كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج3

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
645 /
3

[الخطبة الكتاب‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و أفضل بريّته محمّد و على أهل بيته الطيبين الطاهرين.

حمدا لك اللهم على ما أوليتني من توفيق لتأليف الجزء الثالث من كتابنا كفاية الأصول في أسلوبها الثاني و ابرازه إلى عالم النور.

ربّ فأتمم نعمتك عليّ بقبوله و اجعله خالصا لوجهك الكريم و اجعله موردا لاستفادة إخوتي و أعزتي طلبة الحوزة العلمية.

و كلّي أمل من كل من استفاد منه حرفا التفضّل عليّ و على والديّ بالاستغفار، إنه سميع الدعاء، جواد كريم.

باقر الإيرواني‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

قوله (قدّس سرّه):

«و بالجملة كان قبل ذلك متمكنا ...، إلى قوله:

فإن قلت: كيف يقع مثل الخروج ...».

(1)

[تتمة مبحث النواهي في المقصد الثاني‏]

[تتمة البحث في الفصل الثاني (مبحث اجتماع الامر و النهى)]

[تتمة البحث في التنبيه الاول‏]

الجواب عن الوجه الثاني: [أي لا يمكن أن يكون الخروج محرما قبل الدخول‏]

و أجاب عن الوجه الثاني بأن الكلام تارة يقع في إثبات أن فعل الخروج أمر ممكن قبل الدخول، و أخرى في إثبات أن ترك الخروج أمر ممكن.

أما بالنسبة إلى إثبات أن فعل الخروج أمر مقدور و ممكن قبل الدخول فباعتبار أن الشخص ما دام قادرا على الدخول فيكون قادرا على الخروج أيضا، غايته الدخول يكون مقدورا بالمباشرة، بينما الخروج يكون مقدورا بواسطة الدخول، و هذا كما هو الحال بالنسبة إلى البقاء، فإنه قبل الدخول يكون مقدورا و منهيا عنه رغم أنه متفرع على الدخول، و إذا لم تضر فرعيته على الدخول في كونه مقدورا كذلك يلزم أن لا تضر فرعية الخروج على الدخول في كون الخروج مقدورا.

إذن قبل الدخول يكون الخروج مقدورا و منهيا عنه.

و قد تسأل: إذا كان الخروج منهيا عنه لفرض تحقق القدرة عليه، و المفروض أن البقاء منهي عنه أيضا فما ذا يفعل المكلف؟ هل يخرج أو يبقى، و المفروض أن كلا منهما محرم؟

____________

(1) الدرس 172: (9/ ربيع الأوّل/ 1426 ه).

6

و الجواب: إن العقل يحكم عليه بالخروج و يرشده إلى ذلك لأنه أهون المحذورين. (1)

عبارة زائدة أو في غير موقعها المناسب:

ثمّ جاءت في بعض نسخ الكفاية عبارة قيل إنها غير موجودة في طبع بغداد، (2) و لعلّ ذلك هو المناسب، لأن ما اشتملت عليه من مطلب هو شي‏ء واضح و لا حاجة إلى ذكره و تكراره، مضافا إلى أن الموقع المناسب للعبارة المذكورة ليس هو هنا، بل من المناسب ذكرها قبل الشروع في مناقشة الوجه الثاني، فإنها ترتبط بالوجه الأوّل.

و حاصل مضمون العبارة المذكورة أن شرب الخمر لأجل العلاج إنما يكون حسنا و مطلوبا فيما إذا لم يضطر الشخص إليه بسوء الاختيار و إلّا بقي على الحرمة و إن كان العقل يلزم بارتكابه من باب كونه أخف المحذورين.

و هذا المضمون- كما ترى- لا يرتبط بالوجه الثاني بل بالوجه الأوّل أو بالأحرى يرتبط بالجواب عن الوجه الأوّل، حيث ذكر في الوجه الأوّل أن الخروج بما أنه ينطبق عليه عنوان التخلّص فهو واجب دائما، و أجاب عنه بأن انطباق عنوان التخلّص عليه إنما يصيّره واجبا فيما إذا لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار.

____________

(1) العبارة في هذا الموضع توحي بأن الحرمة باقية، أي هي بنفسها باقية، و ليس الباقي مجرد المبغوضية، و من الواضح أن هذا يتنافى و ما تقدم منه سابقا من أن الخروج منهي عنه بنهي سابق هو ساقط بعد الدخول.

(2) و هي طبعة معتمدة لقلة أخطائها، و قد قيل: إنها كانت في زمن المصنف، و بهذا الاعتبار كانت معتمدة و قليلة الأخطاء.

7

و آنذاك يأتي الموقع المناسب للعبارة المتقدمة فيقال: إن الأمر هو كذلك بالنسبة إلى شرب الخمر للعلاج، فإنه يتصف بالوجوب فيما إذا لم يضطر إليه الشخص بسوء اختياره.

عود إلى الموضوع:

ذكرنا فيما سبق أن الجواب عن الوجه الثاني يقع تارة في إثبات إمكان فعل الخروج قبل الدخول، و أخرى في إثبات إمكان ترك الخروج. و الحديث السابق كان مرتبطا بإثبات إمكان فعل الخروج.

و أما أن ترك الخروج ممكن فذلك لبيانين:

1- إن الخروج يمكن تركه بترك الدخول، فالقادر على ترك الدخول قادر على ترك الخروج و يصدق على الشخص بتركه للدخول أنه تارك للخروج بالفعل، و هذا مطلب سيال يجري في جميع الأفعال التسبيبية، فإن الإنسان يقدر عليها بسبب القدرة على أسبابها، فمثلا الزوجية ليست مقدورة للإنسان بالمباشرة، و لكن لمّا كان قادرا على سببها- و هو العقد- فيلزم أن يكون قادرا عليها، إذ القدرة على سبب الشي‏ء قدرة على ذلك الشي‏ء نفسه. (1)

____________

(1) من الجدير الالتفات إلى مصطلح الفعل المباشري و الفعل التسبيبي، فإن الفعل تارة يكون مقدورا للإنسان بالمباشرة، كالقيام و القعود و الأكل و الشرب و نحو ذلك، و أخرى يكون مقدورا بالواسطة، كالزوجية مثلا، فإنها ليست مقدورة للإنسان بالمباشرة، و إنما المقدور بالمباشرة هو العقد، و هي مقدورة بواسطة القدرة على العقد، و يصطلح على الأوّل بالفعل المباشري، و على الثاني بالفعل التسبيبي أو التوليدي.

و على هذا الأساس يكون العقد و القيام و القعود و الأكل و الشرب فعلا مباشريّا للإنسان بينما الزوجية تكون فعلا تسبيبيّا و توليديّا له.

و ظاهر عبارة الكتاب أن الخروج فعل تسبيبي، أي أن الدخول سبب، و الخروج مسبب، و الحال أن الأمر ليس كذلك، فالدخول ليس سببا للخروج و إنما هو أشبه بالموضوع.

8

و بكلمة أخرى: إن المكلف يستحق العقاب على الفعل ما دام ذلك الفعل مقدورا له و لو بالواسطة، و لا يلزم أن تكون القدرة حاصلة بالمباشرة، فمن الوجيه عقاب الإنسان على ترك الزواج ما دام الزواج مقدورا له بالواسطة، و لا يتعيّن أن يكون على ترك العقد الذي هو مقدور بالمباشرة.

2- إنه لو سلّمنا أن ترك الخروج ليس مقدورا بالفعل بل هو مقدور بنحو السالبة بانتفاء الموضوع فنقول: إن القدرة على ترك الخروج بهذا النحو كافية في إمكان تعلّق النهي به، فإن صحة تعلّق النهي لا تتوقف على أن يكون الشي‏ء مقدور الترك بنحو السالبة المحصّلة و بنحو الحقيقة، بل يكفي أن تكون ثابتة و لو بهذا النحو، أي يكفي أن يكون الشخص قادرا على ترك الخروج بسبب قدرته على ترك الدخول الذي هو أشبه بالموضوع للخروج.

توضيح المتن:

و بالجملة كان قبل ...: هذا ليس جملة لما سبق، بل هو مطلب مستقل يراد به الردّ على الوجه الثاني الذي ذكره الشيخ الأعظم، و المناسب على هذا الأساس التعبير بكلمة: ثمّ إنه كان ...

و قد قلنا فيما سبق إن المصنف تارة يثبت إمكان فعل الخروج قبل الدخول، و أخرى يثبت إمكان تركه، و المقصود الآن إثبات إمكان الفعل.

و التقدير: كان الشخص قبل الدخول متمكنا من الخروج كما يتمكن من التصرّف بالدخول، غاية الأمر يتمكن على الدخول بلا واسطة، بينما على الخروج يتمكن بواسطة الدخول. و مجرد عدم التمكن من الخروج إلّا بواسطة الدخول لا يخرجه ...

في جميع الأوقات: أي حتّى قبل الدخول.

9

و التقدير: كما لا تكون فرعية البقاء مانعة عن مطلوبيته قبل الدخول و بعده كذلك لا تكون الفرعية مانعة عن تحريم الخروج و إن كان ...

و من هنا ظهر ...: هذه العبارة إلى نهاية قوله: (و أولى بالرعاية من تركه) ليست موجودة في طبع بغداد، و قد قلنا إن المناسب ذكرها قبل قوله: (و بالجملة كان قبل ذلك ...).

و إلّا فهو على ما هو عليه من الحرمة: هذه العبارة تصرّح ببقاء الحرمة، و هو ينافي ما تقدّم منه سابقا من سقوط الحرمة بعد تحقّق المرض أو بعد تحقق الدخول.

لكون الغرض فيه أعظم: جاء في بعض النسخ (لكن) بدل (لكون)، و الأنسب: لكون.

ثمّ إن هذه العبارة متصلة بقوله: و إن كان العقل يحكم بلزومه إرشادا إلى اختيار أقل المحذورين و أخف القبيحين لكون الغرض فيه- أي في الخروج- أعظم، حيث يتخلّص به من الغصب الزائد، بينما لو لم يخرج تكون المخالفة المتحققة أكبر.

فمن ترك الاقتحام ...: في بعض النسخ: و من ترك الاقتحام ...

ثمّ إن هذه العبارة يقصد بها إثبات أن ترك الخروج هو أمر مقدور قبل الدخول، و هو إشارة إلى البيان الأوّل، و المناسب:

ثمّ إن من ...

أي إن من ترك الوقوع في المرض الذي يجعل الإنسان بالخيار بين أمرين: الموت أو تناول الخمر يصدق عليه أنه ترك الوقوع في الموت و ترك شرب الخمر، أنه يصدق عليه ذلك و لو بسبب تركه للمرض الذي لو فعله لوقع في أحدهما جزما.

10

كسائر الأفعال التوليدية: هذا يوحي بكون الخروج من الأفعال التوليدية و أن سببه هو الدخول، لكنه واضح المناقشة، فإن الخروج داخل تحت القدرة بالمباشرة و إن كان شرط ذلك الدخول.

و لو سلّم عدم الصدق ...: هذا إشارة إلى البيان الثاني.

بواسطة تمكنه مما هو من قبيل الموضوع: و هو الدخول، فإنه ليس موضوعا للخروج بل شرط له، و من هنا قال: (مما هو من قبيل الموضوع).

فيوقع نفسه ...: هذا نتيجة لما تقدم، و هو بيان لثبوت القدرة على فعل الخروج.

أو يختار ترك الدخول: هذا نتيجة لما تقدم، و هو بيان لثبوت القدرة على الترك.

و ضمير فيهما يرجع إلى المهلكة و الدار، أي يختار ترك الدخول في الدار و ترك الوقوع في المهلكة.

خلاصة البحث:

أجاب بأن فعل الخروج مقدور، و هكذا تركه مقدور.

أما أن فعل الخروج مقدور فباعتبار القدرة على الدخول، كما هو الحال في البقاء.

و أما أن تركه مقدور فللقدرة على ترك الدخول، فتارك الدخول يصدق عليه بالفعل أنه تارك للخروج، و لو تنزّلنا و سلّمنا عدم الصدق إلّا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع فنقول: يكفي صدق الترك بالنحو المذكور في صحة تعلق النهي.

11

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و من هنا ظهر حال شرب الخمر للعلاج فإنه إنما يكون مطلوبا لو لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار و إلّا كان باقيا على المبغوضية و إن كان العقل يلزم به من باب أنه أخف المحذورين.

ثمّ إن الخروج قبل الدخول مقدور الفعل و الترك معا.

أما أنه يقدر على الفعل فلأن الشخص يمكنه الخروج كما يمكنه الدخول، غايته يتمكن على الدخول بلا واسطة و على الخروج بالواسطة، و مجرد عدم التمكّن إلّا بواسطة لا يخرج الشي‏ء عن كونه مقدورا، كما هو الحال في البقاء فإن تركه مطلوب قبل الدخول رغم أنه مثل الخروج في التفرّع على الدخول، نعم يلزم فعل الخروج عقلا إرشادا إلى أقل المحذورين.

و أما أنه يقدر على الترك فبترك الدخول، و مع التنزّل و تسليم عدم الصدق إلّا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع فنقول تكفي القدرة بالنحو المذكور لصحة توجه النهي.

***

12

قوله (قدّس سرّه):

«فإن قلت: كيف يقع مثل الخروج ...، إلى قوله:

كما لا يجدي في رفع هذه الغائلة ...».

(1)

إشكال و جواب:

عرفنا من خلال ما سبق أن الشيخ الخراساني قد انتهى في حكم الخروج إلى أنه محرّم بالنهي السابق و يستحقّ الشخص عليه العقاب و ليس واجبا.

و قد يطرح على ضوء هذا الإشكال التالي: كيف يكون الخروج محرّما و في نفس الوقت يكون التخلّص من الغصب الزائد أمرا واجبا؟ إن الجمع بين تلك الحرمة و هذا الوجوب أمر غير ممكن، إذ الخروج هو مقدمة للتخلّص من الغصب الزائد فكيف يكون ذو المقدمة- أعني التخلّص- واجبا و المقدمة محرمة؟! إن هذا أمر غير ممكن بعد أن نلتفت إلى أن الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، فكما أن الشخص لو قيّد بالقيود و منع من الخروج فلا يمكن بقاء التخلّص من الغصب على الوجوب كذلك لو كان الخروج محرّما شرعا فإنه لا يمكن بقاء التخلّص على الوجوب.

و هذا الإشكال قد ذكره (قدّس سرّه) بلسان إن قلت. (2)

____________

(1) الدرس 173: (10/ ربيع الأوّل/ 1426 ه).

(2) هذا الإشكال هو من الأساس لم يقم على أصل سليم، فإن الخروج في نظر الشيخ الخراساني ليس محرما، بل أن حرمته ساقطة، فالحرمة كانت ثابتة له قبل الدخول، أما بعد تحقق الدخول فتسقط، هكذا ذكره (قدّس سرّه) فيما سبق، و من الواضح أنه بعد سقوط الحرمة عن الخروج لا محذور في ثبوت الوجوب للتخلّص من الغصب، إن ذلك ممكن و أمر لا محذور فيه حتّى مع فرض بقاء المبغوضية للخروج.

13

و أجاب عنه بجوابين:

1- إن الإشكال المذكور وجيه لو فرض أن العقل لم يلزم من باب الإرشاد بفعل الخروج، أما بعد حكمه بلزوم فعله من باب أنه أخف المحذورين فلا تكون الحرمة الثابتة للخروج منافية لوجوب التخلّص من الغصب، فإنه و إن صار ممتنعا شرعا إلّا أن هذا الامتناع الشرعي ليس بحكم الامتناع العقلي، فإن الممتنع شرعا إنما صار بمثابة الممتنع عقلا باعتبار أن الشرع إذا منع عن شي‏ء فالعقل يدعو إلى امتثال الشرع و يقول: لا تفعل ذلك الشي‏ء و امتثل ما أراده الشرع منك، أما بعد أن فرض أن العقل لا يدعو في مسألتنا إلى ترك الخروج، بل هو على العكس يقول: إن الشرع و إن منعك من الخروج و لكني ارشدك إلى فعله من باب أخف المحذورين، إنه بعد هذا الإرشاد العقلي لا يصير الممتنع شرعا بمثابة الممتنع عقلا، و بالتالي لا يعود محذور في بقاء التخلّص على الوجوب.

و بالجملة: لا محذور في بقاء التخلّص على الوجوب بعد ما فرض حثّ العقل على فعل الخروج و عدم كونه بمثابة الممتنع عقلا.

2- لو تنزّلنا و قلنا: إن التخلّص لا يمكن أن يبقى على الوجوب بعد منع الشرع من الخروج فنقول: غاية ما يلزم سقوط الوجوب عن التخلّص و لكن نقول: إن الساقط هو الوجوب كخطاب، فالخطاب بوجوب التخلّص يسقط، و أما حكم العقل بلزوم التخلّص فهو ثابت و لا معنى لسقوطه، و بعد ثبوت حكم العقل و استقراره يكون- أي حكم العقل- بدلا و عوضا عن حكم الشرع، و بذلك يعود الموقف واحدا من دون طرو تغيير عليه، و إنما يحصل تغيير لو فرض أن العقل تنازل عن حكمه أيضا.

14

أما لما ذا يحكم العقل بلزوم التخلّص و لا يتنازل عن ذلك؟ إنه لوجهين:

أ- قد تنجّزت سابقا- أعني قبل الدخول- حرمة الغصب بكل أساليبه و أشكاله، و لأجل الخروج عن عهدة هذا التكليف الذي تنجّز سابقا يلزم العقل بالخروج، فهو إذن يرشد إلى لزوم الخروج من جهة الخروج عن عهدة التكليف الذي تنجز سابقا.

ب- إن التخلّص من الغصب باق على المحبوبية، فإن الذي سقط هو الخطاب بالوجوب دون المحبوبية- إذ سقوط الخطاب بوجوب التخلّص هو لوجود المانع و ليس لعدم المقتضي، أي سقط لفرض حرمة الدخول و ليس لعدم وجود مصلحة في التخلّص- و مع التسليم ببقاء المحبوبية يلزم تحقيق التخلّص، و ذلك بفعل الخروج.

مناقشة القول بوجوب الخروج مع إجراء حكم المعصية عليه:

عرفنا فيما سبق أن الآراء في حكم الخروج- غير رأي المصنف- أربعة:

1- حرمة الخروج فقط.

2- وجوب الخروج مع إجراء حكم المعصية عليه.

3- وجوب الخروج من دون إجراء حكم المعصية عليه.

4- ثبوت الوجوب و الحرمة معا.

أما الرأي الأوّل فقد اتضح بطلانه، حيث ذكره (قدّس سرّه) أن النهي عن الغصب بالخروج يسقط بعد تحقّق الدخول.

و أما الرأي الثاني- و هو ما ذهب إليه صاحب الفصول- فهو الذي يراد مناقشته الآن.

و لا بدّ في البداية من توجيهه ثمّ بيان مناقشته.

15

أما توجيهه فبأن يقال:

أما أن الخروج واجب فلأجل أنه مقدمة للواجب أو لانطباق عنوان التخلّص عليه.

و أما إجراء حكم المعصية عليه فلفرض وجود النهي السابق الثابت قبل الدخول.

و إما مناقشته فذلك بثلاثة أمور:

1- إن الخروج ليس واجبا من ناحية المقدمية أو انطباق عنوان التخلّص عليه، و ذلك لأنه قد تقدّم الردّ على ذلك.

2- إن الخروج لا يمكن أن يكون واجبا و محرّما بعنوانه الواحد، أي إن لازم إجراء حكم المعصية عليه كونه منهيا عنه، و مع النهي عنه كيف يصير واجبا؟ إن ذلك يعني صيرورة الخروج واجبا و محرما بعنوان واحد.

و كان صاحب الفصول ملتفتا إلى هذا فأجاب بأن زمان ثبوت الحرمة يغاير زمان ثبوت الوجوب، فالحرمة ثابتة سابقا، أعني قبل الدخول، بينما الوجوب يثبت بعدا، أي بعد الدخول، و لا منافاة بين الوجوب و الحرمة بعد اختلاف زمان ثبوتهما بالشكل المذكور.

و يمكن الجواب عن هذا بأن النافع في رفع المنافاة هو اختلاف زمان متعلّق الوجوب و التحريم لا اختلاف زمان ثبوتهما، فصحيح التحريم كان ثابتا قبل الدخول و لكنه تحريم للخروج الذي هو يتحقّق بعد الدخول، فالتحريم و الوجوب ثبتا لشي‏ء واحد، و هو الخروج الذي هو أمر واحد يتحقّق بعد الدخول، و من الواضح أن ثبوت هذين الحكمين لهذا الشي‏ء الواحد أمر غير ممكن.

و لك أن تقول: من الوجيه أن يقول الشخص في يوم السبت لعبده: سافر

16

يوم الأحد، و يقول له يوم السبت أيضا: لا تسافر يوم الاثنين، إن هذا أمر وجيه رغم صدور الحكمين في زمان واحد، و ما ذاك إلّا لاختلاف متعلقهما، و ليس من الوجيه أن يقول الشخص يوم السبت: سافر يوم الاثنين ثمّ يوم الأحد يقول:

لا تسافر يوم الاثنين، إن هذا ليس بوجيه رغم اختلاف زمان ثبوت الحكمين، و ما ذاك إلّا لوحدة متعلّق الحكمين، و حيث إن المتعلّق للحكمين في مقامنا واحد- و هو الخروج المحقّق بعد الدخول- فلا يمكن ثبوت الحكمين له و إن اختلف زمان ثبوتهما.

3- إنه يلزم أن يكون الخروج محبوبا و مبغوضا بعنوان واحد، فهو بعنوانه الواحد يكون محبوبا الآن و مبغوضا الآن، و ذلك مطلب يرفضه القائل بالجواز أيضا فضلا عن القائل بالامتناع، لأن القائل بالجواز إنما يجوّز الاجتماع فيما إذا تعدّد العنوان لا فيما إذا اتحد. (1)

توضيح المتن:

ممنوعا عنه: كلمة (عنه) لا حاجة إليها.

مع بقاء ما يتوقف عليه: أي مع بقاء التخلّص الذي يتوقّف على الخروج على الوجوب، و الحال أن من الواضح سقوط وجوب ذي المقدمة عند حرمة المقدمة.

و لو بسوء الاختيار: هذا راجع إلى المنحصرة، أي المنحصرة بسبب سوء الاختيار.

____________

(1) قد يقال: إن العنوان في المقام متعدد و ليس واحدا.

و الجواب: إنه سيأتي تعليق الشيخ الخراساني على هذا في المحاضرة التالية إن شاء اللّه تعالى. ثمّ إن روح هذا الأمر الثالث مع روح الأمر الثاني يمكن أن يقال هي واحدة و لا اختلاف بينهما و إن كانت عبارة المتن قد توحي بتعددهما.

17

لزومه بحكمه: أي لزوم الخروج بحكم العقل.

كما إذا كانت المقدمة ممتنعة: أي ممتنعة عقلا في حدّ نفسها.

لو سلّم فالساقط ...: أي لو سلّم سقوط وجوب ذي المقدمة فالساقط هو الوجوب كخطاب فعلي دون لزوم الإتيان به عقلا.

خروجا عن: هذا إشارة إلى الوجه الأوّل لتوجيه عدم سقوط حكم العقل.

ضرورة أنه: هذا إشارة إلى الوجه الثاني. و المناسب: مضافا إلى أنه ...

و التقدير: إنه لو لم يأت الشخص بالخروج وقع في محذور أشد، حيث إن التخلّص باق الآن على المحبوبية بلا حدوث قصور فيه و لا طرو فتور عليه.

و الزام العقل ...: الواو استينافية، أي و الزام العقل بالخروج- لأجل الوجهين السابقين- من باب الإرشاد يغني عن حكم الشرع الساقط.

و قد ظهر مما حققناه ...: هذا شروع في الردّ على القول بوجوب الخروج مع إجراء حكم المعصية عليه.

ثمّ إن قوله: و قد ظهر عبارة أخرى عن الأمر الأوّل من الأمور الثلاثة.

نظرا إلى النهي السابق: أي إنما يجري على الخروج حكم المعصية لأجل النهي السابق.

مع ما فيه من لزوم ...: هذا إشارة إلى الأمر الثاني من الأمور الثلاثة.

فعل واحد بعنوان واحد: سيأتي في المحاضرة التالية إن شاء اللّه تعالى الإشارة إلى إمكان تصوير عنوانين للخروج.

و لا ترتفع غائلته: أي مشكلة الاجتماع المذكور.

اختلاف زمانه: أي زمان المتعلّق و لو مع اتحاد زمان ثبوت الحكمين.

18

كيف و لازمه: هذا إشارة إلى الأمر الثالث من الأمور الثلاثة.

و العبارة قد توحي بكونه ردا مغايرا للأمر الثاني. و يمكن جعله مكمّلا للرد الثاني بعبارة أخرى.

مبغوضا و محبوبا كذلك: الصواب: و مبغوضا ... و المقصود من كذلك، أي فعلا.

خلاصة البحث:

قد يشكل بأن الخروج كيف يكون محرّما و التخلّص من الغصب واجبا و نحن نعرف أن الممتنع شرعا كالممتنع عقلا؟

و جوابه: إن هذا وجيه لو لم يحكم العقل بلزوم الخروج و إلّا لم يكن كالممتنع عقلا. هذا مضافا إلى أنه لو سلّمنا بسقوط وجوب التخلّص فالساقط هو الوجوب كخطاب و يبقى حكم العقل بلزوم التخلّص لأجل الخروج عن عهدة ما تنجز سابقا و لأجل أن لا يلزم الوقوع في محذور أشد.

ثمّ إن القول بوجوب الخروج مع إجراء حكم المعصية عليه يرد عليه أمور ثلاثة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

إن قلت: كيف يكون الخروج ممنوعا و التخلّص واجبا، و الحال أن ذا المقدمة لا يمكن أن يبقى على الوجوب بعد امتناع المقدمة شرعا الذي هو بحكم امتناعها عقلا؟

قلت:

أوّلا: إن الممنوع شرعا إنما يكون كالممتنع عقلا إذا لم يحكم‏

19

العقل بلزومه إرشادا إلى أقلّ المحذورين و إلّا فلا محذور في بقاء ذي المقدمة على الوجوب.

و ثانيا: لو سلّم فالساقط هو الخطاب بالوجوب دون لزوم الإتيان به عقلا خروجا عن عهدة ما تنجّز سابقا و لئلا يلزم محذور أشد، فإنه الآن كما سبق في الاتصاف بالملاك بلا حدوث قصور.

ثمّ إنه قد ظهر مما حققناه فساد القول بكون الخروج مأمورا به مع إجراء حكم المعصية عليه- نظرا إلى النهي السابق- مع ما فيه من لزوم اتصاف فعل واحد بعنوان واحد بالوجوب و الحرمة.

و لا يرتفع المحذور باختلاف زمان التحريم و الوجوب كما في الفصول بعد اتحاد زمان الفعل المتعلّق لهما، فإن النافع اختلاف زمانه و لو مع اتحاد زمانهما.

كيف و لازمه وقوع الخروج بعد الدخول عصيانا للنهي السابق و إطاعة للأمر اللاحق بعنوان واحد، و هذا لا يرضى به القائل بالجواز فضلا عن القائل بالامتناع.

***

20

قوله (قدّس سرّه):

«كما لا يجدي في رفع هذه الغائلة ...، إلى قوله:

بقضية أن الشي‏ء ما لم يجب لا يوجد».

(1)

كلام لصاحب الفصول:

ثمّ ان لصاحب الفصول مطلبا ذكره في طيّ كلامه السابق، و حاصله: انه لا يلزم من ثبوت النهي سابقا- أي قبل الدخول- و الأمر الآن اجتماع الأمر و النهي بنحو مستحيل، بل يلزم الاجتماع بنحو مقبول و ممكن، و ذلك باعتبار ان النهي مطلق و الأمر ثابت مشروطا بالدخول.

هكذا ذكر. (2)

و هذا قد يوحي بأن المقصود من إطلاق النهي انه ثابت قبل الدخول و بعده، و هذا بخلاف الأمر فإنه مقيّد بما بعد الدخول.

و إذا كان المقصود هو هذا فالاشكال عليه واضح كما ذكر الشيخ الخراساني، فإن النهي ما دام مطلقا بنحو يشمل حالة ما بعد الدخول فسوف يجتمع هذا النهي مع الوجوب الثابت بعد الدخول و يتحقّق بذلك الاجتماع المستحيل.

و لك أن تقول بعبارة أخرى: إن المقيّد فرد من المطلق و مصداق‏

____________

(1) الدرس 174 و 175: (11 و 14/ ربيع الأوّل/ 1426 ه).

(2) الفصول الغروية: 138/ الفصل الرابع من فصول النهي.

21

له فيلزم بعد تحقّق الدخول اجتماع الوجوب و التحريم في الخروج، و بذلك يعود المحذور. (1)

مناقشة رأي القمي: [حول الخروج واجب و محرم‏]

ذكرنا فيما سبق أن الآراء في الخروج- عدا رأي الشيخ الخراساني- أربعة:

1- هو منهي عنه فقط.

2- هو واجب مع إجراء حكم المعصية عليه، و هو رأي صاحب الفصول.

3- هو واجب من دون إجراء حكم المعصية عليه، و هو رأي الشيخ الأعظم.

4- هو واجب و محرّم، و هو رأي القمي.

أما الأوّل فقد تقدمت مناقشته، حيث ذكرنا أن النهي ساقط بعد تحقّق الدخول و لا يمكن بقاؤه.

و أما الثاني فقد تقدمت مناقشته أيضا.

و أما الثالث فكذلك.

____________

(1) هذا و من المحتمل أن يكون مقصود صاحب الفصول شيئا آخر، و إلّا فما تقدّم واضح الوهن، إنه يحتمل أن يكون مقصوده من كون التحريم مطلقا أنه ليس مشروطا بالدخول بخلاف الوجوب فإنه مشروط به، و القرينة على ذلك أنه ذكر فيما سبق أن النهي يسقط بعد الدخول فكيف الآن يقول هو مطلق و شامل لما بعد الدخول؟ إن من القريب أن يكون قاصدا بيان أن النهي لم يشترط بالدخول بخلاف الوجوب، فإنه مشترط به، و لكنه بالتالي هو يدّعي أن ذلك النهي الذي لم يشترط بالدخول هو ساقط بعد الدخول، و معه فلا إشكال.

22

و قد بقي علينا أن نتحدّث عن الرأي الرابع الذي هو للفاضل القمي. (1) و يمكن مناقشته بثلاثة وجوه:

1- إن الصحيح عندنا امتناع الاجتماع لا جوازه.

2- إن القائل بالجواز إنما يقول به لو كان الموجود الواحد مشتملا على عنوانين يمكن تعلّق الأمر بأحدهما و النهي بالآخر، كما هو الحال في عنوان الصلاة و الغصب، فالأمر يكون متعلقا بعنوان الصلاة و النهي بعنوان الغصب، أما إذا فرض عدم وجود عنوانين يصلحان لذلك فلا يمكن القول بالجواز، و مقامنا هو من هذا القبيل، فإن ما يتصور كونه عنوانا صالحا لذلك هو عنوان التخلّص و عنوان التصرف بدون إذن، أي يقال: إن الخروج من المغصوب حيث إنه ينطبق عليه عنوان التخلّص أو كونه مقدمة للتخلّص فهو واجب، و بما أنه تصرف بدون إذن المالك فهو محرّم، و لكن هذا باطل و مرفوض.

و الوجه في ذلك:

أما بالنسبة إلى عنوان التخلّص فنسأل: ما هو المقصود بالدقة؟ فهل المقصود أن الخروج يتّصف بالوجوب باعتبار أنه مقدمة للتخلّص أو أنه يتّصف بذلك باعتبار أنه بنفسه تخلّص و ينطبق عليه عنوان التخلّص، أي هو بنفسه تخلّص و ليس مقدمة له؟

فإن كان المقصود هو الأوّل فيرده أن عنوان المقدمية حيثية

____________

(1) كان المناسب للشيخ الخراساني استعراض دليل القمي أوّلا ثمّ الأخذ بمناقشته، بينما هو عكس الأمر فأخذ بمناقشته أوّلا ثمّ استعراض دليله، و هذا ليس فنيّا.

23

تعليلية و ليس حيثية تقييدية، (1) أي إن الذي ينصبّ عليه الوجوب الغيري هو واقع المقدمة و ليس عنوان المقدمة، إذ العنوان المذكور ليس مقدمة واقعا و ليس مما يتوقّف عليه الواجب النفسي كي ينصبّ عليه الوجوب الغيري، و إنما المقدمة حقا هو واقع المقدمة، فواقع الخروج و ذاته هو الذي ينصبّ عليه الوجوب دون عنوان كونه مقدمة، نعم عنوان كونه مقدمة هو علة لانصباب الوجوب الغيري على ذات الخروج.

و عليه فننتهي إلى هذه القضية، و هي: أن المتّصف بالوجوب الغيري هو واقع الخروج و ذاته دون عنوان كونه مقدمة.

و إن كان المقصود هو الثاني فيرده أن عنوان التخلّص ليس منطبقا على الخروج، فإن الشخص حينما يتم خروجه من الغصب و يصير في المكان المباح يصدق عليه آنذاك أنه قد تخلّص من الغصب، فعنوان التخلّص يكون صادقا بعد انتهاء الخروج و ينتزع آنذاك و ليس أثناء الخروج، و معه فكيف يحتمل صدق عنوان التخلّص على الخروج؟

هذا كله بالنسبة إلى عنوان التخلّص.

و أما بالنسبة إلى عنوان التصرف بدون إذن المالك فهو أيضا ليس مصبّا للحرمة، فإن واقع الخروج و ذاته هو الذي وقع من دون إذن المالك فيكون هو المحرّم دون عنوان التصرف بدون إذن المالك، نعم العنوان‏

____________

(1) الفارق بين الحيثيتين المذكورتين هو أن الوصف تارة يكون علة للحكم من دون أن يؤخذ في متعلقه، و أخرى يكون مأخوذا في متعلقه، فالمولى تارة يقول:

لا تشرب الخمر لأنه مسكر، و أخرى يقول: لا تشرب المسكر، فحيثية الاسكار في الأوّل تكون حيثية تعليلية، بينما في الثاني تكون حيثية تقييدية.

24

المذكور علة لترشح الوجوب على ذات الخروج من دون أن يكون هو- العنوان المذكور- مصبّا له. (1)

و عليه فالنتيجة من خلال كل هذا: إنه لا يوجد للخروج عنوانان حتّى يكون الوجوب منصبّا على أحدهما و التحريم على الآخر، بل عنوان الخروج و ذاته هو المحرّم و هو الواجب، فمصبّ الوجوب و التحريم شي‏ء واحد، و هو نفس الخروج.

3- إنه لو سلّمنا بالجواز و بوجود عنوانين قد انصب الوجوب على أحدهما و التحريم على الآخر فرغم ذلك لا يمكن ثبوت كلا الحكمين للخروج لنكتة خاصة.

توضيح ذلك: إن القائل بالجواز إنما يحكم بتحقّق كلا الحكمين و ثبوتهما بالفعل فيما إذا كانت توجد مندوحة، أما إذا لم تكن فلا يمكن ثبوتهما معا لأنه يلزم منه التكليف بغير المقدور، فمثلا الصلاة في المغصوب إنما يمكن ثبوت الحرمة و الوجوب لها فيما إذا كان بإمكان المكلّف الخروج من المغصوب و أداء الصلاة في المكان المباح، أما إذا كان الباب عليه مغلقا فلا يمكن أن يقال له: صل و لا تغصب، إنه تكليف بغير المقدور، إذ لا يقدر على فعل الصلاة من دون ارتكاب الغصب.

و إذا رجعنا إلى محل كلامنا لاحظنا أن المندوحة مفقودة في مثال الخروج، فلا يمكن أن يقال للشخص: يحرم عليك التصرف بدون إذن‏

____________

(1) هذا مجرد دعوى، فكما أن من المحتمل تمركز الحرمة على ذات الخروج دون عنوان التصرف بدون إذن المالك كذلك يمكن العكس، أي يمكن أن يدّعى أن مركز الحرمة هو التصرف بدون المالك، و الخروج إنما اتصف بالحرمة باعتبار أنه مصداق للتصرف بدون إذن المالك.

25

المالك و تخلّص من الغصب، إن امتثالهما معا أمر غير ممكن، إذ التخلّص لا يمكن إلّا بالخروج الذي هو تصرف بدون إذن المالك، فإن الخروج عبارة أخرى عن المشي في الأرض المغصوبة الذي هو تصرف بدون إذن المالك.

و عليه فامتثال كلا الحكمين أمر غير ممكن، و ثبوتهما معا يؤدي إلى التكليف بغير المقدور.

و لك أن تقول بعبارة أخرى: إن ثبوت كلا الحكمين معا يحتاج إلى مطلبين:

أ- وجود عنوانين يصلحان لتعلّق الحكمين بهما و إلّا كان ثبوت الحكمين معا تكليفا محالا في حدّ نفسه و ليس تكليفا بالمحال، إذ تعلّق الحكمين بالشي‏ء الواحد من دون تعدّد عنوانه هو أمر محال في حدّ نفسه و ليس تكليفا بالمحال.

ب- ثبوت المندوحة، إذ مجرد تعدد العنوان من دون ثبوت المندوحة يخرج التكليف عن كونه في حدّ نفسه تكليفا محالا و لكنه يلزم آنذاك أن يكون تكليفا بالمحال، أي بغير المقدور.

إذن لأجل أن يزول محذور التكليف المحال يلزم تعدد العنوان، و لأجل أن يزول محذور التكليف بالمحال يلزم وجود المندوحة و لا يكفي تعدد العنوان.

و هذا المطلب نقوله حتّى إذا كان الاضطرار ناشئا عن سوء الاختيار، فالشخص الذي انحصر أمر تخلّصه من الغصب بالخروج لا يمكن أن يقال له:

تخلّص من الغصب و لا تتصرف بغير إذن المالك حتّى لو كان دخوله إلى الغصب ناشئا عن سوء اختياره، فإن الداخل بسوء اختياره يجوز أن يعاقب على‏

26

خروجه، باعتبار أنه اضطر إليه بسوء اختياره، أما أن يوجّه إليه التكليف و ينهى عنه- الخروج- رغم أنه لا يمكنه التخلّص من الغصب إلّا به فهو أمر غير ممكن، و ما ذاك إلّا لأن الغرض من التكليف إحداث الداعي في نفس المكلف إلى الفعل و الترك، و مع كونه لازم الصدور كيف يمكن إحداث الداعي إلى الترك؟ و هكذا لو كان لازم العدم كيف يمكن إحداث الداعي للصدور؟

إن قلت: بناء على هذا كيف تجيب عن العبارة المشهورة التي تقول:

الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار، و الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار؟

أو ليس المقصود أن لزوم الخروج الناشئ من سوء الاختيار- أي من اختيار الدخول- لا يتنافى و كونه أمرا داخلا تحت الاختيار، و بالتالي لا يتنافي مع إمكان تعلّق التكليف به؟

قلت: إن هذه العبارة ذكرت في مقابل الأشاعرة القائلين بأن الإنسان ليس مختارا في أفعاله، فهو في أكله و سيره و سفره و ما شاكل ذلك ليس مختارا بل مجبرا، لأن كل فعل يتحقّق و لا يوجد إلّا إذا تحقّقت علته التامة و وصل بسببها إلى مرحلة الوجوب، و لذلك قيل:

الشي‏ء ما لم يجب لا يوجد، و إذا وصل إلى مرحلة الوجوب فذلك يعني أنه ليس مختارا فيه و إلّا لم يكن واجبا.

هذا إذا وجد الفعل.

و إذا انعدم فيلزم أن يكون قد وصل إلى درجة الامتناع بسبب عدم العلة، و بوصوله إلى درجة الامتناع فذلك يعني انتفاء الاختيار، و من هنا قيل: الشي‏ء ما لم يمتنع لم ينعدم.

إن الأشاعرة هكذا استدلوا على كون الإنسان مجبورا في أفعاله.

و ردّ ذلك بأن الفعل و إن كان لا يوجد إلّا إذا وصل إلى درجة

27

الوجوب بسبب علته إلّا أن العلة لوجود الأفعال حيث إنها نفس اختيار الإنسان فلا يكون وجوب الفعل المنتهى إلى اختيار الإنسان نفسه منافيا لاختياره بل يكون مؤكّدا لذلك.

إن العبارة السابقة جاءت للردّ على الأشاعرة لإثبات أن الإنسان باق بلحاظ أفعاله على الاختيار و أين ذلك من محل كلامنا؟

إنه في محل كلامنا نسلّم أن الخروج أمر اختياري للإنسان لأنه و إن وجب إلّا أن وجوبه ينتهي إلى اختيار الإنسان نفسه، حيث اختار الدخول فيكون في خروجه مختارا أيضا، إن هذا مطلب مسلّم و ليس لنا نقاش فيه، و إنما الذي نناقش فيه هو أن الخروج بعد ما أثبت الشرع له الوجوب و قال: يلزم التخلّص كيف ينهى عنه و يقول: لا يجوز التصرف من دون إذن المالك؟ إنه بالأمر السابق يصير الخروج واجبا بسبب الأمر الشرعي، و ما دام قد صار واجبا كيف ينهى عنه؟

إن الإشكال في المقام ليس ناظرا إلى مسألة الاختيار حتّى يقال: إن الإنسان بعد ما اختار الدخول فيكون في خروجه مختارا أيضا حتّى و إن نشأ دخوله من سوء الاختيار، و إنما الإشكال ناشئ من أن الشي‏ء إذا وجب بسبب الأمر فكيف ينهى عنه، و إذا امتنع بسبب النهي الشرعي عنه كيف يؤمر به؟ إنه أمر غير ممكن حتّى مع فرض كون الإنسان مختارا في أفعاله و حتّى مع فرض أن الاضطرار إلى الخروج حصل بسبب سوء الاختيار.

توضيح المتن:

و على كل حال: تفسير لقوله: (مطلقا).

ففيه مضافا إلى ما عرفت من امتناع الاجتماع فيما إذا كان بعنوانين: هذا إشارة إلى الوجه الأوّل لمناقشة رأي القمي.

28

و سيأتي توجيه الرأي المذكور فيما بعد إن شاء اللّه تعالى، و كان المناسب ذكر التوجيه أوّلا ثمّ المناقشة ثانيا.

فضلا عمّا إذا كان بعنوان واحد: هذا إشارة إلى الوجه الثاني.

حيث كان الخروج بعنوانه: أي إنه بعنوان كونه خروجا هو سبب- أي مقدمة- للتخلّص.

ثمّ إنه توجد مقدمة مطوية حذفها لوضوحها، و هي أن الوجوب الغيري في باب المقدمة ينصبّ على واقعها دون عنوانها.

و كان بغير إذن المالك: أي و كان الخروج بعنوانه أيضا بغير إذن المالك فيصير محرّما بعنوانه، و ليس بعنوان التصرف بغير إذن المالك، فإن عنوان التصرف بغير إذن المالك حيثية تعليلية و ليس حيثية تقييدية.

ثمّ إنه قد تقدمت مناقشة ذلك، حيث قلنا: إن ذات الخروج و إن كان من المحتمل أن يكون هو المحرّم إلّا أن من المحتمل أيضا أن تكون الحرمة منصبّة على التصرف غير المأذون و يكون الخروج متّصفا بذلك من باب أنه مصداق للتصرف غير المأذون لا أنه بذاته محرّم.

ثمّ إنه قد تفسر العبارة بشكل آخر، و ذلك بأن يكون عنوان السببية و المقدمية للتخلّص حيثية تعليلية إلّا أن التصرف بغير إذن المالك يكون حيثية تقييدية، أي هو لا يريد أن يدّعي أن الحيثية في كلا العنوانين تعليلية بل إحداهما تعليلية و الأخرى تقييدية.

هكذا ربما يكون مقصوده.

و لكن إذا كان هذا هو مقصوده فالإشكال عليه واضح، فإن المهم تحصيل عنوانين، و هما حاصلان بناء على هذا، غايته الوجوب يكون‏

29

متعلقا بعنوان الخروج و ذاته، و الحرمة تكون متعلقة بالتصرف غير المأذون، و من هنا يكون التفسير الأوّل أنسب.

و ليس التخلص إلّا ...: أي و إذا أردت أن تقول: إن عنوان المقدمية لا نأخذه في الحساب بل ندّعي أن عنوان التخلّص منطبق على نفس الخروج فجوابه أن عنوان التخلّص يحصل بعد انتهاء الخروج فكيف يكون منطبقا عليه.

و المقصود من ترك الحرام ترك الغصب.

إن الاجتماع هاهنا ...: هذا إشارة إلى الوجه الثالث.

أو ترك كذلك: أي واجب أو ممتنع.

و ما قيل إن ...: المناسب: و ما قيل من أن ...

خلاصة البحث:

ذكر صاحب الفصول في ثنايا كلامه أن الخروج لا يتحقّق فيه محذور اجتماع الأمر و النهي، لأن النهي مطلق، و الأمر مشروط، و لكنه مردود، باعتبار أنه عند تحقّق الشرط يلزم محذور الاجتماع.

و أما رأي القمي فيمكن مناقشته:

تارة بأنه مبني على القول بالجواز.

و أخرى بأنه لا يوجد عنوانان يصلحان لتعلّق الأمر و النهي، إذ الأمر إما أن يتعلق بعنوان المقدمية للتخلّص أو بنفس التخلّص، و كلاهما باطل، أما الأوّل فلأن الأمر لا يتعلّق بعنوان المقدمة بل بواقعها، و أما الثاني فلأن عنوان التخلّص يحصل بعد الفراغ من الخروج فكيف يكون منطبقا عليه؟

هذا في الأمر.

30

و أما النهي فهو متعلّق بواقع الخروج أيضا، إذ واقع الخروج هو قد وقع بلا إذن فيكون منهيا عنه.

و يمكن المناقشة ثالثة بأنه بقطع النظر عن ذلك لا يمكن الحكم بالجواز لعدم المندوحة، فالتكليف يلزم أن يكون بالمحال و إن لم يكن في نفسه محالا لفرض تعدّد العنوان، و العبارة المشهورة المتقدمة ناظرة إلى ردّ الأشاعرة لإثبات أن أفعال الإنسان اختيارية و لا يقصد منها إثبات أن ما تعلّق به الأمر يمكن تعلّق النهي به أو بالعكس.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إنه لا يجدي في رفع محذور الاجتماع كون النهي مطلقا و على كل حال و الأمر مشروطا بالدخول، ضرورة منافاة حرمة الشي‏ء كذلك لوجوبه في بعض الأحوال.

و أما القول بكون الخروج مأمورا به و منهيا عنه ففيه ما عرفت من أن الصحيح امتناع الاجتماع، و مع التنزّل فالعنوان ليس متعددا، إذ الخروج سبب للتخلّص و لا ينطبق عليه لأنه منتزع عند الانتهاء منه، و مع التنزّل فالتكليف و إن لم يكن محالا لكنه بالمحال- لعدم المندوحة- إذ لا يمكن تعلّق التكليف بما هو واجب أو ممتنع و لو كان الوجوب و الامتناع بسوء الاختيار.

و ما قيل من أن الامتناع أو الإيجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار ناظر لردّ الأشاعرة في استدلالهم على عدم اختيارية الأفعال بقضية أن الشي‏ء ما لم يجب لا يوجد.

***

31

قوله (قدّس سرّه):

«فانقدح بذلك ...، إلى قوله: الأمر الثاني».

(1)

مناقشة دليل القمي:

و بعد أن ناقش الشيخ الخراساني مدعى القمي بثلاثة وجوه أخذ الآن في عرض دليله، و كان المناسب فنيّا بيان الدليل أوّلا ثمّ الأخذ بمناقشته، كما هو واضح، و لكن هذه طريقة مألوفة بين القدماء، فهم يناقشون أحيانا المدّعى ثمّ يأخذون ببيان الدليل، و المناسب كما ذكرنا هو العكس.

و حاصل دليل القمي أنه يوجد بلحاظ الخروج حكمان، أحدهما الوجوب و الآخر التحريم، و الوجوب متعلّق بعنوان التخلّص، و التحريم متعلّق بعنوان التصرف بغير إذن المالك، و هذان الحكمان ثابتان في الخروج من دون تقييد، فوجوب التخلّص لم يقيّد بما إذا لم يكن هناك غصب، و تحريم الغصب لم يقيّد بما إذا لم ينطبق عنوان التخلّص.

و الوجه في عدم الحاجة إلى التقييد هو أن المفروض تعلّق أحد الحكمين بغير متعلق الآخر، فلا اتحاد في المتعلّق حتّى يحتاج إلى التقييد.

و قد تقول: صحيح لا يلزم محذور اجتماع الحكمين في مركز واحد و لكن بالتالي يلزم التكليف بغير المقدور، لأن امتثال أحد التكليفين لا يمكن إلّا بعصيان الآخر لفرض عدم وجود المندوحة.

____________

(1) الدرس 176: (15/ ربيع الأوّل/ 1426 ه).

32

و أجاب القمي بأنه لا محذور في التكليف بغير المقدور بعد ما كان ذلك قد نشأ بسوء اختيار المكلف، فلولا أنه يدخل إلى الأرض المغصوبة لم يلزم التكليف بغير المقدور.

و بالجملة: إن المحذور اللازم إما هو التكليف المحال و إما هو التكليف بالمحال، و كلاهما ليس بتام.

أما الأوّل فلفرض تعدّد العنوان، و بعد تعدّده لا يلزم اجتماع الحكمين في شي‏ء واحد كي يكون ذلك أمرا محالا في نفسه.

و أما الثاني فلأن التكليف بغير المقدور بعد ما كان ناشئا من سوء الاختيار لا محذور فيه.

هذا حاصل ما أفاده القمي.

و قد اتضح جوابه من خلال ما سبق، و ذلك بتكرار نفس الوجوه الثلاثة السابقة:

1- إننا لا نقول بجواز اجتماع الأمر و النهي حتّى مع فرض تعدّد العنوان، لأن الأحكام تتعلّق بالمعنون، و هو واحد لا يتعدّد بتعدّد العنوان، و عليه فمحذور التكليف المحال لازم حتّى مع فرض تعدّد العنوان.

2- إنه مع التنزّل نقول: إن العنوان ليس متعدّدا في المقام، لأن عنوان المقدمية أو التخلّص أو التصرف بغير إذن المالك هو حيثية تعليلية و ليس مصبّا للحكم كما تقدّم.

3- إنه مع التنزّل نقول: إنه في المقام يلزم محذور التكليف بغير المقدور لعدم وجود المندوحة، و هو غير ممكن حتّى مع فرض نشوء الاضطرار من سوء الاختيار.

نعم مع فرض الاضطرار بسوء الاختيار يمكن ثبوت العقاب، و أما

33

الخطاب بالتكليف فلا، فالذي القى نفسه من قمة شاهق و صار ما بين السماء و الأرض لا يمكن توجيه التكليف إليه بلسان لا توقع نفسك على الأرض- إذ الغرض من التكليف إحداث الداعي، و في الحالة المذكورة لا يمكن حدوث الداعي إلى عدم الوقوع- و لكن لا محذور في أن يعاقب، و لذا يصح ضربه بالعصا و هو ما بين السماء و الأرض.

و هذا هو معنى العبارة التي تقول: الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقابا و ينافيه خطابا.

حكم الصلاة في المغصوب:

كل ما تقدّم كان ناظرا إلى حكم الخروج، و قد اتضح أن الآراء فيه أربعة، فإذا ضممنا إليها رأي المصنف المركّب من دعاوى ثلاث صارت خمسة.

و أما الصلاة في المغصوب فهل تقع صحيحة؟ نعم تقع صحيحة في حالات أربع:

1- إذا كنّا نبني على جواز الاجتماع، فإن معناه أن متعلّق الوجوب يغاير متعلّق الحرمة، و مع اختلاف المتعلّق يلزم الحكم بالصحة، إذ الصلاة شي‏ء آخر يغاير الغصب فلما ذا تقع فاسدة؟ إن الفساد أمر لا موجب له. (1)

2- إذا كنّا نبني على الامتناع و لكن نفترض أن الاضطرار ناشئ لا من سوء الاختيار- كما لو أن شخصا قيّد بالحديد و القي في المكان المغصوب- فإن الحرمة حيث إنها تزول بواسطة حديث رفع الاضطرار فلا يعود آنذاك مانع من تأثير ملاك الوجوب في تصحيح الصلاة.

____________

(1) هذا و لكن يمكن الحكم بالفساد، بتقريب أن الصلاة و إن كانت تغاير الغصب خارجا إلّا أنهما مقترنان، و هذا الاقتران قد يجعل الصلاة مبغوضة للمولى، و بالتالي لا يمكن التقرّب بها و تقع فاسدة.

34

3- إذا كنّا نبني على الامتناع و كان الاضطرار بسوء الاختيار إلّا أننا نفترض أن الصلاة وقعت أثناء الخروج، مع البناء على أنه واجب بلا إجراء حكم المعصية عليه كما هو رأي الشيخ الأعظم الأنصاري، فإنه يلزم الحكم بالصحة أيضا كما هو واضح، فالشخص يكبّر ثمّ يقرأ أثناء السير ثمّ يأتي بالركوع و السجود إيماء. (1)

4- أن نفترض الاضطرار بسوء الاختيار و الإتيان بالصلاة وسط المغصوب إلّا أنّا نفترض أيضا غلبة ملاك الأمر على ملاك النهي فيلزم في مثل ذلك الحكم بصحة الصلاة، إذ بعد فرض كون المورد من موارد الاجتماع يلزم توفّر كلا الملاكين- لما تقدّم في بعض الأمور السابقة من اشتراط توفّر كلا الملاكين لصيرورة المورد من موارد الاجتماع- و بعد توفّر كلا الملاكين و غلبة ملاك الأمر يلزم الحكم بالصحة.

و لكن هذا وجيه إذا كان الوقت ضيقا. و أما إذا كان وسيعا فيمكن آنذاك الإتيان بالصلاة في المكان المباح من دون أن تكون مقترنة بحزازة الغصب فتكون في مثل ذلك الصلاة في المباح بمثابة الواجب الأهم لخلوها من منقصة الغصب، بينما الصلاة في الغصب بمثابة المهم لاشتمالها على حزازة الغصب، و حيث إنهما ضدان- لأن الذي يحصل به الملاك هو إحداهما دون كلتيهما- فالأمر بالأهم إذا قلنا أنه يقتضي النهي عن المهم فتكون الصلاة في المكان المغصوب منهيا عنها فلا تقع صحيحة رغم توفّر الملاك فيها، و لكن حيث إننا لا نبني على الاقتضاء فيمكن الحكم بالصحة، غايته بسبب الملاك و ليس بسبب‏

____________

(1) هذا يتم إذا كان الوقت ضيّقا، و أما إذا كان وسيعا فلا وجه للإتيان بأجزاء الصلاة مع الإيماء بعد فرض إمكان الإتيان بها بشكلها الطبيعي.

35

الأمر لأن المفروض أن الأمر متعلّق بالأهم، و مع تعلّقه به فلا يتعلّق بالمهم، إذ تعلّقه بالضدين أمر غير ممكن. (1)

توضيح المتن:

و لا موجب للتقييد عقلا: أي تقييد الأمر بالتخلّص بعدم الغصب و تقييد النهي عن الغصب بعدم التخلّص.

مع تعدد الجهة: أي مع تعدّد العنوان.

و ذلك لما عرفت: أي فانقدح بذلك فساد الاستدلال لما عرفت ...

و هذا إشارة إلى الوجه الأوّل.

و إن اجتماع الضدين: عطف تفسير على سابقه.

مع عدم تعدّدها هاهنا: هذا إشارة إلى الوجه الثاني.

و التكليف بما لا يطاق محال على كل حال: أي حتّى مع كون الاضطرار بسوء الاختيار. و هذا إشارة إلى الوجه الثالث.

ثمّ لا يخفى أنه لا إشكال ...: هذا شروع في بيان حكم الصلاة في المغصوب.

و قوله: (مطلقا) يعني سواء أ كان الاضطرار بسوء الاختيار أم لا، و سواء وقعت الصلاة أثناء الخروج أو وسط المغصوب.

على القول بالاجتماع: أي جواز الاجتماع.

أو مع غلبة ملاك الأمر: عطف على قوله: (و لكنها وقعت ...).

و إن كانت مصلحتها غالبة على ما فيها من المفسدة: لأنه قد فرضت غلبة مصلحتها بقوله: (مع غلبة ملاك الأمر ...).

____________

(1) إلّا بنحو الترتّب، و لكن المفروض أنه (قدّس سرّه) لا يبني على إمكان الترتّب.

36

ثمّ إنه كان من المناسب عدم ذكر هذه العبارة لأن مضمونها ليس بمهم في المقام.

لكنك عرفت عدم الاقتضاء: أي في مبحث الضد، حيث قلنا: إن الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن الضد الخاص.

فالصلاة في الغصب اختيارا: قيل: إن كلمة (اختيارا) ليست موجودة في بعض النسخ، و هو الأنسب، لأن الظاهر أن المراد منها سعة الوقت فيكون ذكرها تكرار بلا حاجة إليه.

خلاصة البحث:

استدل القمي على كون الخروج واجبا و محرّما بأنه لا يلزم محذور اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد لفرض تعدّد العنوان، و لا يلزم محذور التكليف بغير المقدور بعد فرض أن الاضطرار ناشئ من سوء الاختيار. و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بالوجوه الثلاثة المتقدمة.

ثمّ ذكر أن الصلاة تقع صحيحة في أربعة موارد: بناء على الجواز، و عند الاضطرار بسوء الاختيار، و عند الخروج بناء على أنه واجب بلا أن يكون معصية، و عند فرض غلبة ملاك الأمر على ملاك النهي.

و لكن هذا الأخير تتم الصحة فيه إذا فرض ضيق الوقت و إلّا فالصحة تحتاج إلى البناء على عدم الاقتضاء.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

قد اتضح بهذا فساد الاستدلال لهذا القول- بأن الأمر بالتخلّص و النهي عن الغصب دليلان يجب إعمالهما و لا موجب للتقيّد عقلا لعدم استحالة كون الخروج واجبا و حراما باعتبارين مختلفين، إذ منشأ الاستحالة إما لزوم اجتماع‏

37

الضدين، و هو غير لازم بعد تعدّد العنوان و إما لزوم التكليف بما لا يطاق، و هو لا محذور فيه إذا كان مسبّبا عن سوء الاختيار- و ذلك لما عرفت من ثبوت الموجب للتقييد عقلا حتّى مع تعدّد العنوان، مع أنه ليس متعدّدا، و التكليف بما لا يطاق محال على كل حال. نعم لو كان بسوء الاختيار لا يسقط العقاب و إن كان التكليف ساقطا.

هذا كله بالنسبة إلى حكم الخروج.

و أما الصلاة فهي صحيحة على القول بالجواز مطلقا، و هكذا على الامتناع مع الاضطرار لا بسوء الاختيار، أو معه إذا وقعت عند الخروج بناء على كونه واجبا بدون إجراء حكم المعصية عليه، أو فرض غلبة ملاك الأمر على النهي مع ضيق الوقت، و أما في السعة فالصحة تتوقف على القول بعدم اقتضاء الأمر للنهي عن الضد، فإن الصلاة في المغصوب ضد لصلاة في غيره بناء على أنه لا يبقى مجال مع إحداهما للأخرى، فإذا كانت الصلاة في غيره أهم لخلوها من منقصة الغصب كانت الصلاة فيه منهيا عنها و فاسدة، و لكن حيث عرفت عدم الاقتضاء فتقع صحيحة و لو لم تكن مأمورا بها.

***

38

قوله (قدّس سرّه):

«الأمر الثاني ...، إلى قوله: و كيف كان فلا بدّ في ترجيح أحد الحكمين ...».

(1)

التنبيه الثاني: عدم التعارض على الامتناع:

حاصل هذا الأمر الثاني أنه لو قلنا بامتناع الاجتماع كما هو مختار المصنف (قدّس سرّه)- أي قلنا: إن الاحكام ليست متعلّقة بالعناوين بل بالمعنونات و قلنا إنها لا تتعدّد بتعدّد العناوين- فقد يقال بتحقّق التعارض بين مثل صل و لا تغصب آنذاك، و بالتالي يلزم تطبيق أحكام باب التعارض التي هي تقديم الأقوى سندا أو دلالة.

أما لما ذا يتحقّق التعارض؟ ذلك باعتبار أن الأحكام إذا كانت متعلقة بالموجود الواحد الذي لا يتعدّد بتعدّد العنوان فيلزم أن يكون الحكم الثابت له واحدا، أي إما الوجوب أو الحرمة، إذ لا يتحمّل الموجود الواحد إلّا حكما واحدا، و بالتالي يلزم تحقّق التعارض بين صل و لا تغصب، لأن الثابت هو أحدهما و لا يمكن أن يكون كليهما.

هكذا قد يتصوّر، بل هذا هو رأي معروف في علم الأصول، و حاصله: إنه بناء على الامتناع يتحقّق تعارض بين صل و لا تغصب و يصير باب الاجتماع مصداقا لباب التعارض، و لا يكون أحد البابين‏

____________

(1) الدرس 177 و 178: (16 و 21/ ربيع الأوّل/ 1426 ه).

39

مغايرا للباب الآخر، بل باب الاجتماع بناء على الامتناع هو مصداق من باب التعارض و تطبّق عليه أحكامه، و هي تقديم الأقوى سندا أو دلالة.

هذا و لكن الشيخ الخراساني ذهب إلى أن مورد الاجتماع بناء على الامتناع لا يدخل في باب التعارض بل في باب التزاحم الملاكي، فإنه (قدّس سرّه) قد ذكر في بعض الأمور السابقة (1) أن المورد لا يكون داخلا في باب اجتماع الأمر و النهي إلّا بعد توفّر ملاك كلا الحكمين، و بعد ثبوت كلا الملاكين يحصل تزاحم بينهما و يلزم تقديم الأقوى منهما حتّى لو كان دليل الآخر أقوى دلالة أو سندا، كما هو الحال في كل مورد يفترض فيه وجود ملاكين متزاحمين، فإنه يلزم تقديم الأقوى منهما.

ثمّ إنه لو عرفنا الأقوى ملاكا و تمّ تشخيصه فلا إشكال، أما إذا علمنا بأن أحد الملاكين أقوى جزما و لكن لم يتم لدينا تشخيص ذلك الأقوى فتحصل في مثل هذه الحالة معارضة بين الحكمين- و يلزم تقديم الأقوى سندا أو دلالة- لأن كلا منهما يقول: أنا الأقوى و يلزم أن يكون الحكم ثابتا على طبقي، فيحصل العلم الإجمالي بكذب أحدهما. و إذا طبّقنا قواعد باب التعارض و قدّمنا الأقوى سندا أو دلالة فسوف نستكشف بالإن‏ (2) أن ملاكه هو الأقوى. (3)

هذا كله لو فرض أن كلا الحكمين كان فعليا.

و أما إذا كان أحدهما فعليا و الآخر اقتضائيا فيلزم الأخذ بالحكم الفعلي كما هو واضح.

____________

(1) و هو الأمر الثامن المذكور (ص 241) من الكفاية.

(2) و هو الانتقال من المعلول إلى العلة.

(3) هذا غريب، فإن قوة السند أو الدلالة ليست معلولة لقوة الملاك حتّى تكشف عنها كشف المعلول عن علته.

40

و أما إذا كان كلا الحكمين اقتضائيا- أي إن الحكم يشتمل على الملاك لا أكثر- فيلزم الرجوع إلى الأصول العملية و الأخذ بما تقتضيه، لفرض عدم وجود حكم فعلي في البين.

و بهذا يتضح أن الحالات في المقام ثلاث:

1- أن يكون كلا الحكمين فعليا. و بناء عليه يلزم تقديم الأقوى ملاكا إذا أمكن تشخيصه و إلّا يحصل تعارض فيقدّم الأقوى سندا أو دلالة و بالإن نفهم أنه أقوى ملاكا.

2- أن يكون أحد الحكمين فعليا فيؤخذ به.

3- أن يكون كلاهما اقتضائيا فيلزم الرجوع إلى الأصول العملية.

إشكال على الأصحاب و دفعه:

هناك إشكال قد يوجّه إلى الفقهاء. و قبل بيانه نتعرّض إلى مقدمة، ثمّ نوضّح الإشكال بعد ذلك، ثمّ نأخذ بدفعه.

أما المقدمة فحاصلها: أنه لو بني على الامتناع فلازم ذلك أن مورد الاجتماع- أعني مثل الصلاة في المغصوب- سوف يكون الثابت فيه إما خصوص صل أو خصوص لا تغصب، و لا يمكن أن يكونا معا ثابتين، و قد اختلفت كلمات الأصوليين في أن أيهما هو المقدّم، و هذا بحث نتعرض إليه في المحاضرة الآتية إن شاء اللّه تعالى.

و لكن معجّلا نقول: إنه لو حكمنا بتقديم جانب النهي و أخرجنا مادة الاجتماع- أعني الصلاة في المغصوب- من خطاب الوجوب، أعني من أمر صل فذلك يعني أننا قد خصّصناه و أخرجنا منه مادة الاجتماع.

و هذا واضح.

41

و السؤال المطروح في المقام هو: إن تخصيص خطاب صل هل يعني خروج مادة الاجتماع منه حكما و ملاكا أو حكما فقط؟ و الصواب هو الثاني، لأننا قد فرضنا من البداية أن مادة الاجتماع تحتوي على كلا الملاكين، فإن ذلك شرط باب الاجتماع على ما تقدّم منه (قدّس سرّه) في الأمر التاسع، و معه فإذا افترضنا وجود ملاك النهي فقط فلازم ذلك خلف الفرض، أي أن لا يكون المورد موردا لباب الاجتماع.

نعم الخروج الحكمي و الملاكي وجيه في موارد التخصيص الأخرى التي لا يحرز فيها وجود كلا الملاكين، كما لو قال المولى: صل و لا تصل في دار السلطان، فإن المجمع- أعني الصلاة في دار السلطان- يكون خارجا من خطاب صل حكما و ملاكا.

و إذا ثبت أن خروج المجمع في مسألتنا هو خروج من الحكم فقط دون الملاك فيترتّب على ذلك أن ملاك حرمة الغصب لو لم يكن مؤثّرا في إثبات الحرمة إما بسبب الجهل أو النسيان أو الاضطرار فيلزم أن تكون مصلحة وجوب الصلاة مؤثّرة في صحتها بل في وجوبها، لأن المفروض أن ملاك الوجوب ثابت في المجمع فإذا لم يؤثّر ملاك الحرمة فيلزم أن يؤثّر ملاك الوجوب.

هذه هي المقدمة التي أردنا بيانها.

و باتضاحها نقول: إنه يوجد إشكال على الفقهاء، و حاصله: أنكم في مسألة الاجتماع تبنون على الامتناع، و في نفس الوقت تقدّمون النهي على الأمر، و لازم ذلك الحكم بفساد الصلاة في المغصوب حتّى مع الجهل أو نسيان الغصبية أو حكمها، لأن المفروض حصول التخصيص، أي خروج الصلاة في الدار المغصوبة من دليل صل، و لازم خروجها منه‏

42

هو الحكم بفسادها حتّى في الموردين المذكورين، و الحال أننا نرى الفقهاء قد حكموا بالصحة فيهما.

هذا هو الإشكال.

و الجواب: إن هذا وجيه في موارد التخصيص التي لا تكون مصداقا لمسألة الاجتماع، كما في مثال صل و لا تصل في دار السلطان، إنه في مثله نسلّم أن المناسب هو الحكم ببطلان الصلاة في دار السلطان حتّى مع الجهل أو النسيان، و هذا بخلافه في مثل المقام الذي يحرز فيه وجود كلا الملاكين، فإنه إذا لم يكن ملاك الحرمة مؤثّرا فيلزم أن يكون ملاك الوجوب مؤثّرا في الصحة.

و لك أن تقول: إن التخصيص في مسألتنا هو نظير التخصيص في مورد تزاحم الملاكين من دون وجود خطابين على طبقهما، كما إذا فرض أن المصلحة كانت تقتضي الذهاب إلى زيارة هذا الشخص لمجيئه من السفر، و كانت هناك مصلحة أخرى تقتضي زيارة شخص آخر لكونه مريضا، و فرض أن الوقت كان مضيّقا و لا يسمح بزيارتهما معا، فإنه في مثله يحكم العقل بتقديم الملاك الأقوى و يخصّص الملاك الأضعف بسبب الملاك الأقوى، و لكن إذا فرض وجود مانع يمنع من تأثير الملاك الأقوى فلا مانع آنذاك من تأثير الملاك الضعيف.

نعم من حقك أن تسأل: عند وجود المانع من تأثير ملاك الأقوى هل صحة الآخر تثبت بسبب الملاك أو بسبب الأمر و الملاك معا؟ إن الجواب عن هذا السؤال يتوقّف على أن نعرف أن المانع عن تأثير ملاك الأقوى هو يمنع بأي شكل؟ فهل يمنع من أصل وجود التكليف واقعا أو هو يمنع من فعلية التكليف دون وجوده الواقعي؟ فإذا كان يمنع من‏

43

أصل وجود التكليف واقعا- كما هو الحال في موارد الاضطرار، فإنه يرتفع التكليف واقعا في حقّ المضطر إلى الغصب و يكون الحكم واقعا مختصا بالمختار- فالمناسب أن تكون الصحة في الطرف الآخر الضعيف ثابتة بسبب الأمر و الملاك، لأن الأمر عن ذلك الطرف الأقوى قد زال واقعا فلا يعود مانع عن تأثير ملاك الضعيف في إحداث الأمر بلحاظه و تصير الصحة ثابتة بسبب الأمر، أما إذا فرض أن المانع كان يمنع من فعلية التكليف دون أصل الأمر واقعا- كما في حالة الجهل، فإنه بسبب الجهل لا يرتفع أصل الحكم واقعا في حقّ الجاهل و إلّا يلزم اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم بها، و هو خلاف ضرورة الاشتراك، و إنما المرتفع هو فعلية الحكم- فالمناسب أن تكون الصحة في طرف الضعيف ثابتة بسبب الملاك دون الأمر و إلّا يلزم تعلّق الأمرين واقعا بشي‏ء واحد، و قد فرضنا امتناعه.

توضيح المتن:

قد مرّ في بعض المقدمات: أي الأمر الثامن (ص 241) من الكفاية.

تعارض الدليلين بما هما دليلان حاكيان: لا حاجة إلى هذه العبارة لوضوح أن التعارض بين الدليلين يحصل بما هما حاكيان عن مدلولين متنافيين.

المؤثرين و المقتضيين: أي الملاكين.

فيقدّم الغالب منهما و إن كان الدليل على مقتضي الآخر أقوى من دليل مقتضاه: هذا التطويل المقرون بالتعقيد لا حاجة إليه، و المناسب:

فيقدّم الغالب منهما و إن كان دليل الآخر أقوى سندا أو دلالة.

و التقدير: فيقدّم الغالب منهما- كوجوب الصلاة إن كان ملاكه‏

44

أقوى من ملاك حرمة الغصب- و إن كان الدليل على ملاك حرمة الغصب أقوى من دليل وجوب الصلاة من حيث السند و الدلالة.

و بهذا اتضح أن كلمة (مقتضي) الأولى هي اسم فاعل بمعنى الملاك، أي مفسدة حرمة الغصب، و كلمة (الآخر) بمعنى الحكم الآخر، أي حرمة الغصب.

و أما كلمة (مقتضاه) فهي اسم مفعول، و الضمير يرجع إلى المقتضي بمعنى مصلحة الصلاة، أي و إن كان الدليل على مفسدة الحرمة أقوى من دليل مقتضى المقتضي الأوّل. و هذا كله تطويل و تعقيد لا داعي إليه كما ذكرنا.

الغالب منهما: أي من الملاكين.

إن مدلوله أقوى مقتضيا: أي يحرز بتقديم الأقوى دلالة أو سندا أن الحكم المقدّم أقوى ملاكا.

ثمّ لا يخفى أن ترجيح أحد الدليلين ...: هذا شروع في بيان ما أشرنا إليه تحت عنوان إشكال على الأصحاب و دفعه.

و المقصود: إن ترجيح لا تغصب و تخصيص صل به لا يوجب خروج مورد الاجتماع عن صل رأسا.

رأسا: أي عن الحكم الفعلي و عن الملاك معا.

كما هو مقتضى ...: فإن مقتضى التخصيص في غير مورد مسألة الاجتماع من الموارد التي لا يحرز فيها وجود كلا الملاكين- من قبيل صل و لا تصل في بيت السلطان أو صل الظهر و صل الجمعة مع فرض تقديم صل الجمعة على صل الظهر- الخروج عن الآخر حكما و ملاكا.

بل قضيته ليس إلّا خروجه ...: لعلّ في التعبير شيئا من الخفاء و التشويش، و المناسب: بل قضيته ليس إلّا خروج مورد الاجتماع عن الحكم الفعلي الذي هو مفاد الآخر.

45

هكذا تصاغ العبارة أو تصاغ هكذا: ليس إلّا خروج مورد الاجتماع عن مفاد الآخر، و هو الحكم الفعلي.

هذا و يحتمل أن يكون مقصوده: بل قضيته ليس إلّا خروج مورد الاجتماع عن خطاب صل فيما إذا كان الحكم بحرمة الغصب- الذي هو مفاد الآخر- فعليا.

و لكن هذا يرده:

1- إن المناسب على هذا الاحتمال التعبير هكذا: بل قضيته ليس إلّا خروجه إذا كان الحكم الآخر فعليا.

2- إن هذا لا يفي بمقصود المصنف، فإنه يريد أن يبيّن أن المجمع يخرج من أمر صل حكما لا ملاكا، أي يريد أن يبيّن أن الملاك باق في المجمع، و هذا لا يفي به التفسير المذكور.

و ذلك لثبوت المقتضي ...: هذا تعليل لقوله: (لا يوجب خروج مورد الاجتماع عن تحت الآخر رأسا)، أي هو لا يخرج رأسا لثبوت المقتضي في كلا الحكمين.

و قوله: (فيها)، أي في مسألتنا.

مؤثّرا لها: أي للحرمة، و المناسب: مؤثرا فيها.

مؤثّرا لها: أي لصحة الصلاة، و المناسب كما تقدم.

كما إذا لم يكن دليل الحرمة أقوى أو لم ...: أي تقع الصلاة صحيحة في الحالة المذكورة، كما لو فرض أن دليل الحرمة لم يكن أقوى بل كان الأقوى دليل الوجوب أو فرض أن كلا الدليلين لم يكن ناظرا إلى الحكم الفعلي بل إلى الحكم الاقتضائي، أي بيان الملاك لا أكثر، فكما أن الصلاة تقع صحيحة في هاتين الحالتين كذلك تقع‏

46

صحيحة في مقامنا، أي في حالة تقديم خطاب النهي و افتراض وجود مانع من تأثيره كالاضطرار و الجهل و النسيان.

ثمّ إن في بعض النسخ: و لم يكن واحد، و الصواب: أو لم يكن واحد ...

كما هو الحال فيما: هذا تنظير لصحة الإشكال لا لفساده.

من أوّل الأمر متعارضين: التقييد بأوّل الأمر لا حاجة إليه.

ثمّ إن المقصود من الخطابين المتعارضين من أوّل الأمر ما إذا فرض أنّا أحرزنا وجود أحد الملاكين لا كليهما.

ثمّ إن قوله: (و لم يكونا من باب الاجتماع) عطف تفسير.

و ذلك لثبوت المقتضي ...: تعليل لقوله: (فانقدح بذلك فساد الإشكال ...).

فيكون وزان التخصيص ...: قد شرحنا العبارة المذكورة فيما سبق و قلنا إن المقصود هو أن التخصيص في مورد الاجتماع الذي يفترض فيه وجود ملاكين و خطابين هو نظير التخصيص العقلي في المورد الذي يفترض فيه وجود ملاكين بلا خطابين.

و يحتمل أن تفسّر العبارة بشكل آخر، و هو هكذا: إن التخصيص في مسألتنا هو في روحه و واقعه تخصيص عقلي بين الملاكات.

و تأثيره فعلا: عطف على أحد.

المختص بما إذا ...: صفة لتقديم، و هو بيان لوجه الشّبه بين التخصيص في مسألتنا و التخصيص العقلي.

أي إن وجه الشّبه هو أن تقديم ما قدّم يختص بما إذا لم يمنع عن تأثيره- ما قدّم- مانع.

المقتضي لصحة ...: هذا صفة لتقديم أيضا، و هو بيان لوجه شبه‏

47

آخر، أي إن تقديم لا تغصب يقتضي صحة مورد الاجتماع لو كان هناك مانع من لا تغصب.

مع الأمر ...: أي أن الصلاة تقع صحيحة تارة بواسطة الأمر و أخرى بواسطة الملاك، ففي مورد الاضطرار يرتفع لا تغصب من الأساس فيكون أمر بالصلاة، و أما في مورد الجهل فترتفع فعلية لا تغصب لا أصله- إذ الاحكام مشتركة بين العالم و الجاهل، بخلافه في صورة الاضطرار، فإن الحكم لا يعمّ حالة الاضطرار- فلا يكون أمر بالصلاة بل تصح بالملاك.

فيما كان هناك مانع: متعلق بقوله: (المقتضي لصحة).

للنهي له ...: المناسب: للنهي فيه. ثمّ إن كلمة له متعلقة بتأثير، و الضمير يرجع إلى النهي، أي فيما إذا وجد مانع يمنع من تأثير مقتضي النهي في أصل النهي أو يمنع من تأثيره في فعلية النهي. و مثال الأوّل:

الاضطرار، و مثال الثاني: الجهل.

كما مرّ تفصيله: أي في الأمر العاشر.

خلاصة البحث:

إنه بناء على الامتناع قد يقال بدخول المورد في باب التعارض و لكن المناسب دخوله في باب التزاحم الملاكي فيقدّم الأقوى ملاكا و إن كان دليل الآخر أقوى سندا و دلالة.

هذا إذا شخّص الأقوى ملاكا و إلا فإذا علم بوجود أقوى من دون أن يشخّص يحصل تعارض للعلم الإجمالي بكذب أحدهما فيقدّم الأقوى سندا أو دلالة، و من طريق الإن يفهم أنه أقوى ملاكا.

48

هذا إذا كان كلا الحكمين فعليا، أما إذا كان أحدهما فعليا فقط اخذ به، و إذا كان كلاهما اقتضائيا لزم الرجوع إلى الأصول العملية.

ثمّ إنه بناء على الامتناع و ترجيح لا تغصب لا يلزم خروج مورد الاجتماع من خطاب صل حكما و موضوعا، لفرض وجود كلا الملاكين، و يترتّب على ذلك أن ملاك النهي إذا لم يكن مؤثّرا في الحرمة للجهل أو غيره فيمكن الحكم بصحة الصلاة بالملاك أو بالأمر، و بذلك يندفع الإشكال عن الفقهاء بأنهم رغم ذهابهم إلى الامتناع و تقديم النهي حكموا بصحة الصلاة في مورد الجهل و نحوه، و ما ذاك إلّا لأجل وجود كلا الملاكين في مورد الاجتماع كما ذكرنا.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

التنبيه الثاني: لا تعارض على الامتناع:

حيث يلزم في باب الاجتماع وجود الملاكين فلا تعارض بين مثل خطاب صل و لا تغصب على الامتناع ليقدّم الأقوى دلالة أو سندا بل يكون بينهما تزاحم ملاكي فيقدّم الأقوى ملاكا و إن كان دليل الآخر أقوى سندا أو دلالة.

هذا إذا احرز الغالب من الملاكين و إلّا كان بين الخطابين تعارض فيقدّم الأقوى منهما دلالة أو سندا، و بطريق الإن يحرز أن ملاكه أقوى.

هذا لو كان كلا الحكمين فعليا و إلّا أخذ بالفعلي منهما لو كان، و إلّا يلزم الرجوع إلى الأصول العملية.

ثمّ لا يخفى أنه بناء على الامتناع و ترجيح أحد الدليلين و تخصيص الآخر به لا يلزم خروج مورد الاجتماع عن تحت الآخر

49

حكما و ملاكا- كما هو الحال في غير المقام مما لا يحرز فيه وجود كلا الملاكين- و إنما يلزم خروجه عن الحكم الفعلي فقط، فإن المفروض ثبوت كلا الملاكين، و يترتّب على هذا أن ملاك حرمة الغصب إذا لم يكن مؤثّرا- لاضطرار أو جهل أو نسيان- فملاك الصلاة يكون مؤثّرا في صحتها.

و بذلك اتضح فساد الإشكال على الفقهاء بأنهم رغم قولهم بالامتناع و تقديم النهي حكموا بالصحة في صورة الجهل و نحوها، و الحال أن المناسب هو الفساد، كما في غير مسألة الاجتماع لو قدّم النهي.

و وجه الفساد: إن كلا الملاكين ثابت في مورد الاجتماع، و تقديم ملاك النهي يختص بحالة عدم المانع الذي لازمه الصحة- إما بالأمر أو بدونه- عند وجود المانع الذي يمنع من ثبوت النهي رأسا أو من فعليته.

***

50

قوله (قدّس سرّه):

«و كيف كان فلا بدّ في ترجيح ...، إلى قوله:

و منها أن دفع المفسدة ...».

(1)

المرجّحات على الامتناع:

إذا بني على امتناع الاجتماع- كما هو الصحيح لدى المصنف- فذلك يعني أن الأمر و النهي لا يمكن ثبوتهما معا في مادة الاجتماع بل الثابت أحدهما، و لكن أيهما الثابت؟ المشهور بين الأصوليين ترجيح النهي على الأمر، و لما ذا هذا الترجيح؟ إنه لوجوه متعددة أشار الشيخ الخراساني إلى ثلاثة منها، و هي:

الوجه الأوّل: [في ثبوت ترجيح النهي على الامر]

إن النهي يدل على الاستيعاب و الشمول بخلاف الأمر فإنه يدل على البدلية، فمدلول خطاب لا تغصب النهي عن كل فرد من أفراد الغصب و كل لون من ألوانه بينما مدلول خطاب صل طلب الإتيان بصلاة ما على سبيل البدل.

و على فالنهي يقدّم لأنه يدل على الشمولية بخلاف الأمر، فإنه يدل على البدلية.

و قد أورد على هذا بأن النهي و إن دلّ على الشمولية و الأمر على البدلية إلّا أن الشمولية و البدلية هما مستفادتان معا من الإطلاق و مقدمات‏

____________

(1) الدرس 179: (22/ ربيع الأوّل/ 1426 ه).

51

الحكمة، فلأجل أن الغصب في خطاب لا تغصب مطلق دلّ على الشمولية، و ليست الشمولية مستفادة من الوضع حتّى تصير الدلالة عليها أقوى و سببا لتقديمها.

و لك أن تقول: إن الشمولية بما هي شمولية ليست من موجبات التقديم على البدلية، و إنما قوة الدلالة هي الموجبة للتقديم، و حيث إن الدلالة عليهما ذات مستوى واحد- أي بسبب الإطلاق- فلا موجب للتقديم.

ثمّ قال (قدّس سرّه): و قد أورد على هذا الايراد بأن دلالة النهي على الشمولية ليست بالإطلاق و إلّا يلزم أن يكون استعمال النهي في المقيّد ليس مجازا، أي يلزم أن يكون استعمال قولنا: لا تغصب في الزمان الفلاني مثلا ليس مجازا، (1) فإن استعمال المطلق في المقيّد ليس مجازا ببركة ضمّ فكرة تعدّد الدال و المدلول، (2) بل الصحيح أن منشأ دلالة النهي على الشمولية هو حكم العقل، بتقريب أن النهي متعلّق بالطبيعة، و حيث إن الطبيعة لا تنعدم عقلا إلّا بانعدام جميع أفرادها فالعقل يحكم بسبب هذا بلزوم ترك جميع أفراد الطبيعة. (3)

____________

(1) و من قال هو مجاز بل المناسب أن يلتزم بأنه ليس مجازا.

(2) فلو قيل: أعتق رقبة مؤمنة فالاستعمال المذكور حقيقي، لأن كلمة رقبة مستعملة في معناها الموضوع له، و هو طبيعي الرقبة، و كلمة مؤمنة مستعملة في الإيمان، و باجتماعهما يثبت أن مراد المتكلم واقعا هو الحصة، أي الرقبة المؤمنة، فلدينا إذن دالان و مدلولان، فكلمة رقبة دال، و مدلولها هو طبيعي الرقبة، و كلمة مؤمنة دال، و مدلولها هو الإيمان، و باجتماع هذين الدالين ينكشف لنا أن مراد المتكلم في قلبه هو الحصة، فكلمة رقبة الموضوعة لطبيعي الرقبة استعملت في ذلك لا أنها استعملت في غير معناها، أعني الرقبة المؤمنة ليكون استعمالها مجازيا.

(3) و لكن هذا لا يستلزم المجازية أيضا عند الاستعمال في المقيّد.

52

و إلى هنا كان الشيخ الخراساني ناقلا لكلام القوم، و الآن هو يتصدّى لتحقيق المطلب و يقول: لا إشكال في أن النهي إذا تعلّق بالطبيعة استفيد العموم، و لكن ما هو سبب هذه الدلالة؟ هل هي الوضع أو مقدمات الحكمة أو حكم العقل؟ الصحيح أن سبب الدلالة هو الوضع المنضم إلى مقدمات الحكمة، ببيان أن النهي قد وضعه الواضع لافادة استيعاب ما يصلح أن ينطبق عليه المدخول؟

إنه استيعاب ما يراد من المدخول، و معه لا بدّ و أن نثبت المراد من المدخول ما هو، هل هو المطلق أو هو المقيد؟ و إذا أردنا أن نستفيد الاستيعاب بمرحلته العالية فلا بدّ من إثبات أن المراد من المدخول هو المطلق، و كيف نثبت ذلك بعد فقدان الدلالة الخاصة؟ إن الطريق ينحصر بمقدمات الحكمة، فإذا جرت و ثبت أن الغصب المدخول للنهي هو طبيعي الغصب فسوف يثبت استيعاب النهي للغصب المطلق، و بالتالي يثبت آنذاك استيعاب النهي لجميع أفراد الغصب.

و هذا يعني أن استيعاب النهي لجميع أفراد الغصب احتاج إلى الوضع و مقدمات الحكمة معا، فبمقدمات الحكمة أثبتنا أن المدخول هو الغصب المطلق، إذ لو كان المقصود الحصة لذكر القيد، و بعد ثبوت أن المدخول هو المطلق فببركة وضع النهي للاستيعاب نستفيد العموم.

و هذا المطلب سوف يأتي منه (قدّس سرّه) ثانية في مبحث العموم، حيث يذكر هناك أن كلمة كل في جملة أكرم كل عالم يستفاد منها العموم، و لكن كيف استفدنا ذلك؟ إنه استفدناه من ضمّ الإطلاق إلى الوضع، فكلمة كل موضوعة لاستيعاب ما يراد من المدخول، و لا بدّ في المرحلة الأولى من إثبات أن المراد من المدخول هو مطلق الرجل ثمّ في المرحلة الثانية نستفيد من كلمة كل استيعاب جميع أفراد الرجل المطلق.

ثمّ ذكره (قدّس سرّه) أنه يمكن أن نقول: إنه يمكن الاستغناء عن إجراء