رحلة الكابتن فلوير - ج1

- أرنست فلوير المزيد...
265 /
5

مقدمة

كان جدي «محمد آل دغار» لا ينفك بالحديث عن تاريخ جده الكبير أثناء فترة الحكم العربي لساحل مكران، إعتقدت في تلك الفترة أنه أمر يتعلق بمجرى الأحداث في تلك الأيام. و مع الوقت إكتشفت و قرأت أوراقا عديدة عن هذا الموضوع مما جعلني أدرك أهمية تاريخهم و الدور الذي قاموا به في تاريخ هذه المنطقة المهمة سواء سياسيا أو اقتصاديا.

ظلت أسرة آل دغار و التي ترجع أصولها إلى بني هود من القحطانيين العرب و الذين ظلوا يحكمون أو يمثلون الحكومات العمانية و العربية العديدة التي حكمت ساحل مكران منذ ملوك هرمز و اليعاربة و البو سعيد و القواسم و حتى خروج العمانيين منها- و أقاموا إماراتهم في المنطقة حتى سقوط آخر أمرائهم عام 1932 على يد رضا شاه بهلوي.

و تظل «جغين» و التي هي منطقة استقرار هذه القبائل و أمرائهم من‏

6

آل دغار تاريخا قائما بذاته و شاهدا على حكم القبائل العربية للساحل لسنوات طويلة قبل إنهيار الوجود العماني العربي بأكمله و تحويل المنطقة إلى حكم فارسي (إيران).

و قد جعلت موضوع تاريخهم أمرا أرجع إليه من وقت لآخر حتى إكتشفت و بعد سنوات من البحث المتقطع و الغير منتظم أني جمعت مادة و معلومات تاريخية تستحق أن أوصلها للقارئ العربي خاصة في منطقة الخليج لأنها تحوي معلومات لم تذكر أو تتوفر سواء للمطّلع العام أو المختص بالتاريخ السياسي لهذا الجزء من منطقتنا- و مع أني لست بالمختص بعلم التاريخ فإني ارتأيت أن أوصل هذه المعلومات عن طريق رحلة قام بها نقيب إنجليزي إسمه الكابتن فلوير الذي قام برحلة في هذه المنطقة عام 1876 حيث زار مناطق قبائل البلوش على ساحل خليج عمان و كذلك مناطق الجزر العربية مثل (هنجام) التي كانت تحت حكم قبائل (بني ياس) و من خلالها قمت بإضافة المعلومات المناسبة لإيصالها بسلاسة للقارئ.

و مع أن هذه المعلومات تاريخية و قديمة فإني أعتقد أنها إضافة جديدة للمكتبة العربية لأنها المرة الأولى التي يتم طرح الخلفية التاريخية و السياسية لهذه المنطقة و على أمل أن تكون بداية في فتح الباب لمعلومات إضافية عن التاريخ العربي في منطقة ساحل مكران.

و إرتأيت تسمية الكتاب «رحلة الكابتن فلوير 1876 عبر الساحل من نهاية عهد الحكم العمّاني مع الأحداث التاريخية».

حيث أنها أتت بسنوات قليلة بعد إنتهاء الحكم العماني كما هو مبين في ملحق الأحداث التاريخية و التي إرتأيت إضافتها كملحق عن تاريخ المنطقة قبل و بعد رحلة الكابتن فلوير لأجل تكملة البحث و الإفادة العامة.

7

و إننا إن نذكر هذا التاريخ لهذا الجيل الذي هو في واقع الأمر يرجع بذكراه إلى جده الخامس أو السادس في الشخصيات المذكورة بهذه الرحلة و الكتاب فإننا نأمل أن يستفيد و نستعيد تاريخا مجيدا بنوه هؤلاء الأجداد ليكون التاريخ عبرة لنا و لأجيالنا القادمة.

و الله المستعان‏

بن دغار

الإمارات‏

سبتمبر- 2008

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تمهيد

عند تناول تاريخ عمان و إمارات ساحل عمان لا بد من الإشارة إلى أن هناك ثلاثة عوامل لعبت دورا في مكانها الهام عبر التاريخ.

العامل الأول- الموقع الجغرافي:

أنها تاريخيا سيطرت على أغلب الجزء الشرقي لشبه الجزيرة العربية ممتدة من حضرموت إلى قطر، و بجوارها مناطق عديدة في بحر العرب و المحيط الهندي، و عرفت بكونها (أمة بحارة)، فبين بلاد ما بين النهرين إلى ضفاف الهند و شرق أفريقيا لعبوا دورا رئيسيا في العالم البحري لنحو ليس أقل من خمسة آلاف سنة.

العامل الثاني- العامل التاريخي:

و يشكل المظهر التاريخي عاملا آخر من أهمية هذا الإقليم حيث أثبتت الاكتشافات الأثرية الأخيرة على أن أقدم المستوطنات فيها يرجع‏

10

إلى الألفية السابعة قبل الميلاد. فالصوان المكتشف في ظفار و أكوام القبور في عبري و الأحجار المحفورة في وادي عدي و أم النار و هيلي و مليحه أثبتت مدى تطور حضارة ذلك الوقت. و إستمر هذا الدور، منذ تلك الأزمان السحيقة عندما كانت هذه المنطقة مركزا لمعظم الاتصالات في الشرق الأوسط مما دعا أهاليه و قبائله بالإنتقال و الإستقرار في مناطق عدة قريبة بل و يحكموها مثل قصة سليمة بن ملك بن فهم، و الذي يعتبره رهط كبير من البلوش جدهم الأكبر، و كذلك الوصول إلى سواحل الهند و شرق أفريقيا و إقامة مستوطناتهم بها.

العامل الثالث- الجانب السياسي:

إن العامل الثالث لأهمية هذا الإقليم هو الجانب السياسي، فمنذ فجر الإسلام حتى الآن تتمتع بسياستها المستقلة الخاصة. و في السابق لعب الجانب القبلي في إعتبارهم من العرق القحطاني اليماني المرجعية العصبية في تعاملهم مع باقي العنصر العدناني في شبه الجزيرة العربية بل و حتى في نفس الإقليم العماني سواء في ظاهره أو باطنه أو ساحله أو حتى في أطرافه و التي وصلت إلى مكران و زنجبار.

و رغم أن المذهب الإباضي لعب دورا أساسيا في هذه الخصوصية إذ رفضت مبادئه الفكر السائد الآخر في بقية الجزيرة العربية بدءا من سلطات الخلفاء في بغداد، غير ان هذه الإستقلالية ظلت سمة سائدة بين كافة القبائل في سائر الإقليم العماني و أطرافه، مما جعل إماراتها و دولها لاعبا رئيسيا في تاريخ المنطقة بل و قوة كبيرة تقارع قوى عظمى أخرى أتت للمنطقة مثل البرتغاليين و دولة فارس و حتى الإنجليز.

11

لذا، أعتقد بأنه من الأهمية لأن يدرك أبناء هذه المنطقة الخصوصية السياسية و التاريخية و الجغرافية لبلادهم حتى يتم البناء على النهضة الحديثة التي نشهدها و الإنطلاق نحو أفاق جديدة لإعادة الدور التاريخي لنا في مسيرة الحضارة الإنسانية.

و هذا الكتاب هو قطرة في بحر الدور الحضاري الذي قام به أجدادنا عسى أن يكون منارا لنا في المستقبل إنشاء الله.

و الله ولي التوفيق،،،

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

مقدمة الكتاب جولد سميد

إلى كل المهتمين بالدراسة الجغرافية و السياسية لبلاد فارس «إيران» و شمال الهند إن معرفة هذه البلاد تمثل أهمية قصوى للإنجليز و على الأخص فى وقتنا الحاضر فإن أ مناطق بلوشستانأ المجهولة و التي من الممكن أن تخفق في كونها موضوعا جذابا لأن حتى العنوان يتطلب تفسيرا لمعناه لأن معنى (بلوشستان) غير معروف و مجهول و هذه المنطقة و لم يتم تحديدها ضمن الحدود المقر بها دوليا و غير معلنة سلفا و نحن عند ما نصف هذه المنطقة فهي واقعة بين خطوط الطول 57 و 67، يحدها من الشمال خط العرض 28 و يبدأ من (كوه باسمان) و (كوه نوشادر) و من الجنوب يحدها البحر، هذا الوصف يتطابق مع الطريقة الفارسية في تحديد أملاك الشاه من (بندر عباس) شرقا مما جعل (الهند البريطانية) تحذوا حذوها في إطلاق نفس الأسماء التعريفية لمقاطعة (براهوي) (1) غرب جبال‏

____________

(1) تقصد مناطق خان الكالات و التي أصبحت الإقليم الرابع لباكستان بعد ضمها إليه عام 1947.

14

(هالة) و التي تعد نقطة إلتقاء بين الحدود الغربية أو فارس و الشرقية أو خان (الكلات) البلوشية مما يعني أنها شمال نهر (ماشكد) و جنوب قرية الصيد (غواتر).

و في نظرة عامة إلى خريطة بلاد فارس الحالية يتضح أن جزءا كبيرا من أراضي بلوشستان أصبحت ضمن حدودها مما يعني أنها تحتاج إلى تحديد خاص لا يمكن معه أن تكون الأراضي الخالية و المعروفة مثل (باشكرد) و (رودبار) و (ارفشان) أن ننعتها باسم الصحراء أو الأرض الجبلية. لذا وجب تعيينها أو الإشارة إليها و لو بشكل غير مؤكد باسم (الأراضي المجهولة) و ربما يكون هذا سيئا للجغرافي و لكنه ليس كذلك بالنسبة إلى طلاب السياسات الشرقية الذين يعتبرونه إهمالا جغرافيا لا يستحق اللوم لأنه من غير المنطقي أن تبقى هذه المنطقة مجهولة بالنسبة للهند البريطانية لأنها من جيرانها المباشرين. و منذ أكثر من أربعين سنة وضعنا عملائنا السياسيين في (السند) و (بلوشستان) و بقية حكام تلك الأقاليم تحت سيطرتنا الخاصة لكن بشكل أقل من تلك الفترة بينما بقيت علاقتنا بتلك الأخيرة مستمرة. فضلا عن ذلك و خلال عشرين سنة فقط من إنشاء خط التلغراف بطول 400 ميل على طول ساحل (مكران) غرب (كراتشي) و بعد ست سنوات امتد إلى ميناء (جاسك) حتى وصل جزيرة (هنجام) عبر توصيلة تحت الماء إلي نقطة التقاء الحدود مع بلاد (البلوش) غربا. و هذا يدعونا إلي عمل قانون لتشجيع و منح إجازات رسمية لمغادرة الموظفين إلى خارج مجال أعمالهم الخاصة حتى في إجازاتهم الخاصة ليتمكنوا من كسب معلومات أو تغيير مؤقت للجو الصحي السائد في البلاد التي يعملون بها.

السيد آرنست فلورير أحد الموظفين الحكوميين في التلغراف الهندي الأوروبي في تلك الفترة في الخليج «الفارسي» يعد واحدا ممن لديهم القدرة على الاكتشاف و الروح التي تطمح دائما إلى البحث عن المجهول‏

15

صورة الكابتن فلوير مع أحد مرافقيه «صورة أخذت في مصر لاحقا»

مما يمكننا من القول أنه مكتشف عظيم و قد قام بمهمته بناء على اقتراح قدمته إليه في حضور موظفي التلغراف الانجليز مبتدئا من نقطة امتداد ساحل مناطق البلوش وصولا إلى «شط العرب» و «كراتشي» بمباركة الحكومة مما لا يدع مجالا للشك في اعتقادي أنه أحد أوائل المكتشفين المختارين لهذه المهمة لكن ثمة بعض التعليمات المؤكدة الصادرة إليه تقضي بأن تتم المهمة دون اعتبار الأمر رسميا. و كما حصل ترك السيد فلورير مكان إقامته الموحشة في «جاسك» إلى الداخل بعيدا عن سلطة رؤسائه لكن في نفس الوقت لم يعترض أحد من موظفي محطة التلغراف علي هذه الرحلة مما يعني مضيه في تنفيذ مهمته بدون صعوبات رسمية ليحقق ذاته من خلال المهمة و ليبقي القارى‏ء هو الحكم.

أراد السيد «فلوير» أن يخرج من هذا المكان ليؤلف كتابا يعبر فيه عن وجهة نظره الصائبة و التي تستحق القراءة و في الحقيقة فإن مما ذكره في‏

16

كتابه ليس لدي وقت للالتفات إلى نقده لكن سعادتي كبيرة عند ما أمنح دليلا يساعد على اكتشاف هذا المجهول و يعطي معلومات الى مستحقيها، فالمعلومات القليلة المتوفره تعطي اهتماما أكبر للإنجليز خاصة لأنها قريبة إلى مستعمراتهم في «الهند البريطانية» لذا فإن المقاطعة المجهولة (باشكرد) تعطي هذا الغموض الدائم لهم. فعبرت مرتين خلال سهول بمبور الجنوبية و مرة من الضواحي الغريبة مرورا من (بندر عباس) إلى (سيستان) و رحلتين من (بمبور) إلى (مكران) مكنتني من أن أكون على دراية بموانى‏ء (مكران) و الأراضي المجاورة لحدوده الشرقية. و مع ذلك لم يتسن لي الوقت و لا الفرصة لأتصل برئيسها عبر رسالة مما اضطره للحجز للسيد (فلورير) لزيارة عاصمة سيف الله. و كان البلوش في تلك الفترة يواجهون صعوبات جمة بسبب تقلد موظف آخر منصبا جديدا و وصلتنا عنه بعض القصص التي تعبر عن شخصيته الحازمة (2).

(باشكارد) لم تكن المنطقة الوحيدة في غرب (بلوشستان) التي زارها مسافرنا الجري‏ء بل أقام مخيمات في أماكن مختلفة في الشرق و الغرب و في الشمال من تلك المقاطعة المسماة بلوشستان مخيما بصحبة واحد أو اثنين من السكان الأصليين لهذه المنطقة أو أحد المغامرين الذي يدفعه إلى خوض هذه المغامرة و الاستفادة بقصصها و أحداثها المتتابعة ثم يتابع رحلته إلى (فارس) المملكة الكاملة للشاه يمر خلالها على مدن مثل (كرمان)، (يزد)، (أصفهان) وصولا إلى خانقيين قرب الحدود التركية و من هناك إلى «بغداد» و (البصرة) أصبح هناك القليل من الأراضي التي لم يزرها بعد، و من «البصرة» إلى «مارسيليا» و «لندن» و قد انتابنا شعور أننا لن نفاجأ من‏

____________

(2) يقصد الحاكم العسكري القاجاري «إبراهيم خان» و الذي أعدم قادة الثوار البلوش و حكامهم بإطلاقهم في فوهة المدفع.

17

المؤلف بأي رواية جديدة حول رحلته الممتعة.

إبعاد السيد (فلورير) عن شواطئ الخليج الفارسي باتجاه التلغراف المصري و إقامتي الرسمية في (القاهرة) مكنتنا من استئناف العلاقات التي بداناها منذ سنوات بعيدة.

الكثير من الأسئلة سألتها و وفقت في الإجابة عليها عند كتابتي لهذا التقديم البسيط للكتاب و الذي يعد من أجمل الكتب و الأكثر روعة و ليس من اليسير أن يحظى المرء بالتقدير إن لم يكن قد أعطي كتابته العناية الكافية لذا نرجو أن تتحقق الفائدة لقارئ الكتاب.

جولد سميد

القاهرة

30 من مارس 1882

18

مسار رحلة الكابتن آرنست فلوير

19

الجزء الأول: [بدء الرحلة من جاسك- جغين- الأمير علي و الأمير عبد النبي- جابريج- سوراك‏]

لقد لفت نظري في (شهرنو) الأكواخ القليلة المتفرقة و سكانها يلبسون الملابس الزاهية محتفلين بحلول عيد الأضحى، اليوم الذي يلتف فيه المسلمون حول الكعبة بمكة المكرمة، و ذلك حسب اعتقادي؛ لأنه كما ذكرت، ليس بيد أحد منهم أن يعرف أي مناسبة تمر بهم، فقط أنا و «الملا سعيد» كنا نعرف سبب المناسبة.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

في يناير 1876 م و بينما كنت قد عانيت كثيرا في سنوات خدمة قاسية في الخليج الفارسي، و بعد أن منحت إجازتي السنوية الطويلة و المؤجلة من حكومة صاحبة الجلالة، فآليت جهدي في التخطيط للإستفادة من هذه الإجازة قدر الإمكان.

و كنت أقيم في ذلك الوقت في (جاسك) (1) مقابل ساحل (مسقط)، و قد فكرت أولا أن أقوم بزيارة صديقي الوكيل السياسي المقيم هناك، و لما كان «اللنش» القديم هو أسلوب المواصلات الوحيد بين البلدتين فقد قمت بتغيير هذه الفكرة خاصة أنه ليس من الممكن الحصول على سفينة قبل أسبوعين، و كان البديل لذلك القيام برحلة إلى (البشكرد) (2) و التي بدت لي‏

____________

(1) هي ميناء على الساحل الشمالي لخليج عمان في منطقة مكران، و تعتبر أقدم البلاد التي هاجر إليها العرب في مناطق عمان و ساحل عمان (الإمارات) منذ أيام «سليمة بن مالك بن فهم» و خاصة قبائل الأزد.

(2) بلاد (الباشكارد): بلاد جبلية محاذية لجبال مكران سكنها القنص و البلوش و أبناء عمرو بن عامر، و جبالها (البارز) التي سكنها أيضا بعض من الأزد و القحطانيين.

22

محطة التلغراف البريطاني في «جاسك»

أنها أفضل من الفكرة السابقة، و لكني كنت خائفا و راجعت حساباتي بسبب الجليد و الضباب في هذه البلاد، حيث إنه من المستحيل بركوب البغل أن يسافر المرء في هذا الطقس المشابه لمناخ الإقليم القطبي، إضافة إلى الحروب الأهلية الدائرة هناك و التي كنت قد سمعت عنها مؤخرا.

أما أصدقائي من أهالي المنطقة فقد أصروا على الذهاب إلى (ميناب) (3) و إقناعي أن الطريق جيّد و مأهول بالسكان و فيه كل شي‏ء متوفر للمسافر، و كل هذه الأسباب مجتمعة كان لها الأثر في تغيير الاتجاه السابق. غير إنّي منذ زمن بعيد كنت أتمنى أن أرى ما وراء الجبال المحاذية لساحل (مكران) حيث قضيت سنوات طويلة مقتنعا بعجزي عن تحقيق هذه الأمنية، و كانت‏

____________

(3) ميناب: هي بلاد خصبة تقع بالقرب من تياب و التي هي أساس مملكة (هرمز) القديمة التي أسسها «محمد بن درهم كوب» بعد قدومه من (قلهات).

23

هذه أحسن فرصة تتاح لي لعبور هذه الجبال، و بالتالي لتحقيق تلك الأمنية.

عند النظر في خارطة السير «فريدريك غولد سميد» تبدو (بنت) (4) منطقة جميلة تستحق التوجه إليها، و من مزاياها أيضا أنه لم يسبق لأبناء بلدي الذهاب إليها .. و هكذا قررت أن أجعلها محطة سفري الأولى.

و قررت أن أصحب مجموعة كبيرة من المراقبين في رحلتي هذه، و بدا من الصعب أن أجد الجمال السبعة المحدّدة للحمولة، و هكذا انقضت ثلاثة أيام في البحث عن جمال في البلدة دون جدوى بسبب عدم معرفة حقيقة اتجاهي و الخوف من البرد، و كذلك كان الموسم هو موسم التوالد في هذه الأيام، و كل الجمال الذكور الشابة كانت هائجة مع الإناث.

و في مساء السابع من يناير حصلنا على سبعة جمال، هنأت نفسي بها إذ أن واحدا فقط من الجمال كان هائجا و كان ذكرا كبيرا و عمره خمس سنوات، يصيح باستمرار و يخرج زبدا كثيرا من فمه؛ و لذلك استحق أن يوصف بأنه إبل عجوز، و لكن فيما بعد اتضح أنه أفضل من منظره، و بسبب مرضي فقد كانت أمتعتي أكثر مما كان ضروريا بما فيها الخيمة و السرير و كرسي و طاولة متنّقلة. «صالح»- الملا العربي- صاحبني للتحري عن شؤون الأهالي و رواياتهم. أما الطباخ فقد كان «جونيس» العنيد، و «غلام شاه» كان السفرجي و هو ولد أمين و قوي، أما «جلال» العجوز» أبو زيد سروج» (5) ذو الفطنة و الدهاء، فقد حمل بندقيتي، بينما سائقوا الجمال الخمسة و الذين ظهرت الطيبة على وجوههم فقد حملوا الخيمة و الحطب‏

____________

(4) (بنت): بلدة مشهورة هي مركز حكم «الشيرانيين»- و منها أيضا ظهر الأمير «قنبر بن سليمان» في أشعار البلوش.

(5) أبو زيد السروج: شخصية عربية في كتاب «الأصفهاني» عاشت في البصرة.

24

و الماء، و يجب ألا أنسى أيضا «توبي» كلبي الوفي الصغير ذو الأنف الأسود الذي كان مسافرا على ظهر جمل الطباخ، و أثناء الليل يحوم حول سريري لأكون تحت حمايته الخاصة.

و بعد ثلاث ساعات عمل في تحميل الأمتعة كان اتجاهنا إلى (بنت)، و لما كان العيد و احتفال الأضحى يصادفان في مساء هذا اليوم فقد جعلتهم يسيرون ستة أميال فقط على أمل أن نصل مساء إلى (جغين) (6) و هي تبعد حوالي 27 ميلا من هنا أي من (جاسك).

و هنا عليّ أن أذكر بأن (البلوش) معلوماتهم سطحية عن عقائدهم لمعرفة ما إذا كان هناك عيد، و من يعرف هذه المناسبة يسارع في شراء ملابس جديدة، و القلة التي قابلتنا في اليوم التالي لم يتمكن أحد منهم من اخباري عن أي عيد هذا، و ربما كانوا مسرورين لأنني قلت لهم ربما يكون هذا عيد الأضحى، و لما قررنا أنا و «صالح» بدء رحلتنا في صباح اليوم التالي استيقظت مبكرا بعد حالة اكتئاب لأرى ما يقدمونه في الكرم السخي من مجموعة فرسان (جاسك) و هم فيلق من الفرسان مسلحون برماح مصقولة و يمتطون الحمير- في مهمة لتطهير البلدان المجاورة من الكلاب الضالة، و كان خلال الليل قد سقط- مطرا كثيفا- كإنذار لنا بأننا لن نلاقي طقسا معتدلا دائما.

الصباح كان جميلا، فامتطينا جمالنا و سرنا ببطء إلى (جغين) عبر صحراء مقفرة- في رتابة لم نشاهد خلالها إلا أشجار النخيل و القمح في‏

____________

(6) جغين: هي منبع و أساس استقرار القبائل العربية في ساحل «مكران». راجع كتاب الرحالة «تكسييرا» عن القبائل العربية في جغين- و خاصة القحطانيين من عمان و اليمن- و دورهم في الصراع بمملكة هرمز، كذلك استقر بها لفترة قبائل الرند بقيادة الأمير «شاكر» و لهم قلعة بها قبل مغادرتهم إلى (سيوي).

25

ثلاث مناطق.

طريقنا في التسعة عشر ميلا (7) الأولى كان عبر الرمال بين الجبال و البحر، و هنا أرشدنا القرويون لممر عبر الجبال يمكن أن يكون أقرب من هذا الذي نسير فيه، و كنت متشوقا لمقابلة صديق كان مسافرا من (جوادر) (8) بمحاذاة الساحل، و تركنا (جاسك) في العاشرة صباحا و حسب وعد سابق بيننا عرجنا لأخذ «جلال» الرجل العجوز الذي توفيت زوجته الثانية قبل أيام، و قد منحه زعيمه «الأمير علي» (9) جارية اتخذها زوجة له بشكل مؤقت حتى يتسنى له أن يجمع مالا و يدفع مهرا لواحدة من جنسه، و كانت هذه تدعى «لكوم تتنس» و هي زنجية صغيرة ذات طبع عنيد، و التي لربما كانت في خدمة بيت الأمير و كانت تكن كراهية عميقة لأطفال العجوز الأربعة، و عند ما اقتربنا سمعنا نزاعا ساخنا، فالزوجة هددت بأن تترك أبناءه جياعا إن لم يعطها اثنين من (الكران) (10) و التي تشك في أنه استردهما و احتفظ بهما.

قمنا بالصياح على العجوز الذي خرج من كوخه و هو يقود حماره أمامه متمتما بكلمات يعلن بها النساء، أما ابنه المدلل من زوجته الأولى، فقد تبعه و هو يبكي راجيا أباه ألا يذهب و يتركه، حيث رق له قلب الرجل العجوز، و رغم مشاكله العائلية فقد كان سعيدا بمرافقتنا في هذه الرحلة.

في الحقيقة «جلال» العجوز يستحق الوصف، فقد كان عمره بين 45

____________

(7) الميل: هو عبارة عن 6، 1 كيلومتر، فالتسعة عشر ميلا تكون تقريبا 31 كم.

(8) جوادر: بلدة على خليج عمان مقابل سلطنة عمان حكمها أمراء الهوت في مملكتهم الأولى بمكران و ظلت بيد حكومة آل بو سعيد العمانية الحالية حتى عام 1958 م.

(9) هو الأمير علي بن الأمير حاجي من «آل دغار» و هم أمراء المير من ال دغار المتوزعين في منطقة عمان و مكران و ساحل الإمارات.

(10) عملة محلية فارسية.

26

و 60 سنة، و طوله 5 أقدام و 6 بوصات، نحيلا، قويا، متسامحا، ذراعاه و ساقاه ضعيفة، و تبدو خشنة و مشققة مثله في ذلك مثل بقية أبناء بلاده، شعر رأسه محلوق و مغطى بعمامة دبقة على طريقة أهل الدين المحافظين، حواجبه الضخمة ذات الشعر الواقف الخشن تغطي عيناه العميقتين الغائرتين ذاتا اللون الرمادي شديد الإحمرار، مع أنف صغير يتوسط وجهه بطريقة جميلة. و لحيته القصيرة البيضاء تشبه الطين بعد أن صبغها بالحناء. و بينما كان يمشي بجانبي أوضح لي كيف أن مشاكله العائلية أنسته غسل الحناء من لحيته مساء الأمس، و قد تعاطفت معه عند ما سمعت منه ذلك. فمن عادة البلوشي أن يكون نظيفا و أنيقا خاصة عند ما يكون بين الأجانب، و كان «جلال» ذا شخصية قوية، مع قدرة غير عادية على تحمل مشاق السفر فكان عليه أن يمشي أربعة أميال في الساعة من بداية الصباح حتى المساء بظهره المقوّس و قدميه المستقيمتين التي لم يكن يثنيهما أثناء المشي و كأنه لا يدرك فائدة المفاصل في قدميه.

كان «جلال» صيادا ماهرا و مدللا عند «الأمير علي» (11)، و لكنه الآن أصبح عاجزا عن القيام بمهمته، و ما عليه إلا اللّهو بالصيد البسيط، و مساء كان عليه أن يأكل كمية من التمر و مأكولات أخرى من مشتقات الألبان مثل اللبن و الروب و اليقط، و هي من الأطعمة التقليدية للبلوش، و بعدها كان لا يستطيع الحركة لمدة ساعتين، و كان مخلصا جدا و عمله يستحق الثناء، فإن ربط أي شي‏ء من الأحمال يكون ربطها محكما، و إذا طلبت منه أن يوقظك في الثالثة صباحا، يكون كل شي‏ء جاهزا في الثانية و النصف، و من صفاته أيضا تحمل الجوع.

____________

(11) كانت حاشية «الأمير علي»- خاصة- مشهورة في ساحل مكران بأنها كبيرة و كثيرة السفر و الترحال بين مناطق (جاسك و بيابان) و حتى مناطق (بنت) و (باشكارد) نظرا لمصاهرته مع حكامها هناك- و كان وجود الصيادين و القناصة و العبيد معهم من ضمن ضروريات سفرهم.

27

لقد كان جلال العجوز مسرورا؛ لأنه أصبح موضوع دعابة من القافلة، و لكنه بلسانه السليط كان كثير الشكوى و لاذعا، و إنما كان حاضر البديهة يستطيع قلب الموقف على خصمه، حماره كان صغيرا حيث اشتراه رخيصا عند ما كان رضيعا، و من شدة اعتنائه به، قلما يركبه و يسير بقدميه يومين باحثا له عن عشب مخصوص، و قد علّمته خبرته الطويلة أين يجد العشب من أجل «ابنه الحمار» كما كان يسميه.

كنت أتحدث مع الرجل العجوز و جملي يمشي بخفة حسب ما تقتضيه حالته المرهقة حتى وصلنا إلى (باهل) (12) و هي قرية صغيرة مليئة بالحشائش و تبعد حوالي 6 أميال من (جاسك) و يسكنها أهالي (حشدان) (13) الذين انتقلوا إليها منذ فترة قريبة.

كبير هذه القرية يدعى «جمعات» و تلفظ عادة «جمعة»- صديق قديم لي- و كان أيضا صيادا في جبال (حشدان) (لكل قناص حق الصيد في منطقته و يرثها عن أجداده) و قد صاحبنا الزعيم لبعض المسافة و أوصى ابنه «جني» أن يكون تحت تصرفنا، و قام بركوب الجمل- إبليس العجوز- أثناء الرحلة.

القرويون في (حشدان) لهم ثلاثة تجمعات تبعد كل واحدة عن الأخرى 8 أميال، و في كل تجمع يقضون جزءا من السنة، أما (باهل) و لكونها منخفض تتجمع فيه مياه الأمطار، فإنها تنتج محصولا وافرا من حشائش‏

____________

(12) باهل أو بهل: قرية للسماكين يقطنها أغلبية من «الميد» و من الأفارقة، و يعملون في صناعة شباك الصيد. كان بها حامية لقوات «رضا شاه» أبادها الأمير «مراد بن مصطفى» لا حقا في الثلاثينيات من القرن الماضي.

(13) حشدان: قرية تبعد 15 كيلو مترا شمال شرق جاسك، بها أشجار نخيل و أهلها من البلوش و الميد و قبيلة السويدي الذين استقروا بها من قادمين من الإمارات و ساحل عمان.

28

الربيع، و عند ما تأكلها الأغنام و القطيع يكون الوقت قد حان لمغادرتها إلى (يكدار) (14) للعناية بنخيل «جمعة»، حيث تكون رقعة القمح و التي زرعت هناك من قبل بارتفاع 8 بوصات، و يحملون أكواخهم المصنوعة من سعف النخيل مع عجلات الغزل و المياه المخزّنة في القرب المصنوعة من جلود الحيوانات و أغراض النساء الأخرى على الجمال و الحمير إلى هناك و يصحبهم حوالي دستة من الكلاب الضخمة و نصف دستة من البقر، و ثلاثون أو أربعون ماعزا و خرافا، ثم تصبح (حشدان) هي اتجاههم الثاني إلى أن يحين الوقت للعودة إلى (باهل) في الربيع التالي.

«جمعة» له أربع زوجات و خمسة أولاد (بنجي، جني، نجو، دلواش، و شاهي) كانوا يمارسون مهنة القنص، إلا أن «نجو» قد تزوج من فتاة من أسرة بعيدة، و سخّر كل طاقاته للزراعة. و الرجل العجوز لم يكن مسرورا إلا إذا رآهم و هم طيّبون، أما ابنه «دلواش» و اسمه يعني (القلب المبتهج) فقد عاد لتوه من (تشابهار) (15) و كان سعيدا أن يرى أحوال أسرته على ما يرام.

من (باهل) لزمنا في سيرنا ساحل البحر الرملي و عبرنا (حشدان) حتى‏

____________

(14) يكدار: تقع بحدود 37 كيلو مترا شمال شرق جاسك، و تبعد 15 كم عن البحر- و عن خط التلغراف البريطاني القديم الذي كان يربط الهند بلندن، و بها ما يقرب من 200 منزل للبلوش و قبيلة «جنكي» و من الميد، و يملك أغلب نخيلها أمراء آل دغار و أخوالهم من أبناء محمد بن جنكي و للسيد عبد الرحمن الهاشمي و أسرته و هم أخوال أبناء بركت، و بها بعض من النخيل. و في يكدار كان الحصار الأخير للأمير مراد بن مصطفى و السيد عبد الرحيم الهاشمي قبل إعدامهما من قبل رضا شاه.

(15) تشابهار: بلدة على ساحل خليج عمان الشمالي في منطقة مكران، حكمها العمانيون من اليعاربة ثم آل بو سعيد حتى عام 1872، و استقروا بها و أحد ولاتها السيد تركي بن سعيد بن سلطان آل بو سعيد الجد الأكبر لسلطان عمان الحالي جلالة السلطان قابون بن سعيد بن تيمور بن فيصل بن تركي آل سعيد.

29

وصلنا إلى (شهرنو) حيث خيّمنا تحت ظلال أشجار النخيل، و هنا يجب عليّ ألا أنسى ذكر ذلك الرجل الصامت الذي قابلناه أثناء سفرنا. كان اسمه «الملا سعيد» أي «الفقيه سعيد» و كان قائدا سابقا لدى الأمير «عبد النبي» (16) و الذي بعد المعركة الأخيرة التي خسرها من الأمير «يوسف» (17) للسيطرة على قلعة (جاسك) قد تركه و جاء ليشارك و يخدم مع الأمير «يوسف»، و هو شخص طويل و نحيف، أسمر البشرة و مكتئب و يعرّف نفسه على أنه أفغاني، و لكن من يراه يعتقد أنه من (الهند)، و كان يركب جملا رائع الشكل، بينما خادمه الصغير يجري أمامه حاملا بندقيته الإنجليزية الثقيلة.

____________

(16) هو الأمير عبد رب النبي و اختصرت القبائل هذا الاسم و اشتهر باسم «الأمير عبد النبي» بن محمد بن داخذا الكبير بن شاهو بن اليشكري بن الأمير جمعة بن الأمير دغار بن الأمير بلى بن الأمير البهلوان بن الأمير الأشتر بن الأمير عالي من السلالة الميرانية الحاكمة و من أقوى شخصيات أمراء آل دغار في الساحل، اصطدم مع حكومة فارس و تحالف مع حكومة «مسقط» في عمان و حكم باسم سلطان عمان مناطق الساحل ثم اختلف معهم بعد وفاة السيد ثويني بن سعيد بن سلطان، و أقام علاقة تحالف مع الحكومة الإنجليزية و وقع معهم اتفاقية التلغراف البريطاني بعد أن سمح لهم باستخدام أراضي منطقته لعبور خط التلغراف و هو والد الأمير «بركت».

(17) هو الأمير يوسف بن داخذا بن الأمير حاجي الكبير بن الأمير حسين بن داخذا بن شاهو بن اليشكري بن الأمير جمعة بن الأمير دغار.

30

شخصيته كانت غريبة، نظرا لتحيته لي بالطريقة المتّبعة في (هندوستان)، و من يراه يعتقد أنه هندي نظرا لصعوبة تلفظه لحرف «الراء» بالبلوشية.

لقد لفت نظري في (شهرنو) الأكواخ القليلة المتفرقة و سكانها يلبسون الملابس الزاهية محتفلين بحلول عيد الأضحى، اليوم الذي يلتف فيه المسلمون حول الكعبة بمكة المكرمة، و ذلك حسب اعتقادي؛ لأنه كما ذكرت، ليس بيد أحد منهم أن يعرف أي مناسبة تمر بهم، فقط أنا و «الملا سعيد» كنا نعرف سبب المناسبة.

بعد مغادرتنا (شهرنو) مررنا ب (يكدار) حيث ينمو فيها شجر النخيل في برك راكدة و ينتشر فيها البعوض الأسود القارص، الذي أربكنا و أربك جملنا مما جعلنا نتقدّم بحذر على أطراف هذه البرك لتفادي ما لا يحمد عقباه.

إن النظر إلى حالة بساتين النخيل بهذه المنطقة يمّكننا من معرفة المكانة العائلية لأصحابها و ملاكها، و معظم البساتين هنا هي ملك الأمير «علي» و خصمه «عبد النبي» و قد بدأ رجالي- و كلهم خدم أو أتباع الأمير «علي»- عند رؤيتهم الأشجار، فرحين و هم يؤشرون و يشرحون لي عن أشجار النخيل المثمرة الطويلة، و مقارنتها مع بساتين الخير المزروعة حديثا.

إن شخصيتا هذين الزعيمين الخصمين، و اللذين قد أثر نزاعهما سلبا على أحوال البلاد، يمكن تلخيصه بوجه عام كالتالي:

إن «الأمير علي» و هو رجل كهل و مسن، هو الأفضل لرعاياه؛ حيث يقوم بإعطاء كل فرد جزءا من نخيله ليجعل بينها مسكنا له، كما أنه يساعدهم في الزواج و الاستقرار.

أما «عبد النبي» فإنه منذ أيام عنفوانه الأولى، و بعد وفاة والده في (مكة) (18) أصبح حاميا للرعية و جعل من أتباعه و خدمه جنودا،

____________

(18) لم يتوفى والده (الأمير محمد آل دغار) في مكة، إنما كان في رحلة للحج إلى بيت الله الحرام-

31

لم يدعهم للبقاء طويلا في مكان واحد، و جعلهم دائما مرافقين له في رحلاته ليكسبهم الخبرة؛ من أجل القتال و مساعدته في أعماله الأخرى.

و عند غروب الشمس اخترقنا حزام الأشجار الخضراء على ضفاف نهر (جغين) و وجدنا مكانا مناسبا للمخيم في الناحية الغربية للنهر، و بكل حماس اندفع الرجال لإقامة الخيام، و كان واضحا من عملهم أنهم لم يسبق لأي منهم أن قام بهذا العمل، إذ أنني لاحظت ثلاثة منهم يمسكون وتدا واحدا، أحدهم يرفعه، و الآخر يربطه بوتد آخر و يطرقانه بشدة، و الثالث يمسك بنهاية الحبل لشده. على أي حال، قام «جني» الصبي الصغير بتسوية الأمر لتثبيت الخيام، خاصة أنه يريد أن يبرهن بأنه يستحق ثناء أبيه و توصيته.

و بعد العشاء توجهنا للنوم على زمجرة الجمل «إبليس العجوز» للرد على آخر ما يصله من الأصوات البعيدة، و على موسيقى طنطنة البعوض المتداخلة مع صوت تحرك كتل الرمال من المنحدرات نحو قاع النهر.

و في الصباح الباكر بدأت أسراب طيور الحجل التي قدمت من الغابات المحيطة ترتوي من مياه النهر .. و توجهت مع «جلال» للصيد وعدنا بعد ساعتين بثعلب واحد، و قط بري، و ابن آوى، و ثلاثة من طير الحجل الأسود، و أشهد أنني لم أكن موفقا في ذلك اليوم، فقد كنت مضطربا برغم أنني صوّبت كثيرا دون جدوى، و كانت الغابة في بعض مناطقها كثيفة الأشجار، و لم أسمع سوى صوت الطلقات و الطيور تهرب بعيدا، و قام «جلال» باصطياد حجلين بيده فهو له خبرة في ذلك؛ إذ أن هذه الطيور بعد

____________

- في مكة، فوافته المنية في «الإحساء» عند ما كان عائدا من مقابلة الأمير السعودي قائد الحركة السلفية في الدرعية في نجد و دفن بها.

32

سماعها صوت طلقات الرصاص تختبئ في أشجار كثيفة، و يمكن للصياد الماهر اصطيادها بيديه، و قد أجهدت «جلال» كثيرا بهذا العمل، فطير الحجل الأسود أصعب في صيده من الطير البنيّ اللون، كما أن منظر هذه الأفواج من الحجل و هي مختبئة في الأشجار قد يفاجأ بها القادم لأول مرة لهذه البلاد.

إن نهر (جغين) كغيره من الأنهار ينحدر من الجبال و ينساب بشكل متموج خلال مجرى رملي نحو البحر- فوصفا موجزا له قد يكون ذا فائدة- إن عرض نهر (جغين) نصف ميل، و هو غني بالطمي الذي يساعد على زراعة محاصيل وفيرة، و لكن ما يستفاد منه هنا فقط زراعة بعض أنواع شجرة القطن الرديئة، و الحشائش، و منها البرسيم الذي ينمو بغزارة في الشتاء و يقل في موسم الجفاف، كذلك يوجد قليل من المواشي ترعى في هذا المكان، و الناس هناك قد تسخر من فكرة حشه و تخزينه في موسم كهذا لأجل استخدامه في موسم الجفاف‏ (19).

و عند عودتنا من الصيد، فوجئنا بخبر غير سار؛ إذ أن النهر غير سالك لما فيه من طبقات كثيفة من الطمي المتراكم و الذي يصعب عبوره، و قد بحثنا طوال الصباح عن ممر ضيق في النهر دون جدوى.

و تناولت طعام إفطاري بدون شهية بعد أن أرسلت «جلال» و «تاجو» (أحد المصاحبين للجمال)، في اتجاهي النهر، المنبع و المصب؛ للتأكد و البحث، أما «تاجو» الذي رافقني لا حقا، في رحلات عديدة مع آخرين بعيدا عن بلادهم، لدرجة أنهم تخلو عني بل و تمردوا ضدي و لكنه وقف‏

____________

(19) إن سكان جزيرة «قشم»، في الخليج الفارسي هم على عكس ذلك، في غاية الحرص يحتفظون بالبرسيم و الأقطان في كهوف و مخازن للموسم الحار و لا يعطي المسافر عبر الجزيرة فرصة ليفلت جملة طلبا للطعام و الشراب (فلوير).

33

بجانبي دائما، و يبدو «تاجو» بساقيه الطويلتين التي يرتكز عليهما كأنه يريد أن يتحدى التعب، و كان شخصا مرحا و منطلقا. و لا تبدو الرابطة الجلدية التي حزم بها شعره الكثيف كافية من أن يترامى الشعر على وجهه و كتفيه، و مع أنه لم يكن معتنيا بنفسه بما فيه الكفاية إلا أنه أصبح خير مساعد لي، و قام أيضا بتعلم الطبخ بعد جهد و مشقة، و هو يمتلك ثلاثة جمال و يشترك في عدة جمال أخرى غيرها، و يصحبنا في هذه الرحلة بناقته المدلّلة الأنيقة «دارجي» التي يشاركه ركوبها الطباخ و الكلب «توبي»، بالإضافة إلى أجزاء من الخيمة التي بالكاد تستطيع حملها.

و «تاجو» يتاجر في الحمير أيضا؛ حيث يستوردها و يصدّرها من وإلى (عمان)، و بدا سعيدا لأنه أصبح قادرا على التفاهم مع «صالح» بنفس اللغة التي يفهمها.

و بينما كنت أسترخى على سريري في الظهيرة و الجمّالة يتحدثون بالخارج، سمعت صوتا غريبا، و لما ألقيت نظرة من جانب باب الخيمة رأيت أحد رجالي يلقي السلام على بلوشي عابر و مدجج بالسلاح حتى أسنانه، و بجانبه جمله الذي يقبض بزمامه عبد صغير يتبعه، و يحمل بيده سيف طويل و آلة موسيقية تسمّى (البانجو).

إن طريقة و إسلوب التحية و السلام عند البلوشي تدعو للضحك و الاستغراب؛ لأنها تستغرق خمس دقائق؛ حيث يقومون بتقبيل الأيدي بوقار، و عند مرور كبار القوم من قبائل البلوش، على أتباعهم و رعاياهم، يقوم هؤلاء بتقبيل أياديهم تعبيرا عن ولائهم و إخلاصهم لهم، و يردون عليهم بسحب أياديهم و الاكتفاء بالقبلات التقليدية على الوجه. و ليس من اللائق و إهانة لكرامة الرجل أن يسأل أحدهما عن صحة الآخر أقل مما يسأله الآخر عن صحته و أحواله، و هذه الطريقة الشائعة كان يتبعها رجالي عند لقائهم أبناء بلدهم؛ لذلك أصبحت فزعا جدا عند لقاء غرباء في‏

34

مسيرتنا؛ لأنها تسبب لنا تأخيرا، و عندئذ يفسد تنظيم خط سير رحلتنا.

و بعد إلقاء السلام يسأل كل الآخر، مثلا: هل أنت بخير؟ هل أنت سليم معافى؟ هل كل الأهل بخير؟ هل أهل بيتك بخير؟ و أثناء الأسئلة تلتقي الأيدي و يقبّل كل واحد الآخر ثلاث مرات، ثم يكررّ هذا السلام مرات عديدة، بعد ذلك يسألون بعضهم عن الأخبار و يكررون السؤال أيضا، و إذا صادف أن شخصا واحدا يواجه ثلاثة أشخاص عليه أن يسأل عن حال كلّ واحد على حدة، و إذا كان أحدهم من كبار أبناء القبيلة اكتفى بأخذ الأخبار من أكبر واحد من الموجودين.

و بعد نهاية اللقاء و السؤال عن الصحة و الأخبار استعدّ الضيف للرحيل، و لما رأيته قد انصرف، ناديت على رجالي لسؤالهم إن كان اتجاهه نحو الممر الضيق للنهر، و أدهشني أنهم جميعا لم يخطر ببال أحد منهم أن يسأله هذا السؤال، و خطر ببالي أن أتحرى شخصيا عن وضع النهر بدلا من الاعتماد على الرجال، فوضعت القبعة على رأسي و ذهبت للتحية و السلام على صديقنا الجديد، و أخبرته أنني أود مرافقته إلى الممر الضيق للنهر، فتوجهنا قدما و بخطوات واثقة نحو النهر و كان الرجل حذرا، و يجعلني أتقدمه كلما ضاق الطريق.

و اتضح أن صديقنا هذا كان جنديا مارا في طريقه من مخيّم «عبد النبي» إلى مركز قيادته في (جابريج) (20)، و سمعنا بعد ذلك بأن هناك مسألة تتعلق‏

____________

(20) جابريج أو غابريغ: هي مقر فرع أبناء الأمير «محمد» من أمراء آل دغار، و هم أربعة: «اليشكري بن محمد» و «جمعة بن محمد» و «عبد النبي بن محمد» و «عبد الله بن محمد». و هؤلاء هم أبناء الفرع الذي آل إليهم الحكم بعد مقتل الأمير «حاجي»، و آخر أمرائهم هو الأمير «بركت»، و تعتبر (غابريج) منطقة زراعية و بها أشجار النخيل و مجمعات سكن للقبائل و مركز التراث الأدبي و الشعر لقبائل المنطقة.-

35

بمحاولة أخرى لإعادة السيطرة على القلعة في (جاسك) التي سقطت في يد الأمير «يوسف».

و إنني لا أنسى أبدا سمات التكبر و الغطرسة التي كان ينظر بها إليهم عند ادعائهم بأن النهر في مكان ما عميق و موحل جدا، و كان يلوّح ببندقيته و كأنه يعلمهم متسائلا: «من قال أنه يوجد و حل هنا؟ أليست هذه آثار أقدامي من الأمس عند ما كان النهر أعلى منسوبا من اليوم؟»، و بكل هدوء رفع الغلام فوق الجمل و خلع ملابسه و توجه ماشيا نحو النهر ليعبره. كانت المياه في هذه القناة عميقة و منحدرة من الناحية الأخرى، و لكن عبورها لم يكن بالسهل أو المستحيل.

و بالرجوع إلى عبارة- استحالة عبور النهر- التي كان يكررها علينا «دادو» و هو الساكن الوحيد بالمنطقة الذي ظل يبيع البيض و الدجاج و اللبن لنا طوال فترة بقاءنا هنا. و بعد أن عبر الرجل النهر، تجلى الموقف و أصبح طبيعيا بالنسبة لي أن أعبر أيضا، فأصدرت أوامري للتحميل و الرحيل في الحال. أما الجمال التي ذهبت لترعى لم تكن مفاجأة لي أن أراها ترعى على الضفة الأخرى من النهر.

و بعد الغروب كنا قد أنهينا التحميل و بدأنا بالمسير، و كان أسوأ ما لقيناه هو الخوض في حوالي 5 أقدام من المياه و الوحل، حتى أن «إبليس العجوز» الذي يتبعني كاد أن يترنح و يسقط بما يحمله من السكر و الأرز و الدقيق، لو لا أن قام الرجال بإعادة توازنه بعد أن حملوا البضائع و الصناديق على رؤوسهم.

____________

- و فيها أيضا حصلت ثورة الأمير ميرزا بن بركت مع القبائل المتحالفة معه و فيها تم حرق مراكز الجيش و الشرطة في زمن محمد رضا شاه بهلوي آخر شاهات إيران و التي أطاحت به الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني عام 1979.

36

كانت نصف ساعة مثيرة للأعصاب و الجمال متفرقة في الظلام تعبر المياه الباردة. عموما، مرّ كل شي‏ء بسلام، خاصة بعد أن وصلت الجمال على الضفة الأخرى من النهر و تأكدنا من سلامة مخزوننا من الطعام و زال القلق عنا.

و لكي نتحاشى البعوض خيّمنا في مكان بعيد عن الوحل و المياه، و كانت الخيام التي أقامها «عبد الله» تشبه الأشجار الضعيفة مما جعلنا نلومه بأسلوب لطيف؛ لأنه ركّز أوتاد الخيمة على الرمال الهشة و سقوط الخيمة ربما يؤدي إلى موتنا مؤكدا.

و لم يكن من السهل على «عبد الله» أن ينصب الخيمة لأنه ضعيف جدا، و هو رجل كبير و طيب، و أصبح بحكم عمره مسئولا عن الرجال، و لم أعترض على ذلك حتى يحين الوقت لإيجاد شخص آخر مناسب بدلا منه، و لكن هذا لم يحدث لأنه كان يفرض رأيه و بعض تعليماته خاصة عند ما نصبنا الخيمة. و بهذا نال استحسان الجميع و لم يكن ليسكت أبدا و إن لم يكن يوجد شي‏ء للحديث عنه، كان يقوم بأخذ عصا صغيرة و يبدأ في وصفها «كم هي جميلة، آه كم هي حادة، قوية كالمسمار ... الخ».

صحونا صباح اليوم التالي مبكرين مع الطيور، و كان الجو شديد البرودة، مما جعل الاستيقاظ باكرا صعبا على هؤلاء الرجال و ذلك بالرغم من الأغطية الثقيلة التي سلمتها لهم. و يبدو أن السبب يكمن في أنهم كانوا لا يرتدون سوى ثوبا و قميصا بسيطا مع علمهم بسوء الطقس.

و قد بدا واضحا أيضا أن الحمولات الخاصة بالجمال لم تكن قد وضعت عليها بعد، و كان علينا أن نستعجل لإنهاء هذا الأمر. و هنا بدأ «إسماعيل» بصوته الحاد في توزيع التعليمات، حيث أن ثلاثة من الجمال المرافقة لنا هي ملك لأخيه الأكبر «عبد الله» و كان يحاسب على تحميلها

37

و يعترض أن يكون على ظهرها حمولات زائدة عمّا هو مقرر.

و تأخرنا عشرين دقيقة أخرى بسبب الجمل «بيغ» كان قد أحكم وثاقه، و لما نهض تأرجحت حمولته مرتين حتى أعدنا ربطها جيدا مرة أخرى.

و لسوء الحظ لم أجلب معي مشرفا على العمال؛ لذلك كان عليّ أن أقود الركب بنفسي، فقد كان واضحا الآن أننا فقدنا وقتا ثمينا من رحلتنا و كان لا بد أن أحدد لكل واحد من الرجال حمولة جمله مع إفهامه أن يقوم بمهمة التحميل بنفسه و عليه أن يتحمل مسئولية ذلك.

الوصول إلى جابريج:

في رحلة هذا اليوم توجهنا إلى نهر (جابريج) الذي يبعد عشرون ميلا من هنا. بدأنا بعبور حزام الأشجار الخصب على ضفاف نهر (جغين) و بعدها مررنا على تلال رملية على مقربة منها أكوام تغطيها شجيرات قصيرة، بعدها تراءت لنا عن بعد أشجار النخيل في (جابريج).

تقدمنا الركب أنا و «صالح»، و كان أمرا مدهشا أن نرى قطيعين من الجمال تهيجت لها جمالنا و كأنها في معركة، و كنا في خطر أشد بعد أن دخلنا حزاما من الأشجار، إذ وجدنا صعوبة في تحاشي هذه الجمال الهائجة، و بينما كنا نعبر تلا رمليا آخرا فوجئنا بزمجرة هائلة و غير عادية، و سرعان ما كان أمامنا جمالا ضخمة جعلتنا نتقهقر بسرعة و بشدة مدركين من صوتها فقط بأن هذه إبل و ليست خيول قوية كما بدا ذلك من وقع أخفافها.

و في طريقنا مررنا بنموذج جميل لمقبرة على ربوة من حصى و أحجار بها أربعة عشر أو خمسة عشر حوشا مستطيلا مبنية من الطوب المجفّف- ارتفاع حوائطها حوالي 4 أقدام و يعلوها من جوانبها شكل مثلث ناحية كل ركن، و هذه هي مقابر عليّة القوم التي يغطونها بالأحجار البيضاء و القرمزية

38

و الخضراء، و في الخارج و على جوانب هذه الأحراش توجد رقعة أخرى لمقابر الفقراء و تغطى أيضا مقابرهم بالأحجار الملونة، و يزين حائط المقابر مثلثات متشابكة تبدو و كأن لا نهاية لها، على شكل» W «، و مدخلها الوحيد فتحة لا يمكن الدخول منها إلا و أنت توطأ على يديك و قدميك‏ (21).

(جابريج) هي مركز حكم «عبد النبي» و منها يدير المنطقة من الشرق إلى الغرب من حدود نهر (جغين) شرقا إلى حدود نهر (سذيج) و من الشمال إلى الجنوب فحدودها الجبال حتى البحر.

و الصيد جد ممتع خلف (جابريج) و عليه فقد أرسلت من يبلّغ «راهي» ليصاحبني في صبيحة اليوم التالي؛ لأنه سبق أن خرج معي في رحلة صيد ممتعة على جبال (قيكن) (22) التي تبعد حوالي 70 ميلا غربا من هنا، و تجولت في الغابة لاصطياد طير الحجل و بقيت لوحدي دون أي أثر ل «راهي» و هكذا قفلت راجعا في الظهيرة، و ذهبت إلى القرية لكي أتفق معه على اللقاء غدا.

كان «راهي» عبدا ل الأمير «عبد النبي» و يعيش في إحدى المنازل الستة أو السبعة التي تملكها عائلة «عبد النبي» بجوار مزرعة للقطن، و وجدته مريضا من حمى الملاريا التي لازمته إثنى عشر يوما. و بما أنني كنت متعبا

____________

(21) هذه المقبرة الميرانية، و فيها قبر الأمير «دغار» الذي استشهد أثناء معاركه العديدة مع الملك دوستين و الملك محمد في القرن السابع عشر- و فيها وضع حدود إمارته في منطقة «مليكوني جيذاك» و هي حدود حكومة الملوك. و دفن بها أيضا عدد كبير من أفراد هذه الأسرة و عائلاتهم، و فيها كذلك قبر الشيخ جمال الدين و أبنائه من علماء الدين و الأئمة و هم أخوال بنو آل دغار.

LT. C. M. Mac Gregor. P. 412

(22) قيكن أو جيجن: قرية تبعد 20 ميلا غرب (جاشك) يسكن بها قبائل (الشيهانيين).

39

أيضا رأينا أن تكون رحلة صيدنا قصيرة بقدر الإمكان، و غادرنا نحو جبال (غوراني) التي تقع على بعد 8 أميال من المخيّم. و زاد اضطرابنا عند ما فوجئنا بحوالي 700 ناقة تجري بقوة و أصبح جملي في وسطها يركض بكل قوته، و كان الوادي مليئا بالبعوض مما جعل (تيس الجبل) الذي كنا نتعقّبه لنصطاده يترك المنطقة و يهرب ليرعى على مشارف التلال المحيطة.

بعد ثلاث ساعات وجدنا مجموعة أخرى من قطعان (تيس الجبل) على حافة الشجيرات المحيطة، و حاولت التصويب عليها و لكنني وجدت مجموعة أخرى مؤلفة من خمسة و عول تبيّن أننا قد رأيناها من قبل، فصوبت عليها لأخطئ في البداية، و بعدها أصبت و علا ذكرا ذا قرن بطول 6 بوصات، بدت فرحة الانتصار لدى «راهي» عظيمة و هو ينظر إلى «جلال» الذي ما فتي‏ء ساخرا من الصيادين المبتدئين أمثال «راهي»، و لكن عند ما اصطدنا هذا الوعل، سكت و لم ينبس ببنت شفة.

و عند غروب الشمس رجعنا ثانية إلى المعسكر الذي أبلغت الرجال أن ينقلوه إلى (سذيج) (23) و جعلت شابا يدعى «غلام شاه» مسئولا عن المعسكر و عن الأواني، و الدقيق، و صفيحة الزيت و الكاكاو و الحليب.

و بعد أن شربنا الكاكاو بدأنا نتناقش حول إمكانية بقائنا إلى الغد، و بدا القمر مكتملا في تلك الليلة، فقررنا التحرك. كان «غلام شاه» يملك جملا لاستعماله الشخصي مع حقيبة السرج، كذلك كان ل «جلال» حماره ولي أيضا جملي. و هكذا قمنا بعبور النهر، الذي كان عرضه 60 ياردة و كان موحلا، و بعدها مشينا بإجهاد عبر التلال الرملية، و ودّعنا «راهي» هناك.

____________

(23) سذيج أو سديج: بلدة تقع على وادي أو نهر سذيج، أهلها من قبائل البلوش و الشيه و أبناء (سمّا) و «نودبنده» و بين (غابريج) و (سذيج) تقع عدة بلدات منها (كروج) و (تنك ليري)، و مجموعة أخرى تقطنها قبائل الهوت المتحالفة مع أمراء آل دغار و آل محمد .. و قد خاضوا أغلب المعارك القبلية و الخارجية معهم خاصة مع الأمير «عبد النبي» و الأمير «بركت»، و في زمن ثورة «ميرزا بن بركت».

40

مسافة هذه المرحلة كانت 20 ميلا، و بعد حوالي ثلثيها ترجل العجوز «جلال» و توجّه ناحية تلة رملية قريبة واعدا إيانا أن يقابلنا صباحا في المخيّم ب (سذيج).

في حوالي الساعة الثانية صباحا وصلنا إلى مخيّمنا و وجدت كما توقعت الجميع نائمون، و لم تنصب أية خيمة. أيقظت الرجال و قمنا بتثبيت الأوتاد و بعدها نصبنا الخيمة. و آويت إلى فراشي و كانت الرياح قد بدأت تهب بشدة و أصبحت الأرض موحلة إلا أنّ خيمتنا صمدت أمام كل ذلك.

في حوالي الساعة التاسعة صباحا استيقظنا على صوت عاصفة قوية و أمطار غزيرة، و بدأ الرجال في حالة من الاضطراب، و لكن كان عليهم أن ينتظروا حتى تهدأ العاصفة.

و عند ما هدأت العاصفة قمنا بحل الخيام و وضعناها تحت أشعة الشمس لتجف، بعدها أرسلت الرجال لقطع أربعة قوائم من الأشجار و التي تبين أنها أفادتنا كثيرا فيما بعد.

أصبح نهر (سذيج) الذي كنا نعسكر على‏

41

أحد ضفافه موحلا نتيجة لهذه الأمطار، و هنأنا أنفسنا على أن سيرنا ليلا قد أنقذنا من البقاء على الجانب الآخر من نهر (جابريج) و بينما كان معسكرنا في (سذيج). انقضى هذا اليوم في تجفيف كل أغراضنا. حينها بدأت البحث من غير جدوى عن خنزير بري قيل أنه يزمجر غضبا و يحوم في منطقة ما حول معسكرنا، بينما انصرف الرجال لشراء نعجة و طيور و سمن.

أما اليوم التالي فكان جميلا و النهر- بلا شك- لا يمكن عبوره، و لكن تجربتي و خبرتي في (جغين) جعلتني لا أبالي بالأمر كثيرا، و أخذت على عاتقي العبور مهما كان الثمن؛ لأنه بالنسبة لي لا يمكن أن أكون مثل بعض أولئك الرجال الذين جلسوا على الضفة الأخرى من النهر في انتظار انخفاض المنسوب، و هكذا أرسلت رجالي حاملين قوائم الأشجار ليتحسسوا بها القاع الرملي لمعرفة الأماكن الضحلة، ثم بدأنا بالعبور، و بدا جمل «تاجو» الفقير تعبا جدا نتيجة الحمولة الزائدة عليه من معدات الطبخ، و كاد أن يأخذه السيل لو لا أن تداركنا الأمر فرفعناه و أنزلنا بعضا من المتاع عنه و حملناها، حتى وصلنا إلى الضفة الأخرى من النهر.

الوصول إلى سوراك:

إن رحلتنا هذا اليوم إلى (سوراك) (24) كانت لحسن حظنا قصيرة، حوالي 5 أميال فقط، و كان الطريق موحلا و زلقا، فسلكنا أنا و صالح طريقا

____________

(24) سوراك أو سورق: تبعد حوالي 8 كم من سذيج، و هي مشهورة و مشؤومة كما قالوا لأنها كانت المعركة الأخيرة التي أودت بأغلب عائلة الأمير «مراد بن مصطفى آل دغار» سواء من النساء و الأطفال- كانت مجزرة إرتكبتها القوات العسكرية البهلوية، لرضا شاه و لم ينج من أبنائه سوى «عبد الرحمن» و «حسين»، و أصيب الأمير «مراد» إصابات بالغة، فقد نظره خلالها- و بعدها ظل في (بنت) لفترة ثم حوصر في (يكدار) و أعدم لا حقا بتهمة التصدي للقوات الحكومية لرضا شاه بهلوي.

42

مختصرة نحو الجنوب و وجدنا 200 فدانا من الأراضي المزروعة بالقمح و القطن، و كان الرجال الذين يحرثون الأرض من طبقة العبيد.

كانت (سوراك) أجمل منطقة خيّمنا فيها حتى الآن و اتخذت لنفسي مجلسا في الخلاء هذا المساء، و أمامي شجرة كبيرة تحترق. عموما، خابت آمالي في مقابلة أصدقائي الذين كنت أتوقع أن ألتقي بهم في نهاية هذه المرحلة من رحلتي قبل أن أتوجّه شمالا إلى (بنت).

في اليوم التالي، كنا في (كاشي) التي تقع على بعد 16 ميلا عبر سلسلة جبال صعبة دون وجود طريق سالك فيها، و وجدنا خلال سيرنا مجرى مائيا جافا، الذي اتضح أنه يؤدي إلى طريق سالك، فأخذنا نمشي فيه و نسحب وراءنا الجمال بكل حماس، آملين أن تجد دوابنا طريقا سالكا أكبر، ثم انتهت متاعبنا حين عبرنا المنطقة الجبلية تماما بعد 3 أميال تقريبا.

و في كل شيئ أيضا لم يسعفنا الحظ في مقابلة أولئك الأصدقاء، و بما

43

أن الرياح في صبيحة اليوم الثاني كانت باردة مما أجبرنا على حمل أمتعتنا و توجهنا شمالا نحو منطقة «كروان» التي تغطيها السهوب و السهول المتقاطعة مع جداول المياه المغطاة بالأعشاب و الشجيرات الصغيرة، و التي انتشرت أعشاب الزعتر حولها مما أكسب الجو رائحة طيبة.

التحرك ناحية كروان‏ (25):

و في (كاشي) (26) حصلنا على مرشد مرافق، و لكنه لسوء الحظ كان رجلا كبيرا في السن، ذو لحية و هرقلي الأكتاف، و كان له ثلاثة حمير يمتطيها واحدا يلو الآخر، و كان شخصا طيبا و لكنه لا يعرف شيئا عن خط سيرنا. عبرنا وادي (كاشي) الصغير و ظهرت أمامنا سلسلة من البرك الموحلة، فسرنا بمحاذاة منطقة كبيرة منخفضة، فيها حجارة ملحية مغطاة بطبقة من الحجارة الرملية. بعدها تركنا هذه المنطقة على الجهة اليمنى و مررنا على شواطئ حصوية على امتداد (4 إلى 5) أميال، و في الظهيرة وصلنا إلى (ناليج) حيث توجد بعض المرتفعات تسمى (الشور) و تقع على حافة حزام من أشجار الغابات، و هنا كنا قد دخلنا إلى منطقة (كروان).

سوف أذكر في حديثي في مرات لا حقة هذه التلال المتكونة من الطمي و الطين و سأقوم بوصفها بإيجاز. يسميها السكان المحليون (شور) و هي‏

____________

(25) هي مجموعة من البلدان أو تجمع من المناطق الزراعية تبعد حوالي 15 كم من البحر على ضفة نهر أو وادي «ريج»، و أهم هذه البلدان كنجاك، تماو، هيان، كاركندر، تمبلان .. و هي تتبع لإدارة (الشيرانيين) في (بنت)، و لهم قصة مشهورة مع القوات البريطانية في حادثة مقتل جريفز الذي قتل على أيدي قبائل هذه المنطقة- مما أدى إلى تحرك القوات الإنجليزية و معها (بيرسوبوليس) البارجة الفارسية لهذه المنطقة و ذلك سنة 1889.

(26) كاشي: هي بلدة تقع في بداية الطريق إلى (بنت) و لكن لا يستخدمها الأهالي و إنما يذهبون إلى (كروان) ثم ينطلقون منها إلى (بنت).

44

تلال عالية ذات حواف حادة متساوية، و لها سطح عال دائري، ذات تقاطعات من قوائم و عروق جبسية بسماكة (5 أو 6) بوصات، موجودة في أسفل الجبال بالمنطقة، و لا ينمو أي شي‏ء عليها.

لقد استغل الرجل المسن «جلال» ضيافة و كرم السكان المحليّين، فأخذ يزيد و يثقل في الطلبات منهم، و أتى بي إليهم عند ما توقفت لإنزال أمتعتنا و في طريقنا لاحظ بعضا من الماعز المشاكسة تسلك طريقا خاطئة فركض «جلال» خلفها لسحبها و قام بحلبها، ثم قام بشراء خروف صغير لنا من الأهالي، و هذا الشي‏ء شائع هنا.

تركنا (ناليج) متجهين غربا بعد أن عبرنا نهر (كروان) من أربع أماكن مختلفة و وصلنا إلى تلال (جودار) المكان الذي يوجد فيه الآن مجموعات كبيرة من الأشجار و أعشاب القش التي تستخدم لأغراض مختلفة مثل عمل الأحذية، و تدخل ضمن مواد البناء و تستعمل كوقود للنار و لها استخدامات أخرى تماما مثل استخدام البلّوط في انجلترا.

إن شجر القش و اسمه العلمي «جاماروبس ريتشيانا» ذو أوراق كبيرة، و تنمو مجموعات هذه الأشجار في قاع النهر الذي يجري في الأرض المالحة، و جذور هذه الأشجار سميكة سوداء تتكون من ألياف و جذور تمتد إلى (12 أو 15) قدما تحت الأرض، تتعرج منها فروع ترتفع حوالي 9 أقدام، و طول فروعها يصل إلى 4 أقدام في بعض الأحيان، و أشجار القش تموت عند ما تكبر و لكنها تثمر، و الثمرة تسمى (كونار) و هي بيضاء و تؤكل كالتمر. و بعض أشجار القش تنتج مادة كالوبر تنقع مع محلول آخر و تجفف و تلف بعد ذلك و تصنع منها الحصائر، و هي متينة و طويلة الأمد، و تسقف بها الأكواخ فتكون مانعا ضد المياه. و تحمل أوراق القش عادة من أعالي الجبال إلى السهول. و يوجد في قاع نهر (كروان) غابة من أشجار القش، هذه الغابة تزيد من جمال النهر. كان الليل رائعا، فخيّمنا في‏

45

(بوجندي) و هذا الاسم يعني (قلب شجر القش).

في صباح اليوم التالي عارض «مهراب» مرشدنا الحمولة التي على جمله، و لحسن حظنا مرّ بنا في تلك الأثناء شخص يمتطي جملا متجها إلى (بنت). فصحبناه و مشينا معه لمدة ساعتين لنصل إلى هضبة صخرية قاحلة؛ حيث وجدنا فيها ثلاث غزلان قريبة، و قد عكّرنا على هذه الغزلان صفوها لتواجدها على طريق رحلتنا. و بعد مسافة ميل واحد تحت هذه الجبال اتبعنا طريقا آخرا و اتجهنا نحو الغرب قليلا، إلا أن بلغنا نهر (تنك) و هي تعني الممّر. و هناك أيضا 3 أنهار تحمل نفس الاسم و تبعد حوالي 20 ميلا عن بعضها البعض. نهر (تنك) صخري الجوانب و القاع، و المكان الذي نحن فيه الآن يقع على الجبال و أمامنا 100 ميلا من الأراضي و السهول التي تمتد شمالا لتصل إلى مقاطعة (لاشار).

لقد تابعنا مجرى نهر (تنك) لمسافة ميل واحد، و كان عرضه حوالي 400 ياردة، و ارتفاع الجبال على كل جانب تتراوح ما بين 50 إلى 300 قدم. في هذا المكان التقينا برجلين يمتطيان جملين محملين بالقش، لقد أخذ رجالي التحدث معهما لأكثر من ربع ساعة، فأمرتهم أن يجلسوا و يتحدثوا بشرط أن يكون هناك شخص مسئول عن الجمال و يبقى معها.

كانت الأخبار تفيد أن الأمير «حاجي» (27) حاكم (بنت) قد قتل شقيق «همّام شاه» و هو أكثر رجل معروف في (سوراك)، و أن ركبا مكونا من ثلاثين رجلا قد سبقونا متوجهين إلى (قصر قند) لرفع شكوى، ضد الأمير

____________

(27) هو الأمير «حاجي بن أحمد بن الرئيس سليمان»، و كان حاكما لإمارة بنت و استلمها بعده أبناؤه و المعروف منهم الأمير «إسلام»، و لكن حصلت مقتلة كبيرة بينهم انتهت بقتله، و تحول حكم الإمارة إلى أبنائه، و حصل تقاتل شديد بين الأخوه قتل منهم «أيوب» و تحول الحكم بعدها إلى «نجدي» و بعدها لابنه «علي» و أبنائه.

46

«حاجي» أمام «حسين خان»- حاكم قصر قند- و المطالبة بالديّة. و تدّخلت هنا قائلا بأن ما رأيته في الطريق الذي سلكناه آثار جملين و حمار واحد، و تساءلت عن العدد الحقيقي للمجموعة التي سبقتنا، و صاح الشخص مباشرة أنهم كانوا 35 شخصا- و سكت قبل أن أعيد طرح السؤال حتى لا يصل العدد إلى مجموع جيش كامل، و يبدو أن الأمر يتعلق بقضية أرملة ثرية.

نحن الآن نقصد (شهران كوه) أو الجبال القرمزية الناعمة، بألوانها الحادة. الآن تركنا (تنك) و اتجهنا إلى اليمين نحو جدول ماء (شهراني)، و سرنا حوالي ميلا واحدا أعلى المنحدر، و اجتزنا منحدرا شاهقا شديد الإنحدار إلى الجانب الآخر من نهر (غاري). و تابعنا ذلك لفترة قصيرة نحو جدول (ديرائي) و لمرة ثانية اجتزنا منحدرا آخرا حتى وصلنا إلى نهر (سرتابي) أو (النهر البارد) فخيّمنا هنا عند غروب الشمس.

47

الجزء الثاني: [الوصول إلى بنت- الأمير حاجي- المدرسة الدينية]

هنا في (بنت) و في (بمبور) هما المكانين الوحيدين الذين كنت أسأل فيهما عن أي شي‏ء عن ديانتي المسيحية، كان هناك رجلا مسنا قويا قد أحضر ابنه معه، إستهل حديثه معي باللّكز بعصاه الغليظة، فسألني أن أقرأ و بينما كنت أقرأ بعض القصائد لحافظ الشيرازي بين جمع من الناس غيّر الموضوع و طلب مني أن أقرأ له القرآن كنوع من الامتحان و لاعتقادي في ذلك الوقت بأن الناس كانوا يدعون أنفسهم بالمحافظين من أهل السنة ...

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

أعتقد أن وصف أحوال المسافرين على الجمال سيكون مفيدا لغير المطلعين على هذه الأمور، ففي هذه الليلة كانت الشمس قد بدأت تغرب و نحن كنا لا نزال نتابع مسيرنا؛ لأننا لم نجد مكانا نستطيع أن نخيّم فيه و كانت هذه الأماكن المناسبة للتخييم تصادفنا لمرة واحدة تقريبا كل ستة أميال في طريقنا. كان «حبيب» (1) و هو المرشد الذي أعطيناه أجره كاملا و مقدما أصبح يقسم بالله أننا لن نجد مكانا مناسبا للتخييم، و كلما عبرنا مسافة تقارب عشرة أميال كان يزداد قلقه و يؤكد لنا أننا لن نصادف مكانا آخرا حتى منتصف الليل. و كان الرجال يؤيدونه بشدة مع أنهم لا يعرفون عن الطريق شيئا، و هكذا تدخلت في الموضوع مضطرا و قرّرت أن أرفض التوقف من الآن في أي مكان حتى الساعة الرابعة بعد الظهر. أما في هذه الليلة فكانت الجمال مجهدة جدا و هي تمشي بين الجبال القاحلة في ظلام حالك، و كنت أضحك على الرجال لأنهم تقبلوا أسلوبي تجاههم مع أنهم يعرفون طبيعة المنطقة أفضل مني و لكنهم امتنعوا عن التعليق على‏

____________

(1) كان واحدا من المرشدين المحليين الذين كان يستعين بهم «فلوير» عند ما يمر من منطقة إلى الأخرى.

50

تعليماتي. و على أية حال لم يحدث شي‏ء خطير في هذه الليلة نتيجة تأخرنا عن التخييم و كنت أعرف هذا، و هكذا حملت المسؤولية على عاتقي و رفضت التوقف تحت تلال (سيهراني) و كان الرجال قد تأخروا بسبب جدالهم الشديد حول إنزال الأمتعة، و تقدمت الركب و معي «صالح» محاولين إيجاد أرضا منبسطة على وادي (سرتابي) و ظهر لنا هذا المكان بوضوح في الظلام الدامس، و بعد ذلك وجدنا الماء و وجدنا كومة من الأخشاب ملقية هناك أيضا. و بعدها ترجلنا و جلسنا بالقرب من أشجار (السمر) (2) و بدأ «صالح» بعمل الشاي، و قام «غلام» بربط الأرجل الخلفية للجمال، و انتزع اللجام منها، و بعد قليل رأينا «جلالا» قادما من على بعد جارا حماره من خلفه بقوة و هو يشتم دليلنا في هذه الرحلة على المصاعب التي كبّدها لنا و ابتهجت أساريره فجأة عند ما علم أننا نود أن نخيّم هنا، و قال بلهجة متسارعة: «نعم يا صاحب، إنه مكان ممتاز، به الماء، و خشب للنار، و علف للحيوانات». و في خلال دقيقتين قام بربط حماره في شجرة صغيرة و قدّم له بعض الحشائش و التمر، ثم قال: «خيمتك هنا يا صاحب و هنا تكون خيمة الطباخين». و ظل يلّح على «صالح» حتى أخذ منه النرجيلة من حقيبة السرج، مع قليل من التبغ، و البلوش يموتون في سبيل التدخين خاصة إذا كانوا مجهدين، فما بالك ب «جلال» الذي أصبح كبيرا في السن و يظهر عليه التعب بسرعة.

بعدها سمعنا هرجا و مرجا من الرجال و هم يسوقون الجمال أمامهم خاصة الجمل العجوز «إبليس» الذي كان يتقدّم بخطوات سريعة من صناديق الطباخين الثقيلة معلنا عن وصوله بزمجرة عالية ليؤكد لنا أنه برغم كل هذه‏

____________

(2) أشجار (السمر): هي أشجار منتشرة بكثرة في منطقتنا بعمان و الإمارات و هي ذات أشواك كثيرة و هي مختلفة عن شجر «الغاف».

51

الأحداث فهو غير متعب.

«الحمد للّه» كانت تسمع من الكل بعد أن وصلوا المخيّم ثم بدأوا بعد لحظات يسألون عن خيمة الطباخ .. «أين الخيمة؟ هل هناك علف للحيوانات؟» .. ثم يردون على أنفسهم قائلين: «لا بد أن يكون العلف موجودا .. إننا نثق بقدرة «الصاحب» على توفير ذلك»، و في خلال 6 إلى 7 دقائق كانت جميع الجمال مفرّغة من حمولتها و ربطت أرجلها ثم جلس الرجال لأكل التمر و مشاركة «صالح» في تدخين النرجيلة، و أثناء ذلك ناقشوا مع «حبيب» احتمالات وجود شجيرات سامة حول المنطقة. و فجأة نهض «عبد الله» ليتسائل: ما إذا كانت خيمة «الصاحب قد نصبت أم لا»؟

و عند ما سمع بجوابي «لا» هبّ الرجال للعمل فورا. اثنان أخذا العصا ليرفعا عليها قرب الماء و ذهبا إلى النهر لجلب الماء، كذلك كان على اثنين آخرين أن يشعلا النار. و أخذ «عبد الله» في تجهيز قدر من الأرز، أما الطباخ الذي بدا بلا عمل فقد بدأ يتشاجر معهما، خاصة مع «جلال» الذي رفض اعطاءه الكميات الكافية من الأكل للطبخ، و قام الرجال الأربعة بعد ذلك بأخذ أكياس من ملاءاتهم لجمع الأعشاب و القش. كانت ليلة سعيدة و جميلة بحق، و بدأت بالتجول و التنزه حول خيمتي. و في وقت انتهاء تجهيز طعام العشاء، حضر جميع الرجال و بدأوا في أخذ وجبتهم من الأرز مع نوع من السمك ذو رائحة الغير طيبة. ثم جلست على كرسي صغير بجانب النار، و قام «غلام شاه» بتجهيز الأسّرة و غطاها بالملاءات؛ لأن الرطوبة كانت مرتفعة. بعد ذلك أحضر الرجال جمالهم و حلوا عقالها و جاءوا لمساعدة صالح في جمع الأعشاب للجمال و كانوا سعداء؛ لأنه لم تكن أية أعشاب سامة منتشرة في المنطقة، و عند ما عادوا إلى المخيم بدا «حبيب» و كأنه منهمك مع جماله و هو يقول لهم «ألم أقل لكم لا توجد أعشاب سامة .. ألم أقل لكم ذلك».

52

بركت جميع الجمال على الأرض موجهة رأسها نحو النار، إنه لمنظر جميل و يروق للعين. كانت النار متوهجة و وجوه الرجال مفعمة بالحيوية، و هم يتحدثون عن الجمال و الكران (أي قيمتها) و هي المواضيع الوحيدة التي يستمتع البلوش في التحدث عنها، و كان كل رجل يمسك بحبل جمله بيده و باليد الأخرى يرفع رأس الجمل لمساعدته في تناول الطعام و مضغه.

و لكي نتمكن من النهوض في الصباح الباكر، قررنا عدم نصب الخيمة و النوم بجانب النهر، و ما كدنا نبدأ حتى بدأ رذاذ المطر بالنزول في حوالي التاسعة ليلا. فورا غيّرنا أماكننا إلى أسفل الجبل و لففت نفسي بمعطفي الواقي من المطر و غفوت تماما. و لكن إذا تساقط علينا المطر مرة أخرى وجب تغيير هذا المكان أيضا؛ لأنه مع سقوط الأمطار الكثيرة فإن احتمال سيران الوادي كبير و قد يجرفنا فجأة معه أثناء نومنا (3).

____________

(3) هذا صحيح تماما- فهذه الوديان مختلفة عن ودياننا في الإمارات و عمان بأنها أسرع و مفاجأة أكثر، و لها منطقة عريضة في مجرى مياهها نظرا لأن الأرض طينية و ليست صخرية.

53

في صباح اليوم الثاني و بعد أن تناولنا الإفطار، بدأ الرجال بتحميل الجمال، و فجأة ظهر أحد البلوش يمتطي حصانه يتبعه من خلفه عبده الذي كان ممتطيا حصانا أيضا. نزل هذا الشخص من فوق حصانه و تقدم إلينا للسلام و التحية، و لكن لم تكن لديه أسنان أمامية، مما جعل كلامه غير واضحا، و بدا ممن لهم علاقة بالقضية التي ذكرناها سابقا، و كان متوجها إلى (بنت) حيث المكان الذي التقينا فيه فيما بعد مع «كريم داد»، و هذا اسم له شهرة واسعة في معرفة جميع الطرق الجبلية، ثم سألنا عن بهارات تسمى (مساله). و قد كان منظرا مسليا أن أرى وجه الطبّاخ الذي تجاهل طلب «كريم داد» و اعتبره هجوما على ممتلكاته الخاصة. إن بهارات (الكاري) و هذه تصنع في (بنجغور) و (ميناب) و مناطق أخرى صغيرة، أما التي تصنع في (بندر عباس) فإنها ليست طيبة، و قد تكون على الأرجح مستوردة من (بومباي). و يقوم البلوش أيضا بعمل بهارات (الكاري) ذات الرائحة القوية مستخدمين أنواعا من الأعشاب و الأشجار المتوفرة لديهم مثل شجرة (الترات).

في صباح اليوم التالي (الذي كان يوافق الثامن عشر من يناير) تبعنا مجرى نهر (سرتابي) لمدة نصف ساعة بين الجبال نعلو و نهبط على الهضاب الحصوية بارتفاع 800 قدما حتى ظهرت أمامنا (جوركوه) كما كانت مبيّنة في الرسم التخطيطي الذي رسمه الملازم «ستيفي» على ارتفاع 400، 6 قدما. و من هنا ينبع نهر (غاوريق) و إلى يميننا تقريبا تقع جبال (ليجاندي) و (شاريكي) و هي حدود طبيعية تفصلنا عن مسارنا السابق. بعد حوالي 5، 2 ميل حوّلنا مسارنا لنهاية جبال (ليجاندي)، و شاهدنا سد (شاريكي). كانت هذه السلسلة الجبلية المرتفعة إلى 600، 1 قدم تثير الانتباه؛ لأنها صعبة الاجتياز باستثناء أماكن معينة و قليلة، و نهر (شاريكي) الذي يفصل السلسلتين يحتوي على قليل من الماء و هو غير عذب،

54

و شاهدنا هناك قطعان من الأغنام ترعى على التلال التي يكثر بها نبات (الترات).

بعد 8 أميال من (ليجاندي) مررنا بين نهاية جبال (شاريكي) و هضبة ذات نتوءات حادة، و على بعد من ناحية الشمال كانت تظهر القمم الزرقاء لجبال (هاشينجان). و في نهاية سلسلة جبال (شاريكي) ظهرت لنا تلة صغيرة كان شكلها مثل القلعة القديمة. على طول رحلتنا هذه كنا نصعد تدريجيا عبر سهل مرتفع و عند ما عبرنا الممر العريض في الجبل، كنا أمام منظر بديع هو الوحيد الذي تمتعنا به منذ وصولنا لهذه السلسلة من الجبال.

كان منظر الجبال و السماء حولنا في كل مكان على مدّ البصر بجميع ألوانها البني و الأزرق و السماوي، هنا سأذكر قصة كلبي «توبي» الذي تسبب في مشكلة كبيرة لنا تستحق السرد.

كان من عادة «توبي» أن يمتطي الجمل مع الطباخ، أما في هذا اليوم فقد سمحنا له أن يركض على أرجله الصغيرة، و بينما كنت أسير مجهدا في مقدمة القافلة سمعت الرجال ينادونني و يبلغونني أن «توبي» قد أخاف جمل أحد الرجال و التي على أثرها وقع راكبها على الأرض بشكل قاس. و قد تضايقت لدى سماعي بذلك؛ لأنه دون شك من الخطأ السفر مع كلب أليف في بلد إسلامي كهذا، و انطلقت راجعا نصف ميل إلى الخلف لأتحرى الأمر.

و ما أن وصلت إلى هناك حتى سمعت حوارا غاضبا من قبل شخصين بلوشيين ملتحيين و معهما جمليهما اللذين كانا رائعي الشكل. و كان لكل من الرجلين أنف شامخ طويل و هو ما يتميز به وجه البلوشي دائما. و كانا قد سمعا من «جنكي» أنني «سيد القافلة»، فتوجها إليّ بالحديث بصوت عال و هما يشتكيان الكلب «توبي» و قال أحدهما إنه كاد أن يقطّعه بسيفه لو لا أن تنبه أن للكلب صاحبا فتوقف عن ذلك ليرفع الأمر إليّ و قال: