كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج4

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
652 /
3

[خطبة الكتاب‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و أفضل بريّته محمّد و على أهل بيته الطيبين الطاهرين.

حمدا لك اللهم على ما أوليتني من توفيق لتأليف الجزء الرابع من كتابنا كفاية الأصول في أسلوبها الثاني و ابرازه إلى عالم النور.

ربّ فأتمم نعمتك عليّ بقبوله و اجعله خالصا لوجهك الكريم و اجعله موردا لاستفادة إخوتي و أعزتي طلبة الحوزة العلمية.

و كلّي أمل من كل من استفاد منه حرفا التفضّل عليّ و على والديّ بالاستغفار، إنه سميع الدعاء، جواد كريم.

باقر الإيرواني‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[تتمة مبحث الامارات في المقصد السادس‏]

[تتمة البحث في الفصل الاول (مبحث القطع)]

قوله (قدّس سرّه):

«الأمر السادس: لا تفاوت في نظر العقل ...، إلى قوله: الأمر السابع».

(1)

[الامر السادس‏] قطع القطّاع و غيره:

في هذا المبحث توجد أسئلة ثلاثة يراد ذكرها و الجواب عنها، و هي:

1- هل القطع حجة في حق أي شخص بما في ذلك القاطع الذي يحصل له القطع كثيرا من مناشئ غير عقلائية، (2) أي غير متعارفة أو أن حجيته تختص بغير القطّاع؟

2- هل القطع حجة من أي سبب كان بما في ذلك الناشئ من مقدمات عقلية أو هو خاص بالناشئ من مقدمات شرعية؟

3- هل القطع حجة في جميع الموارد بما في ذلك الأحكام الشرعية أو أنه حجة في خصوص الموارد غير الشرعية؟

و المهم من هذه الثلاثة هو الأوّلان دون الأخير، و لذا لم يسلّط (قدّس سرّه) الأضواء على الأخير.

قطع القطّاع:

أما بالنسبة إلى القطّاع فقد نسب الشيخ الأعظم في الرسائل إلى الشيخ‏

____________

(1) الدرس 258 و 259: (16 و 17/ ذي الحجة/ 1426 ه).

(2) و أما إذا فرض أن الشخص يحصل له القطع كثيرا و لكن من مناشئ عقلائية فهو ليس بقطّاع بحسب المصطلح الأصولي و إن كان ربما يكون كذلك بحسب المصطلح اللغوي.

6

جعفر كاشف الغطاء عدم حجية قطع القطّاع، حيث إنه عطف القطّاع على كثير الشكّ، و ذكر أنه لا عبرة بشكّ كثير الشكّ و كذا قطع القطّاع.

و سواء أ قال الشيخ كاشف الغطاء ذلك أم لم يقل فذلك غير مهم، و المهم هو البحث عن هذا المطلب في حدّ نفسه، أي إن قطع القطّاع هل هو حجة أو لا؟

و في هذا المجال ذكر الشيخ المصنف أن العقل يرى أن القطع حجة، و أن آثاره من المنجّزيّة و المعذّريّة مترتّبة عليه حتّى في حق الشخص القطّاع، و إذا فرض أن القطّاع سار على طبق قطعه كان معذورا، بخلاف ما إذا لم يسر على طبقه فإنه لا يكون معذورا.

هذا بحسب حكم العقل.

و أما بحسب الشرع فقد تقدّم أن يد الجعل لا يمكن أن تنال القطع لا بإثبات الحجية له و لا بنفيها عنه، لأن لوازم الذات لا يمكن إثباتها لها و لا نفيها عنها.

نعم نستثني من ذلك حالة ما إذا كان القطع قطعا موضوعيا لا طريقيا، فإن مثله يمكن فيه التقييد، إذ القطع الموضوعي هو عبارة عن القطع المأخوذ شرعا في موضوع الحكم- كما لو قال الدليل: إن علم المجتهد بالحكم فيجب عليك تقليده- فإنّه يمكن تقييده بما إذا كان حاصلا لشخص معيّن أو من سبب معيّن، لأنّ تحديد الشّرع لموضوع الحكم الراجع إليه قضية ترتبط به، فيمكن أن يقول هكذا: إن علم المجتهد بالحكم من طريق الكتاب و السنّة لا من طريق الأحلام أو الجفر أو الرمل أو الاستخارة فيلزمك تقليده.

7

و من الطبيعي أنه لا بدّ من مراجعة الدليل في هذا المجال، فإنه ربما يختلف دليل عن دليل، و مقام عن مقام، فرب دليل أو مقام يقتضي التوسعة في موضوع الحكم إلى كل قطع بينما دليل أو مقام آخر يقتضي التقييد بخصوص القطع الحاصل من سبب معين، و هذه التوسعة أو التضييق تحصلان بسبب الأمارات الخاصة من شهرة أو إجماع أو قرينة مناسبات الحكم و الموضوع أو غير ذلك.

القطع العقلي:

و أما القطع الحاصل من مقدمات عقلية- كالقطع بوجوب المقدمة الناشئ من حكم العقل بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، أو القطع بحرمة الضد الناشئ من حكم العقل بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و حرمة ضده- فقد نسب إلى الإخباريين عدم حجيته.

و في الجواب يذكر الشيخ المصنف أن العقل لا يفرّق بين مناشئ القطع بل يحكم بحجيته من أي منشأ كان.

و أما الأخباريون فالنسبة إليهم لم تثبت صحتها، و من يراجع كلماتهم يجد أنها إما في صدد الردّ على من يدّعي الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع- و هذا كما هو الحال في السيد صدر الدين الرضوي القمي، (1) فإن كلامه ناظر إلى إثبات أنه ليس كلّما حكم العقل بشي‏ء يلزم أن يحكم الشرع على طبقه- أو في صدد إثبات عدم جواز الاعتماد على الآراء الظنية و الأقيسة الظنية العقلية لا الرد على القطع‏

____________

(1) و هو المعروف بالسيد الصدر، و هو صاحب شرح الوافية، و الوافية هي للفاضل التوني، و قد شرحها السيد صدر الدين، و هو معروف بالانتساب إلى الخط الأخباري. و قيل إنه قد تتلمذ عليه الأستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني.

8

الحاصل من العقل، فلاحظ كلام الشيخ محمّد أمين الاسترآبادي‏ (1) في الفوائد المدنية تجد صدق ما نقول، فإنه يمكن الحصول في كلامه على شواهد ثلاثة.

و قبل بيانها نشير إلى أنه ذكر ما يلي: إن بعض القضايا ضرورية و واضحة جدا و بعضها ليس كذلك، فإذا كانت القضية ضرورية- مثل استحالة اجتماع النقيضين أو استحالة ارتفاعهما أو أن الكل أكبر من الجزء- فيرجع في مثلها إلى تلك الضرورة، و أما إذا لم تكن القضية ضرورية فيلزم الرجوع إلى أهل بيت العصمة و الطهارة (صلوات اللّه عليهم). ثمّ أخذ يستدل على انحصار الطريق بالرجوع إلى أهل البيت (عليهم السّلام) بعدة أدلة. و هنا يأتي دور الشواهد الثلاثة، حيث ذكر (قدّس سرّه):

1- الدليل الرابع من أدلة انحصار الطريق بأهل البيت (عليهم السّلام) في غير القضايا الضرورية هو أن كل طريق غير طريق أهل البيت (عليهم السّلام)(2) لا يورث إلّا الظن، و هو لا يغني من الحق شيئا. و هذا هو الشاهد الأوّل في كلامه حيث ذكر أن الظن لا يجوز الاعتماد عليه و لم يقل: إن القطع إذا حصل من غير الكتاب و السنّة فهو ليس بحجة.

2- ثمّ ذكر الدليل السابع، و حينما تعرّض إليه أخذ بذكر مقدمة أطلق عليها بأنها مقدمة دقيقة شريفة، و الشيخ الخراساني لم ينقلها هنا في الكفاية لعدم الحاجة إليها- و إن نقلها الشيخ الأعظم في الرسائل-

____________

(1) و هو صاحب كتاب الفوائد المدنيّة و الفوائد المكيّة. و الفوائد المدنيّة و إن كانت مطبوعة إلّا أن الفوائد المكيّة تعدّ جزء من التراث المفقود، و قد عثر عليه الشيخ المجلسي و عدّه واحدا من مصادر كتابه فلاحظ بحار الأنوار 1: 20.

(2) الذي منه المقدمات العقلية.

9

و حاصل تلك المقدمة يرتبط بسبب خطأ العلوم، حيث ذكر أن الخطأ في العلوم ينشأ من الخطأ في صورة القياس أو من الخطأ في مادته، فإن لكل قياس مادة و صورة، و الخطأ في إحداهما هو السبب لحصول الخطأ في العلوم، ثمّ أخذ بالبحث و التفصيل في هذا الجانب، و بعد أن انتهى من تلك المقدمة الدقيقة الشريفة ذكر أنه إذا أخذنا بكلامهم (عليهم السّلام) عصمنا من الخطأ و الزلل، و إن لم نأخذ به لم نعصم، و لا إشكال في أن العصمة من الخطأ قضية ضرورية و مطلوبة، و من هنا ذكرنا في علم الكلام أن النبي لا بدّ أن يكون معصوما و إلّا فلو لم يكن معصوما و أمكن عليه الخطأ و المفروض لزوم اتّباعه و التأسّي به فذلك معناه الأمر باتّباع الخطأ، و حيث إن ذلك باطل فيلزم أن يكون النبي- و هكذا الإمام- معصوما.

ثمّ بعد أن بيّن هذا المطلب أخذ قائلا- و هذا شروع في الشاهد الثاني- إنّك إذا تأملت هذا علمت أن مقتضاه عدم جواز اتّباع الظن في أحكامه تعالى. و وجه الشهادة أنه قال: علمت أن مقتضاه عدم جواز اتّباع الظن و لم يقل عدم جواز اتّباع القطع العقلي.

3- إن الاسترابادي صنع لكتابه الفوائد المدنية فهرستا ذكر فيه الفصول التي يبحثها، و عند استعراضه لتلك الفصول قال: الفصل الأوّل في إثبات عدم جواز التمسّك بالاستنباطات الظنية في أحكامه تعالى.

و وجه الشاهد واضح، حيث إنه قيّد الاستنباطات التي لا يجوز التمسّك بها بما إذا كانت ظنية و سكت عن القطعية.

هذه هي شواهد ثلاثة في كلام الأسترآبادي تدلّ على أنه يرفض التمسّك بالظن الحاصل من المقدمات العقلية دون القطع.

10

إذن الحصيلة من كل هذا: أن القطع الحاصل من المقدمات العقلية حجة كالقطع الحاصل من المقدمات الشرعية.

تبقى قضية واحدة، و هي أن بعض الروايات توحي أن التمسّك بغير السماع من أهل البيت (عليهم السّلام) أمر مرفوض و باطل، و من الواضح أن من مصاديق ذلك هو التمسّك بالمقدمات العقلية، فإن التمسّك بها تمسّك بغير أهل البيت (عليهم السّلام) فيكون باطلا و مرفوضا من قبيل الرواية التي تقول:

«أما أنه شرّ عليكم أن تقولوا بشي‏ء ما لم تسمعوه منّا»، (1) فالمدار في الأخذ و التمسّك هو على السماع من أهل البيت (عليهم السّلام) و لا يجوز التمسّك بشي‏ء غير ذلك بما في ذلك القطع الحاصل من المقدمات العقلية.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأنه يلزم حمل الرواية المذكورة و ما شاكلها على حالة عدم حصول العلم و القطع بالحكم بسبب المنع عن بعض مقدمات الحكم و لو كانت تلك المقدمات الممنوعة لا يمكن تعيينها و تشخيصها بنحو التفصيل، فلعلّ شرط الحكم لم يتحقّق أو المانع لم ينعدم، فإحدى المقدمات منتفية و إن لم يمكن تعيينها.

توضيح المتن:

من الآثار عقلا: أي من الآثار العقلية، و المراد بها المنجّزيّة و المعذّريّة. أي لا تفاوت في نظر العقل في الآثار العقلية التي تترتّب على القطع بين ...

و أخصر من هذا التعبير هكذا: لا تفاوت في نظر العقل في ترتّب المنجّزيّة و المعذّريّة على القطع بين أن ...

____________

(1) وسائل الشيعة 27: 70/ الباب 7 من أبواب صفات القاضي/ الحديث 25.

و قد سجّل الشيخ الأعظم في الرسائل مجموعة من الروايات المذكورة فلاحظها هناك.

11

و من سبب ...: عطف تفسير على (بنحو متعارف).

كما هو الحال غالبا في القطّاع: التقييد بالغالب باعتبار أن القطّاع قد يحصل له القطع في بعض الحالات النادرة من سبب متعارف.

ضرورة أن العقل ...: أي لا تفاوت في نظر العقل ... ضرورة أن العقل يرى ...

و صحة مؤاخذة ...: عطف على تنجّز، أي و يرى صحة مؤاخذة القاطع بالتكليف على مخالفة قطعه.

ثمّ إن المناسب: و صحة مؤاخذة القاطع به ... فإن كلمة قاطع لا تتعدّى بنفسها.

و عدم صحة الاعتذار ...: عطف على تنجّز. أي و يرى عدم صحة الاعتذار عن المخالفة بأنه قد حصل القطع من سبب غير متعارف.

و عدم صحة المؤاخذة ...: هذا ناظر إلى المعذّريّة، و ما سبق ناظر إلى المنجّزيّة، و هو عطف على تنجّز، أي و يرى عدم صحة مؤاخذة المولى عبده لو قطع بالإباحة و عدم التكليف، فلو قطع المكلف بعدم حرمة التدخين و زاوله و كان في الواقع محرّما لم تصحّ مؤاخذته.

و عدم حسن الاحتجاج ...: أي و يرى عدم حسن احتجاج المولى على العبد بأنه قد حصل قطعك من سبب غير متعارف حتّى و لو كان العبد ملتفتا إلى كيفية حصول قطعه و أنه قد حصل من سبب غير متعارف.

نعم ربما يتفاوت الحال ...: هذا إشارة إلى القطع الموضوعي.

و غيرها من الأمارات: أي إن الموجب للتعميم و التخصيص إمّا مناسبة الحكم و الموضوع أو غيرها من الأمارات.

12

و بالجملة القطع فيما كان موضوعا ...: أي القطع الطريقي فإنه موضوع عقلا للمنجّزيّة و المعذّريّة.

ثمّ إن قوله: لا يكاد يتفاوت من حيث القاطع إشارة إلى جواب السؤال الأوّل، و قوله: و لا من حيث المورد إشارة إلى جواب السؤال الثاني، و قوله: و لا من حيث السبب إشارة إلى جواب السؤال الثالث.

بل تشهد بكذبها ...: لا حاجة إلى تحقيق حال النسبة و إطالة الحديث من هذه الناحية و نقل كلام الاسترآبادي بشواهده الثلاثة، فإن ذلك تحقيق لمطلب غير مهم، إذ المهم هو تحقيق حال الفكرة سواء أفرض وجود قائل بها أم لا.

لأنها لا تفيد إلّا الظن ...: أي من باب أنها تفيد الظن فلو كانت تفيد القطع فكلامه ساكت عن ذلك.

عن الصادقين: لعلّ الأنسب كونه جمعا لا مثنى.

الرابع أن كل ...: هذا مقول القول، أي ذكر أن الدليل الرابع على انحصار المدرك بالسماع عن الصادقين في غير الضروريات أن كل ...

و قد أثبتنا سابقا ...: هذا إشارة إلى الشاهد الأوّل.

و قال في جملتها ...: هذا شروع في مقدمة الشاهد الثاني، أما نفس الشاهد الثاني فيأتي بقوله: إذا تأملت في هذا الدليل ...

ثمّ إن ضمير جملتها يرجع إما إلى الأدلة أو إلى كلماته.

و أنت إذا تأملت ...: هذا جزء من كلام الاسترآبادي، و هو موضع الشاهد الثاني.

و ما مهّده من الدّقيقة: أي أن المقدّمة التي سمّاها بالدّقيقة الشريفة و التي ذكرها كمقدمة للدليل السابع هي قد ذكرها الشيخ الأعظم في‏

13

رسائله و نقلها عنه و لكن لا داعي إلى ذلك، فإن المهم هو ما بعد هذه المقدمة الدقيقة لا نفسها.

ثمّ إنه نلفت النظر إلى أن ما صنعه الشيخ المصنف عند نقله للشاهد الثاني أمر لا داعي إليه، فإنه لو كان قد اقتصر على قوله: (و أنت إذا تأملت ...) لكان كافيا، فإن المهم هو هذه الفقرة، و نقل ما سبق عليها أمر لا داعي إليه.

و قال في فهرست ...: هذا إشارة إلى الشاهد الثالث.

أو بحكم ورد عنهم: إن الحكم الوارد عنهم حيث إنه حكم اللّه أيضا فلا بدّ و أن يكون المقصود من حكم اللّه الإشارة إلى القرآن الكريم و من الحكم الوارد عنهم الإشارة إلى السّنة الشّريفة.

هو العقلي غير ...: أي هو الاستنباط العقلي الذي لم يصل إلى درجة القطع.

و كيف كان فلزوم ...: أي سواء أصحت نسبة الرأي المذكور إلى الإخباريين أم لا.

القطع مطلقا: أي حتّى الناشئ من مقدمات عقلية.

و كذا ترتّب سائر آثاره: إشارة إلى العذرية.

فلا بدّ فيما يوهم: أي لا بدّ أن يكون المراد من الأخبار التي توحي بخلاف ما ذكرناه حالة عدم حصول القطع.

العلم التفصيلي: التقييد بالتفصيلي لأن حجية الإجمالي موضع خلاف، أي لا بدّ من حمله على حالة عدم حصول العلم بالحكم الشرعي الفعلي بسبب بطلان بعض مقدمات الحكمة و إن كان لا يمكن تشخيص تلك المقدمة الباطلة بنحو التفصيل، فلعلّه هي عدم تحقّق الشّرط و لعلّه وجود المانع.

14

خلاصة البحث:

إن القطع حجة بما في ذلك قطع القطّاع لأن العقل لا يفرّق من هذه الناحية، بل لا يمكن سلب الحجية عن القطع، أجل يمكن ذلك إذا كان القطع موضوعيّا لا طريقيّا.

و أيضا القطع حجة بما في ذلك الحاصل من المقدمات العقلية لنفس النكتة، و نسبة الخلاف إلى الإخباريين غير صحيحة، و الأخبار الموهمة لخلاف ذلك لا بدّ من حملها على حالة عدم القطع.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الأمر السادس: حجية القطع مطلقا:

لا فرق في نظر العقل في ترتّب المنجّزيّة و المعذّريّة بين القطع الحاصل من سبب متعارف ينبغي حصوله منه و الحاصل من غيره، كما هو الغالب في القطّاع. نعم ربما يتفاوت الحال في القطع الموضوعي، و المتّبع في عمومه و خصوصه دلالة دليله.

ثمّ إنه لا فرق أيضا في حجية القطع بين موارده، كما أنه لا فرق بين أسبابه، و هو واضح عقلا، بل و هكذا شرعا لما عرفت من أنه لا تناله يد الجعل نفيا و لا إثباتا.

هذا و لكن نسب إلى بعض الإخباريين عدم حجيته إذا كان ناشئا من مقدمات عقلية، إلّا أن مراجعة كلماتهم تشهد بعدم صحتها و أنها إما في صدد منع الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع أو في صدد بيان عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية إذا كانت مفيدة للظن.

و ما يوهم عدم حجية الحاصل من المقدمات العقلية لا بدّ من حمله على حالة عدم حصول القطع بالحكم.

15

قوله (قدّس سرّه):

«الأمر السابع: أنه قد عرفت ...، إلى قوله: و لا يخفى أن المناسب للمقام ...».

(1)

الأمر السابع: العلم الإجمالي مقتض لا علة:

تقدّم فيما سبق أن العلم التفصيلي يشتمل على خصوصيتين:

1- إنه منجّز لمعلومه.

2- إن تنجيزه هو بنحو العلية دون المقتضي.

و على هذا الأساس لو علمت أن هذا الإناء نجس بنحو العلم التفصيلي فسوف تتنجّز النجاسة المعلومة و لا يمكن للمولى الترخيص بخلاف ذلك، إنه أمر مستحيل و غير ممكن في حدّ نفسه، لأن الترخيص بالخلاف- أي الحكم بطهارة الإناء الذي نعلم تفصيلا بنجاسته- إما أن يكون ترخيصا واقعيا أو يكون ترخيصا ظاهريا، و كلاهما غير ممكن:

أما الأوّل فلأن لازمه اجتماع الضدين واقعا.

و أما الثاني فلأن الحكم الظاهري لا مجال لجعله بعد فرض عدم الشكّ، و من الواضح أن موضوع الحكم الظاهري هو الشكّ و عدم العلم.

و بهذا اتّضح الفرق بين مصطلح العليّة و مصطلح الاقتضاء، فحينما يقال: العلم التفصيلي علة تامة للتنجيز فالمقصود أنه لا يمكن الترخيص‏

____________

(1) الدرس 260: (20/ ذي الحجة/ 1426 ه).

16

بخلاف ذلك و يستحيل، بينما حينما يقال: إنه مقتض فالمقصود أنه ينجّز معلومه لو لم يمنع مانع من ذلك، نظير قولنا: النار تقتضي الإحراق فالمقصود أنها توجب ذلك إذا لم يمنع مانع منه كالرطوبة و نحوها.

هذا بالنسبة إلى العلم التفصيلي.

و السؤال الذي يراد طرحه هنا هو: أن الحال في العلم الإجمالي هل هو كذلك، يعني أنه يوجب تنجيز معلومه بنحو العلية التامة؟

و الجواب: كلا، إنه لا يوجب تنجيز معلومه بنحو العلية التامة، أي إنه يمكن الترخيص بخلافه، فلو علمنا إجمالا بنجاسة هذا الإناء أو ذاك فيمكن للمولى أن يرخصنا في ارتكاب هذا الإناء بإجراء أصل الطهارة فيه كما يمكنه أن يرخصنا في ارتكاب الطرف الآخر بإجراء أصل الطهارة فيه.

و الوجه في ذلك أنه في العلم الإجمالي يوجد شكّ بلحاظ هذا الإناء فلا نجزم بكونه نجسا، كما أنه يوجد شكّ بلحاظ الإناء الآخر فلا يجزم بكونه نجسا، و معه فيمكن أن يعبّدنا الشرع بطهارة ذاك.

إنه يمكن أن يعبّدنا بذلك في كلا الطرفين فضلا عن طرف واحد.

نعم في حالة الترخيص في كلا الطرفين قد يشكل بأن لازم ذلك القطع بمخالفة الحكم الواقعي، أي يلزم القطع بالحكم بطهارة كلا الإنائين في الوقت الذي نعلم فيه بنجاسة إحداهما، و كيف يمكن ذلك؟ أي كيف يمكن الحكم بطهارة كلا الإنائين ظاهرا بعد فرض قطعنا بنجاسة أحدهما؟

و في هذا المجال أجاب (قدّس سرّه) بأن محذور القطع بالمخالفة بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي لو قبلناه هنا و حكمنا بأن التناقض تام و مستحكم فلازم ذلك ثبوت المناقضة أيضا في الشبهة غير المحصورة بل و في الشبهة البدوية أيضا، فإنه في غير المحصورة يعلم بثبوت‏

17

النجاسة مثلا في أحد الأطراف غير المحصورة فكيف يمكن الحكم بجواز ارتكابها جميعا، إن الحكم بجواز ارتكاب جميع الأطراف غير المحصورة يناقض علمنا بنجاسة واحد منها.

و هكذا الحال بالنسبة إلى الشبهة البدوية، فإنه يجري فيها أصل الطهارة بلا إشكال و الحال أنّنا نحتمل ثبوت النجاسة فيها واقعا فيلزم احتمال ثبوت المتناقضين، و من الواضح أنه كما لا يمكن القطع باجتماع المتضادين كذلك لا يمكن احتمال ذلك.

إذن محذور المناقضة اللازم واحد، فإذا كانت تلزم المناقضة في الشبهة المحصورة لو حكم بالطهارة الظاهرية في كلا الإنائين فيلزم ثبوت المناقضة في الشبهة غير المحصورة بل و في الشبهة البدوية أيضا.

و جواب المناقضة قد تقدّم في نهاية الأمر الرابع‏ (1) و تأتي الإشارة إليه تفصيلا إن شاء اللّه تعالى في مبحث الجمع بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظاهرية.

ثمّ بعد ذلك تعرّض (قدّس سرّه) إلى هذا المطلب، و هو أن العلم الإجمالي و إن كان كالتّفصيلي منجّزا إلّا أنّهما يختلفان في أن العلم الإجمالي منجّز بنحو المقتضي دون العلية التامة، بخلافه في العلم التفصيلي، فإنه منجّز بنحو العلية التامة، يعني أنه في العلم التفصيلي لا يمكن الترخيص بخلافه ترخيصا واقعيا و لا ظاهريا لما تقدّم، و هذا بخلافه في العلم الإجمالي، فإنه منجّز بنحو الاقتضاء، أي إن تنجيزه‏

____________

(1) حيث ذكر (قدّس سرّه) أن الحكم الواقعي فعلي بفعليّة غير محضة، أي لا يوجد على طبقه إرادة و كراهة غايته لو علم به لتنجّز بخلاف الحكم الظاهري، فإنه فعلي بفعليّة محضة، و معه فلا يلزم اجتماع إرادتين أو كراهتين أو إرادة و كراهة.

18

لمعلومه معلّق على عدم وجود مانع عقلي و لا شرعي، أما مع وجودهما (1) فلا يكون منجّزا، كما هو الحال في النار مثلا، فإنه يقال: هي مقتض للإحراق، أي إنها توجبه لو لم يمنع مانع.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك هذا المطلب- الذي هو أشبه بالتكرار لما سبق و التلخيص له، و هو أنه يوجد منبّه على كون العلم الإجمالي مقتضيا للتنجيز لا علة تامة، و هو أن العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة لا تجوز مخالفته إذا لم يأذن المولى بارتكاب بعض أطرافه بينما في الشبهة غير المحصورة تجوز مخالفته، و هذا منبّه على كون العلم الإجمالي مقتضيا للتنجيز لا علة تامة و إلّا لم تجز مخالفته في جميع الحالات بما في ذلك حالة كون الأطراف غير محصورة و يلزم عدم صحة الإذن بمخالفته في الشبهة المحصورة. (2)

____________

(1) مثال المانع العقلي: حالة الشبهة غير المحصورة فيما إذا كثرت الأطراف إلى حدّ لا يمكن الاحتياط بتركها جميعا، و نؤكّد: كثرت الأطراف إلى حدّ لا يمكن ترك جميعها لا أنه يعسر فقط، إذ لو فرض العسر فقط كان المانع من الاحتياط شرعيا آنذاك لا عقليا.

و مثال المانع الشرعي: حالة الشبهة المحصورة إذا فرض الإذن في ارتكاب بعض الأطراف أو في جميعها من خلال أصل الطهارة بناء على إمكان شموله لأحد الأطراف أو لجميعها.

(2) ينبغي الالتفات إلى أن المقصود في المقام هو البحث عن إمكان الترخيص بتطبيق أصل الطهارة مثلا في كلا الطرفين و عدمه، أي إن البحث هو بحث في الإمكان و الاستحالة و ليس بحثا عن الوقوع، فإن البحث عن مرحلة الوقوع يأتي في مبحث البراءة و الاشتغال إن شاء اللّه تعالى، و سوف يشير إلى ذلك المصنف فيما بعد.

و نحن نوافق الشيخ المصنف في إمكان الترخيص بتطبيق أصل الطهارة في كلا الطرفين على مستوى الترخيص الظاهري، فإنه بعد عدم تشخيص النجس الواقعي و عدم الجزم بكونه ثابتا في هذا الطرف أو في ذاك فمن المعقول الترخيص في ارتكابهما معا لاحتمال وجود مصلحة تقتضي ذلك، و لكن في‏

19

ثمّ تعرّض (قدّس سرّه) بعد ذلك إلى الرد على التفصيل الذي ذكره الشيخ الأعظم في المقام، فإنه ذكر أن العلم الإجمالي لا تجوز الإذن في مخالفته القطعية، يعني لا يجوز الإذن بمخالفته الاحتمالية، أي بترك موافقته القطعية، و ذلك بأن يأذن المولى بتطبيق أصل الطهارة مثلا في طرف واحد لا في كلا الطرفين، و هذا ما يمكن أن نصطلح عليه علميا بأن العلم الإجمالي منجّز بنحو العلية التامة لحرمة المخالفة القطعية بينما هو مقتض لوجوب الموافقة القطعية.

هذا هو التفصيل الذي ذكره الشيخ الأعظم في المقام، و لكنه ضعيف، فإن الإذن بتطبيق أصل الطهارة إما أن يجوز في كلا الطرفين أو أنه لا يجوز حتّى في طرف واحد، إنه من ناحية الإمكان و الاستحالة هما على حدّ واحد، فإن القطع باجتماع المتناقضين إذا كان مستحيلا فاحتمال اجتماعهما مستحيل أيضا، يعني أن الترخيص في إجراء أصل الطهارة في كلا الطرفين إذا كان يلزم منه القطع باجتماع المتناقضين، و هو مستحيل فيلزم عدم إمكان الترخيص في إجراء الأصل في أحد الطرفين أيضا لأنه يلزم منه احتمال اجتماع المتناقضين، و هو مستحيل أيضا، فإنه كما لا يمكن للعاقل القطع باجتماع المتنافيين لا يمكن له احتمال اجتماعهما أيضا، و هل يمكن لعاقل احتمال اجتماع الوجود و العدم؟!

إذن التفصيل المذكور تفصيل مرفوض. (1)

____________

الوقت الذي نحن نسلّم فيه بإمكان ذلك عقلا نعترف بعدم كونه عقلائيا، أي ندّعي أن أدلة الأصول منصرفة عقلائيا عن أطراف الشبهة المحصورة.

(1) و لكن يمكن ابراز الفارق بين الحالتين، فيقال: إن الترخيص في إجراء أصل الطهارة مثلا في أحد الطرفين أمر ممكن، حيث يجعل المولى الطرف الثاني بدلا عن النجس المعلوم بالإجمال واقعا و يكون تركه تركا للنجس المعلوم بالإجمال، و بعد ذلك يصح له الترخيص بارتكاب الطرف الأوّل، و هذا بخلافه‏

20

توضيح المتن:

إنه قد عرفت كون القطع التفصيلي ...: لكن بلفظ العلة التامة لم يتقدّم هذا سابقا، و إنما الذي تقدّم كونه مما لا تناله يد الجعل الشرعي نفيا و لا إثباتا، و هو عبارة أخرى عن كونه علة تامة للتنجّز.

لا يكاد تناله يد الجعل: هذا بمثابة التوضيح لكونه علة تامة للتّنجّز.

فهل القطع الإجمالي كذلك: أي هو علة تامة.

فيه إشكال: أي يمكن أن يقال: إن العلم الإجمالي ليس علة تامة للتنجز.

حيث لم ينكشف به: أي بالعلم الإجمالي.

و كانت مرتبة الحكم الظاهري: أي كان موضوع الحكم الظاهري- و هو الشكّ و عدم العلم- محفوظا مع العلم الإجمالي جاز ...

احتمالا: يعني في أحد الطرفين، و قوله: بل قطعا يعني في كلا الطرفين.

و محذور مناقضته: هذا مبتدأ، و خبره إنما هو ... أي إن محذور مناقضة الترخيص في كلا الطرفين مع النجاسة المعلومة بالإجمال مثلا هو نفس محذور مناقضة الحكم الواقعي للظاهري الثابت في الشبهة غير المحصورة عند الترخيص في ارتكاب جميع أطرافها، و هو نفس محذور المناقضة الثابت في الشبهة البدوية.

لا يقال إن التكليف ...: يوجد في بعض النسخ عبارة إضافية، و الأجدر زيادتها، و تلك العبارة الإضافية هي: (لا يقال: إن التكليف فيهما لا يكون بفعلي، فإنه يقال: كيف المقال في موارد ثبوته في أطراف غير

____________

حالة الإذن في المخالفة القطعية، فإنه حيث لا يمكن جعل الآخر بدلا فلا تجوز.

و لعلّه إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

21

محصورة أو في الشبهات البدوية مع القطع به أو احتماله أو بدون ذلك).

إن الإضافة المذكورة ليست ذات معنى مستقيم، فالأجدر زيادتها.

ضرورة عدم تفاوت في المناقضة بينهما بذلك أصلا: أي ضرورة عدم تفاوت في محذور المناقضة- أي بين الترخيص بارتكاب كلا الطرفين و بين الحكم الواقعي المعلوم بالإجمال- بين الشبهة المحصورة من جانب و بين غير المحصورة و البدوية من جانب آخر بذلك، يعني بكونه قطعيا في بعضها و احتماليا في بعضها الآخر، فإن احتمال اجتماع المتناقضين أمر مستحيل كالقطع باجتماعهما.

ثمّ إن النسخ مختلفة في هذا المورد أيضا، ففي بعضها العبارة كما ذكرنا، بينما في بعضها الآخر ذكرت العبارة هكذا: ضرورة عدم تفاوت في المناقضة بين المكلّف الواقعي و الإذن في الاقتحام في مخالفته بين الشبهات أصلا فما به التفصي ...

و توجد نسخة أخرى و هي هكذا: ضرورة عدم تفاوت في المناقضة بين التكليف الواقعي و الإذن في الاقتحام في مخالفته بين الشبهات فما به التفصي ...

و ينبغي أن لا يخفى أن المعنى واحد على جميع النسخ الثلاث، و الأرجح هي النسخة الأولى، أي: ضرورة عدم تفاوت في المناقضة بينهما بذلك أصلا.

عن المحذور فيهما: أي في الشبهة غير المحصورة و الشبهة البدوية.

و قد أشرنا إليه سابقا: أي إلى ما به التفصي عن إشكال المناقضة، و قد تقدّم في نهاية الأمر الرابع.

22

نعم كان العلم الإجمالي ...: الأنسب: نعم الإجمالي كالتفصيلي في مجرد إيجابه للتنجيز و لكن بنحو الاقتضاء دون العلية التامة.

فيوجب تنجّز التكليف أيضا: أي كالعلم التفصيلي، و لكنه يوجب ذلك معلّقا على عدم المانع العقلي و الشرعي.

في الاقتحام فيها: أي في أطراف الشبهة المحصورة، فإنه ممكن بنظر المصنف.

و بالجملة قضية: هذا إشارة إلى ما ذكرنا أنه تلخيص و تكرار.

و ضمير مع القطع به يرجع إلى التكليف.

أو مع الإذن في الاقتحام فيها: أي في الأطراف، و المقصود المحصورة.

و أما احتمال: هذا رد على تفصيل الشيخ الأعظم.

ضرورة أن احتمال ثبوت المتناقضين: يعني اللازم من الإذن في ترك الموافقة القطعية.

كالقطع بثبوتهما: يعني اللازم من الإذن في المخالفة القطعية.

فلا يكون عدم القطع بذلك: أي بثبوت المتناقضين. و ضمير صحّ معها يرجع إلى المناقضة المحتملة.

فافهم: تقدّم وجهه.

خلاصة البحث:

إن العلم التفصيلي علة تامة للتنجّز إلّا أن العلم الإجمالي ليس كذلك لإمكان الترخيص الظاهري في أحد طرفيه بل في كليهما لانحفاظ موضوع الحكم الظاهري في الطرفين فيه.

و محذور المناقضة بين المعلوم بالإجمال و الترخيص في كلا الطرفين هو نفس محذور المناقضة في الشبهة غير المحصورة و في‏

23

الشبهة البدوية، و الجواب واحد.

ثمّ إن العلم الإجمالي منجّز بنحو الاقتضاء دون العلية، يعني أن إيجابه للتنجيز معلّق على عدم الترخيص العقلي و الشرعي في المخالفة.

و التفصيل الذي ذكره الشيخ الأعظم لا وجه له.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الأمر السابع: العلم الإجمالي مقتض للتّنجّز لا علة تامة:

قد عرفت كون العلم التفصيلي علة تامة للتنجّز، أي يستحيل أن تناله يد الجعل إثباتا أو نفيا.

و هل العلم الإجمالي كذلك؟ فيه إشكال. و لا يبعد أن يقال: إن التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف و كان موضوع الحكم الظاهري محفوظا معه جاز الإذن في مخالفته احتمالا بل قطعا.

و محذور مناقضته مع المقطوع بالإجمال ليس هو إلّا محذور مناقضة الحكم الظاهري للواقعي في الشبهة غير المحصورة بل البدوية، و ما به التفصّي هناك يتفصّى به هنا، و قد أشرنا إليه سابقا و يأتي إن شاء اللّه مفصّلا.

ثمّ إن العلم الإجمالي كالتفصيلي في أصل إيجابه للتنجيز إلّا أنه بنحو المقتضي دون العلية التامة، يعني هو يوجب التنجّز لو لم يمنع منه مانع عقلي أو شرعي.

و لك أن تقول: إن مقتضى صحة المؤاخذة على المخالفة في الشبهة المحصورة و عدم صحتها في غير المحصورة بل في المحصورة مع الإذن في المخالفة كون العلم الإجمالي مقتضيا للتنجّز لا علّة تامّة.

و أما احتمال أنه بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى وجوب الموافقة

24

القطعية و بنحو العلة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية فضعيف، ضرورة أنه كما يستحيل القطع بثبوت المتناقضين يستحيل احتمال ذلك أيضا، و لو صح الإذن في المخالفة الاحتمالية صح في القطعية أيضا، فافهم.

***

25

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

26

قوله (قدّس سرّه):

«و لا يخفى أن المناسب للمقام ...، إلى قوله:

و أما فيما احتاج إلى التكرار ...».

(1)

تقسيم البحث:

هذا إشارة إلى مطلب جديد حاصله: أن الأصوليين قد تحدّثوا عن العلم الإجمالي مرتين، مرة في مبحث القطع و أخرى في مبحث البراءة و الاشتغال.

و لكن كيف ينبغي أن يبحث حتّى لا يلزم التكرار في المباحث؟ ذكر الشيخ الأعظم في الرسائل أنه في القطع نبحث عن حيثية حرمة المخالفة القطعية، فنبحث هل العلم الإجمالي ينجّز حرمة المخالفة القطعية أو لا، بينما في البراءة و الاشتغال نبحث عن حيثية وجوب الموافقة القطعية، أي نبحث هل العلم الإجمالي ينجّز وجوب الموافقة القطعية أو لا؟

هذا ما اقترحه الشيخ الأعظم، و هو قد سار على هذا الشكل.

و الشيخ الآخوند رفض هذا و لم يبيّن سبب رفضه و اقترح شيئا آخر.

أما سبب الرفض فلعلّه هو أن البحث عن حرمة المخالفة القطعية و عن وجوب الموافقة القطعية هما معا بحث عن منجّزيّة العلم الإجمالي و حجيته، فإنه يقال: هل العلم الإجمالي منجّز لحرمة المخالفة القطعية أو لا؟ و هل هو منجّز لوجوب الموافقة القطعية أو لا؟ و ما دام هما معا بحثين عن حجية القطع و عن‏

____________

(1) الدرس 261: (21/ ذي الحجة/ 1426 ه).

27

شئونه و عمّا يرتبط به فلا وجه لذكر أحدهما هنا و الآخر هناك، بل الأجدر أن يذكرا معا هنا، لأن بحثنا هنا عن حجية القطع و ما يرتبط بشئونه، فمن المناسب ذكر كلا البحثين المذكورين هنا.

و أما ما اقترحه الشيخ الآخوند فهو البحث عن كلتا الجهتين هنا، فنبحث عن حرمة المخالفة القطعية و عن وجوب الموافقة معا هنا، لأنهما بحثان عن شئون القطع و حجيته، غايته نبحث هنا هكذا: هل القطع يوجب حرمة المخالفة و وجوب الموافقة بنحو الاقتضاء- بحيث يتوقّف التنجيز على عدم الترخيص بالخلاف في كلا الطرفين أو في أحدهما من قبل الشارع- أو أنه يوجبه بنحو العلية التامة بحيث لا يمكن الترخيص بالخلاف و يستحيل ذلك. فإن بنينا هنا على أن التنجيز هو بنحو الاقتضاء فذلك يعني أنه موقوف على عدم الترخيص بالخلاف فنذهب آنذاك إلى مبحث البراءة و الاشتغال و نبحث هل أدلة الأصول العملية تدل على وقوع الترخيص بالخلاف أو لا، أي إن مثل حديث كل شي‏ء لك حلال يمكن أن نستفيد منه جريان الأصل في كلا الطرفين أو في أحدهما على الأقل أو لا، هذا إذا قلنا بالاقتضاء هنا، و أما إذا قلنا بالعليّة التامة فذلك معناه أنه لا يمكن الترخيص بالخلاف فلا نذهب آنذاك إلى مبحث البراءة و الاشتغال للتعرّف على دلالة أدلة الأصول العملية على التعبّد بالأصل في الطرفين أو في أحدهما أو لا.

إذن البحث هنا هو بحث عن الاقتضاء و العليّة، أي بحث عن إمكان ترخيص الشارع بالخلاف و عدمه، فإن قلنا بالاقتضاء، أي بإمكان الترخيص بالخلاف فيعود مجال للبحث هناك عن وقوع التعبّد و عدمه، و إن لم نقل بالاقتضاء بل بالعليّة يعود مجال للبحث هناك.

28

و لك أن تقول: إن البحث هنا هو عن إمكان الترخيص بالخلاف و عدمه، بينما هناك عن مرحلة الوقوع، أي وقوع التعبّد بالترخيص بالخلاف و عدمه.

هناك دوران للعلم الإجمالي:

هناك دوران للعلم الإجمالي ينبغي الالتفات إليهما، و هما:

1- هل التكليف يثبت بالعلم الإجمالي و يتنجّز به أو لا؟ و هذا هو ما تقدّمت الإشارة إليه و كان كلامنا فيه إلى الآن، و قد اتّضح أنه منجّز بنحو الاقتضاء دون العلية.

2- إن التكليف إذا كان ثابتا بالقطع التفصيلي فهل يمكن سقوطه و امتثاله بنحو العلم الإجمالي أو لا؟ كما لو فرض أنه كان لدينا خمسة أثواب، و نعلم بأن واحدا منها طاهر و البقية متنجسة فهل يمكن للمكلف- إذا كان بإمكانه تشخيص الطاهر من خلال السؤال أو الفحص- الصلاة خمس مرات، و ذلك بأدائها في كل ثوب مرة؟ إنه لو صلّى الشخص خمس مرات فسوف يحصل له العلم إجمالا بأنه قد امتثل بإحدى الصلوات الخمس من دون تشخيص في صلاة واحدة بعينها.

و المفروض في هذا البحث أن المكلف يمكنه تشخيص الثوب الطاهر من خلال السؤال أو الفحص بنفسه و لكنه يترك ذلك و يصلي خمس مرات، إنه هل يجوز ذلك أو لا؟ أما لو فرض أنه لا يمكنه السؤال و الفحص فلا إشكال في جواز الاكتفاء بالعلم الإجمالي لعدم وجود طريق آخر غيره.

إن المفروض أن الصلاة قد ثبت وجوبها بالعلم التفصيلي و لكن المكلف في مقام تفريغ ذمته يحاول أن يمتثل بنحو العلم الإجمالي.

29

إذن الآن نريد أن نبحث هذه النقطة، و هي أنه هل يجوز الأخذ بالعلم الإجمالي في مقام الامتثال و تفريغ الذمة بعد فرض إمكان تفريغها بنحو العلم التفصيلي؟

و في مقام الجواب نقول: إن الكلام تارة يقع في حالة كون الواجب توصليا، و أخرى فيما إذا كان عباديا.

أما إذا كان توصليا، كما إذا لم يدر العبد أن مولاه أمره بغسل هذا الثوب أو ذاك فيجوز له التكرار، بأن يغسل الثوبين و إن كان بإمكانه السؤال و تشخيص الثوب المأمور بغسله.

و أما إذا كان عباديا فهناك حالتان، إذ تارة يكون الامتثال الإجمالي غير مقتض للتكرار، و أخرى يكون مقتضيا لذلك.

مثال الأوّل: ما إذا شكّ أن السورة جزء من الصلاة أو لا، فإنه يمكن الاحتياط و الامتثال الإجمالي و إن كان لا يدري هل يتحقّق بالصلاة مع السورة أو بالصلاة من دون السورة.

و مثال الثاني: الأثواب التي يعلم بطهارة واحد منها، كما مثّلنا بذلك سابقا.

الامتثال الإجمالي بلا تكرار:

أما حالة عدم التكرار فيمكن الحكم فيها بالجواز، أي يجوز للمكلف أن يصلي مع السورة حتّى لو كان بإمكانه السؤال و التأكد، و ذلك لتحقّق جميع الشرائط من دون اختلال شي‏ء منها، و شرائط الصلاة هي على أنحاء ثلاثة:

1- قصد القربة أو بالأحرى قصد العبادية و الطاعة. و قد تقدّم في مبحث التعبديّ و التوصليّ أن مثله لم يأخذ في متعلّق الأمر جزما، للزوم محذور الدور، و لكنه دخيل في تحقّق الغرض و الهدف جزما.

30

أما لما ذا يلزم الدور؟ ذلك باعتبار أن قصد القربة فرع افتراض وجود الأمر حتّى يمكن التقرّب من خلاله، و إذا افترض أخذه في متعلّق الأمر فيلزم أن يكون الأمر متوقّفا عليه، لأن الأمر يتوقّف تعلّقه بشي‏ء على افتراض تحقّق المتعلّق في المرتبة السابقة.

إذن الأمر موقوف على تحقّق قصد القربة أوّلا، و قصد القربة موقوف على الأمر فيلزم الدور.

2- قصد الوجه- أعني قصد الوجوب في الواجب، و الاستحباب في المستحب- و التمييز، يعني تمييز أن هذا العمل واجب أو هو مستحب.

و التمييز و قصد الوجه هما و إن لم يؤخذا في متعلّق الأمر جزما، للزوم محذور الدور المتقدّم‏ (1) إلّا أن مدخليتهما في الغرض احتمالية لا جزمية.

3- الإتيان بالجزء بقصد جزئيته، فحينما يؤتى بالتشهد فقد يقال:

إنه يلزم الإتيان به بقصد كونه جزء من الصلاة.

و باتضاح هذا نقول: إنه عند الإتيان بالصلاة مع السورة من دون فحص و سؤال يلزم أن تقع صحيحة، لعدم وجود أي خلل فيها، إذ قصد القربة الذي هو دخيل في الغرض جزما متحقّق، فإن بإمكان المكلف الإتيان بالصلاة مع السورة بقصد القربة، فالتقرّب يمكن قصده عند الإتيان بالصلاة- المشتملة على السورة- بقصد التقرّب، بل هي إن لم‏

____________

(1) و وجه الدور:

أما بالنسبة إلى التمييز فلأن تحقّقه فرع وجود الأمر حتّى يمكن تمييز الواجب من خلاله فإذا كان مأخوذا في المتعلّق كان الأمر موقوفا عليه فيلزم الدور.

و أما بالنسبة إلى قصد الوجوب فلأن قصده فرع وجود الأمر حتّى يتحقّق الوجوب فإذا كان مأخوذا في المتعلّق كان الأمر موقوفا عليه فيلزم الدور.

31

تكن واجبة فمستحبة جزما، و لا إشكال في إمكان التقرّب بالعمل المشتمل على المستحب.

و هكذا التمييز و قصد الوجه هما متحققان فيمكن للمكلف أن يأتي بالصلاة- المشتملة على السورة- بقصد وجوبها، و التمييز حاصل، إذ الصلاة المشتملة على السورة واجبة جزما و يصدق عليها أنها واجبة.

و يبقى الإتيان بالسورة بقصد جزئيتها، و هذا هو الذي لا يمكن أن يتحقّق، إذ السورة حيث لا يدرى أنها جزء فلا يمكن الإتيان بها بقصد الجزئية، و لكن من الواضح أن احتمال لزوم الإتيان بالجزء بقصد جزئيته أمر ضعيف في حدّ نفسه، إذ لو كان واجبا لأشير إليه في النصوص بعد غفلة عامة الناس عن احتمال مدخليته في الغرض.

و عليه ما يجزم بمدخليته في الغرض أو يحتمل هو متحقق، و ما هو ليس بمتحقق لا تحتمل مدخليته في الغرض.

إذن الاحتياط- من خلال الإتيان بالصلاة مع السورة- أمر جائز لعدم وجود أي خلل في العمل.

توضيح المتن:

هو البحث عن ذلك: أي كون العلم الإجمالي منجّزا بنحو الاقتضاء أو العلية.

للبحث عنه هناك: أي للبحث عن العلم الإجمالي في مبحث البراءة و الاشتغال.

و أما سقوطه به: أي و أما سقوط التكليف و تحقّق امتثاله به، يعني بالعلم الإجمالي.

32

في حصول الغرض منها: أي من العبادة.

مما لا يمكن أن يؤخذ فيها: هذا راجع إلى الاثنين معا، أي إلى ما هو معتبر في الغرض جزما و ما هو محتمل المدخلية فيه.

فإن نشأ من قبل ...: هذا بيان لوجه عدم إمكان أخذه في العبادة، و هو إشارة إلى محذور الدور.

كقصد الإطاعة: هذا إشارة إلى ما يجزم بمدخليته في الغرض، و أما الوجه و التمييز فهو إشارة إلى ما تحتمل مدخليته في الغرض.

إخلال حينئذ: أي حين الإتيان بالعمل مع الجزء المشكوك.

و ضمير تقديرها و قصدها يرجع إلى الجزئية.

خلاصة البحث:

المناسب البحث هنا عن حيثية كون التنجّز بنحو الاقتضاء أو بنحو العليّة، فإذا ثبت كونه بنحو الاقتضاء فيكون من المناسب آنذاك البحث عن وقوع الترخيص بالخلاف و عدمه في مبحث البراءة و الاشتغال.

و العلم الإجمالي كما أنه يثبت به التكليف يسقط به أيضا، و هو في التوصليات واضح، و هكذا في العباديات عند عدم التكرار، لأن القربة و الوجه و التمييز يمكن قصدها عند الإتيان بالعمل الواجد للجزء المشكوك، و قصد الجزئية لا تحتمل مدخليته في الغرض.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إن المناسب للمقام هو البحث عن ذلك، كما أن المناسب في البراءة و الاشتغال بعد الفراغ هنا عن كون التنجيز بنحو الاقتضاء البحث عن ثبوت المانع- شرعا أو عقلا- و عدمه.

33

نعم بناء على كون التنجيز بنحو العليّة لا يبقى مجال للبحث عن المانع هناك.

و ما سبق كان ناظرا إلى الأوّل، و أما الثاني فلا إشكال فيه في التوصليات.

و أما العبادات فكذلك إذا لم يحتج إلى التكرار- كما إذا تردّد أمر عبادة بين الأقل و الأكثر- لعدم الإخلال بشي‏ء يجزم باعتباره في الغرض كقصد الإطاعة أو يحتمل كقصد الإطاعة و التمييز، و لا إخلال إلّا من ناحية عدم الإتيان بما تحتمل جزئيته بقصدها، و لكن احتمال مدخليته في الغرض ضعيف جدّا.

***

34

قوله (قدّس سرّه):

«و أما فيما احتاج إلى التكرار ...، إلى قوله: فيقع المقام فيما هو المهم من عقد هذا المقصد ...».

(1)

الامتثال الإجمالي بالتكرار:

ثمّ إن كل ما تقدّم ناظر إلى الامتثال الإجمالي بلا تكرار.

و أما إذا كان مستدعيا للتكرار فقد يقال بعدم جوازه لوجوه ثلاثة:

1- إن قصد الوجه- أعني قصد الوجوب في الواجب، و قصد الاستحباب في المستحب- لا يمكن أن يتحقّق عند الامتثال بالتكرار، لأنه بأي صلاة يقصد المكلف الوجوب؟ فهل يقصد ذلك بالصلاة في الثوب الأوّل أو بالصلاة في الثوب الثاني أو ...؟ إن كل ذلك غير ممكن لاحتمال أن تكون الصلاة الواجبة هي الأخرى.

2- إن التمييز أمر لازم، أي يلزم على المكلف أن يعرف أن هذه هي الصلاة الواجبة أو تلك، و يعرف أن أي جزء هو واجب، و أي جزء هو مستحب بقطع النظر عن قصد ذلك، و من الواضح أنه مع التكرار لا يتحقّق التمييز، إذ لا يعرف المكلف أن أيّ واحدة من الصلوات هي واجبة.

____________

(1) الدرس 262: (22/ ذي الحجة/ 1426 ه).

35

3- إن التكرار نحو لعب بأمر المولى، إذ المكلف إذا كان يمكنه التعرّف على الثوب الطاهر و أداء صلاة واحدة فيه فالتكرار في الأثواب المتعدّدة لعب بأمر المولى، و بالتالي لا يمكن تحقّق قصد التقرّب.

هذه هي الوجوه الثلاثة.

و الجميع قابل للمناقشة.

أما الوجه الأوّل فلأن قصد الوجوب يمكن تحقيقه عند الإتيان بالصلوات المتعددة، و ذلك بأن يقصد هكذا: أ أتي بخمس صلوات مثلا التي إحداها واجبة بقصد وجوبها، و بناء على هذا يتحقّق قصد الوجوب، غايته يكون المفقود هو التمييز، أي إن المكلف لا يميّز أن أيّ واحدة من الصلوات الخمس هي الواجبة، فالمفقود هو التمييز دون قصد الوجه، و بهذا سوف نتحدّث عن التمييز الذي هو الوجه الثاني و نقول:

و أما الوجه الثاني فلأن التمييز لا نحتمل مدخليته في الغرض حتّى يلزم الإتيان به، فإن احتمال ثبوت مدخلية له في غرض المولى قضية يغفل عنها غالب الناس، فلو كانت له المدخلية حقا فيلزم على المولى التنبيه على ذلك- بأن يقول: إنّ التمييز دخيل في تحصيل غرضي- كي لا يلزم فوات غرضه، و حيث إنه لا إشارة في النصوص إلى ذلك فيحصل للفقيه الجزم بعدم ذلك.

و لك أن تقول: إن التمييز و إن كنّا لا نحتمل مدخليته في متعلّق الأمر، لفرض استحالة تعلّق الأمر به من جهة محذور الدور و لكن في نفس الوقت لا نحتمل مدخليته في الغرض، من جهة أن الاحتمال‏

36

المذكور أمر يغفل عنه عامة الناس و يحتاج إلى تنبيه فإذا لم ينبّه على ذلك فيحصل الجزم بعدم المدخلية في الغرض أيضا. (1)

و أما الوجه الثالث فهو مردود من ناحيتين:

1- إن اللعب غير صادق، إذ كثيرا ما يتحقّق التكرار لهدف عقلائي، من قبيل أن الصلاة في الطاهر بنحو العلم التفصيلي تحتاج إلى فحص و سؤال، و قد يستصعب المكلف ذلك.

2- إنه مع التّسليم بصدق اللعب يمكن أن نقول: إن ذلك لعب في مقام امتثال الأمر و ليس بنفس أمر المولى، من قبيل من يذهب إلى قمة جبل لأداء الصلاة عليها في الوقت الذي يمكن أداء الصلاة على الأرض بسهولة، و الذي يضرّ بتحقّق القربة هو اللعب بنفس الأمر دون اللعب في مقام الامتثال.

و النتيجة من كل هذا: إن الامتثال الإجمالي أمر لا محذور فيه حتّى لو استدعى التكرار.

الظن التفصيلي بالامتثال:

ثمّ إن كل كلامنا فيما سبق خاص بما إذا أمكن تحصيل اليقين التفصيلي بالامتثال و لكن المكلف يعدل عنه و يختار الامتثال الإجمالي. و الآن نفترض أن‏

____________

(1) و هذه طريقة جميلة و فنّية يمكن تطبيقها في مجالات مختلفة، و لعلّ نفسها أو ما يقرب منها ما قد يذكر في مسألة الموقف بعرفة في الحج، فيقال: إن المسألة ابتلائية، و من البعيد اتحاد الموقف واقعا طيلة سنوات وجود الأئمّة (عليهم السّلام) فلو كان الاحتياط لازما و كان الحج المأتي به ليس مجزيا فيلزم أن تشير إلى ذلك النصوص و لاشتهر، و حيث لا إشارة إلى ذلك في النصوص و لا سؤال و لا جواب عنه فيحصل الاطمئنان للفقيه بعدم لزوم ذلك. و هذه الطريقة من الاستدلال لعلّها طريقة جديدة لا ترجع إلى الكتاب و لا إلى السنّة و لا إلى الإجماع أو العقل، و وجه حجيتها تحصيلها الاطمئنان للفقيه، و الاطمئنان حجة كما هو واضح.

37

اليقين التفصيلي لا يمكن تحصيله و إنما الممكن هو تحصيل الظن التفصيلي، أي إن الأمر دائر بين تحصيل الامتثال التفصيلي و لكن بنحو الظن و بين تحصيل الامتثال الإجمالي بنحو العلم فأيّهما هو المقدّم؟

و الجواب: أن الظن إذا كان ظنا خاصا- أي هو حجة من باب قيام الدليل القطعي على حجيته غير دليل الانسداد- فحكمه حكم العلم، و ما قلناه فيما سبق نقوله في ذلك.

و أما إذا كان الظن حجة لا بالنحو المذكور ففي مثله يقدّم الامتثال الإجمالي العلمي على الامتثال التفصيلي الظني، فإن العلم مقدّم على الظن، كما هو واضح.

بيد أن هذا وجيه لو كان الظن حجة في خصوص حالة تعذّر العلم، فإن في مثله يقدّم الامتثال الإجمالي العلمي على الامتثال التفصيلي الظني، و أما لو كان الظن حجة من دون اختصاص بحالة تعذّر العلم ففي مثله يتخيّر المكلف بين انتخاب هذا أو انتخاب ذاك.

نعم لو فرض أن مدرك حجية الظن هو دليل الانسداد و فرض أن واحدة من مقدماته كانت هكذا: إن الاحتياط باطل- لأنه يلزم منه الإخلال بالنظام أو لأنه يستلزم اللعب بأمر المولى لو كان بنحو التكرار- لا أنه ليس بواجب فيتعيّن في مثل ذلك المصير إلى الظن التفصيلي في مقام الامتثال دون الامتثال الإجمالي العلمي لفرض أنه قد بني على بطلان الاحتياط و عدم جوازه.

إذن ينبغي التفصيل بين أن نبني على عدم وجوب الاحتياط لا عدم جوازه فالمناسب التخيير بين الامتثال الظني التفصيلي و بين الامتثال العلمي الإجمالي، و بين أن نبني على عدم جواز الاحتياط و بطلانه، و المناسب في مثله البناء على تعيّن الامتثال الظني.

38

ثمّ إنه بناء على هذا- و هو أن الاحتياط باطل و ليس بجائز أما لمحذور لزوم الإخلال بالنظام أو لمحذور اللعب- يتعيّن الحكم ببطلان عبادة تارك طريق الاجتهاد و التقليد فيما إذا أراد الاحتياط، فالاحتياط منه يقع باطلا و يتعيّن عليه سلوك طريق الاجتهاد أو طريق التقليد لا غير.

توضيح المتن:

و أنت خبير بعدم ...: هذا ردّ على الوجه الأوّل من الوجوه الثلاثة، أي إنه لا يلزم الإخلال بقصد الوجه أبدا. و قوله: بوجه هو بمعنى أبدا.

فالإخلال إنما يكون به: أي بالتمييز.

و احتمال اعتباره ...: هذا شروع في ردّ الوجه الثاني.

ثمّ إن الأنسب حذف كلمة أيضا، لأن قصد الوجه لم يكن احتمال اعتباره ضعيفا حتّى يصح الإتيان بكلمة أيضا. و عليه لا بدّ و أن يفسر المقصود هكذا: إن لزوم الإشكال من ناحية الوجه الثاني ضعيف جدا كما كان الإشكال من ناحية الوجه الأوّل ضعيفا جدا.

مع أنه مما يغفل ...: أي و الحال أن عامة الناس يغفلون عن احتمال مدخلية التمييز في الغرض فلا يحكم عقلهم عليه بلزوم الاحتياط من باب لزوم تحصيل اليقين بتحقّق غرض المولى.

كما نبهنا عليه سابقا: يعني في مبحث التعبدي و التوصلي.

و أما كون التكرار لعبا ...: هذا شروع في ردّ الوجه الثالث.

إلّا من الظن به كذلك: أي الظن بالامتثال تفصيلا فلا إشكال في تقديم الامتثال العلمي الإجمالي على الامتثال الظني- و المقصود كما قلنا الظن المطلق و إلّا فالظن الخاص حكمه حكم العلم- لو فرض أن اعتباره كان خاصا بحالة عدم التمكن منه.

39

لو لم يقم دليل على اعتباره: المناسب في العبارة: لو كان اعتباره خاصا بحالة عدم التمكّن منه.

و أما لو قام على اعتباره مطلقا: أي على اعتبار الظن مطلقا، يعني سواء أمكن الامتثال العلمي الإجمالي أم لا.

من مقدمات: أي دليل الانسداد.

فالمتعين هو التنزيل عن القطع ...: أي يتعيّن أن يكون الحجة في المرتبة الأولى هو القطع التفصيلي، ثمّ في المرتبة الثانية الظن التفصيلي دون العلم الإجمالي بالامتثال. و قوله: كذلك يعني تفصيلا.

و عليه فلا مناص ...: أي بناء على عدم جواز الاحتياط لأحد المحذورين.

و إن احتاط: المناسب حذف الواو.

خلاصة البحث:

اشكل على الامتثال الإجمالي الحاصل بالتكرار بأوجه ثلاثة كلها قابلة للخدشة.

و إذا دار الأمر بين الامتثال الظني التفصيلي و الامتثال الإجمالي العلمي فالثاني هو المقدّم إن كانت حجية الظن مختصة بحالة تعذّر العلم، و أما إذا لم تكن مختصة فالمكلف بالخيار إذا لم يحكم ببطلان الاحتياط بل بعدم وجوبه و إلّا كان المناسب تقدّم الامتثال الظني، كما أن المناسب بطلان عبادة المحتاط التارك لطريق الاجتهاد و التقليد.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و أمّا إذا احتيج إلى التكرار فربما يشكل من جهة الإخلال بالوجه تارة، و بالتمييز أخرى، و كونه لعبا و عبثا ثالثة. و الجميع باطل.

40

أما الأوّل فلعدم الإخلال بالوجه إذا فرض الإتيان مثلا بالصلاتين المشتملتين على الواجب بقصد وجوبه، غايته لا تمييز فالإخلال إنما يكون به.

و أما الثاني فلأن احتمال اعتباره ضعيف لعدم عين منه و لا أثر في الأخبار و الحال أنه مما يغفل عنه غالبا، و في مثله لا بدّ من التنبيه على اعتباره و دخله في الغرض و إلّا تحقّق الإخلال به كما نبهنا عليه سابقا.

و أما الثالث فلعدم اللعب إذا فرض وجود داع عقلائي، على أنه إنما يضر لو كان لعبا بأمر المولى لا بكيفية إطاعته بعد حصول الداعي إليها.

هذا كله إذا أمكن القطع تفصيلا بالامتثال.

و أما إذا لم يمكن إلّا الظن التفصيلي بالامتثال فالامتثال العلمي الإجمالي مقدّم عليه إذا كانت حجّيته خاصة بحالة عدم التمكّن منه.

و أما إذا كان حجة مطلقا جاز الاجتزاء به بلا إشكال. و أيضا لا إشكال في جواز الامتثال الإجمالي في مقابل الظني بالظن المطلق المعتبر بدليل الانسداد بناء على أن من مقدماته عدم وجوب الاحتياط، و أما لو كان من مقدماته بطلانه- لمحذور الإخلال بالنظام أو اللعب بأمر المولى- فالمناسب تعين الامتثال الظني و الحكم ببطلان عبادة المحتاط التارك لطريقي الاجتهاد و التقليد.

***

41

قوله (قدّس سرّه):

«هذا بعض الكلام في القطع ...، إلى قوله:

و كيف كان فما قيل أو يمكن أن يقال ...».

(1)

الانتهاء من مبحث القطع:

و بهذا ينتهي الكلام عن مبحث القطع بأموره السبعة. و نلفت النظر هنا إلى أن البحث عن العلم الإجمالي سوف يأتي مرة ثانية إن شاء اللّه تعالى في مبحث البراءة و الاشتغال، و قد ذكرنا سابقا كيفية تقسيم البحث، و قلنا إن الشيخ الأعظم قسّم البحث بشكل، و الشيخ الآخوند اقترح تقسيمه بشكل آخر، و ليس المقصود من ذكر البحث عن العلم الإجمالي ثانية تكرار الأبحاث السابقة نفسها، فإن ذلك لغو يجلّ الحكيم منه، و إنما المقصود ذكر ثان من أبحاثه، ففي مقامنا بحثنا عن حيثية الإمكان- أي أنه هل يمكن الترخيص بالخلاف في أحد طرفي العلم الإجمالي أو في كليهما أو أنه مستحيل- و قد اخترنا أن ذلك أمر ممكن، بينما في مبحث البراءة و الاشتغال سوف نبحث عن الوقوع و أنه هل نستفيد من دليل كل شي‏ء لك طاهر مثلا التعبّد بإجراء أصل الطهارة في الأطراف أو لا.

إذن مباحث القطع قد انتهت، و سوف نتحدّث عن مباحث الظن.

____________

(1) الدرس 263 و 264: (23 و 24/ ذي الحجة/ 1426 ه).

42

و قد ذكر (قدّس سرّه) في بداية المقصد السادس أن البحث يقع فيه عن الظن، أي عن الأمارات التي يمكن الحكم بحجيتها، ثمّ قال: لكن قبل ذلك يقع الكلام عن بعض مباحث القطع لأجل أن حجية الظن تنتهي بالتالي إلى القطع فلا بدّ من البحث عن القطع أوّلا، و الآن يقول (قدّس سرّه): فرغنا من القطع و يقع الكلام عن الظن، أي عن الأمارات التي قيل أنها حجة أو يمكن أن يقال بكونها حجة.

***

43

الفصل الثاني: مبحث الظن‏

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

مبحث الظن:

و في مبحث الظن نبحث عن الأمارات الحجة، أي إن أيّ أمارة قيل أو يمكن أن يقال بحجيتها و أيّ أمارة ليست كذلك. ثمّ قال: و قبل أن نشرع في هذا المطلب نشير إلى أمور.

الأمر الأوّل: الظن ليس حجة بذاته:

يوجد فارق بين القطع و بين الظن، فالقطع حجة بذاته، و لا يمكن سلب الحجية عنه و لا إثباتها له، و أما الظن فالحجية ليست من لوازمه الذاتية، فهو لا يقتضي الحجية فضلا عن كونه علة تامة لها، و الفارق واضح، فإن القطع يتحقّق به انكشاف الواقع انكشافا تاما بخلاف الظن، فإن الواقع ينكشف به انكشافا ناقصا، و لذلك صار ذاك حجة بذاته بخلاف هذا.

إذن الظن بذاته لا يقتضي الحجية، أي هو لا يكون حجة إلّا إذا ثبتت الحجية له بجعل شرعي أو بحكم عقلي وليد مقدمات الانسداد إذا تمت و حكم العقل بحجية الظن.

ثمّ إن الظن كما أنه ليس حجة في إثبات التكليف ليس حجة في إسقاط التكليف. فمثلا إذا ظننا بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال فهذا الظن نريد أن نثبت به التكليف، و هذا هو ما قلنا عنه أنه لا يقتضي الحجية بذاته و لا يكون حجة إلّا بجعل شرعي أو حكم عقلي.

هذه حالة.

و حالة أخرى، و هي أنه قد يراد بالظن أحيانا جعله مسقطا للتكليف، كما لو فرض أن وقت الصلاة قد دخل، و بعد مضي فترة حصل للمكلف تردّد في أنه‏

46

صلى أو لا، فإذا فرض بعد التأمل و التفكير حصل له ظن بأنه قد أدّاها فهذا الظن يراد به إسقاط التكليف و إثبات أنه قد امتثل الوجوب، و المناسب أن لا يكون هذا الظن حجة لعدم الدليل على حجيته، بل إن مقتضى حكم العقل بأن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني هو عدم حجيته.

هذا و لكن بعض المحققين- و قد قيل هو المحقق الخونساري- ذهب إلى حجيته في مقام الإسقاط و تحقّق امتثال التكليف.

و في مقام الجواب يعلّق الشيخ المصنف و يقول: إنّا لا نعرف وجها لدعوى الحجية هذه سوى أن يقال: إن دفع الضرر المحتمل أمر غير لازم، أنه بناء على هذا يمكن أن تصحّ الدعوى المذكورة، فإن المكلف إذا ظن أنه قد أدّى الصلاة و امتثل أمرها بدرجة (70%) مثلا فهذا معناه أنه يحتمل الضرر بدرجة (30%) لو فرض أنه لم يؤد الصلاة من جديد فإذا قلنا إن دفع الضرر المحتمل أمر غير لازم عقلا فلا يلزم آنذاك أداء الصلاة من جديد، و بالتالي لازم ذلك حجية الظن بأداء الصلاة و امتثال أمرها.

إنه يلزم أن يكون الوجه في القول المذكور هو إنكار قاعدة دفع الضرر المحتمل، فإنه بناء على ذلك يتم القول المذكور. (1)

____________

(1) هذا التوجيه الذي ذكره الشيخ المصنف قد يناقش بأنه بناء عليه يلزم الاكتفاء باحتمال فعل الصلاة أيضا، فلو فرض أن المكلف احتمل أنه قد أدّى الصلاة بدرجة (50%) فهذا معناه أنه سوف يحتمل ثبوت الضرر في حقه- لو لم يؤد الصلاة من جديد- بدرجة (50%) فإذا قلنا إن دفع الضرر المحتمل ليس بلازم يلزم الاكتفاء باحتمال الأداء لو فرض أن درجته كانت (50%) و الحال أن هذا القائل خصّص الحجية بالظن و قال: إن الظن بالفراغ حجة دون مثل الاحتمال بدرجة (50%). و لعلّه إلى هذا أشار المصنف بالأمر بالتأمّل في قوله: فتأمل.

47

الأمر الثاني: كيف نثبت الإمكان؟

حاصل ما نريد أن نذكره في هذا الأمر هو أن ابن قبة ادّعى استحالة جعل الحجية للأمارة للزوم محذور اجتماع المثلين أو الضدين كما سوف يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى، فابن قبة يدّعي عدم الإمكان، و المشهور يدّعون الإمكان. و هذا الإمكان المتنازع فيه ليس هو الإمكان الذاتي بل الإمكان الوقوعي، فإن الإمكان يأتي بمعان مختلفة، نذكر اثنين منها:

1- الإمكان الذاتي في مقابل الاستحالة الذاتية. و المستحيل بالاستحالة الذاتية منحصر باجتماع النقيضين و ارتفاعهما، و جميع ما عداهما هو ممكن في حدّ ذاته، فجميع الأشياء ممكنة في حدّ ذاتها، و المستحيل في حدّ ذاته ليس إلّا ما تقدّم.

2- الإمكان الوقوعي في مقابل ما يستحيل وقوعه، فإن الشي‏ء إذا كان في حدّ ذاته ممكنا و لكن يلزم من وقوعه بعض المحاذير المستحيلة فيقال له: إن وقوعه مستحيل في مقابل الشي‏ء الذي لا يلزم من وقوعه محذور مستحيل فإنه يصطلح عليه بالممكن وقوعا.

و باتضاح هذا نقول: إن ابن قبة حينما ادعى استحالة جعل الحجية للأمارة فليس مقصوده الاستحالة الذاتية لوضوح وهن ذلك، فإن جعل الحجية للأمارة ليس أمرا مستحيلا في حدّ ذاته و إنما مقصوده الاستحالة الوقوعية، أي لا يمكن وقوع التعبد بالأمارة لأنه يلزم بعض المحاذير في مقابل المشهور الذي قال بأن ذلك ممكن الوقوع لعدم لزوم المحاذير المذكورة.

إذن النزاع هو في الإمكان الوقوعي دون الإمكان الذاتي.

هذه قضية.

و هناك قضية ثانية، و هي أنه إذا تمكنّا فيما بعد إن شاء اللّه تعالى من إبطال‏

48

أدلة ابن قبة على الاستحالة فكيف نثبت بعد ذلك الإمكان؟ إنه لا ملازمة بين المطلبين كما هو واضح، فإن بطلان دليل أو دليلين على الاستحالة لا يستلزم ثبوت الإمكان، فلعلّ الاستحالة ثابتة لنكات أخرى مغفول عنها.

و في هذا المجال نسب إلى المشهور أنهم قالوا- في مقام إثبات الإمكان- بأنّا نجزم و نقطع بثبوت الإمكان و لا يوجد ما يوجب الاستحالة.

و أجاب الشيخ الأعظم في الرسائل على ذلك بأنه كيف يصحّ لنا الجزم بالإمكان؟ إنه أمر غير وجيه، فإنه لا يمكن دعوى الجزم بالإمكان إلّا إذا فرض الاطلاع الكامل على جميع الجهات الموجبة للاستحالة حتّى يمكن الجزم بعدم وجود شي‏ء منها، و لكن كيف ذلك؟ إنه لا يمكن الاطلاع الكامل إلّا لعلّام الغيوب، و أما غيره فحيث لا يمكنه ذلك فلا يمكنه دعوى الجزم بالإمكان على هذا الأساس.

و من هنا سلك الشيخ الأعظم طريقا آخر لإثبات الإمكان، و ذلك بأن يقال: إنه توجد سيرة عقلائية على أن العاقل إذا تأمل و تدبّر و لم يجد بعد تدبّره في عقله المحدود نكتة توجب الاستحالة فيحكم آنذاك بالإمكان، و لنصطلح على ذلك بأصالة الإمكان العقلائية.

إذن الشيخ الأعظم تمسّك بأصالة الإمكان العقلائية بالبيان المذكور.

و أشكل الشيخ المصنف على ذلك بإشكالين:

1- من قال إن سيرة العقلاء قد جرت على ما ذكر؟ إن هذا مجرد دعوى لا مثبت لها، فنحن نشكّك في تحقّق السيرة المذكورة و لا نجزم بتحقّقها.

2- على تقدير التسليم بتحقّقها لا يمكن أن نحكم بحجيتها، فإن السيرة العقلائية هي ليست حجة بنفسها لاحتمال خطأها فنحتاج في إثبات حجيتها إلى إمضاء المعصوم (عليه السّلام)، فالسيرة العقلائية إذا جرت‏

49

على أن من حاز شيئا ملكه مثلا فمثل هذه السيرة إذا لم تكن مرضية للمعصوم (عليه السّلام) فلا بدّ أن يردع عنها فإذا سكت و لم يردع كشف ذلك عن إمضائه لها، و هذه الطريقة لإثبات الإمضاء تتم لو فرض أن مضمون السيرة كان أمرا يرتبط بالشرع، أما مثل السيرة على الحكم بإمكان الشي‏ء عند الشكّ في إمكانه فهي قضية لا ترتبط بالشرع و لا تهمّه، و معه فلا يكون سكوته عنها كاشفا عن إمضائه لها. و عليه فالجزم بالإمضاء مشكل، و أقصى ما يمكن ادعاؤه هو الظن بإمضاء الشرع لها إلّا أن الظن بالإمضاء لا ينفع، لأن الظن بعد لم تثبت حجيته فكيف يتمسك به؟!

ثمّ قال الشيخ المصنف: و الأجدر في مقابل إثبات الإمكان عند الشكّ فيه أن يقال: إن نفس وقوع التعبّد بالأمارات- كخبر الثقة و نحوه- دليل كاشف عن الإمكان، فإن وقوع الشي‏ء أدلّ دليل على إمكانه.

و بكلمة أخرى: إذا فرض تمامية الدليل على حجية مثل خبر الثقة و وقوع التعبّد به فذلك بنفسه دليل على الإمكان، و إذا فرض عدم تمامية الدليل على الوقوع فالبحث عن الإمكان و عدمه يكون لغوا، إذ ما الفائدة في البحث عن إمكان التعبّد بحجية الخبر بعد عدم الدليل على وقوعه. (1)

____________

(1) و هذا يمكن عدّه إشكالا آخر على أصالة الإمكان التي تمسّك بها الشيخ الأعظم، فيقال له: إن إثبات الإمكان بأصالة الإمكان العقلائية أمر لغو، لأنه إن فرض ثبوت الوقوع فهو بنفسه دليل على الإمكان بلا حاجة إلى أصالة الإمكان العقلائية، و إن فرض عدم ثبوت الوقوع فيكون إثبات الإمكان بأصالة الإمكان العقلائية أمرا لغوا و بلا فائدة. و بناء على هذا تكون الإشكالات على الشيخ الأعظم ثلاثة لا اثنين.

50

و عليه فالطريق الصحيح لإثبات الإمكان هو الوقوع لا دعوى الجزم و لا دعوى أصالة الإمكان العقلائية. (1)

هذا و قد يقال- في صالح دعوى الشيخ الأعظم انعقاد السيرة العقلائية المتقدمة- بأن لابن سينا عبارة مشهورة، و هي كل ما طرق سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه واضح البرهان، فإن هذه تدلّ على انعقاد سيرة العقلاء على الحكم بالإمكان عند الشكّ، حيث قال: فذره في بقعة الإمكان.

و يرده: إنه ليس المراد من الإمكان في العبارة المذكورة ما يقابل الاستحالة بل الإمكان بمعنى الاحتمال الذي يقابله القطع و اليقين، فإنك تقول أحيانا: يمكن نزول المطر هذا اليوم أو يمكن مجي‏ء الحجّاج هذا اليوم، فإن المقصود يحتمل نزول المطر و مجي‏ء الحجاج في مقابل دعوى القطع بعدم ذلك، و المقصود من الإمكان في عبارة ابن سينا هو هذا، أي الإمكان بمعنى الاحتمال و ليس بالمعنى المقابل للاستحالة. (2)

و إذا قلت: هذا وجيه، و لكن لم لا نقول: إن كلامنا و نزاعنا مع ابن قبة هو في الإمكان و عدمه بهذا المعنى فهو يقول: لا يمكن، أي لا يحتمل ثبوت الحجية للأمارة بينما نحن نقول: يمكن، أي يحتمل ذلك، و بناء عليه تتمّ السيرة التي ادعاها الشيخ الأعظم و يكون إثباتها بكلام ابن سينا أمرا وجيها.

____________

(1) قد يعلّق على ما أفاده الشيخ المصنف بأن الإمكان إذا لم يثبت في المرحلة السابقة فلا يمكن الجزم بالوقوع، بل يلزم تأويل ما ظاهره الوقوع و حمله على بعض المحامل، نظير عصيان الأنبياء فإنه حيث لا يمكن فلا بدّ من تأويل ما ظاهره الوقوع.

(2) و لعلّ ذلك بقرينة التعبير بالغرائب، فإنه يتناسب مع الاحتمال، إذ هو يطلق على الأمور الممكنة دون المستحيلة.

51

قلت: ليس نزاعنا مع ابن قبة هو في الإمكان بالمعنى المذكور- أي بمعنى الاحتمال- فإن الاحتمال أمر وجداني يقوم بالوجدان، و في مقام إثبات الاحتمال و عدمه ينبغي الرجوع إلى الوجدان و ليس إلى البرهان، في حين أن ابن قبة استدلّ بأدلة ثلاثة على إثبات عدم الإمكان، و هذا معناه أن نظره ليس إلى الإمكان بمعنى الاحتمال، و إلّا كان المناسب أن يقول: إنه لا يمكن جعل الحجية للأمارة لقضاء الوجدان بذلك، بينما هو لم يتمسك بالوجدان بل بالبراهين الثلاثة الآتية، و هذا يدل على أن النزاع ليس في الإمكان بمعنى الاحتمال، بل بالمعنى المقابل للاستحالة.

توضيح المتن:

من لوازمها و مقتضياتها: العطف بينهما تفسيري.

بل مطلقا: أي حتّى بنحو الاقتضاء.

إلى جعل: أي شرعي، و كان المناسب التقييد بذلك.

أو ثبوت مقدمات: أي مقدمات الانسداد. و التطويل المذكور أمر لا داعي إليه، و كان المناسب التعبير هكذا: و أن ثبوتها لها محتاج إلى جعل شرعي أو حكم عقلي بسبب مقدمات الانسداد على الحكومة.

ثمّ إن عطف طرو حالات على المقدمات تفسيري.

موجبة لاقتضائها: أي تلك المقدمات موجبة لاقتضاء الأمارة عقلا الحجية.

بناء على تقرير مقدمات الانسداد ...: و أما بناء على الكشف فيدخل ذلك تحت الجعل الشرعي.

و ذلك لوضوح ...: أي إن ثبوتها لها محتاج إلى ... لوضوح عدم اقتضاء غير القطع للحجية.

52

و لا يخفى أن المناسب حذف ذلك لأنه من التكرار الممل، إذ المضمون المذكور قد تقدّم بقوله: إنه لا ريب في أن الأمارة ليست كالقطع في كون الحجية من لوازمها فلا حاجة إلى تكرار ذلك ثانية بقوله: و ذلك لوضوح عدم اقتضاء غير القطع للحجية.

بدون ذلك: أي بدون جعل شرعي أو حكم عقلي. و الأنسب حذف ذلك أيضا، إذ الاقتضاء للحجية و عدمه لا يتأثر بجعل الحجية و عدمه، فالظن إذا لم يقتض الحجية بذاته فهو لا يقتضيها حتّى إذا جعلت له شرعا.

ثبوتا ...: أي إن الظن ليس حجة في إثبات التكليف و تنجّزه و لا في سقوط التكليف به.

فتأمل: قد تقدّم وجهه.

في بيان إمكان التعبد: و المقصود الإمكان الوقوعي. ثمّ إن تقييد الأمارة بغير العلمية توضيحي.

و ليس الإمكان بهذا المعنى: أي بمعنى الإمكان الوقوعي. أي و ليس الإمكان الوقوعي- بل و لا الإمكان الذاتي أيضا- أصلا عقلائيا يتّبعه العقلاء في مقام الشكّ كما أفاد الشيخ الأعظم.

أصل متبع: المناسب: أصلا متّبعا، كما في المتن المذكور في حقائق الأصول. و في بعض النسخ بأصل متبع.

و الظن به: أي بالاعتبار. و ضمير به يرجع إلى الظن. و في بعض النسخ بها، و هو يرجع إلى الأمارة غير العلمية.

فما ظنّك به: أي فما فائدة ظنّك بالاعتبار.

من تال باطل: لا داعي إلى ذكره. و قوله: فيمتنع أي حتّى يمتنع.