كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج2

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
589 /
3

[خطبة الكتاب‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و أفضل بريّته محمّد و على أهل بيته الطيبين الطاهرين.

حمدا لك اللهم على ما أوليتني من توفيق لتأليف الجزء الثاني من كتابنا كفاية الأصول في أسلوبها الثاني و ابرازه إلى عالم النور.

ربّ فأتمم نعمتك عليّ بقبوله و اجعله خالصا لوجهك الكريم و اجعله موردا لاستفادة إخوتي و أعزتي طلبة الحوزة العلمية.

و كلّي أمل من كل من استفاد منه حرفا التفضّل عليّ و على والديّ بالاستغفار، إنه سميع الدعاء، جواد كريم.

باقر ايروانى‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

قوله (قدّس سرّه):

«هذا كله فيما يمكن أن يقع عليه الاضطراري ...، إلى قوله: المقام الثاني».

(1)

[تتمة مبحث الاوامر فى المقصد الاول‏]

[تتمة مبحث الاجزاء فى الفصل الثالث‏]

[تتمة مقام الاول الامر الاضطرارى‏]

ما يستفاد من الأدلة:

بعد اتضاح الصور الأربع الثبوتية نأخذ بالتحدّث عمّا يستفاد من الأدلة.

و في هذا المجال نقول: إذا لاحظنا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ‏ (2) استفدنا من الإطلاق المقامي عدم وجوب الإعادة و لا القضاء، إذ لو كانا واجبين لاشير إلى ذلك، فإن المتكلم بعد ما كان في مقام بيان الوظيفة و قد سكت عن بيان وجوب القضاء و الإعادة فيدل ذلك على عدم وجوبهما، و هذا تمسك بالإطلاق المقامي و ليس تمسكا بالإطلاق اللفظي. (3)

____________

(1) الدرس 86: (13/ ربيع الأوّل/ 1425 ه).

(2) المائدة: 6، و قريب منها ورد في سورة النساء: 43.

(3) و الفارق بينهما أنه في الإطلاق اللفظي يفترض وجود لفظ معين يراد التمسك بإطلاقه، كلفظ الرقبة مثلا الذي يتمسك به لإثبات كفاية مطلق الرقبة و لو كانت غير مؤمنة، بينما في الإطلاق المقامي لا يفترض التمسك بإطلاق لفظ معين، كما هو الحال في النصوص المتقدمة، فإنه لا يوجد لفظ معيّن يتمسك بإطلاقه، بل يتمسك بإطلاق المقام، أي يقال:

إن المتكلم هو في مقام البيان فلو كان الحكم الآخر ثابتا لبيّنه.

6

و هكذا الأمر إذا نظرنا إلى الحديث الشريف الذي يقول: «إن ربّ الماء ربّ الصعيد، فقد فعل أحد الطهورين»، (1) و الحديث الآخر عن النبي (صلى اللّه عليه و آله): «يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين»، (2) فإن مقتضى إطلاقهما المقامي عدم وجوب الإعادة و القضاء.

و بعد ما كان مقتضى الإطلاق المقامي لهذه النصوص الشريفة عدم وجوب الإعادة و القضاء فكل من أراد أن يدعيهما و يثبت وجوبهما فعليه إقامة الدليل الخاص على ذلك.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أنه لو تنزلنا و افترضنا عدم تحقق الإطلاق المقامي لعدم كون المتكلم في مقام البيان من ناحية القضاء و الإعادة فيلزم الرجوع إلى الأصل العملي، و هو يقتضي البراءة من وجوب ذلك، لأنه حين فقدان الماء لم يكن الشخص مكلّفا بالصلاة مع الماء بل مع التيمم، و المفروض أنه قد أتى بالصلاة التيممية فإذا شك بعد مجي‏ء الماء في وجوب الإعادة أو في وجوب القضاء كان ذلك شكا في حدوث تكليف جديد فتجري البراءة عنه، فإذا صلى المكلّف مع التيمم ثمّ في داخل الوقت جاء الماء فسوف يشك في حدوث التكليف بوجوب الإعادة فتجري البراءة عنه، و بالأولى تجري البراءة عن وجوب القضاء، لأنه فرع وجوب الأداء فإذا لم يجب لم يجب هو أيضا. (3)

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 370/ الباب 14 من أبواب التيمم/ الحديث 15.

(2) وسائل الشيعة 3: 369/ الباب 14 من أبواب التيمم/ الحديث 12.

(3) لا يقال: لما ذا لا نطبّق قاعدة الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني؟

فإنه يقال: إنه حين فقدان الماء لم تكن الذمة مشتغلة بالصلاة الوضوئية لعدم التمكن من ذلك، و إنما كانت مشتغلة إما بخصوص الصلاة التيممية، و المفروض الإتيان بها، أو بالطبيعي الجامع بين الصلاتين، و المفروض امتثاله بسبب الإتيان بأحد فرديه، و هو الصلاة التيممية.-

7

أجل إذا فرض أن دليلا خاصا دلّ على أن وجوب القضاء فرع فوت الواقع و إن لم يكن ذلك الواقع واجبا وجوبا فعليا فيجب القضاء آنذاك لفرض تحقق سببه، و هو فوت الواقع، أي فوت الصلاة الوضوئية داخل الوقت و لو بسبب عدم تمكّن المكلف من الماء، إلّا أن ذلك مجرد فرض لا واقع له. (1)

توضيح المتن:

فظاهر إطلاق دليله: أي الإطلاق المقامي.

مثل قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ...: هذا من سهو القلم، إذ الوارد فَلَمْ تَجِدُوا ....

ثمّ إنه كان المناسب ذكر الآية بكاملها لأنه قد ينفع في استفادة كون المتكلم في مقام البيان.

و قوله (عليه السّلام): التراب ...: هذا مع ما بعده ليس حديثا واحدا بل هما حديثان كما أوضحنا.

____________

- لا يقال: نحن نطبّق قاعدة الاشتغال اليقيني بهذا الشكل: إن الذمة كانت مشغولة بأصل الصلاة و نشك في فراغها فيلزم الاحتياط.

فإنه يقال: إن هذا تلاعب بالألفاظ و استعانة بها، فنحن نسأل: هل هي مشغولة بالصلاة الوضوئية، و هو باطل لعدم التمكن، أو بالصلاة التيممية، و المفروض تحققها، أو بالطبيعي، و المفروض تحققه أيضا، و لا يوجد شقّ رابع في البين.

(1) نلفت النظر إلى أن ما أفاده (قدّس سرّه) من التمسك بالإطلاق المقامي ثمّ بأصل البراءة أمر جيد و متين، و لكن نقول: ما الداعي لبحث الصور الأربع الثبوتية التي تقدمت سابقا و ما الفائدة في ذلك بعد ما كان المدار في الإجزاء و عدمه على الإطلاق المقامي و أصل البراءة؟

فالإطلاق المقامي إذا كان متحققا كفى وحده لإثبات الإجزاء بلا حاجة إلى استعراض تلك الصور الأربع الثبوتية، و إذا لم يكن متحققا فتلزم الإعادة أو القضاء بلا حاجة إلى استعراض تلك الصور أيضا، فما أفاده (قدّس سرّه) واضح في كونه تطويلا بلا طائل.

8

دليل بالخصوص: أي دليل خاص.

فالمتبع هو الإطلاق: أي المقامي.

نعم لو دلّ دليله ...: أي دليل وجوب القضاء على أن سبب وجوب القضاء هو فوت الواقع و لو لم يكن- الواقع- فريضة، أي واجبا بوجوب فعلي.

و إن أتى بالغرض: يحتمل بالفرض، أي بالفاء، كما و يحتمل بالغرض، أي بالغين.

و المعنى على الأوّل أنه يجب عليه القضاء آنذاك و إن أتى بما هو الفرض الواجب عليه بالفعل، و هو الصلاة التيممية.

و المعنى على الثاني أنه يجب عليه القضاء آنذاك و إن كان ما أتى به- و هو الصلاة التيممية- وافيا بالمصلحة بتمامها، فإن ذلك لا يكفي ما دام قد دلّ الدليل على وجوب القضاء عند فوت الواقع رغم عدم وجوبه الفعلي.

و الأوّل أولى لأنه مع فرض وفاء الوظيفة الاضطرارية بتمام المصلحة كيف يدل الدليل على وجوب القضاء.

خلاصة البحث:

الصحيح إجزاء الأمر الظاهري، للإطلاق المقامي فإن لم يكن فللأصل العملي.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

هذا كله فيما يمكن أن يقع عليه المأمور الاضطراري من الأنحاء.

و أما ما وقع عليه بالفعل فمقتضى الإطلاق المقامي لمثل قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ،

9

و قوله (عليه السّلام): «إن ربّ الماء ربّ الصعيد فقد فعل أحد الطهورين»، «يكفيك الصعيد عشر سنين» عدم وجوب الإعادة و القضاء و إلّا لذكر ذلك.

و مع التنزل عن الإطلاق المذكور فمقتضى أصل البراءة عدم وجوب ذلك لكونه شكا في حدوث التكليف بعد عدمه مسبقا.

نعم لو دلّ دليل على وجوب القضاء عند فوت الواقع و لو لم يكن واجبا بالفعل ثبت ذلك لكنه مجرد فرض.

***

10

قوله (قدّس سرّه):

«المقام الثاني ...، إلى قوله: هذا على ما هو الأظهر ...».

(1)

المقام الثاني: الأمر الظاهري:

كل ما تقدم كان ناظرا إلى الوظيفة الاضطرارية، و قد اتضح أن الحكم فيها هو الإجزاء للإطلاق المقامي و الأصل العملي.

و أما الوظيفة الظاهرية (2) فالكلام يقع تارة في الأصل أو الأمارة الجاريين لإثبات نفس التكليف، و أخرى في الأصل أو الأمارة الجاريين لإثبات جزء المكلف به أو شرطه.

مثال الأوّل: استصحاب بقاء وجوب صلاة الجمعة إلى زمن الغيبة، فإن الاستصحاب المذكور يثبت التكليف، أي بقاء الوجوب.

و الكلام عن هذا يأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى. (3)

و مثال الثاني: شرطية الطهارة أو الحلية في ملابس المصلي أو في‏

____________

(1) الدرس 87: (14/ ربيع الأوّل/ 1425 ه).

(2) الأمر الظاهري يستعمل تارة في خصوص مورد الأصل العملي، و أخرى يستعمل في الأعم من الأصل العملي و الأمارة، و المقصود الآن من الأمر الظاهري هذا المعنى الثاني الأعم.

(3) يأتي ذلك بقوله: ثمّ إن هذا كله فيما يجري في متعلّق التكاليف من الأمارات الشرعية و الأصول العملية، و أما ما يجري ...

11

ماء الوضوء، فإذا كان لدى المكلف ثوب يشك في طهارته و أجرى أصل الطهارة و أثبت بذلك طهارته أو أخبره الثقة بالطهارة ثمّ بعد ذلك انكشف الخلاف فهل يحكم بالإجزاء؟

و في هذا المجال فصّل (قدّس سرّه) بين الأصل و الأمارة، فإذا جرى الأصل و أثبت الجزء أو الشرط ثمّ انكشف الخلاف فيحكم بالإجزاء، و إذا دلت الأمارة على ذلك فلا يحكم بالإجزاء.

و النكتة الفارقة هي:

أنه في باب الأصل يوجد لدينا دليلان:

أحدهما يقول: صل في الطاهر، أو تناول الطاهر، أو طف في الطاهر. و لنصطلح على هذا بدليل شرطية الطهارة.

ثانيهما: دليل قاعدة الطهارة الذي يدل على أن كل شي‏ء نظيف حتّى يعلم أنه قذر.

و المستفاد من هذا الدليل جعل طهارة ظاهرية في مقابل الطهارة الواقعية، فكل شي‏ء ما دام لا يعلم بنجاسته الواقعية هو محكوم بالطهارة في مرحلة الظاهر.

و إذا قبلنا بأن أصل الطهارة يجعل طهارة ظاهرية في مقابل الطهارة الواقعية فيلزم من ذلك توسّع دائرة الشرط، فالدليل الأوّل الذي كان يقول: صل في الطاهر يتوسع و يصير مفاده صل في الطاهر الأعم من الطاهر الواقعي و الطاهر الظاهري.

و بكلمة أخرى: قبل أن نضم الدليل الثاني إلى الدليل الأوّل لا نستفيد من الدليل الأوّل إلّا لزوم الصلاة في الطاهر الواقعي، أما بعد أن نلتفت إلى الدليل الثاني نستفيد التوسعة و أنه صل في الطاهر الواقعي أو الظاهري.

12

و هذه التوسعة التعبديّة يصطلح عليها بالحكومة، و الدليل الأوّل يصطلح عليه بالدليل الحاكم، و الدليل الثاني يصطلح عليه بالدليل المحكوم.

و إذا قبلنا بهذه الحكومة فسوف نخرج بهذه النتيجة، و هي أن من اعتمد على أصالة الطهارة و صلى في ثوبه ثمّ انكشف الخلاف بعد ذلك فصلاته تكون واجدة للشرط واقعا، لأن الشرط واقعا هو الطهارة الشاملة للظاهرية، و المفروض أنها متحققة حين العمل فيحكم عليها بالصحة و الإجزاء.

نعم عند انكشاف الخلاف ترتفع الطهارة الظاهرية، و لكنها ترتفع من حين اتضاح الواقع و ليس من البداية، نظير من كان مسافرا في بداية الوقت و صلى قصرا ثمّ حضر بلده في نهاية الوقت فإنه يحكم عليه بصحة صلاته السابقة لأن عنوان المسافر زال من الآن و ليس من البداية.

إذن يحكم بصحة الصلاة من جهة أنها واجدة للشرط حين أدائها.

هذا كله إذا كان مستند إثبات الشرط أو الجزء هو الأصل العملي.

و أما إذا كان المستند هو الأمارة فلا يحكم بالإجزاء لأن الثقة حينما يخبر بطهارة الثوب مثلا فلا تحصل بذلك طهارة ظاهرية ليلزم توسّع دائرة الشرط، فإن وظيفة الأمارة الحكاية عن الواقع- و قد تصيب و قد تخطأ- و ليس جعل شي‏ء آخر في مقابله حتّى يلزم توسّع دائرة الشرط.

توضيح المتن:

و التحقيق أن ما كان منه ...: و أما ما يجري في أصل التكليف فيأتي الحديث عنه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ إن كلمة (كان) زائدة. و الأنسب صياغة العبارة هكذا: إن ما يجري منه في ...

13

في تنقيح: التنقيح لغة هو بمعنى التهذيب، و لكن الأصوليين يستعملونه بمعنى الإثبات.

ثمّ إن كلمة (ما هو) زائدة.

موضوع التكليف و تحقيق متعلّقه: العطف بينهما تفسيري، أي إن المقصود من الموضوع و المتعلّق شي‏ء واحد. و المراد من ذلك الإشارة إلى جزء الواجب و شرطه.

و كان بلسان ...: هذا عطف تفسير على سابقه، و بذلك أوضح أن مقصوده من موضوع التكليف و متعلّقه هو الجزء و الشرط.

ثمّ إن الأنسب التعبير بشرط المكلف به و جزءه بدل شرط التكليف و جزءه.

و التعبير بقوله: (و كان بلسان تحقق ...) يراد به بلسان جعل و إنشاء الشرط و الجزء، أي جعل و إنشاء طهارة ظاهرية مثلا مقابل الطهارة الواقعية.

في وجه قوي: أي بناء على أن الاستصحاب أصل لا أمارة. و الضمير يرجع إلى الحلية و الطهارة.

بالنسبة إلى ...: متعلّق بقاعدة الطهارة، أي كقاعدة الطهارة و نحوها بالنسبة إلى كل ما اشترط ...

و المراد مما اشترط بالطهارة أو الحلية هو الصلاة أو الطواف أو التناول، فإنها مشروطة بالطهارة.

يجزي: خبر إن ما كان منه ...

فانكشاف الخلاف فيه: أي في الشرط.

بل بالنسبة إليه: أي بل انكشاف الخلاف بالنسبة إلى الشرط.

يكون من قبيل ارتفاعه: أي ارتفاع الشرط.

14

و هذا بخلاف ما كان ...: هذا عدل لقوله: (و كان بلسان تحقق ما هو شرطه أو شطره ...) و هو شروع في الإشارة إلى الأمارات، أي و هذا بخلاف ما كان من الأوامر الظاهرية بلسان بيان ما هو الشرط واقعا.

حيث كان بلسان أنه واجد ...: أي و ليس بلسان جعل شي‏ء في مقابل الواقع.

خلاصة البحث:

إن الأمر الظاهري في باب الأصول إذا كان ناظرا إلى إثبات الجزء أو الشرط هو مقتض للإجزاء، لأن أصل الطهارة مثلا يجعل طهارة ظاهرية، و بسبب ذلك تتوسع دائرة الشرط و تكون الصلاة مثلا واجدة لشرطها حقيقة بخلاف ذلك في باب الأمارات، فإنه حيث لا تجعل شيئا في مقابل الواقع فلا تتوسع دائرة الشرط، و بالتالي ينكشف فقدان العمل لشرطه واقعا.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

المقام الثاني: الإتيان بالمأمور الظاهري هل يجزي عن الأمر الواقعي؟

ينبغي التفصيل بين ما يجري لإثبات جزء المأمور أو شرطه فيجزئ إن كان أصلا، كأصل الطهارة بالنسبة إلى كل ما اشترط بها، فإن دليله حيث يدل على إنشاء طهارة ظاهرية فيكون حاكما على دليل الاشتراط و مبيّنا لدائرة الشرط و أنه أعم من الطهارة الواقعية و الظاهرية، و بانكشاف الخلاف لا ينكشف فقدان العمل لشرطه واقعا، بل يرتفع الشرط من حيث ارتفاع الجهل.

هذا في الأصل.

15

و أما الأمارة فلا يثبت الإجزاء فيها، لأن دليل حجيتها لا يجعل شيئا في مقابل الواقع، بل هو في صدد الكشف عن الشرط الواقعي، و بارتفاع الجهل ينكشف أن العمل لم يكن كذلك بل كان للشرط فاقدا.

***

16

قوله (قدّس سرّه):

«هذا على ما هو الأظهر ...، إلى قوله: و أما القضاء ...».

(1)

الإجزاء على السببية:

ذكرنا فيما سبق أن المناسب في مسألة إجزاء الأمر الظاهري التفصيل بين ما إذا كان مستند الحكم بطهارة ثوب المصلي مثلا هو قاعدة الطهارة فيحكم بالإجزاء، و بين ما إذا كان مثل خبر الثقة فيحكم بعدم الإجزاء. و الآن نقول: إن الحكم بعدم الإجزاء في مثل خبر الثقة يتم بناء على كون حجية الأمارة هي من باب الكشف و الطريقية، أما إذا قلنا:

إن حجيتها هي من باب السببية فربما نحكم بالإجزاء.

و المقصود من السببية أن الأمارة تحدث مصلحة في متعلّقها و تكون سببا لذلك، فلو دلّ خبر الثقة على أن الثوب طاهر تحدث مصلحة في الصلاة في الثوب المذكور، و بسبب تلك المصلحة تصير الصلاة في الثوب المذكور كأنها صلاة في الثوب الطاهر الواقعي.

إنه بناء على السببية يلزم الحكم بإجزاء الصلاة في الثوب المذكور فيما إذا كانت المصلحة الحادثة تعادل مصلحة الواقع و تساويها.

و هكذا يلزم الإجزاء لو كانت أقل منها و لكن الباقي كان لا يمكن تداركه.

____________

(1) الدرس 88 و 89: (15 و 18/ ربيع الأوّل/ 1425 ه).

17

و هكذا يلزم الإجزاء لو كان الباقي يمكن تداركه و لكن كان بمقدار يستحب تداركه.

و ينحصر عدم الإجزاء بحالة لزوم إدراك الباقي من المصلحة.

و هذا معناه أن نفس الصور الأربع الثبوتية التي ذكرناها في حالة الأمر الاضطراري تأتي في الأمارة بناء على السببية.

هذا كله ثبوتا.

و أما إثباتا فلو رجعنا إلى دليل حجية الأمارة فلا يبعد استفادة الإجزاء منه لنفس فكرة الإطلاق المقامي التي أشرنا إليها في الأمر الاضطراري فيقال: إن الإعادة لو كانت لازمة لاشير إلى ذلك، و عدم الإشارة يدل على الإجزاء. (1)

و النتيجة التي حصلنا عليها إلى الآن هي أن الأمارة بناء على الطريقية لا تقتضي الإجزاء بينما بناء على السببية تقتضيه.

و قد تسأل عن حالة الشك و التردد بين كون الأمارة مجعولة بنحو الطريقية حتّى لا تكون مجزية و بين كونها مجعولة بنحو السببية حتّى تكون مجزية فما هو المناسب؟

____________

(1) يمكن أن نذكر تعليقين في هذا المجال:

1- إن استعراض الصور الأربع بلحاظ عالم الثبوت أمر غير نافع و لا داعي إليه بعد ما كان مقتضى الإطلاق المقامي هو الإجزاء و عدم الإعادة، فالإطلاق المقامي المذكور كاف وحده لإثبات الإجزاء بلا حاجة إلى بيان الصور الأربع ثبوتا.

2- كان من المناسب الإشارة إلى دليل حجية الأمارة لنعرف هل الإطلاق المقامي منعقد له أو لا، و نتمكن أن نقول: إن أهم دليل على حجية الأمارة هو سيرة العقلاء و المتشرعة، و السيرة حيث إنها ليست لفظا فلا ينعقد لها الإطلاق المقامي.

18

إن الجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى بيان مقدمة ترتبط بالأصل المثبت، حاصلها: إن المعروف بين الأصوليين أن الأصل المثبت ليس حجة، و لكن ما هو المقصود من الأصل المثبت؟ (1)

إنه عبارة عن الأصل الذي يراد من خلاله ترتيب آثار غير شرعية عليه، فمتى ما أريد ترتيب الآثار الشرعية فالأصل ليس بمثبت، و هو حجة، و متى ما أريد ترتيب الآثار غير الشرعية فهو أصل مثبت، و هو ليس بمثبت، أي ليس بحجة.

فلو فرض أن شخصا له ولد عمره عشر سنوات مثلا، و غاب في بلد آخر لفترة عشر سنوات أخرى، و كان الوالد قد نذر أن لحية ولده متى ما نبتت تصدّق على الفقير بدرهم مثلا، فإذا فرض أن الوالد شك في نبات لحية ولده بسبب شكه في بقاء حياة ولده فهل هناك أصل يمكن من خلاله إثبات نبات اللحية؟ (2) قد يجاب نعم، إنه استصحاب الحياة، فإن الحياة إذا استصحبت و ثبت بقاؤها فسوف يثبت أن عمر الولد هو عشرون سنة، و واضح أن اللحية تنبت عادة متى ما كان عمر الإنسان بالمقدار المذكور.

إلّا أن هذه الطريقة مرفوضة، فإن استصحاب الحياة يثبت الحياة، كما و يثبت آثارها الشرعية مثل وجوب الانفاق عليه أو إرثه لبعض أقرباءه إذا مات و ما شاكل ذلك، و أما نبات لحيته فلا، إذ نبات اللحية

____________

(1) قد تعرضنا إلى توضيح ذلك في أبحاث سابقة، و لكن التكرار في أمثال ذلك مطلوب.

(2) و نؤكّد نبات اللحية لا عدم نباتها، فإن عدم نباتها هو مقتضى الأصل، فسابقا لم تكن نابتة فإذا شك في نباتها استصحب العدم، فالمهم الذي يراد إثباته هو النبات لا عدم النبات.

19

ليس أثرا شرعيا للحياة، لعدم وجود نص شرعي يقول: إذا بقي الإنسان على قيد الحياة إلى أن صار عمره كذا فلحيته نابتة، و إنما ذلك أثر للحياة بمقتضى العادة، فهو إذن أثر عادي و ليس شرعيا.

و على هذا الأساس نعرف أن استصحاب الحياة لإثبات أثرها العادي أصل مثبت، (1) و هو ليس حجة.

و من هذا القبيل استصحاب وجود أحد الضدين لإثبات عدم الضد الآخر أو استصحاب عدم احدهما لإثبات وجود الآخر، كاستصحاب السواد لإثبات عدم وجود البياض، أو استصحاب عدم وجود البياض لإثبات تحقق السواد، فإن عدم أحد الضدين ليس أثرا شرعيا لوجود الضد الآخر فيكون استصحابه أصلا مثبتا.

هذه هي المقدمة التي أردنا بيانها، و حاصلها أن الأصل المثبت ليس حجة، و هو عبارة عن كل أصل يقصد من إجراءه إثبات الآثار غير الشرعية لمتعلّقه.

و باتّضاح هذه المقدمة نعود إلى صلب الموضوع.

ذكرنا أن الأمارة إذا كانت مجعولة بنحو السببية فهي تقتضي الإجزاء، و إذا كانت مجعولة بنحو الطريقية فهي لا تقتضي الإجزاء، و لكن إذا شك و لم يدر أنها مجعولة بهذا النحو أو بذاك فهل يحكم بالإجزاء أو لا؟

و في الجواب تارة نتحدّث عن وجوب الإعادة و أخرى عن وجوب القضاء، و الكلام أوّلا يقع عن الإعادة، و نقول في هذا المجال:

____________

(1) أي يراد به إثبات الآثار غير الشرعية.

20

إن مقتضى الأصل عدم الإجزاء، لأنه حينما دخل وقت الظهر مثلا اشتغلت الذمة بأداء الصلاة في الثوب الطاهر الواقعي، و الأمارة الدالة على طهارة الثوب إن كانت سببا فالصلاة المأتي بها في ذلك الثوب تكون مسقطة لما اشتغلت به الذمة، و إن كانت طريقا فلا تكون مجزية، و عند الشك يكون مقتضى الأصل عدم الإتيان بما تتحقق معه المسقطية، إذ قبل الإتيان بتلك الصلاة لم يكن المسقط متحققا فإذا شك في تحققه بعد ذلك- أي حين الإتيان بالصلاة في ذلك الثوب- فمقتضى استصحاب العدم السابق هو عدم تحقق المسقط.

إن قلت: إن هذا وجيه و لكن يوجد أصل آخر يمكن أن يستفاد منه في إثبات الإجزاء، و هو استصحاب بقاء التكليف الواقعي على عدم الفعلية، فإن التكليف بأداء الصلاة في الثوب الطاهر واقعا سقط عن الفعلية عند ما أدت الأمارة اشتباها إلى طهارة الثوب المشكوك، فبسبب خطأ الأمارة المذكورة صار التكليف بأداء الصلاة في الثوب الطاهر ساقطا عن الفعلية، ثمّ بعد أن انكشف الخلاف و تبيّن أن الأمارة مخطئة نشك أن التكليف بأداء الصلاة في الثوب الطاهر واقعا هل هو باق على عدم الفعلية حتّى لا تجب الإعادة أو انقلب و صار فعليا حتّى تجب الإعادة فنستصحب في مثل ذلك بقاءه على عدم الفعلية، و يترتب على ذلك بالتالي عدم وجوب الإعادة.

قلت: إن هذا مردود بوجهين:

الأوّل: إن الاستصحاب المذكور أصل مثبت، لأن القضية المهمة التي نحاول إثباتها هي أن ما نأتي به من الصلاة في الثوب المذكور مجزئ و مبرئ لما اشتغلت ذمتنا به- و قد اشتغلت حسب الفرض بالصلاة في الثوب الطاهر- و من‏

21

الواضح أن هذا ليس أثرا شرعيا لما استصحبناه، إذ لا نص شرعي يقول: إذا لم يكن التكليف بالصلاة في الثوب الطاهر فعليا فما تأتي به من الصلاة في الثوب- الذي دلّ خبر الثقة على طهارته- مسقط لاشتغال الذمة و مزيل له، بل الملازمة المذكورة ملازمة غير شرعية، فإن التكليف بالصلاة في الثوب الطاهر إذا لم يكن فعليا فيلزم عقلا أن يكون ما يؤتى به- و هو الصلاة في الثوب الذي دلّ خبر الثقة على طهارته- مسقطا و كافيا.

الثاني: إنه لو تنزلنا و سلّمنا بحجية الأصل المثبت فبالرغم من ذلك لا يجري الاستصحاب المذكور، فهو في نفسه غير جار بقطع النظر عن إشكال المثبتية. (1)

و الوجه في ذلك: إنه قبل أن يأتي خبر الثقة و يخبر بطهارة الثوب كانت الذمة مشتغلة بالصلاة في الثوب الطاهر واقعا و كان التكليف المذكور تكليفا فعليا لفرض عدم قيام الأمارة على خلافه حتّى يلزم سقوطه عن الفعلية- فإن الموجب لسقوطه عن الفعلية هو قيام الأمارة على خلافه- و بعد أن قامت و أخبر الثقة بطهارة الثوب نشك هل أن خبر الثقة مجرد طريق حتّى لا تكون الصلاة المأتي بها في الثوب المذكور كافية و مسقطة له أو أنه سبب لحدوث المصلحة حتّى تكون مسقطة له، (2) و المناسب في مثل ذلك تطبيق قاعدة الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني أو استصحاب بقاء الاشتغال السابق على الفعلية، لا استصحاب عدم فعلية التكليف السابق، فإن التكليف السابق بأداء الصلاة في الثوب الطاهر واقعا كان فعليا سابقا و يشك بعد قيام الأمارة في‏

____________

(1) و قد أشار (قدّس سرّه) إلى هذا بقوله: (و قد علم اشتغال ذمته ...).

(2) لأنه قد فرضنا من البداية الإجزاء بناء على السببية، و عدم الإجزاء بناء على الطريقية.

22

سقوطه بأداء الصلاة في الثوب المذكور لا أنه كان سابقا غير فعلي و يشك في بقاءه على عدم الفعلية ليستصحب عدم الفعلية.

و بكلمة أخرى: ينبغي أن نلتفت إلى الفارق بين مورد الأمر الاضطراري و مورد قيام الأمارة على خلاف الواقع، ففي مورد الأمر الاضطراري يفترض فقدان الماء و عدم وجوده حقيقة، و في مثله يكون التكليف بالصلاة مع التيمم هو التكليف الفعلي في حقّ المكلف فإذا حصل التمكن من الماء بعد ذلك فسوف يشك في حدوث تكليف جديد بالصلاة مع الوضوء، و مثله يكون مجرى للبراءة، و هكذا الحال لو قامت الأمارة على الخلاف و فرض الجزم بالسببية، فإنه بسبب حدوث المصلحة يتحوّل التكليف الواقعي و يحصل فيه تغيّر و يصير الشخص مكلفا بالفعل بالصلاة في الثوب المذكور، ثمّ بعد ذلك إذا انكشف خطأ الأمارة فسوف يشك في حدوث تكليف جديد بالإعادة فيكون ذلك مجرى للبراءة، و هذا بخلافه في مقامنا الذي نفترض فيه الشك في كون الأمارة سببا أو طريقا، فإنه قبل قيام الأمارة كانت ذمة المكلف مشغولة بالصلاة في الثوب الطاهر واقعا، و بعد ما قامت الأمارة على طهارة الثوب المذكور حيث يشك في كونها مجعولة بنحو السببية أو الطريقية فلازم ذلك الشك في مسقطية الصلاة في الثوب المذكور لما اشتغلت به قبلا فيلزم تطبيق قاعدة الاشتغال اليقيني أو استصحاب بقاء الاشتغال السابق على حاله.

توضيح المتن:

الطرق و الأمارات: تارة يستعمل المصطلحان المذكوران بمعنى واحد، و أخرى يستعمل مصطلح الطرق في خصوص باب الاحكام، و مصطلح الأمارات في خصوص باب الموضوعات. و لا يبعد أن يراد الترادف منهما في المقام.

23

الفاقد معه: الصواب له، أي للشرط أو الجزء.

في هذا الحال: أي حال قيام الأمارة.

و يجب الإتيان بالواجد ...: و ذلك بالقضاء أو الإعادة.

و لا يخفى أن قضية إطلاق ...: هذا شروع في بيان ما يقتضيه عالم الإثبات من الإجزاء و عدمه.

على هذا: أي على السببية.

بموافقته أيضا: أي كما كان هو مقتضى إطلاق دليل الحجية في باب الأمر الاضطراري.

الكشف و الطريقية: هما مترادفان، و هكذا السببية و الموضوعية.

فأصالة عدم الإتيان ...: المقصود من الأصالة المذكورة هو الاستصحاب بالشكل الذي أوضحناه، و لا يوجد عندنا أصل بعنوان أصالة العدم في مقابل الاستصحاب، بل كل مورد يعبّر فيه بأصالة العدم فالمقصود هو الاستصحاب.

أجل إذا ثبت أن العقلاء لديهم أصل مستقل باسم أصالة العدم جاز دعوى كونه مقابلا للاستصحاب آنذاك، و لكن ذلك غير ثابت.

مقتضية للإعادة: و أما القضاء فتأتي الإشارة إليه بقوله: (و أما القضاء فلا يجب ...).

و استصحاب عدم كون ...: هذا إشارة إلى إشكال و جواب تقدمت الإشارة إليهما. و قد أجاب (قدّس سرّه) عن الاستصحاب المذكور بجوابين، أحدهما أشار إليه بقوله: (لا يجدي و لا يثبت ...)، و الآخر بقوله: (و قد علم اشتغال ...).

في الوقت: التقييد بذلك لأن الكلام هو في وجوب الإعادة داخل الوقت، و أما القضاء فيأتي الكلام عنه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى. و تقدير العبارة:

و استصحاب بقاء التكليف بالواقع داخل الوقت على عدم الفعلية ...

24

و قد علم اشتغال ...: المناسب: كيف و قد علم ... أو هذا مضافا إلى أنه قد علم ...

و العبارة المذكورة من العبارات المعقّدة، و ربما تفسّر بشكل آخر.

و هذا بخلاف ...: أي و هذا بخلافه في مورد الأمر الاضطراري أو الظاهري بناء على السببية.

و يقصد بهذا (قدّس سرّه) بيان الفارق بين مقامنا و بين الموردين المذكورين.

كما أشرنا إليه: إشارة إلى ما ذكره سابقا في الأمر الاضطراري بقوله: (و بالجملة فالمتبع هو الإطلاق لو كان و إلّا فالأصل و هو يقتضي البراءة من إيجاب الإعادة لكونه شكا في أصل التكليف).

للإتيان بما اشتغلت به الذمة يقينا: و هو الصلاة مع التيمم مثلا.

و أصالة عدم فعلية ...: عطف على الإتيان، أي للإتيان بما اشتغلت به الذمة يقينا و لأصالة عدم فعلية ... و المقصود من الأصالة المذكورة الإشارة إلى الاستصحاب، أي و لاستصحاب عدم فعلية التكليف ...

و كشف الخلاف: أي في الأمارة بناء على السببية.

خلاصة البحث:

إن الأمارة إذا قامت على طهارة الثوب مثلا فهي على الطريقية لا تقتضي الإجزاء بخلافه بناء على السببية، فإن الصور ثبوتا و إن كانت أربع إلّا أن مقتضى دليل الحجية إثباتا هو الإجزاء.

و عند الشك في كون الأمارة مجعولة بنحو السببية أو الطريقية فالأصل يقتضي عدم الإتيان بالمسقط فتجب الإعادة.

و استصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعليا مردود بوجهين.

25

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

هذا بناء على الطريقية.

و أما بناء على أن العمل بسبب أداء الأمارة إلى وجدان شرطه أو شطره يصير حقيقة صحيحا كأنه واجد له فيجزي لو كان وافيا بتمام المصلحة، أو كان الباقي لا يمكن تداركه، أو كان يستحب، و إلّا فلا يجزئ.

هذا ثبوتا.

و أما إثباتا فمقتضى إطلاق دليل الحجية هو الإجزاء أيضا.

هذا لو احرز أن الأمارة مجعولة بنحو الطريقية أو السببية.

و أما مع الشك فبالنسبة إلى الإعادة تلزم، لأصالة عدم الإتيان بما يسقط مع التكليف.

و أما استصحاب بقاء التكليف في الوقت على عدم الفعلية فهو لا يثبت كون المأتي به مسقطا إلّا بنحو الأصل المثبت.

على أن المكلف قد علم اشتغال ذمته بما يشك في فراغها منه بذلك المأتي.

و هذا بخلافه في الأوامر الاضطرارية أو الظاهرية بناء على السببية، فإن مقتضى الأصل عدم وجوب الإعادة، للإتيان بما اشتغلت به الذمة يقينا، و استصحاب بقاء التكليف الواقعي- بعد رفع الاضطرار أو كشف الخلاف- على عدم الفعلية.

***

26

قوله (قدّس سرّه):

«و أما القضاء ...، إلى قوله: تذنيبان».

(1)

هل يجب القضاء؟

ذكرنا فيما سبق أن الأمارة إذا دلت على طهارة الثوب مثلا ثمّ انكشف خطؤها فبناء على الطريقية لا يحكم بالإجزاء، و بناء على السببية يحكم به.

ثمّ تعرضنا إلى حالة الشك في كون الأمارة مجعولة بنحو السببية أو بنحو الطريقية، و قلنا: إن الكلام في الحالة المذكورة يقع تارة في الإعادة داخل الوقت، و أخرى في القضاء خارجه.

أما لو انكشف الخلاف داخل الوقت فقلنا: إن اللازم هو الإعادة لاستصحاب عدم الإتيان بما يسقط معه اشتغال الذمة، و دفعنا الاستصحاب المعارض بجوابين.

و الآن نريد التحدّث عن حالة انكشاف الخلاف خارج الوقت و هل يجب القضاء أو لا؟

و الجواب: إذا اجتمعت أمور أربعة فلا يجب القضاء، و إذا اختلّ واحد منها فيجب، و الأمور الأربعة هي: (2)

____________

(1) الدرس 90: (19/ ربيع الأوّل/ 1425 ه).

(2) لا بدّ قبل بيان الأمور الأربعة من تقديم مقدمة حاصلها: أنه هل هناك فرق بين عنوان الفوت و عنوان عدم الإتيان بالواجب؟ قيل: نعم، لأن الأوّل عنوان وجودي منتزع من عدم الإتيان بذي المصلحة، فمثلا إذا عقد مجلس يشتمل على فوائد و منافع و لم يحضره-

27

1- أن يكون القضاء بأمر جديد، إذ لو كان بنفس الأمر السابق الذي يقول مثلا: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏ (1) فنفس الأمر المذكور حيث لم يؤت بمتعلّقه- أو على الأقل يشك في الإتيان بمتعلّقه- يقتضي لزوم القضاء، إذ المفروض أنّا لم نأت بالصلاة في الطاهر الواقعي لفرض انكشاف الخلاف.

نعم بناء على السببية- التي نحتملها في المقام حسب الفرض- يحتمل أداء الصلاة في الطاهر الواقعي أو بالأحرى المنزّل منزلة الطاهر الواقعي، و لكن حيث إنه مجرد احتمال فيكون ذلك الأمر السابق بالأداء مقتضيا للقضاء.

2- أن يكون الأمر الجديد بالقضاء متعلّقا بعنوان الفوت لا بعنوان عدم الإتيان بالواجب و إلّا جرى استصحاب عدم الإتيان، لأن المكلف قبل أدائه للصلاة في الثوب المشكوك لم يأت بالواجب و لكن بعد قيام الأمارة التي يحتمل أن تكون سببا سوف يحتمل المكلف أنه قد أدّى الواجب الواقعي أو بالأحرى ما هو بمنزلة الواجب الواقعي فيستصحب عدم الإتيان بذلك، و بذلك يثبت وجوب القضاء.

3- أن يبنى على أن عنوان الفوت عنوان وجودي منتزع من عدم تحقق ذي المصلحة، و ليس نفس العدم المذكور، إذ لو كان نفسه-

____________

- شخص صحّ أن يعبّر بقوله: آسف على فوت حضور ذلك المجلس، أما إذا لم يشتمل ذلك المجلس على فوائد فلا يصح التعبير بالفوت بل بعدم التحقق و نحوه فيقال: الحمد للّه على عدم حضوري، و هذا يدل على أن عدم الإتيان و التحقق عنوان عدمي صادق في حالة المصلحة و عدمها، بخلاف عنوان الفوت فإنه وجودي منتزع من عدم تحقق الشي‏ء بشرط وجود المصلحة في تحققه.

(1) الإسراء: 78.

28

و ربما يظهر ذلك من بعض- لجرى استصحاب عدم تحقق الواجب ذي المصلحة، إذ قبل قيام الأمارة- المحتمل كونها سببا- و قبل الإتيان بالصلاة لم يتحقق من المكلف ذلك فإذا شك فيما بعد في تحققه- من جهة احتمال سببية الأمارة- جرى استصحاب عدم تحققه و يثبت بذلك وجوب القضاء.

و هذا بخلاف ما إذا بنينا على المغايرة، فإنه لا يمكن باستصحاب عدم الإتيان بالواجب ذي المصلحة إثبات عنوان الفوت إلّا بنحو الأصل المثبت‏ (1)- الذي هو ليس بحجة- إذ لا نص شرعي يدل على أن الواجب ذا المصلحة إذا لم يتحقق فقد صدق فوته، و إنما ذلك من باب الملازمة العقلية، فإن العقل قاض بأن الواجب ذا المصلحة إذا لم يتحقق فقد فات.

4- أن يبنى على أن الأصل المثبت ليس حجة.

إذن نفي وجوب القضاء في مفروض مسألتنا- و هو ما إذا قامت الأمارة على طهارة الثوب مثلا و فرض الشك في كونها سببا أو طريقا- موقوف على تمامية الفروض الأربعة.

أما إذا اختل واحد منها فيجب، كما لو بني على أن وجوب القضاء هو بالأمر السابق، أو أنه بأمر جديد و لكنه متعلّق بنفس عدم الإتيان، أو أنه فرض تعلقه بالفوت و لكن فسّر بنفس عدم الإتيان بذي المصلحة، أو فرض البناء على حجية الأصل المثبت.

____________

(1) قد تقدّم أنه عبارة عن كل أصل يراد من إجراءه إثبات اللوازم غير الشرعية لمتعلّقه.

29

الأمارة أو الأصل على نفس التكليف:

تقدّم في بداية الحديث عن الأمر الظاهري أن الكلام تارة يقع عن الأصل و الأمارة الجاريين في متعلّق التكليف- أي الجزء أو الشرط أو بالأحرى مثل طهارة ثوب المصلي- و أخرى في الأمارة و الأصل الجاريين في نفس التكليف.

و كلامنا إلى الآن كان عن الأوّل، و من الآن نريد التحدّث عن الثاني.

و مثال ذلك: استصحاب بقاء وجوب صلاة الجمعة إلى زمن الغيبة، أو إخبار الثقة بذلك.

و السؤال المطروح هو: هل يحكم بالإجزاء في مثل ذلك؟ فلو فرض أن المكلف استند إلى الاستصحاب أو إلى إخبار الثقة و صلى الجمعة ثمّ انكشف له وجوب الظهر فهل تلزمه الإعادة بإتيان صلاة الظهر؟

نعم يلزمه ذلك حتّى بناء على القول بالسببية، لأن لازم السببية حدوث مصلحة ثانية في صلاة الجمعة مغايرة لمصلحة صلاة الظهر، أي حدوث وجوب للجمعة مغاير لوجوب الظهر، و من الواضح أن إدراك هذا الوجوب و امتثاله لا يبرّر ترك ذلك الوجوب و امتثاله.

و بكلمة أخرى: إنه يوجد وجوبان و مصلحتان، و إدراك أحدهما لا يبرّر ترك إدراك الآخر، نظير ما إذا أدرك شخص ثواب زيارة مؤمن فهل يكون ذلك مبرّرا لترك إدراك ثواب زيارة مؤمن آخر؟

و مقامنا من هذا القبيل، فإن الأمارة على وجوب الجمعة تحدث مصلحة فيها، و لكنها مصلحة أخرى غير مصلحة الواقع، أعني الظهر، و إدراك الأولى لا يغني عن إدراك الثانية.

30

أجل لو قام دليل خاص على عدم وجوب صلاتين في وقت واحد فيكون لازم ذلك عدم وجوب الظهر بعد فرض وجوب الجمعة للأمارة السببية، إلّا أن هذا مطلب آخر. (1)

توضيح المتن:

و أما القضاء به: الظاهر أن كلمة به- المثبتة في بعض النسخ- زائدة.

بناء على أنه فرض جديد: هذا إشارة إلى الفرض الأوّل، و بقية العبارة تشير إلى الفروض الثلاثة الأخرى بنحو مضغوط و موجز.

و كان الفوت ...: في توجيه العطف و تركيب العبارة خفاء.

و الأنسب: و عدم ثبوت الفوت المعلّق عليه وجوبه بأصالة عدم الإتيان ...

كي يصير التقدير: و بناء على عدم ثبوت ...

و إلّا فهو واجب: أي و إن لم تتم الفروض الأربعة و اختلّ واحد منها فيجب القضاء.

ثمّ إن هذا كله ...: هذا شروع في بيان حكم الأصل و الأمارة الجاريين في أصل التكليف.

يومها: أي يوم الجمعة.

في زمانها: أي زمن الغيبة.

مطلقا: أي حتّى على السببية.

أن تصير صلاة الجمعة فيها: أي في الغيبة.

لذلك: أي لقيام الأمارة بناء على السببية.

____________

(1) و لكن يبقى سؤال عن النكتة الفارقة بين هذا المورد و بين الأمارة في مثل طهارة الثوب، حيث حكم (قدّس سرّه) بالإجزاء هناك بينما لم يحكم بالإجزاء هنا، إن في النكتة الفارقة خفاء.

31

خلاصة البحث:

مع الشك في كون الأمارة سببا أو طريقا تلزم الإعادة لما تقدّم من الأصل، و لكن القضاء ليس بواجب إذا تمت فروض أربعة.

و الأمر الظاهري الجاري في نفس التكليف لا يقتضي الإجزاء حتّى بناء على السببية، لأن وجوب هذا بسبب الأمارة لا ينافي بقاء الوجوب للواقع.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

هذا كله بالنسبة إلى الإعادة.

و أما القضاء فلا يجب إذا افترض أنه بأمر جديد متعلّق بعنوان الفوت الذي لا يثبت بأصالة عدم الإتيان إلّا بنحو الأصل المثبت، و لا يجب إذا لم يتحقق الفرض المذكور بتمامه.

هذا كله فيما يجري في متعلّق التكليف.

و أما ما يجري في نفس التكليف- كما إذا أخبر الثقة بوجوب الجمعة في زمن الغيبة أو استصحب ذلك ثمّ انكشف الخلاف- فلا وجه للإجزاء حتّى على السببية لأن ثبوت المصلحة في الجمعة مثلا لا ينافي بقاء المصلحة في الظهر، اللهم إلّا إذا قام دليل خاص على عدم وجوب صلاتين في وقت واحد.

***

32

قوله (قدّس سرّه):

«تذنيبان ...، إلى قوله: فصل في مقدمة الواجب».

(1)

تذنيبان:

يريد أن يذكر (قدّس سرّه) في هذا الموضع مطلبين هما تتمة مرتبطة بمبحث الإجزاء، و لأجل أنهما كالذنب المكمّل للجسم عبّر عنه بذلك.

الأوّل:

حاصل ما ذكره في هذا التذنيب أن المكلف يفترض تارة حصول أمارة أو أصل لديه ثمّ ينكشف خطأ تلك الأمارة أو ذلك الأصل، و هذا ما تقدّم سابقا و حكمنا فيه بالإجزاء على تفصيل، و تارة أخرى يفترض عدم انكشاف خطأ الأمارة أو الأصل بل خطأ الشخص نفسه، كما إذا قطع بوجوب الجمعة مثلا لا من جهة قيام الأمارة أو الأصل بل لأنه قطع بوجوب صلاة الجمعة ثمّ انكشف له خطأه في قطعه.

هذه حالة.

و هناك حالة ثانية، و هي أن يفترض أن الشخص يقطع بكون الشهرة مثلا طريقا و حجة و يسير على طبقها لفترة ثمّ ينكشف له بعد ذلك خطأه في قطعه بحجية الشهرة لا خطأ نفس الشهرة.

____________

(1) الدرس 91: (20/ ربيع الأوّل/ 1425 ه).

33

و السؤال المطروح في هذا البحث هو أن المكلف لو اتضح له خطأ نفسه في قطعه بتحقق الأمر بالجمعة أو خطأ نفسه في قطعه بحجية الشهرة فهل يحكم بالإجزاء في مثله؟ كلا، لا يحكم بالإجزاء، إذ لا أمارة و لا أصل ليحتمل أن وجوب متابعتهما يقتضي الإجزاء، بل كل ما في الأمر هو تخيّل وجود أمر بصلاة الجمعة أو بمتابعة الشهرة، فالأمر الشرعي ليس إلّا أمرا توهميا، و في مثله لا معنى للإجزاء، إذ الأمر بالواقع- أي الإتيان بالظهر مثلا- لم يمتثل، و لا أمر آخر ليكون امتثاله موجبا لاحتمال إجزاءه عن الواقع.

فالمتعين إذن هو عدم الإجزاء في الحالتين المذكورتين- أي حالة القطع بالأمر و حالة القطع بالحجة- إلّا إذا فرض من باب الاتفاق أن متعلّق القطع- أعني صلاة الجمعة مثلا- قد حصلت فيه مصلحة تساوي مصلحة الظهر، أو فرض أنه حصل فيه مصلحة أقل من مصلحة الظهر- و لو في حالة غير القطع أيضا- مع عدم إمكان تدارك الباقي فيلزم في مثل ذلك الحكم بالإجزاء، و لكن لا من جهة اقتضاء الأمر التوهمي للإجزاء بل لفرض وجود المصلحة اتفاقا، و لعلّ من هذا القبيل الجهر بالقراءة في وضع الاخفات و بالعكس، و الاتمام في موضع القصر، فإنه يحكم في الموارد المذكور بالإجزاء لأن الغفلة عن الوظيفة الواقعية قد يكون سببا لتولّد مصلحة في العمل المأتي به.

ثمّ إنه يترتب على هذا البحث أن المجتهد لو تبدّل رأيه فلا يحكم بالإجزاء، لأنه ينكشف خطؤه في تصوّر وجود أمر أو أصل، فهو كان يتصور وجود ذلك و لكنه لم يكن واقعا.

34

الثاني:

ذكر الشهيد الثاني في تمهيد القواعد أن القول بالإجزاء يلازم القول بالتصويب، و حيث إن الثاني باطل فيلزم أن يكون الأوّل مثله في البطلان. (1)

و هذا التذنيب معقود لمناقشة ذلك.

و لتعرّف المناقشة لا بدّ من التعرّف أوّلا على المقصود من التصويب الذي اتفق على بطلانه ثمّ التعرّف على المقصود من الإجزاء لكي يتضح أخيرا أن القول بالإجزاء يلازم القول بالتصويب حقا أو لا.

أما التصويب فهو عبارة عن خلوّ الواقعة عن الحكم رأسا بما في ذلك الحكم الانشائي، (2) فإذا كانت خالية حتّى من الحكم الانشائي كان ذلك تصويبا مجمعا على بطلانه، و أما إذا كان الحكم الانشائي ثابتا و كان المعدوم هو الحكم الفعلي فقط لم يكن ذلك تصويبا و إلّا يلزم ثبوت التصويب حتّى بناء على عدم الإجزاء، إذ في حالة خطأ الأمارة تزول فعلية الحكم حتّى إذا لم نقل بالإجزاء.

إذن ما دامت الأمارة مخطئة فالحكم الواقعي لا يكون فعليا سواء قلنا بالإجزاء أم لا، و الفارق بين القول بالإجزاء و عدمه ليس من هذه الناحية، بل من‏

____________

(1) تمهيد القواعد: 322 و 323.

(2) المقصود من الحكم الانشائي هو الحكم الذي تدل عليه الخطابات الشرعية، مثل: أَقِيمُوا الصَّلاةَ، و آتُوا الزَّكاةَ، و لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ. .. فإنها تدل على إنشاء الوجوب للصلاة و الزكاة و الحج في حقّ جميع الناس- العالم و الجاهل و الملتفت و الغافل- للمصلحة الثابتة في ذلك المقتضية لإنشاء الوجوب. و الحكم المذكور يصير فعليا لو علم به المكلف و لم تقم أمارة على خلافه و إلّا بقي انشائيا بلا فعلية.

35

ناحية أنه على تقدير الإجزاء يلزم عدم لزوم الإعادة و القضاء بينما على عدم الإجزاء يلزم ذلك، و من الواضح أن سقوط الامتثال من جديد- أي بالإعادة و القضاء- شي‏ء، و خلو الواقعة من الحكم رأسا- أي إلّا بعد قيام الأمارة فإنه يحدث في الواقع حكم على طبق ما تؤدي إليه- شي‏ء آخر.

و على هذا لا يكون الإجزاء ملازما للقول بالتصويب، بل نقول أكثر: إن نفس قيام الأمارة- التي يحكم بإجزائها عن الواقع- يقتضي عدم التصويب و ضده، لأنه قد اخذ في موضوع حجية الأمارة- و هكذا الأصل- الجهل بالحكم الواقعي أو الجهل بخصوصية الواقعة مع العلم بحكمها، (1) و هذا معناه أنه في موارد قيام الأمارة المجزية- أو غير المجزية- يكون الحكم الواقعي ثابتا إلّا أنه مجهول، كما في الشبهة الحكمية، أو أنه معلوم مع الجهل بخصوصية الواقعة، كما في الشبهة الموضوعية.

توضيح المتن:

في القطع بالأمر: كما لو قطع بالأمر بصلاة الجمعة ثمّ انكشف خلافه من دون قيام الأمارة أو الأصل على ذلك.

فإنه لا يكون موافقة للأمر فيها: أي في صورة خطأ القطع.

و المقصود أنه لا تكون موافقة للحكم الواقعي، و هو واضح، و لا للأمر الناتج بسبب القطع لفرض أنه أمر تخيلي و توهمي.

____________

(1) الأوّل ناظر إلى قيام الأمارة في الشبهة الحكمية، و الثاني ناظر إلى قيامها في الشبهة الموضوعية، فإذا قامت الأمارة على حرمة الخمر مثلا- عند فرض الشك في حرمته- كان ذلك شبهة حكمية، و أما إذا كنّا نعلم بحرمة الخمر و لكن لم ندر أن هذا السائل خمر أو لا فالشبهة موضوعية.

36

و هكذا الحال في الطرق: أي ما تقدّم كان ناظرا إلى الحالة الأولى، و هي القطع بوجوب الجمعة مثلا، و الكلام نفسه يجري حالة القطع خطأ بكون الشهرة حجة مثلا و السير على طبقها فترة ثمّ انكشاف الخلاف بعد ذلك.

ثمّ إنه كان المناسب وصل هذه الحالة بالحالة السابقة من دون حاجة إلى هذا الفاصل الطويل.

فالإجزاء ليس لأجل ...: هذا تفريع على قوله: (نعم ربما يكون ما قطع بكونه ...).

في بعض موارد الأصول ...: كان المناسب ذكر كلمة الطرق من دون الأمارات أو بالعكس، فإن الجمع بينهما تطويل لا حاجة إليه.

ثمّ إن المقصود من بعض موارد الأصول الإشارة إلى الأصل الجاري في متعلّق الحكم- أي الجزء أو الشرط- دون نفس الحكم، كما أن المقصود من بعض موارد الأمارات الأمارة على متعلّق الحكم بناء على السببية.

في تلك الموارد: لا حاجة إلى ذكره، فإنه تطويل مخل.

بمرتبته: المناسب: بمرتبة. و المقصود مرتبة الإنشاء.

بعناوينها الأوّلية: فالصلاة و الصوم و الحج مثلا عناوين أوّلية، و الوجوب الثابت لها وجوب ثابت للموضوعات بعناوينها الأوّلية.

من المقتضيات: أي من المصالح و المفاسد.

و هو ثابت فيها: أي و ذلك الحكم الانشائي المشترك ثابت في موارد الإجزاء كسائر موارد الأمارات، أي التي لا يقال فيها بالإجزاء.

و إنما المنفي: أي و إنما المنفي في موارد الإجزاء هو الحكم الفعلي التحريكي، أي المحرّك نحو الفعل أو عدمه.

37

و سقوط التكليف بحصول ...: الواو استينافية، أي و من الواضح أن سقوط التكليف الواقعي بالإعادة أو القضاء بسبب حصول تمام مصلحته أو بعضها من دون إمكان استيفاء الباقي هو أمر يغاير التصويب الباطل.

كيف و كان ...: أي و كيف يكون الإجزاء تصويبا و الحال أنه قد أخذ في حجية الأمارة المجزية- و من الطبيعي أو غير المجزية- الجهل بالحكم أو الجهل بالخصوصية مع العلم بحكم الواقعة، و هذا يعني أن هناك حكما للواقعة واقعا.

ثمّ إن ضمير بها راجع إلى الواقعة، و هكذا بقية الضمائر.

ثمّ إنه كان من المناسب إضافة هذا المطلب، و هو: أن القول بالإجزاء ليس فقط لا يلازم التصويب بل هو يلازم عدم التصويب، لأن الإجزاء يستبطن افتراض وجود حكم في الواقع يشك في الإجزاء عنه و عدمه، و مع عدم وجود الحكم لا معنى لفرض الإجزاء و عدمه.

بمرتبته: المناسب: بمرتبة. و هي مرتبة الإنشاء.

خلاصة البحث:

ينبغي أن يكون عدم الإجزاء واضحا في حالتين: حالة القطع خطأ بوجود الأمر و حالة القطع خطأ بحجية شي‏ء، إذ لا أمر فيهما إلّا بنحو التوهم.

و الإجزاء لا يلازم التصويب الباطل لانحفاظ الحكم الانشائي في مورد خطأ الأمارة سواء قيل بالإجزاء أم لا.

بل إن افتراض الأمارة المجزية يعني وجود حكم في الواقع قد شك فيه، إذ قد أخذ في موضوع حجية الأمارة الشك في الحكم أو الشك في الخصوصية مع العلم بالحكم.

38

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

تذنيبان:

الأوّل: لا ينبغي توهم الإجزاء في حالتين: حالة القطع خطأ بالأمر، و حالة القطع خطأ بحجية شي‏ء، فإنه لا موافقة للأمر فيهما، و يبقى الأمر الواقعي بلا موافقة أصلا، و هو أوضح من أن يخفى.

نعم ربما يكون ما قطع بكونه مأمورا مشتملا على المصلحة في هذا الحال أو على مقدار منها- و لو في غير هذا الحال- من دون إمكان استيفاء الباقي، و في مثله لا يبقى مجال لامتثال الأمر الواقعي و يتعين الإجزاء لذلك و ليس لاقتضاء القطع بالأمر أو بالطريق له، و لعلّ من ذلك الاخفات بدل الجهر و بالعكس، و الاتمام بدل القصر.

الثاني: إن الإجزاء لا يوجب التصويب الباطل، فإن الحكم بمرتبة الإنشاء محفوظ في مورده كما هو محفوظ بناء على عدمه، و إنما المنفي هو الحكم الفعلي بسبب خطأ الأمارة أو الأصل، و النفي المذكور ثابت حتّى على القول بعدم الإجزاء، و لا فرق بين الإجزاء و عدمه إلّا في سقوط التكليف الواقعي بموافقة الأمر الظاهري و عدم سقوطه، و واضح أن سقوط التكليف يغاير التصويب المجمع على بطلانه، و هو خلو الواقع عن الحكم غير ما أدت إليه الأمارة.

كيف و الجهل بالواقعة بخصوصيتها أو بحكمها مأخوذ في موضوع حجية الأمارة.

***

39

الفصل الرابع: مقدمة الواجب‏

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

قوله (قدّس سرّه):

«فصل في مقدمة الواجب ...، إلى قوله: ثمّ لا يخفى أنه ينبغي خروج الإجزاء ...».

(1)

منهجة البحث:

هذا هو المبحث المعروف بمبحث مقدمة الواجب. (2) و قبل الدخول في صميم البحث لا بدّ من تقديم أمور:

الأمر الأوّل: بيان نقطتين:

و هذا الأمر يشتمل على نقطتين:

1- هل البحث المذكور بحث عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته أو أنه بحث عن وجوب مقدمة الواجب؟

و بكلمة أخرى: هل المناسب صياغة البحث هكذا: هل توجد ملازمة عقلا بين الوجوبين، أو يصاغ هكذا: هل مقدمة الواجب واجبة شرعا؟

المناسب هو الأوّل، لأن البحث سوف يصير أصوليا بناء عليه، إذ المسألة إنما تصير أصولية فيما إذا استنبط منها حكم شرعي، فلو كان‏

____________

(1) الدرس 92: (21/ ربيع الأوّل/ 1425 ه).

(2) عنون الشيخ الآخوند مبحث الإجزاء بعنوان الفصل الثالث، فراجع و لاحظ، بينما حينما وصل إلى هذه المسألة لم يذكرها بعنوان الفصل الرابع، و المناسب إما اعطاء رقم للفصل هنا أيضا و لبقية المسائل الآتية أو عدم اعطاء رقم لجميع المسائل بما في ذلك مسألة الإجزاء.

42

البحث عن الملازمة عقلا كان بحثا أصوليا لأنه سوف يستنبط منه وجوب المقدمة، أما إذا كان البحث عن نفس وجوب المقدم كان بحثا فقهيا أو بالأحرى فرعيا، لأن البحث متى ما كان عن نفس الحكم الشرعي فهو فقهي، و معه يلزم أن نجعل البحث عن الملازمة ليصير أصوليا و إلّا فلو جعلناه عن نفس وجوب المقدمة صار بحثا فقهيا، و صار ذكره في الأصول استطراديا، و واضح أنه متى ما أمكن جعل البحث المذكور في علم الأصول بحثا أصوليا لا استطراديا فيلزم ذلك، إذ الاستطراد لا معنى له بعد إمكان عدمه.

2- هل البحث في مسألتنا عقلي أو هو لفظي؟ يظهر من صاحب المعالم أنه لفظي، لأنه استدل على عدم وجوب المقدمة بانتفاء الدلالات الثلاث، فقال: إن المولى لو قال: اشتر اللحم مثلا فهو لا يدل على وجوب الذهاب إلى السوق بالدلالة المطابقية و لا الالتزامية و لا التضمنية، (1) و واضح أن الدلالات الثلاث المذكورة هي أقسام للدلالة اللفظية، فاستدلاله بانتفاء الدلالات الثلاث يدل على أن البحث عنده لفظي، هذا مضافا إلى أنه قد ذكر مسألتنا هذه في مباحث الألفاظ و لم يذكرها في المباحث العقلية. (2)

هذا بالنسبة إلى صاحب المعالم.

____________

(1) معالم الدين: 61.

(2) و إذا اشكل على الشيخ الآخوند بأنك أنت أيضا ذكرت مسألتنا في المباحث اللفظية فربما يجيب بأني اعتقد أنها عقلية و لكن ذكرتها في المباحث اللفظية جريا مع القوم.

و لكن يمكن أن يكون صاحب المعالم قد صنع ذلك لذلك أيضا.

43

و المناسب جعل البحث عقليا ناظرا إلى ثبوت الملازمة و عدمه، فيقال: هل هناك ملازمة عقلا و واقعا بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته أو لا؟ فإذا كانت الملازمة ثابتة واقعا تصل النوبة آنذاك إلى عالم الإثبات و الدلالة، و يقال: هل اللفظ الدال على وجوب ذي المقدمة يدل على الملازمة و وجوب المقدمة أو لا؟ أما إذا أنكرنا ثبوت الملازمة واقعا فلا تصل النوبة إلى عالم الإثبات، فإن الكشف عن شي‏ء فرع ثبوت ذلك الشي‏ء واقعا.

و الخلاصة: إن البحث في مسألتنا ينبغي أن يكون عن الملازمة لا عن نفس وجوب المقدمة، كما أنه ينبغي أن يكون عقليا لا لفظيا.

الأمر الثاني: تقسيمات المقدمة:

يمكن تقسيم المقدمة إلى عدة تقسيمات نذكرها كما يلي:

التقسيم الأوّل: تنقسم المقدمة باعتبار إلى داخلية و خارجية.

و المقصود من الداخلية الأجزاء التي تتكون منها ماهية الشي‏ء، فالركوع و السجود و ما شاكلهما هي أجزاء للصلاة و مقدمات داخلية لها.

و المقصود من الخارجية الشرائط و ما شاكلها مما يكون خارجا عن ماهية الشي‏ء و لكن يتوقف حصوله عليها، كطهارة الساتر و نحوها، فإنها ليست جزء مقوّما للصلاة الواجبة و لكن في نفس الوقت هي لا تحصل إلّا بها.

و هناك إشكال في أصل انطباق المقدمية على الأجزاء، أي هي لا يمكن أن تكون مقدمة في نفسها، لأن مقدمية شي‏ء لشي‏ء فرع الاثنينية بينهما و كون أحدهما أسبق من الآخر، و من الواضح أنه لا اثنينية بين الصلاة من جانب مثلا و بين الركوع و السجود من جانب آخر، فالركوع و السجود هما عين الصلاة و ليسا شيئا غيرها ليصلح أن يكونا مقدمة لها.

44

و الجواب: صحيح أن المقدمية تستدعي الاثنينية، و لكن نقول: إن الاثنينية لا يلزم أن تكون حقيقية بل يكفي أن تكون اعتبارية، و هي متحققة، فإن الركوع إذا لاحظناه بشرط الاجتماع مع بقية الأجزاء كان هو الكل المركب، أي كان عين الصلاة، و أما إذا لاحظناه لا بشرط الاجتماع كان جزء.

و على هذا فحينما نقول: إن الركوع جزء و مقدمة فلا بدّ من ملاحظته لا بشرط الاجتماع، و حينما نقول: إن الصلاة كل و ذو المقدمة فلا بدّ من ملاحظتها بشرط اجتماع الركوع مع غيره.

إن قلت: إنه قد تقدّم في مبحث المشتق أن كل شي‏ء من الأشياء هو مركب من جزءين في عالم الذهن و من جزءين في عالم الخارج، فالإنسان مثلا مركب من جزءين في عالم الذهن هما الجنس و الفصل، أي الحيوان و الناطق، و هو مركب أيضا من جزءين في عالم الخارج هما المادة- الهيولى- و الصورة، أي البدن و الصورة، فالإنسان له خارجا بدن و جسم كبقية الأشياء، و له أيضا صورة الإنسانية التي بها يختلف عن الفرس مثلا الذي له صورة الفرسية.

و ذكر هناك أيضا أن الفارق بين الأجزاء الذهنية و الأجزاء الخارجية أن الأولى مأخوذة بنحو اللابشرط، أي لا بشرط الإباء عن الحمل، فيصح أن نقول: الإنسان حيوان أو ناطق، بينما الثانية مأخوذة بنحو بشرط لا، أي بشرط الإباء عن الحمل، و لذا لا يصح أن تقول:

الإنسان بدن، فإن البدن جزء الإنسان، و ليس هو نفسه.

إذن الأجزاء الخارجية هي مأخوذة بنحو بشرط لا، و ما دام الأمر كذلك فالإشكال الوارد يكون واضحا، إذ كيف قلت في مقامنا: إن‏

45

الركوع إنما يصير جزء لو لوحظ بنحو لا بشرط بينما في مبحث المشتق قلت: إن الجزء الخارجي يكون مأخوذا بنحو بشرط لا، أو ليس هذا تهافتا واضحا؟، و لا بدّ أن يكونا معا ملحوظين بنحو لا بشرط أو يكونا معا ملحوظين بنحو بشرط لا.

قلت: الفرق واضح، فإن اللابشرط الذي ذكر في الركوع ذكر بمعنى لا بشرط الاجتماع مع غيره في مقام التفرقة بين الجزء و الكل، و أما بشرط لا الذي ذكر في الجزء الخارجي فالمقصود منه هو بشرط الإباء عن الحمل، أي بشرط عدم الحمل للتفرقة بينه و بين الجزء الذهني، و معه فلا تهافت، لأن كل واحد من التعبيرين قد لوحظت فيه زاوية معينة.

توضيح المتن:

كي تكون فرعية: أي فقهية، فإن الفقهي و الفرعي هما بمعنى واحد.

لوضوح أن البحث كذلك: أي بنحو يصير البحث فرعيا.

ثمّ الظاهر أيضا ...: هذا إشارة إلى النقطة الثانية، و ما سبق كان ناظرا إلى النقطة الأولى.

ضرورة أنه إذا ...: هذا تعليل لقوله: (ثمّ الظاهر أيضا ...).

و الدلالة عليها: أي الدلالة على الملازمة، فإن دلالة اللفظ على الملازمة فرع ثبوت الملازمة واقعا.

مما لا يكاد يوجد بدونه: أي إن المقدمة الخارجية هي الأمور الخارجية التي لا يكاد يوجد المأمور به بدونها، و إنما عبّر بدونه إرجاعا للضمير إلى ما الموصول التي هي عبارة عن الأمور الخارجية.

مقدمة له و سابقة عليه: أي مقدمة للواجب أو مقدمة للمركب.

46

بأسرها: حذف كلمة بأسرها أولى، فإنها موهمة، و المقصود أن الأجزاء بأجمعها من دون ملاحظة شرط الاجتماع هي أجزاء.

و كون الأجزاء الخارجية ...: هذا ما أشرنا إليه بلسان إن قلت قلت.

لا ينافي ذلك: أي لا ينافي ما قلنا من أخذ الجزء كالركوع بنحو لا بشرط.

لا بالإضافة إلى المركب: أي لا بالإضافة إلى الفرق بين الجزء و المركب.

فافهم: لعلّه إشارة إلى ردّ ما أفاده من أن الكلية تحصل عند كون اللحاظ على نحو بشرط شي‏ء.

و وجه الردّ: أن الكلية لا تحصل بمجرد اللحاظ المذكور ما لم توجد وحدة جامعة.

خلاصة البحث:

البحث في مقدمة الواجب ينبغي أن يكون عن الملازمة لا عن الوجوب و إلّا كان فقهيا لا أصوليا.

و البحث أيضا يلزم أن يكون عن الملازمة ثبوتا لا عن الدلالة عليها إثباتا.

و قسّمت المقدمة إلى داخلية و خارجية، و اشكل على الأولى بأنه لا اثنينية فيها، و اجيب بأن المغايرة الاعتبارية كافية.

و اشكل بأن ملاحظة الجزء بنحو لا بشرط ينافي ما ذكر في الأجزاء الخارجية من أنها ملحوظة بنحو بشرط لا.

و اجيب بوجود الاختلاف من ناحية الملحوظ.

47

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الفصل الرابع: مقدمة الواجب:

و قبل الخوض في المقصود ينبغي رسم أمور:

الأوّل: المناسب أن يكون المبحوث عنه هو الملازمة دون وجوب المقدمة- كما توهمه بعض العناوين- لتكون أصولية لا فقهية، فإن البحث الفقهي لا يناسب الأصول إلّا بنحو الاستطراد الذي لا وجه له بعد إمكان عدمه.

و المناسب أيضا أن يكون البحث عقليا- أي في استقلال العقل بالملازمة- لا لفظيا، كما يظهر من صاحب المعالم- حيث استدل على النفي بالدلالات الثلاث، مضافا إلى أنه ذكرها في مباحث الألفاظ- فإن الملازمة ثبوتا إذا كانت محل إشكال فلا مجال للنزاع في الدلالة عليها إثباتا بإحدى الدلالات الثلاث.

الثاني: قد تقسّم المقدمة إلى تقسيمات:

التقسيم الأوّل: المقدمة إما داخلية أو خارجية.

و الأولى هي الأجزاء التي تتقوّم بها الماهية.

و الثانية هي الأمور الخارجة عن الماهية و لكنه لا توجد بدونها.

و قد يشكل على الأولى بأن الأجزاء كيف تكون مقدمة للمركب و سابقة عليه و الحال هو نفس الأجزاء بمجموعها.

و الجواب: إن المقدمة هي الأجزاء لا بشرط، و ذو المقدمة هو الأجزاء بشرط الاجتماع، و بذلك تحصل المغايرة.

و أما كون الأجزاء الخارجية- كالهيولى و الصورة- مأخوذة

48

بشرط لا فهو لا ينافي ما ذكر، لأن ذلك في مقام التفرقة بين الأجزاء الخارجية و الأجزاء التحليلية، فالماهية إذا أخذت بشرط لا كانت هيولى أو صورة، و إذا أخذت لا بشرط كانت جنسا أو فصلا و ليس في مقام التفرقة بين الجزء و المركب، فافهم.

***

49

قوله (قدّس سرّه):

«ثمّ لا يخفى أنه ينبغي ...، إلى قوله: و منها».

(1)

هل الأجزاء تتصف بالوجوب الغيري؟

عرفنا فيما سبق أن الأجزاء يمكن أن تتصف بالمقدمية لكفاية المغايرة الاعتبارية في تحقق الاثنينية المطلوبة في باب المقدمة، و لكن نستدرك هنا و نقول: إن الأجزاء رغم اتصافها بالمقدمية لا يمكن أن تتصف بالوجوب الغيري، لأنها عين الكل ذاتا و حقيقة، فالصلاة في ذاتها هي عين الركوع و السجود مثلا، و لازم هذا أن يكون الوجوب النفسي المنصبّ على الصلاة منصبّا على الركوع و السجود، إذ لو لم ينصبّ عليهما فعلى أي شي‏ء ينصبّ؟ إنه يتعيّن أن يكون الوجوب النفسي المنصبّ على الصلاة منصبّا عليهما، غايته يمكن أن نصطلح عليه بالوجوب النفسي الضمني أو الانحلالي، و إذا كان الوجوب النفسي الضمني ثابتا للركوع و السجود فكيف يتصفان بالوجوب الغيري؟ إنه غير ممكن و إلّا يلزم اجتماع المثلين في شي‏ء واحد، و هو مستحيل كما هو واضح. (2)

____________

(1) الدرس 93: (22/ ربيع الأوّل/ 1425 ه).

(2) يمكن أن يشكل بأن استحالة اجتماع المثلين تختص بمورد الأمور التكوينية، و أما الأمور الاعتبارية فلا محذور في اجتماع المثلين فيها، فإن الاعتبار يمكن أن يجتمع مع اعتبار آخر بل مع ألف اعتبار.

50

إن قلت: إن العنوان إذا كان متعددا فأي محذور في الاتصاف بالوجوبين، كما هو الحال في اجتماع الأمر و النهي في الصلاة في المغصوب، فإن هناك رأيا يقول بجواز ذلك، باعتبار أن الأمر يتعلق بعنوان الصلاة و النهي بعنوان الغصب، و إذا قبلنا مثل هذا هناك فيلزم أن نقبل نظيره في مقامنا، فالركوع مثلا يتعلق به الوجوب الغيري بعنوان المقدمية، و الوجوب النفسي يتعلق به بعنوان كونه في ضمن الكل.

قلت: إن تعدد العنوان لا يكفي في مقامنا، لأن عنوان المقدمية ليس هو في واقعة مقدمة ليتعلق به الوجوب الغيري، فإنه إنما يتعلق بما يتوقف عليه الواجب واقعا، و من الواضح أن عنوان المقدمة لا يتوقف عليه تحقق الواجب واقعا و إنما يتوقف على واقع المقدمة الذي يمكن أن نعبّر عنه بالمقدمة بالحمل الشائع. نعم عنوان المقدمية علة لترشح الوجوب الغيري على واقع المقدمة لا أنه مصبّ الوجوب الغيري.

و بناء على هذا لا يوجد لدينا عنوانان صالحان لتعلّق الوجوبين حتّى يرتفع بذلك محذور اجتماع المثلين، بل اللازم ثبوت أحد الوجوبين، أعني الوجوب النفسي، باعتبار أنه هو السابق، إذ الوجوب‏

____________

إن قلت: هذا وجيه إذا لاحظنا الوجوب كاعتبار، أما إذا لاحظنا المصلحة النابع عنها الوجوب فالإشكال باق لأن المصلحة أمر تكويني حقيقي.

قلت: هذا وجيه و لكن مصلحة الوجوب الغيري ليست مغايرة لمصلحة الوجوب النفسي، بل مصلحته هي التوصل إلى مصلحة الوجوب النفسي و ليست مصلحة أخرى في مقابلها.

و نتمكن أن نقول: إن هذا المورد هو من أحد موارد تسرّب الفلسفة إلى علم الأصول، و هو تسرب مرفوض و غير مقبول كما لاحظنا.

51

الغيري لمّا كان مترشحا من الوجوب النفسي فالوجوب النفسي هو السابق.

أجل يمكن أن يقال: إن الجزء يشتمل على ملاك الوجوبين- و إن لم يكن متصفا بالفعل إلّا بالوجوب النفسي لسبقه- فإن ملاك الوجوب الغيري حيث إنه المقدمية، و هي صادقة على الجزء فيكون ملاك الوجوب الغيري ثابتا فيه. (1)

ثمّ إن هذا كله في المقدمة الداخلية.

و أما الخارجية فذكر لها أقسام، من قبيل المقتضي و الشرط و عدم المانع و المعدّ، و قد وقع الكلام في كيفية تحديدها بالنقض و الابرام إلّا أن بيان ذلك غير مهم و تطويل بلا داع.

***

قوله (قدّس سرّه):

«و منها تقسيمها إلى العقلية ...، إلى قوله: و منها».

المقدمة العقلية و الشرعية و العادية:

التقسيم الثاني: قسمت المقدمة باعتبار آخر إلى العقلية و الشرعية و العادية.

و المراد من العقلية تلك المقدمة التي يتوقف عليها ذو المقدمة

____________

(1) يمكن أن يقال: إن ملاك الوجوب الغيري هو المقدمية التي تكون فيها اثنينية بنحو الحقيقة دون الاعتبار، و حيث إن الاثنينية في باب الأجزاء هي اعتبارية فلا تكفي في ملاك الوجوب الغيري. و هذا ما أشار إليه نفس الشيخ الآخوند (قدّس سرّه) في حاشية له على المقام.

52

توقفا عقليا بحيث يستحيل وجوده من دونها، كما هو الحال في العلة بالنسبة إلى المعلول، فإنه يستحيل عقلا وجود الاحراق من دون النار.

و المراد من المقدمة الشرعية تلك المقدمة التي يتوقف عليها وجود ذي المقدمة توقفا شرعيا لا عقليا كتوقف الصلاة على الوضوء.

و يمكن أن يشكل و يقال برجوع المقدمة الشرعية إلى المقدمة العقلية، باعتبار أن الوضوء إنما صار مقدمة للصلاة من جهة أن الشارع جعل الوجوب منصبا على الصلاة المقيّدة بالوضوء و ليس على ذات الصلاة، أي أخذ الوضوء قيدا في متعلّق الوجوب و جعله منصبّا على المقيّد، و من الواضح أن توقف المقيّد على تحقق القيد توقّف عقلي و ليس شرعيا، فالواجب بعد ما كان هو المقيّد فتوقفه على تحقق القيد يكون عقليا لا شرعيا.

هذا كله بالنسبة إلى المقدمة العقلية و الشرعية.

و أما المقدمة العادية ففي المقصود منها احتمالان:

فيحتمل أن يراد منها تلك المقدمة التي لا يتوقف عليها ذو المقدمة توقفا عقليا و حقيقيا و إنما يكون توقفا بحسب العادة لا أكثر، كتوقّف خروج الإنسان من داره على لبس حذاءه، فإن العادة قد جرت على لبس الحذاء قبلا و إلّا فلا توقّف حقيقي على ذلك.

و لكن تسمية مثل هذه بالمقدمة ليس صحيحا، إذ لا توقّف حقيقة، و لا ينبغي توهم دخول مثلها في النزاع في مسألة الوجوب الغيري.

و يحتمل أن يراد منها تلك المقدمة التي يكون توقّف ذي المقدمة عليها توقفا حقيقيا و لكنه ليس عقليا، كتوقّف الكون في السطح على ارتقاء السلم، فإن الطيران و الكون على السطح بلا سلّم و إن كان أمرا