خطط الشام‏ - ج6

- محمد الكرد علي المزيد...
364 /
3

الجزء السادس‏

التاريخ المدني‏

[البيع و الكنائس و الديرة]

بيوت العبادة عند الأقدمين:

لم يخلف التاريخ الصحيح مستندا يركن إليه في وصف بيوت العبادة عند قدماء سكان الشام أيام كانوا يعبدون الأصنام و الأوثان ثم بعد أن أصبحوا يعبدون النيران. فلا نعرف إذا شيئا يعتدّ به عن هياكل الفينيقيين في صور و صيدا و بيروت و جبيل و لا عن هياكل مشارف الشام الجنوبية و لا عن بيوت النيران في حلب و لا عن بيوت العبادة عند الحثيين و البابليين و الاشوريين و لا عن هيكل الرب مرناس الذي كان يعبد في غزة، و يحجون إلى هيكله من الأقطار و لا عن معبد المشتري (جوبيتر) الذي أنشأه أدريانوس الروماني في جبل جرزيم فوق نابلس، و لا عن هياكل المشتري معبود الرومان الذي وجد في السخنة بين تدمر و دير الزور، و لا عن هيكل اليونان في أنطاكية، و لا عن هيكل بزيزة بالغرب من كوسبة في لبنان، و لا عن بعل مرقد في أطلال دير القلعة قرب بيت مري بلبنان، و لا عن هيكل الزهرة في افقة في جبل كسروان. و الهيكل الباقي من هياكل القدماء هو هيكل بعلبك و قليل أمثاله جدا مما صبر على ضربات الدهر.

أما كنائس اليهود فقد تبين أنهم شرعوا بإنشاء كنيس لهم في سبي بابل‏

4

يجتمعون فيه و يتعبدون. و أهم ما كان من كنائسهم كنيسهم في القدس بنوه بعد رجوعهم من بابل بجانب المعبد و قسموه قسمين قسم للرجال و قسم للنساء، ثم كثرت الكنائس في المدن الصغرى و الكبرى في كل بلد كان فيها لليهودية معتقدون و أنصار. و لكل كنيس خزانة مقدسة تقام في داخل البناء على خشب و تجعل متجهة نحو القدس و هي مغشاة بالكتان و فيها الطوامير المقدسة و أمام الخزانة ستار يذكر بستار المعبد و في وسطه أمام الخزانة شي‏ء أشبه بمنبر.

هذا غاية ما يقال في هياكل القدماء و بيوت عباداتهم، و كيف السبيل إلى وصف المعابد القديمة و التاريخ لا يعرف شيئا يعتدّ به عن العالم الاسرائيلي بل و لا عن نصارى القرون الأولى، و كل ما يعرف عن موسى و عن قضاة إسرائيل و داود أو المسيح و الحواريين لا يكاد يملأ سوى صفحات قليلة و النصرانية نفسها لم تنتشر في الشام إلا في القرن الرابع للميلاد على يد قسطنطين أو أم قسطنطين بن قسطنطين باني القسطنطينية و هو الذي بنى كنائس كثيرة بدمشق و غيرها حتى يقال إنه بنى في زمانه اثني عشر ألف كنيسة.

و لا بد لنا قبل وصف الكنائس و البيع و الأديار أن نعرفها تعريفا يقربها من جميع الأذهان و لا يوقع فيها لبسا. فالدير كما قالوا في تعريفه بيت يتعبد فيه الرهبان و لا يكاد يكون في المصر الأعظم إنما يكون في الصحاري و رؤوس الجبال فان كان في المصر كانت كنيسة أو بيعة. و ربما فرّق بينهما فجعلوا الكنيسة لليهود و البيعة للنصارى. و قال بعضهم: البيعة متعبد النصارى و قيل: كنيسة اليهود. و الأولى أن تطلق الكنيسة على متعبد النصارى و الكنيس على متعبد اليهود. و جاءت لفظة الدير من الدار و الجمع أديار و الديراني صاحب الدير و الذي يسكنه و يعمره. و يقال له ديّار. و يقال دير و ديرة و أديار و ديران و دارة و دارات و ديّرة و دير و دور و دوران و أدوار و دوّار و أدورة.

منشأ الأديار و البيع:

أنشئت الأديار الأولى في الشام، فهي موطنها الأول، ذلك أن من‏

5

المسيحيين من أخذوا يألفون العزلة لأول ظهورهم في صعيد مصر و جبال أنطاكية ينقطعون للنسك. و لما زاد عدد هؤلاء الناسكين دعت الضرورة إلى إنشاء أكواخ منفردة أشبه بعمرات جعلت برئاسة رئيس. و أنشئت دور عظيمة يعيش فيها أولئك الزهاد عيشة مشتركة يجمعهم سقف واحد و تسيّرهم إدارة رئيس واحد. ثم اتحدت تلك الأكواخ و البيوت. و أنشئت أديار في المدن تولاها الأساقفة و انتقل ذلك إلى الغرب. و كما كانت الشام منشأ الأديار كذلك كانت أول من وضع هندسة الكنائس ذات القباب، فقد جرت في هندستها لأول مرة على مثال المعابد القديمة، فالشام إذا أول من أنشأ الأديار و الكنائس كما قامت فيها النصرانية و اليهودية.

قلنا: إنه يردّ إنشاء الكنائس إلى عهد قسطنطين و قد بدأت البيع بالتكاثر في سنة (330) للميلاد و ذكر بعض المؤرخين أن ثيودوسيوس الكبير حول بعض هياكل الوثنيين في بعلبك الى كنائس فبنى كنيستين في القلعة إحداهما في وسط البهو الكبير القائم أمام هيكل الشمس. و قال المسعودي: إن هيلاني بنت بإيليا الكنيسة المعروفة بالقيامة في هذا الوقت الذي يظهر منها النار في يوم السبت الكبير الذي صبحه الفصح و كنيسة قسطنطين و ديارات كثيرة للنساء و الرجال على الجبل المطل على مدينة بيت المقدس المعروف بالطور و هو بإزاء قبة اليهود و عمرت مدينة إيليا عمارة لم يكن قبلها مثلها و لم يزل ذلك عامرا إلى أن أخربته الفرس حين غلبت على مصر و الشام.

تكاثرت الكنائس و الأديار في الشام فلم يمض على انتشار النصرانية قرنان حتى زاد عدد الأديار و البيع على صورة مستغربة حتى إن الغسانيين ولعوا أيضا بعمارة الأديار في الجزء الذي ارتفع سلطانهم عليه في الجنوب على عهد ملوك الروم فشادوا دير حالي و دير أيوب و دير الدهناء و دير ضخم و دير النبوة. و اشتهر الغساسنة بإقامة الديرة و البيع و كانوا كما قيل يعتمدون ببنائهم المواضع الكثيرة الشجر و الرياض و المياه و يجعلون في حيطانها و سقوفها الفسافس و الذهب و مثلهم كان شأن آل المنذر بالحيرة و بني الحارث بن كعب بنجران من بيوتات العرب.

6

أعظم الكنائس و أقدمها:

و يظهر أن كنيسة القبر المقدس في القدس هي أقدم كنيسة في الشام قامت في مكان نظر إليه في كل وقت بأنه مقدس. و ذكر الأسقف أوسابيوس القيصري (314- 340) و هو والد تاريخ الكنيسة أن في الحفريات التي جرت على عهد الملك قسطنطين اكتشفت مغارة المخلص المقدسة. و زاد المؤرخون المحدثون أن الملكة هيلانة والدة قسطنطين المتوفاة نحو سنة (326 م) زارت القدس و اكتشفت القبر المقدس و صليب يسوع، فالبنايات التي أقيمت في ذاك المكان سنة (336 م) هي من البناء المدور قد دعي كنيسة القيامة و مؤرخوا المسلمين يسمونها كنيسة القمامة كما كان هناك كنيسة كاتدرائية خاصة برمز الصليب و قد أحرق الفرس هذين المكانين سنة (614 م). و أعاد هرقل بناء ما كان خرب كسرى من الكنائس في مصر و الشام، و ذكر المؤرخون أن الفرس خربوا كنائس القدس بمعاونة اليهود و مما خربوا كنيسة الجسمانية و كنيسة المنية و ظلتا خرابا الى القرن الرابع من الهجرة، و لما انصرفوا عمر النصارى كنيسة القيامة و المقبرة و الاكرانيون و مار قسطنطين و أحدث الراهب مودست رئيس دير تيودوس في سنة (616 و 626) كنيسة القيامة و كنيسة الصليب و كنيسة الجلجلة و أضيفت سنة (670) الى الجنوب كنيسة للعذراء.

و لما فتحت القدس و جاء الخليفة عمر بن الخطاب أدركته الصلاة فلم يرض أن يصلي في كنيسة القيامة لئلا يكون بعده للمسلمين حجة في أخذها و بنى مقابلها جامعا و مصلى. و لما تنصر الروم على رواية ابن بطريق و بنت هيلانة أم قسطنطين الكنائس في بيت المقدس كان موضع الصخرة و حولها خراب فترك، و رموا على الصخرة التراب و هذه التي بني عليها المسجد الأقصى، ثم ذهب الخليفة الى بيت لحم فحضرته الصلاة فصلى داخل الكنيسة عند الحنية القبلية، و كانت الحنية كلها منقوشة بالفسيفساء، و كتب عمر للبطرك سجلا أن لا يصلي في هذا الموضع من المسلمين إلا رجل واحد بعد واحد و لا يجمع فيه صلاة و لا يؤذن فيه و لا يغير فيه شي‏ء. و كنيسة بيت‏

7

لحم من الكنائس القديمة المشهورة أنشأها قسطنطين سنة (330) فكانت كاتدرائية كبرى و أنشأ يوستنيانوس حيطانها و أقيمت فيها أديار و كنائس كثيرة حتى اطلق عليها سنة ستمائة للميلاد اسم المكان الزاهر.

و من أشهر كنائس الشام كنيسة دمشق المعروفة بكنيسة مار يوحنا مكان الجامع الأموي اليوم، صالح المسلمون على نصفها الشرقي لأنهم اعتبروا دمشق بما فتح صلحا و عنوة، فكان النصف من هذه الكنيسة العظمى، التي كانت أكبر معابدهم على رواية ابن كثير، في النصف الذي فتحه خالد بن الوليد بالسيف. و كان بدمشق خمس عشرة كنيسة كتب بها عمر بن الخطاب كتاب أمان و أقر ما بأيدي النصارى أربع عشرة كنيسة، فجعل أبو عبيدة من الكنيسة الكبرى مسجدا. فكان المسلمون و النصارى يدخلون من باب واحد و هو باب المعبد الأصلي في القبلة؟ قال جرجس بن العميد: و قيل: إن الوليد بذل للنصارى في كنيسة مار يوحنا أربعين ألف دينار فلم يريدوا أن يأخذوا المال فأخذها فأخربها و لم يعطهم شيئا. و في تواريخ دمشق أن النصارى رفعوا إلى عمر بن عبد العزيز في خلافته ما بيدهم من عهد أبي عبيدة بن الجراح من أن كنائسهم لا تهدم و لا تسكن و أن الوليد أخذ كنيستهم بغير حق قهرا، فلما رأى عمر ذلك منهم دفع لهم مالا يرضيهم به حتى بلغ مائة ألف فأبوا، فكتب الى محمد بن سويد الفهري أن يدفع إليهم كنيستهم أو يرضيهم في ذلك. فلما وصل كتاب عمر إلى دمشق أعظم الناس ذلك و فيهم يومئذ بقية من أهل الفقه، فشاورهم محمد بن سويد فقالوا: هذا أمر عظيم ندفع إليهم مسجدنا و قد أذنا فيه بالصلاة و جمعنا فيه يهدم و يعاد كنيسة. فقال رجل منهم: هنا مسألة فإن لهم كنائس عظاما حول مدينتنا و هي دير مران و الكنيسة بباب توما و غيرها من الكنائس ان أحبوا أن نعطيهم كنيستهم فلا يبقوا حول مدينة دمشق و لا بالغوطة كنيسة إلا هدمت أو نبقي لهم جميع كنائسهم و يتركوا هذه و نسجل لهم بذلك سجلا، فرضي النصارى على أن يسجل لهم الخليفة سجلا منشورا بأمان على ما بدمشق و الغوطة من كنيسة أن تهدم أو تسكن. و هكذا استحالت كنيسة مار يوحنا إلى مسجد جامع للمسلمين أخذوه بحكم الفتح‏

8

و أرضوا أبناء ذمتهم على كل حال. و ما ندري كيف آل إلى هؤلاء من اليهود أو إلى النصارى من الصابئة و غيرهم. و لعل التقليد القائل بأن في الجامع رأس يحيى بن زكريا (عليهما السلام) أتى من كون الكنيسة كانت على اسم مار يوحنا. و يوحنا هو يحيى و اللّه أعلم.

و خاصم النصارى حسانا بن مالك الكلبي الى عمر بن عبد العزيز في كنيسة بدمشق فقال له عمر: إن كانت من الخمس عشرة كنيسة التي في عهدهم فلا سبيل لك إليها. و قال غيره: خاصمت العرب في كنيسة بدمشق يقال لها كنيسة ابن نضر كان معاوية أقطعهم إياها فأخرجهم عمر بن عبد العزيز منها فدفعها الى النصارى فلما ولي يزيد ردها الى بني نضر.

و في كتاب سجل يحيى بن حمزة أن النصارى ذكروا لعمر بن عبد العزيز أن عتقاء العرب قد سخروا بهم و برئيسهم و بدينهم و جماعتهم من أهل القرى و أن أولئك العتقاء أحلاف و فرق و أنهم غلبوهم على كنائسهم و سألوا الوفاء لهم بما في عهدهم و بما في الكتاب الذي كتبه لهم خالد بن الوليد عند فتح مدينتهم فأمرهم ان يأتوا بحجتهم فأتوا بكتاب خالد بن الوليد فاذا فيه: «بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق يوم فتحها أعطاهم أمانا لأنفسهم و لأموالهم و كنائسهم لا تهدم و لا تسكن لهم على ذلك ذمة اللّه و ذمة الرسول عليه الصلاة و السلام و ذمة الخلفاء و ذمة المؤمنين لا يعرض لهم أحد إلا بخير إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية شهد بهذا الكتاب يوم كتب عمرو بن العاص و عياض بن غنم و يزيد بن أبي سفيان و أبو عبيدة بن الجراح و معمر بن غياث (عتاب) و شرحبيل بن حسنة و عمير بن سعد و يزيد بن نبيشة و عبد اللّه بن الحارث و قضاعي بن عمر و كتب في شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة».

قال يحيى بن حمزة فنظرت في كتابهم فوجدته خاصة لهم، و فحصت عن أمرهم فوجدت فتحها بعد حصار، و وجدت ما وراء حائطها آثارا وضعت لدفع الخيل و مراكز الرماح، و نظرت في جزيتهم فوجدتها وظيفة عليها خاصة دون غيرهم، و وجدت أهلها عند فتحها رجلين رجلا روميا قتلته الحرب أو نفته، و مساكنهم و كنائسهم قسمة بين المسلمين‏

9

معروفة لا تخفى، و رجلا من أهلها حقن دمه هذا العهد، فمساكنهم و كنائسهم مع دمائهم لهم لم تسكن، و لم تقسم معروفة ليس تخفى، فقضيت لهم بكنائسهم حين وجدتهم أهل هذا العهد و أبناء البلد، و وجدت من نازعهم لفيفا طرأ و ذلك لو أنهم أسلموا بعد فتحها كان لهم صرفها مساجد و مساكن. فلهم في آخر الدهر ما لهم في أوله و أثبت في الأصول قبل و أشهد اللّه عليه و صالح المؤمنين، وفاء بهذا العهد الذي عهده لهم السابقون الأخيار فلم يكن بينهم خاصة في ذلك اختلاف نظر لهم .. و قضيت لمن نازعهم بما كان لهم فيها من حلية أو آنية أو كسوة أو عرضة أضافوا ذلك إليها أن يدفع ذلك إليهم بأعيانها إن قدروا عليه و سهل قبضه، أو قيمة عدل يوم ينظر فيه شهد اللّه على ذلك اه.

هذا ما كان من المسلمين مع أبناء ذمتهم و مراعاة العهود التي قطعوها على أنفسهم. و لم تزل سيرة خلفاء بني أمية و بعض بني العباس مع النصارى و كنائسهم سيرة الخليفة الثاني و الفاتحين من الصحابة الكرام. فقد بنى أبو جعفر المنصور كنيسة في دمشق لبني قطيطاني الغوريق، ذكر ذلك ابن عساكر. و لما وقع حريق في كنيسة مريم بدمشق أيام أحمد بن طولون أمر أن تفرق على أهل الحريق سبعون ألف دينار ففضل عنهم أربعة عشر ألف دينار فأمر أن تفرق عليهم على قدر سهامهم ثم أمر ففرّق على أهل دمشق و غوطتها مال عظيم فأقل من أصابه من ذلك دينار.

مبدأ هدم الكنائس:

أول حادث وقع في تخريب الكنائس قبل الإسلام كان لما ثار بفلسطين أهل السامرة و هدموا في سنة إحدى و عشرين و خمسمائة الكنائس كلها و أحرقوها من بيسان الى بيت لحم و قتلوا النصارى و عذبوهم عذابا شديدا فأعاد يوستنيانوس الكنائس و كتب الى عامله في فلسطين أن يعفي أهلها من الخراج و يعمر بها الكنائس و الديارات و بنى بيمارستانا للغرباء في القدس.

و بقدر ما رأى النصارى من عدل المسلمين معهم أيام عزهم أخذ بعض ملوكهم بعد القرن الثالث يحكمون العواطف بدل العقل في الكنائس‏

10

و البيع، و كان من أثر ذلك أن نالت السياسة من بيوت العبادة فكان إذا أحسّ القائم بأمر المسلمين أن قومه في شدة في ديار الحرب انتقم من أهل ذمته في ديار الإسلام، و سلط العامة من طرف خفي ليخربوا كنائس النصارى و بيعهم.

قال القلقشندي: و في السنة الأخيرة من رياسة البطريرك قسيما و هي سنة ثلاث عشرة و ثلاثمائة أحرق المسلمون كنيسة مريم بدمشق و نهبوا ما فيها و تتبعوا كنائس اليعاقبة و النساطرة. و قال ابن بطريق: إن هذه الحادثة وقعت في رجب سنة اثنتي عشرة و ثلاثمائة و ذلك أن المسلمين في دمشق ثاروا فهدموا كنيسة مرتمريم الكاتوليقية، و كانت عظيمة كبيرة حسنة أنفق فيها مائتا ألف دينار، و نهبوا ما كان فيها من آنية و غير ذلك من حلي و ستور، و نهبت ديارات و خاصة دير النساء الذي كان في جانب الكنيسة و شعثوا كنائس كثيرة للملكية، و هدموا كنيسة النسطورية.

و ثار المسلمون بالرملة و هدموا للملكية فيها كنيستين كنيسة مار قزماس و كنيسة مار كورقس و هدموا كنيسة عسقلان و قيسارية و ذلك سنة (311).

و ثار المسلمون بكنيسة بيت المقدس و أحرقوا أبواب كنيسة قسطنطين القبلية سنة (325).

و كان الداعي الى ذلك ما وقع من اضطهاد المسلمين في الروم على الغالب فلم يجد ملوك الإسلام واسطة لتخفيف الشر الواقع على رعاياهم من أهل الإسلام إلا بالضغط على النصارى في ديارهم و التأثير في ملوك النصارى بضربهم في أكبادهم في كنائس هي مهوى قلوب أبنائهم في بيت المقدس و ما إليها بدليل أن ابن بطريق نفسه قال بعد إيراد تلك الحوادث:

وقع بين الروم و المسلمين هدنة مرضية في سنة ست و عشرين و ثلاثمائة و قال في حوادث السنة التالية: إن المسلمين ثاروا في عسقلان فهدموا كنيسة كبيرة تعرف بكنيسة مريم الخضراء و نهبوا جميع ما فيها و أحرقت و عاضد المسلمين اليهود في هدمها. و كان اليهود يشعلون النار في الحطب و يجرونه بالبكر الى أعلا السقوف حتى يحرقوها و ينحل رصاصها و تقع عمدها و خربت الكنيسة و بقيت خربة. و روى أيضا أن الصناحي والي القدس‏

11

اضطهد بطريرك القدس فاستعدى عليه ملك مصر فأعداه فلم يستمع الوالي لذلك و اختبأ البطريرك في كنيسة القيامة فهاجمها الوالي و أحرقوا أبوابها و سقطت القبة، و توجه الرعية الى كنيسة صهيون و أحرقوها و نهبوها.

و هدم اليهود و أخربوا أكثر من المسلمين.

و أهم ما نال الكنائس في الشام من الأذى، كان على عهد الحاكم بأمر اللّه الفاطمي فإنه لم يبق في مملكته ديرا و لا كنيسة إلا هدمها. ففي سنة (398) كتب الحاكم الى دمشق بهدم كنيسة السيدة القاتوليكي فهدمت، و كتب الى والي الرملة بهدم كنيسة القيامة في القدس و إزالة معالمها و القضاء على آثارها، و هدم الاقرانيون كنيسة ماري قسطنطين و سائر ما اشتملت عليه حدودها و استقصوا في إزالة الآثار المقدسة، و كان في جوار المقبرة دير للنساء يعرف بدير السري فهدم أيضا. و كان ابتداء نقضها سنة أربعمائة و وضعت اليد على الأملاك و الأوقاف و جميع ما في تلك الكنائس من آلاتها و حلاها.

و عاد الحاكم بعد أن ضرب النصارى في كنائسهم في جميع أرجاء مملكته فأعطاهم عهدا كما كان يعطي الخلفاء العادلون و منها هذا المنشور الذي أورده ابن بطريق:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم أمر أمير المؤمنين بكتب هذا المنشور لنيقيفور بطريرك بيت المقدس بما رآه من إجابة رغبته، و إطلاق بغيته، من صيانته و حياطته، و الذب عنه و عن أهل الذمة من نحلته، و تمكينهم من صلواتهم على رسومهم في افتراقهم و اجتماعهم، و ترك الاعتراض لمن يصلي منهم في عرصة الكنيسة المعروفة بالقيامة و خربتها، على اختلاف رأيه و مذهبه، و مفارقته في دينه و عقيدته، و إقامة ما يلزمه في حدود ديانته، و حفظ المواضع الباقية في قبضته، داخل البلد و خارجه و الديارات و بيت لحم ولدّ، و ما برسم هذه المواضع من الدور المنضوية إليها، و المنع من نقض المصلبات بها، و الاعتراض لأحباسها المطلقة لها، و من هدم جداراتها و سائر أبنيتها، إحسانا من أمير المؤمنين إليهم، و دفع الأذى عنهم و عن كافتهم، و حفظا لذمة الإسلام فيهم، فمن قرأه أو قرئ عليه من الأولياء

12

و الولاة، و متولي هذه النواحي و كافة الحماة، و سائر المتصرفين في الأعمال، و المستخدمين على سائر منازلهم، و تفاوت درجاتهم، و استمرار خدمتهم، أو تعاقب نظرهم، في هذا الوقت و ما يليه، فليعلم ذلك من أمير المؤمنين و رسمه، و يعمل عليه و بحسبه، و ليحذر من تعدي حده و مخالفة حكمه، و يتجنب مباينة نصه و مجانبة شرحه، و ليقرّ هذا المنشور في يده حجة لمودعه، يستعين بها على نيل طلبته، و إدراك بغيته، إن شاء اللّه تعالى.

و كتب في جمادى الأخرى سنة إحدى عشرة و أربعمائة». و في أعلاه بخط الحاكم توقيع: الحمد للّه رب العالمين.

قال ابن بطريق، و انفتح حينئذ باب رجعة الكنائس ورد أوقافها عليها، و أطلق عمارة جميع الكنائس و الديارات التي يستدعي منه الإذن فيها و في عمارتها بمصر و في سائر بلاد مملكته، و كتب لكل منهم سجلا لإعادة أوقافها إليها، إلا ما كان من الأوقاف و الكنائس قد بيع في وقت القبض عليها في دمشق و في جميع بلاد الساحل، و صرف ثمنه في النفقات السلطانية، لضيق الأموال و قلتها، أو ما كان منها قد حصل لمن يتوقون شره من المسلمين. و لما تسامح الحاكم بعمارة الكنائس و تجديدها ورد أوقافها عاد الذين أسلموا من النصارى وقت الاضطهاد إلى دينهم بأمره و تسامحه. و لما هلك الحاكم و بويع لابنه الظاهر و استولت عمته على الملك بالفعل تقدمت بمسير نيقيفور بطريرك بيت المقدس إلى حضرة الملك ليطالبه بعودة الكنائس و تجديد كنيسة القيامة ببيت المقدس و سائر البيع في جميع بلاد مصر و الشام و رجوع أوقافها إليها.

و كان البطاركة أشبه بسفراء سلام بين ملوك الإسلام و ملوك الروم.

إذا وقع حيف على المسلمين في ديار أعدائهم يندبهم ولاة الإسلام الى مطالعة الروم بما ينال النصارى في الشام و غيرها من الاضطهاد إن هم أساءوا إلى المسلمين الواقعين في أسرهم، أو الراحلين إليهم في التجارة. و مما اشترط ملك الروم على الظاهر العبيدي في عقد الهدنة ثلاثة شروط منها أن يعمر الملك الظاهر كنيسة القيامة ببيت المقدس و يجددها من ماله، و يصيّر بطريركا على بيت المقدس، و أن تعمر النصارى جميع الكنائس الخراب‏

13

التي في بلاد الظاهر. فقبل الظاهر ما شرطه الملك من بناء كنيسة القيامة و من إقامة بطريرك و من تجديد النصارى بقية الكنائس سوى ما كان منها قد عمل مسجدا.

و قد علل مجير الدين الحنبلي عمل الحاكم في هدم البيع تعليلا غير مقبول كثيرا قال: إنه بسبب ما أنهي الى الحاكم من الفعل الذي يتعاطاه النصارى يوم الفصح من النار التي يوقدونها في سبت النور يوهمون أنها تنزل من السماء و قال: إن المستنصر باللّه أبا تميم معدا، هادن ملك الروم على أن يطلق خمسة آلاف أسير ليمكن من عمارة القيامة التي كان خربها جده الحاكم فأطلق الأسرى. قال: و الذي يظهر أن تخريبها لم يكن تخريبا كليا بل كان في غالبها.

و قد وقع في العصور التالية بعض حوادث من تخريب كنيسة أو بيعة كان السبب فيه داخليا كأن يميل أهلها إلى عدو خارجي يداهم القطر، فقد استطالوا سنة (658 ه) على المسلمين كما يقول المؤرخون فنهبهم المسلمون و خربوا كنيسة مريم بدمشق و كما وقع لهبة اللّه النصراني متولي خزانة السلطان فإنه «كان تمكن من المسلمين و آذاهم، و رفع منار النصارى و تسلطوا بجاهه على المسلمين، وجدد لهم بناء كنيسة مريم و شيد بنيانها، و رفع بابها، و حسن عمارتها، ثم هدم ما زاده، و أعيدت الكنيسة إلى ما كانت عليه، و تولى النصارى هدم ذلك بأنفسهم».

و كل تخريب وقع كان عن دواع كلية في الغالب يرجع في جملته إلى اعتداء النصارى في غير ديار الإسلام على المسلمين. فإن نيقيفور دومستيقس صاحب الروم لما غزا جزيرة اقريطش (كريت) في أسطول و نازلها في النصف من المحرم سنة خمسين و ثلاثمائة و حاصرها ثمانية أشهر و فتحها و خرب ما فيها من المساجد و سبى من أهلها خلقا كثيرا قام المصريون فخربوا بعض ما عندهم من الكنائس انتقاما من الروم على فعلتهم و هكذا دواليك في تلك العصور المظلمة.

و في سنة (856) صدر مرسوم الملك بالكشف على الأديار و بهدم ما استجد بدير صهيون في القدس و انتزاع قبر داود من أيدي النصارى فهدم البناء

14

المستجد، و فيها أخرج المسجد من دير السريان و صار زاوية و هدم البناء المستجد ببيت لحم و في كنيسة القيامة و كشفت جميع الأديار و هدم جميع ما استجد بها. و في سنة (895) هدمت القبة التي أحدثها النصارى في دير صهيون. و السبب في ذلك على ما يبدو للنظر أن الدولة في تلك الأيام حاذرت من أن يكون من بعض الأديار و الكنائس أماكن يعتصم فيها تساعد في الأيام العصيبة على أن تكون ثكنا و قلاعا لمن يداهم الشام من غير أهل الإسلام.

و مع هذا لم يخل زمن من ظهور حكام استعملوا العدل في تلك الأعصار مع أبناء ذمتهم فقد ذكروا أن المفرج بن الجراح لما تغلب على أرجاء فلسطين ألزم النصارى ببناء كنيسة القيامة ببيت المقدّس، قال ابن بطريق: إنه عاون على بناء كنيسة القيامة و أعاد فيها مواضع بحسب إمكانه و قدرته.

كنائس دمشق:

و لم يحدثنا التاريخ بما كان من أنواع الكنائس بعد القرن الثامن و معظم الكنائس و الأديار في الشام اليوم بعد كنائس القدس و بيت لحم و دمشق هي مما أنشئ في القرون الأخيرة. فالكنائس في دمشق جددت بعد سنة (1860) أي بعد أن خربت في حوادث تلك السنة. فلطائفة الروم الأرثوذكس ثلاث كنائس أكبرها المريمية و هي أعظمها، و من أقدم كنائس هذه الديار و فيها مقام البطريرك الأنطاكي خربت في أدوار كثيرة و آخر خرابها في وقعة تيمور يبلغ طولها نحو 70 ذراعا و عرضها نحو أربعين. و الثانية كنيسة مار يوحنا الدمشقي أنشئت بعد سنة (1860) و في جوارها مدرسة الروم.

و الثالثة كنيسة الميدان في محلة القرشي تم بناؤها سنة (1862). و لطائفة الروم الكاثوليك ثلاث كنائس أيضا كانت الكبرى كنيسا لليهود القرائين فاشتراها الكاثوليك و أسست أيام الحكومة المصرية تم بناؤها سنة (1840) على اسم السيدة و هي في حارة زيتون قرب سور البلد القديم و حرقت في حادثة سنة (1860) ايضا و هي متينة راسخة البنيان و فيها مقام البطريرك الأنطاكي لتلك الطائفة. و الكنيسة الثانية في باب المصلى على اسم القديس جاورجيوس.

15

و الثالثة في القرشي على اسم سيدة النياح. و للسريان الكاثوليك كنيسة على اسم مار موسى الحبشي في حي المسيحيين على الطريق العامة و فيها دار البطريركية و لها مدرسة متصلة بها حرقت في سنة (1860) أيضا ثم جددت.

و للأرمن القدماء كنيسة قرب السور و هي قديمة احترقت في حوادث سنة (1860) و اسمها مار سركيس و لها مدرسة جدد بناؤها بعد الحوادث.

و للسريان اليعاقبة كنيسة بالقرب من الباب الشرقي في محلة حنانيا جددت سنة (1860) باسم القديس جاورجيوس. و للأرمن الكاثوليك كنيسة أمام دير اللعازاريين أنشئت بعد سنة (1860) على اسم القديس غريغوريوس.

و للبرتستانت كنيستان بنت إحداهما مسز موط الانكليزية سنة (1868) و الثانية (1864) بناها القس يوحنا كرقورد الأميركاني.

و قد أنشئت عدة كنائس و أديار في دمشق أهمها دير اللعازاريين كان شرع ببنائه قبل حوادث (1860) ثم أحرق وجدد بعد ذلك و فيه مدرستان إحداهما للذكور و الثانية للإناث. و لليسوعيين مدرسة للبنات و فيها كنيسة صغيرة. و هناك دير الفرنسيسكان بالقرب من دير اللعازارية قيل: إنه أنشئ من نحو 350 سنة وجدد عقيب حوادث (1860) و فيه مدرسة للصبيان. و لطائفة الموارنة دير على اسم مار أنطونيوس البادواني حرق (1860) و فيه دار البطريركية. و في سفح الصالحية كنيسة صغرى للسريان الكاثوليك. و أنشئت في العهد الأخير كنيسة في المدرسة الإيطالية بطريق الصالحية و أخرى وراء المستشفى العسكري لراهبات الفرنسيسكان و غيرها من الكنائس الصغرى.

كنائس حلب:

و ليس في الشهباء كنائس قديمة و أقدمها لا يرد عهده إلى قبل منتصف القرن الماضي فمنها كنيسة الأربعين للأرمن الغريغوريين في الصليبة و هي من الكنائس القديمة جددت (1869) و كنيسة السيدة للأرمن الغريغوريين (1850) و كنيسة مار أنطونيوس البادوي للآباء الفرنسيسيين أنشئت (1660) ثم جددت، و كنيسة انتقال السيدة للسريان الكاثوليك في حارة الصليبة جددت‏

16

(1850) بعد حريق وقع لها. و كنيسة أم المعونات للأرمن الكاثوليك تم بناؤها (1840) و منها كنيسة بشارة الإنجيل للبرتستانت في محلة جقور القسطل جعلت كنيسة (1867). و كنيسة مار فرنسيس للآباء الفرنسيسيين في حي جلوم تم بناؤها (1878). و كنيسة السيدة للروم الأرثوذكس في الصليبة جدد بناؤها (1851). و سيدة الانتقال للروم الكاثوليك جددت بعد حريقها (1851). و مار جرجس للروم الكاثوليك في ثرعسوس تم بناؤها (1850) و كنيسة قلب يسوع للآباء اليسوعيين في حي تراب الغربا تمت سنة (1881). و كنيسة مار بطرس للكلدان في العزيزية (1882).

و كنيسة مار جرجس للسريان الأرثوذكس في جقور قسطل و هي من الكنائس القديمة اختص بها السريان بعد أن كانت مشتركة بينهم و بين الأرمن في سنة (1893) و كنيسة القديس بوناونتورا للآباء الفرنسيسيين تم بناؤها في حي الرام سنة (1907) و كنيسة للموارنة باسم مار الياس الحي في الصليبة تمت سنة (1891)، و كنيسة الأنفس المطهربة في الحميدية تم بناؤها سنة (1910).

الكنائس و البيع في القدس:

و في القدس أديار و كنائس كثيرة بحيث يصح أن تدعى بلد الكنائس و لطائفة كاثوليك الرومانيين كنيسة اسمها كنيسة البطريركية و دير المخلص للفرنسيسكان و له كنيسة و ميتم و صيدلية و مطبعة، و كنيسة القديسة حنة و كنيسة الاكسي هومو (أي صورة المسيح المكللة بالشوك) و كنيسة الدورميسيون و كاتدرائية سان ايتيان، و كنيسة الاغوني و أديار كنيسة القيامة ودي لافلاجلاسيون و الدومنيكيين و إخوان البعثة الإفريقية و اللعازاريين و الآباء الپاسيونيست و البندكتيين. و دير البندكتيين و أديار الكرمليين و سيدات صهيون و أخوات القديس يوسف و أخوات الوردية و الكلاريس و أخوات ريپاراتريس و البندكتيات. و لهم كنائس في المدارس. منها في المدرسة الاكليريكية البطريركية و ميتم الأطفال في دير المخلص و المدرسة الصناعية في الدير نفسه و مدرسة الذكور للفرنسيسكان و المدرسة الصناعية

17

للذكور لرهبان سيدة صهيون و مدرسة الذكور لإخوان المدارس المسيحية و مدرسة و ميتم بنات أخوات القديس يوسف و ميتم البنات لأخوات الفرنسيسكانيات و مدرسة للبنات لراهبات الوردية و مدرسة و ميتم لبنات سيدات راتسبون، و مدرسة البنين و البنات لجمعية الأرض المقدسة الألمانية.

و من المستشفيات مستشفى سان لويس، تعاون فيه راهبات القديس يوسف و ملجأ اللقطاء و العجزة و المرضى لأخوات الإحسان، و ملاجئ الحجاج مثل كازانوفا للفرنسيسكان. و الملجأ الكبير الفرنسي لسيدة فرنسا و ملجأ الاغسطينيين و الملجأ الكاثوليكي الالماني و الملجأ النمساوي و الروم المجتمعين أو الروم الكاثوليك كنيسة في البطريركية و بيعة في سانت فيرونيك و مدرسة اكليركية كبرى لرهبان القديسة حنة لاخوان البعثة الإفريقية (الآباء البيض) و ميتم للبندكتيات و واحد للسوريين المتحدين و له مدرسة اكليركية يديرها الآباء البنديكتيون و قليل من الأرمن المتحدين مع كنيسة سيدة السپاسم و بيعة و ملجأ و مدرسة متصلة بالكنيسة اللاتينية.

و للطوائف البرتستانتية الالمانية كنيسة المخلص الالمانية و ملاجئ فرسان القديس يوحنا و مستشفى الدياكونيس قيصر ورت و دار للبرص للاخوان المورافيين و ميتم للفتيات و ميتم سوري للأولاد أسسه شنيلر و له ملجأ للعميان و مدرسة لأولاد العرب في القدس. و للطائفة البرتستانتية الانكليزية مدرسة و كنيسة أسقفية و جمعية التبشير الكنائسي لدعوة أبناء العرب من المسلمين و اليهود للمذهب و لها كنيسة القديس بولس و ميتم للذكور أسسه أسقف كوبا و مدرسة للذكور و البنات و مدرسة عالية و كنيسة يسوع لجمعية يهود لندرا، و هذه الارسالية تقوم بنفقة مستشفى كبير و صيدليتين و مدارس للذكور و الإناث و مدرسة صناعية و مطبعة. و لرهبنة فرسان القديس يوحنا الانكليزية مستوصف للرمد و بعض الأديار و المدارس تنفق عليها جمعية تبرعات فلسطين و جمعية مبرات ارسالية الشرق الانكليزية. و لطائفة الروم الارثوذكس عدة أديار و كنائس منها دير هيلانة و قسطنطين و دير إبراهيم و دير جيتسماني و القديس باسيليوس و القديس تيودوروس و القديس‏

18

جورج و القديس ميشل و القديسة كاترينا و اوتيم و سيدة النجا و اسبيريدون و كارالومبوس و ديمتريوس و نيقولاوس و روح القدس و مدرسة للبنات و أخرى للذكور و مستشفى و غير ذلك. و للبعثة الروسية مدرسة كبرى في حي يافا و البنايات على جبل الزيتون. و كان للجمعية الروسية الفلسطينية ملجأ كبير للحجاج بالقرب من المعهد الروسي، و ملجأ للراهبات بالقرب من البيمارستان.

و للأرمن دير بالقرب من باب صهيون و لهم مدرسة اكليريكية و مدرستان للذكور و للإناث و كنيسة القديس يعقوب و دير للنساء اسمه دير الزيتوني و دير و بيعة جبل صهيون و لهم ملجأ. و للأقباط دير يقيم فيه أسقفهم و دير آخر يقال له دير القديس جورج. و للسريان اليعقوبيين كنيسة صغرى يقيم فيها أسقف لهم. و للحبش دير و كنيسة في الشمال الغربي من المدينة و للإسرائيليين زهاء 70 كنيسا. و كثير من معاهد الخير و الإحسان و ملاجئ للزوار و معاهد للفقراء أسس معظمها مونتفيور و روتشيلد و جمعية الاتحاد الإسرائيلي و غيرهم و لهم أربعة مستشفيات و دار للمعتوهين و مدرسة للعميان و ملجأ للشيوخ و مدرسة ابتدائية و صناعية تقيم عليها جمعية الاتحاد الإسرائيلي و مدرسة انكليزية للبنات و مدرسة المانية للبنين و ملاجئ منها الالماني و الاسباني و في القدس مدرسة البنات لاسوج. و لما زار الامبراطور غليوم الثاني ملك ألمانيا مدينة القدس أمر بانشاء أربع كنائس و كلها واقعة في أهم بقعة في المدينة ثلاث منها مشرفة عليها من الخارج و الرابعة داخل المدينة أي السور.

و قبل الحرب العامة كان في القدس 8 أديار للذكور و 9 أديار للإناث من اللاتين و كنيستان للروم الكاثوليك و واحدة للأرمن الكاثوليك و 14 ديرا للروم الذكور و 4 أديرة للإناث من الروم و 4 أديار للروس و 5 للأرمن و 3 للأقباط و 3 للحبش و 2 للسريان و 2 للبرتستانت الاسقفيين و 1 للإنجيليين و 1 للهيكليين من الطوائف البرتستانتية و 40 كنيسا للإسرائيليين و ربما زادت بعض الطوائف أماكن أخرى للعبادة.

و كنائس القدس و أديارها و بيعها على غاية من الفخامة لأنها من إنشاء

19

دول كبرى و مكانة القدس في هذا الباب لا تنازعها فيه غير رومية العظمى، و أهم تلك الكنائس في القدس كنيسة القيامة و هي ليست بالكبرى كثيرا بالنسبة لكنائس الغرب المهمة بل هي متوسطة الحجم استأثر أهل كل مذهب من مذاهب النصرانية ببقعة صغيرة منها لا يتعدونها يكنسونها و يوقدون سرجها و يتعهدونها بما يصلحها. و السدانة للمسلمين حتى لا يقع بين أهل تلك المذاهب شي‏ء من التحاسد الذي أدى في الأزمان السالفة الى فتن و حوادث، و لكل قطعة من قطع كنيسة القيامة و جدار من جدرانها و عمود من عمدها حادثة تاريخية يذكرونها في تاريخهم الديني.

و إن؟؟؟ كان عني بعمران كل بلد على مثل ما عني بإنشاء الأديار و الكامل؟؟؟ القدس و ما إليها من الأرض المقدسة لكانت الشام أعمر أقطار العالم؟؟؟ بكنائسها؟؟؟ و أديارها فقد قدّم؟؟؟ بعضهم ما أنفق على هذه المعاهد الدينية الكبرى بخمسة عشر مليون حسبه؟؟؟ قبل أن يحاول اليهود أن يجعلوا لهم من فلسطين وطنا قوميا، و قبل أن ينشئوا فيها كنائسهم و معابدهم و يشترك يهود العالم في إتمام مشاريعهم في فلسطين. و لا يدخل في هذا التقدير في معابد القدس من العاديات و الآثار و التحف و الطرف فإن ذلك لا يقوّم؟؟؟

بثمن. كل هذا بسائق المنافسة السياسية و الدينية بين الطوائف المسيحية بعضها مع بعض و بين المسيحيين من جهة و الموسويين من أخرى.

كنائس فلسطين:

و لو جئنا نستقصي كنائس فلسطين لطال بنا المجال من؟؟؟ كنائسها كنيسة روسية في يافا مطلة على سهل سارون و كنائس صغيرة ثابتة للفرنسيين و الروم الأرثوذكس و الكاثوليك و الموارنة، و كنيس لليهود. و لهم مدرسة مهمة في تل أبيب و أهم الأديار فيها دير اللاتين و فيها كنيسة للبرتستانت الالمان من طائفة الهيكليين و اسمها أحباب القدس و قد كثرت الكنائس في المدن و القرى و الغالب أن كنائس القرى سبقت بإنشائها كنائس المدن لأن النصرانية انتشرت أولا في القرى و عصى أهل المدن على التدين بها لغلبة التعصب عليهم. و من رأي بعض الواقفين أن النصرانية انتشرت أولا في المدن‏

20

كالقدس و أنطاكية و الإسكندرية و أفسس حتى وصلت الى داخل بلاط القياصرة.

و في نابلس دير للاتين و كنيسة للروم و كنيس و كتاب للسامرة و مدرسة للانكليز و مدرسة للراهبات و لها بيع صغيرة و في أريحا كنيسة للروم و أخرى للاتين. و كنيسة بيت لحم من أقدم الكاتدرائيات الباقية لم تخرب في جملة ما خربه الحاكم، و قد رممت في أوقات مختلفة و زينت و لا سيما في عهد الصليبيين، و في بيت لحم عدة أديار و كنائس منها دير للفرنسيسكان مع دار ضيافة و مدرسة للذكور و صيدلية و كنيسة جميلة و لأخوات القديس يوسف دير و ميتم و مدرسة للبنات و دير للكرمليات عمر على مثال قصر سانت آنج في رومية و له كنيسة و مدرسة اكليركية لجمعية آباء القلب المقدس و جمعية الأب بيلوني و فيه مدرستان إحداهما صناعية و كنيسة. و لراهبات المحبة مستشفى و لإخوان المدارس المسيحية مدرسة عظمى و للروم دير الولادة و كنيستان إحداهما باسم القديسة هيلانة و الثانية باسم القديس جورج و مدرسة للذكور و أخرى للإناث. و للأرمن دير عظيم و هو دير الفرنسيسكان و دير الروم أشبه بقلاع. و للبرتستانت الالمان مدرستان و ميتم، و للانكليز مدرسة للفتيات يضاف إليها دار للمعلمات و كلها تحوي كنائس و بيعا. و في الناصرة أربع عشرة بيعة و كنيسة و معظمها من ضخامة البناء ما يذكر بقصور الملوك، و دير الفرنسيسكان يزار لبعض الآثار التاريخية فيه و هو أثر من آثار القرون الوسطى. و في صفد كنيسة و مدرسة للروم الكاثوليك و خمس كنائس للإسرائيليين و خمس مدارس ابتدائية دينية و مدرسة عالية للاتحاد الإسرائيلي و كنيسة و مستشفى للبرتستانت. و في طبريا كنيسة للروم و أخرى للكاثوليك و خمس كنائس لليهود. و للكاثوليك كنائس في حيفا و البصة و شفاعمرو و ترشيحة و المقار. و في الطور دير و كنيسة لكل من الفرنسيين و الروم الأرثوذكس، و كنيسة الفرنسيين من أبدع كنائس العالم.

و في الرملة دير للآباء الفرنسيسكانيين أسس سنة (1400) على يد الأمير فيليب الاسباني ثم خرب سنة (1700) ثم أعيد بناؤه. و خرب صلاح الدين‏

21

كنيسة لدّ التي أنشئت في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، كما خرب كثيرا من الكنائس في عهده و خرب بعضها في الحروب و خرب الآخر قصدا لأسباب سياسية و حربية حافزة. و في جينين دير و مدرسة للذكور و للروم كنيسة و للبرتستانت و للكاثوليك و لكل كنيسة مدرسة تابعة لها.

و بالجملة فكل بلد في فلسطين لا يخلو من دير أو كنيسة أو كنيس مهما بلغ من قلة ساكنيه من المسيحيين و الإسرائيليين.

و الفضل في إنشاء هذه الكنائس لجماعة الرهبان و المبشرين فهم الذين استوكفوا أكف المحسنين في الغرب و صرفوا عقولهم و أوقاتهم في إقامة تلك المعاهد المهمة، و قد جاء منهم نوابغ في كل قرن خلدوا اسمهم بقدر ما يذكر؟؟؟ من العناية بنشر دينهم و إقامة شعائره و معابده فاستفاد العمران من عمر؟؟؟ فوائد لا ينكرها منصف. كتب إيليا بطريرك بيت المقدس؟؟؟ أنسطاس ملك الروم: قد بعثت إليك بجماعة عبيد اللّه و رؤساء رهبان بريتنا و فيهم؟؟؟ الفاصل؟؟؟ الذي قد صيّر بريتنا مدائن و أعمرها و هو نجم فلسطين.

كنائس الأردن:

و في عبر الأردن كنائس أهمها كنيسة مادبا أو ميدبا و قد تقدم الكلام عليها في المصانع و نزيد الآن أن ميدبا (عن مجلة المسرة) فاقت أخوا؟؟؟

بكنائسها الفخمة العشر و أن سرجيوس مشيد الكنائس شيد كنيسة على اسم الرسل القديسين. و من الكنائس التي بقي ذكرها إلى اليوم كنيسة البتول التي يرجع عهدها إلى؟؟؟ أيام القيصر يوستنيانوس. و لما فاضت جيوش الأعاجم على هذه الديار حرقت الكنائس و الديرة و ذبحت الألوف من الرهبان و النصارى ثم وطئتها أقدام الفاتحين من المسلمين فدثرت؟؟؟ تلك الأسقفية و عادت أخربة ينعق فيها البوم عصورا طويلة.

و كان في أكثر أمهات قرى حوران كنائس مهمة في الإسلام خربت بطول الزمن حتى قيل إنه كان في إقليم حوران فقط أربع و ثلاثون أسقفية و ناهيك بما يقتضي لها من الكنائس. و اشتهرت اليوم كنائس تبنة و بصير و خبب. و في جبل عجلون عدة كنائس منها ثلاث في الحصن أكبرها كنيسة اللاتين. و في عجلون عدة كنائس صغرى جعل بجانبها مدارس.

22

و في الكرك ثلاث كنائس للروم و الكاثوليك و البرتستانت. و قد بلغ الغرام برجال المذاهب المسيحية أن أهل كل مذهب إذا وجدوا خمس عيال في قرية من رعاياهم أنشأوا لهم كنيسة فالكنائس الصغيرة كثيرة جدا في كل بلد و كل قرية أنشأ فيها اللاتين كنيسة أنشأ فيها البرتستانت أيضا و العكس بالعكس.

كنائس لبنان:

أما كنائس لبنان فكثيرة جدا لا تكاد تخلو قرية من كنيسة أو كنيستين و ربما أكثر، و ليست كلها على جانب عظيم من العظمة و لا يرد عهدها إلى زمن قديم، فإن معظم ما كان منها في كسروان و ما إليه إلى جنوبي الجبل ليس له من العمر أكثر من مئتي سنة، ذلك لأن الموارنة لم يمتدوا إلى كسروان قبل القرن السادس عشر للميلاد، و كان عشهم في شمالي لبنان قبل ذلك. و لقد ترى في بعض المدن اللبنانية كزحلة و هي أكثر القرى سكانا في الجبل كثيرا من الكنائس التي لم تقم على ما يظهر إلا بسائق المنافسة ففيها 12 كنيسة للكاثوليك و كنيستان للأرثوذكس و كنيستان للموارنة و كنيسة و دير لليسوعيين و كنيسة للسريان الكاثوليك و كنيسة للأميركان، و في زحلة أيضا دير القديس الياس الطوق للرهبنة الباسيلية و فيها كنيسة في المدرسة الشرقية و غير ذلك من الكنائس الملحقة بالمدارس و لا تقل عن ست و عشرين كنيسة. و في مدينة بيروت و طرابلس و اللاذقية و صور و صيدا كنائس كثيرة لكل طائفة و لكل جمعية تبشيرية و أهمها ما كان في بيروت فللروم الأرثوذكس و للروم الكاثوليك و للبرتستانت الأميركان و لغيرهم من الطوائف كنائس و بيع مهمة، و أهمها ما كان لليسوعيين أو المرسلين الأميركان.

و في الهدنة التي عقدت بين المنصور قلاوون و ولده الملك الصالح و بين حكام الفرنج بعكا سنة (682) أن تكون كنيسة الناصرة و أربع بيوت من أقرب البيوت إليها لزيارة الحجاج و غيرهم من دين الصليب كبيرهم و صغيرهم على اختلاف أجناسهم و أنفارهم من عكا و البلاد الساحلية و يصلي‏

23

بالكنيسة الأقساء و الرهبان و تكون البيوت المذكورة لزوار كنيسة الناصرة خاصة، و إذا نقبت الحجارة التي بالكنيسة المذكورة ترمى برا و لا يحط حجر منها على حجر لأجل بنايته و لا يتعرض إلى الأقساء و الرهبان و ذلك على وجه الهبة لأجل زوار دير الصليب.

و من كنائس لبنان و ما إليه كنيسة معاد و كنيسة رشكيدا و كنيسة حدنون و كنائس اهدن و عبدله و بحديدات و صربا و كفر شليمان و قنوبين و بكفيا و ادّه و بشرّي و بكركي و الديمان و زحلة و دير القمر و الشرفة و برمانا و غزير و بيت خشبو و بزمار و بعبدات و القريّة و حريصا و أميون و جزين و جبيل و أفقة و الكورة و الزاوية و بحنّس و دير مار الياس و الشوير و بسكنتا و كفتين و دير مار يعقوب المقطع و دير سيدة الراس و دير حماطورة و دير مار جرجس و دير مار الياس النهر و دير ناطور و دير سيدة النورية عند وجه الحجر و دير كفتون و دير جبرائيل و دير ميخائيل المعظمة في برج صافيتا و دير مار جرجس الحميرا و دير الأحمر. و دير مار شربين و دير مار توما قرب صيدنايا.

و كان الصليبيون أنشأوا عدة كنائس في أرواد و طرطوس و صيدا و بيروت و غيرها من الساحل فهدمت، ثم بنيت مساجد و لأن بعضها كان بمثابة حصون في أيدي الرهبنات المتجندة مثل الهيكليين و الاسبتاريين و التوتونيين. و في أمهات المدن الصغيرة كنائس مهمة مثل بعلبك و عكار و الحصن و حمص و حماة و يبرود و القبيات و الإسكندرونة و أنطاكية.

و في هذه فقط تسع كنائس و فيها أنشئت أول كنيسة في الشام و كانت في جميع أدوارها موضع إعجاب المؤرخين و السائحين و منها ما هو في القرى مثل صدد و معلولا و صيدنايا و هذه أليق بأن تذكر في باب الأديار لأنها بعيدة عن المدن و الدير في الحقيقة كنيسة و زيادة. و لليهود في حلب و دمشق عدة كنائس و لكنها ليست من المكانة على شي‏ء و لهم في تادف و جوبر و غيرهما كنائس قديمة ينتابونها للعبادة و من عادة الإسرائيليين أن يكون في دار كل غني كنيس و هو عبارة عن غرفة كبيرة تجعل للعبادة و أشهرها في دمشق كنيس سوق الجمعة و لهم في حلب كنائس مهمة و كذلك في بيروت.

24

عمل الرهبان و الراهبات العظيم:

يتصور القارئ مبلغ عناية الرهبان و الراهبات بدينهم من إلقاء نظرة على الفصل التالي: للراهبات الالمانيات مدرسة و دار للأيتام في القدس و مستشفى في حيفا و مستشفى و مدرسة ليلية و نهارية للإناث في بيروت و معهد في دمشق و آخر في حلب و قد جئن القدس سنة (1887). و جاء راهبات السجود القدس سنة (1888) و أسسن فيها ديرا كبيرا ثم جئن بيروت و أنشأن دارا للعبادة. و للعازاريين محال مهمة و هم يقسمون قسمين قسم الرهبان اللعازريين الالمان جاءوا سورية عام (1890) و أنشأوا في القدس مدرسة، و القسم الثاني رهبان فرنسيون جاءوا سورية منذ نحو قرنين و أخذوا الأديار التي كانت لليسوعيين و لهم مدرسة في بيروت و أخرى في عينطورة و أهدن في لبنان و رابعة في دمشق و خامسة في ريفون.

و جاء الآباء الساليزيون القدس سنة (1891) و لهم دار للأيتام في بيت لحم و دار للأيتام زراعية في بيت جمال و ثالثة في الناصرة و مدرسة ابتدائية في بيت لحم. و جاء الراهبات الساليزيات القدس سنة (1891) و هن يشتغلن مع الرهبان الساليزيين. و أتى راهبات صهيون القدس عام (1856) و أنشأن معهدا في كنيستهن المسماة اكس هومو. و قدم الآباء البيض القدس عام (1878) و أنشأوا كنيستين فيها. و نزل آباء القلب المقدس القدس عام (1879) و أنشأوا مدرسة في بيت لحم. و لراهبات الوردية عمل ديني مثل بنات جنسهن. و جاء القدس آباء سيدة صهيون عام (1884). و الدومنيكان أو رهبان مار عبد الأحد و ردوا على القدس عام (1882) و أسس الرهبان الصعوديون مأواهم في القدس عام (1887) و أسس الآباء الترابيون ديرا في الاطرون و هم معروفون بفن الألبان و الزراعة. و جاء الراهبات البندكتيات القدس عام (1896) و راهبات هورتوس كونكلوز و هن اميركانيات جئن القدس عام (1901).

و لراهبات الناصرة مدرسة في حيفا و أخرى في شفاعمرو و ثالثة في عكا و دير الناصرة في بيروت و قد جئن سورية سنة (1855). و قدم الراهبات‏

25

الكرمليات الشام سنة (1873) و أنشأن ديرهن المعروف في جبل الزيتون في القدس و لهن دير في بيت لحم و آخر في سفح جبل الكرمل قرب حيفا.

و جاء رهبان الفرير الشام سنة (1878) و لهم مدرسة في القدس و أخرى في حيفا و ثالثة في الناصرة و رابعة في بيت لحم و خامسة في بيروت و سادسة في طرابلس و سابعة في إسكندرونة و ثامنة في دمشق و تاسعة في يافا. و جاء رهبان مار يوحنا الالهي القدس عام (1879) فأسسوا مستشفى في طنطور على طريق بيت لحم و لهم مستشفى و مستوصف في الناصرة.

و جاء راهبات سانت كلير الشام عام (1884) و أنشأن ديرا على طريق بيت لحم و لهن دير في الناصرة. و وردت الراهبات الفرنسيسيات البيض القدس عام (1885) و أنشأن ميتما و لهن ميتم في بيت لحم و أنشأن مدرسة في دمشق.

و جاء راهبات المحبة القدس عام (1886) و لهن مستشفى و دار للأيتام في بيت لحم و مستشفى و مدرسة في حيفا و مستشفى في الناصرة و لهن في بيروت مستشفى عظيم و دار للأيتام و دار للصناعة للذكور و الإناث و ثلاث مدارس صغرى في بيروت و مكتب للصنائع في طرابلس و دور نقاهة في اهدن و بحنّس من لبنان و مدرسة في برج البراجنة و في كل معهد منها دار للعبادة يختلف إليها أهل المذهب الذي يبشرون به.

و لقد قالوا: إن عدد الجمعيات الأجنبية التي تسعى لتنوير أفكار النصارى في سورية تبلغ ثمانين جمعية، و أهمها جمعية اليسوعيين وردوا الشام قبل قرنين أو ثلاثة فأسسوا الأديار التي ينزلها اللعازريون اليوم ثم غادروا الديار فلم يعودوا إليها إلا عام (1831) فأنشأوا مدرستهم في غزير من لبنان و في عام (1876) افتتحوا كليتهم العظمى في بيروت و لهم الآن عدة أديار و مدارس في بكفيا و المعلقة و زحلة و غزير و دمشق و حلب و تعنايل و جزين و قد أنشأوا بعد الحرب العالمية مدارس صغرى كثيرة في ربوع جمهورية لبنان و يوشكون أن يتوسعوا في الداخلية كثيرا بمدارسهم و كنائسهم. أما الفرنسيسكان فلم يزالوا في الشام منذ الحروب الصليبية و زادوا عام (1848) عدد أديارهم و أنشأوا ملاجئ للزوار في القدس و لهم فيها ستة ملاجئ و لهم أديار و ملاجئ في بيت لحم و عين كارم و طبريا و جبل الطور و الناصرة و قانا و عكا و صور

26

و صيدا و بيروت و حريصا و طرابلس و اللاذقية و دمشق و حلب و إسكندرونة و لهم مدرسة في حلب.

و كان الكرمليون تركوا الشام مع القافلة الأخيرة من الصليبيين ثم عادوا إلى جبل الكرمل عام (1636) و بنوا ديرا و محلا للضيافة في الجبل و لهم أديار في حيفا و طرابلس و القبيات من إقليم عكار و مدرسة في بشرّي. و ديرهم في الكرمل من أجمل أديار الشام ترى منه أجمل المناظر. و جاء راهبات القديس يوسف أو الراهبات اليوسفيات من مرسيليا إلى القدس عام (1848) و لهن في فلسطين 13 معهدا و 3 مستشفيات أحدها في القدس و الآخر في يافا و الثالث في الناصرة. و لهن في هذه المدن ثلاث دور للأيتام و مدرستان نهاريتان و خمس مدارس دينية و مدرسة في بيروت و دير في صيدنايا و مدرسة فيها دير و مدرسة في دير القمر و ديران و مدرستان ليليتان و مستشفى في حلب و دير و مدرسة في إسكندرونة.

الأديار القديمة في الشام:

«دير إسحاق» كان بين حمص و سلمية في موضع حسن نزه على نهر جار و حوله كروم و مزارع إلى جانب ضيعة صغيرة يقال لها جدر، و هي التي ذكرها الأخطل في قوله:

كأنني شارب يوم استبدّ بهم* * * من قرقف عتقتها حمص أو جدر

و قال فيه أبو عبد الرحمن الهاشمي السلماني من أهل سلمية:

و إذا مررت بدير إسحاق فقل* * * جادتك غيث سحائب و بروق‏

دير يشبّه ماؤه بهوائه* * * و هواؤه بلطافة المعشوق‏

و ليس لهذا الدير من أثر اليوم.

«دير الباعفي» كان قبلي بصرى من أرض حوران و هو دير بحيرا الراهب كما زعموا و لا يعرف الآن. و بحيرا شخص خيالي.

«دير باعنتل» من جوسية على أقل من ميل و جوسية على مرحلة من حمص و لا يعرف اليوم هذا الدير.

«دير البتراء» كان في وادي موسى دير للراهبات و ذكر البولونديون‏

27

ديرا للرهبان في البتراء كان يرأسه القديس موسى أسقف البدو الرحالة يقال: إن بانيه اثينوجينوس أوائل القرن السابع للميلاد. و ذكر الرحالة تيتمار أنه طاف تلك الفيافي سنة (1217) و عثر بين أخربة البتراء على كنيسة و دير لم يزل يسكنه بعض الرهبان. و هناك الكنيسة الكاتدرائية المثلثة السواعد و قد كانت اما لسائر الكنائس الملكية الكاثوليكية في هذه البلاد الشرقية (عن مجلة المسرة).

«دير البخت» كان على فرسخين من دمشق و يسمى دير ميخائيل و كان عبد الملك بن مروان قد ارتبط عنده بختا و هي جمال الترك فغلب عليها و كان لعلي بن عبد اللّه بن عباس قربه جنينة يتنزه فيها. و قرية دير البخت معروفة الى اليوم في الجيدور. و وجه التسمية في هذا الدير بعيد لأنه عرف بهذا الاسم قبل الإسلام على ما ظهر من رواية ابن عساكر في بعض وقائع عمر بن الخطاب في الجاهلية و مروره بدير البخت و اجتماعه براهب أكرمه و تفرس فيه الخير فيما قال.

«دير بصرى» قيل هو الذي كان فيه بحيرا الراهب في حوران.

مجهول محله.

«دير بلاض» من أعمال حلب مشرف على العمق فيه رهبان لهم مزارع و هو دير قديم مشهور لم يبلغنا أنه موجود.

«دير البلمند» من أديار الروم الأرثوذكس المشهورة على نشز عال قرب مدينة طرابلس في أقصى حدود جبل لبنان يقال: إنه من أديار الصليبيين و إن اسمه جاء من تركيب بل مونت أي الجبل الجميل و هو اليوم عامر.

«دير بلودان» مر به ابن فضل اللّه العمري و نزل إليه فقال فيه: إن بناءه قديم بديع الحسن وافر الغلة كثير الكروم و الفواكه و الماء الجاري، بقربه قرية بلودان و هي محاذية لكفر عامر تطلّ من مشترفها على جبة الزبداني و به رهبان نظاف و نظم فيه أبياتا و منها:

حبذا الدير من بلودان دارا* * * أيّ دير به و أيّ نصارى‏

فيهم كل أحور الطرف أحوى* * * فائق الحسن في حسان العذارى‏

و قال محاسن الشوا الحلبي:

28

حييا ساكني بلودان عني* * * و رجالا بدير قانون زهرا

و لا يعرف متى زال هذا الدير، و دير قانون من قرى الوادي لا دير فيه اليوم.

«دير بولس» كان بنواحي الرملة نزله الفضل بن إسماعيل و قال فيه شعرا لم يسمه في أوله:

عليك سلام اللّه يا دير من فتى* * * بمهجته شوق إليك طويل‏

و لا زال من جو السماكين و ابل* * * عليك لكي يروي ثراك هطول‏

قال البكري: و دير بولس آخر و «دير بطرس» (أو نطرس) و هما معروفان بظاهر دمشق في نواحي بني حنيفة في ناحية الغوطة و إياهما عنى جرير بقوله:

لما تذكرت بالديرين أرّقني* * * صوت الدجاج و قرع بالنواقيس‏

فقلت للركب إذ جدّ الرحيل بنا* * * يا بعد يبرين من باب الفراديس‏

و لا نعرف شيئا عن هذا الدير.

«دير البنات» و هو دير أبيض البناء مشرف على أرض طرابلس كان للرواهب قال فيه الطيبي:

دير البنات الزهر أنت المنى* * * و أنت من دون الأماني المرام‏

لم أنس يوما فيك أذهبته* * * باللهو بل ذهبته بالمدام‏

و نحن في غرة أيامنا* * * و العيش مثل الطيف حلو اللمام‏

و الدوح ما جفت له زهرة* * * و الروض طفل ما جفاه الغمام‏

و بيننا خود كشمس الضحى* * * و أغيد قد فاق بدر التمام‏

لو لا نبات الشّعر في خده* * * لم تدر أي الأغيدين الغلام‏

و لا نعرف اليوم أي أديار البنات هذا.

«دير يونّا» أي يوحنا و روي بالباء بدل الياء كان بجانب الغوطة بدمشق ليس بكبير و لا رهبانه بكثير و لكنه في رياض مشرقة و أنهار متدفقة و يقال بأنه من أقدم ديرة النصارى. اجتاز به الوليد بن يزيد فأقام فيه أياما و قال فيه:

حبذا يومنا بدير يونّا* * * حيث نسقى براحه و نغنّى‏

29

و استهنا بالناس فيما يقولو* * * ن إذا خبروا بما قد فعلنا

قال ابن فضل اللّه و هذا الدير اليوم لا وجود له.

«دير حمطورا» هو في شرقي طرابلس في جانب الوادي الذي أسفل من طرزيه و الحدث. و هو بناء في سفح الجبل من ذلك الجانب قبالة الطريق السالك إلى طرابلس و هو حصين جدا لا يسلك إليه إلا من طريق واحد و ظهر الجبل الذي له ممتنع- قاله ابن فضل اللّه.

«دير الحنابلة» في تاريخ الصالحية لم يكن في الجبل أي قاسيون إلا بناية يسيرة من الناحية الغربية دير أبي العباس الكهفي و دار بيت الضيا و غيرها، و من الناحية الشرقية دير يقال له دير الحنابله و كان أولا لناس من الرهبان فاتفق أنهم أحدثوا شيئا فأخرجوا منه ثم بنى الشيخ أبو عمر المدرسة.

«دير حنيناء» دير بالشام و هناك مات معاوية بن هشام بن عبد الملك فقال الكميت يرثيه:

فأي فتى دنيا و دين تلمست* * * بدير حنيناء المنايا فدّلت‏

تعطلت الدنيا به بعد موته* * * و كانت له حينا به قد تحلّت‏

و قيل: إن الذي رثي بهذا الشعر البطال أحد قواد الأموية و فرسانهم مات بدير حنيناء قافلا مع معاوية بن هشام من غزوة فأمر معاوية الشعراء برثائه.

و الرواية في شعر أبي تمام حبيناء بالباء المعجمة و لا يعلم عنه شي‏ء في عصرنا.

«دير الخمان» كان هذا الدير بأرض أذرعات بني بالحجارة السود على نشز من الأرض يشرف على بركة الفوار و هو من البناء الرومي القديم.

و لا يعرف اليوم عنه شي‏ء.

«دير خالد» و هو دير صليبا بدمشق كان مقابل باب الفراديس نسب الى خالد بن الوليد لنزوله فيه عند حصاره دمشق قال ابن الكلبي: و هو على ميل من الباب الشرقي و لا يعرف عنه شي‏ء آخر و في هذا الدير يقول محمد ابن علي المعروف بأبي البقاء:

جنة لقبت بدير صليبا* * * مبدعا حسنه كمالا و طيبا

جئته للمقام يوما فظلنا* * * فيه شهرا و كان أمرا عجيبا

شجر محدق به و مياه* * * جاريات و الروض يبدو ضروبا

30

من بديع الألوان يضحي به الثا* * * كل مما يرى لديه طروبا

كم رأينا بدرا به فوق غصن* * * مائس قد علا بشكل كثيبا

و شربنا به الحياة مداما* * * تطلع الشمس في الكؤوس غروبا

فكأن الظلام فيها نهار* * * لسناها تسرّ منا القلوبا

لست أنسى ما مر فيه و لا أج* * * عل مدحي إلا لدير صليبا

«دير خناصرة» ورد ذكره في شعر بني مازن في قول حاجب بن ذبيان المازني مازن بن تميم من عمرو بن تميم لعبد الملك بن مروان في جدب أصاب العرب قال:

و ما أنا يوم دير خناصرات* * * بمرتد الهموم و لا مليم‏

و لكني ألمت بحال قومي* * * كما ألم الجريح من الكلوم‏

و خناصرة بلدة في قبلي حلب و ليس للدير ذكر الآن.

«دير الدواكيس» شرقي القدس حسن البناء له سمعة و ذكر و كان له وقف يعود منه على الرهبان السكان جليل فائدة و نفع و لابن فضل اللّه فيه و قد مر به غير مرة أبيات منها:

دير الدواكيس أم ريش الطواويس* * * أم الشموس سنا تلك الشماميس‏

مأوى المياسير لكن بعد أوبتهم* * * منه يعدّون في حزب المفاليس‏

فانزل به و أقم فيما تريد و قل* * * إملا كؤوسي و فرّغ عندها كيسي‏

و اقدح زناد سرور من مدامته* * * فهذه النار من تلك المقابيس‏

«دير رمانين» جمع رمان بلفظ جمع السلامة يعرف أيضا بدير السابان و هو بين حلب و أنطاكية مطل على بقعة تعرف بسرمن و هو دير حسن كبير خرب قبل القرن السابع و آثاره باقية كما قال ياقوت و فيه يقول الشاعر:

ألف المقام بدير رمانينا* * * للروض إلفا و المدام خدينا

و الكأس و الإبريق يعمل دهره* * * و تراه يجني الآس و النّسربنا

قال ياقوت و دير السابان و هو دير رمّانين و تفسيره بالسريانية دير الشيخ.

«دير سابر» كان من نواحي دمشق و هو من إقليم خولان سكنه عمر ابن محمد الأموي. و خولان كانت بقرب دمشق خربت بها قبر أبي مسلم‏

31

الخولاني و بها آثار باقية- ياقوت. و بيت سابر اليوم قرية في سفح جبل الشيخ من عمل وادي العجم.

«دير سعد» كان من ديرة الشام نزله عقيل بن علّفة المري و كان يصهر إليه خلفاء بني أمية و هذا كل ما عرف عنه قديما.

«دير سليمان» دير بجسر منبج و هو في جبل عال من جبال دلوك مطل على مرج العين و هو غاية في النزاهة قال أبو الفرج أخبرني جعفر بن قدامة قال: ولي إبراهيم بن المدبّر عقيب نكبته و زوالها عنه الثغور الجزرية و كان أكثر مقامه بمنبج فخرج في بعض ولايته إلى نواحي دلوك برعبان و خلف بمنبج جارية كان يتحظاها يقال لها غادر فنزل بدلوك على جبل من جبالها بدير يعرف بدير سليمان من أحسن بلاد اللّه و أنزهها و دعا بطعام خفيف فأكل و شرب ثم دعا بدواة و قرطاس فكتب:

أيا ساقيينا وسط دير سليمان* * * أديرا الكؤوس فانهلاني و علاني‏

و خصا بصافيها أبا جعفر أخي* * * فذا ثقتي دون الأنام و خلصاني‏

و ميلا بها نحو ابن سلّام الذي* * * أود، و عودا بعد ذاك لنعمان‏

و عما بها النعمان و الصحب إنني* * * تنكر عيشي بعد صحبي و إخواني‏

و لا تتركا نفسي تمت بسقامها* * * لذكرى حبيب قد سقاني و غناني‏

ترحلت عنه عن صدود و هجرة* * * فأقبل نحوي و هو باك فأبكاني‏

و فارقته و اللّه يجمع شملنا* * * بلوعة محزون و غلة حرّان‏

و ليلة عين المرج زار خياله* * * فهيج لي شوقا وجدد أحزاني‏

فأشرفت أعلى الدير أنظر طامحا* * * بألمح آماق و أنظر إنسان‏

لعلي أرى أبيات منبج رؤية* * * تسكن من وجدي و تكشف أشجاني‏

فقصّر طرفي و استهل بعبرة* * * و فدّيت من لو كان يدري لفدّاني‏

و مثله شوقي إليه مقابلي* * * و ناجاه عني بالضمير و ناجاني‏

«دير سمعان» بنواحي أنطاكية على البحر قال ابن بطلان و بظاهر أنطاكية دير سمعان و هو مثل نصف دار الخلافة ببغداد يضاف به المجتازون و له من الارتفاع كل سنة عدة قناطير من الذهب و الفضة و قيل: إن دخله في السنة أربعمائة ألف دينار و منه يصعد إلى جبل اللكام- قال هذا في‏

32

القرن الخامس للهجرة. و في رواية أن دير سمعان بنواحي حلب بين جبل بني عليم و الجبل الأعلى. و دير سمعان أيضا في قرية تعرف بالبقرة من قبلي معرة النعمان و به قبر عمر بن عبد العزيز مشهور لا ينكر ذكره السيد الرضي في رثائه بقوله:

با ابن عبد العزيز و لو بكت العي* * * ن فتى من أمية لبكيتك‏

أنت نزهتنا عن السب و الشت* * * م فلو يمكن الجزا لجزيتك‏

دير سمعان لاعدتك الغوادي* * * خير ميت من آل مروان ميتك‏

و قال أبو فراس بن أبي الفرج البزاعي و قد مر به فرآه خرابا فغمه:

يا دير سمعان قل لي أين سمعان* * * و أين بانوك خبرني متى بانوا

و أين سكانك اليوم الألى سلفوا* * * قد أصبحوا و هم في الترب سكان‏

أصبحت قفرا خرابا مثل ما خربوا* * * بالموت ثم انقضى عمر و عمران‏

وقفت اسأله جهلا ليخبرني* * * هيهات من صامت بالنطق تبيان‏

أجابني بلسان الحال إنهم* * * كانوا و يكفيك قولي إنهم بانوا

«دير السيق» كان معروفا قديما و يقع قبلي البيت المقدس على نشز عظيم عال مشرف على الغور غور أريحا يطل على تلك البسائط الخضر و مجرى الشريعة و به رهبان ظراف أكياس لا يأتيهم إلا قاصد لهم أو مارّ في مزارع الغور. تحتهم و فوقهم الطريق الآخذة الى الكثيب الأحمر. و مشهد موسى (عليه السلام) في القبة التي بناها عليه الملك الظاهر بيبرس و في هذا الدير و مشترفه و أطلال قلاليه و غرفه قال ابن فضل اللّه العمري:

أرى حسن دير السيق يزداد كلما* * * نظرت إليه و الفضاء به نضر

بنوه على نجد من الغور مشرف* * * كتخت مليك تحته بسط خضر

و أشرق في سود الغمام كأنما* * * تشقق ليلا عن جلابيبه الفجر

و قام على طود عليّ كأنما* * * مصابيحه تحت الدجى الأنجم الزهر

و زفت إليه الشمس من جنب خدرها* * * و ناغاه جنح الليل في أفقه البدر

و ألقت إليه الريح فضل عنانها* * * و أحنى عليها لا تبلّ له عذر

و لو كان كالنسرين هان ارتقاؤه* * * و لكنه قد حط من دونه النسر

علا نهر ريحا و المجرّة فوقه* * * فمن فوقه نهر و من تحته نهر

33

«دير شق معلولا» و هو بباطن جبة عسال و هو بناء رومي بالحجر الأبيض معلّق بسقيف و بها صدع فيها ماء ينقط نحو الذي بصيدنايا، و يأخذه النصارى للتبرك معتقدين فيه نحو اعتقادهم في الآخر و إنما الاسم للذي بصيدنايا- قاله في مسالك الأبصار و الغالب أنه دير الروم الباقي الى اليوم.

«دير صليبا» و يعرف بدير السائمة (السائحة؟) و هو بدمشق مطل على الغوطة ويليه من أبوابها باب الفراديس نزل دونه خالد بن الوليد أيام محاصرة دمشق و هو في موضع نزه كثير البساتين و بناؤه حسن عجيب و إلى جانبه دير للنساء فيه رهبان و رواهب و إياه أراد جرير بقوله:

إذا تذكرت بالديرين أرقني* * * صوت الدجاج و قرع بالنواقيس‏

فقلت للركب إذ جد النجاء بهم* * * يا بعد يبرين من باب الفراديس‏

و قد مر بنا هذان البيتان في دير بولس برواية أخرى. و قال الآخر:

يا دير باب الفراديس المهيج لي* * * بلابلا بقلاليه و أشجاره‏

لو عشت تسعين عاما فيك مصطبحا* * * لما قضى منك قلبي بعض أوطاره‏

قال ابن فضل اللّه و هذا اليوم (أي في الثامن) لا عين له و لا أثر و إنما صار دورا و أبنية و مساجد و مدافن و هي بناحية محلة حمام النحاس اه.

«دير صيدنايا» يؤخذ مما قاله صاحب مسالك الأبصار أنهما اثنان أحدهما يقصده النصارى بالزيارة و هو في دمنة القرية و الآخر على بعد منها مشرف على الجبل شماليها بشرق و هو دير مار شربين و يقصد للتنزه من بناء الروم بالحجر الجليل الأبيض و هو دير كبير و في ظاهره عين ماء سارحة و فيها ما يطلّ على بواطن ما وراء ثنية العقاب و يمتد النظر من طاقاته الشمالية إلى ما أخذ شمالا عن بعلبك. و أما الذي في القرية فمن بناء الروم بالحجر الأبيض أيضا و يعرف بدير السيدة و له بستان و به ماء جار في بركة عملت به و عليه أوقاف كثيرة و له مغلات واسعة و تأتيه نذور وافرة و طوائف النصارى من الفرنج تقصد هذا الدير و تأتيه للزيارة. و كنت أراهم يسألون السلطان في أن يمكنهم من زيارته و إذا كتب لهم زيارة قمامة و لم يكتب معها صيدنايا يعاودون السؤال في كتابتها لهم، و لهم فيها معتقد. و قال جاءت مرة كتب ريد فرنس‏

34

(ملك فرنسا) و كتب الاذفونش (ملك اسبانيا) على أيدي رسلهم و مما سألوا فيها تمكين رسلهم من التوجه الى صيدنايا للتبرك بها فأجاب السلطان سؤالهم و حمل الرسل على خيل البريد إليها. و هذا الدير لم يزل عامرا إلى اليوم يزوره الناس و فيه راهبات أرثوذكسيات و في عيد الصليب من كل سنة تجري في قربه اجتماعات و أفراح و يأتيه الناس من الأقاليم المجاورة و غيرها.

«دير الطور» الطور في الأصل الجبل المشرف، و الطور ها هنا جبل مستدير واسع الأسفل مستدير الرأس لا يتعلق به شي‏ء من الجبال و ليس له إلا طريق واحد و هو ما بين طبرية و اللّجون مشرف على الغور و مرج اللّجون و فيه عين تنبع بماء غزير كثير و الدير في نفس القلة مبني بالحجر و حوله كروم يعتصرونها و يعرف عندهم بدير التجلي و الناس يقصدونه من كل موضع فيقيمون به و يشربون فيه و موضعه حسن يشرف على طبرية و البحيرة و ما والاها و على اللجون. و ما زال هذا الدير عامرا و قد جدد في أدوار مختلفة و فيه يقول مهلهل بن يوسف المزرّع:

نهضت الى الطور في فتية* * * سراع النهوض الى ما أحب‏

كرام الجدود حسان الوجوه* * * كهول العقول شباب اللعب‏

فأي زمان بهم لم يسرّ* * * و أي مكان بهم لم يطب‏

أنخت الركاب على ديره* * * و قضيت من حقه ما يجب‏

و أنزلتهم وسط أعتابه* * * و أسقيتهم من عصير العنب‏

و أحضرتهم قمرا مشرقا* * * تميل الغصون به في الكثب‏

نحث الكؤوس بأهزاجه* * * و مرسوم أرماله بالعجب‏

و ما بين ذاك حديث يروق* * * و خوض لهم في فنون الأدب‏

فيا طيب ذا العيش لو لم يزل* * * و يا حسن ذا السعد لو لم يغب‏

«دير عمان» قال ياقوت: بنواحي حلب و تفسيره بالسريانية دير الجماعة قال فيه حمدان بن عبد الرحيم الحلبي:

دير عمان و دير سابان* * * هجن غرامي و زدن أشجاني‏

إذا تذكرت منهما زمنا* * * قضيته في عرام ريعاني‏

35

و مرّ به أبو فراس بن أبي الفرج البزاعي فقال ارتجالا:

قد مررنا بالدير دير عمانا* * * و وجدناه داثرا فشجانا

و رأينا منازلا و طلولا* * * دارسات و لم نر السكانا

و أرتنا الآثار من كان فيها* * * قبل تفنيهم الخطوب عيانا

فبكينا فيه و كان علينا* * * لا عليه لما بكينا بكانا

لست أنسى يا دير وقفتنا في* * * ك و إن أورثتني النسيانا

من أناس حدّوك دهرا فخلّو* * * ك و أمسوا قد عطلوك الآنا

فرّقتهم يد الخطوب فأصبح* * * ت خرابا من بعدهم أسيانا

و كذا شيمة الليالي تميت ال* * * حيّ منا و تهدم البنيانا

حربا ما الذي لقينا من الده* * * ر و ماذا من خطبه قد دهانا

نحن في غفلة بها و غرور* * * و ورانا من الردى ما ورانا

و لا نعرف عنه شيئا الآن.

«دير فاخور» و هو الموضع الذي تعمد فيه المسيح من يوحنا المعمدان كما في كتب الجغرافية.

«دير فيق» هو في ظهر عقبة فيق- عقبة تنحدر الى الغور من أرض الأردن و من أعلاها طبرية و بحيرتها- و هذا الدير فيما بين العقبة و بين البحيرة في لحف جبل يتصل بالعقبة منقور في الحجر و كان عامرا بمن فيه من الرهبان و من يطرقه من السيّار، و النصارى يعظمونه، و اجتاز به أبو نواس فقال في غلام نصراني فيه قصيدة منها:

بحجك قاصدا ما سرجسان* * * فدير النوبهان فدير فيق‏

و بالمطران إذ يتلو زبورا* * * يعظمه و يبكي بالشهيق‏

و هذا الدير غير عامر الآن.

«دير القاروس» قال ابن فضل اللّه: إنه على جانب اللاذقية من شمالها و هو في أرض مستوية و بناؤه مربع و هو حسن البقعة. و فيه يقول أبو علي حسن بن علي الغزي:

لم أنس في القاروس يوما أبيضا* * * مثل الجبين يزينه فرع الدجى‏

في ظل هيكله المشيد و قد بدا* * * للعين معقود السكينة أبلجا

36

و اللاذقية دونه في شاطى‏ء* * * بلوره قد زيّن الفيروزجا

و لديّ من رهبانه متنمس* * * أضحى لفرط جماله متبرجا

أحوى أغنّ إذا تردد صوته* * * في مسمع رد احتجاج ذوي الحجى‏

لا شي‏ء ألطف من شمائله إذا* * * حث الشّمول و لفظه قد لجلجا

فله و لليوم الذي قضيته* * * معه بكائي لا لربع قد شجا

«دير القديس سابا» إلى الجنوب الشرقي من أورشليم على بعد ثلاث ساعات و نصف عنها على الراجل و على انخفاض 560 مترا عنها عند الطريق المؤدي منها الى البحر الميت على مقربة من وادي الراهب (النار) و على عدوة وادي قدرون إلى شمال بيت ساحور الشرقي. و هو أشبه بقلعة منيعة غريبة الأبنية. و من الدير إلى هضم الوادي 275 ذراعا فيصعد من الوادي إلى الدير بسلالم بعضها منقور بالصخر و الآخر مبني على شكل أدراج و لا يدخل إليه إلا باذن البطريرك الأورشليمي. و رهبانه ستون راهبا يعيشون عيشة تقشف منقطعين إلى الصلاة و الصوم و العبادة و في كل جمعة يبعث لهم دير القبر المقدس في أورشليم طعامهم مرة واحدة و لا يسمح للنساء أن يدخلنه، و تلك عادة منذ تشييده إلى اليوم لم تدخله امرأة، و قربه برج مار سمعان و هو دير خرب فيه بيت كبير يشرف على دير القديس سابا على بعد خمس دقائق فيسمح للنساء أن ينظرن الدير الكبير من بيت هذا البرج و قربه دير على قمة جبل تاودوسيوس و هو عامر الآن و فيه رهبان و يسميه العرب دير عبيد (من مجلة النعمة).

«دير قنّسري» على شاطئ الفرات من الجانب الشرقي من نواحي الجزيرة و ديار مضر مقابل جرابلس (في الأصل جرباس) و جرابلس شامية، و بين هذا الدير و منبج أربعة فراسخ و بينه و بين سروج سبعة فراسخ، فهو دير كبير كان فيه أيام عمارته ثلاثمائة و سبعون راهبا، و وجد في هيكله مكتوبا:

أيا دير قنّسري كفى بك نزهة* * * لمن كان بالدنيا يلذّ و يطرب‏

فلا زلت معمورا و لا زلت آهلا* * * و لا زلت مخضرا تزار و تعجب‏

«دير كعب» كان من أديار الشام و هو الذي جاء فيه المثل أطول من‏

37

فراسخ دير كعب قال الشاعر:

ذهبت تماديا و ذهبت عرضا* * * كأنك من فراسخ دير كعب‏

«دير كفتون» و لعله المعروف اليوم بدير كفتين قال فيه ابن فضل اللّه:

إنه ببلاد طرابلس مبني على جبل و هو دير كبير و بناؤه بالحجر و الكلس في نهاية الجودة و به ماء جار و له حوض كبير مملوء من شجر النارنج يحمل نارنجه إلى طرابلس يباع فيها و يرتفق بثمنه الرهبان و له مستشرف مطل على البلاد و المزارع و منه مكان يشرف عن بعد على البحر، و لهذا الدير صيت جائل و سمعة مذكورة و به رهبان كثيرو العدد و النصارى تقصده و تحمل إليه النذور و يقصده كثير من أهل البطالة و اللهو للتفرج به و التنزه فيه، و فيه يقول الطيبي:

أدير كفتون تكفى كل نائبة* * * من الهموم و تلقى كل سراء

من كل خضراء في الأشجار مائسة* * * و كل صهباء في الكاسات حراء

حللت في دير كفتون فلا عجب* * * إذ متّ سكرا بحمراء و خضراء

«دير مارون» قال المسعودي في التنبيه و الإشراف: و في أيام موريق من ملوك الروم ظهر رجل من أهل حماة من أعمال حمص يعرف بمارون إليه تنسب المارونية من النصارى. و أمرهم مشهور بالشام و غيرها أكثرهم بجبل لبنان و سنير و حمص و أعمالها كحماة و شيزر و معرة النعمان و كان له دير عظيم يعرف به شرقي حماة و شيزر ذو بنيان عظيم حوله أكثر من ثلاثمائة صومعة فيها الرهبان و كان فيه من آلات الذهب و الفضة و الجوهر شي‏ء عظيم فخرب هذا الدير و ما حوله من الصوامع بتواتر الفتن من الأعراب و حيف السلطان و هو بقرب نهر الارنط (العاصي) نهر حمص و أنطاكية.

و قال ابن بطريق: و كان في عصر موريق ملك الروم راهب يقال له مارون و كان يقول: إن سيدنا المسيح طبيعتان و مشيئة واحدة و فعل واحد و أقنوم واحد و أكثر من تبعه على مقالته تلاميذه القائلون به أهل مدينة حماة و قنسرين و العواصم و جماعة من أرض الروم فسموا الموارنة و لما مات مارون بنى أهل حماة ديرا بحماة و سموه دير مارون. قلنا: و لعله دير آخر غير الدير الذي نشأ فيه مارون شرقي حماة و شيزر. و قد خرب دير مار مارون سنة (75)

38

للهجرة لما غزا موريق و موريقان بلاد الشام و حملا على هذا الدير و قتلا منه خمسمائة راهب و هدما بنيانه ثم تحولا من هناك إلى قنسرين و العواصم فقتلا الأهلين و نهبا و خربا المساكن و لم يعفيا عن أحد من أتباع مار مارون.

و قال الدويهي: كان قرب دمشق فوق نهر يزيد دير على اسم القديس مارون.

قال: و لقد استدللنا برسومه و أطلاله الماثلة إلى اليوم على عظمه و شرفه ذكره ابن الحريري المؤرخ فيما كتبه عن الحاكم بأمر اللّه سنة (386). و لا أثر اليوم لدير حماة و لا لدير دمشق.

«دير مار مروثا» و هو دير صغير بظاهر حلب في سفح جبل جوشن على نهر العرجان (العوجان؟). و كان سيف الدولة محسنا إلى أهله و قلما مرّ به إلا نزله و وهب لأهله هبة كبيرة و كان يقول: رأيت أبي في النوم يوصيني به- و في رواية والدته-. و له بساتين قليلة و مباقل و فيه نرجس و بنفسج و زعفران و يعرف بالبيعتين لأن فيه مسكنين للرجال و النساء. قال الخالدي و إياه عنى الصنوبري بقوله:

كأنما اختيرت الفصوص له* * * بين عقيق و بين فيروزج‏

أما ترى البيعتين أفردتا* * * بمفرد الأقحوان و المزوج‏

أثوابه المزن كيف ما اتصلت* * * و ناره البرق كيف ما أجّج‏

هذا ما رواه ابن فضل اللّه في هذا الدير، و في رواية ياقوت أن هذا الدير ذهب و لا أثر له و قد استجد في موضعه مشهد زعم الحلبيون أنهم رأوا الحسين ابن علي رضي اللّه عنه يصلي فيه فجمع له المتشيعون بينهم مالا و عمروه أحسن عمارة و أحكمها و فيه أيضا يقول بعض الشاميين:

بدير مارت مروثا ال* * * شريف ذي البيعتين‏

و الراهب المتحلي* * * و القس ذي الطمرين‏

إلا رثيت لصبّ* * * مشارف للحين‏

قد شفه منك هجر* * * من بعد لوعة بين‏

قال و فيه يقول الحسين بن علي التميمي:

يا دير مارت مروثا* * * سقيت غيثا مغيثا

39

فأنت جنة حسن* * * قد حزت روضا أثيثا

«دير مارت مريم» قال الخالدي: و بالشام دير يقال له مارت مريم و هو من قديم الديرة و نزله الرشيد و فيه يقول الشاعر:

نعم المحل لمن يسعى للذته* * * دير لمريم فوق الظهر معمور

ظل ظليل و ماء غير ذي أسن* * * و قاصرات كأمثال المها حور

«دير الماطرون» يروى لزيد بن معاوية فيه:

و لها بالماطرون إذا* * * أكل النمل الذي جمعا

حرقة حتى إذا ربعت* * * ذكرت من جلق بيعا

في قباب حول دسكرة* * * بينها الزيتون قد ينعا

قال أبو محمد حمزة بن القاسم قرأت على الحائط من بستان الماطرون هذه الأبيات:

أرقت بدير الماطرون كأنني* * * لساري النجوم آخر الليل حارس‏

و أعرضت الشعرى العبور كأنها* * * معلق قنديل عليها الكنائس‏

و لاح سهيل عن يميني كأنه* * * شهاب نجاة وجهه الريح قابس‏

و لم يبق في الوجود من هذا الدير غير اسمه.

«دير المصلّبة» و هو بظاهر مدينة القدس الشريف في شامها بغرب و هو دير رومي قديم البناء بالحجر و الكلس محكم الصنعة مونق البقعة في بحيرة من أشجار الزيتون و الكروم و شجر التين بإزاء قرية تجري على الدير بمرسوم السلطان. قال في مسالك الأبصار بعد ما تقدم: و هذا الدير دخلت إليه و رأيته و فيه صور يونانية في غاية من محاسن التصوير و تناسب المقادير و صعدت إلى سطحه فرأيت له حسن مشترف وسعة فضاء و رهبانه من الكرج. قال و كان أخذ و جعل مسجدا للمسلمين ثم أعيد ديرا للنصارى و توصل إلى هذا بكتاب أحضر من ملك الكرج و أعان عليه قوم آخرون. قال: و حدثه رهبانه بأن على ديرهم وقوفا في بلادهم منها خيول سائمة تحمل أثمان نتاجها إليهم و أنه يجي‏ء منها في كل سنة قدر جليل و أنها تنفق في مصالح الدير و ابن السبيل.

و فيه يقول أبو علي حسن الغزي:

يا حسن أيام قطعت هنيئة* * * بالدير حيث التين و الزيتون‏

40

دير المصلبة الرفيع بناؤه* * * تفدي عبير ترابه دارين‏

في ظل هيكله و أسراب الدّمى* * * مجلوّة و المرمر المسنون‏

و مزنرين إذا تلوا إنجيلهم* * * و تعطفوا فحمائم و غصون‏

غزلان و جرة هم و بين جفونهم* * * لأسود بيشة إن عرضن عرين‏

نزعوا القلانس و المسوح فزحزحت* * * منهن عن غرر الشموس دجون‏

وسعوا بكاسات المدام و ما دروا* * * أن للكؤوس الدائرات جنون‏

فقضيت بينهم زمانا لم يزل* * * عندي إليه تشوق و حنين‏

تلك المنازل قد سفحن مدامعي* * * لا مصر قاطبة و لا جيرون‏

و لا يزال هذا الدير عامرا و هو للروم الأرثوذكس.

«دير مرقس» الغالب أنه كان من نواحي حلب ورد في شعر حمدان بن عبد الرحيم في قوله:

أسكان عرشين القصور عليكم* * * سلامي ما هبت صبا و قبول‏

ألا هل إلى حث المطيّ إليكم* * * و شم خزامى حربنوش سبيل‏

و هل غفلات العيش في دير مرقس* * * تعود و ظل اللهو فيه ظليل‏

إذا ذكرت لذاتها النفس عندكم* * * تلاقى عليها زفرة و عويل‏

بلاد بها أمسى الهوى غير أنني* * * أميل مع الأقدار حيث تميل‏

«دير مرّان» هذا اسم لديرين في الشام كان أحدهما على الجبل المشرف على كفر طاب قرب المعرة يزعمون أن فيه قبر عمر بن عبد العزيز (رض) و هو مشهور بذلك كان يزار في عصر ياقوت. و الثاني بالقرب من دمشق على تل مشرف على مزارع الزعفران و رياض حسنة و بناؤه بالجص و أكثر فرشه بالبلاط الملون، و هو دير كبير و فيه رهبان كثيرة و في هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني و الأشجار محيطة به. روى ذلك الخالدي أما محل الدير فمحل خلاف منذ القديم قال ابن فضل اللّه: و الناس في اختلاف اين كان دير مران فمن قائل إنه كان بمشارق السفح نواحي برزة و الأكثر على أنه كان بمغاربه و أن مكانه الآن (القرن الثامن) المدرسة المعظمية، و أما الذي كان بمشارق السفح فهو دير السائمة المسمى دير صليبا. و روى صاحب قضاة دمشق قال: لما وافى المأمون دمشق سنة خمس عشرة و مائتين نزل بدير مران‏

41

و مكانه المعروف بالسهم إلى قرب النيرب خارج دمشق في سفح قاسيون فعمر المأمون هذا الدير و بنى القبة التي فوق الجبل و هي المعروفة الآن بقبة النصر و لم يعثر على أثر لهذا الدير العظيم. و كان هذا الدير لقربه من دمشق و لجمال موقعه مقصد الملوك و الراغبين في النزهة و الشراب. قال ابن بطريق:

إن كنائس الغوطة و دير مران كان المسلمون ينزلونها و يسكنون فيها. و قد نزل يزيد بن معاوية دير مران و مات فيه الوليد و اجتاز به الرشيد و المأمون و قد أكثر الشعراء من ذكره حتى نسب ليزيد قوله و قد أصاب المسلمين سباء بأرض الروم:

بالغذقدونة من حمى و من موم* * *و ما أبالي بما لاقت جموعهم‏

بدير مران عندي أم كلثوم* * *إذا اتكأت على الأنماط مرتفقا

و من جملة ما قيل في هذا الدير قول أبي بكر الصنوبري و هو:

أمرّ بدير مران فأحيا* * * و أجعل بيت لهوي بيت لهيا

و يبرد غلتي بردى فسقيا* * * لأيام على بردى و رعيا

ولي في باب جيرون ظباء* * * أعاطيها الهوى ظبيا فظبيا

و نعم الدار داريا ففيها* * * حلالي العيش حتى صار أريا

سقت دنيا دمشق ليصطفيها* * * و ليس يريد غير دمشق دنيا

تفيض جداول البلور فيها* * * خلال حدائق ينبتن وشيا

مظللة فواكهها بأبهى ال* * * مناظر في نواظرها و أهيا

____________

(1) الموم: البرسام، و أم كلثوم هي زوجة يزيد بنت عبد اللّه بن كريز و الغذقدونة و يروى الخذقدونة و هو الثغر الذي فيه المصيصة و طرسوس و أذنة و عين زربة.

و روى البكري هذه الأبيات في دير سمعان باختلاف قليل قائلا إن معاوية كان وجه ابنه يزيد لغزو الروم فأقام يزيد بدير سمعان و وجه الجيوش، و تلك غزوة الطوانة فأصابهم الوباء فقال يزيد بن معاوية:

أهون علي بما لاقت جموعهم* * * يوم الطوانة من حمى و من موم‏

إذا اتكأت على الأنماط مرتفقا* * * بدير سمعان عندي أم كلثوم‏

فبلغ شعره معاوية فكتب إليه: أقسم باللّه لتلحقن بهم حتى يصيبك ما أصابهم، فألحقه بهم. و الاختلاف في رواية هذين البيتين و إنشادهما مع تبدل يسير تارة في دير سمعان و أخرى في دير مران يوقع الشك في نسبتهما ليزيد و حامل على أن القصة مفتعلة.

42

فمن تفاحة لم تعد خدا* * * و من رمانة لم تخط ثديا

و له فيه:

متى الأرحل محطوطة* * * و عير الشوق مربوطة

بأعلى دير مران* * * فداريا إلى الغوطة

فشطي بردى في جن* * * ب بسط الروض مبسوطة

رباع تهبط الأنها* * * ر منها خير مهبوطة

و روض أحسنت تكتي* * * به المزن و تنقيطه‏

و قال فيه الحسين بن الضحاك:

يا دير مرّان لا عرّيت من سكن* * * قد هجت لي حزنا يا دير مرانا

حثّ المدام فإن الكأس مترعة* * * مما يهيج دواعي الشوق أحيانا

و قال الببغا أبو الفرج عبد الواحد:

و يوم كأن الدهر سامحني به* * * فصار اسمه ما بيننا هبة الدهر

جرت فيه أفراس الصبا بارتياضنا* * * إلى دير مران المعظم و العمر

بحيث هواء الغوطتين معطر ال* * * نسيم بأنفاس الرياحين و الزهر

فمن روضة بالحسن ترفد روضة* * * و من نهر بالغيض يجري إلى نهر

و في الهيكل المعمور منه انتزعتها* * * و صحبي حلالا بعد توفية المهر

و نزهت عن غير الدنانير قدرها* * * فما زلت منها أشرب التبر بالتبر

و قال عون الدين الحلبي الكاتب المتوفى سنة (656) و هو مما يستأنس به من أن هذا الدير كان عامرا إلى أواسط القرن السابع و فيه ذكر ديرين آخرين و هما دير متى و دير حنينا و الأول ليس له ذكر في ديرة الشام بل هو من أديار الموصل و لما كانت القصيدة في التشوف إلى الشام استلزم ذلك أن يكون دير متى من جملة أديارها التي ضاع اسمها و رسمها قال:

يا سائقا يقطع البيداء معتسفا* * * بضامر لم يكن في سيره و اني‏

إن جزت بالشام شم تلك البروق و لا* * * تعدل بلغت المنى عن دير مرّان‏

و اقصد علالي قلاليه تلاق بها* * * ما تشتهي النفس من حور و ولدان‏

من كل بيضاء هيفاء القوام إذا* * * ماست فيا خجلة المران و البان‏

و كل أسمر قد دان الجمال له* * * و كمل الحسن فيه فرط إحسان‏

43

و رب صدغ بدا في الخد مرسله* * * في فترة فتنت من سحر أجفان‏

فليت ريقته وردي و وجنته* * * وردي و من صدغه أنسي و ريحاني‏

و عج على دير متى ثم حيّ به ال* * * ربان بالطرس فالربان رباني‏

فهمت منه إشارات فهمت بها* * * وصنت منشورها في طي كتمان‏

و اعبر بدير حنينا و انتهز فرص ال* * * لمذات ما بين قسيس و مطران‏

و استجل راحاتها تحي النفوس إذا* * * دارت براح شماميس و رهبان‏

«دير المغان» بحمص في خربة بني السمط تحت تلهم، و هو دير عظيم الشأن عندهم كبير القدر فيه رهبان كثيرة و ترابه يختم عليه للعقارب و يهدى إلى البلاد قاطبة و تتنافس النصارى في موضع مقبرته (ياقوت).

«دير ميماس» نقلت من ياقوت: بين دمشق و حمص على نهر يقال له ميماس و إليه نسب، و هو في موضع نزه، و به شاهد على زعمهم من حواريي عيسى (عليه السلام) زعم رهبانه أنه يشفي المرضى. و كان البطين الشاعر قد مرض فجاءوا به إليه يستشفي فيه فقيل: إن أهله غفلوا عنه فبال قدام قبر الشاهد و اتفق أن مات عقيب ذلك فشاع بين أهل حمص أن الشاهد قتله و قصدوا الدير ليهدموه و قالوا: نصراني يقتل مسلما لا نرضى أو تسلموا لنا عظام الشاهد حتى نحرقها، فرشا النصارى أمير حمص حتى رفع عنهم العامة فقال شاعر يذكر ذلك:

يا رحمتا لبطين الشعر إن لعبت* * * به شياطينه في دير ميماس‏

وافاه و هو عليل يرتجي فرجا* * * فردّه ذاك في ظلمات أرماس‏

و قيل شاهد هذا الدير أتلفه* * * حقا مقالة وسواس و خناس‏

أأعظم باليات ذات مقدرة* * * على مضرة ذي بطش و ذي باس‏

لكنهم أهل حمص لا عقول لهم* * * بهائم غير معدودين في الناس‏

و حكي أن أبا نواس لما دخل حمص مارا بها دعاه فتى من أدبائها إلى دير ميماس و دعا معه أشجع السلمي فجلسوا يشربون و أبو نواس ينشدهم له و لغيره فقال أشجع:

صبحت وجه الصباح بالكاس* * * و لم تعقني مقالة الناس‏

و نحن عند المدام أربعة* * * أكرم صحب و خير جلاس‏

ندير حمصية معتقة* * * على نسيم النسرين و الآس‏

44

و لم يزل مطربا و منشدنا* * * أبو نواس في دير ميماس‏

«دير نجران» بأرض دمشق من نواحي حوران ببصرى و هو دير عظيم عجيب العمارة و لهذا الدير ينادى في البلاد من نذر نذرا لنجران المبارك و المنادي راكب فرس يطوف عامة نهاره في كل مدينة مناد، و للسلطان على الدير قطيعة يأخذها من النذور التي تهدى إليه.

«دير النقيرة» في جبل قرب المعرة و لا نعرف عنه شيئا.

«دير هزقل» قال الخالدي هو بالشام و ذكره دعبل بن علي حين هجا أبا عباد كاتب المأمون فقال:

فكأنه من دير هزقل مفلت* * * حنق يجر سلاسل الأقياد

قال ابن فضل اللّه: و لا أدري في قرب أي مدينة هو.

«دير يونس» ربما كان في جهات الرملة في فلسطين و قد قيلت فيه قصائد كثيرة و ما ندري إن كان اختلط بدير في جهات الموصل على جانب دجلة الشرقي و موضعه يعرف بنينوى، و نينوى هي مدينة يونس.

هذا ما أمكن تلقفه عن الأديار في الإسلام و كان قبل الإسلام أديار مهمة ضاعت أخبارها و لا يستغرب ما قيل في هذه الأديار من الأشعار في سالف الأعصار. فقد كان المسلمون يختلفون إلى الديرة يجعلونها محال النزهة لأنها في أماكن نزهة على الغالب تخيّر بانوها مواقعها، و بالنظر لتحريج الحكومات الإسلامية في الخمور و إباحة شربها و بيعها لأهل الذمة كان المولعون بالشراب من أهل الشأن و خلعاء الشعراء و الأدباء يغشون الأديار فيجدون صدورا رحبة فيشربون و يطربون و لذلك خص الشعراء تلك الأديرة بأشعار لطيفة و قصائد ربما كان فيها شي‏ء من المبالغة و منها ما نبا عن طور الأدب اليوم و لكنه كان من المألوف في تلك العصور.

و في ديار الشام اليوم و لا سيما في لبنان و بعض أنحاء فلسطين أديار عظيمة منها ما ورد ذكره في الجريدة التي كتبناها هنا و منها ما هو من البناء الجديد و فيها المهم بنيانه و هندسته أشبه بقلاع منه بطرابيل و صوامع للمنقطعين للعبادة و التبتل و قد ظهر في يوم 27 أيار 1945 و قد قذفت فرنسا مدينة دمشق بحمم مدافعها أن معظم كنائس دمشق للاتين كان فيها ورشاشات و سلاح قاتلوا به السكان و على رأسهم الراهبات و الرهبان!

45

المساجد و الجوامع‏

[في أول الفتح:]

المسجد (بكسر الجيم) البيت الذي يسجد فيه و كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد. و يقال مسجد الجامع و المسجد الجامع أي مسجد اليوم جامع.

فالمسجد قد يكون صغير المساحة و الحجم، و الجامع مسجد عظيم يجمع المصلين أيام الجمع و الأعياد. و أول المساجد التي بنيت في الشام على ما يظهر كانت في البلدان التي سبق فتحها غيرها من أمهات المدن مثل مؤتة و الجرباء و أذرح و فحل و أجنادين و بصرى.

و لما كانت السذاجة في كل شي‏ء قد غلبت على العرب لأول عهدهم بالإسلام كانت مصانعهم بحسب الحاجة، و إذا كان من الواجب إذا اجتمع بضعة أفراد منهم أن يقيموا الصلاة جماعة لم تلبث المساجد أن كثرت في الشام في المدن و القرى. و كان الفاتحون يصالحون الأهلين إما على النصف من كنائسهم أو على بعضها أو يكتفون بواحدة أو بنصف واحدة كما اكتفوا بكنيسة مار يوحنا من أصل خمس عشرة كنيسة في دمشق و ضاحيتها. و أعطى أبو عبيدة أهل بعلبك و أهل الرستن الأمان على كنائسهم و استثنى عليهم ربع كنيسة يوحنا للمسجد في الرستن. و صالح الفاتح أهل حمص على ربع كنيستهم للمسجد و ظلت كذلك إلى القرن الرابع و بعض بيعتها المسجد الجامع و شطرها للنصارى و بيعتهم من أعظم بيع الشام. و ترك الفاتحون لأهل اللاذقية كنيستهم و بنوا مسجدا جامعا لصلاتهم ثم وسعوه.

بقيت المساجد على حالة ابتدائية حتى تولى معاوية أمر الشام، و كان بعيد

46

النظر في العمران، فسمت به همته إلى أن يخرج المساجد من دور التأسيس و يدخلها في مظهر مدني فيه الجلال و الجمال. و لم يزل بعثمان حتى أذن له أن يبني المساجد و يكبر ما كان ابتني منها قبل خلافته. و هكذا بدأ التوسع في المساجد و الجوامع عقيب استقرار الفتح و رسوخ أقدام بني أمية.

و اختط سليمان بن عبد الملك لما ولي جند فلسطين مدينة الرملة و اختط المسجد و بناه فولي الخلافة قبل استتمامه ثم بنى فيه بعد في خلافته ثم أتمه عمر بن عبد العزيز و نقص من الخطة و قال: أهل الرملة يكتفون بهذا المقدار الذي اقتصرت بهم عليه. و معنى هذا أن جوامع القوم و مساجدهم كانت بحسب حاجة من ينزل في كل صقع من المسلمين و التوسع لم يبد إلا مع معاوية بن أبي سفيان و أخلافه.

عرضنا في فصل المصانع لوصف المسجدين الجامعين في هذه الديار المسجد الأقصى و جامع دمشق. و نحن الآن نعرض لغيرهما من المساجد نذكر المهم منها في الحواضر على الأكثر، و نقابل بين قديمها و حديثها، و بديهي أن المساجد لقيت من المصائب السماوية و الأرضية ما لقي غيرها من المصانع و العاديات. فإن الزلازل قد نسفت في الإسلام مدنا برمتها فقد تقطع الجبل الأقرع فمات أهل اللاذقية سنة (242 ه) و خربت طرابلس منه و في هذا الزلزال خرب معظم الساحل و زلزلة سنة (460) خربت فلسطين و زلزال سنة (552) خربت به أمهات المدن الشامية و هكذا يقال في معظم الزلازل التي وقعت بعد إلى القرن الماضي و من أهمها زلزال سنة (1173) حتى إن من المدن ما لم يبق فيه جدار قائم و لا إنسان سائر. و مساجد الساحل أصيبت في الحروب الصليبية بما نسفها أو غير معالمها فأصبحت كنائس ثم لما عادت البلاد لسلطان المسلمين أعيدت بعض البيع أيضا مساجد.

و من المتعذر أن نعرف ما قام في كل عصر و مصر في الشام من المساجد و الجوامع. و من القرى اليوم ما كان فيه بالأمس عشرة مساجد و العمران يكثر و يقل بحسب حاجة الناس. و الغالب أن العناية ببناء المسجد كان لغرض شريف للغاية بادئ بدء يراد به وجه المولى و ثواب الآخرة و خدمة الإسلام و المسلمين. فلما أوغل الناس في مضمار الحضارة كان من البانين من يجمعون‏

47

بين الدين و الدنيا إذا تعلقت هممهم أن ينشئوا لهم جوامع يقصدون بها تخليد ذكرهم و نيل الثواب و الأجر. ثم أتت قرون و قد أخذ بعض الناس و لا سيما الحكام يعمرون المساجد و يقفون عليها حتى يحفظوا بحجتها بعض ثرواتهم لذراريهم، و في هذه العصور الأخيرة وقع التخليط و كثرت المنافسة في إقامة المساجد و الجوامع، حتى في الأماكن التي لا يحتاج فيها الناس إلى مساجد كثيرة إما لكثرتها أو لقلة المصلين في جوارها. و أشبهت دمشق القاهرة في عهد المماليك و بعدهم، فكانوا يعمرون الجامع قرب أخيه على أشبار قليلة منه. و ما حدثت البانين أنفسهم أن يشترك في إقامة مسجد جامع بضعة من أهل الخير أو عشرات منهم، لأن المقصد الأول استحال في الآخر إلى إحراز شهرة و إذا عمر إنسان جامعا بالاشتراك مع غيره يضيع اسمه، و غايته أن يقال بنى فلان مسجدا، و هذا مسجد فلان، أو أن ينتفع هو أو أولاده بمغل وقف الجامع.

و كان للملوك و الأمراء في كثرة المساجد و قلتها يد طولى و منها أن الملك أو الأمير أو غيره من طبقات الحكام و الولاة إذا آنس منه قومه رغبة في الاستكثار من المساجد و القربات جاروه على أفكاره و تقربوا إليه بمثل هذه الأعمال الصالحة، و ربما تقاضاهم هو ذلك سرا حتى يستخرج بذلك أموالهم و توزع في الرعية فلا تجمد الثروة في يد واحدة. قال ابن تغري بردي في حوادث سنة (844): لما كانت الملوك السالفة تهوى النزه و الطرب عمرت في أيامهم بولاق و بركة الرطلي و غيرها من الأماكن، و قدم إلى القاهرة كل أستاذ صاحب آلة من المطربين و أمثالهم من المغاني و الملاهي إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، و سار في سلطنته على قدم هائل من العبادة، و العفة عن المنكرات و الفروج، و أخذ في مقت من يتعاطى مسكرات من أمرائه و أرباب دولته، فعند ذلك تاب أكثرهم و تصولح و تزهد، و صار كل واحد يتقرب إلى خاطره بنوع من أنواع المعروف، فمنهم من صار يكثر من الحج، و منهم من تاب و أقلع عما كان فيه، و منهم من بنى المساجد، و لم يبق في دولته ممن استمر على ما كان عليه إلا جماعة يسيرة.

48

مساجد حلب:

في حلب اليوم 169 جامعا و 182 مسجدا و منها الجيد بنيانه، و أعظمها المسجد الجامع مسجد زكريا في غربي القلعة. صالح المسلمون أهل حلب على موضع المسجد الجامع يوم الفتح، و كان محله حديقة كنيسة الروم القديمة التي بنتها هيلانة أم قسطنطين. قالوا: إنه كان يضاهي جامع دمشق بالزخرفة و الرخام و الفسيفساء، و إن سليمان بن عبد الملك هو الذي بناه و تأنق في بنائه ليضاهي به ما عمله أخوه الوليد في جامع دمشق. و قيل: إن بانيه الوليد نفسه، و إن بني العباس نقضوا ما كان فيه من الرخام و الآلات و نقلوه إلى جامع الأنبار في جملة ما نقضوا من آثار بني أمية بالشام. و لما جاء الروم حلب سنة (351) أحرقوا الجامع و البلد فرم بعضه سيف الدولة ثم ابنه سعد الدولة، و أحرقته الإسماعيلية سنة (564) مع الأسواق التي حوله فعمره نور الدين زنكي و قطع الأعمدة الصفر من بعادين و نقل إليه عمد مسجد قنسرين، و أحرقه الأرمن سنة (679) أيام كانوا محالفين للتتر. و عمره قراسنقر سنة (684) و بنى فيه غيره بعض جهات منه مثل الأمير ألطون بغا الصالحي نائب حلب و الأمير يشبك اليوسفي.

و يقول العارفون بالآثار: إن بناء الجامع الحالي قد قام على الصورة التي عملت عليه زمن سابق بن محمود من بني مرداس (468- 472) على يد القاضي ابن الخشاب و إن في أسفل المنارة كتابة تاريخها سنة (483) ذكر فيها اسم ملكشاه و ابن الخشاب و في جهة أخرى ذكر اسم تتش أخو ملك شاه و يستدل من مجموع البناء، و ليس في جدرانه من كتابة مزبورة، أن هذا الطراز قديم صبر على الدهر. و محرابه من عهد قلاوون و المنبر من عهد الناصر محمد، و يرد عهد الباب الأوسط للحرم إلى أوائل زمن المماليك و إن كانت فيه كتابات أحدث من عهد السلطان مراد الثالث (996). و أسس المنارة المربعة ذات الخمس طبقات القاضي ابن الخشاب سنة (482) و هي منقوشة أبدع نقش و هي بما كتب عليها من الكتابات الكوفية و النسخية المثال الوحيد من الهندسة الإسلامية. قال أبو الفداء: و كان بحلب بيت نار قديم ثم صار أتون حمام فأخذ ابن الخشاب حجارته و عمر منارة جامع حلب.

49

وصف ابن جبير في القرن السادس جامع حلب بقوله: و هذا الجامع من أحسن الجوامع و أجملها و قد أطاف بصحنه الواسع بلاط كبير متسع مفتح كله أبوابا قصرية الحسن إلى الصحن عددها ينيف عن الخمسين بابا، فيستوقف الأبصار حسن منظرها، و في صحنه بئران معينتان، و البلاط القبلي لا مقصورة فيه، فجاء ظاهر الاتساع رائق الانشراح. و قد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره، فما أرى في بلد من البلاد منبرا على شكله، و غرابة صنعته، و اتصلت الصنعة الخشبية منه إلى المحراب فتجللت صفحاته كلها حسنا على تلك الصنعة الغريبة، و ارتفع كالتاج العظيم على المحراب، و علا حتى اتصل بسمك السقف، و قد قوّس أعلاه و شرف بالشّرف الخشبية القرنصية، و هو مرصع كله بالعاج و الآبنوس، و اتصال الترصيع من المنبر إلى المحراب مع ما يليهما من جدار القبلة، دون أن يتبين بينهما انفصال، فتجتلي العيون منه أبدع منظر يكون في الدنيا، و حسن هذا الجامع المكرم أكثر من أن يوصف اه.

هذا وصف المسجد الجامع و ما كان فيه و ليس هو بالعظيم كمسجد دمشق أو المسجد الأقصى و قد رمم في أوقات مختلفة. و في حلب جامع الصالحين جنوبي المدينة أنشئ سنة (479) أنشأه أحمد بن ملكشاه و محرابه مهم في بابه.

و أول جامع بني بحلب فيما قالوا بعد الجامع الكبير جامع ألطون بغا الصالحي تم سنة (723) و فيه يقول ابن حبيب:

في حلب دار القرى جامع* * * أنشأه ألطنبغا الصالحي‏

رحب الذرى يبدو لمن أمّه* * * لطف معاني حسنه الواضح‏

مرتفع الرايات يروي الظما* * * من مائه السارب و السارح‏

يهدي المصلي في ظلام الدجى* * * من نوره اللامع و اللائح‏

من حوله روض يرى للورى* * * من زهره بالفائق الفائح‏

للّه بانيه الذي خصه* * * بالروح للغادي و للرائح‏

وعدّ ابن الشحنة من أحسن الجوامع التي بنيت على أجمل الوجوه جامع منكلي بغا الشمسي نائب حلب عمر (778). وعد ابن شداد في باطن حلب مائتي مسجد و سبعة عشر مسجدا داخل سور البلد منها ما نسبه لمنشئه و منها

50

ما عرفه بالخطة التي هو فيها. و ذكر المساجد التي بأرباض حلب و ذكر منها ما هو بالحاضر السليماني مائة مسجد و عشرة مساجد، و ذكر مساجد الرابية و جورة جغال فعدها مائة و ثمانية و ستين مسجدا و أتى على ذكر المساجد التي بالظاهرية فعدها تسعة و تسعين مسجدا وعد بالرمادة أربعة و ثلاثين مسجدا.

وعد ببانقوسا ثلاثة عشر مسجدا و بالفرافرة اثني عشر مسجدا و بالمضيق ستة عشر مسجدا و بالقلعة عشرة مساجد. قال ابن الشحنة و عنه لخصنا احصاء ابن شداد لمساجد حلب: فجملة هذه المساجد التي داخل حلب و خارجها إلى حين تأليف ابن شداد كتابه سبعمائة و خمسة و عشرون مسجدا. و قد بنى بعض الولاة الأول في الدولة العثمانية جوامع في حلب منهم جامع خسرو باشا (938) و جامع عادلي محمد باشا (957) و جامع بهرام باشا (988) و ابشير مصطفى باشا (1061) و جامع عثمان باشا (1150). و من جوامع حلب التي بقيت عليها بعض الكتابات الحثية جامع القيقان و من جوامعها الأطروش و اشتهر بكتاباته و نقوشه جامع البيادة في شمالي غربي القلعة.

جوامع عمالة حلب:

قامت في أنحاء حلب مساجد كثيرة و منها مساجد قنسرين و هو البلد القديم الذي كان في الإسلام بمثابة حلب فخرّبه سيف الدولة سنة (351) أو (355) و أحرق مساجده، لما نزل الروم حلب و قتلوا جميع من كان بربضها و ذلك خوفا من سقوطها في أيدي أعدائه. و أنشئت في أنطاكية عدة جوامع بقيت منها بقايا على ما انتابها من الزلازل و أهمها اليوم جامع حبيب النجّار و الجامع الكبير و الشيخ علي و الذخرية. و في أنطاكية لعهدنا 13 جامعا و 27 مسجدا و مجموع ما في عملها 135 مسجدا و جامعا و زاوية و تكية. و أنشئت منذ الفتح جوامع في مدينة المعرة وصف ناصر خسرو في أواخر منتصف القرن الخامس جامعها الأعظم فقال: إنه مبني على أكمة قامت وسط المدينة و من أي جهة اتجهت إلى هذا الجامع كان عليك أن ترتقي سلما ذات ثلاث عشرة درجة.

و قد خربت المعرة بدخول الصليبيين، ثم عادت إليها بعض حياتها و فيها اليوم 23 جامعا و مسجدا أهمها الجامع العمري الكبير تقام فيه الجمعة دون غيره‏

51

من المساجد. و مجموع ما في عمل المعرة 41 مسجدا و جامعا. و في عمل جبل سمعان اليوم 183 جامعا و مسجدا، و في بيلان 5 مساجد و جوامع. و في قضاء إدلب 37 مسجدا و جامعا و جامعها في القصبة من عهد الفتح يسمونه العمري.

و في معرة مصرين و عملها 11 جامعا و مسجدا، و في حارم جامع و مسجد و في عملها عدة جوامع و مساجد و كذلك في اعزاز، و في قضاء الباب 15 جامعا و مسجدا و في بزاعة و جسر الشغر و معرة مصرين و سرمين و جبرين و سلقين و خناصرة و الفوعة و أرمناز و ديركوش و الجبول و الأثارب و دانيث و كلز و غيرها من البلدان القديمة مساجد و جوامع. و لا تكاد تخلو في يومنا هذا كل قرية من مسجد إلا إذا كانت مزرعة حقيرة لأحد أرباب الأملاك. و في الشغر اليوم ثلاثة جوامع و خمسة مساجد و لا تخلو المدينة التي كانت عامرة جدا ثم خربت عن آخرها مثل بالس (مسكنة) و منبج مثلا من مساجد لا بأس بها.

و لقد تقلبت الأيام بهذه المساجد و الجوامع فكثرت في الأماكن التي اشتدت إليها الحاجة و قلت حيث قل العمران و ابذعرّ السكان. فقد كانت سرمين مثلا على طرف جبل السماق من المدن و لها مساجد كثيرة روى ابن شداد أن عددها كان ينيف على ثلاثمائة مسجد، قال: و ليس بها الآن أي في عهده مسجد يصلى فيه غير الجامع و أكثر أهلها إسماعيلية و لهم بها دار دعوة.

و سواء كان هذا العدد مبالغا فيه أو غير مبالغ فالمحقق أن الجوامع و المساجد كثرت في الأعصر السالفة في هذه الأرجاء بكثرة السكان و توفر خيرات الأرض ثم لما خربت المدن دع القرى تراجع أمر بيوت العبادة.

و من الجوامع القديمة في هذا الصقع جامع اعزاز عرف بالجامع الكبير قال الغزي: و هو صحن واسع فسيح في شماليه رواق و فيه مأذنة ضخمة و في وسطه حوض يهبط إليه بدركات تجري فيه قناة جرها إليه إسماعيل بن عبد اللّه العزازي المتوفى سنة (748) و في جنوبي صحن الجامع قبلية يبلغ طولها نحو 50 في عرض 15 ذراعا سقفها قباب محمولة على أعمدة ضخمة و قد كتب على باب الجامع المتجه إلى الغرب: بسم اللّه الرحمن الرحيم في سنة (644) أمر بعمله مولانا السلطان العالم العادل الملك الناصر صلاح الدنيا و الدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي ابن أيوب ناصر أمير المؤمنين خلد اللّه ملكه.

52

مساجد الساحل و جوامعه:

لما كانت مدن الساحل معرضة لهجمات الأعداء كل حين، و كانت الزلازل قد توالت عليها كثيرا و ظلت مرسحا للجيوش الصليبية مدة قرنين أصاب الجوامع و المساجد فيها ما أصاب غيرها من العمائر، فليس في الإسكندرونة اليوم سوى جامعين و في عمالتها بعض المساجد الحقيرة، و كذلك الحال في السويدية و اللاذقية و المرقب و طرطوس و جبلة و بانياس و طرابلس و جبيل و بيروت و صيدا و صور و عكا و حيفا و يافا و غزة، خربت جوامعها و مساجدها و عمرت غير مرة في الإسلام. ففي اللاذقية اليوم عدة مساجد و فيها جامع جميل مطل عليها من الهضبة المطلة على الثغر و لها منارة جميلة. و أهم جوامع اللاذقية جامع المغربي و من جوامعهم جامع الجديد و الكبير المنصوري و أرسلان باشا و الصليبة و صوفان و الشيخ ضاهر و جامع الاسكلة و الشواف و الصغير، و في اللاذقية اثنا عشر مسجدا غير هذه الجوامع. و في جبلة جامعان و هما جامع السيد إبراهيم و المنصوري و من مساجدها القنطاري و بني علي أديب و الغزالي و الأكراد و جامع واحد في بانياس، و في طرطوس جامع كان على عهد الصليبيين كنيسة كاتدرائية، و في صافيتا جامع و ثلاثة مساجد في جوارها.

و في طرابلس‏ (1) عدة جوامع و مساجد و معظمها من آثار المماليك البحرية و الجراكسة، و ما تجدد بعدهم فقليل جدا بالنسبة لآثارهم في هذه المدينة، و أكثرها لم يذكر عليه اسم بانيه. و لا ريب أن البواعث كانت دينية محضة و رغبة في ثواب اللّه بدار الآخرة فكان عدم ذكر الباني على البناء أبعد عن السمعة و الرياء، و كان الأمير أو المتمول منهم إذا شيد مسجدا للصلاة جعل في أحد أطرافه مشهدا ليدفن فيه عند موته و لم يزل إلى الآن كثير من قبور المماليك الرخام محفوظا في المساجد التي أقاموها على الطراز المخصوص بهم كأن يجعلوا في كل زاوية من زوايا القبر قاعدة بارتفاع ثلاثين سانتيما و أعلاها كروي.

و للمماليك من نوع هذه القبور في دمشق صنوف. و إن ما بقي إلى اليوم من الفسيفساء في محاريب تلك المساجد و جدرانها آية في الإبداع و حسن الصناعة.

____________

(1) كتب وصف جوامع طرابلس السيد محمد كامل بابا.