كفاية الأصول(مع تعليقة الزارعي السبزواري) - ج3

- علي‏ الزارعي السبزواري المزيد...
443 /
5

الجزء الثالث‏

[المقصد السابع فى الاصول العملية]

[مقدّمة] [في تعريف الاصول العمليّة]

و هي الّتي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الظفر بدليل، ممّا دلّ عليه حكم العقل أو عموم النقل (1).

____________

(1) قوله: «ممّا دلّ عليه حكم العقل أو عموم النقل» بيان لقوله: «الّتي ينتهي إليها المجتهد».

و المراد بالموصول «ما» هو الأحكام الكلّيّة الّتي دلّ عليها حكم العقل كالبراءة العقليّة، فإنّها حكم كلّيّ يدلّ عليها حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، أو عموم النقل كالبراءة الشرعيّة، فإنّها حكم كلّي يدلّ عليها مثل حديث الرفع.

و غرض المصنّف (رحمه اللّه) من هذه العبارة أمران: إدراج الاصول العمليّة في المسائل الاصوليّة، و إخراجها عن القواعد الفقهيّة.

أمّا الأوّل: فلأنّ الاصول العمليّة وظائف مجعولة للجاهل بالحكم الشرعيّ في مقام العمل بعد اليأس عن الظفر بدليل على حكم موضوع، فلا تقع في طريق استنباط الأحكام. فلا بدّ من تعميم القواعد الاصوليّة لما ينتهي إليه المجتهد بعد الفحص عن الدليل على الحكم و عدم الظفر به كي تندرج الاصول العمليّة في المسائل الاصوليّة. فحاول المصنّف (رحمه اللّه) إدراجها في المسائل الاصولية بتعميم القواعد الاصوليّة و القول ب «أنّها القواعد الّتي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو الّتي ينتهي إليها في مقام العمل». راجع الجزء الأوّل: 24.

و أمّا الثاني: فلأنّ القواعد الفقهيّة وظائف ابتدائيّة للعمل، فلا ينتهي إليها الفقيه بعد الفحص عن الدليل على حكم العمل، لعدم ترتّبها على الشي‏ء بما أنّه مجهول الحكم. بخلاف الاصول العلميّة، فإنّها وظائف ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص عن الدليل و عدم الظفر به، بحيث يكون الشي‏ء مجهول الحكم.-

6

و المهمّ منها أربعة، فإنّ مثل قاعدة الطهارة فيما اشتبه طهارته بالشبهة الحكميّة (1)

____________

- و لا يخفى: أنّ تفصيل البحث عن كون الاصول العلميّة من المسائل الاصوليّة أو من القواعد الفقهيّة لا يسعه المقام، بل خارج عن المقصود. و يمكن أن يقال: إنّ إكمال الدين و إتمام النعمة على العالمين بإنزال القرآن الكريم و إرسال الرسول الخاتم يقتضي رفع تحيّر المكلّفين في مقام العمل بالأحكام الشرعيّة. و معلوم أنّ كلّ مكلّف- لو خلّي و طبعه- كان جاهلا بالأحكام الشرعيّة و الوظائف الفعليّة، كما كان جاهلا بغيرها من المعلومات. و هو بما يكون متشرّعا يعلم علما إجماليّا بتوجّه تكاليف فعليّة شرعيّة إليه، فيجب عليه- بمقتضى حكم العقل بلزوم إطاعة المولى الّتي لا تتحقّق إلّا بامتثال تلك التكاليف الفعليّة الثابتة له- أن يسعى إلى تحصيل المعرفة بها، فيجب عليه تعلّمها بالفحص عن أدلّتها من الكتاب و السنّة و الإجماع إذا تمكّن من الفحص، و إلّا يجب عليه تقليد من يطمئنّ إليه من المجتهد أو العمل بالاحتياط.

و إذا سعى إلى تعلّم الأحكام و فحص عن أدلّتها إمّا أن يظفر بما يدلّ على ثبوت أحكام خاصّة لموضوعات خاصّة، و هي «المسائل الفقهيّة»، و يجب العمل بها؛ و إمّا أن يظفر بما يدلّ على ثبوت أحكام كلّيّة فعليّة يمكن انطباقها على مصاديق متعدّدة، و هي «القواعد الفقهيّة».

غاية الأمر أنّ القواعد الفقهيّة- و هي الأحكام الشرعيّة الكلّيّة و الوظائف العمليّة- قسمان:

الأوّل: الوظائف الفعليّة المجعولة الّتي تثبت للموضوعات ابتداء بالظفر بأدلّتها من العمومات و الإطلاقات، كما هو حال أكثر القواعد الفقهيّة.

الثاني: الوظائف الفعليّة المجعولة الّتي تثبت للموضوعات بالظفر بما يدلّ على ثبوتها حين عدم قيام دليل خاصّ أو دليل عامّ عليها ابتداء، كالظفر بأدلّة البراءة أو الظفر بأدلّة الاحتياط أو الظفر بأدلّة الاستصحاب و هكذا ...

و بالجملة: يمكن اندراج الاصول العمليّة في القواعد الفقهيّة، لأنّها ليست إلّا أحكام كلّيّة و وظائف فعليّة عمليّه لمن تتّبع عن حكم موضوع و ظفر بالدليل عليها، كسائر القواعد الفقهيّة. فلا امتياز للاصول العمليّة عن القواعد الفقهيّة.

(1) لا يقال: إنّ قاعدة الطهارة مطلقا تكون قاعدة في الشبهة الموضوعيّة، فإنّ الطهارة و النجاسة من الموضوعات الخارجيّة الّتي يكشف عنها الشرع.

فإنّه يقال: أوّلا: نمنع ذلك، بل إنّهما من الأحكام الوضعيّة الشرعيّة. و لذا اختلفتا في الشرائع بحسب المصالح الموجبة لشرعهما، كما لا يخفى. و ثانيا: إنّهما لو كانتا كذلك فالشبهة فيهما فيما كان الاشتباه لعدم الدليل على إحداهما كانت حكميّة، فإنّه لا مرجع لرفعها إلّا الشارع، و ما كانت كذلك ليست إلّا حكميّة. منه [أعلى اللّه مقامه‏].

7

و إن كان ممّا ينتهي إليها (1) فيما لا حجّة على طهارته و لا على نجاسته، إلّا أنّ البحث عنها ليس بمهمّ، حيث إنّها ثابتة بلا كلام من دون حاجة إلى نقض و إبرام.

بخلاف الأربعة- و هي البراءة و الاحتياط و التخيير و الاستصحاب-، فإنّها محلّ الخلاف بين الأصحاب، و يحتاج تنقيح مجاريها و توضيح ما هو حكم العقل أو مقتضى عموم النقل فيها إلى مزيد بحث و بيان و مئونة حجّة و برهان، هذا. مع جريانها في كلّ الأبواب و اختصاص تلك القاعدة ببعضها (2)، فافهم (3).

____________

(1) قوله: «و إن كان ممّا ينتهي إليه ...» مشعر بأنّ المجتهد قد ينتهي إلى غير أصل الطهارة فيما لا حجّة على طهارته و لا على نجاسته، فإنّ المجتهد حينئذ قد ينتهي إلى قاعدة الطهارة و هو فيما إذا لم يكن للمكلّف حالة سابقة معلومة، و قد ينتهي إلى قاعدة الاستصحاب، و هو فيما إذا كان للمكلّف حالة سابقة معلومة.

(2) و الحاصل: أنّ مثل قاعدة الطهارة و إن كان ممّا ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل، فكان من المسائل الاصوليّة، و لكن لم يتعرّضوا لها- بل حصروا الاصول في الأربعة- لوجهين:

الأوّل: أنّ مثل قاعدة الطهارة ثابتة عند الكلّ من دون خلاف فيها، فلا تحتاج إلى النقض و الإبرام، بخلاف الاصول العمليّة، فإنّها محلّ البحث و تحتاج إلى النقض و الإبرام.

الثاني: أنّ مثل هذه القاعدة مختصّ ببعض أبواب الفقه- أي باب الطهارة-، بخلاف الاصول الأربعة، فإنّها عامّة لجميع أبواب الفقه.

و كان الأولى سوق العبارة هكذا: «فإنّ مثل قاعدة الطهارة ... و إن كان ما ينتهي إليه المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الظفر بدليل، إلّا أنّ البحث عن مثله ليس بمهمّ، حيث كان ثابتا بلا خلاف من دون حاجة إلى النقض و الإبرام. بخلاف الاصول الأربعة ... هذا. مع اختصاص مثل تلك القاعدة ببعض أبواب الفقه و جريان الاصول الأربعة في كلّ الأبواب».

(3) لعلّه إشارة إلى ما في الوجهين:

أمّا الأوّل: فلأنّ كثيرا من القواعد الّتي ينتهي إليها المجتهد في مقام العمل يحتاج إلى النقض و الإبرام، كقاعدة الحلّيّة و قاعدة اليد و قاعدة الفراش و أمثالها، فإنّ فيها مباحث دقيقة علميّة، كما لا يخفى.

و أمّا الثاني: فلأنّ الكلام ليس في خصوص ما لا يجري إلّا في باب واحد أو بابين كقاعدة الطهارة و قاعدة الفراغ، بل الكلام في أمثالها من القواعد الّتي ينتهي إليها المجتهد في مقام العمل. و لا شكّ أنّ كثيرا منها يجري في جميع أبواب الفقه، كقاعدة لا حرج و قاعدة لا ضرر و قاعدة التقيّة و غيرها.

8

فصل [في أصالة البراءة]

لو شكّ في وجوب شي‏ء أو حرمته (1) و لم تنهض حجّة عليه، جاز شرعا

____________

(1) لا يخفي: أنّ جمع الوجوب و الحرمة في فصل و عدم عقد فصل لكلّ منهما على حدة، و كذا جمع فقد النصّ و إجماله في عنوان عدم الحجّة إنّما هو لأجل عدم الحاجة إلى ذلك بعد الاتّحاد فيما هو الملاك و ما هو العمدة من الدليل على المهمّ. و اختصاص بعض شقوق المسألة بدليل أو بقول لا يوجب تخصيصه بعنوان على حدة. و أمّا ما تعارض فيه النصّان فهو خارج عن موارد الاصول العمليّة المقرّرة للشاكّ على التحقيق فيه من الترجيح أو التخيير، كما أنّه داخل فيما لا حجّة فيه، بناء على سقوط النصّين عن الحجّيّة. و أمّا الشبهة الموضوعيّة فلا مساس لها بالمسائل الاصوليّة، بل فقهيّة، فلا وجه لبيان حكمها في الاصول إلّا استطرادا، فلا تغفل. منه [أعلى اللّه مقامه‏].

حاصل ما أفاده المصنّف في الهامش تعريض بما صنعه الشيخ الأعظم الأنصاريّ من تقسيم الشكّ في التكليف إلى أقسام ثمانية و التعرّض للبحث عن كلّ قسم مستقلّا، فأفاد أنّ الشبهة إمّا تحريميّة أو وجوبيّة، و على كلا التقديرين إمّا أن يكون منشأ الشكّ فقدان النصّ أو إجماله أو تعارض النصّين أو الامور الخارجيّة. فرائد الاصول 2: 17- 18.

و خالفه المصنّف (رحمه اللّه) في المقام، فجعل البحث عامّا لمطلق الشكّ في التكليف الجامع بين جميع الأقسام المذكورة، إلّا فرض تعارض النصّين، فأخرجه من هذا البحث بدعوى عدم كونه من مجاري أصالة البراءة، بل يكون من مباحث التعادل و التراجيح، فيرجع فيه إلى المرجّحات، و مع فقدها يتخيّر.

و اختلفت الأعلام من المعاصرين في المقام. فبعضهم و افق الشيخ الأنصاريّ و تعرّض للبحث عن كلّ قسم مستقلّا، كالمحقّق النائينيّ في فوائد الاصول 3: 328. و بعض آخر-

9

و عقلا ترك الأوّل (1) و فعل الثاني (2)، و كان مأمونا من عقوبة مخالفته، كان عدم نهوض الحجّة لأجل فقدان النصّ (3)، أو إجماله و احتماله الكراهة أو الاستحباب، أو تعارضه فيما لم يثبت بينهما ترجيح، بناء على التوقّف في مسألة تعارض النصّين فيما لم يكن ترجيح في البين؛ و أمّا بناء على التخيير- كما هو المشهور- فلا مجال لأصالة البراءة و غيرها، لمكان وجود الحجّة المعتبرة و هو أحد النصّين فيها، كما لا يخفى.

[أدلّة جريان البراءة في الشكّ في التكليف‏]

[الدليل الأوّل: الكتاب‏]

و قد استدلّ على ذلك بالأدلّة الأربعة:

أمّا «الكتاب»: فبآيات (4)، أظهرها: قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ‏

____________

- منهم وافق المصنّف (رحمه اللّه) و رجّح تعميم البحث لمطلق الشكّ في التكليف و تعنونه بعنوان واحد، كالسيّدين العلمين- الإمام الخمينيّ و السيّد الخوئيّ- في أنوار الهداية 2: 252- 253، و مصباح الاصول 2: 252- 253.

(1) و هو ما شكّ في وجوبه مع العلم بعدم حرمته‏

(2) و هو ما شكّ في حرمته مع العلم بعدم وجوبه.

(3) الأولى أن يقول: «فقدان الدليل».

(4) منها: قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا الاسراء/ 15. و سيأتي البحث عن دلالتها.

و منها: قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها الطلاق/ 7. و هذه الآية وقعت معركة الآراء و مورد النقض و الإبرام بين الأعلام.

و يمكن الاستدلال بها بأحد التقريبين:

الأوّل: أنّ المراد من «الموصول» في قوله تعالى: ما آتاها هو التكليف، كما أنّ المراد من قوله‏ آتاها هو الإيصال و الإعلام. فيكون معنى الآية: لا يكلّف اللّه نفسا إلّا بتكليف أعلمه اللّه و أوصله إلى المكلّف. و معلوم أنّ في حال الجهل لا يكون التكليف و اصلا، فلا تكليف به.

10

____________

- الثاني: أنّ المراد من «الموصول» أعمّ من الفعل و الحكم، فيكون المراد بالإيتاء هو الإعلام بالنسبة إلى الحكم و الإقدار بالنسبة إلى الفعل، فإنّ إيتاء كلّ شي‏ء بحسبه. و معلوم أنّ في حال الجهل لا يكون التكليف معلما و لا مقدورا، فلا تكليف.

و أورد عليه الشيخ الأعظم الأنصاريّ بكلا التقريبين:

أمّا الأوّل: فلأنّ في مدلول الآية محتملات ثلاثة:

أحدها: أن يكون المراد بالموصول فيها خصوص المال- بقرينة قوله تعالى قبل ذلك:

وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ‏-؛ فيكون المعنى: لا يكلّف اللّه نفسا إلّا دفع ما اعطي من المال.

ثانيها: أن يكون المراد من «الموصول» نفس فعل الشي‏ء أو تركه- بقرينة إيقاع التكليف عليه-؛ فيكون إعطاؤه كناية عن الإقدار عليه، و تدلّ الآية على نفي التكليف بغير المقدور.

ثالثها: أن يكون المراد من «الموصول» خصوص التكليف الشرعيّ؛ فيكون الإيتاء بمعنى الإعلام و الإيصال، و تدلّ الآية على البراءة.

و الآية الشريفة لا ظهور لها في الوجه الثالث كي تدلّ على المطلوب، بل يكون الوجه الثاني أظهر، لأنّ الإنفاق من الميسور داخل فيما آتاه اللّه تعالى.

و أمّا الثاني: فلأنّ تعلّق الفعل في الآية- و هو «يكلّف»- بالحكم يختلف عن نحو تعلّقه بالفعل، فإنّ تعلّقه بالحكم نحو تعلّق الفعل بالمفعول المطلق، و تعلّقه بفعل الشي‏ء أو تركه نحو تعلّقه بالمفعول به، و لا جامع بين المفعول به و المفعول المطلق، فإرادتهما معا يستلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، و هو ممتنع. فرائد الاصول 2: 21- 22.

و المحقّق النائينيّ- بعد ما دفع الإشكال على التقريب الثاني من استعمال اللفظ في أكثر من معنى بأنّ المراد من «الموصول» خصوص المفعول به، و يكون ذلك شاملا للتكليف و موضوعه، فإنّ إيتاء كلّ شي‏ء بحسبه، و أنّ المفعول المطلق النوعيّ و العدديّ يصحّ جعله مفعولا به بنحو من العناية، فلا يلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد- أورد على التقريب الأوّل بأنّه لو سلّم ظهور الآية في إرادة التكليف من «الموصول» و إرادة الإعلام من «الإيتاء» فأقصى ما تدلّ عليه الآية هو أنّ المؤاخذة و العقوبة لا تحسن إلّا بعد بعث الرسل و إنزال الكتب و تبليغ الأحكام و التكليف إلى العباد، و هذا لا ربط له لما نحن فيه من الشكّ في التكليف بعد البعث و الإنزال و التبليغ. فوائد الاصول 3: 331- 333.

و قد حاول المحقّق العراقيّ تصحيح إرادة الجامع للفعل و الحكم من الموصول بوجهين:

أحدهما: أنّ محذور استعمال اللفظ في الأكثر إنّما يلزم فيما إذا فرض إرادة-

11

____________

- الخصوصيّات المزبورة من شخص الموصول، و إلّا فبناء على استعمال الموصول في معناه الكلّي العامّ و إرادة الخصوصيّات من دوالّ أخر خارجيّة، فلا محذور. و كذا في تعلّق الفعل بالموصول، فإنّه يكون بنحو واحد، و تعدّده بالتحليل إلى نحوين- نحو التعلّق بالمفعول به و نحو التعلّق بالمفعول المطلق- لا يقتضي تعدّده بالنسبة إلى الجامع الّذي هو مفاد الموصول.

و عليه يكون معنى الآية: «لا يوقع اللّه تعالى عباده في كلفة حكم أو فعل إلّا الحكم أو الفعل الّذي آتاه المكلّف». فتدلّ الآية على البراءة.

ثانيهما: أنّ المراد من التكليف في الآية الشريفة معناه اللغويّ- أي الكلفة و المشقّة-، لا الحكم كي يلزم منه كون نسبته إلى الحكم نسبة المفعول المطلق، و إلّا يلزم منه اختصاص الأحكام الواقعيّة بالعالمين بها، حيث أنّ مفاد الآية- حينئذ- نفي التكليف واقعا في حقّ الجاهل. و عليه يكون معنى الآية: «لا يوقع اللّه تعالى عباده في كلفة إلّا من قبل حكم أو فعل أعلمه إيّاهم و أوصله إليهم بخطابه».

ثمّ ناقش في الاستدلال بالآية بكلا التقريبين من جهات ثلاث:

الاولى: أنّ القدر المتيقّن في المراد من الموصول- بقرينة السياق- هو المال، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها على البراءة.

الثانية: أنّ أقصى ما تدلّ عليه الآية هو نفي الكلفة و المشقّة من قبل التكليف المجهول غير الواصل إلى المكلّف، لا نفي الكلفة مطلقا و لو من قبل إيجاب الاحتياط، فمفاد الآية مساوق لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. و هذا لا يضرّ الأخباريّ القائل بالاحتياط، إذ هو يدّعي إثبات الكلفة على المكلّف من جهة جعل إيجاب الاحتياط بمقتضى الأخبار الدالّة على وجوبه عند الشكّ.

الثالثة: أنّ مفاد الآية مفاد قوله (عليه السّلام): «إنّ اللّه سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا».

فالإيتاء- بما أنّه منسوب إليه تعالى- عبارة عن إعلامه بالتكليف بالسبب العادي المتعارف، و هو إعلامه من طريق الوحي إلى أنبيائه و أمرهم بتبليغ أحكامه. فعدم إعلامه في مورد كاشف عن عدم الوحي إلى أنبيائه في ذلك المورد أو عن عدم أمرهم بتبليغه. و عليه تكون الآية دالّة على نفي الكلفة عمّا لم يوصل علمه إلى العباد، لمكان عدم الوحي و سكوت الشارع عن بيانه، لا على نفي الكلفة عمّا لم يصل إليهم من جهة خفائه بسبب ظلم الظالمين، فلا ترتبط بما نحن فيه. نهاية الأفكار 3: 201- 204.

و ناقش السيّد الإمام الخمينيّ في كثير ممّا أفاده المحقّقان النائينيّ و العراقيّ. ثمّ أورد على الاستدلال بالآية على البراءة بما حاصله: أنّ التمسّك بالإطلاق إنّما هو بعد ظهور اللفظ و دلالته، و في مثل المقام الّذي لا يثبت ظهور للّفظ- حيث يحتمل إرادة المعنى الجامع-

12

رَسُولًا** (1).

____________

- الانتزاعيّ أو إرادة المعاني الأخر- لا مجال للتمسّك بإطلاق الآية و الاستدلال به على البراءة. راجع أنوار الهداية (متنا و هامشا) 2: 26- 31.

و بالجملة: أن هذا الآية الشريفة- و هو إحدى العمدتين في الاستدلال بالآيات على البراءة- لا تدلّ على البراءة.

و منها: قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها البقرة/ 286.

و منها: قوله تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ التوبة/ 115.

و منها: قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ الأنفال: 42.

و منها: قوله تعالى: وَ ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ‏ الأنعام/ 119.

هذه الآيات تعرّض لها الشيخ الأعظم الأنصاريّ في رسائله و ناقش في دلالتها من وجوه. فراجع فرائد الاصول 2: 21- 27.

(1) الاسراء: 15.

و تقريب الاستدلال بوجهين:

الأوّل: أنّ بعث الرسول كناية عن بيان الأحكام للعباد و إيصالها إليهم بذكر الملزوم و إرادة اللازم. فالتعبير بالبعث ليس لأجل خصوصيّة فيه، نظير قول القائل: «لا اصلّي حتّى يؤذّن المؤذّن»، حيث كان مقصوده الكناية عن دخول الوقت. و عليه يكون مفاد الآية: «ما كنّا معذّبين حتّى نبيّن الأحكام للعباد ببعث الرسول إليهم لتبليغها و إيصالها»، فتدلّ الآية على نفي العذاب بمخالفة التكليف غير الواصل إليهم. هذا ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول 2: 22- 23.

الثاني: أنّ المتفاهم العرفيّ من الآية- بمناسبة الحكم و الموضوع- أنّ بعث الرسل طريق إلى إيصال الأحكام إلى العباد، فليس للبعث- بما هو بعث- دخل في نفي العذاب، بل الملاك كلّه في نفي العذاب هو وصول الأحكام إلى العباد. فلو فرضنا أنّه تعالى بعث رسولا، لكنّه لم يبلّغ الأحكام إلى العباد- لجهة من الجهات أو مصلحة من المصالح- يفهم العرف من الآية الشريفة نفي العذاب بالنسبة إليهم؛ و كذا لو فرضنا أنّ الرسل بلّغوا الأحكام لكنّها لم يصل إلى العباد، فإنّ هذا التبليغ في حكم عدم التبليغ. فإذا فحص المكلّف و لم يظفر بما يدلّ على حكم موضوع، يكون مشمولا لقوله تعالى: ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، فتدلّ الآية على البراءة. و هذا ما أفاده السيّد الإمام الخمينيّ في أنوار الهداية 2: 21- 22.

13

و فيه: أنّ نفي التعذيب قبل إتمام الحجّة ببعث الرسل لعلّه كان منّة منه تعالى على عباده، مع استحقاقهم لذلك. و لو سلّم اعتراف الخصم بالملازمة بين الاستحقاق و الفعليّة لما صحّ الاستدلال بها إلّا جدلا؛ مع وضوح منعه، ضرورة أنّ ما شكّ في وجوبه أو حرمته ليس عنده بأعظم ممّا علم بحكمه، و ليس حال الوعيد بالعذاب فيه إلّا كالوعيد به فيه، فافهم (1).

____________

(1) لا يخفي: أنّه اورد على الاستدلال بالآية الشريفة من وجهين:

الوجه الأوّل: ما أفاده صاحب الفصول، و تبعه المصنّف (رحمه اللّه) في المقام. و توضيحه: أنّ محلّ النزاع بين الأخباريّين و الاصوليّين هو استحقاق العذاب على ارتكاب المشتبه و عدمه، لا فعليّة العقاب و عدمها؛ فذهب الأخباريّ إلى استحقاق العذاب و التزم بالاحتياط، و ذهب الاصوليّ إلى عدمه و التزم بالبراءة. و الآية الكريمة إنّما تتكفّل نفي فعليّة العذاب قبل إتمام الحجّة ببعث الرسل، و أمّا نفي الاستحقاق- و هو مبنى البراءة، كما كان الاستحقاق مبنى الاحتياط- فلا تدل عليه الآية.

نعم، لو كان نفي الفعليّة لازما مساويا لنفي الاستحقاق يمكن الاستدلال بالآية و القول بأنّ نفي الفعليّة دليل على نفي الاستحقاق، فتدلّ على البراءة. و لكن نفي فعليّة العذاب ليس لازما مساويا لنفي الاستحقاق، بل يكون لازما أعمّ من نفي الاستحقاق و من ثبوته. كيف؟

و يمكن أن يكون منشأ نفي فعليّة العذاب- مع ثبوت استحقاقهم له- هو المنّة على العباد و اللطف بهم.

و بالجملة: فالآية لا تدلّ على نفي استحقاقهم للعذاب، فلا تدلّ على البراءة.

إن قلت: إنّ الآية و إن كانت ظاهرة في نفي الفعليّة، لا نفي الاستحقاق، إلّا أنّه يكفى في الاستدلال بها على البراءة، إذ الخصم- و هو الأخباريّ- يعترف بالملازمة بين الفعليّة و الاستحقاق، فينتفي أحدهما عند انتفاء الآخر، فإذا دلّت الآية على نفي الفعليّة دلّت على نفي الاستحقاق بمقتضى الملازمة الّتي تعترف بها الخصم، فيصحّ الاستدلال بها على البراءة.

هذا الإشكال أفاده الشيخ الأنصاريّ في فرائد الاصول 2: 23- 24.

قلت: أجاب المصنّف (رحمه اللّه) عن هذا الإشكال بقوله: «و لو سلّم اعتراف الخصم ...». و هذا يرجع إلى جوابين:

أحدهما: أنّه لو سلّم اعتراف الخصم بالملازمة بينهما لما صحّ الاستدلال بالآية أيضا، لأنّ الاستدلال بها- حينئذ- يصير جدليّا، فيثبت الدعوى باعتقاد الخصم المعترف بالملازمة.

و أمّا نحن القائلون بنفي الملازمة فلا ينفعنا الاستدلال بها لإثبات البراءة.

14

____________

- و ثانيهما: أنّه لا نسلّم اعتراف الأخباريّين بالملازمة بينهما. كيف؟ و أنّ شبهة المعصية دون المعصية المعلومة، ضرورة أنّ أدلّة وجوب الاحتياط في المشتبهات ليست بأقوى من أدلّة المحرّمات المعلومة، و الأخباريّ القائل باستحقاق العذاب في المعصية المعلومة لا يدّعي الملازمة بين الاستحقاق و الفعليّة فيها، لإمكان تعقّبها التوبة و الشفاعة، فكيف يدّعي الملازمة بينهما في شبهة المعصية؟!

ثمّ أورد على هذا الوجه السيّدان العلمان- الإمام الخمينيّ و السيّد الخوئيّ-:

أمّا الأوّل: فحاصل ما أفاده: أنّ كون النزاع في خصوص استحقاق العقوبة لا في فعليّتها غير مسلّم، بل النزاع بين الاصوليّ و الأخباريّ إنّما هو في لزوم الاحتياط في الشبهات و عدمه. و بعد ثبوت المؤمّن من قبل اللّه تعالى لا نرى بأسا في ارتكابها. فرفع العقوبة الفعليّة و حصول المؤمّن من عذاب اللّه يكفي في إثبات إدّعاء القائل بالبراءة من جواز ارتكاب الشبهات. أنوار الهداية 2: 25.

و أمّا الثاني: فأفاد ما حاصله: أنّ الآية تدلّ على أنّ التعذيب قبل البيان ينافي مقامه الأرفع، و هذا يدلّ على عدم كون العبد مستحقّا للعذاب، و إلّا فمع فرض استحقاقه لا وجه لكونه منافيا لمقامه تعالى، بل عدم كون التعذيب لائقا بجنابه تعالى إنّما هو لعدم استحقاق العبد له. فالآية و إن دلّت بالمطابقة على نفي فعليّة العذاب، إلّا أنّها دلّت على نفى الاستحقاق بالالتزام. مصباح الاصول 2: 256.

و يمكن أن يقال: إنّ ظاهر الآية الشريفة بعد التأمّل في الآيات المتقدّمة عليها- من قوله تعالى: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى‏ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا الاسراء/ 13 و 14 و 15- أنّها نزلت لبيان أنّ العذاب و الثواب إنّما يكونان في ما يقتضيه الموازين العقلائيّة و العدالة الإلهيّة، و ليس مقتضاها إلّا تعذيب من يستحقّ العذاب و تثويب من يستحقّ الثواب، و لذا من اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه، و لا تزر وازرة وزر اخرى، و لا يعذّب اللّه بلا إقامة الحجّة و تماميّة التبليغ بإرسال الرسل و إنزال الكتب. فالآية ظاهرة في أنّ نفي العذاب في المقام ناش عن عدم الاستحقاق، فيصحّ الاستدلال بها على البراءة.

و لعلّ قوله «فافهم» إشارة إلى ما ذكراه أو ما ذكرناه.

الوجه الثاني: ما إفادة الشيخ الأعظم الأنصاريّ و تابعة المحقّق النائينيّ. و حاصله: أنّ الآية إنّما تتكفّل بيان حال الامم السابقة بالنسبة إلى خصوص العذاب الدنيويّ، فلا ربط-

15

____________

- بما نحن فيه. و بعبارة اخرى: إنّ المراد من الآية- بقرينة التعبير بلفظ الماضي في قوله تعالى: وَ ما كُنَّا*- هو الإخبار بعدم وقوع العذاب الدنيويّ في الامم السابقة إلّا بعد بعث الرسل إليهم، فهي أجنبيّة عما نحن بصدده من نفي العذاب الاخرويّ عند عدم تماميّة البيان.

و لا يخفى: أنّه اجيب عن هذا الوجه بوجوه:

الأوّل: أنّ ما ذكره مبنيّ على كون الماضي (ما كنّا) ظاهرا في الماضي عن وقت الخطاب و التكلّم. و لكنّه خلاف ظاهر الآية، بل هي ظاهرة في كون الماضي بلحاظ زمان بعثة الرسول و إتمام الحجّة، و مثله لا يختصّ بالعذاب الدنيويّ؛ كما أنّ الآية ظاهرة في بيان ما هو سنّة اللّه في باب العذاب من رعاية العدل و عدم العذاب قبل إتمام الحجّة بإيصال الأحكام، و هذا لا يختصّ بقوم دون قوم و لا بعذاب دون العذاب.

هذا ما أفاده المحقّق العراقيّ. و لكن أورد على الاستدلال بالآية بأنّها لا تصلح للمقاومة مع أدلّة الأخباريّين من الروايات الآمرة بالوقوف عند الشبهة تورّعا من الاقتحام في الهلكة و تجنّبا عن الوقوع فيها، لكون الآية مورودا بالنسبة إليها. راجع نهاية الأفكار 3: 205- 206، مقالات الاصول 2: 154- 155.

الثاني: أنّ مساق الآية ظاهر في أنّه سنّة اللّه في عباده أجمعين، فلا وجه لدعوى اختصاصها بالامم السابقة. كما لا وجه لدعوى اختصاصها بالعذاب الدنيويّ، لأنّه إذا كان العذاب الدنيويّ منفيّا قبل إتمام الحجّة فالعذاب الاخرويّ منفيّ بالأولويّة، لأنّه أعظم و أدوم، و توقّف الأخفّ على إتمام الحجّة يقتضي توقّف الأشدّ عليه بالأولويّة. هذا ما أفاده المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية 2: 421.

الثالث: ما أفاده المحقّق الخوئيّ من حديث الأولويّة- تبعا للمحقّق الأصفهانيّ، كما مرّ- و أنّ قوله تعالى: ما كُنَّا* و إن كان فعلا ماضيا، إلّا أنّه منسلخة عن الزمان. و يشهد على ذلك استقراء موارد استعمالها، كقوله تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ‏ التوبة/ 115، و قوله تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ‏ آل عمران/ 179، و قوله تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ‏ الأنفال/ 32، إلى غير ذلك. فيكون المراد من الآية أنّ التعذيب قبل البيان لا يليق بجنابه تعالى، فلا يبقى فرق حينئذ بين العذاب الدنيويّ و الاخرويّ.

مصباح الاصول 2: 256.

الرابع: ما أفاده السيّد الإمام الخمينيّ. و حاصله: أنّ فعل الماضي في قوله: ما كُنَّا* يكون بلحاظ يوم الحساب، لا بلحاظ زمان الخطاب و التكلّم، و لذا قال: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ‏ الإسراء/ 13، فلا وجه لاختصاص الآية بالامم السابقة. و لو سلّم أنّ موردها-

16

[الدليل الثاني: الروايات‏]

و أمّا «السنّة»: فروايات:

منها: حديث الرفع (1)، حيث عدّ «ما لا يعلمون» من التسعة المرفوعة فيه (2)؛ فالإلزام المجهول (3) من «ما لا يعلمون» (4)، فهو مرفوع فعلا و إن كان ثابتا واقعا (5)،

____________

- تعذيب الامم السابقة، فيفهم منها- و لو بمناسبة الحكم و الموضوع و كيفيّة التعبير و إلقاء الخصوصيّة- أنّ التعذيب قبل البيان لم يقع و لا يقع أبدا. أنوار الهداية 2: 24- 25.

(1) و هو المرويّ في «الخصال» و «التوحيد» بسند صحيح عن أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، عن سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): رفع عن امّتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما اكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة». الخصال 2: 417، التوحيد: 353.

و هذا الحديث رواه الكلينيّ في «الكافي» مرفوعا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و رواه أيضا الصدوق في «الفقيه» مرسلا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، مع إبدالهما «رفع» ب «وضع» و اختلاف يسير في ترتيب بعض الكلمات. راجع الكافي 2: 463، باب رفع عن الامّة من كتاب الإيمان و الكفر، الحديث 2؛ و من لا يحضره الفقيه 1: 59، الحديث 132.

و رواه في «الوسائل» بأسانيد مختلفة. فراجع وسائل الشيعة 4: 1284، الباب 37 من أبواب قواطع الصلاة و ما يجوز فيها؛ و 11: 295، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1 و 3؛ و 16: 144، الباب 16 من أبواب كتاب الإيمان، الأحاديث 3 و 4 و 5 و 6.

و لا يخفى: أنّ اشتهار الحديث بين الأصحاب و اعتمادهم عليه يغني عن التكلّم في سنده، مع أنّه إمّا صحيح و إمّا معتبر. و تفصيل الكلام في سنده تطويل بلا طائل.

(2) أي: في حديث الرفع.

(3) أي: الإيجاب أو التحريم المجهول.

(4) بناء على إرادة الحكم من الموصول في «ما لا يعلمون».

(5) أي: الإيجاب أو التحريم الواقعيّ المجهول مرفوع عن المكلّف في مرحلة الجهل ظاهرا مع الالتزام بثبوته الواقعيّ. فالمصنّف جعل الرفع متعلّقا بنفس الحكم الواقعيّ في مرحلة الجهل و الشكّ رفعا ظاهريّا، مع أنّه التزم بثبوته الواقعيّ. ثمّ أفاد أنّ مقتضى رفع الواقع في ظرف الجهل هو رفع إيجاب الاحتياط.

بخلاف الشيخ الأعظم الأنصاريّ، فإنّه التزم بتعلّق الرفع رأسا و حقيقة بإيجاب الاحتياط، فقال: «و الحاصل أنّ المرتفع في (ما لا يعلمون) و أشباهه ممّا لا يشملها أدلّة-

17

فلا مؤاخذة عليه قطعا (1).

____________

- التكليف هو إيجاب التحفّظ على وجه لا يقع في مخالفة الحرام الواقعيّ». فرائد الاصول 2: 34.

و يمكن أن يقال: أنّ الرفع في (ما لا يعلمون) تعلّق بالحكم الواقعيّ رفعا واقعيّا كالرفع في سائر الفقرات في الحديث، بمعنى أنّ الحكم الواقعيّ ثابت للمكلّف واقعا في ظرف العلم به، و مرفوع عنه واقعا في ظرف الجهل به، سواء قلنا بأنّ المنشأ بحديث الرفع هو جعل الحلّيّة الظاهريّة فيكون الرفع كناية عن جعل الحلّيّة في هذا الظرف- كما هو ظاهر الحديث- أو قلنا بأنّ المنشأ رفع الحكم الواقعيّ فقط.

(1) لا يخفي: أنّ المصنّف (رحمه اللّه) قال: «فلا مؤاخذة عليه قطعا» و لم يقل: «فيرفع المؤاخذة عليه قطعا».

و لعلّه إشارة إلى أنّ المؤاخذة مرتفعة بارتفاع موضوعها عقلا، فإنّ موضوعها هو إيجاب الاحتياط الّذي يكون أثر ثبوت الحكم الواقعيّ، فإذا رفع الحكم الواقعيّ- ظاهرا في ظرف الجهل به- يرفع إيجاب الاحتياط، و إذا رفع إيجاب الاحتياط ترتفع المؤاخذة لأجل ارتفاع موضوعها.

و عليه فلا مجال للإشكال الآتي- من أنّ المؤاخذة ليست من الآثار الشرعيّة كي ترتفع شرعا برفع الحكم الواقعيّ المجهول ظاهرا-، لأنّ المدّعى- حينئذ- ليس كون المؤاخذة أثرا شرعيّا، بل المدّعى أنّها أثر شرعيّ لإيجاب الاحتياط المترتّب على فعليّة التكليف و ثبوته في الواقع، فترتفع عقلا بارتفاع إيجاب الاحتياط المترتّب على عدم فعليّة التكليف.

نعم، يمكن أن يقال: فعليه تكون المؤاخذة أثرا عقليّا لإيجاب الاحتياط كما يكون رفعها أثرا عقليّا لرفعه؛ فلا تكون من آثار التكليف المجهول، لا من آثاره الشرعيّة و لا من آثاره العقليّة؛ فلا يكاد ترتفع عقلا بارتفاع التكليف الواقعيّ المجهول ظاهرا، كما لا يكاد ترتفع شرعا بارتفاعه كذلك، فلا دلالة لحديث الرفع على ارتفاعها.

فأجاب عنه المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «فإنّه يقال». و توضيحه: أنّ المؤاخذة و إن لم تكن أثرا شرعيّا لثبوت التكليف الواقعيّ المجهول و لا اثرا عقليّا له بلا واسطة، فلا يكون رفعها أثرا شرعيّا لرفعه، و لا أثرا عقليّا له بلا واسطة، كي يكون الدليل على رفعه دليلا على رفعها، إلّا أنّها من آثاره العقليّة مع وساطة إيجاب الاحتياط، و هو يستتبع استحقاق المؤاخذة على مخالفته، و ترتفع بارتفاع إيجاب الاحتياط الّذي يرتفع برفع التكليف الواقعيّ المجهول في ظرف الجهل، فكما أنّ استحقاق المؤاخذة مترتّب على فعليّة التكليف الواقعيّ في ظرف الجهل كذلك عدم استحقاقها مترتّب على عدم إيجابه المترتّب على رفع التكليف الواقعيّ في ظرف الجهل، فيكون رفع المؤاخذة من الآثار العقليّة لرفع إيجاب الاحتياط بلا واسطة، و من الآثار العقليّة لرفع التكليف الواقعيّ بالواسطة، كما أنّ الدليل على رفع التكليف دليل على رفع إيجاب الاحتياط بلا واسطة و دليل على رفع المؤاخذة بالواسطة.

18

لا يقال: ليست المؤاخذة من الآثار الشرعيّة، كي ترتفع بارتفاع التكليف المجهول ظاهرا (1)، فلا دلالة له على ارتفاعها (2).

فإنّه يقال: إنّها و إن لم تكن بنفسها أثرا شرعيّا، إلّا أنّها ممّا يترتّب عليه (3) بتوسيط ما هو أثره (4) و باقتضائه (5) من إيجاب الاحتياط شرعا، فالدليل على رفعه (6) دليل على عدم إيجابه (7) المستتبع لعدم استحقاق العقوبة على مخالفته (8).

لا يقال: لا يكاد يكون إيجابه مستتبعا لاستحقاقها على مخالفة التكليف المجهول، بل على مخالفة نفسه (9)، كما هو قضيّة إيجاب غيره (10).

____________

(1) هكذا في النسخ. و الأولى أن يقول: «كي ترتفع برفع التكليف المجهول ظاهرا».

(2) مع أنّ ارتفاعها و عدم استحقاقها بمخالفة التكليف المجهول هو المهمّ في المقام.

و التحقيق في الجواب أنّه يقال- مضافا إلى ما قلناه-: إنّ الاستحقاق و إن كان أثرا عقليّا، إلّا أنّ عدم الاستحقاق عقلا مترتّب على عدم التكليف شرعا و لو ظاهرا، تأمّل تعرف. منه [أعلى اللّه مقامه‏].

(3- 4) الضميران يرجعان إلى ثبوت التكليف الواقعيّ المجهول واقعا.

(5) أي: و بتوسيط ما هو اقتضاء ثبوت التكليف الواقعيّ.

(6) أي: رفع التكليف الواقعيّ المجهول ظاهرا.

(7) أي: عدم إيجاب الاحتياط.

(8) و الحاصل: أنّ ارتفاع المؤاخذة أثر عقليّ لرفع التكليف بواسطة ارتفاع إيجاب الاحتياط المترتّب على رفع التكليف الواقعيّ في ظرف الجهل.

و قد مرّ توضيح الجواب آنفا.

و كان الأولى- على ما ذكرناه توضيحا للإشكال و الجواب عنه- سوق العبارة هكذا:

«لا يقال: ليست المؤاخذة من الآثار الشرعيّة للتكليف و لا من الآثار العقليّة له، كي ترتفع برفعه ظاهرا، فلا دلالة لحديث الرفع على ارتفاعها. فإنّه يقال: إنّها و إن لم تكن من آثاره الشرعيّة و لا من آثاره العقليّة بلا واسطة، إلّا أنّها من الآثار العقليّة المترتّبة عليه بتوسيط ما يترتّب عليه من إيجاب الاحتياط شرعا، فالدليل على رفعه دليل على عدم إيجاب الاحتياط بلا واسطة و على رفع المؤاخذة بواسطته».

(9) و في بعض النسخ: «على مخالفته نفسه».

(10) توضيح الإشكال: أنّ رفع إيجاب الاحتياط إنّما يوجب رفع المؤاخذة على نفس إيجاب-

19

فإنّه يقال: هذا إذا لم يكن إيجابه (1) طريقيّا، و إلّا فهو (2) موجب لاستحقاق العقوبة على المجهول، كما هو الحال في غيره من الإيجاب و التحريم الطريقيّين، ضرورة أنّه كما يصحّ أن يحتجّ بهما (3) صحّ أن يحتجّ به و يقال: «لم أقدمت مع إيجابه؟»، و يخرج به عن العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان كما يخرج بهما.

و قد انقدح بذلك: أنّ رفع التكليف المجهول كان منّة على الامّة حيث كان له تعالى وضعه بما هو قضيّته من إيجاب الاحتياط، فرفعه (4)،

____________

- الاحتياط، و لا يوجب رفع المؤاخذة على التكليف الواقعيّ المجهول. و ذلك لأنّ هنا حكمين:

(أحدهما) التكليف الواقعيّ المجهول. و (ثانيهما) وجوب الاحتياط في ظرف الجهل بالحكم الواقعيّ. و لمّا كانت المؤاخذة معلولا لوجوب الاحتياط فكان رفع وجوبه علّة لارتفاع المؤاخذة على نفس وجوب الاحتياط، لا لارتفاع المؤاخذة على التكليف الواقعيّ المجهول.

فلا يكون رفع وجوب الاحتياط دليلا على رفع المؤاخذة على التكليف الواقعيّ. و إذن فلا يصحّ مخالفة التكليف الواقعيّ المجهول.

(1) أي: إيجاب الاحتياط.

(2) الضمير يرجع إلى إيجاب الاحتياط. و الأولى أن يقول: «هذا إذا كان إيجابه نفسيّا، و إلّا فهو ...» أي: عدم كون إيجاب الاحتياط مستتبعا لاستحقاق المؤاخذة على مخالفة التكليف الواقعيّ المجهول موجّه فيما إذا كان إيجاب الاحتياط نفسيّا، فيقال بثبوت المؤاخذة على مخالفة نفسه. و أمّا إذا لم يكن إيجابه نفسيّا بل كان طريقيّا- كما هو الحقّ- فإيجابه إنّما يوجب استحقاق المؤاخذة على التكليف الواقعيّ المجهول، لا على مخالفة نفسه، إذ الوجوب الطريقيّ تابع للواقع و لا يترتّب عليه غير ما يترتّب على موافقة الواقع و مخالفته.

و لا يخفى عليك: أنّ كون إيجابه طريقيّا- بمعنى إيجابه لأصل التحفّظ على الواقع و عدم الوقوع في مخالفة الحرام أو الوجوب- لا يخلو من الإشكال. و ذلك لما مرّ من أنّ الاصول العمليّة ليست إلّا قواعد فقهيّة و وظائف فعليّة مجعولة تثبت للموضوعات بعد عدم الظفر بما يدلّ على ما يصدر لها من الحكم ابتداء، لا الدليل الظنيّ و لا الدليل القطعيّ، فوجوب الاحتياط حكم فعليّ ثبت لمن تتبّع عن حكم موضوع و لم يظفر بدليل عليه، بحيث ليست وظيفته الفعليّة الحقيقيّة في الحال إلّا الاحتياط.

(3) بأن يقول المولى: «لم ما طهرت حتّى تصلّي؟» أو يقول: «لم ألقيت نفسك من السطح حتّى تقتل؟».

(4) أي: أنّ الحكم الواقعيّ يقتضي إيجاب الاحتياط في ظرف الجهل، فإيجاب الاحتياط-

20

فافهم (1).

ثمّ لا يخفى عدم الحاجة إلى تقدير «المؤاخذة» و لا غيرها من الآثار الشرعيّة في «ما لا يعلمون» (2)، فإنّ ما لا يعلم من التكليف مطلقا- كان في الشبهة الحكميّة

____________

- من آثار التكليف الواقعيّ في ظرف الجهل به، و كان له تعالى وضع التكليف الواقعيّ المجهول على العباد بوضع ما يقتضيه من إيجاب الاحتياط، فرفع التكليف الواقعيّ المجهول برفع مقتضاه- أي رفع إيجاب الاحتياط-، و هذا منّة منه على العباد.

(1) لعلّه إشارة إلى ما أفاده المحقّق الاصفهانيّ. و حاصله: أنّ إيجاب الاحتياط ليس من مقتضيات التكليف الواقعيّ و آثاره، لا بمعنى المسبّب بالإضافة إلى سببه، لأنّ السبب الفاعليّ لكلّ حكم هو الحاكم، و لا بمعنى ذي الغاية بالإضافة إلى الغاية الداعية إليه، لأنّ التكليف الواقعيّ المجهول ليس من الفوائد المترتّبة على إيجاب الاحتياط كي يكون اقتضائه له بهذا النحو من الاقتضاء، و لا بمعنى مطلق الأثر المترتّب الشامل للحكم بالإضافة إلى موضوعه، لأنّ إيجاب الاحتياط ليس حكما متعلّقا بالتكليف الواقعيّ المجهول. بل المعقول أنّ الغرض الباعث على التكليف كما يدعو إلى جعل التكليف كذلك يدعو إلى إيصاله بإيجاب الاحتياط الواصل المبلّغ له إلى مرتبة الفعليّة و التنجّز، فكلا الإيجابين من مقتضيات الموضوع، لأنّ أحدهما من مقتضيات الآخر. نهاية الدراية 2: 434- 435.

و يمكن أن يقال: إنّ إيجاب الاحتياط ليس من مقتضيات التكليف الواقعيّ المجهول، بل هو الحكم الثابت للمكلّف حال عدم الظفر بدليل عليه، كما أنّ الحكم الظّنيّ هو وظيفته بعد الظفر بالدليل الظّنيّ عليه. فليس أحدهما من آثار الآخر، بل كلاهما من مقتضيات الجهل بالحكم الواقعيّ.

(2) هذا تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ. و توضيحه يبتني على بيان ما أفاده الشيخ أوّلا، و توضيح تعريض المصنّف (رحمه اللّه) به ثانيا.

أمّا ما أفاده الشيخ: فحاصله: أنّ الظاهر من الموصول في: «ما لا يعلمون»- بقرينة وحدة السياق- هو الموضوع و الفعل الصادر من المكلّف في الخارج، فإنّ المراد من الموصول في سائر الفقرات هو الفعل الّذي لا يطيقون أو يكرهون عليه أو يضطرّون إليه، ضرورة أنّه لا معنى لتعلّق الإكراه و الاضطرار بالحكم، فيكون المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» هو الفعل الصادر منه الّذي لا يعلم عنوانه، كما إذا شرب مائعا و لا يعلم أنّه شرب خمرا أو شرب ماء.

و إذا اسند الرفع- بقرينة وحدة السياق- إلى الفعل الخارجيّ الصادر من المكلّف فلا محيص عن التقدير، لعدم صحّة إسناد الرفع التشريعيّ إلى الفعل الخارجيّ التكوينيّ، فإنّ الرفع إنّما يتعلّق بما كان رفعه و وضعه بيد الشارع، و الفعل الخارجيّ التكوينيّ ليس كذلك.-

21

أو الموضوعيّة- بنفسه قابل للرفع و الوضع شرعا، و إن كان في غيره لا بدّ من‏

____________

- و عليه فلا بدّ في الاستدلال بالرواية من التقدير. و المقدّر في الرواية- باعتبار دلالة الاقتضاء- إمّا جميع الآثار في كلّ واحد من التسعة، و هو الأقرب اعتبارا إلى المعنى الحقيقيّ؛ و إمّا الأثر الظاهر المناسب لكلّ واحد من التسعة؛ و إمّا خصوص المؤاخذة في الكلّ، و هذا أقرب عرفا من الأوّل و أظهر من الثاني. فرائد الاصول 2: 28- 29.

و أمّا تعريض المصنّف به: فتوضيحه: أنّ في المراد من الموصول في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«ما لا يعلمون» وجوه ثلاثة:

الأوّل: أن يكون المراد بالموصول هو الحكم المجهول مطلقا، سواء كان منشأ الجهل بالحكم فقدان النص أم إجماله- كما في الشبهات الحكميّة- أم الاشتباه في الامور الخارجيّة- كما في الشبهات الموضوعيّة-.

الثاني: أن يكون المراد به خصوص الفعل الخارجيّ المجهول عنوانه، كشرب المائع الّذي لا يعلم الشارب هل هو خمر أو ماء.

الثالث: أن يراد به الفعل و الحكم.

و التحقيق- كما مرّ- هو الوجه الأوّل. و عليه يتمّ الاستدلال بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما لا يعلمون» على جريان البراءة في الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة. و لا حاجة إلى ما أفاده الشيخ الأعظم من لزوم التقدير في «ما لا يعلمون»، لأنّ التكليف غير المعلوم و الحكم المجهول بنفسه قابل للوضع و الرفع تشريعا، سواء منشأ الجهل به فقدان النصّ أو إجماله- كما في الشبهات الحكميّة- أو الاشتباه في الامور الخارجيّة- كالشبهات الموضوعيّة-، فيدلّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما لا يعلمون» على جريان البراءة في كلتا الشبهتين من دون حاجة إلى التقدير.

نعم، دلالة الاقتضاء في غير: «ما لا يعلمون» من سائر الجمل المذكورة تقضي إمّا تقدير جميع الآثار أو الالتزام بالمجاز في الإسناد- بأن يسند الرفع إلى نفس تلك الامور و كان المقصود رفع المؤاخذة و نحوها-، لاستلزام رفع نفس هذه العناوين للكذب، لتحقّقها في الخارج قطعا.

هذا كلّه على الوجه الأوّل.

و أمّا على الوجه الثاني: فلا بدّ من تقدير أحد الامور الّتي ذكرها الشيخ أو الالتزام بالمجاز في إسناد الرفع إليه.

و أمّا الوجه الثالث: فهو- على ما أفاده المصنّف (رحمه اللّه) في حاشية الرسائل: 114- ممنوع، لأنّ إسناد الرفع إلى الحكم إسناد إلى ما هو له، و إسناده إلى الموضوع إسناد إلى غير ما هو له، و الجامع بين الإسنادين غير معقول.

22

تقدير الآثار، أو المجاز في إسناد الرفع إليه، فإنّه ليس «ما اضطرّوا و ما استكرهوا ...»- إلى آخر التسعة- بمرفوع حقيقة. نعم، لو كان المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» ما اشتبه حاله و لم يعلم عنوانه لكان أحد الأمرين لا بدّ أيضا.

ثمّ لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة (1) بعد وضوح أنّ المقدّر في غير واحد غيرها (2)؛ فلا محيص عن أن يكون المقدّر هو الأثر الظاهر في كلّ منها، أو تمام آثارها الّتي تقتضي المنّة رفعها. كما أنّ ما يكون بلحاظه الإسناد إليها مجازا هو هذا (3)، كما لا يخفى. فالخبر دلّ على رفع كلّ أثر تكليفيّ أو وضعيّ كان في رفعه منّة على الامّة (4)؛ كما استشهد الإمام (عليه السّلام) بمثل هذا الخبر في رفع ما استكره عليه من الطلاق و الصدقة و العتاق (5).

____________

(1) و هذا أيضا تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ، حيث استظهر أن يكون المقدّر في الكلّ خصوص المؤاخذة، فقال: «و أن يقدّر المؤاخذة في الكلّ. و هذا أقرب عرفا من الأوّل و أظهر من الثاني أيضا، لأنّ الظاهر أنّ نسبة الرفع إلى مجموع التسعة على نسق واحد. فإذا اريد من (الخطاء) و (النسيان) و (ما اكرهوا عليه) و (ما اضطرّوا إليه) المؤاخذة على أنفسها كان الظاهر في (ما لا يعلمون) ذلك أيضا». فرائد الاصول 2: 29.

فأورد عليه المصنّف (قدّس سرّه) بأنّه لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة في جميع الفقرات، إذ المقدّر في بعضها- بقرينة استشهاد الإمام بمثل هذا الخبر في رفع ما استكره عليه من الطلاق و العتاق- هو الحكم الوضعيّ من طلاق الزوجة و انعتاق العبد و صيرورة الأموال ملكا للفقراء، فلا محيص عن أن يكون المقدّر هو الأثر الظاهر في كلّ منها أو جميع الآثار.

(2) أي: غير المؤاخذة.

(3) أي: كما أنّه لو لم نقدّر في الحديث شيئا بل التزمنا بأنّ إسناد الرفع إلى كلّ واحد من التسعة مجاز بلحاظ الآثار، يلزم أن يكون الإسناد المجازيّ إلى التسعة بلحاظ الأثر الظاهر أو جميع الآثار، لا بلحاظ رفع خصوص المؤاخذة.

(4) فيعتبر في شمول حديث الرفع أن يكون في رفع المرفوع منّة على الامّة، فلا يرتفع به ضمان الإتلاف المتحقّق بالاضطرار أو الإكراه، لأنّ في رفعه خلاف الامتنان بالنسبة إلى المالك؛ و لا يرفع به صحّة بيع المضطرّ، فإنّ رفعها خلاف الامتنان.

(5) عن صفوان بن يحيى و أحمد بن محمّد بن أبي نصر جميعا عن أبي الحسن (عليه السّلام) في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك، أ يلزمه ذلك؟ فقال (عليه السّلام):-

23

ثمّ لا يذهب عليك: أنّ المرفوع في «ما اضطرّ إليه» و غيره ممّا اخذ بعنوانه الثانويّ إنّما هو الآثار المترتّبة عليه بعنوانه الأوّليّ، ضرورة أنّ الظاهر أنّ هذه العناوين صارت موجبة للرفع، و الموضوع للأثر مستدع لوضعه، فكيف يكون موجبا لرفعه؟! (1).

____________

- «لا، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): وضع عن امّتي ما اكرهوا عليه و ما لم يطيقوا و ما أخطئوا».

المحاسن 2: 339؛ وسائل الشيعة 16: 164، الباب 12 من أبواب الأيمان، الحديث 12.

و لا يخفي: أنّ ما أورد المصنّف (رحمه اللّه) على الشيخ- من ظهور استشهاد الإمام (عليه السّلام) في رفع جميع الآثار أو الأثر الظاهر- قد استدركه الشيخ الأعظم نفسه أيضا، فقال: «نعم يظهر من بعض الأخبار الصحيحة عدم اختصاص الموضوع عن الامّة بخصوص المؤاخذة ...»، و لكن رجع عنه بقوله: «لكن النبويّ المحكيّ في كلام الإمام (عليه السّلام) مختصّ بثلاثة من التسعة، فلعلّ نفي جميع الآثار مختصّ بها، فتأمّل». فرائد الاصول 2: 29.

و لا يخفي أيضا: أنّ ما أفاده المصنّف (رحمه اللّه) في المقام- من دعوى عدم الوجه لتقدير خصوص المؤاخذة- ينافي ما أفاده في حاشية الرسائل- من دعوى إمكان تصحيح تقدير خصوص المؤاخذة-، حيث أورد على ذلك الاستظهار بقوله: «ما يظهر من الخبر لا ينافي تقدير خصوص المؤاخذة مع تعميمها إلى ما كانت مترتّبة عليها بالواسطة، كما في الطلاق و الصدقة و العتاق، فإنّها مستتبعة إيّاها بواسطة ما يلزمها من حرمة الوطي في المطلّقة و مطلق التصرّف في الصدقة و العتاق». حاشية الرسائل: 116- 117.

(1) توضيحه: أنّ الحكم الثابت للموضوع تارة يكون ثابتا له بوصف العمد أو الذكر أو الاختيار، كوجوب الكفّارة المترتّب على الإفطار العمديّ؛ و اخرى يكون ثابتا له بوصف الخطأ أو النسيان أو الاضطرار أو الإكراه، كوجوب الكفّارة الثابت للقتل خطأ، و وجوب سجدتي السهو الثابت لترك بعض أجزاء الصلاة نسيانا؛ و ثالثة يكون ثابتا له بما هو و بعنوانه الأوّلي، لا بوصف العمد أو الذكر أو الاختيار، و لا بوصف النسيان أو الخطأ أو الاضطرار أو الإكراه، كحرمة شرب الخمر و وجوب الصوم و غيرهما من الأحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأوّليّة.

و ذهب المصنّف (رحمه اللّه)- تبعا للشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول 2: 32- إلى أنّ المرفوع بحديث الرفع إنّما هو الأحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأوّليّة قطع النظر عن طروء صفة الاضطرار أو الخطأ أو النسيان أو الإكراه، فهذه الأوصاف رافعة للأحكام الثابتة لها بعناوينها الأوّليّة، لا ما كان ثابتا لها بعد طروء العناوين الثانويّة.

أمّا الأحكام الثابتة لها بوصف العمد أو الذكر أو الاختيار: فلأنّها ترتفع قهرا بانتفاء موضوعها، من دون حاجة إلى حديث الرفع، ضرورة أنّه إذا كان موضوع الحكم مقيّدا-

24

لا يقال: كيف! و إيجاب الاحتياط فيما لا يعلم و إيجاب التحفّظ في الخطأ و النسيان يكون أثرا لهذه العناوين (1) بعينها و باقتضاء نفسها (2).

____________

- بقيد العمد- مثلا- ينتفي ذلك الموضوع بانتفاء قيده، و ينتفي الحكم أيضا بانتفاء موضوعه قهرا، فمع الخطأ و عدم العمد يرتفع الحكم بنفسه، و لا حاجة في ارتفاعه إلى التمسّك بحديث الرفع.

و أمّا الأحكام الثابتة للموضوعات بوصف النسيان أو الخطأ أو الاضطرار أو الإكراه:

فلا يتكفّلها حديث الرفع، لأنّ الظاهر من حديث الرفع أنّ هذه العناوين الثانويّة موجبة لرفع الحكم عن الموضوع، و هو- أي رفع الحكم- يتفرّع على ثبوت الحكم المرفوع للموضوع قبل طروء هذه العناوين كي يكون طروّها له موجبا لرفعه.

و أمّا الحكم الثابت له بالعناوين الثانويّة- بمعنى أنّ هذه العناوين موجبة لثبوته للموضوع-: فلا يعقل ارتفاعه بحديث الرفع، لاستلزامه أن يكون العنوان الواحد- كعنوان «المضطرّ إليه»- مقتضيا لعدم الحكم و مقتضيا لثبوته في آن واحد، و هو من اجتماع المتنافيين. فليس حديث الرفع ظاهرا في رفع الحكم الثابت للموضوع بالعنوان الثانويّ، بل هو ظاهر في رفع الحكم الثابت له بعنوانه الأوّليّ لأجل طروء هذه العناوين الثانويّة.

و هذا المطلب ذكره المحقّقان النائينيّ و العراقيّ بالبيان المذكور ملخّصا. فوائد الاصول 3: 348، نهاية الأفكار 3: 213.

و أوضحه المحقّق الاصفهانيّ ببيان آخر. و هو: أنّ حديث الرفع ورد مورد الامتنان، و هذا يقتضي أن تكون الجهات الموجبة للامتنان- برفع الأحكام و الآثار- نفس هذه العناوين المأخوذة في الخبر من الجهل و النسيان و الاضطرار و غيرها، فإذا كانت هذه العناوين مقتضية لرفع تلك الأحكام فلا محالة ليست بما هي مقتضية لثبوتها، إذ لا يعقل أن يكون العنوان الواحد مقتضيا لطرفي النقيض. نهاية الدراية 2: 442.

(1) أي: العناوين الثانويّة من الجهل و الخطأ و النسيان.

(2) توضيح الإشكال: أنّه لا شكّ أنّ إيجاب الاحتياط ليس من آثار الموضوع بعنوانه الأوّليّ، بل هو من آثاره بعنوانه الثانويّ- أي كون الموضوع مجهول الحكم-؛ و كذا إيجاب التحفّظ ليس من آثار الموضوع بعنوانه الأوّلي، بل هو من آثار الخطأ و النسيان. و ما ذكرتم من أنّ حديث الرفع إنّما يرفع آثار الموضوع بعنوانه الأوّلى، لا آثاره بعنوانه الثانويّ، يقتضي أن لا يرفع إيجاب الاحتياط و إيجاب التحفّظ، إذ هما ليسا من آثار الموضوع بعنوانه الأوّلى، بل هما من آثاره بعنوانه الثانويّ- أي الجهل و الخطأ و النسيان-، مع أنّ حديث الرفع يرفع إيجاب الاحتياط و التحفّظ، كما لا يخفى.-

25

فإنّه يقال: بل إنّما يكون باقتضاء الواقع في موردها، ضرورة أنّ الاهتمام به يوجب إيجابهما، لئلّا يفوت على المكلّف، كما لا يخفى (1).

____________

- و بتعبير آخر: أنّ لكم دعويين متناقضين:

الاولى: أنّ حديث الرفع إنّما يدلّ على رفع آثار الموضوع بعنوانه الأوّليّ. و هذا يقتضي عدم دلالته على رفع إيجاب الاحتياط في الموضوع المجهول حكمه الواقعيّ، لأنّ إيجاب الاحتياط من آثار الموضوع بعنوانه الثانويّ- و هو كونه مجهول الحكم-.

الثانية: أنّ حديث الرفع يدلّ على رفع التكليف الواقعيّ في ظرف الجهل ظاهرا، و لمّا كان ثبوت التكليف الواقعيّ في ظرف الجهل مقتضيا لإيجاب الاحتياط فيقتضي رفعه في ظرف الجهل ارتفاع إيجاب الاحتياط. و عليه فالدليل على رفع التكليف الواقعيّ دليل على رفع إيجاب الاحتياط. فإذا حديث الرفع يدلّ على رفع إيجاب الاحتياط الّذي كان ثابتا للموضوع بعنوانه الثانويّ. و كذا الكلام في إيجاب التحفّظ.

و معلوم أنّ الدعوى الثانية تنافي الدعوى الاولى.

و بالجملة: أنّ الدعوى الثانية دليل واضح على عدم صحّة الدعوى الاولى، فلا يخصّ حديث الرفع برفع آثار الموضوع بعنوانه الأوّلى، بل يرفع آثاره بعنوانه الثانويّ أيضا.

(1) توضيحه: أنّ إيجاب الاحتياط ليس من آثار الجهل بالتكليف كي يقال: «أنّه من آثار الموضوع بعنوانه الثانويّ»، بل هو من آثار ثبوت التكليف الواقعيّ الناشئ عن ثبوت المصلحة في متعلّقه، فإنّ اهتمام الشارع به و عدم رضائه بتركه حتّى في ظرف الجهل به يوجب إيجاب الاحتياط لئلّا تفوت المصلحة على المكلّف. فإذا دلّ دليل على رفع التكليف الواقعيّ في ظرف الجهل ظاهرا، دلّ على عدم اهتمام الشارع به في ظرف الجهل و رضائه بتركه في الحال، فيدلّ على رفع إيجاب الاحتياط الّذي يقتضيه ثبوت التكليف في عالم الواقع و عدم رضاء الشارع بتركه حتّى في حال الجهل. و كذا الحال في إيجاب التحفّظ.

و عليه يرجع الضمير في قوله: «في موردها» إلى الجهل و الخطأ و النسيان. و في قوله:

«يوجب إيجابهما» إلى الاحتياط و التحفّظ.

تتمّة:

لا يخفى: أنّ في المقام مباحث أخر حول دلالة حديث الرفع، لم يتعرّض لها المصنّف (رحمه اللّه) هنا. فنشير إليها إجمالا.

منها: أنّ حديث الرفع هل يشمل الامور العدميّة أم يشمل الوجوديّات فقط؟ مثلا: لو نذر شخص أن يشرب من ماء دجلة فاكره على الترك أو اضطرّ إليه أو نسى أن يشرب- و قلنا بعدم اختصاص الكفّارة بصورة تعمّد الحنث- هل يمكن التمسّك بحديث الرفع و إثبات-

26

و منها: حديث الحجب (1).

____________

- عدم وجوب الكفّارة أم لا؟.

ذهب المحقّق العراقيّ و السيّد الإمام الخمينيّ إلى الأوّل. نهاية الأفكار 3: 219، و تهذيب الاصول 2: 159.

و ذهب المحقّق النائينيّ إلى الثاني معلّلا بأنّ ظاهر الحديث تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود. فوائد الاصول 3: 352- 353.

و منها: أنّه لا شكّ في شمول الحديث للأحكام الاستقلاليّة، فيرفع وجوب الإمساك على الصائم لو اكره على تركه أو اضطرّ إليه أو نسيه، و يرفع حرمة شرب الخمر فيما اكره على شربه أو اضطرّ إليه أو شربه نسيانا. إنّما الكلام في الأحكام الضمنيّة- كما لو اضطرّ المكلّف إلى ترك بعض أجزاء الصلاة أو اكره عليه أو نسي جزئيّته فتركه- فهل يشملها حديث الرفع فيرفع التكليف الضمنيّ المتعلّق بالجزء أو الشرط أم لا يشملها؟

ذهب بعضهم إلى الأوّل، و بعض آخر إلى الثاني، و بعض آخر إلى التفصيل. راجع نهاية الأفكار 3: 217، فوائد الاصول 3: 353، أنوار الهداية 2: 53- 61، مصباح الاصول 2: 266- 267.

و منها: أنّ حديث الرفع هل يشمل الأحكام الوضعيّة كما يشمل الأحكام التكيفيّة أم لا؟

فبناء على الشمول يرفع وجوب الكفّارة على المكلّف فيما إذا اضطرّ إلى الإفطار في نهار شهر رمضان كما يرفع حرمة الإفطار. و بناء على عدم الشمول إنّما يرفع حرمة الإفطار و لا يرفع وجوب الكفّارة.

و الأكثر على الأوّل.

و منها: أنّه هل يشمل موارد سوء الاختيار أم لا؟ ذهب المحقّق العراقيّ إلى الثاني. نهاية الأفكار 3: 218.

و منها: أنّ حديث الرفع هل يشمل جميع موارد الجهالة- من الجهالة تقصيرا و قصورا، و الجهالة قبل الفحص و بعده- أم يشمل خصوص بعض الموارد؟

و منها: أنّ الحديث هل يختصّ بموارد الشكّ في التكاليف الإلزاميّة أم يعمّ موارد الشكّ في التكاليف غير الإلزاميّة؟

هذه أهمّ المباحث المتعلّقة بحديث الرفع. و توضيح ما أفاده الأعلام حول هذه المباحث من الأقوال و المناقشات يحتاج إلى بحث أوسع لسنا بصدده. و على الطالب المحقّق أن يراجع عنه تقريرات بعض المعاصرين، فراجع فوائد الاصول 3: 336- 362، و نهاية الأفكار 3: 209- 226، و مصباح الاصول 2: 257- 271، و أنوار الهداية 2: 33- 69.

(1) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم». التوحيد: 413؛-

27

و قد انقدح تقريب الاستدلال به ممّا ذكرنا في حديث الرفع (1).

____________

- وسائل الشيعة 18: 119، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 28.

و رواه في الكافي هكذا: «ما حجب اللّه عن العباد فهو موضوع منهم». الكافي 1: 164.

و في بعض الكتب: «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم، حتّى يعرّفوه». تحف العقول: 365، بحار الأنوار 75: 248.

(1) لا يخفى: أنّ تقريب الاستدلال به يتوقّف على بيان المراد من مفردات الحديث. و هي ثلاثة:

1- «ما»، فإنّ المحتمل في المراد به في قوله: «ما حجب» وجوه:

الأوّل: أن يكون المراد به كلّ حكم أو موضوع ذي حكم، لعموم الموصول. و هذا ظاهر كلام المصنّف (رحمه اللّه). و ذهب إليه السيّد المحقّق الخوئيّ في مصباح الاصول 2: 271.

الثاني: أن يكون المراد به- بقرينة إسناد الحجب إلى اللّه تعالى- خصوص الحكم الشرعيّ، فإنّ استناد الحجب إليه يختصّ بالأحكام الّتي كان رفع الجهل عنها من مقتضيات تكليفه تعالى.

و هذا ما احتمله المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار: 226.

الثالث: أن يكون المراد بالموصول بعض الموضوعات الخارجيّة الّتي تقتضي المصلحة عدم علم العباد بها، كوقت ظهور الإمام الثاني عشر (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) و قيام الساعة و القيامة و ليلة القدر و غيرها. و الدليل عليه أنّه سبحانه لم يحجب شيئا من الأحكام الشرعيّة على العباد، بل بيّنها جميعا، كما هو مقتضى إكمال الدين و إتمام النعمة.

الرابع: أن يكون المراد خصوص الحكم الوجوبيّ، فيختصّ الحديث بالشبهة الوجوبيّة، بقرينة قوله: «موضوع عنهم»، فإنّ الواجب هو الفعل الثابت القابل للرفع، و أمّا الحرام فالمكلّف مزجور عنه، لا أنّه ثابت عليه. و هذا ما ذهب إليه الشيخ الحرّ العامليّ في وسائل الشيعة 18: 119- 120.

الخامس: أن يكون المراد بالموصول من كان محجوبا عن الحكم، كما أنّ المراد من الموصول في قوله: «رفع ما لا يعلمون» كلّ من لا يعلم الحكم، فإنّ الظاهر من قوله:

«موضوع عنهم» أنّ الحكم المجهول المجعول بحسب الواقع موضوع عن الجاهل. و هذا ما اختاره السيّد الإمام الخمينيّ في أنوار الهداية 2: 70- 71 و تهذيب الاصول 2: 237.

2- «حجب اللّه علمه»، إنّ الحجب في اللغة هو الستر أو المنع. و المراد منه في الحديث أحد الوجهين:

الأوّل: أن يكون المراد أنّ اللّه لم يبيّن الحكم أو الموضوع للعباد، و لم يأمر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أو الأئمّة (عليه السّلام) بتبليغه إليهم، لبعض المصالح. و هذا ما استظهره الشيخ الأنصاريّ بقرينة إسناد الحجب إلى اللّه تعالى. فرائد الاصول 2: 41.-

28

____________

- و مال إليه المصنّف (رحمه اللّه) في المقام حيث تعرّض لما أفاده الشيخ إشكالا على الاستدلال بالحديث و لم يردّه.

و اختاره المحقّق النائينيّ في أجود التقريرات 2: 181، بل هو ظاهر كلام المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية 2: 445- 446.

الثاني: أن يكون المراد أنّ اللّه بلّغ الحكم أو الموضوع إلى الناس و بيّن لهم، و لكنّه خفي عليهم و لم يصل إليهم لبعض الأسباب، كظلم الظالمين و وقوع المهالك العامّة و سدّ باب الإمامة و الولاية و غيرها. و هذا ما اختاره السيّدان العلمان- الإمام الخمينيّ و السيّد الخوئيّ- بعد تصحيح استناد الحجب إلى اللّه و الجواب عن الشيخ الأنصاريّ. راجع أنوار الهداية 2: 70- 71، مصباح الاصول 2: 271.

3- «العباد»، و فيه وجهان:

الأوّل: أن يكون المراد مجموع المكلّفين بما هو مجموع، فيكون المجموع موضوعا واحدا، فلا يرتفع التكاليف عن العباد إلّا إذا كانت مستورة على جميعهم، فإن كان حكم مستورا عن بعض لا عن الكلّ فلا يكون مرفوعا حتّى بالنسبة إلى الجاهلين.

الثاني: أن يكون المراد به طبيعيّ العباد، بحيث إذا كان الحكم مستورا عن بعض يرفع عنهم و لو كان معلوما لغيره من سائر المكلّفين، و إذا كان مستورا عن الجميع يرفع عن الجميع.

إذا عرفت هذه المقدّمة، فاعلم أنّ بعض الوجوه المحتملة في المفردات يوجب أن يكون الحديث أجنبيّا عن أدلّة البراءة، و بعضها يوجب كونه أخصّ من المدّعي، و بعضها يوجب كونه تامّ الدلالة على المدّعي.

فالتحقيق يستدعي الكلام في مقامات ثلاثة:

المقام الأوّل: الوجوه الّتي توجب كون الحديث أجنبيّا عن أدلّة البراءة. و هي ما يلي:

1- أن يكون المراد بالموصول في قوله: «ما حجب» هو الاحتمال الثالث، أي يكون المراد به بعض الموضوعات الخارجيّة الّتي لا ترتبط بالأحكام الشرعيّة، كوقت ظهور الإمام الثاني عشر (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف). و الوجه في ذلك واضح.

2- أن يكون المراد بالحجب هو الاحتمال الأوّل من الاحتمالين المذكورين، فيكون المراد به أنّ اللّه لم يبيّن الحكم أو الموضوع للعباد، لبعض المصالح، بقرينة استناد الحجب إليه تعالى. و ذلك لأنّ النزاع بين الاصوليّين و الأخباريّين في الأحكام الّتي بيّنها اللّه تعالى للعباد و لم تصل إليهم لبعض الأسباب، لا في الأحكام الّتي لم يبيّنها لهم لوجود مصالح-

29

____________

- في بقاءها في مرتبة الإنشاء.

و لكن لا يخفى: أنّ كلا الوجهين مخدوش:

أمّا الأوّل: فلأنّه غير مناسب لذيل الحديث- أي قوله: «فهو موضوع عنهم»-، فإنّ الوضع و الرفع إنّما يناسب ما يكون قابلا لهما، و تلك الامور الخارجيّة ليست كذلك. مضافا إلى أنّ عدم وصول بعض الأحكام لبعض الأسباب لا ينافي إكمال الدين و إتمام النعمة، فإنّ الشارع بيّن وظيفة المكلّف في ظرف عدم وصول الأحكام بإيجاب الاحتياط أو جريان البراءة.

و أمّا الثاني:- و هو الّذي استظهره الشيخ الأنصاريّ و تبعه بعض المتأخّرين- فأجاب عنه السيّدان العلمان بدعوى إمكان تصحيح إسناد الحجب إليه تعالى و لو كان المراد من الحجب هو الاحتمال الثاني.

أمّا السيّد الإمام الخمينيّ: فأفاد ما حاصله: أنّ السبب لخفاء الأحكام الّتي بيّنها اللّه تعالى بلسان رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و أوصيائه هو الجهات الخارجيّة و الأسباب الطبيعيّة، كوقوع المهالك العامّة- نظير الزلزلة و الحريق و الغرق-. و هذه الامور ممّا تنسب إلى اللّه تعالى، كما ينسب إليه أنّه المحيي و المميت و الضارّ و النافع. فقوله: «كلّ ما حجب اللّه علمه عن العباد» أي: كلّ حكم يكون المكلّف محجوبا عنه لا بتقصير منه- بل بواسطة امور خارجة عن قدرته- فهو موضوع عنه. أنوار الهداية 2: 70- 71.

و أمّا السيّد المحقّق الخوئيّ: فأفاد بما حاصله: أنّ الموجب لخفاء الأحكام الّتي بيّنها الشارع و إن كان هو الظالمين، إلّا أنّه تعالى قادر على بيانها بأن يأمر المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) بالظهور و بيان الأحكام، فحيث لم يأمره بالبيان- لحكمة لا يعلمها إلّا هو- صحّ إسناد الحجب إليه تعالى. و كذا الحال في الشبهات الموضوعيّة، فإنّ اللّه تعالى قادر على إعطاء مقدّمات العلم الوجداني لعباده، فمع عدم الإعطاء صحّ إسناد الحجب إليه تعالى.

مصباح الاصول 2: 272.

المقام الثاني: الوجوه الّتي توجب كون الحديث أخصّ من المدّعى. و هي ما يلي:

1- أن يكون المراد بالموصول- بقرينة إسناد الحجب إليه تعالى- خصوص الحكم الشرعيّ، حيث أنّ استناد الحجب إليه يختصّ بالأحكام الّتي كان رفع الجهل عنها من مقتضيات تكليفه تعالى. فحينئذ يدلّ على البراءة في خصوص الشبهات الحكميّة.

2- أن يكون المراد به خصوص الحكم الوجوبيّ- كما أفاده الشيخ الحرّ العامليّ-، فيختصّ الحديث بالشبهة الوجوبيّة.

3- أن يكون المراد من العباد مجموع المكلّفين بما هو مجموع. فيختصّ الحديث بما-

30

____________

- إذا كان الحكم مستورا عن جميع العباد، فلا يشمل ما إذا كان الحكم مستورا عن بعضهم- لا عن الكلّ-، فلا يرفع حتّى بالنسبة إلى الجاهلين.

و لكن لا يخفى: أنّ الكلّ مخدوش:

أمّا الأوّل: فلأنّ مقتضى عموم الحديث شموله للشبهات الموضوعيّة أيضا. و لا وجه لتوهّم اختصاصه بإحدى الشبهتين. و استناد الحجب إليه تعالى و إن كان يختصّ بالأحكام المجهولة، إلّا أنّ منشأ الجهل بها قد يكون فقدان النص أو إجماله- كما في الشبهات الموضوعيّة- و قد يكون الاشتباه في الامور الخارجيّة- كما في الشبهات الموضوعيّة-، و بهذا الاعتبار يشمل الحديث كلتا الشبهتين.

و أمّا الثاني: فأجاب عنه المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية 2: 447- 448. و حاصل ما أفاده: أنّ التكليف اللزوميّ بملاحظة ثقله على المكلّف يكون على المكلّف؛ و لذا كما يتعدّى الوجوب بحرف الاستعلاء بالإضافة إلى المكلّف فيقال: «لا يجب عليه» كذلك الحرمة تتعدّى به بالإضافة إليه فيقال: «يحرم عليه».

كما تشهد الاستعمالات القرآنيّة حتّى في المحرّمات التكوينيّة، كقوله تعالى: وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ‏ القصص/ 12، و قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ‏ الأعراف/ 50، إلى غير ذلك.

و أمّا الثالث: فلأنّه لا يعقل أن يكون جهل بعض الأشخاص دخيلا في رفع الحكم عن الآخرين، كما لا يعقل أن يكون علم بعضهم بالأحكام دخيلا في ثبوته للآخرين.

المقام الثالث: الوجوه الّتي توجب كون الحديث تامّ الدلالة على المدّعى. و هي ما يلي:

1- أن يكون المراد بالموصول في «ما حجب» كلّ حكم أو موضوع ذي حكم. و أن يكون المراد بالحجب أنّ اللّه بلّغ الأحكام و بيّنها للناس، لكنّها خفيت على العباد لبعض الأسباب الخارجيّة. و أن يكون المراد من العباد طبيعيّ العباد الصادق على البعض و الكلّ. و هذا ما أفاده السيّد لمحقّق الخوئيّ في مصباح الاصول 2: 271- 272.

2- أن يكون المراد بالموصول في «ما حجب» كلّ من كان محجوبا عن الحكم. و أن يكون المراد بالحجب و العباد ما مرّ في الوجه السابق. و هذا ما أفاده السيّد الإمام الخميني في أنوار الهداية 2: 70- 71.

و بالجملة: فيمكن الاستدلال بالحديث على البراءة بأحد تقريبين:

الأوّل: أنّ الحديث يدلّ على أنّ الأحكام الّتي بيّنها اللّه تعالى للعباد و خفيت عليهم لإخفاء الظالمين و غيره من الأسباب الشرعيّة مرفوعة عنهم في ظرف الجهل بها. فيدلّ على البراءة.-

31

إلّا أنّه ربما يشكل بمنع ظهوره في وضع ما لا يعلم من التكليف، بدعوى ظهوره في خصوص ما تعلّقت عنايته تعالى بمنع اطّلاع العباد عليه لعدم أمر رسله بتبليغه، حيث إنّه بدونه لما صحّ إسناد الحجب إليه تعالى (1).

و منها: [حديث الحلّ‏]

قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه ...» الحديث (2). حيث دلّ على حلّيّة ما لم تعلم (3) حرمته مطلقا (4)، و لو كان من جهة عدم الدليل على حرمته.

____________

- الثاني: أنّه يدلّ على أنّ كلّ حكم يكون المكلّف محجوبا عنه لا بتقصير منه- بل بالأسباب الخارجة عن قدرته- فهو مرفوع عنه.

(1) هذا الإشكال من الشيخ الأعظم الانصاريّ في فرائد الاصول 2: 41. و تبعه على ذلك المحقّق النائينيّ في أجود التقريرات 2: 181. و أوضحه المحقّق الاصفهانيّ ببيان آخر في نهاية الدراية 2: 445- 446.

(2) لا يخفى: أنّ الحديث لم يوجد بهذا النص في جوامع الأخبار، بل هو مضمون روايات الحلّ، و هي كثيرة:

منها: رواية عبد اللّه بن سنان، عن الصادق (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه». وسائل الشيعة 12: 59، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

و منها: رواية عبد اللّه بن سليمان، قال سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن الجبن ... قال: «سأخبرك عن الجبن و غيره، كلّ ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف بعينه فتدعه».

وسائل الشيعة 17: 91، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 1.

و منها: موثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سمعته يقول: «كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة ...». وسائل الشيعة 12: 60، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(3) و في بعض النسخ: «ما لم يعلم». و الأولى ما أثبتناه.

(4) سواء كان منشأ الجهل فقدان النص- كما في الشبهات الحكميّة- أو كان منشؤه الاشتباه في الامور الخارجيّة- كما في الشبهات الموضوعيّة-، و سواء كانت الشبهة تحريميّة أم وجوبيّة.-

32

____________

- ثمّ لا يخفى: أنّ الأعلام من المحقّقين من المعاصرين اختلفوا في دلالة الحديث على البراءة و عدمه. فمنهم من خالفه و ذهب إلى اختصاصه بالشبهة الموضوعيّة، كالمحقّق النائينيّ و المحقّق الاصفهانيّ و السيّد الخوئيّ؛ و منهم من خالفه في موضع و وافقه فى موضع آخر، كالمحقّق العراقيّ؛ و منهم من خالفه في جهة و وافقه في جهة اخرى، كالسيّد الإمام الخمينيّ.

أمّا المحقّق النائينيّ: فأفاد ما حاصله: أنّ الحديث لا يدلّ على البراءة في الشبهة الحكميّة، إذ فيه قرينتان تقتضيان اختصاصه بالشبهة الموضوعيّة:

إحداهما: كلمة «فيه»- أو «منه» على اختلاف النسخ- في قوله: «فيه حلال و حرام»، فإنّها ظاهرة في الانقسام الفعليّ، بمعنى كون الشي‏ء بالفعل منقسما إلى الحلال و الحرام، بأن يكون قسم منه حلالا و قسم منه حراما و اشتبه الحلال منه بالحرام و لم يعلم أنّ المشكوك فيه من القسم الحلال أو من الحرام، كاللحم المشكوك كونه من الميتة أو المذكّى، فإنّ اللحم بالفعل منقسم إلى ما يكون حلّا و ما يكون حراما. و ذلك لا يتصوّر إلّا في الشبهات الموضوعيّة كما مثّلنا. و أمّا الشبهات الحكميّة فلا تكون القسمة فيها فعليّة، بل إنّما تكون القسمة فيها فرضيّة، بمعنى احتمال الحرمة و الحلّيّة، فإنّ شرب التتن المشكوك حلّيّته و حرمته ليس له قسمان: قسم حلال و قسم حرام، بل هو إمّا أن يكون حراما و إمّا أن يكون حلالا، فلا يصحّ أن يقال: إنّ شرب التتن فيه حلال و حرام. فكلمة «فيه» ظاهرة في اختصاص الحديث بالشبهات الموضوعيّة.

و ثانيتهما: كلمة «بعينه»، حيث قال: «حتّى تعرف أنّه حرام بعينه»، فإنّ معرفة الشي‏ء بعينه إنّما يكون في الموضوعات الخارجيّة، إذ لا يتصوّر العلم بالحرام لا بعينه في الشبهات الحكميّة، ضرورة أنّه لا معنى لأن يقال: «حتّى تعرف الحكم بعينه». فوائد الاصول 3: 363- 364.

و صرّح المحقّق الاصفهانيّ باختصاصه بالشبهة الموضوعيّة بقرينة أنّ الإمام (عليه السّلام) طبّق القضيّة الكلّيّة «كلّ شي‏ء هو لك حلال ...» على الشبهة الموضوعيّة بقوله (عليه السّلام): «و ذلك مثل ...». نهاية الدراية 2: 449.

و المحقّق الخوئيّ تبع هذين العلمين و أفاد ما أفاداه. مصباح الاصول 2: 273- 277.

و أمّا المحقّق العراقيّ: فوافق المصنّف (رحمه اللّه) على ما في تقريرات درسه «نهاية الأفكار» و ما في «مقالات الاصول»، فإنّه تعرّض فيهما للقرينة الاولى من القرينتين اللتين ذكرهما المحقّق النائينيّ و دفع قرينيّتها بدعوى إمكان تصوّر الانقسام الفعليّ في الشبهات الحكميّة أيضا، كما في كلّيّ اللحم، فإنّا إذا علمنا بحلّيّة لحم نوع من الحيوان- كالغنم- فيحكم بحليّته، و إذا علمنا بحرمة لحم نوع آخر من الحيوان- كالأرنب- فيحكم بحرمته، و إذا شككنا-

33

و بعدم الفصل قطعا بين إباحته و عدم وجوب الاحتياط فيه (1) و بين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة يتمّ المطلوب (2)؛ مع إمكان أن يقال: «ترك‏

____________

- في لحم نوع ثالث من الحيوان- كالحمير- فيحكم بحلّيّته ما لم يعلم أنّه حرام بمقتضى هذا الحديث، إذ يصدق عليه أنّ فيه حلالا و حراما. نهاية الأفكار 3: 233- 234، مقالات الاصول 2: 173.

و دفع أيضا قرينيّة القرينة الثانية الّتي ذكرهما المحقّق النائينيّ، فقال في هامش فوائد الاصول: «معنى معرفة الحرام بعينه تشخيص الحرام من الحلال، لا تشخيصه خارجا، فلا قصور في شمول الحديث- لو لا الأمثلة في ذيلها- للشبهات الحكميّة. هذا مع إمكان حمل «بعينه» على بيان التأكيد لموضوع الحرمة و أنّه حقيقة معروضها، لا أنّه من توابع المعروض، فيرتفع حينئذ الإشكال رأسا». راجع هامش فوائد الاصول 3: 364.

هذا كلّه بالنسبة إلى القرينتين اللّتين ذكرهما المحقّق النائينيّ. و أمّا القرينة الّتي ذكرها المحقّق الاصفهانيّ: فالظاهر من كلام المحقّق العراقيّ في هامش فوائد الاصول أنّه سلّم قرينيّتها، لكن لا على اختصاصها بالشبهات الموضوعيّة، بل على عدم دلالة الحديث على البراءة، فقال: «نعم، العمدة في هذه الرواية الأمثلة الواقعة في ذيلها. و الّذي يسهل الخطب أنّ هذه الأمثلة لا يناسب قاعدة الحلّيّة، حتّى على اختصاصها بالشبهات الموضوعيّة، فلا بدّ من التفصّي عنها على كلا التقديرين، كما لا يخفى». راجع هامش فوائد الاصول 3: 364.

و بالجملة: فالمحقّق العراقيّ وافق المصنّف (رحمه اللّه) على ما في نهاية الأفكار و مقالات الاصول، و خالفه على ما في هامش فوائد الاصول.

و أمّا السيّد الإمام الخمينيّ: فوافق المصنّف (رحمه اللّه) في تعميم مدلول الحديث للشبهات الحكميّة، لعدم قرينيّة قوله (عليه السّلام): «بعينه» على اختصاصه بالشبهات الموضوعيّة، فإنّه تأكيد لقوله (عليه السّلام): «تعرف»، و مفاده كناية عن وقوف المكلّف على الأحكام وقوفا علميّا. و خالفه في تعميمه للشبهات التحريميّة البدويّة، بدعوى ظهور قوله (عليه السّلام): «بعينه» في مقابل المعلوم بالإجمال، فيكون الحديث بعدد الترخيص في ارتكاب أطراف المعلوم بالإجمال حتّى يعرف بعينه- أي تفصيلا-، و يكون وزانه وزان قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه»، فإنّ مفاده الترخيص في التصرّف بالمال المختلط بالحرام.

و عليه فيكون الحديثان أجنبيّين عن الشبهات التحريميّة البدويّة. راجع تهذيب الاصول 2:

241 و 313، أنوار الهداية 2: 72- 74.

(1) هذا الضمير و ضمير «إباحته» راجعان إلى ما لم يعلم حرمته.

(2) و الأولى سوق العبارة هكذا: «يتمّ المطلوب بعدم الفصل بين إباحة الشي‏ء المشكوك-

34

ما احتمل وجوبه ممّا لم يعرف حرمته فهو حلال» (1)، تأمّل (2).

و منها: [حديث السعة]

قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الناس في سعة ما لا يعلمون» (3).

فهم في سعة ما لم يعلم أو ما دام لم يعلم وجوبه أو حرمته (4)؛ و من الواضح أنّه‏

____________

- حرمته و عدم وجوب الاحتياط في الشبهة التحريميّة و بين إباحة الشي‏ء المشكوك وجوبه و عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة».

(1) و الحاصل: أنّ الحديث و إن كان بحسب ظهوره الأوّلي مختصّا بالشبهة التحريميّة، إلّا أنّه يمكن تعميم الحكم للشبهة الوجوبيّة بأحد وجهين:

الأوّل: عدم الفصل قطعا بين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة التحريميّة و عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبيّة.

الثاني: أنّ ترك ما احتمل وجوبه محتمل الحرمة، إذا الترك على تقدير الوجوب محرّم، فيكون ترك الواجب المحتمل من مصاديق ما لم يعرف حرمته، فيشمله الحديث و يحكم بحلّيّته.

(2) قال المحقّق الاصفهانيّ: «وجهه أنّ كلّ حكم إيجابيّ أو تحريميّ لا ينحلّ إلى حكمين إيجابيّ و تحريميّ فعلا و تركا، بل ترك الواجب- من حيث أنّه ترك الواجب- يستحقّ عليه العقاب، لا أنّه حرام. و كذلك في طرف الحرام». نهاية الدراية 2: 449.

(3) لم أجد الحديث بهذا النص في جوامع الحديث.

نعم، رواه ابن أبي جمهور في عوالي اللئالي هكذا: و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ الناس في سعة ما لم يعلموا». عوالى اللئالي 1: 424.

و رواه السكونيّ عن أبي عبد اللّه، عن أمير المؤمنين (عليهما السّلام) ذيل رواية السفرة المرويّة بألفاظ ثلاثة:

أحدها: قوله (عليه السّلام): «هم في سعة حتّى يعلموا»، كما في وسائل الشيعة 17: 372، الباب 23 من كتاب اللقطة، الحديث 1.

و ثانيها: قوله (عليه السّلام): «هم في سعة من أكلها ما لم يعلموا حتّى يعلموا»، كما في الجعفريّات: 27.

و ثالثها: قوله (عليه السّلام): «هم في سعة ما لم يعلموا»، كما في نوادر الراونديّ: 50.

(4) إشارة إلى أنّ في الحديث وجهين:

الأوّل: أن تكون كلمة «ما» موصولة، اضيفت إليها كلمة «سعة». و عليه يكون مفاد الحديث: «إنّ الناس في سعة الّذي لا يعلمون».

35

لو كان الاحتياط واجبا لما كانوا في سعة أصلا، فيعارض به ما دلّ على وجوبه، كما لا يخفى (1).

لا يقال: قد علم به (2) وجوب الاحتياط (3).

فإنّه يقال: لم يعلم الوجوب أو الحرمة بعد، فكيف يقع في ضيق الاحتياط من أجله؟

نعم لو كان الاحتياط واجبا نفسيّا كان وقوعهم في ضيقه بعد العلم بوجوبه؛ لكنّه عرفت أنّ وجوبه كان طريقيّا لأجل أن لا يقعوا في مخالفة الواجب أو الحرام أحيانا (4)،

____________

- الثاني: أن تكون كلمة «ما» ظرفيّة، و يكون لفظ «سعة» منوّنا، و عليه يكون مفاده: «الناس في سعة ما داموا لا يعلمون».

(1) ظاهر كلام المصنّف (رحمه اللّه) أنّ الحديث يدلّ على البراءة على كلا الوجهين، لأنّه يدلّ على أنّ الناس في سعة و تخفيف من جهة التكليف الواقعيّ الّذي لا يعلمونه، أو أنّهم في سعة و تخفيف ما داموا لا يعلمون التكليف الواقعيّ. فيعارض أدلّة الاحتياط، لأنّها تقتضي الضيق حال الجهل.

(2) أي: بما دلّ على وجوب الاحتياط.

(3) هذا إيراد من الشيخ الأعظم الأنصاريّ- في فرائد الاصول 2: 358- على الاستدلال بالحديث. و توضيحه: أنّه لا شكّ في أنّ الموضوع للسعة و البراءة الشرعيّة هو الجهل بالوظيفة الفعليّة، كما أنّ الموضوع للسعة و البراءة العقليّة هو قبح العقاب بلا بيان. فما دام المكلّف جاهلا بوظيفته الفعليّة فهو في سعة، و أمّا إذا صار عالما بوظيفته الفعليّة فلا سعة له، لأنّ العلم بها قاطع لعذره الجهليّ، و من المعلوم أنّ أدلّة وجوب الاحتياط يوجب علمه بوظيفته الفعليّة، و هي الاحتياط، و إن كان نفس الحكم الواقعيّ باقيا على المجهوليّة. فأدلّة الاحتياط بيان رافع لموضوع قبح العقاب بلا بيان، و موجب لرفع الجهل بالوظيفة الفعليّة، فتكون أدلّته واردة على حديث السعة.

و أورد عليه المحقّق النائينيّ بدعوى حكومة أدلّة الاحتياط على حديث السعة، لأنّ هذا الحديث عامّ يشمل مطلق الشبهة، و أدلّة الاحتياط تختصّ بالشبهة التحريميّة. أجود التقريرات 2: 181.

(4) توضيح الجواب: أنّ في وجوب الاحتياط وجهين:

الأوّل: أن يكون وجوبه نفسيّا، بمعنى أنّ فعل محتمل الوجوب بما هو محتمل الوجوب واجب حقيقة لمصلحة فيه حال الجهل بالواقع، كما أنّ فعل محتمل الحرمة بما هو محتمل الحرمة حرام حقيقة لمفسدة فيه حال الجهل بالواقع؛ فالتكليف الواقعيّ و إن كان مجهولا، إلّا أنّ التكليف الفعليّ- في ظرف الجهل بالواقعيّ- معلوم، و هو وجوب فعل محتمل الوجوب-

36

فافهم (1).

____________

- و حرمة فعل محتمل الحرمة. و إذا كان التكليف الفعليّ معلوما يرفع موضوع السعة و البراءة، و هو الجهل بالوظيفة الفعليّة، بل يقع المكلّف في ضيق الاحتياط، لأنّ المفروض أنّه تكليفه الفعليّ. فإذن كانت أدلّة الاحتياط واردة على حديث السعة.

الثاني: أن يكون وجوبه طريقيّا، بمعنى أنّه يجب الاحتياط لكونه طريقا إلى الحكم الواقعيّ المجهول من الوجوب و الحرمة، فيكون الداعي إلى إيجاب الاحتياط مجرّد حفظ الواقع في ظرف الجهل بالوظيفة الفعليّة، لا كونه وظيفة فعليّة للمكلّف حال الجهل بالواقع، فتكون الوظيفة الفعليّة باقية على حالها من المجهوليّة. فلا يكون إيجاب الاحتياط رافعا لموضوع حديث السعة ليقدّم عليه ورودا، بل هما متعارضان، لأنّ حديث السعة ظاهر في الترخيص و التوسعة من ناحية الإلزام المجهول، بخلاف دليل الاحتياط الطريقيّ، فإنّه ظاهر في أنّ إيجابه لأجل حفظ الواقع المجهول، فهما متعارضان.

و بالجملة: إن كان إيجاب الاحتياط نفسيّا يتمّ ما ذكره الشيخ الأعظم، فيقع المكلّف في ضيق الاحتياط لرفع موضوع السعة. و إن كان إيجابه طريقيّا لا يتمّ ما ذكره الشيخ و لا يقع المكلّف في ضيق الاحتياط، بل يواجه الدليلين المتعارضين: (أحدهما) حديث السعة الّذي يقتضي السعة و عدم ضيق المكلّف. (ثانيهما) أدلّة الاحتياط الطريقيّ الّتي تقتضي وجوب رعاية الاحتياط لأجل تحفّظ الواقع المجهول. فلا بدّ له من الرجوع فيهما إلى قواعد التعارض.

و قد عرفت في الاستدلال بحديث الرفع أنّ إيجاب الاحتياط طريقيّ، فلا تكون أدلّة الاحتياط واردة على حديث السعة.

و لا يخفى عليك: أنّ في كون إيجاب الاحتياط طريقيّا غيريّا إشكال، كما مرّ في التعليقة (2) من هذا الفصل، الصفحة: 19.

(1) لعلّه إشارة إلى ما أفاده المحقّق الاصفهانيّ ممّا حاصله: أنّه يمكن القول بورود أدلّة الاحتياط و إن كان واجبا طريقيّا، لأنّ المراد من العلم مطلق الحجّة القاطعة للعذر، فيكون مفاد دليل البراءة هو التوسعة فيما لم تقم حجّة على الواقع، و بعد أن كان احتمال التكليف منجّزا بدليل الاحتياط كان كما وردت أمارة و قلنا بأنّ معنى حجّيّتها منجّزيّتها للواقع، فكما كانت الأمارة واردة على دليل البراءة كذلك يكون دليل الاحتياط واردا على دليل البراءة.

نهاية الدراية 2: 451.

و ذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى عدم دلالة الحديث على البراءة بدعوى أنّه مرسل لا يصحّ الاعتماد عليه، بل لم يوجد في كتب الأخبار أصلا. مصباح الاصول 2: 278.

و أنت خبير بورود مضمونه في جوامع الأخبار، كما مرّ. و أمّا ضعفه سندا فينجبر بالشهرة.

37

و منها: [حديث الإطلاق‏]

قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (1). و دلالته تتوقّف على عدم صدق الورود إلّا بعد العلم أو ما بحكمه بالنهي عنه و إن صدر عن الشارع و وصل إلى غير واحد، مع أنّه ممنوع، لوضوح صدقه على صدوره عنه (2)، سيّما بعد بلوغه إلى غير واحد و قد خفي على من لم يعلم بصدوره (3).

____________

(1) وسائل الشيعة 18: 127- 128، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 60.

و ورد في المستدرك هكذا «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نصّ». مستدرك الوسائل 17:

324، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.

(2) هكذا في النسخ. و الصحيح أن يقول: «على صدوره عنه أيضا».

(3) توضيح ما أفاده: أنّ في معنى الحديث احتمالين:

الأوّل: أن يكون المراد من ورود النهي- الّذي جعل غاية للإطلاق و الإباحة- هو وصول النهي إلى المكلّف و علمه به، لا مجرّد صدوره من الشارع و إن لم يصل إلى المكلّف. و عليه يكون معنى الحديث: أنّ كلّ شي‏ء مشتبه الحكم مباح ظاهرا ما لم يصل إلى المكلّف نهي عن ذلك الشي‏ء بخصوصه، و لو صدر النهي عنه واقعا.

الثاني: أن يكون المراد من ورود النهي صدور الحكم من المولى و جعله و لو لم يصل إلى المكلّف و لم يعلم به. و عليه يكون معنى الحديث: أنّ كلّ شي‏ء لم يصدر فيه نهي واقعا و لم تجعل فيه الحرمة حقيقة فهو مباح. فإذا صدر النهى عنه واقعا فليس حلالا و إن لم يعلم به المكلّف.

و معلوم أنّ المقصود بالاستدلال بالحديث هو إثبات البراءة في كلّ شي‏ء مشتبه الحكم ما لم يصل فيه نهي إلى المكلّف، سواء صدر النهي عنه واقعا أم لا. فإذا جزمنا أنّ المراد من الورود في الحديث هو الاحتمال الأوّل فيتّجه الاستدلال به على البراءة؛ و لم نجزم به إلّا إذا لم يصدق الورود على مجرّد صدور الحكم من المولى، و هو ممنوع، فإنّك قد عرفت أنّ الورود كما يصدق على وصول النهي إلى المكلّف كذلك يصدق على صدوره عن الشارع، فلا موجب للجزم بظهوره في خصوص الاحتمال الأوّل، فلا يتّجه الاستدلال به على البراءة.

و لا يخفى: أنّ السرّ في عدم صحّة الاستدلال به إلّا على الاحتمال الأوّل أنّه بناء على الاحتمال الثاني يكون مفاد الحديث إباحة الشي‏ء المشتبه ما لم يصدر فيه نهي واقعا، بمعنى أنّ الحكم بإباحته مشروط بالعلم بعدم تحقّق صدور النهي عنه واقعا. فما يشكّ في صدور النهي عنه من المولى و عدمه يكون من الشبهات الموضوعيّة، و حينئذ لا يصحّ التمسّك بهذا الحديث لإثبات إباحته، لأنّه من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، و هو غير جائز.-

38

____________

- و لا يخفى أيضا: أنّ الشيخ الأعظم الأنصاريّ ذهب إلى أنّ دلالة هذا الحديث على المطلوب أوضح من الكلّ. فرائد الاصول 2: 43.

و أمّا الأعلام الثلاثة و السيّدان العلمان:

فذهب المحقّق النائينيّ إلى عدم دلالته على المطلوب، لكن لا لما أفاده المصنّف (رحمه اللّه)، بل بلحاظ أنّ الاستدلال به يتوقّف على أن يكون المراد من الشي‏ء في قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء» هو الشي‏ء المجهول، و لكنّ الظاهر من لفظ «شي‏ء» هو الشي‏ء بعنوانه الأوّلى، فيكون دليلا على كون الأصل في الأشياء في الشريعة هو الإباحة حتّى يثبت المنع، لا على أنّ كلّ شي‏ء مجهول الحكم مباح ظاهرا حتّى يصل النهي عنه إلينا. أجود التقريرات 2: 182.

و ذهب المحقّق العراقيّ أيضا إلى عدم دلالته على المطلوب، حيث لم يستبعد أن يكون المراد بالورود مجرّد صدور النهي عن الشارع، لا وصوله إلى المكلّف. نهاية الأفكار 3: 230.

و أمّا المحقّق الاصفهانيّ: فقد حاول إثبات دلالته على المدّعى بأحد وجهين:

الوجه الأوّل: أنّ الورود و إن كان ظاهرا في الصدور، إلّا أنّه لا بدّ من حمله على الوصول في المقام. و ذلك لقرينة قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء مطلق»، إذ الصدور لا يتلاءم الإطلاق مطلقا، سواء كان المراد من الإطلاق هو الإباحة الشرعيّة الواقعيّة أو كان المراد منه الإباحة الشرعيّة الظاهريّة أو كان المراد منه الإباحة المالكيّة- بمعنى اللاحرج من قبل المولى في قبال المنع العقليّ-.

أمّا الإباحة الواقعيّة: فلأنّ إرادة الصدور من الورود تقتضي أن يكون معنى الحديث: «أنّ كلّ شي‏ء مباح واقعا ما لم يصدر النهي عنه من المولى». و مرجعه إمّا إلى بيان أنّ غير الحرام مباح، و إمّا إلى عدم أخذ الحرمة في موضوع الإباحة؛ فعلى الأوّل يلزم أن يكون بيانه لغوا، لأنّه واضح يحتاج إلى بيان؛ و على الثاني يلزم جعل عدم أحد الضدّين شرطا للضدّ الآخر، و هو ممنوع، فإنّهما متلازمان.

و أمّا الإباحة الظاهريّة: فلأنّ جعلها مغيّاة بعدم صدور النهي واقعا غير صحيح من وجوه:

الأوّل: أنّ موضوع الحكم الظاهريّ الشرعيّ هو الجهل بالحكم الواقعيّ و عدم وصوله إلى المكلّف، فلا يرتفع إلّا بوصوله إليه، و أمّا مجرّد صدوره من الشارع من دون الوصول إلى المكلّف فلا يرتفع الحكم الظاهريّ، فلا يصحّ جعل صدور النهي من الشارع غاية للإباحة الظاهريّة، و إلّا لزم تخلّف الحكم عن موضوعه.

الثاني: أنّه إذا كان عدم صدور النهي موضوعا للإباحة الظاهريّة و كان مشكوك الحصول أيضا فلا بدّ من إثبات الإباحة الظاهريّة من التمسّك باستصحاب عدم الصدور، و هو لا يجدي، إمّا لكونه كافيا في إثبات الحكم الظاهريّ و إن لم يكن هذا الخبر موجودا،-

39

لا يقال: نعم، و لكن بضميمة أصالة العدم (1) لصحّ الاستدلال به و تمّ.

فإنّه يقال: و إن تمّ الاستدلال به بضميمتها و يحكم بإباحة مجهول الحرمة و إطلاقه (2)، إلّا أنّه لا بعنوان أنّه مجهول الحرمة شرعا، بل بعنوان أنّه ممّا لم يرد عنه النهي واقعا.

لا يقال: نعم، و لكنّه لا يتفاوت فيما هو المهمّ من الحكم بالإباحة في مجهول الحرمة، كان بهذا العنوان أو بذلك العنوان.

____________

- و إمّا لعدم صحّة التمسّك به.

الثالث: أنّ ظاهر الخبر- بناء على أن يكون المراد من الورود هو الصدور- جعل صدور النهي غاية رافعة للإباحة الظاهريّة؛ و هو يرجع إلى فرض عدم الحرمة حدوثا؛ و مقتضاه عدم الشكّ في الحرمة.

و أمّا الإباحة المالكيّة: فلأنّ إرادة الإباحة المالكيّة قبل الشرع- الّتي يحكم بها عقل كلّ عاقل- بعيد غير مناسب لمنصب الإمام (عليه السّلام) المعدّ لتبليغ الأحكام.

و إذا ظهر عدم تلاؤم الإطلاق بجميع أقسامها مع إرادة الصدور من الورود فلا بدّ من حمل الورود على الورود المساوق لوصول الحكم إلى المكلّف و إرادة الإباحة الشرعيّة الظاهريّة من الإطلاق.

الوجه الثاني: أنّ الورود يكون ظاهرا فيما يساوق الوصول عرفا. و ذلك لأنّه متعدّ بنفسه إلى المورود. فهناك بلحاظه وارد و مورود، فيقال: «ورد الماء» و «ورد البلد». و ليس المورود في المقام إلّا المكلّف. و عليه فيكون مفاد الرواية: «حتّى يرد المكلّف نهي»، أي: حتّى يصل إلى المكلّف نهي. نهاية الدراية 2: 451- 456.

و ذهب السيّد الإمام الخمينيّ أيضا- بعد ما ناقش في إفادات المحقّق الاصفهانيّ- إلى دلالة الحديث على البراءة مطلقا. بدعوى أنّ معنى قوله (عليه السّلام): «حتّى يرد نهي» أنّ هذا الإطلاق و الإرسال باق إلى ورود النهي؛ و ليس المراد من الورود هو الصدور عن الشارع، لانقطاع الوحي في زمان صدور الرواية. تهذيب الاصول 2: 243- 249.

و ذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى دلالته على البراءة في خصوص الشبهات التحريميّة.

راجع مصباح الاصول 2: 279.

(1) أي: أصالة عدم الورود، بمعنى استصحاب عدم صدور النهي من الشارع.

(2) عطف تفسير لقوله: «إباحة»، أي: و إطلاق مجهول الحرمة. و الأولى أن يقول: «يحكم بإطلاق مجهول الحرمة و إباحته» كي يكون قوله: «إباحته» تفسيرا للإطلاق.

40

فإنّه يقال: حيث أنّه بذاك اختصّ بما لم يعلم (1) ورود النهي عنه أصلا، و لا يكاد يعمّ ما إذا ورد النهي عنه في زمان و إباحته في آخر (2) و اشتبها من حيث التقدّم و التأخّر.

لا يقال: هذا لو لا عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته.

فإنّه يقال: و إن لم يكن بينها الفصل، إلّا أنّه إنّما يجدي فيما كان المثبت للحكم بالإباحة في بعضها الدليل لا الأصل، فافهم.

[الدليل الثالث: الإجماع‏]

و أمّا «الإجماع»: فقد نقل على البراءة (3). إلّا أنّه موهون و لو قيل باعتبار الإجماع المنقول في الجملة، فإنّ تحصيله في مثل هذه المسألة- ممّا للعقل إليه سبيل و من واضح النقل عليه دليل- بعيد جدّا (4).

[الدليل الرابع: العقل‏]

و أمّا «العقل»: فإنّه قد استقلّ بقبح العقوبة و المؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول بعد الفحص و اليأس عن الظفر بما كان حجّة عليه، فإنّهما بدونها (5) عقاب بلا بيان (6) و مؤاخذة بلا برهان، و هما قبيحان بشهادة الوجدان (7).

____________

(1) و في بعض النسخ: «لاختصّ بما لم يعلم». و الصحيح ما أثبتناه، فإنّ دخول اللام على جواب «حيث» المتضمّن لمعنى الشرط غير معهود.

(2) و في بعض النسخ: «و إباحة في آخر». و الأولى ما أثبتناه.

(3) راجع فرائد الاصول 2: 50.

(4) و يمكن أن يقال أيضا: أنّه لو فرض تحصيل الإجماع فلا يمكن الركون إليه، لأنّه إجماع مدركيّ، فلا يكون دليلا مستقلّا.

(5) أي: العقوبة و المؤاخذة بدون الحجّة.

(6) أي: بلا بيان واصل.

(7) أي: بشهادة العقل.

و السرّ في حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان أحد الامور التالية:

الأوّل: أنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لأجل أنّ فوات مطلوب المولى و مراده-

41

و لا يخفى: أنّه مع استقلاله بذلك (1) لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته (2)، فلا يكون مجال هاهنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل كي يتوهّم أنّها تكون بيانا. كما أنّه مع احتماله لا حاجة إلى القاعدة، بل في صورة المصادفة استحقّ العقوبة (3) على المخالفة و لو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل (4).

____________

- الواقعيّ ليس مستندا إلى تقصير من المكلّف بعد إعمال وظيفته من الفحص عن الدليل، بل فواته إمّا أن يكون مستندا إلى أنّ المولى نفسه لم يستوف مراده ببيان يمكن وصول العبد إليه عادة، و إمّا أن يكون مستندا إلى بعض الأسباب الّتي توجب اختفاء مراد المولى على المكلّف.

الثاني: أنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لأجل أنّ استحقاق الثواب و العقاب يدوران مدار الإطاعة و العصيان، و هما يدوران مدار وجود التكليف الواصل إلى المكلّف و عدمه، ضرورة أنّ المحرّك للعبد نحو عمل أو الزاجر له عنه إنّما هو التكليف الواصل إليه، لا مجرّد وجوده الواقعيّ. و عليه فلا عصيان مع مخالفة التكليف غير الواصل إليه، فلا عقوبة أيضا في مخالفته، فإنّ العقوبة على مخالفته- حينئذ- عقوبة على ما لا يقتضي محرّكيّة المكلّف نحو مراد المولى، بل عقاب على ما لا يوجب استحقاق العقوبة، و هو قبيح عقلا.

الثالث: أنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لأجل كونه من صغريات الظلم المحكوم بقبحه. بيان ذلك: أنّ مخالفة التكليف الحقيقيّ الّذي قامت عليه الحجّة من أفراد الظلم، لأنّه خروج من زيّ الرقّيّة و رسم العبوديّة، و هو ظلم من العبد إلى مولاه، فيستحقّ منه الذمّ و العقاب. بخلاف ما إذا خالف التكليف الواقعيّ الّذي لم تقم عليه الحجّة، فإنّه ليس من أفراد الظلم، إذ ليس زيّ الرقّيّة أن لا يخالف العبد مولاه في الواقع، فليس مخالفة ما لم تقم الحجّة خروجا من زيّ الرقّيّة حتّى يكون ظلما من العبد إلى مولاه، بل هو ظلم من المولى إلى عبده، و هو قبيح من كلّ أحد بالإضافة إلى كلّ أحد و لو من المولى إلى عبده.

و يستفاد الأمران الأوّلان من كلمات المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول 3: 215 و 365- 366 و أجود التقريرات 2: 176. كما أنّ الأمر الثالث يستفاد من كلمات المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية 2: 461- 462.

(1) أي: مع استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان.

(2) إذ مع حكم العقل بقبح العقاب مع عدم وصول التكليف إلى المكلّف لا يبقى احتمال الضرر ليجب دفعه بحكم العقل، بل معه يرفع موضوع حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فتكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان واردة على قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل.

(3) و الأولى أن يقول: «يستحقّ العقوبة».

(4) و الحاصل: أنّه إذا جرت قاعدة قبح العقاب بلا بيان في مورد فلا تجري قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، لأنّ موضوع الثانية احتمال الضرر، و الاولى تنفي احتماله، فيرتفع بها-

42

و أمّا ضرر غير العقوبة (1): فهو و إن كان محتملا، إلّا أنّ المتيقّن منه- فضلا عن محتمله- ليس بواجب الدفع شرعا و لا عقلا، ضرورة عدم القبح في تحمّل بعض المضارّ ببعض الدواعي عقلا (2) و جوازه شرعا (3). مع أنّ احتمال الحرمة أو الوجوب لا يلازم احتمال المضرّة و إن كان ملازما لاحتمال المفسدة أو ترك المصلحة، لوضوح أنّ المصالح و المفاسد الّتي تكون مناطات الأحكام- و قد استقلّ العقل بحسن الأفعال الّتي تكون ذات المصالح و قبح ما كان ذات المفاسد- ليست براجعة إلى المنافع و المضارّ، و كثيرا ما يكون محتمل التكليف مأمون الضرر. نعم، ربما تكون المنفعة أو المضرّة مناطا للحكم شرعا و عقلا.

إن قلت: نعم، و لكنّ العقل يستقلّ بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته، و أنّه كالإقدام على ما علم مفسدته، كما استدلّ به شيخ الطائفة (قدّس سرّه) على أنّ الأشياء على الحظر أو الوقف (4).

____________

- موضوع الثانية. و إذا لم تجر قاعدة قبح العقاب بلا بيان في مورد و احتمل الضرر الاخرويّ- و هو العقاب- فيحكم العقل بلزوم اجتناب ذلك الضرر المحتمل و استحقاق العقوبة على المخالفة في صورة المصادفة للواقع، سواء قلنا بقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل أو قلنا بعدم وجوبه.

و بالجملة: أنّه لو سلّم صحّة أصل قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل فلا مجال لها في المقام.

و قال المحقّق الاصفهانيّ: «إنّ قاعدة دفع الضرر ليست قاعدة عقليّة و لا عقلائيّة بوجه من الوجوه. نعم كلّ ذي شعور بالجبلّة و الطبع حيث أنّه يحبّ نفسه يفرّ ممّا يؤذيه، و هذا الفرار الجبلّي ليس ملاكا لمسألة الاحتياط». نهاية الدراية 2: 467.

(1) أي: الضرر الدنيويّ.

(2) كبذل المال لجلب اعتماد الناس.

(3) كجواز بذل المال لإقامة شعائر الدين.

(4) هكذا في بعض النسخ. و في بعضها: «على الحظر و الوقف». و الصحيح أن يقول: «على الوقف»، فإنّ شيخ الطائفة استدلّ به على الوقف، لا على الحظر أو الوقف. و إليك نصّ كلامه:

«و ذهب كثير من الناس إلى أنّها على الوقف، و يجوّز كلّ واحد من الأمرين فيه، و ينتظر ورود السمع بواحد منهما. و هذا المذهب كان ينصره شيخنا أبو عبد اللّه (رحمه اللّه). و هو الّذي يقوى في نفسي». العدّة في اصول الفقه 2: 742.-

43

قلت: استقلاله بذلك ممنوع، و السند شهادة الوجدان و مراجعة ديدن العقلاء من أهل الملل و الأديان، حيث إنّهم لا يحترزون ممّا لا تؤمن مفسدته و لا يعاملون معه معاملة ما علم مفسدته، كيف! و قد أذن الشارع بالإقدام عليه (1)، و لا يكاد يأذن بارتكاب القبيح، فتأمّل.

[أدلّة المحدّثين على وجوب الاحتياط]

و احتجّ للقول بوجوب الاحتياط فيما لم تقم فيه حجّة بالأدلّة الثلاثة:

[الدليل الأوّل، و الجواب عنه‏]

أمّا «الكتاب»: فبالآيات الناهية عن القول بغير العلم (2) و عن الإلقاء في التهلكة (3) و الآمرة بالتقوى (4).

و الجواب: أنّ القول بالإباحة شرعا و بالأمن من العقوبة عقلا ليس قولا بغير

____________

- و حاصل الإشكال: أنّ احتمال التكليف الإلزاميّ و إن لم يكن ملازما لاحتمال المنفعة أو المضرّة، فلا يلازمان احتمال العقاب الاخرويّ، إلّا أنّ العقل يحكم بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته، كما يحكم بقبحه على ما علم مفسدته. و معلوم أنّ محتمل الحرمة ممّا لا تؤمن مفسدته، فيجب الاجتناب عنه بمقتضى حكم العقل بقبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته.

و بالجملة: تكون قاعدة قبح الإقدام على ما لا تؤمن مفسدته رافعا لموضوع قبح العقاب بلا بيان، لأنّها صالحة للبيانيّة.

(1) كما قال (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه». وسائل الشيعة 12: 59، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

(2) كقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ الإسراء/ 36، و قوله تعالى: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ* الأعراف/ 33.

(3) كقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة/ 195.

(4) كقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ‏ آل عمران/ 102، و قوله تعالى: وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ‏ الحجّ/ 78، و قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏ التغابن/ 16. و تعرّض للاستدلال بها المحقّق البحرانيّ في الحدائق الناضرة 11: 29.

44

علم، لما دلّ على الإباحة من النقل و على البراءة من حكم العقل، و معهما لا مهلكة في اقتحام الشبهة أصلا، و لا فيه مخالفة التقوى، كما لا يخفى.

[الدليل الثاني، و الجواب عنه‏]

و أمّا «الأخبار»: فبما دلّ على وجوب التوقّف عند الشبهة- معلّلا في بعضها بأنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في التهلكة (1)- من الأخبار الكثيرة الدالّة عليه مطابقة أو التزاما (2).

____________

(1) و في بعض النسخ: «في المهلكة». و الأولى ما أثبتناه، فإنّه الموافق لنصّ الأخبار.

(2) فالأخبار الدالّة على وجوب التوقّف على طوائف ثلاث:

إحداها: الأخبار المعلّلة الدالّة على وجوب التوقّف مطابقة. و هي عدّة روايات:

منها: مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات». وسائل الشيعة 18: 75- 76، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 1.

و منها: خبر أبي سعيد الزهريّ عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ...». وسائل الشيعة 18: 112، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 2.

و منها: خبر داود بن فرقد، و موثّقة مسعدة بن زياد، و خبر السكونيّ. فراجع وسائل الشيعة 18: 115 و 116 و 126، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13 و 15 و 50.

و ثانيتها: الأخبار غير المعلّلة الّتي تدلّ على وجوبه مطابقة. و هي أيضا عدّة روايات:

منها: ما رواه جابر عن أبي جعفر (عليه السّلام) في وصيّة له لأصحابه، قال: «إذا اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده و ردّوه إلينا حتّى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا». وسائل الشيعة 18: 123، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 43.

و منها: رواية عبد اللّه بن جندب عن الرضا (عليه السّلام)، قال: «و الواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحيّر و ردّ ما جهلوه من ذلك إلى عالمه ...». وسائل الشيعة 18: 125، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 49.

و منها: ما رواه الميثمي عن الرضا (عليه السّلام)- في اختلاف الأحاديث-، قال: «و ما لم تجدوه في شي‏ء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه». وسائل الشيعة 18: 121، الباب 12، الحديث 31.

و ثالثتها: الأخبار الدالّة على وجوب التوقّف التزاما. و هي كثيرة:-

45

و بما دلّ على وجوب الاحتياط من الأخبار الواردة بألسنة مختلفة (1).

و الجواب: أنّه لا تهلكة (2) في الشبهة البدويّة مع دلالة النقل [على الإباحة] (3) و حكم العقل بالبراءة، كما عرفت.

و ما دلّ على وجوب الاحتياط لو سلّم (4) و إن كان واردا على حكم العقل (5)، فإنّه كفى بيانا على العقوبة على مخالفة التكليف المجهول (6)

____________

- منها: موثّقة حمزة بن طيّار، أنّه عرض على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) بعض خطب أبيه (عليه السّلام)، حتّى إذا بلغ موضعا منها، قال له: «كفّ و اسكت». ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «إنّه لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا تعلمون إلّا الكفّ عنه و التثبّت و الردّ إلى أئمّة الهدى حتّى يحملوكم فيه على القصد و يجلوا عنكم فيه العمى و يعرّفوكم فيه الحقّ، قال اللّه تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* النحل/ 43». وسائل الشيعة 18: 112، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.

و منها: حسنة هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): ما حقّ اللّه على خلقه؟ قال:

«أن يقولوا ما يعلمون و يكفوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى اللّه حقّه». المصدر السابق، الحديث 4.

(1) منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء بينهما أو على كلّ واحد منها جزاء؟ قال: «لا، بل عليهما أن يجزي كلّ واحد منهما الصيد». قلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه. فقال: «إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه فتعلموا». وسائل الشيعة 18:

111- 112، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

و منها: ما من عبد اللّه بن وضّاح، أنّه كتب إلى العبد الصالح (عليه السّلام) يسأله عن وقت المغرب و الإفطار، فكتب إليه: «أرى لك أن تنتظر حتّى تذهب الحمرة و تأخّر بالحائطة لدينك».

وسائل الشيعة 18: 122، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 37.

و منها: ما عن الرضا (عليه السّلام): «أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال لكميل بن زياد: أخوك لدينك، فاحتط لدينك بما شئت». وسائل الشيعة 18: 123، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 41.

(2) و في بعض النسخ: «لا مهلكة».

(3) و ما بين المعقوفتين ليس في النسخ. و الصحيح إثباته.

(4) أي: لو سلّم دلالتها على وجوب الاحتياط، فإنّه يمكن المناقشة فيها بدعوى وجود قرائن على أنّ الأمر فيها للاستحباب أو الإرشاد، كما سيأتي.

(5) و هو حكمه بقبح العقاب بلا بيان.

(6) فإنّ وجوب الاحتياط حكم ظاهريّ و بيان للوظيفة الفعليّة و مصحّح للعقوبة على مخالفة-

46

- و لا يصغى (1) إلى ما قيل (2) من: «أنّ إيجاب الاحتياط إن كان مقدّمة للتحرّز عن عقاب الواقع المجهول فهو قبيح، و إن كان نفسيّا فالعقاب على مخالفته لا على مخالفة الواقع». و ذلك (3) لما عرفت (4) من أنّ إيجابه يكون طريقيّا، و هو عقلا ممّا يصحّ أن يحتجّ به على المؤاخذة في مخالة الشبهة، كما هو الحال في أوامر الطرق و الأمارات و الاصول العمليّة (5)-، إلّا

____________

- التكليف المجهول.

(1) أي: و لا يمال.

(2) و القائل الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول 2: 71.

(3) أي: عدم الإصغاء إلى ما قيل.

(4) في الصفحة: 19 و 36 من هذا الجزء.

(5) و لا يخفى عليك: أنّ قوله: «و لا يصغى» إلى قوله «و الاصول العمليّة» تعريض بما أجاب به الشيخ الأعظم عن أخبار وجوب الوقوف، لا عن أخبار وجوب الاحتياط. و لذا كان الأولى أن يقدّم هذه العبارة على قوله: «و ما دلّ على وجوب الاحتياط ...».

نعم، وجّه المحشّي المشكينيّ ذكرها في المقام بقوله: «لمّا كان على تقدير تماميّته جاريا في مطلق إيجاب الاحتياط ذكره المصنّف في المقام». راجع كفاية الاصول (الطبع الحجريّ) 2: 184.

و كيف كان فالمهمّ توضيح ما أفاده الشيخ الأعظم و ما اعترض عليه المصنّف (رحمه اللّه) في المقام.

أمّا الشيخ الأعظم: فإنّه- بعد الجواب عن أخبار الوقوف بحمل الأمر فيها على الطلب المشترك بين الوجوب و الندب- أورد على نفسه إشكالا، ثمّ أجاب عنه:

أمّا الإشكال: فحاصله: أنّ أخبار الوقوف دلّت على أنّ كلّ محتمل التكليف مظنّة للاقتحام في الهلكة. و بما أنّ ثبوت الهلكة بمجرّد ثبوت الحكم في الواقع و من دون بيّنة للمكلّف من مصاديق العقاب بلا بيان، و هو قبيح عقلا، فيستكشف من ذلك أنّ هناك أمر شرعيّ مصحّح للعقاب المحتمل على تقدير وجوده، و هو الأمر بالاحتياط، فتكشف أخبار الوقوف عن إيجاب الشارع للاحتياط.

و أمّا الجواب: فحاصله: أنّ الأمر بالاحتياط المستكشف من أخبار الوقوف لا يصحّح العقاب على التكليف الواقعيّ المجهول. و ذلك لأنّ إيجاب الاحتياط المستكشف من الروايات المذكورة إمّا أن يكون أمرا مقدّميّا أو يكون نفسيّا:

أمّا الأوّل: فلا يجدي في تصحيح العقوبة، لأنّ الأمر الغيريّ لا تستتبع مخالفته العقاب، فتصير العقوبة بلا مصحّح.

و أمّا الثاني: فهو و إن كان مصحّحا للعقوبة، لترتّب العقوبة على مخالفة الواجب النفسيّ، إلّا أنّه غير مستفاد من الروايات، ضرورة أنّه إذا كان الأمر بالاحتياط نفسيّا فلا بدّ من-

47

____________

- أن يترتّب العقاب على مخالفة الأمر به بنفسه، لا على مخالفة الواقع، مع أنّ صريح أخبار الوقوف ترتّب العقوبة على مخالفة الواقع، حيث كان مفادها وجوب التوقّف و الاحتياط لأجل الاجتناب عن الهلكة المحتملة المترتّبة على الاقتحام في الشبهات.

و الحاصل: أنّه لا بدّ من حمل أخبار الوقوف على الإرشاد إلى حكم العقل بلزوم الاجتناب عن الضرر المحتمل، فلا يعارض مع أدلّة البراءة الظاهرة في جواز ارتكاب مشتبه الحكم. انتهى ما أفاده الشيخ الأعظم في فرائد الاصول 2: 71.

و أمّا المصنّف (رحمه اللّه): فقد اعترض عليه بأنّ الأمر المولويّ بالاحتياط لا ينحصر في هذين القسمين، بل هناك قسم آخر، و هو الأمر الطريقيّ، بمعنى أنّ الشارع أمر بالاحتياط لأجل كونه موجبا لحفظ الواقع و عدم الوقوع في مخالفة الحرام أو الواجب، فيكون حجّة على التكليف الواقعيّ المجهول و موجبا لتنجّزه. و حينئذ فإذا خالف الواقع بترك الاحتياط استحقّ المؤاخذة على مخالفته، لعدم صحّة العذر بعدم البيان، فإنّ الأمر بالاحتياط الصادر من الشارع بيان، فيكون العقاب على مخالفة الواقع المجهول عقاب مع البيان.

و عليه يمكن القول بأنّ الأمر بالاحتياط المستكشف بالروايات المذكورة يصحّح استحقاق العقوبة على مخالفة الشبهة، لأنّه بيان. و لا يصغى إلى ما أفاده الشيخ الأعظم.

و قد ذكر المحقّق الأصفهانيّ وجهين آخرين في تقريب استكشاف الأمر المولويّ الطريقيّ بالاحتياط من الروايات المذكورة.

و الوجهان يبتنيان على أمرين:

أحدهما: كون الشبهة شاملة للشبهة البدويّة.

ثانيهما: ظهور الهلكة في العقوبة، لا فيما يعمّ المفسدة.

الوجه الأوّل: استكشافه من التعليل بأنّ الوقوف في الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، فإنّ هذا التعليل يدلّ على أنّ الإقدام في كلّ شبهة اقتحام في العقوبة؛ و بما أنّ العقوبة من آثار مخالفة الأمر المولويّ فيستكشف من التعليل المذكور- صونا للكلام عن اللغويّة- أنّ مصحّح العقوبة هو الأمر الطريقيّ الواصل مطلقا، و لو كان وصوله من طريق وصول معلوله، و هو العقوبة في كلّ شبهة، ضرورة أنّه يمكن وصول النهي بوصول ما يترتّب عليه من العقوبة، كما يمكن وصول الأمر بوصول ما يترتّب عليه من الثواب.

الوجه الثاني: استكشافه من الأمر بالتوقّف في الشبهات، فإنّ أمر المخاطبين بالتوقّف المعلّل بهذه العلّة يكشف عن وصول الأمر الطريقيّ بالاحتياط إليهم، و هذا ممّا لا مانع من احتماله في حقّ المخاطب، و بضميمة قاعدة اشتراك الغائبين و المعدومين-

48

أنّها (1) يعارض بما هو أخصّ و أظهر، ضرورة أنّ ما دلّ على حلّيّة المشتبه أخصّ، بل هو في الدلالة على الحلّيّة نصّ، و ما دلّ الاحتياط غايته أنّه ظاهر في وجوب الاحتياط (2).

____________

- مع المخاطبين في التكليف يستكشف ذلك الأمر الطريقيّ في حقّ غير المخاطبين، فيكون أمر المخاطبين بالتوقّف بضميمة قاعدة الاشتراك كاشفا عن إيجاب الاحتياط طريقيّا في الشبهة البدويّة.

ثمّ أورد على الوجهين بمنع إرادة العقوبة الاخرويّة من الهلكة. هذا ملخّص كلامه، و إن شئت فراجع نهاية الدراية 2: 475- 477.

(1) هكذا في النسخ. و الصحيح أن يقول: «إلّا أنّه ...»، فإنّ الضمير يرجع إلى ما دلّ على وجوب الاحتياط.

(2) لا يخفي: أنّ العبارة غير خالية من القصور. و الصحيح سوق العبارة هكذا: «ضرورة أنّ ما دلّ على حلّيّة المشتبه أخصّ موضوعا و أظهر دلالة- بل في بعضه في الدلالة على الحلّيّة نصّ-، و ما دلّ على الاحتياط أعمّ موضوعا و ظاهر في وجوب الاحتياط دلالة».

و توضيح ما أفاده: أنّ أخبار الاحتياط- بعد تسليم دلالتها على وجوب الاحتياط- و إن كانت واردة على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، إلّا أنّها تعارض بأخبار البراءة، و يتعيّن تقديمها على أخبار الاحتياط لوجهين:

أحدهما: أنّ أخبار البراءة أخصّ موضوعا من موضوع أخبار الاحتياط، لأنّ ما دلّ على البراءة- من حديث الرفع، و حديث الحلّ، و حديث السعة- إنّما يشمل الشبهات بعد الفحص؛ و أمّا الشبهات قبل الفحص فلا خلاف بين الاصوليّ و الأخباريّ في وجوب الاحتياط فيها. بخلاف ما دلّ على وجوب الاحتياط، فإنّ مثل قوله (عليه السّلام):

«فعليكم بالاحتياط» و قوله (عليه السّلام): «فاحتط لدينك» يدلّ على الاحتياط مطلقا، قبل الفحص و بعده. فيكون ما دلّ عليه عامّا و ما دلّ عليها خاصّا. و حينئذ يجب تخصيص العامّ بالخاصّ. فيحصّل: أنّه يجب الاحتياط في كلّ شبهة، إلّا الشبهات البدويّة بعد الفحص، و هو المطلوب.

و ثانيهما: أنّ أخبار الاحتياط ظاهرة في وجوب الاحتياط، و أخبار البراءة بعضها أظهر منها في الدلالة على حلّيّة المشتبه- كحديث الرفع و حديث السعة-، و بعضها نصّ في الدلالة على الحلّيّة- كحديث الحلّ-. و معلوم أنّ النص و الأظهر مقدّم على الظاهر.

49

مع أنّ هناك قرائن دالّة على أنّه (1) للإرشاد (2)، فيختلف إيجابا و استحبابا حسب اختلاف ما يرشد إليه.

و يؤيّده أنّه لو لم يكن للإرشاد لوجب تخصيصه لا محالة ببعض الشبهات إجماعا، مع أنّه آب عن التخصيص قطعا؛ كيف لا يكون قوله: «قف عند الشبهة، فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة» (3) للإرشاد! مع أنّ المهلكة ظاهرة في العقوبة، و لا عقوبة في الشبهة البدويّة قبل إيجاب الوقوف و الاحتياط، فكيف يعلّل إيجابه بأنّه خير من الاقتحام في المهلكة؟! (4).

____________

(1) أي: الأمر بالتوقّف و الاحتياط.

(2) و القرائن الدالّة عليه كثيرة:

منها: أنّه لو لم يكن الأمر للإرشاد يلزم تخصيص الأكثر، ضرورة أنّ موضوع الأمر بالتوقّف و الاحتياط هو عنوان «الشبهة»، و هو يصدق على كلّ شبهة. فإذا حملنا الأمر بالاحتياط على ظاهره من الأمر المولويّ اللزوميّ يستلزم شموله بظاهره للشبهات مطلقا.

و من المعلوم أنّ جريان البراءة في غير الشبهة الحكميّة التحريميّة من المتّفق عليه بين الأخباريّ و الاصوليّ، فيخصّص الأمر بالاحتياط بالشبهة الحكميّة الوجوبيّة و الشبهة الموضوعيّة بكلا قسميه، فيلزم حينئذ تخصيص الأكثر، و هو مستهجن.

و منها: بيان حكمة طلب التوقّف في بعض الروايات من أنّه سبب للتحرّز عن المحذور.

و منها: ظهور قوله (عليه السّلام): «فمن ارتكب الشبهات وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم» في ترتّب الهلكة على ارتكاب الشبهة، لا على مخالفة الأمر بالتوقّف.

و منها: ما أشار إليه في المتن من إباء سياق الروايات من التخصيص.

(3) هذا مضمون الرواية. و إليك نصّها: عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «لا تجامعوا في النكاح على الشبهة، وقفوا عند الشبهة ... فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة». وسائل الشيعة 18: 116، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 15.

(4) فإنّ الهلكة- و هي علّة لإيجاب الاحتياط- مقدّمة عليها رتبة، فإذا ترتّبت الهلكة على إيجاب الاحتياط- بدعوى ترتّبها على تركه- كانت مؤخّرة عنه، فيلزم أن يكون كلّ منهما مقدّما على صاحبه و مؤخّرا عنه في آن واحد، و هو محال. فلا بدّ من القول بعدم ترتّبها على الأمر بالتوقّف و الاحتياط، و إذا لم تترتّب عليه كان للإرشاد.

50

لا يقال (1): نعم، و لكنّه يستكشف منه (2) على نحو الإنّ (3) إيجاب الاحتياط من قبل (4)، ليصحّ به العقوبة على المخالفة.

فإنّه يقال: إنّ مجرّد إيجابه واقعا ما لم يعلم لا يصحّح العقوبة، و لا يخرجها عن أنّها بلا بيان و لا برهان، فلا محيص عن اختصاص مثله (5) بما يتنجّز فيه المشتبه- لو كان-، كالشبهة قبل الفحص مطلقا أو الشبهة المقرونة بالعلم الإجماليّ، فتأمّل جيّدا (6).

[الدليل الثالث، و الجواب عنه‏]

[التقرير الأوّل: العلم الإجماليّ‏]

و أمّا العقل: فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه و ترك ما احتمل حرمته- حيث علم إجمالا بوجود واجبات و محرّمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته ممّا لم يكن هناك حجّة على حكمه- تفريغا للذمّة بعد اشتغالها؛ و لا خلاف في لزوم الاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ إلّا من بعض‏

____________

(1) هذا الإشكال تعرّض له الشيخ الأعظم الأنصاريّ و أجاب عنه بما أشار إليه المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «لا يصغى إلى ما قيل». و أوضحنا الإشكال و الجواب عنه ذيل التعليقة (5) من الصفحة: 46.

(2) أي: من التعليل الوارد في الروايات المذكورة.

(3) و هو العلم بالعلّة من العلم بالمعلول. و المراد من العلّة في المقام هو إيجاب الاحتياط، و من المعلول هو الهلكة.

(4) أي: من قبل ورود هذا الحديث و تشريع إيجاب الاحتياط في الشبهات البدويّة.

(5) أي: مثل هذا التعليل الوارد في الروايات.

(6) و لا يخفى عليك: أنّ الأعلام من المتأخّرين المعاصرين قد ذكروا طوائف مختلفة من الروايات الّتي يستدل بها على الاحتياط، ثمّ أجابوا عنها بوجوه أخر غير ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) في المتن. فلا نطيل الكلام بذكر ما أفادوه. و إن شئت فراجع نهاية الأفكار 3:

242- 247، و فوائد الاصول 3: 372- 378.

51

الأصحاب (1).

و الجواب: أنّ العقل و إن استقلّ بذلك (2)، إلّا أنّه إذا لم ينحلّ العلم الإجماليّ إلى علم تفصيليّ و شكّ بدويّ، و قد انحلّ هاهنا، فإنّه كما علم بوجود تكاليف إجمالا كذلك علم إجمالا بثبوت طرق و اصول معتبرة مثبتة لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد، و حينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعليّة في موارد المثبتة من الطرق و الاصول العمليّة (3).

____________

(1) كما هو الظاهر من كلام المحقّق القمّي في قوانين الاصول 2: 25، و صاحب المدارك في مدارك الأحكام 1: 107، و المحقّق السبزواريّ في ذخيرة المعاد: 138.

و لا يخفى: أنّ ما أفاده المصنّف (رحمه اللّه) في تقرير هذا الدليل العقليّ يختلف عما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ.

أمّا المصنّف (رحمه اللّه): فجعل متعلّق العلم الإجماليّ في المقام مطلق التكاليف الإلزاميّة في الوقائع المشتبهة، فأدرج الشبهات الوجوبيّة و التحريميّة في محلّ النزاع.

و أمّا الشيخ الأعظم: فجعل متعلّق العلم الإجماليّ في المقام خصوص التكاليف الإلزاميّة التحريميّة في الشبهات التحريميّة، فأخرج الشبهات الوجوبيّة عن محلّ النزاع. و تبعه على ذلك المحقّقان: النائينيّ و العراقيّ. راجع فرائد الاصول 2: 87، فوائد الاصول 3: 378، نهاية الأفكار 3: 248.

و لعلّ السرّ فيما أفاده الشيخ الأعظم و من تبعه أنّ الأخباريّين لم يتمسّكوا بالعلم الإجماليّ في الشبهات الوجوبيّة و لم يلتزموا بوجوب الاحتياط فيها، فلا نزاع معهم إلّا في الشبهات التحريميّة الناشئة من فقد النص، فلا جدوى في إدراج الشبهات الوجوبيّة في محلّ النزاع.

(2) أي: بلزوم الاحتياط.

(3) هكذا في النسخ. و الاولى أن يقول: «غير التكاليف الفعليّة المثبتة من الطرق و الأمارات»، أو يقول: «غير التكاليف الفعليّة المثبتة في موارد الطرق و الأمارات»، أو يقول: «غير التكاليف الفعليّة في موارد الطرق و الاصول المثبتة».

و توضيح الجواب: أنّ لنا علمين إجماليّين:

الأوّل: العلم الإجماليّ الكبير، و هو ما يكون أطرافه جميع المشتبهات و موارد الأخبار و الأمارات المعتبرة و غير المعتبرة. فنعلم إجمالا بوجود تكاليف شرعيّة فيها، إذ لا معنى للشرع الخالي عن التكليف، و لا نحتمل مخالفة جميع الأمارات للواقع.

الثاني: العلم الإجماليّ الصغير، و هو ما يكون أطرافه خصوص موارد قيام الأمارات-

52

إن قلت: نعم، لكنّه (1) إذا لم يكن العلم بها (2) مسبوقا بالعلم بالتكاليف (3).

____________

- المعتبرة، فإنّا نعلم إجمالا بمطابقة جملة من الأمارات المعتبرة للواقع. و معلوم أنّ العقل يحكم بلزوم الاحتياط في أطراف الشبهات إذا لم ينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير إلى علم تفصيليّ و شكّ بدويّ، و إلّا فلا يحكم به. و قد انحلّ العلم الإجماليّ الكبير هاهنا. و الوجه في انحلاله انّا نعلم بالعلم الإجماليّ الصغير بمطابقة جملة من مؤدّيات الأمارات المعتبرة للواقع، و نعلم أيضا أن لا يكون المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الصغير أقلّ عددا من المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الكبير، بحيث لو أفرزنا من أطراف العلم الإجماليّ الكبير بمقدار المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الصغير لم يبق لنا علم إجماليّ في بقيّة الأطراف. مثلا: إذا علمنا إجمالا بوجود مائة حكم- مثلا- في جميع المشتبهات و موارد الأخبار و الأمارات المعتبرة و غير المعتبرة، و علمنا بوجود هذا العدد- أو أزيد- أيضا في الأمارات المعتبرة، لم يبق لنا علم إجماليّ بثبوت تكاليف في غير موارد الأمارات المعتبرة، لإمكان انطباق المعلوم بالإجمال في العلم الإجماليّ الكبير- و هو مائة حكم- على المعلوم بالإجمال في الصغير- و هو أيضا مائة حكم-؛ فحينئذ نعلم تفصيلا بثبوت تلك المائة من التكاليف في الأمارات المعتبرة الّتي نعلم اجمالا بصدور كثير منها، و نشكّ في ثبوتها في غيرها شكّا بدويّا، فلا يجب الاحتياط إلّا في أطراف العلم الاجماليّ الصغير- و هو موارد الأخبار و الأمارات المعتبرة-، و أمّا أطراف العلم الاجماليّ الكبير- من الشبهات و موارد الأمارات غير المعتبرة- فلا يجب الاحتياط فيها.

و لا يخفى: أنّ ما أفاده المصنّف (رحمه اللّه) هاهنا في تقرير وجه الانحلال يختلف عما أفاده في تقريره في الوجه الأوّل من الوجوه العقليّة الّتي اقيمت على حجّيّة خبر الواحد، فإنّه جعل هناك أطراف العلم الإجماليّ الصغير خصوص موارد الأخبار المعتبرة، و جعل هنا أطرافه الأمارات و الاصول المعتبرة- كالأخبار و الشهرة و السيرة-.

(1) أي: الانحلال.

(2) أي: العلم بالأحكام الّتي هي مؤدّيات الأمارات و موارد الاصول.

(3) و في بعض النسخ: «بالواجبات». و الصحيح ما أثبتناه.

و توضيح الإشكال: أنّ العلم الإجماليّ بثبوت تكاليف فعليّة في موارد الطرق و الاصول العمليّة المعتبرة متأخّر عن العلم الإجماليّ بثبوتها في مطلق المشتبهات و موارد الأمارات و الاصول العمليّة، ضرورة أنّ العلم الإجماليّ الكبير يحصل من أوّل البلوغ و الالتفات إلى الشريعة، و العلم الإجماليّ الصغير يحصل بعد التتبّع في موارد الطرق و الاصول، فالعلم الإجماليّ الصغير متأخّر عن العلم الإجماليّ الكبير، و العلم الإجماليّ المتأخّر لا يؤثّر-

53

قلت: إنّما يضرّ السبق إذا كان المعلوم اللاحق حادثا، و أمّا إذا لم يكن كذلك، بل ممّا ينطبق عليه ما علم أوّلا، فلا محالة قد انحلّ العلم الإجماليّ إلى التفصيليّ و الشكّ البدويّ (1).

إن قلت: إنّما يوجب العلم بقيام الطرق المثبتة له بمقدار المعلوم بالإجمال، ذلك (2) إذا كان قضيّة قيام الطريق على تكليف موجبا لثبوته فعلا (3). و أمّا بناء على أنّ قضيّة حجّيّته و اعتباره شرعا ليست إلّا ترتيب ما للطريق المعتبر عقلا- و هو (4) تنجّز ما أصابه و العذر عمّا أخطأ عنه- فلا انحلال لما علم بالإجمال أوّلا، كما لا يخفى (5).

____________

- في انحلال العلم الإجماليّ المتقدّم، بل انّما يؤثّر في انحلاله و يمنع من تأثيره فيما إذا كان متقدّما عليه أو مقارنا له.

(1) و توضيح الجواب: أنّ المعتبر في الانحلال هو مطابقة المعلوم بالعلم الإجماليّ الصغير مع المعلوم بالعلم الإجماليّ الكبير، لا مقارنة العلم الإجماليّ الصغير مع العلم الإجماليّ الكبير أو سبقه عليه، فإذا تعلّق العلم الإجماليّ الكبير- مثلا- بإصابة قطرة دم بأحد الإنائين، ثمّ تعلّق العلم الإجماليّ الصغير بوقوع تلك القطرة في الإناء الأبيض تحقّق انحلال العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير، سواء كان متأخّرا عنه أو مقارنا له أو سابقا عليه.

و كذلك في المقام، لأنّا نعلم إجمالا بثبوت تلك المائة في موارد الأمارات و الاصول المعتبرة، فيحتمل انطباق المعلوم بالعلم الإجماليّ الكبير على المعلوم بالعلم الإجماليّ الصغير، فيتّحد المعلومان و ينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير مطلقا، سواء تقدّم الصغير على الكبير أو قارنه أو تأخّر عنه.

(2) مفعول لقوله: «يوجب». و المشار إليه هو الانحلال.

(3) هكذا في جميع النسخ. و الصحيح أن يقول: «إذا كان قيام الطريق على تكليف موجبا لثبوته فعلا»، أو يقول: «إذا كانت قضيّة قيام الطريق على تكليف ثبوته فعلا».

(4) أي: ما للطريق المعتبر.

(5) توضيح الإشكال يتوقّف على تقديم مقدّمة:

و هي: أنّ في حجّيّة الأمارات و الطرق مذهبان: (أحدهما): أنّها حجّة مجعولة على نحو السببيّة، بمعنى أنّها تكون سببا لحدوث مصلحة في مؤدّاها و موجبا لكونه حكما فعليّا للمكلّف. (ثانيهما): أنّها مجعولة على نحو الطريقيّة، بمعنى أنّها مجعولة لتكون طريقا-

54

قلت: قضيّة الاعتبار شرعا على اختلاف ألسنة أدلّته و إن كانت ذلك (1)- على ما قوّينا في البحث (2)-، إلّا أنّ نهوض الحجّة على ما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف، يكون عقلا بحكم الانحلال و صرف تنجّزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف، و العذر عمّا إذا كان في سائر الأطراف؛ مثلا: إذا علم إجمالا بحرمة إناء زيد بين الإنائين، و قامت البيّنة على أنّ هذا إناؤه، فلا ينبغي الشكّ في أنّه (3) كما إذا علم أنّه إناؤه في عدم لزوم الاجتناب إلّا عن خصوصه دون الآخر. و لو لا ذلك لما كان يجدي القول بأنّ قضيّة اعتبار الأمارات هي كون المؤدّيات أحكاما شرعيّة فعليّة، ضرورة أنّها تكون كذلك بسبب حادث، و هو كونها مؤدّيات الأمارات الشرعيّة.

هذا إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعيّة في موارد الطرق المثبتة بمقدار

____________

- إلى الواقع و كاشفا عنه، فيترتّب عليها ما يترتّب على الطريق المعتبر من أنّها منجّزة للواقع فيما إذا أصابته و معذّرة للمكلّف في مخالفته فيما إذا أخطأته.

و ذهب المصنّف (قدّس سرّه) إلى الثاني.

إذا عرفت هذه المقدّمة، فيقال- إيرادا على المصنّف (قدّس سرّه)-: أنّ الظاهر من كلامه أنّه ادّعى الانحلال الحقيقيّ في المقام، بمعنى أنّ التتبّع في موارد الطرق و الاصول يوجب العلم الإجماليّ بوجود تكاليف واقعيّة فعليّة تؤدّيها الأمارات و الاصول، و هي بمقدار يحتمل انطباقها على الأحكام الواقعيّة المعلومة بالعلم الإجماليّ الكبير، فينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير، بل يكشف بالعلم الإجماليّ الصغير عدم تعلّق العلم الإجماليّ الكبير بالتكاليف الواقعيّة من أوّل الأمر. و أنت خبير بأنّ دعوى هذا الانحلال إنّما يصحّ على القول بحجّيّة الأمارات على نحو السببيّة، حيث أنّ مؤدّاها حينئذ تكاليف حقيقيّة فعليّة، فيحتمل انطباق الأحكام الواقعيّة المعلومة بالعلم الإجماليّ الكبير على تلك المؤدّيات. و أمّا على القول بحجّيّتها على نحو الطريقيّة و أنّ المجعول هو المنجّزيّة و المعذّريّة- كما عليه المصنّف (قدّس سرّه)- فلا يتمّ ما ذكر، لعدم كون مؤدّاها تكاليف حقيقيّة فعليّة كي يدّعى احتمال انطباق الأحكام الواقعيّة المعلومة ثبوتها بالعلم الإجماليّ الكبير عليها.

(1) و في بعض النسخ: «و إن كان ذلك». و الصحيح ما أثبتناه. و المشار إليه بقوله: «ذلك» هو ترتيب التنجّز و التعذير.

(2) من حجّيّة الأمارات على نحو الطريقيّة.

(3) أي: قيام البيّنة