى الفرات. و أيلة مدينة قديمة على البحر الأحمر أو القلزم و هي على مقربة من العقبة اليوم. ثم يذهب الحد من الفرات الى حد الروم أو آسيا الصغرى و شمالا الى الروم و جنوبا حد مصر وتيه بني إسرائيل. و أوصلوا الحد من الغرب الى طرسوس قرب أذنة الى رفح في أول الجفار بين مصر و الشام. و أوسع من هذا التعريف أنه يحيط بالشام من جهة الجنوب حد يمتد من رفح الى تيه بني إسرائيل الى ما بين الشوبك و أيلة الى البلقاء، و يحيط به من جهة الشرق حد يمتد من البلقاء الى مشاريق صرخد آخذا على أطراف الغوطة الى سلمية الى مشاريق حلب الى بالس. و يحيط به من جهة الشمال حد يمتد من بالسن مع الفرات الى قلعة نجم الى البيرة الى قلعة الروم الى سميساط الى حصن منصور الى بهسنى الى مرعش الى سيس الى طرسوس. و هذا الحد للعرب قال به كاتب جلبي في القرن الحادي عشر.

حقيقة حد الشام:

و بموجب الاتفاق الفرنسي التركي الأخير جعلت الحدود في قرية قطمة على طريق السكة البغدادية على أربعين كيلومترا من حلب. و دخلت كليس في حدود الروم و ليس هذا هو الحد الجغرافي الطبيعي للشام من الشمال. بل حد الشام ينتهي بسفوح جبال طوروس المعروفة بالدروب عند العرب آخذا الى ما وراء خليج الإسكندرونة لجهة أرض الروم و كان جبل السيّاح (بفتح السين و تشديد الياء) حدا بين الشام و الروم و لا نعرف هذا الجبل بهذا الاسم اليوم. و يقول الإدريسي: و من السويدية الى جبل رأس الخنزير عشرون ميلا و على هذا الجبل دير كبير و هو أول بلاد

10

الأرمن و آخر بلاد الشام. فما كان من جهة الشام على ضفة الفرات فهو شام، و ما كان على الضفة الأخرى من الشرق فهو عراق. فصفيّن مثلا في الشام و قلعة جعبر في الجزيرة الفراتية و بينهما مقدار فرسخ او أقل و تدخل بالس أي مسكنة بالشام لانها من غرب الفرات و تدخل البيرة (بيره جك) في الجزيرة لأنها على الشق الآخر من الفرات. و ما كان من دير الزور على الفرات الى جهة الشام فهو من الشام، و ما كان على الشاطى‏ء الآخر الى الشرق فهو من العراق. و كذلك يقال في الرّقة. و تدخل دومة الجندل المعروفة اليوم بالجوف في الجنوب في جملة هذا القطر. كما أن أيلة هي آخر الحجاز و أول الشام. فالعريش او رفح او الزعقة هي حد الشام الجنوبي الغربي. و معان نصفها للشام و نصفها للحجاز، فيقال معان الشامية و معان الحجازية.

حدوده مع مصر:

و قد اتفقت الحكومتان العثمانية و المصرية سنة (1324 ه 1906 م) على تعيين الحد بين مصر و الشام من رأس طابا على الساحل الغربي لخليج العقبة ممتدا الى قمة جبل فورت مارا على رؤوس جبال طابا الشرقية المطلة على وادي طابا، ثم من قمة جبل فورت يتجه الى الخط الفاصل الى نقطة المفرق على قمة جبل فتحي حيث ملتقى طريق غزة الى العقبة بطريق نخل الى العقبة. و من هذه النقطة الى التل الذي الى الشرق من مكان ماء يعرف بثميلة الردادي و المطلة على الثميلة، بحيث تبقى الثميلة غربي الخط.

و من هناك الى قمة رأس الردادي ثم الى رأس جبل الصفرة، و منه الى رأس القمة الشرقية بجبل قم قف ثم الى سويلة شمالي الثميلة، و منها الى غرب الشمال الغربي من سماوة و منها الى قمة التل الواقع الى غرب الشمال الغربي من بئر المغارة في الفرع الشمالي من وددي مايين، و منها الى غربي جبل المقراة فالى رأس العين الى نقطة على جبل أم حواويط الى منتصف المسافة بين عمودين قائمين في الجنوب الغربي من بئر رفح، و منها الى نقطة على التلال الرملية في اتجاه 28 درجة اي 80 درجة الى الغرب و على‏

11

مسافة 420 مترا في خط مستقيم من العمودين المذكورين ثم يمتد الخط مستقيما من هذه النقطة باتجاه 4، 33 درجة. الشمال المغنطيسي أعني 26 درجة الى الغرب الى شاطئ البحر المتوسط مارا بتل خرائب على ساحل البحر الأحمر. و تقرر في ايلول 1920 أن كون حدود حلب شمالا التخوم الشمالية للواء الإسكندرونة و التخوم الشمالية المنطقة الغربية القديمة آخر نقطة منها تلتقي بالخط الحديدي شرقي محطة هن؟؟؟، ثم خط الحديد و هو داخل التخوم حتى تل أبيض، ثم خط يجمع بين تل أبيض و الخابور شرقا و نهر الخابور حتى مصبه في الفرات، ثم نهر الفرات حتى البوكمال جنوبا و هو الخط المعروف بخط البوكمال الى تدمر ثم الى الحدود الغربية الشمالية. و هذا الحد موضوع غير طبيعي. و لعل هذا القطر لن يعدم حده الطبيعي من الشمال فإن الصخور التي تفصل الشام من الشمال عن آسيا الصغرى ليس لها مثيل في التخوم الطبيعية كما قال نابوليون. و جعل الجغرافي اليزه ركلو حد الشام من جبال أمانوس (اللكام) الى طور سينا و قال: إن طور سينا و إن ضم سياسيا الى مصر فهو جزء من أجزاء الشام. و قال بوليه: إن حد سورية شمالا آسيا الصغرى. و قال بورتر: إن سورية أي سورية الرومانيين يحدها شمالا آسيا الصغرى. و قال بيدكر: إن حد الشام من طوروس الى مصر. و بذلك رأينا أن الشام يحيط به من الجنوب رمال من الجفار وتيه بني إسرائيل و جزء من البحر الأحمر فالبادية. و من الشمال جبال شامخة صعبة المسالك و هي جبل أمانوس أحد سلاسل جبال طوروس.

و من الشرق الفرات و من الغرب البحر. اي رمال و جبال و نهر و بحر.

مساحة الشام و صورته:

قدر القدماء طول الشام من العريش الى الفرات بمسيرة نحو شهر و عرضه من جبلي طي أجإ و سلمى من القبلة الى بحر الروم نحو عشرين يوما، و جبلا اجإ و سلمى جنوب الشراة وراء البتراء المعروفة عند الرومان باسم (بروفنسيا أرابيا أو أرابيا بترا-Provincia Arabia Arabia Petraea ).

و قال شيخ الربوة: حد الشام طولا من ملطية الى العريش و مسافته سبعة

12

و عشرون يوما، و عرضه الأعرض من منبج الى طرسوس. و عدّ ياقوت من الشام الثغور و هي المصيصة و طرسوس و أذنة و جميع العواصم من مرعش.

و الحدث و غير ذلك.

و قال علماء الافرنج: إن معدل طول الشام نحو ألف كيلومتر و عرضه نحو مائة و خمسين كيلومترا و مساحته 183 ألف كيلومتر مربع و قال بعضهم:

إن مساحته السطحية نحو 280 الف كيلومتر، و أبلغه غيرهم الى ثلثمائة ألف و أنزله آخر الى مائة و تسعة و خمسين الف كيلومتر، و بالغ في تصغيره بعضهم فقال: إن مساحته مائة ألف كيلومتر مربع فقط، و منهم من قال مئة و خمسة عشر. و قال آخر: إن طوله ينيف على أربعمائة ميل و عرضه يختلف كثيرا و معدله نحو مئة و عشرين ميلا. و مساحة الشام خمسون ألف ميل مربع. و ذكر آخر أن طول الشام المتوسط من الشمال الى الجنوب نحو سبعمائة كيلومتر و عرضه من الغرب الى الشرق نحو أربعمائة و خمسين كيلومترا.

و أكد بعضهم أن طوله من طوروس الى طور سينا لا يقل عن الف و مئة كيلومتر، و قال غير واحد: إنه لا يقل عن 800 الى 900 هذا إذا تركت منه البادية و لم يحسب غير الأراضي القابلة للزرع. و قدرت الأرض القابلة للزراعة في الشام بمئة و خمسين ألف كيلومتر مربع. و الاختلاف في حد الشام و مساحته بين علماء الجغرافية المحدثين أكثر مما بين علماء تقويم البلدان من العرب الأقدمين. و قد شبّه بعضهم الشام في هيئته الطبيعة بشكل مستطيل طوله ثمانية أضعاف عرضه. و شبهه آخر بأنه شكل مربع الأضلاع مستطيل كثيرا.

مدخل الفاتحين الى الشام:

جاء الفاتحون الشام بحرا و برا بل جاءوها من جهاتها الأربع فجاءها الفراعنة من البحر و البر، و البابليون و الفرس من الشرق و الشمال، و الاسكندر و الصليبيون و العثمانيون من الشمال، و غازان و هولاكو و تيمور لنك من الشرق، و العرب الفاتحون من الشرق و الجنوب، و نابوليون من الجنوب و من الغرب بحرا، و إبراهيم باشا المصري برا و بحرا اي من الغرب و الجنوب‏

13

الغربي، و جيوش الحلفاء من الانكليز و الفرنسيين و العرب من الجنوب و الغرب. و كانت على اعتزالها وراء حدودها الطبيعية مطمح الطامحين، و طعمة الطامعين، لم تدفع عنها حصونها التي فصلتها عن الحجاز بصحار مقفرة، و حرار معطشة، و عن العراق بنهر عظيم و بادية قاحلة، و عن آسيا الصغرى بجبال عالية، و عن مصر و عن برّ إفريقية برمال محرقة.

و داست تربتها الجميلة سنابك خيل الفاتحين، و عبثت بجميل محياها سهام النوائب، و أوردتها موارد العذاب الهون، و لم تأمن عادية العادين، على ما فيها من الجبال الشم، و مضايق تضل فيها العصم.

مدن الشام و قراه:

في الشام مدن كثيرة منها ما دثر و انحط بعد أن كان له شأن مهم في الأزمان الغابرة، مثل قيسارية و المعرة و أنطاكية و قنسرين و أفامية و جرش و البتراء و بصرى و صيدا و صور و تدمر و بعلبك و جبيل و سبسطية و أم قيس و صرخد و السويداء و شهبة و عرقا و عمّان و بانياس في الحولة و عسقلان، و منها ما ثبت على صدمات الأيام و الليالي و كان له من موقعه و ملاءمة الطبيعة له ما أبقى عليه، كأن يكون وسط ريف خصيب، و ماء دافق، كدمشق و حمص و حماة و طرابلس. و دمشق أهم مدن الشام و عاصمته في الإسلام و على عهد السريان، و كانت أنطاكية عاصمته على عهد الروم و الرومان. و تجي‏ء بالعظم بعد دمشق مدينة حلب ثم بيروت ثم القدس و سكان دمشق نحو أربعمائة الف، و مثلهم سكان حلب، و بيروت نحو ثلاثمائة الف، و القدس أقل من ذلك. و في الشام عدة مدن تزيد على خمسين الف نسمة، مثل يافا و حيفا و حماة و حمص و دير الزور، و فيها عدة مدن تختلف بين العشرين و الأربعين الف نسمة، مثل اللاذقية. غزة. صفد. زحلة. صيدا.

إدلب. أنطاكية. و عشرات من القرى هي أشبه بمدن او مدن أشبه بقرى تكون نفوسها بين العشرة آلاف و العشرين الفا مثل صيدا و الخليل و الرملة و اللدّ و الناصرة و طبرية و الدامور و بعلبك و حاصبيا و راشيا و الصلت و دومة و داريا و جوبر و يبرود و دير عطية و حارم و إدلب و سلمية و الشويفات‏

14

و بشرّي و إهدن و البترون و غيرها. و لا تقل قرى الشام عن ثمانية آلاف قرية و مزرعة و بليدة و مدينة و سكانها نحو سبعة ملايين يدخل فيهم العرب الرحالة و يقدرون بخمسمائة إلى ستمائة ألف.

طبيعة الشام:

قطر تأخذ فيه الفصول الأربعة حكمها، و تتم في قيعانه و جباله أسباب النعيم، معتدل الأهوية، متهاطل الأمطار و الثلوج، ممرع التربة، فيه الغابات و المعادن، و الحمامات المعدنية و الأنهار الجارية، و البحيرات النافعة، و الأجواء البهجة، و الرباع المنبسطة، و المناظر المدهشة، فيه من الجبال الشراة و الخليل و عامل و سنير و حرمون و لبنان و كسروان و حوران و جرش و عجلون و عكار و اللكام و الأقرع و الكلبية و الأكراد و القدموس و باير و المنيطرة و صنين و الكنيسة و الباروك و نيحا و الريحان و طابور و الجرمق و الكرمل و بلودان و النبك و الصلت و مؤاب و أنطاكية و القصير و ريحا. و من البحيرات العمق و الغاب و أفامية و المطخ و اليمونة و العتيبة و الهيجانة و طبرية و الحولة و لوط. و من السهول سهل حوران و الجولان و الجيدور و الغوطة و المرج و البقاع و البقيعة و حمص و أنطاكية و اللاذقية و طرابلس و الشويفات و صيدا و صور و الطنطورة و بيسان و أريحا. و من المروج مرج ابن عامر و شارون (سارون) و البلقاء. و من الأنهار النهر الكبير و الأردن و اليرموك و العاصي و الفرات و قويق و الساجور و عفرين و الأسود و بردى و البارد و ابراهيم و قاديشا و الليطاني و الحاصباني و الزرقا و العوجا و الأعوج و الأولي و الزهراني و الكلب و الموجب و الدامور و الذهب و قنديل و صنوبر و قرشيش و برغل و المضيق و السن أو الأبتر و حريصون او مرقبة و الجوز و الكابري و نعمين و المقطع و الأزرق و الأخضر و أبي زابورة. و من المناظر البديعة صنين و ظهر القضيب و إهدن و البياضة و إصطبل عنتر و الصبر و النبي يوشع و قاسيون و حرمون و الطور و الهرمل و الكرمل.

خيرات الشام:

و فيه تنبت الحبوب و البقول و الأشجار على اختلاف أنواعها. ففي‏

15

جنوبيه و شرقيه النخيل. و في سواحله الموز و البرتقال. و في أواسطه السرو و الأرز. و يجود فيه القطن و القنب و الكتان و الحرير و النيل و الدخان و قصب السكر و العسل و شجر الأرز و الفوّة و السماق و السوس. و تصلح مراعيه لتربية ضروب الماشية. و في أرضه و مياهه أنواع الطيور و الأسماك و تعيش فيه الجمال كما تعيش البغال و تسمن فيه الجواميس كما ينمو الغنم و المعزى فيه زهاء مئة و ثلاثين منجما لم يستثمر منها إلا القير و الفوسفات و الحمر، على أن فيه الذهب و الفضة و النكل و الحديد و الفحم الحجري و الرصاص و المغرة و النحاس و الكروم و الزئبق و الكبريت و السنباذج و الجبس و النفط و الإثمد و الزاج و المرمر. و من الحمامات المعدنية حمام طبرية و حمّة سمخ و حمة أبي رباح و حمة ضمير و حمة معلولا و حمة أنطاكية و المرقب و زرقاء معين و عجلون و لها كلها من الخواص الصحية ما اشتهر أمره.

هواء الشام و ماؤه:

صقع حوى غرائب الطبيعة تشهد فيه بردا قارسا بل شتاء مستوفى في قنن جباله و سفوحه في حين تشهد في أغواره كغور بيسان و غور الصافي و طبرية و أريحا ربيعا تاما بل صيفا معتدلا، و بينا تذيب شمس الصفاة و اللجاة رأس قاصدهما، إذا به في ريح بليل عليل اذا قصد الجبال و ما اليها. فهو مصطاف و مرتبع و مشتى في آن واحد. و فيه ما لا يكاد يوجد له مثيل في الأرض: بحيرة طبرية تحت سطح البحر على 1316 قدما و فيها أسماك كثيرة، و بحيرة لوط لا يعيش فيها حيوان فكأن نهر الأردن الذي يجري من بحيرة طبرية و ينتهي ببحيرة لوط هو في أوله حياة و في آخره موت، و هذا لا نظير له في العالم.

و من عجائب طبيعة الشام إن تنبجس في بعض أصقاعه عيون طيبة ثرّة في بقعة ضيقة. ففي الجديدة على مقربة من الحولة عشرات من العيون على هضبة سميت بها البلدة «مرج عيون» و في جبل ريحا من عمل حلب عيون لطيفة دارّة في الأعالي تكاد تخلو منها السهول المنخفضة المجاورة. و مياه الشام على الجملة طيبة لذيذة.

16

خصائص الشام:

قطر هذه مواهبه قامت فيه في الأزمان الغابرة النصرانية و اليهودية.

و انبعث من أرجائه مجد الإسلام، فكان مباءة أول دولة عربية إسلامية، ثم آوى اليه الشيع الغريبة من النحل و المذاهب التي لا مثيل لها في غيره، كالدرزية و الإسماعيلية و النصيرية و السامرة بل معظم المذاهب الإسلامية و النصرانية و الإسرائيلية و تبلغ سبعة عشر مذهبا و جملة من العناصر القوية ذات المدنية التي استحالت عربا.

رأى الشام طلعة موسى و عيسى من النبيين، و الإسكندر و ابن الخطاب و خالد بن الوليد و موسى بن نصير و نور الدين و صلاح الدين و سليم و ابراهيم من الفاتحين. و عمر بن عبد العزيز و المأمون و ابن تيمية من المجددين. و بختنصر و هولاكو و جنكيز و غازان و تيمور من المخربين، و قلّ في الممالك كما قال كورتيوس ما اندمج فيه كثير من التواريخ في بقعة ضيقة كهذه.

الشام مهوى أفئدة الشعوب النصرانية و اليهودية، و مجاز حجاج المسلمين الى الأماكن الطاهرة القدسية و الحجازية، بل نقطة الاتصال القريبة بين آسيا و افريقيا و آسيا و أوربا، بل بين القارات الثلاث القديمة آسيا و أوربا و إفريقية، و أجمل مصيف و مشتى للأقطار الحارة المجاورة كالحجاز و العراق و مصر. و الشام في أواسط الأقطار التي يتكلم أهلها بالعربية هو بلد الخيال و الشعر، و الهمم العلياء و استقلال الفكر، و أرضه أبدا باسمة طربة كسمائه:

مصحة أبدان و نزهة أعين* * * و لهو نفوس دائم و سرورها

مقدسة جاد الربيع بلادها* * * ففي كل أرض روضة و غديرها

17

سكان الشام‏

الامو و اللودانو:

من الصعب الحكم على أصول السكان في الشام قبل أن يعرف التاريخ، و تعيين أول من نزلها من القبائل قبل أن تبنى المدن و الحواضر و تعرف المزارع و الدساكر. و أقدم ما عرف منها قبائل كانت تعرف بالامو ورد ذكرها في الآثار المصرية و معناها الشعب باللغة السامية اختلطت على ما يظهر بذرية لاوذ، او بغيرها من القبائل التي كانت تسكن شمالي الشام، و سمي هذا القبيل بالروتانو او اللودانو، و يقسمون الى روتان المغرب و يراد بهم سكان دمشق و أرض كنعان، و الى روتان المشرق او الأعلى و هؤلاء كانوا ينزلون في شمالي الشام و جزء من غربي ما بين النهرين و لعل ذلك كان قبل الطوفان، طوفان نوح او بعده بقليل. و قد حدث الطوفان قبل المسيح بنحو الفين و خمسمائة سنة، و لم يعم الكرة الأرضية و لا برا من برورها المعروفة، بل انحصر في بقعة صغيرة من آسيا على الأرجح أي إنه كان في الجزيرة على ما ذكره أهل الإدراك من المفسرين.

و ظهرت بعد الطوفان أمم كثيرة سكنت الشام، بعضها من أصل سامي و بعضها لم يعرف عنه شي‏ء، و منها ما عرف أنه أتى من الأصقاع المجاورة و منها من لم يثبت أصله. فقد ظهر بعد الطوفان الآراميون في دمشق و الجيدور و الجولان و البقاع و حمص و لبنان، و آرام هو الاسم الذي أطلقته‏

18

التوراة على الشام و بين النهرين، و كان يسكنها أبناء آرام الابن الخامس لسام. و أقام الأموريون في الأرض الواقعة بين البحر و الأردن، و العمونيون في أرض جلعاد اي في شرقي الأردن، و الموآبيون في الجنوب الشرقي من بحيرة لوط، و الإسماعيليون من نسل إسماعيل جد العرب في سلع و البتراء و ما جاورها. و انتشر الأدوميون من وادي العربة الى حدود العقبة عقبة أيلة و الفينيقيون في صور و صيدا و جبيل، و تفرعت من هذه القبائل فروع كثيرة في قرون مختلفة. و لا تعرف أصول أكثر هذه القبائل. و قد قال رولنسون: إن أصل الفينيقيين من سكان البحرين في الخليج الفارسي ظعنوا من هناك الى ساحل الشام منذ نحو خمسة آلاف سنة و أنهم عرب بأصولهم و أن هناك مدنا فينيقية أسماؤها أسماء فينيقية مثل صور و جبيل. و ذكر مكالستر أنه سكنت فلسطين شعوب من غير الساميين و ربما عنى بهم الحثيين و الأموريين.

و الحثيون جنوبيون و شماليون و كان الجنوبيون في جهات فلسطين و نزل الشماليون أولا جبل اللكام (امانوس) ثم انتشروا بكرور الأيام من الفرات الى حماة و حمص و من دمشق و تدمر الى كبدوكيا، و لم يكن لهم ملك واحد بل كان لكل فصيلة منهم ملك. و لم يعرف شي‏ء عن الحثيين الشماليين قبل أن يمرّ الرحالة بروكهارت بحماة سنة 1812 و يرى على جدار أزقتها خطوطا قديمة بالخط المسند المصري أي الهيروغليفي تختلف عن الآثار المصرية و عثر على كثير من مثل هذه الآثار في حماة و حمص و حلب و مرعش و كركميش و غيرها، و قد علم من سحنات الحثيين الشماليين على ما رسموا في الآثار المصرية أنهم أقرب الى الرومان منهم الى سكان فلسطين و لون وجوههم أبيض ضارب الى الحمرة.

و من أقدم شعوب الشام شعب كان ينزل منذ الزمن الأطول في السقي الأسفل من نهري الفرات و قزل ايرمق و يعتصم في مضايق جبال طوروس، عرف عند اليونان باسم خيطايوس و عند العبران بخطي خطيم و عند الأشوريين بخاطي و عند المصريين بخايطي خاطي و عرفه المتأخرون بالحثيين، و هو شعب غير سامي مجهول اللسان. و أصل العبرانيين او اليهود سبط من الساميين الذين نزلوا من جبال إرمينية الى سهول الفرات على عهد مملكة الكلدان‏

19

الأولى و ضربوا نحو الغرب فجازوا الفرات فالبادية فالشام حتى انتهوا الى عبر الأردن وراء فينيقية. و تعرف هذه الأسباط بالعبرانيين يعني أهل ما وراء النهر. قال هشام الكلبي: ما أخذ على غربي الفرات الى برية العرب يسمى العبر و اليه ينسب العبريون من اليهود لأنهم لم يكونوا عبروا الفرات حينئذ. و العبرانيون كمعظم الساميين شعب من الرعاة الرحالة لم يحرثوا الأرض، و لا سكنوا الدور و المنازل، و قد دعيت ديارهم أرض الميعاد او أرض كنعان او فلسطين. و دعاها اليهود أرض إسرائيل ثم دعيت بعد اليهودية و دعاها أهل النصرانية الأرض المقدسة، و كان عدد الإسرائيليين أيام عزهم 700، 601 رجل يحمل السلاح منقسمين الى اثني عشر سبطا.

الآراميون و العناصر الأخرى:

و بعد انقراض دولة الحثيين في القرن الثامن قبل الميلاد عمّ اسم آرام هذه الديار فأصبح القسم الأكبر من سورية يسمى آراما و سكانها الآراميين و قد ورد اسم آرام في التوراة مضافا عدة مرات مثل آرام رحوب و آرام معكة و آرام صوبا. و قيل إن إرم الواردة في القرآن مضافة أيضا «إرم ذات العماد» هي دمشق بعينها. و للمفسرين في ذلك أقوال كثيرة ليس هذا محل إيرادها. و في الشام عناصر منوعة من نسل حام بن نوح و سام بن نوح و يافث بن نوح. أي إن فيها الدم الآري و القافي (القافقاسي) و العربي و التركي و بعبارة أصرح فيها بقايا من الشعب الأشوري و البابلي و الكلداني و الكنعاني و الفينيقي و العبراني و الحثي و الفارسي و الروماني و اليوناني و التتري و العربي. و كانت منذ عهد بني إسرائيل موطن العصبيات و فيها على رأي ابن خلدون قبائل فلسطين و كنعان و بني عيصو و بني مدين و بني لوط و الروم و اليونان و العمالقة و اكريكش و النبط من جانب الجزيرة و الموصل ما لا يحصى كثرة و تنوعا في العصبية، و لذلك يتعذر ردّ كل جنس الى جنسه اليوم بعد هذا التمازج الذي دام أكثر من‏

20

ستين قرنا في هذه البوتقة الجميلة مضافة الى الأصول التي كانت فيها من قبل و نعني بهذه البوتقة الديار الشامية.

العناصر القديمة و العرب:

كل أمة عظيمة عرفت في الشام طال عمرها بضعة قرون ثم فنيت في غيرها و أدغم الضعيف في القوي و تمثل المغلوب في الغالب مع توالي الأيام و الليالي. و هكذا يقال في السريان و العبران و اليونان و الرومان. و يمكن أن يقال في الجملة إنه كان في الشام منذ القرن السادس عشر قبل الميلاد شعوب كثيرة أهمهم الكنعانيون النازلون في الجنوب و الوسط و الشمال و الآراميون، و ما وراء ذلك من الشمال يسكنه الحثيون. و لم تطل حياة عنصر في صحة بالشام كما طالت حياة العرب فإنهم فيها على أصح الأقوال منذ زهاء الفين و خمسمائة سنة و أوصله بعضهم الى نحو أربعة آلاف سنة، و هم الذين اندمج فيهم عامة الشعوب القديمة و استعربت فلم تعد تعرف غير العربية لسانا و منزعا. و لذلك كان من المعقول أن يدلّ الشامي بعربيته أكثر من إدلاله بفينيقيته و روميته و سريانيته و عبرانيته. و في تاريخ فلسطين أن العرب دخلوا فلسطين قبل الإسلام بقرون. و الدليل أن نرحم سين ابن سرجون غزا فلسطين سنة 3800 ق. م. و صادف في سينا حكومة عربية ثم حارب قبيلة معان العربية و أسر أميرها، و قد ظهر من آثار بابل ما يثبت ذلك. و منها أن سرجون الثاني غزا عرب البادية الذين اعتدوا على السامرة و أخضع قبائلهم و منها ثمود و مدين و مساكنهم شرقي الأردن و حارب عباديد و أخذ منهم طائفة و أسكنها في السامرة. و لما جاء الإسكندر الى غزة و حاصرها كانت حاميتها عربا فقاومته أشد مقاومة، و منها أن أحد تلامذة المسيح بشر بلغات عديدة منها اللغة العربية كما ورد في أعمال الرسل، و منها أن الحارث حاكم دمشق كان عربيا لما دخلها بولس الرسول كما ورد في رسالته الى اهل مدينة كورنثوس، و منها أن تيطس لما جاء لفتح القدس كان معه الحارث ملك العرب يقود فرقة عربية، و منها أن هركانوس المكابي التجأ الى الحارث ملك العرب فأنجده و ساعده على أخيه‏

21

ارستوبولس، و منها أن فيلبس الروماني الذي صار امبراطورا في رومية سنة 244 ب. م كان عربيا من بصرى في حوران.

و الغالب أن في العرب خاصية التمثيل إذا جاوروا شعبا قربوه من مناحيهم و أدخلوا عليه لغتهم، و هم المادة العظمى التي ما زالت تفيض على الشام. و أهل الوبر و المدر أو البادية و الحضر منهم، من أصبر الأمم على الحروب و الأسفار الطويلة و الاكتفاء بميسور العيش، لكنهم لا يصبرون على الضيم و الأذى. و لطالما غزوا من جزيرتهم العراق و فارس و الجزيرة و الشام، و لم يسمع أن حكمتهم أمة و قد تمكنوا كما قال جويدي من غزو الأعداء، و لهم المفازة التي بينهم و بين العراق و الشام اي بادية الشام و النفود، و من هجم عليهم في ديارهم لم تدم سلطنته عليهم كملوك الأثوريين او رجع بالخيبة و الافتضاح كغالوس.

دول العرب الأقدمين:

كانت العرب تختلف الى الشام قبل الإسلام بقرون طويلة، قامت لهم فيها و في جوارها دول عظيمة خلفت من آثارها ما دلّ على عظمتها، فمنها دولة النبط و يغلب في أسماء ملوك النبطيين اسم الحارث و عبادة و مالك و هم عرب من بقايا العمالقة، و العمالقة قوم من عاد و هم القوم الجبارون في الشام. و لم تخلف البتراء غير تدمر و أصل ملوكها من سلالة عربية أيضا.

و قد أبقت هاتان الدولتان من أصولهما و حاميتهما جندا كثيرا أصبحوا بعد من جملة سكان الشام و المادة الأولى للعربية فيه. قال نالينو: النبط أو النبيط في اصطلاح العرب في القرون الأولى للهجرة اسم أهل الحضر المتكلمين باللغات الآرامية الساكنين في الشام و خصوصا في الصقع الواقع ما بين النهرين، و ليسوا النبط أو الأنباط الذين اتسعت مملكتهم في أرض الحجاز الشمالية الى حدود فلسطين و نواحي دمشق.

سليح و غسان و الضجاعم:

و قد ذكر المؤرخون أن نزول العرب في ديار الشام أقدم من ذلك‏

22

بقرون فإن تكلت فلاسر أحد ملوك أشور غزا الشام مرارا من سنة 743 الى 732 ق. م. و أخضع في خلال ذلك السامرة و دمشق و صور و حماة و عرب البادية بين فلسطين و مصر و كانت عليهم يومئذ ملكة اسمها حبيبة.

و قيل: إن أول من دخل الشام من العرب سليح و هو من غسان- و غسان ماء نزل عليه قوم من الأزد بين رمع و زبيد في اليمن فنسبوا اليه- و يقال من قضاعة فدانت بالنصرانية و ملّك عليها ملك الروم رجلا منهم يقال له النعمان بن عمرو بن مالك فلما خرج عمرو بن عامر مزيقيا من اليمن في ولده و قرابته و من تبعه من الأزد أتوا أرض عك في اليمن ثم أرض الحجاز و صار منهم قوم الى الشام، منهم آل جفنة ملوك الشام فكتب سليح الى قيصر يستأذنه في إنزالهم فأذن لهم على شروط شرطها عليهم.

و بنو غسان في الحقيقة حي من الأزد على رواية المسعودي من القحطانية قال أبو عبيد: و هم بنو جفنة و الحارث و هو ثعلبة و العنقاء و حارثة و مالك و كعب و خارجة و عون بن عمرو بن مزيقيا. و ذكر الحمداني أن في البلقاء طائفة منهم و باليرموك الجم الغفير و بحمص منهم جماعة. و حكم ملوك غسان حوران و البلقاء و الغوطة و حمص و دمشق. قال المسعودي: و كانت ديار ملوك غسان باليرموك و الجولان و غيرهما بين غوطة دمشق و أعمالها، و منهم من نزل الأردن و قد أخرجت غسان من الشام سليحا و صاروا ملوكها، و أول من ملك جفنة بن عمرو فقتل ملوك قضاعة من سليح الذين كانوا يدعون الضجاعمة أو الضجاعم و دانت له قضاعة و من بالشام من الروم و جميع ملوك جفنة من آل غسان اثنان و ثلثون ملكا لبثوا في ملكهم ستمائة و ست عشرة سنة و قيل أربعمائة سنة.

التنوخيون:

هذا في الجنوب أما في الشمال فقد نزل التنوخيون قبل الإسلام بقرون، و سموا تنوخيين لأنهم حلفوا على المقام بالشام، و التتنخ و التنوخ المقام، كانوا قبائل تتاخم منازلها مملكة الروم، فلما غزا ملك الفرس الروم، و أذرع فيهم القتل و السبي و خرب العمائر، أنفذ ملك الروم الى تنوخ يستنجدهم‏

23

على ملك الفرس فأنجدوه، و قاتلوا معه قتالا شديدا، ثم سألوا ملك الروم أن يتولوا حرب الفرس منفردين عن جند الروم لتظهر له طاعتهم و غناؤهم فأجابهم الى ذلك فقاتلوا الفرس و ظفروا بهم، فأعجب بهم ملك الروم و فرق فيهم الدنانير و الثياب و قرّبهم و أدناهم و أقطعهم سورية و ما جاورها من الأصقاع الى الجزيرة. و سورية مدينة بقرب الأحصّ على جانب البرية. قال ابن العديم: هذا منتهى أمرهم في الجاهلية.

و لم يعرف الزمن الذي كان فيه التنوخيون، و بعضهم يقول: إنهم كانوا في أواخر القرن الثالث للمسيح و يقول المسعودي: إن قضاعة بن مالك بن حمير أول من نزل الشام و انضافوا الى ملوك الروم فملّكوهم، بعد أن دخلوا في دين النصرانية، على من حوى الشام من العرب، فكان أول ملوك تنوخ النعمان بن عمرو بن مالك، ثم ملك بعده عمرو بن النعمان ابن عمرو، ثم ملك بعده الحواري بن النعمان و لم يملك من تنوخ غيرهم.

ثم وردت سليح الشام فتغلبت على تنوخ و تنصرت فملّكتها الروم على العرب الذين بالشام. قال: و غلبت غسان على من بالشام من العرب فملكها الروم على العرب و إن من ملكته الروم من اليمن بالشام تنوخ و الضجاعم من سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة و غسان استكفاء بهم من يليهم من بادية العرب.

المهاجرات و الايطوريون:

و الغالب أن معظم مهاجرات العرب الى الشام كانت تقع عقيب حوادث طبيعية في أرضهم من جفاف و طوفان و جدب و موتان، فيستهويهم بخصبه، و ينتجعون هناءة العيش في أرجائه. و في الأغاني لما أرسل اللّه سيل العرم على أهل مأرب قام رائدهم فقال: من كان منكم يريد الخمر و الخمير، و الأمر و التأمير، و الديباج و الحرير، فليلحق ببصرى و الحفير، و هي من أرض الشام فكان الذين سكنوه غسان.

و من الدول العربية التي اشتهرت زمن دخول الرومان الى سورية دولة الإيطوريين و معنى الإيطوريين بالعبرية الجبليون، و هم شعب عربي جاءوا

24

من ايتورة اي الجيدور شمالي حوران و اشتهروا برمي النشاب فاستولوا بمضائهم الحربي على جبل الشيخ (حرمون) و البقاع الى فينيقية، و بعض أسماء الجنود الجيدوريين التي جاءت في الكتابات اللاتينية باللغة الآرامية و بعضها باللغة العربية. قال دوسو: لم تكن هجرة العرب الى سورية مما ينسب لإدارة الرومان كما يظن بعضهم بل إن الأحوال قد سهلت طرقها في ذاك العصر و ضمنت لهم رسوخ قدمها في ظل السلام. فقد كانت مدينة حمص في يد حكومة عربية قبل وصول القائد بونبيوس الى سورية و أن الأقيال الذين تولوا أمر تلك الديار لتطلق عليهم ألقاب عربية صرفة، كما يفهم من آثار الصفا. و لما جاء الإسكندر الى الشام كان العرب يحتلون لبنان.

سليح و عاملة و قضاعة:

و ممن يجب عدهم في المهاجرة الأول من العرب الى الشام سليح الذين أشرنا اليهم آنفا فقد قال البكري: سارت سليح بن عمرو بن الحاف ابن قضاعة يقودها الحدرجان بن سلمة حتى نزلوا ناحية فلسطين على بني أذينة بن السّميدع من عاملة و انتشر سائر قبائل قضاعة في القطر، يطلبون المتسع في المعاش و يؤمون الأرياف و العمران، فوجدوا بلادا واسعة خالية في أطراف الشام قد خرب أكثرها، و اندفنت آبارها، و غارت مياهها، لإخراب بخت نصّر لها، فافترقت قضاعة فرقا أربعا ينضم الى الفرقة طوائف من غيرها يتبع الرجل أصهاره و أخواله فسار ضجعم ابن حماطة و لبيد بن الحدرجان السليحي في جماعة من سليح و قبائل من قضاعة الى أطراف الشام و مشارفها و ملك العرب يومئذ ظرب بن حسان بن أذينة ابن السّميدع بن هزبر العمليقي فانضموا اليه و صاروا معه فأنزلهم مناظر الشام بين البلقاء الى حوارين الى الزيتون (جبال فلسطين) فلم يزل ملوك العماليق يغزون معهم المغازي و يصيبون المغانم حتى صاروا مع الزباء بنت عمرو بن الظرب اللخمي و استولوا على الملك بعدها و ظلوا ملوكا حتى غلبتهم غسان على الملك، قال بعض آل سعد بن ملكيكرب يذكر منازل‏

25

من خرج من اليمن و قد ذكر غسان و قضاعة و كلبا:

و غسان حيّ عزهم في سيوفهم* * * كرام المساعي قد حووا أرض قيصر

و قد نزلت منا قضاعة منزلا* * * بعيدا فأمست في بلاد الصنوبر

و كلب لها ما بين رملة عالج* * * الى الحرّة الرجلاء من أرض تدمر

و عالج رمال معروفة في البادية، و الحرة الرّجلاء في ديار بني القين في أطراف الشام بين حوران و تيماء، و الشاعر يقول إنها من أرض تدمر.

و في تاريخ الأمم الاسلامية: «إن الضجاعمة ملوك اصطنعهم الرومان ليمنعوا عرب البرية من العبث و ليكونوا عدة على الفرس و ولوا منهم ملكا و من أشهر ملوكهم زياد بن الهبولة».

لخم، جذام، عاملة، ذبيان، كلب:

ذكر الهمداني مساكن من تشاءم من العرب أي دخل الشام فقال أما مساكن لخم فهي متفرقة و أكثرها بين الرملة و مصر في الجفار و منها في الجولان و منها في حوران و البثنيّة، و مدينة نوى، و بها خلف بن جبلة القصيري و ابن عزير اللخمي مسكنه طرف جبال الشّراة، و أما جذام فهي بين مدين الى تبوك فالى أذرح و منها فخذ مما يلي طبرية من أرض الأردن الى اللجون و اليامون الى ناحية عكا، و أما عاملة فهي في جبلها مشرفة على طبرية الى نحو البحر، و أما ذبيان فهي من حد البياض بياض قرقرة- و القرقرة الأرض الملساء- و هو غائط- و الغائط كالغوطة المطمئن من الأرض- بين تيماء و حوران لا يخالطهم إلا طيّ و حاضرهم السواد و مرو و الحيانيات- و الحيانية كورة بالسواد من أرض دمشق و هي كورة جبل جرش قرب الغور- و أما كلب فمساكنها السماوة- و السماوة الأرض المستوية لا حجر بها و هي البادية بين الكوفة و الشام- و لا يخالط بطونها في السماوة أحد. و من كلب بأرض الغوطة عامر بن الحصين بن عليم و ابن رباب المعقلي و من بني الحارث بن كعب بيت يسكنون بالفلجة من أرض دمشق- و الفلجات في شعر حسان بالشام كالمشارف و المزالف بالعراق و المشارف جمع مشرف قرى قرب حوران منها بصرى.

26

جهينة، القين، بهراء، تنوخ:

ثم للخم و من يخالطها من كنانة ما حول الرملة الى نابلس و لهم ايضا ما جاز تبوك الى زغر- قرية بمشارف الشام- ثم البحيرة الميتة. و للخم أيضا الجولان و ما يليها من الأرجاء نوى و البثنيّة و شقص من أرض حوران، و يخالطهم في هذه المواضع جهينة و ذبيان و من القين و عن أيسر جبال الشراة مدائن قوم لوط قال: و في الحيانيات و ما يليها ديار القين حيث كانت بقية من جديس إخوة طسم، فإذا جزت جبل عاملة تريد قصد دمشق و حمص و ما يليها فهي ديار غسان من آل جفنة و غيرهم، فإن تياسرت من حمص عن البحر الكبير و هو بحر الروم وقعت في أرض بهراء، ثم من أيسرهم مما يصل البحر تنوخ و هي ديار الفضيض سادة تنوخ و معكودهم (المقيم الملازم)، و منها اللاذقية على شاطى‏ء البحر ثم تقع في نصارى و غير ذلك الى حد الفرات، و ما وقع في ديار كلب من القرى تدمر و سلمية و العاصمية و حمص و هي حميرية، و خلفها مما يلي العراق حماة و شيزر و كفر طاب لكنانة من كلب.

إياد و طيى‏ء و كندة و حمير و عذرة و زبيد و همدان و يحصب و قيس:

يؤخذ مما قاله اليعقوبي أن أهل حماة قوم من يمن و الأغلب عليهم بهراء و تنوخ و صوّران- كورة بحمص- و بها قوم من إياد، و أهل حمص جميعا يمن من طيى‏ء و كندة و حمير و كلب و همدان و غيرهم من البطون، و أهل التمة من أقاليم حمص كلب، و أهل سلمية من ولد عبد اللّه بن صالح الهاشمي و مواليهم و أهل تدمر كلب، و تلمنس مساكن إياد (و تل منّس حصن قرب المعرة)، و معرة النعمان أهلها تنوخ و أهل البارة بهراء و فامية عذرة و بهراء، و أهل مدينة شيزر قوم من كندة و مدينة كفر طاب و الأطميم، و هي مدينة قديمة و أهلها قوم من يمن، من سائر البطون و أكثرهم كندة و أهل اللاذقية قوم من يمن من سليح و زبيد و همدان و يحصب و غيرهم، و أهل مدينة جبلة همدان، و بها قوم‏

27

من قيس و من إياد، و مدينة بانياس و أهلها أخلاط، و أهل مدينة انطرطوس قوم من كندة.

قال: و كانت دمشق منازل ملوك غسان و الأغلب على أهلها أهل اليمن و بها قوم من قيس، و أهل الغوطة غسان و بطون من قيس و بها جماعة من قريش، و جبال و مدينتها عرندل- قرية من أرض الشّراة- و أهلها قوم من غسان و من بلقين و غيرهم و مآب و زغر و أهلها أخلاط من الناس، و الشّراة و مدينتها أذرح و أهلها موالي بني هاشم، و بها الحميمة منازل علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب و ولده.

و الجولان و مدينتها بانياس و أهلها قوم من قيس أكثرهم بنو مرة، و بها نفر من أهل اليمن، و جبل سنير- اي لبنان الشرقي و يدخل فيه جبل قلمون و وادي التيم- و أهلها بنو ضبّة و بها قوم من كلب.

و اختلف الباحثون في الغسانيين إذا كانوا حكموا دمشق أم لم يحكموها و كون منازلهم كانت بجلق صحيح نقله ثقات العرب و ورد في شعر حسان و قال نولدكه: إن بني غسان لم يتولوا الحكم إلا على قبائل حوران و شرقي الأردن. و قد قال الأخنس بن شهاب من شعراء الجاهلية:

و غسّان حيّ عزهم في سواهم* * * يجالد منهم مقنب و كتائب‏

و بهراء حيّ قد علمنا مكانهم* * * لهم شرك حول الرّصافة لاحب‏

معناه هم ملوك و لم يكونوا كثيرا، و كانت الروم توليهم و تقاتل عنهم فعزّهم في غيرهم، و كانوا نزولا على قوم من العرب. (و المقنب الجماعة و الشرك اللاحب الطرق المدمثة).

الفرس و الزط:

و بعلبك و أهلها قوم من الفرس، و في أطرافها قوم من اليمن، و جبل الجليل و أهلها قوم من عاملة و لبنان و صيدا و بها قوم من قريش و من اليمن، و كورة عرقة- شرقي طرابلس- و لها مدينة قديمة فيها قوم من الفرس ناقلة و بها قوم من ربيعة من بني حنيفة، و مدينة طرابلس و أهلها قوم من الفرس نقلهم اليها معاوية بن أبي سفيان، كما نقل منهم الى جبيل‏

28

و صيدا و بيروت. و قد نقل معاوية قوما من فرس بعلبك و حمص و أنطاكية الى سواحل الأردن و صور و عكا سنة 42 و نقل من أساورة البصرة و الكوفة و فرس بعلبك و حمص الى أنطاكية جماعة. و الغالب أن الفرس عند دخول العرب المسلمين الى الشام كانوا أصحاب مكانة حتى جرى ذكرهم بالتنصيص في العهد الذي أعطاه أبو عبيدة الى أهل بعلبك «رومها و فرسها و عربها».

و قال البلاذري: نقل معاوية في سنة 49 أو سنة خمسين الى السواحل قوما من زطّ البصرة و السبايجة و أنزل بعضهم أنطاكية، و كان الوليد بن عبد الملك نقل الى أنطاكية قوما من الزط السند. و كثرت هجرة الناس على اختلاف عناصرهم الى هذا القطر لأن قصبته أصبحت عاصمة الدولة الإسلامية الكبرى.

الأخلاط و السامرة و جذام و عذرة و نهد و جرم و الأزد:

و أهل مدينة طبرية قوم من الأشعريين هم الغالبون عليها، و أهل صور و عكا و قدس و بيسان و فحل و جرش و السواد أخلاط من العرب و العجم. و أهل الرملة أخلاط من العرب و العجم، و ذمتها سامرة، و أهل مدينة نابلس أخلاط من العرب و العجم و السامرة، و أهل كورة جبرين قوم من جذام، و أهل جند فلسطين أخلاط من العرب من لخم و جذام و عاملة و كندة و قيس و كنانة. و ذكر القلقشندي أن بني كلب كانوا ينزلون في الجاهلية دومة الجندل (الجوف) كما نزلوا تبوك و شيزر و حلب و بلادها، و في تدمر و المناظر أقوام منهم، و من بني عذرة أقوام بالشام، و كذلك من بني نهد و في غزة. جرم طيى‏ء و للأزد بقايا في زرع و بصرى، و لغسان بقايا بالبلقاء و اليرموك و حمص و هذا في القرن الثامن للهجرة، و كان غسان و جذام و كلب و لخم و غيرهم من القبائل يعدون من المستعربة، كما قال ابن البطريق، استجلبهم هرقل لما سمع أن المسلمين فتحوا فلسطين و الأردن و صاروا الى البثنية. و لما وصل أبو عبيدة بن الجراح فاتح الشام الى حاضر حلب و هو قريب منها جمع أصنافا من العرب من تنوخ و غيرهم، و كانوا أرسلوا الى خالد بن الوليد أنهم عرب و أنهم إنما حشروا مع الروم و لم يكن من رأيهم حربه فقبل منهم و تركهم.

29

قيس و يمن و إحصاء السكان:

رأينا في ما تقدم من النقول أن كل إقليم بل كل بلد ناله حظ من نزول العرب في أرجائه و ذلك قبل الإسلام و بعده:

بها غرر القبائل من معدّ* * * و قحطان و من سروات فهر

و مجموع أصولهم يرجع الى قيس و يمن، و هم الذين كان يطلق عليهم اسم العشران. و كثيرا ما كانت تقع بينهم حروب أهلية تسيل فيها الدماء و ينادى فيها يا للثارات. انتشروا من الجنوب الى الشمال و دام ذلك الى العهد الأخير، و كانت بقايا هذه النغمة في لبنان الى القرن الماضي فدثرت. و آخر حرب نشبت بين قيس و يمن الحرب التي وقعت في قرية خربثة بفلسطين و الحرب التي نشبت في قرية عين دارة في جبل لبنان سنة 1710 م.

و يتعذر الآن الحكم على أجيال العرب التي نزلت الشام لما طرأ على القطر من ضروب البلاء كالوباء و الجدب و الزلزال و الظلم و الجلاء. و قد ذكر لامنس أن العرب المسلمين لما انتهوا من أمر الجابية و عمواس و دابق اي لما فتحوا الشام برمته أنشأوا ينزلون المدن و القرى و قد دخل منهم قبائل برمتها قدرها من مئة الى مائتي ألف و نظن هذا التقدير أقل من الحقيقة لأن المسجلين بديوان العطاء في دمشق فقط كانوا في الصدر الأول خمسة و أربعين ألفا فما بالك بسائر من كان يجرى عليه العطاء في البلدان الأخرى و غيرهم من التجار و أصحاب الزرع و الضرع؟ قال: فلو فرضنا أن نصفهم قتلوا في الحروب فيبقى النصف الآخر أمام السكان الأصليين و كانوا من أربعة الى خمسة ملايين، و كان في الشام على عهد الرومان نحو سبعة ملايين. و قال بعض الباحثين من الافرنج: إن الشام على عهد الإسكندر أي قبل المسيح بثلاثة قرون كان يسكنها عشرون مليونا من البشر، و لما جاءت العرب في القرن السابع كان سكانها قد نقصوا حتى بلغوا عشرة ملايين و في عهدنا بلغ عددهم نحو سبعة ملايين.

المردة و الجراجمة و الأرمن و الروم و الموارنة:

لقب أهل لبنان بالمردة أي العصاة لعصيانهم أمر ملك الروم في عدم‏

30

التعرض للعرب. و المردة هم المعروفون في كتب العرب بالجراجمة نسبة لمدينة جرجومة كانت على جبل اللكام بالثغر الشامي عند معدن الزاج فيما بين بيّاس و بوقة قرب أنطاكية و قد صالح الجراجمة المسلمين على أن يكونوا أعوانا لهم و عيونا و مسالح في جبل اللكام، و دخل معهم من كان في مدينتهم من تاجر و أجير و تابع من الأنباط من أهل القرى و من معهم في هذا الصلح فسموا الرواديف لأنهم تلوهم و ليسوا منهم. و كانوا يستقيمون للولاة مرة و يعوجون أخرى فيكاتبون الروم يمالئونهم على المسلمين.

أخذ يوستنيانوس ملك الروم اثنى عشر الف مقاتل من المردة أو الجراجمة على رواية الدويهي إرضاء للخليفة عبد الملك الأموي. و أسكن أبو جعفر المنصور بعض العشائر في الأرض الخالية المجاورة منازل المردة في لبنان.

و كان المردة يعتدون على أبناء السبيل بين دمشق و بيروت. و لما جاء المنصور الى دمشق قدم عليه الأمير أرسلان بن مالك من المعرة و معه جماعة فشكوا اليه توالي القحط عليهم فأقطعهم جبال بيروت الخالية و عهد اليهم بحفظ الطريق فنزلوا في عشائرهم بحصن أبي الحبيش ثم نزلوا جبل المغيشة (ظهر البيدر) و منها امتدوا الى سن الفيل، و صارت بينهم و بين المردة وقائع. و في أوائل حكم العباسيين أخرج صالح بن علي قوما من الأرمن و اللان ممن كانت الروم تسيرهم من إرمينية مع جاثليقهم و أسكنهم الشام، و من هذا اليوم امتنع ملوك الروم أن يسكنوا في سلطانهم أحدا من الأرمن و لا سيما في المواضع القريبة من الثغور أي ثغور الشام أو بلاد قيليقية.

و في سنة 189 أرسل هرون الرشيد منشورا الى ثابت بن نصر الخزاعي أمير الثغور الشامية و مناشير أخرى الى باقي عمال الشام أن يطلقوا التنبيه في البلاد بالرحيل الى لبنان لتشتد قوة أمرائه. و مثل ذلك وقع منذ خمسة قرون، فهاجرت مئات من الأسر المسيحية في القرن الرابع عشر و بعده من حوران و ما إليها الى لبنان، و اعتصمت في معاقله و لا سيما بعد الفتح العثماني، و ذلك تفاديا من قوة الشيعة في تلك الديار، كما أن الموارنة انتقلوا من أرجاء حمص و جبل سنير و ظلوا ينتشرون في شمالي لبنان حتى وصلوا الى كسروان و المتن و الشوف و أقصى لبنان في جزين، كما انتقل الدروز في‏

31

الأعصر الثلاثة الأخيرة من الشوف و وادي التيم و غيرهما الى جبل حوران الذي كان يسمى جبل الريان و جبل بني هلال أو امالدانوس و أصبحوا فيه الأكثرية المطلقة. و كما هاجر النصارى الشرقيون الى القدس من أرض البلقاء و عمان و عرفوا بالمشرقيين و محلتهم بالمشارقة. و بهذا رأينا أن الهجرة من صقع الى صقع من أصقاع هذا القطر و الهجرة من القاصية و الهجرة الى القاصية لم تنقطع في الإسلام كما أنها كانت كذلك منذ جلاء بني إسرائيل الى بابل بل قبلها مما لم تبلغنا بالتفصيل أخباره.

التركمان و الأتراك و الأكراد و الشركس و غيرهم:

نزل التركمان على عهد دولة بني مرداس العربية في شمالي حلب، و سير الأتابك زنكي طائفة من التركمان الإيوانية مع الأمير اليارق الى الشام و أسكنهم في ولاية حلب و أمرهم بجهاد الافرنج و ملكهم كل ما استنقذوه منهم جعله ملكا لهم. و لم يزل جميع ما فتحوه في أيديهم الى نحو سنة ستمائة. و أسكن صلاح الدين كثيرا من التركمان و الأكراد في لبنان و ساحله. و التركمان و الأكراد كثروا جدا في الشام على عهد الدولتين النورية و الصلاحية، و كان قسم عظيم من جند المسلمين إذ ذاك منهم، فتديروا الأقاليم و استعربوا. و لم تجى‏ء دولة المماليك حتى كثر الشراكسة في هذه الديار و استعربوا هم و حكومتهم مع الزمن. و في عهد العثمانيين نزل قبائل من التركمان في بغراس (بيلان) و ما اليها و عادت هذه فتعربت بمن كان نزلها من الإسماعيلية العرب الذين أخضعوا لسلطانهم تلك الجبال، جبال اللكام و ما اليها.

جاء القرن الحادي عشر و في الشام كما قال كاتب جلبي أنواع الألسنة كالعربية و التركية و الكردية و الفارسية و الهندية و الأفغانية و السليمانية و هذا كله في دمشق قال: و هناك مغاربة و سريان و عرب، و في الإسكندرونة و طرابلس و صيدا و القدس اليونان و اللاتين و الطليان و الفرنسيون و الاسبان و الإنكليز و النمساويون و البولونيون و الروس و الموسكوف و القبط و الحبش و الأرمن و جميع طوائف النصارى اه.

32

و من أعظم شعوب أوروبا عراقة في هذه الديار البنادقة و البيزان و الجنويون و الطوسقانيون من أهل ايطاليا و كانت أهم تجارة البحر المتوسط في أيديهم من القرن الخامس الى القرن التاسع للهجرة و منهم من توالد في ديارنا و ملك الدور و التجارات الواسعة.

المهاجرون و المحدثون اليهود و الأرمن:

و في أواخر القرن الماضي جاء الشام قبائل كثيرة و جاليات مهمة من الطاغستان و البشناق و الششن و الشركس و المغاربة فنزلوا بعض القرى في فلسطين مثل قيسارية، و بعض بلاد الجنوب مثل عمان و عين صويلح و ناعور و وادي السير، و بعض القرى في إقليم الجولان و منها القنيطرة و ما اليها من القرى، و بعض قرى حمص و حلب، فلم يأت عليهم بطن حتى استعربوا محتفظين بلغاتهم الأصلية، كما استعرب من قبل التراكمة و الأكراد. و هناك بقايا من موظفي الترك سكنوا بعض مدن الشام على عهد العثمانيين و امتزجوا بأهلها و تعربوا.

و من أهم المهاجرين المتأخرين مهاجرو الصهيونيين من الإسرائيليين الى فلسطين، و أكثرهم ممن اضطهدوا في روسيا و بولونيا و رومانيا، و منهم من كانوا من العنصر الجرماني و هؤلاء يتعاصون على التعرب و قد جعلوا من لغاتهم الأصلية و اللغة العبرية ألسنهم المدنية و الدينية، و يقدرون الإسرائيليين عامة في فلسطين بنحو مليون و نصف مليون كان الألمان كثرتهم الغامرة، و قلّ عدد العرب فيها بعد أن طردهم اليهود من أرضهم و قدر عدد النازحين من المسلمين و النصارى بتسعمائة ألف تشردوا في الأقطار المجاورة، و ما ندري هل يعلّم أبناء إسرائيل العرب لسانهم أم يخضع العبرانيون بحكم الطبيعة الى التعرب بعد جيلين أو ثلاثة كما جرى في كل مكان وطئتها أقدام العرب. و كذلك يقال في مهاجرة الأرمن و الروم في الشام، فقد قذفت الحوادث الأخيرة في قيليقية و أزمير نيفا و مائة و ثمانين الف نسمة أكثرهم من الأرمن، نزلوا حلب و دمشق و بيروت و غيرها من البلدان الصغرى.

و قد عاد قسم عظيم منهم فجلا عن الديار الشامية، قصد بعضهم الى أمريكا

33

و الآخر الى مملكتهم الجديدة. و ما يدرينا أيضا إذا كان من نزلوا الشام يستعربون كما تترّك أجدادهم في آسيا الصغرى. و أصبح الأرمني و الرومي لا يعرف غير التركية يتكلم بها في داره و يفهم بها صلواته، أم يؤلفون كتلة جديدة في وسط هذا المجموع العربي الكبير.

عوامل النمو:

و لو لا أن مضى على الشام الى قبيل الحرب العامة الأولى خمسون سنة و هو يرسل من أبنائه كل سنة الى اليمن زهاء عشرة آلاف مجند يهلك أكثرهم كما أكد لي الثقة لقلنا ما زالت جزيرة العرب الى اليوم ترسل الى الشام من أبنائها أناسا يسكنونها و يمتزجون بأهلها كأن هذه الجزيرة العظيمة بعض ولايات الشام تعطيها أكثر مما تأخذ منها كما تعطي المدن الصغيرة للعواصم و قلما تعطي هذه لغيرها من أعمالها. و لو لا اعتدال المناخ و الرضا بالدون من العيش و تعدد الزوجات في الطبقة النازلة من الشعب و الاعتقاد بالقدر و ترك الأبوين المجال للتوالد لظهر عجز كبير في عدد السكان خصوصا بعد أن منيت الشام بالهجرة على مقياس واسع و غفل عن العناية بالأسباب الصحية. و الأمم يكثر سوادها على قول سكريتان بأربعة عوامل و هي الهجرة و الاستيطان و الولادات و الوفيات و بنقيضها تقفر الأرض و يقل ساكنوها. و قد كان أبناء الشام منذ عهد الدولة الرومانية في كل مكان كما تراهم الآن و كان منهم في جيش جرمانيكوس القائد الروماني عدة كتائب عند ما حمل حملته على الرين. و البشر في فطرتهم التنقل و للسلطان الأرضي و السلطان الطبيعي آثار في ذلك مسطورة مشهورة.

العرب في الشام و الاختلاط:

و ما زالت الى اليوم سحنات بعض سكان الأصقاع الشامية كحوران و البلقاء تنم عن أصول عربية صرفة على ما نرى ذلك ماثلا في الطوائف التي‏

34

احتفظت بأسابها العربية و لم يدخلها دم جديد كسكان الشوف و وادي التيم و جبل حوران و جبال الكلبية. و ما طول القامات و اتساع الصدور و متانة العضلات و الجملة العصبية و الأدمغة في الأفراد إلا أدلة ناصعة على ما ورثه الشاميون من الدم العربي. و في الشام جميع الأمزجة يكثر الدمويون مثلا في داخل القطر كالقدس و نابلس و صفد و دمشق و حمص و حماة و حلب و أنطاكية، كما يكثر الصفراويون العصبيون في يافا و حيفا و صيدا و بيروت و طرابلس و اللاذقية و الإسكندرونة من مدن الساحل. و إن ما في تركيب أدمغة السوريين من أشكال الرؤوس كالشكل البيضوي المستطيل المعروف عند الافرنج ب (دوليكوسفال-Dolichoce ?phale ) الشكل المدور المنبسط المعروف ب (براكيسفال‏Brachyce ?phale ) ليدل كل الدلالة على مبلغ الشاميين من الذكاء و المضاء فقد قال فوليه: إن اتساع الجبهة يشعر باستعداد الحواس العقلية، و امتداد القذال ينم عن استعداد للشهوات الجسمية.

و في وجوه السوريين تقرأ بعض أصولهم القديمة و ما امتزجت به من الدم الحديث فسود الشعور و العيون و البشرة إجمالا هم من أصل عربي، و شقر الشعور و زرق العيون و بيض البشرة فيهم الدم القافقاسي. و في تراكيبهم دم العبيد و الزنوج كما فيهم دم العرق الأبيض. قال جلابرت:

إذا فحصت الصور المكتشفة في صيدا تحققت أنه كان يدخل في خدمة السلوقيين رجال من كل فج و صوب، منهم يونان كأهل لقديمونة و اقريطش، و منهم أسياويون كأهل قارية و بيسيدية و ليقية و ليدية، و إن العقل ليحار باختلاط كل هذه الجنسيات في جيوش السلوقيين.

و سكان الحولة و أريحا و الغور و يقال لهم الموارنة لا يشبهون بالطبع سكان اللبنانين الغربي و الشرقي و جبال اللكام لمكان الهواء و اختلاف البعد و القرب عن سطح البحر. و ابن ضفاف العاصي و بردى ليس في طبيعته كالنازل على ضفاف الأردن و الفرات. و الاختلاف ما بين من نزل البطون و بين من نزل الحزون و بين من نزل النجود و بين من نزل الأغوار مشهود في كل أمة، و مع هذا تساوى سكان هذا القطر من حيث الجملة كما قال الجاحظ في العرب: «في التربة و في اللغة و الشمائل، و في الأنفة و الحمية،

35

و في الأخلاق و السجية، فسبكوا سبكا واحدا، و أفرغوا إفراغا واحدا، و كان القالب واحدا، تشابهت الأجزاء و تناسبت الأخلاط حتى صار ذلك أشد تشابها في باب الأعم و الأخص و في باب الوفاق و المباينة من بعض الأرحام.» و بعد فإن من نراهم من أبناء الشام على اختلاف أرجائه و هوائه هم سلالة أولئك الجدود ظهروا على الزمن بمظهر آخر فكانوا كأبدع الفسيفساء في الرقعة الجميلة.

36

لغات الشام‏

اللغة الآرامية و السريانية و العبرانية و الفينيقية و العربية:

اللغات التي انتشرت في الشام قبل الإسلام كثيرة أهمها اللغات السامية أخوات اللغة العربية و هي السريانية و العبرانية و الفينيقية. و قد قسم جويدي‏ (1) أهل اللغات السامية الى قسمين أكبرين شرقي و هم أهل أثور أي أهل بابل و أشور، و غربي و هو إما شمالي و إما جنوبي، فأما الشمالي منهما فينقسم قسمين كبيرين أحدهما الكنعاني و يشمل العبراني و الفينيقي و غيرهما و الآخر آرامي. و أما الجنوبي فهو نوعان النوع الأول العربية المعهودة أي لغة القبائل التي سكنت النواحي الشمالية من جزيرة العرب، و النوع الثاني عربية القبائل الجنوبية كسبإ و حمير و يشبه هذا النوع لغة الحبش القديمة. و قد يسمى النوع الأول لسان العرب المستعربة و يسمى النوع الثاني لسان العرب العاربة. فالعبرانية من لغات كنعان و من اللغات الكنعانية لغة موآب و من لغات الكنعانيين لغة الفينيقيين و قال: إن اللسان الآرامي هو النوع الثاني من القسم الشمالي في اللغات السامية، و في هذا اللسان قسمان أحدهما غربي و هو لسان اليهود المتخلفين في فلسطين و في مصر و هو لسان عدة أمم كالسامرة

____________

(1) قال جويدي: و أول ما بلغنا مما سطره البابليون هو في غاية القدم اي من القرن الأربعين قبل الميلاد و الكتابات الكنعانية في مكاتيب تل العمارنة هي من القرن الخامس عشر قبل الميلاد ثم الكتابات السبئية في جنوب جزيرة العرب قيل إنها من القرن الثاني عشر و الكتابات الفينقية و الآرامية من القرن الثامن او السابع ق. م. و كتابات الحبش القديمة سطرت في منتصف القرن الرابع بعد الميلاد.

37

و النبط و أهل تدمر، و القسم الثاني شرقي و هو لسان اليهود في بابل و لسان السريان و غيرهم.

قال: و من اللغات الآرامية الغربية لغة الكتابات النبطية و كان الأنباط أمة عربية الأصل و لغتهم المأنوسة العربية في التكلم و المحاورة بين الناس.

و الأحرف الهجائية لم تكن معروفة عند العرب.

البابلية و الكنعانية و الكلدانية:

كان أهل الشام منذ الزمن الأطول قبائل سامية من البابليين و لم يزل يهاجر إليها أجيال من الناس سموا الكنعانيين فغلب الكنعانيون البابليين، و باللغة البابلية كتبت رسائل تل العمارنة التي وجدت في مصر سنة 1888 م و هي رسائل صدرت عن عمال الشام الى ملوك مصر قبل موسى و هارون فاستدل علماء الإفرنج أن اللغة البابلية كانت في ذلك العهد لغة الحكومة بين الدول الراقية، و ارتأى بعضهم أن الشام كانت تتكلم إذ ذاك بالبابلية، و كان اللسان الكنعاني أخذ يمتزج بلغة بابل، فتغلب بفرعيه العبراني و الفينيقي على لغة أشور و بابل. و كان الكلدانيون يتكلمون بالآرامية على رأي بوست وفقا لعادة ديوان الحكومة و لكنها لم تكن لغتهم الخاصة و لا العلمية، أما لغة الكلدانيين الأصلية فالكلدانية القديمة و هي لغة أكّد، و قد استعملها سكان بابل الأصليون إلا أنها كانت على و شك الاضمحلال في زمن بخت نصر و قد هجرتها الألسنة لذلك الحين، و كان ظهور اللغة المسماة الآن بالسريانية في القرن الثاني بعد المسيح و هجر أهلها استعمالها نحو القرن الثاني عشر.

الحثية و الآرية و اليونانية و اللاتينية:

أما اللغة الحثية فكانت على قول كروفرد في القرن الرابع عشر و الثالث عشر قبل التاريخ المسيحي لغة مستعملة من اللغات الهندية الأوروبية أي اللغات الأوروبية المشابهة للاتينية و الآرية الايرانية و الارمنية، و أن الحثيين أنفسهم من سلالة آرية أوروبية، و لكن امتزج بهم مع الزمن دم من‏

38

غير الدم الآري الأوروبي أي إن الحثيين من أصل غير سامي و لم تنتشر لغتهم كما قال حتى بين العامة و لم يتوفق البحاثون الى حل رموزها حتى الآن. فاللغة البابلية كانت منتشرة في الشام منذ زهاء ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح، ثم تغلبت الكنعانية التي تشمل العبرانية و الفينيقية، ثم تغلبت الآرامية على الكنعانية و هما متشابهتان. و لما صار الأمر الى الفرس بعد البابليين في الشام بقيت اللغة الآرامية اللغة الرسمية.

و في دولة الروم السلوقية بث خلفاء الإسكندر المدنية اليونانية في سكان سواحل البحر المتوسط، و كانت مع هذا الى ضعف و لا سيما في لبنان إذ دام أهله على استعمال الآرامية ممزوجة باللغة الفينيقية، و كانت اليونانية اللغة الرسمية و لغة العلماء على عهد الروم و الرومان أيضا منتشرة في كثير من الأرجاء. و كانت مدرسة الفقه في بيروت تدرس باللاتينية مدة أربعة قرون. و لكن اليونانية على تأصلها بالنسبة للاتينية لم تشع في العامة.

و لما استولى الإيطوريون على لبنان لم يغيروا شيئا من لغته و لا شك في أن لغتهم كانت العربية الآرامية. أما النبط و هم من أقارب الإيطوريين و جيرتهم فإن لغتهم لم تكن سوى لجة آرامية.

و ذكر أحد الباحثين أن الرومان لما جاءوا الشام و استعمروه انتشرت اللغة اليونانية في المراكز الكبرى حتى نسي كثيرون اللغة الفينيقية و اللغة الآرامية و لا سيما في طبقة الأشراف و أصحاب الثروة، و بقيت اللغة اللاتينية لغة الحكومة، و حافظ العامة على اللغة الفينيقية و السريانية، و كان الفقهاء يكتبون باللاتينية لغة الفقه و القضاء، و الأدباء و الفلاسفة باليونانية، و هي اللهجة العامة في الشرق، و اللغة الآرامية هي اللغة الرسمية في دولة تدمر. و ظل الشاميون يتكلمون اليونانية على عهد انتشار النصرانية و كذلك عمال الحكومة و رجال القضاء، و كان الآراميون او الأنباط، كما كان يسميهم العرب، في كل محل ما عدا المدن التي كانت مزيجا من عناصر مختلفة.

تنازع السريانية مع العربية:

كانت السريانية لغة عامة في الشام لم تدثر إلا بتملك الرومان على‏

39

الشرق و نشرهم لغتهم فيه، فدثر مجد السريانية و لم يبق إلا القليل حتى جاء الإسلام و أدخل العربية. و كانت السريانية على عهد المسيح اللغة العامة في سورية و فلسطين ممزوجة بقليل من العبرية. و رأى دي فوكويه أن جميع الكتابات التي وفق العلماء الى اكتشافها لا تتجاوز القرن الأول قبل الميلاد و اللغة التي كان شعوب سورية يتكلمون بها إلا ما ندر هي اللغة الآرامية و جميع الكتابات التي عثروا عليها في تدمر و حوران و أرض النبطيين كتبت بهذا الفرع من اللغة السريانية. و اللغة التدمرية و اللغة اليونانية هما الغالبتان على الكتابات المكتشفة في تدمر. و كانت اللغة اليونانية بمنزلة اللغة الرسمية في جميع الأقاليم الشرقية الخاضعة لدولة الرومان. و أما لسان أهل تدمر فهو لهجة آرامية على غاية الشبه بالسريانية. و قال بعضهم: إن التدمرية من اللغات الآرية الغربية تشبه النبطية و في بعض هذه الكتابات اسم ملكهم أذينة.

و من اللغات الكنعانية لغة موآب في شرقي فلسطين. و في متحف باريز كتابة قديمة في هذه اللغة وضعها ملك اسمه ميشع يذكر فيها حروبه مع عمري ملك الأسباط (أسباط بني إسرائيل) و يقال لهم في كتب العرب ملوك الأسباط.

رأي رنان:

و ذكر رنان أن الفينيقيين كانوا الواسطة الوحيدة بين العنصر السامي و سائر العالم، و كثيرا ما عرفوا بأنهم اخترعوا أمورا ما كانوا فيها إلا نقلة. و ما الفينيقيون سوى سماسرة مدنية كانت بابل مقرها، و ظاهر الحال يدعو الى الاعتقاد بأن بابل التي علّمت العالم أصول المقاييس و الموازين قد اخترعت حروف ألف باء مركبة من اثنين و عشرين حرفا. قال:

و كانت اللغة العبرية لغة الشعوب في فلسطين عند ما دخل بنو إسرائيل الى الشام و قد ذكرت أسماء الشعوب المذكورة في الإصحاح العاشر من سفر التكوين بجلاء و وضوح الأمم المجاورة لفلسطين، و جعلت اسم كنعان رابطة من روابط القربى بين جميع شعوب الساحل و لبنان، من مدينة حماة و أرواد في الشمال الى جرار (في فلسطين) و البحيرة المنتنة في الجنوب،

40

و هم مجموعة الشعوب التي كان اليونان يطلقون عليهم اسم الفينيقيين.

آراء أخرى:

و ذكر يوسف داود أن لسان أهل فلسطين و لا سيما أورشليم في عصر المسيح الآرامي أي السريانية، فكانت اليونانية لغة أجنبية يتكلم بها كثير من الغرباء النازلين في الشام و هي لغة الحكام و الحكومة في عهد تلك الدولة.

و كثيرا ما كانوا يكتبون بعض المقدسات على ذاك الدور بالعبراني او السرياني و اللاتيني و اليوناني، و كان يحرم على اليهود في فلسطين و لا سيما الرجال أن يتعلموا اللغة اليونانية و يباح للنساء تعلمها من باب التزين الجائز لهن. قلت: و هذا من التحكمات الباردة مثل الأمر الصادر عن أحد خلفاء بني العباس من أخذ أهل الذمة بتعلم اللغة السريانية و العبرانية و ترك العربية و لكن أمره لم ينفذ لأنه غير معقول.

و قيل: إن الآرامية كانت لغة العامة في عهد المملكة الأشورية و أن الأشورية اللغة الرسمية، و كان الموظفون في العهد البيزنطي القادمون الى الشام يعتمدون على التراجمة مع الأهلين المتكلمين بالآرامية. و لما انقضى العصر البابلي الأشوري حلت اللغة الآرامية محل البابلية في السياسة و التجارة، و أصبحت اللغة الرسمية لملوك فارس و آرام و تدمر و البتراء. و كانت اللغة الفينيقية تختلف عن السريانية في القرن الأول قبل الميلاد ثم تمازجتا حتى أصبحتا شيئا واحدا، و كانت اللهجة العامة عند يهود فلسطين و هي أقرب الى الآرامية منها الى العبرية، يطلق عليها بين اليهود أنفسهم اسم اللغة العبرية و هي تختلف عن لغتهم المقدسة. و ذكر رنان أن اللغة السريانية الكلدانية كانت أكثر اللغات انتشارا في أرض الجليل و أن المسيح كان يتحدث بها الى الناس، و أن الأناجيل كتبت لأول أمرها باليونانية و أصبحت هذه في الشام لغة عامة و لغة علم، و كان من نتائج ذلك دخول الألفاظ اليونانية في اللغة السريانية بكثرة زائدة حتى إن اللغة اللاتينية لم يكن لها تأثير البتة بين الشعوب لسامية، فمن القواعد العامة أن الفتح الروماني لم يستطع أن يقضي على استعمال اللغة اليونانية في القطر و قد رآها متأصلة فيه،

41

على حين كانت اللغة اللاتينية تنتشر في أرجاء الغرب انتشارا هائلا.

و بعد انقراض دولة الحثيين في القرن الثامن قبل الميلاد عم اسم آرام بلاد الشام، فأصبح القسم الأكبر منها يسمى آرام، و سكانها يدعون بالآراميين و هم الذين اختطوا حلب أو حلبون و عادت اللغة الآرامية الى شيوعها في جهات حلب تمازجها اللهجة البابلية بدليل ما يشاهد في أرجائها من أعلام الأمكنة التي ما زالت تلفظ على أصلها بالفتح الى اليوم، و سادت اللغة اليونانية بظهور الدولة السلوقية و كانت لغة الخاصة و العلماء و رجال الدولة.

و لما تقلص ظلها عادت السريانية الى ازدهارها يخالطها فرعها التدمري الذي انتشر إذ ذاك في سورية الشمالية على عهد سيادة تدمر في صدر النصرانية.

و من الأقلام التي بقيت في لبنان الكتابة الكرشونية و هي عربية بأحرف سريانية و قد كتب كثير من كتب الموارنة بالكرشوني.

انتشار العربية:

هذا ما كان من أمر اللغات السامية و اللاتينية و اليونانية في الشام. أما اللغة العربية فكان يتكلم بها قبل الفتح الإسلامي بزمان طويل لما ثبت من انتشار الغسانيين و التنوخيين و النبطيين و السبأيين و غيرهم في الشمال و الجنوب و كانت حوران و البلقاء و الشراة من الأصقاع التي سبقت غيرها في هذه السبيل. بدليل ما يشاهد من أسماء بعض قراها العربية مثل جرش، جاسم، تبنة، أذرعات، أذرع، محجة، السويداء، البتراء، نجران، القسطل، القناطر، الحفير، الخ و ذلك لأن هذه الأقاليم الثلاثة كانت أقرب الى الاتصال بالعرب من الجنوب. و كان السابقين الى نشر العربية في ديارنا الوثنيون من العرب أولا ثم نصارى العرب و يرجع اليهم الفضل في نشرها بادى‏ء الأمر، فلم تلبث اللغة ستين أو سبعين سنة للفتح الإسلامي أن عم انتشارها في الشام و نقلت الدواوين زمن عبد الملك من اليونانية الى العربية و نازعت اللغة العربية السريانية فبذتها على صورة مدهشة، و إن كان الضعف قد دب في هذه قبل الإسلام. و تغلبت العربية لغناها و سلاستها و ضبط قواعدها و شدة احتياج الناس إليها في مصالحهم. قال ابن خلدون: و لما

42

هجر الدين اللغات الأعجمية و كان لسان القائمين بالدولة الإسلامية عربيا هجرت كلها في جميع ممالكها، لأن الناس تبع للسلطان و على دينه فصار استعمال اللسان العربي من شعائر الإسلام و طاعة العرب. و هجر الأمم لغاتهم و ألسنتهم في جميع الأمصار و الممالك و صار اللسان العربي لسانهم حتى رسخ ذلك لغة في جميع أمصارهم و صارت الألسنة الأعجمية دخيلة فيها و غريبة اه.

العربية لغة كاملة و فصاحة الشام:

يقول رنان: من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، و صعب حلّ سره، انتشار اللغة العربية. فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادى‏ء بدء فبدت فجأة على غاية الكمال، سلسلة غنية و أي غنى، متقنة بحيث أنها من ذلك العهد الى يومنا هذا لم يدخل عليها أدنى تعديل مهم، فليس لها طفولة و لا شيخوخة، ظهرت لأول أمرها تامة، و لا أدري إذا كان وقع مثل ذلك للغة من لغات الأرض دون أن تدخل في أطوار و أدوار مختلفة. قال:

و ما عهدت فتوح قط أعظم من انبساط ظلّ العربية و لا أشد سرعة منها، فإن العربية و لا جدال قد عمت أجزاء كبرى من العالم، لم ينازعها الشرف في كونها لغة عامة أو لسان فكر ديني أو سياسي أسمى من اختلافات العناصر إلا لغتان اللاتينية و اليونانية، و لكن أين مجال هاتين اللغتين في السعة من الأقطار التي عم انتشار اللغة العربية فيها.

قلنا: و ربما ذهب الشام بفضل هذا الشرف الأعظم، و لعله سبق العراق و مصر في الأخذ بمذاهب العرب. لقرب أهلها من خطط العرب و لا سيما أهل الحجاز و بعدهم عن بلاد العجم، حتى إن كتّاب الدولة الأموية استعملوا من الألفاظ العربية الفحلة و المتينة الجزلة ما لم تستعمل مثله الدولة العباسية، لأن كتّاب الدولة الأموية قصدوا ما شاكل زمانهم الذي استفاضت فيه علوم العرب و لغاتها حتى عدت في جملة الفضائل التي يثابر على اقتنائها.

و ليست استفاضة لغة العرب في العراق كاستفاضتها في أرض الحجاز و الشام. و قال اليزه ركلو: إن أهل دمشق أكثر السوريين عراقة في‏

43

العربية و ذلك لعلاقتهم المتصلة بالتجارة مع مكة و اللهجة العربية فيها أجمل من سائر لهجات الشام. و كان محمد عبده يقول: إن الفصح في لغة الشام أوفر مما هي في لهجة مصر.

كيف انتشرت العربية:

و إذا أردنا استقراء الطرق في نشر العربية في الشام لم نرها حاربت لغة القطر الأصلية على رسوخها فيها، بل سارت في نشرها سير تعقل، و راعى دعاتها سنن الطبيعة و النشوء، و عملت قاعدة الانتخاب الطبيعي عملها في اللغة كما عملت في العناصر، فبقي ما هو مفيد للناس في مصالحهم على اختلاف نحلهم و مللهم. و منذ عدل في القرن الأول عن اللغة الرومية في الدواوين لم تبرح جميع الحكومات التي تعاقبت على هذه الديار تستعمل اللغة العربية في مفاوضاتها و سجلاتها، على أن منها الكردي و التركي و الشركسي إلا الدولة العثمانية في آخر عهدها فإنها ألغت الديوان العربي من مراكز الحكومات السورية و الفلسطينية و اكتفت بالدواوين التركية، و على كثرة عنايتها بلغتها في الثمانين سنة الأخيرة لم توفق الى نشرها إلا بين الموظفين فقط، فكان شأنها هنا شأنها في رومانيا و صربيا و بلغاريا و يونان و البانيا، أمتد سلطانها عليها قرونا و مع هذا لم تستطع نشر لغتها بين سكانها اللهم إلا بعض ألفاظ شاعت في المصطلحات اليومية. و العرب أجدر من غيرهم بأن يحرصوا على لسانهم و هو لسان مدنية و دين معا، و أن لا يتخذوا عنه بديلا و هو متأصل في هذه الديار قبل الإسلام.

اللغة الصفوية:

الى الجنوب الشرقي من دمشق في مدخل بادية الشام حول الصقع البركاني المسمى بالصفا، يعثر الباحث على كتابات كثيرة زبرت على الصخر البركاني و الشعب الذي خط هذه الكتابات في القرون الأولى للميلاد هو من أصل عربي، و لغته من اللهجات العربية، و خطه من فصيلة خطوط ديار العرب الجنوبية. و بفضل هذه الكتابات تعرف إحدى اللغات التي كان‏

44

يتكلم بها في بادية الشام قبل الإسلام، و نقف على مقام رحالة من العرب كانوا على و شك أن ينتقلوا الى اتخاذ البيوت و عيش الحضارة في الشام.

أما الصفويون فلم يكونوا أول من قصد الى أرض الميعاد و لا آخرهم، بل هم وحدهم الذين عرفناهم قبل أن يتحولوا تحولا كليا أي عند ما كان لهم لسانهم و خطهم و أربابهم و عاداتهم. فمن الخطإ الاعتقاد بأن دخول العناصر العربية الى الشام يرجع فقط الى الفتح الإسلامي و اختراق المسلمين صفوف الروم في وقعة اليرموك و مهاجمتهم الشام، ثم انتشارهم في الشرق حتى أواسط آسيا، و في الغرب حتى أقاصي شمالي إفريقية ثم الى اسبانيا. هذا الهجوم قد دل على بلوغ دولة العرب غاية مجدها، فإذا ظهر أن الفتح الإسلامي قد كان من الحوادث الشاذة فهو في الحقيقة نتيجة حركة عادية طبيعية نشأت من اختلاط العرب على الدوام بسكان الحضر و دخولهم أصقاعهم، هذا رأي دوسو و قال: لا ينبغي أن يفهم من لفظة العرب سكان جزيرة العرب فقط بل إنه يتناول أهل الظعن الذين يطوفون أواسط جزيرة العرب و شمالها و جميع بادية الشام.

الصليبيون و لغاتهم و العربية و لبنان:

و ما برحت العربية تتأصل القرن بعد القرن في هذا القطر، حتى كانت الحروب الصليبية فخشي عليها أن تنازعها الأولية لغات الصليبيين، خصوصا بعد أن طال مقامهم في أنطاكية و الساحل نحو قرنين يتكلمون بلهجات مختلفة أهمها الطليانية و الافرنسية. بيد أن اللغة الفرنسية كانت لغة جميع الغربيين النازلين في الشرق، و كان معظم فرسان الصليبيين من الفرنسيين و منهم جميع الأسر الحاكمة في الشام، على أن بعض أمراء الإفرنج من الصليبيين كانوا تعلموا اللغة العربية و منهم صاحب قلعة الشقيف، و جاء منهم من ضرب النقود بالعربية مثل أصحاب عكا و صور و بيروت و طرابلس و رسموا عليها حروفا كوفية على شبه النقود الإسلامية، مع رموز نصرانية كالصليب و آيات من الكتاب المقدس. و أصبح نساؤهم ينتقبن كالمسلمات و يلبسن ثياب المسلمات مثلما كان رجالهن يلبسون ثياب الوطنيين.

45

ثم إن بعض أنحاء لبنان قد تأخرت في التعرب بجملتها حتى القرن الرابع عشر للميلاد فيما قيل، و قلّ انتشار العربية في أعالي لبنان و ظلّ السكان في عدة قرى يتكلمون بالسريانية و ذلك لقلة المخطوطات العربية و لا سيما بين الموارنة. و كان أهل بشرّي و حصرون و القرى المجاورة لهما الى قبيل مئة سنة يتكلمون بالسريانية، كما بقيت الى اليوم ثلاث قرى في جبل قلمون أي سنير و هي جبعدين و معلولا و بخعة يتكلم المسلمون من أهلها و المسيحيون مع العربية باللغة السريانية، و سريانيتهم أفصح من السريانية العامة اليوم في آثور و الجزيرة و العراق على ما قاله العارفون.

اللغة التركية:

و بينا كان جبل لبنان الشرقي و الغربي يحفظان في مغاورهما بقايا اللغة السريانية التي انحصرت في الأديار و البيع، بعد أن انهزمت أمام العربية، كانت بعض أرجاء جبال اللكام و ما اليها تؤوي من اللغات اللغة التركية او التركمانية. و عند ما رحل الأشرف قايتباي سنة 882 ه من مصر الى أقصى الشام كان الأهلون من اللاذقية الى البيرة (بيره‏جك) يتكلمون بالتركية.

قال مؤلف رحلته: و أهل البيرة يتحدثون بالعربي اللطيف أكثر من التركي بخلاف ما تقدم من البلاد، فإنه من حين توجهنا من اللاذقية و الى البيرة لم يكن كلامهم إلا التركي.

و لم نعرف العهد الذي انتشرت فيه التركية في الحدود الشمالية من الشام معرفة أكيدة، و المتكلمون بالعربية في بعض الجهات أكثر من المتكلمين بالتركية. و من شأن أقاليم التخوم على الأغلب أن تتكلم بلغتين و منهم من يتكلم بثلاث. و نزول الأتراك في جزء صغير من شمالي الشام أقدم من زمن العثمانيين و ربما كانوا من زمن السلجوقيين و الأتابكيين. و مدينة حلب برزخ بين الديار العربية و الديار التركية. و على نحو أربعين كيلومترا من شمالي حلب يقلّ المتكلمون بالعربية و تصبح الأقاليم الى التركية أقرب و تتكلم بعض قرى كليس بالعربية و التركية و الكردية، و جميع السكان عرب من شرق حلب و غربها، ما عدا بعض قرى من عمل حارم فسكانها من‏

46

الشركس. و سكان العمق أكراد. و في قضاء الباب قليل من التركمان و الأتراك و الأكراد و الشركس. و أهل قضاء منبج شركس و فيهم عرب، و تغلب التركية على أهل عمل الإسكندرونة. و من أهل أنطاكية من يتكلم بالتركية و منهم من يتكلم بالعربية. فيصح أن يقال فيهم: إن تركيهم تعرب و عربيهم تترك. و بعض أهالي قضاء بيلان (بغراس) يتكلمون بالتركية و كذلك ناحية أردو، و العربية غالبة عليهم، يتكلم نحو نصف سكان مدينة أنطاكية بالتركية و لكن أصولهم عربية على الأكثر و ثمانون في المئة من أهل عملها هم عرب لسانا و جنسا، و هكذا يقال في بيلان و كليس و أردو، و لا يمكن أن نثبت بإحصاء صحيح أن الأتراك يؤلفون في الشام كتلة واحدة و وسطا واحدا كما أن التركمان و الشراكسة و الطاغستان و الششن و البشناق و الأكراد و المغاربة لم يؤلفوا شيئا من ذلك، و تراهم يتمازجون كلهم بالبوتقة العربية و يندمجون في العرب. شأن سكان فرنسا و المانيا و ايطاليا و غيرها من الممالك التي كانت جامعتها لسانها، و لا يزالون في الحدود و أواسط القطر يتكلمون بغير لغة الدولة التي يظلهم علمها.

السواد الأعظم و العربية:

ليست العبرة ببقعة مخصوصة و إنما هي بمجموع القطر الذي يراد أن تعزى اليه جنسية أو قومية معروفة و إلا فقد لزم من ذلك أن تعد ولاية أذنة اليوم أو جزء عظيم منها عربية لأن نحو مئة الف من سكانها عرب بأصولهم، و لسانهم عربي على تأصل الدول التركية و التركمانية في صقعهم، و هم في بعض الأنحاء المتاخمة للشام من جبال اللكام يؤلفون أكثرية السكان.

و إذا كان يغلب على بعض سكان الجهة الشمالية من الشام التكلم بلغات متعددة فإن ذلك نتيجة طوارى‏ء تاريخية و دولية، بل نتيجة حكم الغالب على المغلوب و ميل هذا الى التشبه بغالبه. و من الثابت أن سكان الحدود آخذون أنفسهم بحكم الضرورة بتعلم لغات السكان المجاورين ليتمكنوا من التفاهم و إياهم في المصالح المشتركة المتبادلة و لا سيما الاقتصادي منها كما هو المشاهد في كل مملكة من الممالك. و ما الترك في أنطاكية و إسكندرونة إلا مهاجرون‏

47

مثل مهاجرة السوريين في نيويورك و سان باولو و من يحاول أن يلبس أنطاكية و الإسكندرونة ثوبا تركيا هو كالواقف أمام البداهة، و الأولى أن ينظر إذ ذاك الى عرب مرسين و طرسوس و يردوهما الى الشام. و ما هما من حيث الجغرافية و اللسان إلا شاميتان. و بعد فإذا أردنا أن نحصي المتكلمين فقط بغير اللغة العربية في الشام بحدوده الطبيعية لا نراهم يزيدون على ستمائة الف من عناصر مختلفة وسط سكان يربي عددهم على سبعة ملايين.

و العربية مع هذا تأخذهم فتعربهم و أكثريتهم يهود ثم أرمن و سريان و الباقون مسلمون يرون تعلم العربية فرض عين عليهم أو نصارى من أصول عربية يحرصون على لغتهم كما يحرص المسلمون عليها.

رسوخ اللغة:

إذا عرفت هذا فقد ساغ لك أن تقول: إن اللغة العربية دخلت واسعة النطاق الى الشام من الجنوب منذ خمسة و عشرين الى ثلاثين قرنا و زادت بالإسلام رسوخا و انتشارا. و لم يمض القرن الأول حتى استعربت و امتزج العرب الفاتحون و المهاجرون بالسكان من السريان فأصبحوا أكثرية مع الزمن و غلبت على الكافة الصبغة العربية غلبة الانكليزية على أهل كندا و الولايات المتحدة الأميركية في القرون الأخيرة. و ما أهل كندا و أميركا الشمالية إلا مهاجرة من انكلترا و فرنسا و المانيا و ايطاليا و هولاندة و اسبانيا و المجر و روسيا و غيرهم من الأمم غدوا أمير كانا بقوميتهم انكليزا بلغتهم و مناحيهم.

و ليس في الأرض فيما نعلم صقع تكوّن أهله من عنصر واحد و خلا من عناصر دخيلة امتزجت فيه، بل إن الأمم الكبرى في الغرب و هي خمس أمم أو ست مؤلفة من بضعة أجناس من الناس جمعتها لغة واحدة، و ليس عمر أقدم لسان من ألسنة العالم المتمدن اليوم أكثر من عشرة الى اثني عشر قرنا، على حين أن عمر العربية في الشام أكثر من ذلك بضعفين على أقل تقدير. و كلما دخل هذا الجسم جسم جديد تلقح به و أدغم في مجموعه فزاده قوة و مضاء.

لم ترسخ اللغتان اليونانية و اللاتينية في هذه الديار رسوخ السريانية أولا

48

و العربية ثانيا، و ذلك لأن اليونان و الرومان كانوا فيها مستعمرين و لم يكونوا من أهلها كما كان السريان. و من أجل هذا لم يؤثر حكم الروم و الرومان هنا على طول عهدهما في قلب لغة السكان، بل تعلمها بعض أفراد كما يتعلم بعضنا التركية و الفرنسية و الانكليرية و غيرها من اللغات التي حكم أهلها الشام أو كانت لنا بأربابها علاقة تجارية أو سياسية أو علمية، بل كما كان بعضهم يتعلم في القرن الماضي اللغة الطليانية لقلة مدارسنا و مدارس الأمم الأخرى يومئذ.

الشاميون أمة واحدة لسانهم العربية فقط:

قلنا من محاضرة في سكان الشام و لغاته: مهما قيل في كثرة عدد المتكلمين بالفرنسية في بيروت و بالعبرية في القدس و بالتركية في حلب، و مهما اختلفت درجة العواطف من حيث حب العربية، فالبلاد عربية صرفة و السكان عرب مهما ضعفوا و ضعفت مشخصاتهم. و لا ينسبون الى غير أمهم و لا يدعون إلا لآبائهم. يقولون: إن من تعلم لغة قوم أحبهم فما أحرى أن يحب المرء أولا أرضا أنبتته، و أهلا تجمعه و إياهم جامعة الوطن و الجنس و اللسان. نحن في الشام أمة واحدة مهما حاول المحاولون أن يجعلوا بيننا فروقا. و المذاهب ما كانت و لن تكون معيارا في هذا الباب. الماروني و الكاثوليكي و الأرثوذكسي و الإنجيلي و العلوي و الإسماعيلي و العبري و غيرهم تربطنا بهم رابطة أجمع من كل الروابط، رابطة المصلحة الواحدة و الوطن المشترك، و قرابة الجنس و أواصر اللغة.

إن كنت أحب بيتي فما أولاني أن أحب سكانه. إن كنت لا أرى عدتي في شدتي، غير أمتي، فما أحراني أن أرعى ذمامها، و أحمي مشخصاتها، و أول المشخصات في شعب هو لغته. و معظم الأمم الحديثة تكونت تحت رايتها، و سادت و شادت بتأثيرها. من اللغات يا قوم ما لا ينطق به أكثر من بضعة ملايين كالدانيمركية و السويدية و الفنلندية، مع هذا تجد بين أبنائها- من الصلات على اختلاف في المذهب- و من التناغي بحب قوميتهم ما لا يقلّ عن تغالي الانكليزي و الالماني و الفرنسي و الطلياني‏

49

و السلافي بحب لغته و قوميته و هو ابن أمة عظيمة.

ليست العربية من اللغات الميتة حتى يزهد بعض أبنائها فيها. بل هي لغة سبعين مليونا من البشر نازلين في أجمل أقطار الأرض في إفريقية و آسيا، و لسان ديني لثلثمائة و خمسين مليونا من المسلمين. و لسنا معاشر أهلها دون ارقى أمم الحضارة الحديثة بعقولنا و ذكائنا فتاريخنا موضع الدهشة على توالي الأحقاب، و إنا إذا عرانا بعض الضعف فقصرنا عن اللحاق بالسابقين، لا نلبث بتماسكنا و تفانينا بحب قوميتنا و لغتنا أن نساوي غيرنا قريبا. و كم من أمم عراها أكثر مما عرانا من ضعف الملكات، و ضياع المقدسات و المشخصات، فنفضت عنها غبار الخمول يوم صحت إرادتها على أن لا تموت بصنعها، و قامت تجادل و تجالد في معترك المدنية فأتت بالعجب العجاب.

نحن أهل الشام أمة واحدة، و لا خير لأبناء الوطن الواحد إلا من أنفسهم. فقد نزح عنا منذ سبعين سنة الى أميركا و غيرها نحو مليون من أبنائنا و ما زلنا معاشر السواد الأعظم هنا نهتم لهم أكثر من اهتمامنا لأمة لا تربطنا بها جامعة اللسان و الجنس. و هم على شاكلتنا يهتمون ببلادهم و لغتهم و ما يقوّمها. و ما ننس لا ننس يوم كانت اللغة العربية يحفظ تراثها في الأعصر الأخيرة في بيع لبنان و أدياره، أكثر من حفظه في جوامع دمشق و حلب و مدارسهما، و يوم كان في اللبنانيين الغيورون على مجدها العالمون بما يصلحها الساعون الى نشرها.

لا يفلح قوم لا يتساندون. و كل شعب وضع قوميته في الذروة العليا من الكرامة يوقّر و يبجّل. و من لي يوم الكريهة غير حمى أخي و جاري ألجأ اليه. المرء كثير بأخيه، و لن تضام أمة عرفت نفسها. نحن عرب قبل أن نكون مسيحيين و مسلمين، نحن شاميون قبل أن نكون أمويين و عباسيين و سلجوقيين و عثمانيين.

سعادتنا مناط الاحتفاظ بأصولنا، و لا تمثلنا إلا قوميتنا، و أعظم قوة لها لغتنا، و السلام.

50

تاريخ الشام قبل الإسلام‏

أول شعب غزا الشام و الحثيون و الكنعانيون:

ذكر أهل الأخبار و السير أن الشام كانت يوم عرف تاريخها مغشاة بالأشجار، و لا سيما في اللبنانين الغربي و الشرقي، فجاءها من بلاد أشور رعاة نزلوا القسم الشمالي منها و ما زالوا يتقدمون في فتوحهم حتى بلغوا معظم سواحل الشام و استولوا على عكا. و انقسم هؤلاء الرعاة و اسمهم عمو أي الشعب الى قسمين: قسم أقام على تربية الماشية في السهول، و احترف القسم الآخر بالاحتطاب في الجبال، أو بالصيد على شواطى‏ء البحر و ضفاف الأنهار، و قيل: إن ذلك كان في القرن السادس عشر قبل الميلاد و لعله يرد الى أكثر من خمسة آلاف سنة، و لم يعرف من كان سكان القطر يومئذ.

و الغالب أن من أقدم الشعوب التي استولت على الشام الحثيين في الشمال و الكنعانيين في الجنوب. و الحثيون لم يعرف عنهم إلا أنهم كانوا وراء جبال طوروس بادى‏ء بدء يسكنون الحوض الأعلى من نهري الفرات و قزل ايرمق خضعوا أولا للكلدانيين، ثم توسعوا في ملكهم، و استولوا بقيادة ملكهم سابا لولو على الشمال، و امتدوا الى وادي العاصي فاستصفوه برمته، و بنوا مدنا مثل كركميش (جرابلس) على الفرات و قادس على العاصي، و ربما كانت مدينة حلب أيضا من بنائهم. و في رسائل تل العمارنة التي وجدت في صعيد مصر بيان واف في الجملة لحالة هذه الدولة الحثية