كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام‏ - ج1

- محمد بن أحمد النهرواني المزيد...
416 /
9

[المقدمات‏]

مقدمة المحقق‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ‏ صدق اللّه العظيم.

الحمد للّه الذى خصنا ببيته المعظم قبلة.

الحمد للّه الذى ولى وجه نبيه إلى بيته المحرم الذى حرام أرضه وصيده.

و صلاة و سلاما على من لا نبى بعده؛ رضى الكعبة قبلة و أطاع أمر ربه فولى وجهه شطرها.

إن لمكة فى قلوب المسلمين مكانتها التى لا تنازع- و إن فاخرتها المدينة الشريفة- و يهفو إليها المسلمون من كل بقاع الأرض، و كيف لا؟ و فيها قبلتهم التى يتوجهون إليها فى دعائهم لربهم و صلاتهم التى فرضت عليهم، كما أن فيها مسقط رأس نبيهم، و مشاعر حجهم؛ خامس دعامة من دعائم ديننا الحنيف.

و للّه در من قال:

أرض بها البيت المحرم قبلة* * * للعالمين له المساجد تعدل‏

حرم حرام أرضها و صيودها* * * و الصيد فى كل البلاد محلل‏

و بها المقام و حوض زمزم شربها* * * و الحجر و الركن الذى لا يرحل‏

و المسجد العالى المحرم و الصفا* * * و المشعران لمن يطوف و يرمل‏

و بمكة الحسنات ضوعف أجرها* * * و بها المسئ عن الخطايا يغسل‏

10

و بعد:

ها هى موسوعة مكة و المدينة تتقدم- بحمد اللّه تعالى- كل يوم، و تزداد شرفا بموضوعها.

و هى بهذا الكتاب تكون قد بلغت ثلاث كتب بعد تاريخ مكة للأزرقى؛ بتحقيقنا بالاشتراك مع الأصدقاء عادل عبد الحميد العدوى، و أشرف أحمد الجمال، و نادى رجب و تحت إشراف أستاذنا الأستاذ سعيد عبد الفتاح، و شفاء الغرام للتقى الفاسى بتحقيقنا أيضا بالاشتراك مع الأصدقاء أشرف أحمد الجمال، و عادل عبد الحميد العدوى، و بإشراف الأستاذ سعيد عبد الفتاح.

و لا يسعنى فى هذه العجالة إلا أن أتقدم بالشكر للأستاذ سعيد عبد الفتاح الذى بذل معنا جميعا جهدا لن يثيبه عليه حق الثواب إلا اللّه سبحانه و تعالى، كما أتقدم بالشكر العميق لكل من ساهم و يساهم فى إخراج هذه الموسوعة للنور داعين اللّه سبحانه و تعالى أن يتمها كما يريد هو من خير و نفع، و كما نحب من جزيل نعمه، و عظيم مغفرته.

المحقق هشام عبد العزيز عطا

الجيزة فى: 15 شعبان 1416 ه 6 يناير 1996 م‏

***

11

المؤلف‏

هو: محمد بن أحمد بن محمد بن محمود النهروانى (أو) النهروالى، ثم المكى، الحنفى؛ قطب الدين.

كنته جميع المصادر التى اعتمدنا عليها ب: قطب الدين، و كنوا أباه ب:

علاء الدين، إلا أن ابن الحنبلى فى تاريخه سمى والده: على، و كذلك صاحب هدية العارفين (6: 255)، و قد صحح ابن العماد ذلك قائلا:

«و ذكره ابن الحنبلى فى تاريخه، إلا أنه سمى والده: على، و الصحيح:

الأول» (شذرات الذهب: 8: 420).

ولد قطب الدين محمد بن أحمد النهروانى سنة 917 ه، و قد اتفقت جميع المصادر على ذلك.

إلا أنهم اختلفوا فى سنة وفاته؛ فقد ذكره ابن العماد من وفيات سنة تسعين و تسعمائة 990 ه؛ يوم عاشوراء، و تبعه فى ذلك صاحب معجم المؤلفين، و غيره، أما الزركلى فقد ذكر أنه من وفيات سنة 988 ه.

و قد ذكر صاحب شذرات الذهب شعر فى تاريخ وفاته لبعض فضلاء مكة:

يا من به طبنا و طاب الوجود* * * قد كنت بدرا فى سماء السعود

ما صرت فى الترب و لكنما* * * أسكنك اللّه جنان الخلود

و النهروانى مؤرخ عاش فى مكة، و تعلم بمصر، و نصب مفتيا بمكة.

*** أما نسبته:

فقد اختلف حولها المترجمون لحياته؛ فقد نسبه الزركلى ل: نهروال، و نسبته باقى المصادر ل: نهروان، على حين وقف فؤاد سيزكين موقفا

12

محايدا؛ حيث أقر منذ بداية الكلام عنه باستيعابه للرأيين قائلا: «النهروالى (أو) النهروانى».

أما نحن فمن جانبنا لم نستوعب هذا الاختلاف غير الواضح أو المبرر فى نسبة الرجل، فقمنا بالبحث وراء الرجل لنستدل على ما يشفى غلتنا، فلم نعثر إلا على ما يزيد التضارب، فما كان أمامنا إلا البحث فى كتب البلدان؛ التى أنكرت- بدورها- بالسلب معرفتها بما يسمى ب: نهروال هذه.

فقد ذكر ياقوت الحموى فى معجمه نهروان فقط قائلا: «نهروان، و أكثر ما يجرى على الألسنة بكسر النون، و هى ثلاثة نهروانات: الأعلى، و الأوسط، و الأسفل؛ و هى: كورة واسعة بين بغداد، و واسط من الجانب الشرقى.

حدها الأعلى متصل ببغداد، و فيها عدة بلاد متوسطة؛ منها: إسكاف، و جرجرايا، و الصافية، و دير قنىّ، و قد خرج منها جماعة من أهل العلم و الأدب، و هو نهر مبتدؤه قرب تامرا، أو حلوان، فإنى لا أحققه ....

قال ابن الكلبى: و فارس حفرت النهروان، و كان اسمه: نهروانا، أى:

إن قل ماؤه عطش أهله، و إن كثر غرقوا .....

و لهذا النهر اسمان: أحدهما فارسى، و الآخر سريانى، فالفارسى:

جوروان، و السريانى تامرّا.

فعرب الاسم الفارسى فقيل: نهروان، و العامة يقولون: نهروان بكسر النون على خطأ.

و قد شك الحموى فى معرفته بالفارسية، و راح يسأل أهل اللغة الفارسية أنفسهم عن معنى الكلمة التى لم يعرفوا هم أيضا: هل بين هذا اللفظ و مسماه توافق أم لا؟

فطرح ياقوت هو الآخر شكه حول معنى اللفظ قائلا: «و لعله باللغة الفهلوية».

13

و لكن ياقوت قبل أن يختتم الكلام عن هذا الموضع فتح علينا بابا آخر؛ إذ أورد حكاية عن أبى عبد اللّه الحميدى طرحت أمامنا طريقا آخر سلكناه علنا نصل إلى شى‏ء، حيث قال: «قال أبو عبد اللّه الحميدى: قرأت بخط أبى الفرج المعافى بن زكرياء النهروانى القاضى، قال: حججت سنة، فكنت بمنى أيام التشريق إذ سمعت مناديا ينادى: يا أبا الفرج، فقلت فى نفسى:

لعله يريدنى، ثم قلت: فى الناس خلق كثير ممن يكنى أبا الفرج، فلعله يريد غيرى، فلم أجبه، فلما رأى أنه لا يجيبه أحد نادى: يا أبا الفرج المعافى، فهممت أن أجيبه، ثم قلت: يتفق من يكون اسمه المعافى، و كنيته أبو الفرج، فلم أجبه، فرجع و نادى: يا أبا الفرج المعافى بن زكرياء النهروانى، فقلت: لم يبق شك فى مناداته إياى؛ إذ ذكر اسمى و كنيتى و اسم أبى، و ما أنسب إليه، فقلت له: ها أنا ذا؛ ما تريد؟ فقال: و من أنت؟ فقلت: أبو الفرج المعافى بن زكرياء النهروانى، قال: فلعلك من نهروان الشرق؟ قلت: نعم، قال: نحن نريد نهروان الغرب، فعجبت من اتفاق الاسم و الكنية و اسم الأب و ما أنسب إليه، و علمت أن بالمغرب موضعا يعرف ب: النهروان، غير نهروان العراق».

و رغم المبالغة الواضحة فى كلام ياقوت إلا أننا افترضنا أن نهروان المغرب- إن وجدت- تكون باللام بدل النون، فكان أمامنا «معجم ما استعجم» لأبى عبيد البكرى الأندلسى الذى يعد أقرب إلى المغرب من ياقوت الحموى؛ لعله يثبت معرفة بما يسمى ب: نهروال هذه، إلا أن أبا عبيد البكرى لم يذكر شيئا عن نهروال هذه، و لو من بعيد، كل ما ذكره سطورا قليلة عن نهروان العراق التى ذكرها ياقوت قائلا: «النّهروان: بالعراق معلوم؛ بفتح أوله، و إسكان ثانيه، و فتح الراء المهملة، و بكسرها أيضا: نهروان، و بضمها أيضا: نهروان، و يقال أيضا بضم النون و الراء معا: نهروان؛ أربع لغات، و الهاء فى جميعها ساكنة.

قال الطرماح:

قلّ فى شط نهروان اغتماضى‏* * * و دعانى حب العيون المراض‏

14

و بالنهروان أوقع علىّ بن أبى طالب (رضى اللّه عنه) بالخوارج».

أخيرا: لم يكن أمامنا إلا أن نفترض أن نهروال لغة من نهروان، و أن كليهما صحيح، إلا أن حديثا شريفا صادفنا يحمل ضمن ألفاظه الشريفة هذا اللفظ، و يثبته بالنون، و الحديث من سنن الدارمى، يقول: من حديث أبى موسى عن أبى عبد الرحمن فى هؤلاء الذين جلسوا فى المسجد حلقا يعدون التسبيح و التكبير على الحصى، و قد لام عليهم أبو عبد الرحمن ذلك، قالوا:

و اللّه يا أبا عبد الرحمن؛ ما أردنا إلا الخير، قال: و كم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حدثنا: أن قوما يقرءوون القرآن لا يجاوز تراقيهم، و أيم اللّه ما أدرى لعل أكثرهم منكم»، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يظاعنونا يوم النهروان من الخوارج».

قمنا بالبحث فى روايات أخرى للحديث عله يكون مرويا باللام بدل النون فى «نهروان»، فلم نجد، مما أكثر افتراضنا المبدئى من أن نهروال تحريف متأخر من نهروان؛ و عليه فاسم الرجل: محمد بن أحمد بن محمد بن قاضيخان محمود، قطب الدين النهروانى.

*** أساتذته:

أخذ قطب الدين النهروانى العلم عن أساتذة كثيرين؛ كان أولهم: والده، ثم الشيخ عبد الحق السنباطى؛ و هو أجلّ من أخذ عنه من المحدثين، و الشيخ محمد التونسى، و الشيخ ناصر اللقانى، و الشيخ أحمد بن يونس بن الشلبى، و غيرهم.

*** مؤلفاته:

و قد كان لقطب الدين النهروانى اهتمامات عديدة بالتاريخ و الأدب و الشعر و مؤلفاته خير شاهد على ذلك، فمنها:

1- الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام؛ و هو الكتاب الذى نحن بصدده الآن.

15

2- البرق اليمانى فى الفتح العثمانى.

3- منتخب التاريخ (فى التراجم).

4- ابتهاج الإنسان و الزمن فى الإحسان الواصل إلى الحرمين من اليمن لمولانا الباشا حسن، و هو فى تاريخ مكة و المدينة و حسن باشا.

5- التمثيل و المحاضرة بالأبيات المفردة النادرة.

6- التذكرة.

7- الفوائد السنية فى الرحلة المدنية و الرومية.

8- كنز الأسماء فى فن المعمى.

و له شعر رقيق فى الغزل و الحكم.

و قد طبع من هذه المؤلفات كتابان:

1- الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام، طبع طبعة محدودة فى مطبعة عبد الرازق سنة 1303 ه، 1886 م، و هى طبعة محدودة لم أعثر منها على نسخة.

كما طبع أيضا فى عوطا ليبسك سنة 1274 ه- 1857 م باعتناء و ستنفلدWastenfeld ، و له مقدمة باللغة الألمانية.

2- البرق اليمانى فى الفتح العثمانى: و هو فى تاريخ اليمن من سنة 900 ه عند أول الفتح العثمانى على يد الوزير سليمان باشا إلى أيام المؤلف كما لم أعثر على نسخة من هذا الكتاب أيضا، و قد طبع منه قسم مع ترجمة إلى اللغة البرتغالية فى ليزبون سنة 1893 م.

أما باقى مؤلفاته فلم تزل فى مخازن المخطوطات.

و قد ذكر ابن العماد أبيات رقيقة فى الغزل للنهروانى؛ قطب الدين؛ منها:

أقبل كالغصن حين يهتز* * * فى حلل دون لطفها الخز

مهفهف القد ذو محيا* * * بعارض الخد قد تطرز

دار بخديه و اوصدغ‏* * * و الصاد من لحظه تلوز

الخمر و الجمر من لماه‏* * * و خده ظاهر و ملغز

16

نسخ الكتاب الخطية

و لهذا الكتاب نسخ عديدة؛ تسع نسخ فى دار الكتب وحدها، و هى:

1- النسخة رقم 847 تاريخ، فى 204 ق. خط 1000 ه.

النسخة رقم 2169 تاريخ، فى 298 ق خط 1182 ه.

النسخة رقم 2289 تاريخ، فى 224 ق خط 1041 ه.

النسخة رقم 56 تاريخ تيمور، فى 361 ص خط 1013 ه.

النسخة رقم 1496 تاريخ تيمور، فى 349 ص، بدون تاريخ.

النسخة رقم 245 تاريخ تيمور، فى 50 ص ناقص، خط 1242 ه.

النسخة رقم 530 زكية، فى 427 ص، خط 1061 ه.

النسخة رقم 1906 تاريخ طلعت، فى 185 ق، بدون تاريخ.

النسخة رقم 1907 تاريخ طلعت، فى 200 ق، خط 1067 ه.

و قد اعتمدنا من هذه النسخ التسع على نسختين.

* النسخة الأولى:

هى النسخة رقم 847 تاريخ، نسخة مكتوبة بخط معتاد، منظمة، مقروءة، بلا أخطاء، و بها عناوين فى الهامش، مدادها أسود، و العناوين بنفس المداد و لكن بخط أكبر. منسوخة من نسخة المؤلف.

و قد تم الفراغ من تأليف الكتاب- كما فى النسخة- سنة 985 ه، و تم الفراغ من نسخ هذه النسخة من نسخة المؤلف سنة 1000 ه، فهى أقدم النسخ المتاحة أمامنا.

يقول الناسخ: «و كان الفراغ من هذه النسخة المباركة، و التاريخ العظيم المكى فى يوم الأربعاء ثامن عشر رجب المبارك سنة ألف من الهجرة تم.

17

و تقع هذه النسخة فى 204 ق، و مسطرتها 21 سطر، من 9: 10 كلمات فى السطر.

فى الورقة الأولى من هذه النسخة تجد تواريخ امتلاك النسخة و أسماء من ملكها بداية من سنة 1003 ه، حتى 1071 ه.

و فى آخر ورقة من النسخة تجد فى الجانب: لا إله إلا اللّه، ما أقرب الموت، و ما أسرع زوال الدنيا، نسأل اللّه حسن الخاتمة لنا و للمسلمين. آمين على يد أحقر عبيد اللّه تعالى محمد الغمرى، غفر اللّه له و لوالديه و لمن دعا له بالمغفرة، ثم تجد خاتم دار الكتب السلطانية.

و هذه النسخة تحت ميكروفيلم رقم (34879) من دار الكتب المصرية، و قد حصلنا منها على صورة و رقية و رمزنا لها بالرمز (أ).

* النسخة الثانية:

هى النسخة رقم 2169 تاريخ، خطها معتاد مقروء منظم إلا أن بها ساقط كثير قد يصل أحيانا إلى الصفحة، و بها أخطاء لغوية و نحوية عديدة.

و هى منسوخة بالمداد الأسود، و العناوين بخط أكبر، و بمداد مختلف، و يبدو أنها منسوخة من النسخة (أ)، و قد نسخت النسخة سنة 1183.

يقول الناسخ: «و كان الفراغ من هذه النسخة المباركة و التاريخ العظيم المكى على يد أحقر و أفقر العباد إلى ربه الغنى العفو الماجد أحمد بن حامد الجبرتى، كان ذلك بعد مضى عشرين يوما من شهر شعبان المكرم من شهور سنة 1883 ..».

و تقع هذه النسخة فى 298 ق، و مسطرتها (16) سطرا من 10: 11 كلمة فى السطر.

و قد حصلت منها على صورة و رقية تحت ميكروفيلم رقم (40177) من دار الكتب المصرية، و قد رمزت لهذه النسخة بالرمز (س).

***

18

منهج التحقيق‏

أولا: إن كثرة النسخ التى أمامنا بالرغم من أنها تتيح خروجا مشروعا إلا أنها تحير الباحث فى الاختيار؛ فأى النسخ يختار إذا كانت النسخ جميعها جيدة.

لقد اعتمدنا على النسخ التسع إلا أننا ركزنا و أثبتنا للنسختين المذكورتين آنفا لأن إحداهما أقدم النسخ التسع و لأنها كذلك منسوخة من نسخة المؤلف.

أما النسخة (س) فقد كانت كاملة- رغم الأخطاء النحوية التى تضمنتها- و كذلك فقد رجحت أنها نسخت منها كما أوضحت فى إثبات خاتمة كل منهما.

أما عن مشكلات كل من النسختين: فإن مشكلات النسخة (أ) كانت قليلة جدا، و كان نصها كاملا و منضبطا و الأخطاء الإملائية و النحوية قليلة كذلك.

أما النسخة (س): فقد كانت مليئة بالأخطاء الإملائية و النحوية، و قد أشرنا إلى بعضها فى الهامش، و أعرضنا عن الكثير؛ قمنا بإصلاحه دون إشارة فإنها لا تؤثر على الرؤية العامة للنص.

أما عن ألفاظ الثناء على الذات الإلهية مثل: سبحانه و تعالى، عز و جل، فقد كانت مختلفة بين النسختين أيضا و قد أثبتنا ما هو مدون بالنسخة (أ).

و كذلك ألفاظ الثناء على النبى، و ألفاظ الثناء و الترحيم على الأعلام مثل:

(صلى اللّه عليه و سلم)، و (رحمه اللّه)، و رضى اللّه عنه، فقد أثبتنا كذلك ما هو مدون فى النسخة (أ).

أما عن الساقط فى أى من النسختين فقد كان قليلا جدا، و كان معظمه فى النسخة (س)، و قد وضعنا النقص بين معقوفتين، و أشرنا إلى ذلك فى الهامش، و قد نهجت فى تحقيقى لهذا الكتاب منهجا عليما.

19

فقمت بتخريج الآيات من المصحف الشريف مبينا اسم السورة، و رقم الآية، و مكية، أو مدنية.

قمت بكتابة تعريفات لبعض الأعلام المهمين الذين يجب أن يضاف إلى القارئ معلومات جديدة عنهم.

قمت بتخريج القبائل التى يضيف تخريجها جديدا فيما يطرحه النص.

كما قمت بتعريف الكتب و الحديث عن مؤلفيها التى اعتمد عليها المؤلف.

كان تدخلى فى النص نادرا و محسوبا، فلم أتدخل بحذف أو زيادة إلا إذا اقتضى السياق ذلك، و بعد الاطمئنان على النص كما أراد له مؤلفه كما كنت أشير إلى ذلك فى موضعه.

ألحقت الكتاب بفهرس شامل كما يتطلبه المنهج العلمى يتضمن الآتى:

1- فهرس الآيات القرآنية مبينا به رقم الآية و اسم السورة و مكية أو مدنية.

2- فهرس الأحاديث النبوية.

3- فهرس الأشعار الواردة بالكتاب.

4- فهرس الأعلام.

5- فهرس البلدان و الأماكن و المواضع التى وردت فى الكتاب.

6- كشاف عام للأصنام و القبائل و الحيوانات و الأيام و غير ذلك.

7- فهرس الكتب الواردة بالكتاب و التى اعتمد عليها المؤلف.

8- فهرس المراجع التى أعانت التحقيق.

9- فهرس المحتوى.

إن أحسنت فالحمد للّه، و إن أسأت فاللّه أسأل العون فى المرات القادمة.

هشام عبد العزيز

***

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

صور و نماذج من المخطوطات‏

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

صفحة الغلاف من النسخة (أ)

24

الورقة الأولى من النسخة (س)

25

الورقة رقم (53) من النسخة (أ)

26

الورقة رقم (110) من النسخة (س)

27

الورقة رقم (213) من النسخة (أ)

28

الورقة الأخيرة من النسخة (أ)

29

بسم الله الرحمن الرحيم‏

[مقدمه المولف‏]

الحمد للّه الذى جعل المسجد الحرام أمنا و مثابة للناس، و أمر بتطهير الكعبة؛ البيت الحرام للطائفين و العاكفين، و أزال عنها الخوف و البأس، و قيّض لعمارة حرمه الأمين الأعظم الخلفاء و السلاطين، و أجلسهم على سرير السعادة أكرم إجلاس.

نحمده على حصول المراد، و نشكره على الكرامة و الإسعاد بهذا الحرم الشريف الذى سواء العاكف فيه و الباد.

و نشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، البر السلام.

و نشهد أن سيدنا و نبينا محمدا عبده و رسوله، المنزل عليه: قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏ (1).

القائل: «من بنى مسجدا للّه كمفحص قطاة أو أصغر بنى اللّه له بيتا فى الجنة»، أى: دار السلام، صلى اللّه عليه، و على آله الكرام و صحبه العظام؛ نجوم الدين و مصابيح الظلام ما طاف بالبيت العتيق طائف، و اعتكف بعرفات بالمشعر الحرام عاكف.

أما بعد: فلما وفقنى اللّه تعالى لخدمة العلم الشريف، و جعلنى من جيران بيته المعظم المنيف، تشوقت نفسى إلى الاطلاع على علم الآثار، و تشوفت إلى فن التاريخ و علم الأخبار، لاشتماله على حادث الزمان و ما أبقاه الدهر من أخبار وقائع الدوران، و أحوال السلف ما أبقوا من الآثار و الأحداث بعد ما ساروا إلى الأجداث، فإن فى ذلك عبرة لمن اعتبر، و إيقاظا بحال من مضى‏

____________

(1) الاية رقم 144 من سورة البقرة، مدنية.

30

و غبر، و إعلاما بأن ساكن الدنيا على جناح سفر، و مفاكهة للفضلاء و إفادة لمن تأتّى بعد من البشر.

فإن من أرخ فقد حاسب على عمره، و من كتب وقائع أيامه فقد كتب كتابا إلى من بعده بحوادث دهره، و من قبل ما شاهد فقد أشهد على أحوال أهل عصره ما لم يكن فى عصره.

و من كتب التاريخ فقد أهدى إلى من بعده أعمارا، و بوأ مسامعهم و أبصارهم ديارا ما كانت لهم دارا، و أسكن أهل الآفاق ببلاد ما كانت لهم مستقرا و لا دارا ...

فإننى إن أرى الديار بعينى‏* * * فلعلى أرى الديار بسمعى‏

و لقد أفادنا الأمم الماضون بأخبارهم، و أطلعونا على ما دثر و بقى من آثارهم، فأبصرنا ما لم نشاهده بأبصارهم، و أحطنا بما لم نحط به خبرا من أخبارهم، فرحمهم اللّه تعالى أجمعين، و بوأهم جنات عدن فيها خالدين، لقد غرسوا حتى أكلنا، و إننا لنغرس حتى تأكل الناس بعدنا، فأردنا إفادة من بعدنا ببعض ما رأينا و شهدنا، و إعلامهم ببعض ما شاهدنا و عهدنا و علمنا من الدعاء لهم و الاسترحام، و طلبنا للمثوبة من اللّه البر السلام [] (1):

لم يبق منا غير آثارنا* * * و تنمحى من بعد أخلاق‏

و كلنا مرجعنا للغنى‏* * * و إنما اللّه هو الباقى‏

تنبيه: لا يخفى على ضمائر أولى الأبصار، و خواطر أهل الفضل الباهر؛ أن المسجد الحرام الذى هو حرم آمن للأنام؛ زاده اللّه شرفا و تعظيما و منحة و عزا و عظمة و مهابة و تكريما، أعظم مساجد الدنيا، و أشرف مكان خصّه اللّه تعالى بالشرف و العلياء، يجب تعظيمه و تكريمه على كافة الأنام؛ لا سيما سلاطين الإسلام؛ الذين هم ظل اللّه فى العالم، و خلائف اللّه فى الأرض على كافة بنى آدم.

____________

(1) ما بين المعقوفتين مسح فى (س) مما يشير إلى أن الناسخ ربما أراد أن يضيف شيئا.

31

و قد بنى هذا المسجد و وسعه عدة من الخلفاء؛ أمراء المؤمنين، و نمقه و رسمه جملة من أكابر السلاطين؛ كما سنشرحه؛ إن شاء اللّه تعالى.

و قد كان آخر ما شاهدنا من آخر أيام الصبا إلى الكهولة: ما عمره المهدى‏ (1) العباسى، و زيادة دار الندوة للمعتضد العباسى‏ (2)، و زيادة باب إبراهيم للمقتدر (3) العباسى.

ثم مالت الأروقة الثلاثة من الجانب‏ (4) الشرقى من المسجد الحرام من سنة 90، و فارق السطح المتصل برباط المرحوم السلطان قايتباى، و المدرسة الأفضلية لصاحب اليمن؛ التى صارت الآن من وقف الخوجا ابن عباد اللّه، و صاروا يرسمون ذلك من جانب السلطنة الشرعية، فى أيام السلطان الأعظم الأكرم السلطان سليمان خان عليه من اللّه الرحمة و الرضوان، إلى أن مال‏

____________

(1) المهدى؛ هو: أبو عبد اللّه محمد بن أبى جعفر المنصور محمد بن على بن عبد اللّه الهاشمى العباسى، و هو الثالث من خلفاء بني العباس، و أمه: أم موسى بنت منصور الحميرى، ولد سنة 127 ه. و قال الخطى: ولد سنة 126، بويع بالخلافة بعد موت أبيه المنصور بعهد منه إليه، و كان المهدى مليحا محببا إلى الرعية، خطاما للزنادقة يتتبعهم و يقتلهم فى كل بلد، بنى جامع الرصافة، و كسا الكعبة القباطى و الخز و الديباج، و طلى جدرانها بالمسك و العنبر من أسفلها إلى أعلاها، ولى طبرستان قبل الخلافة. توفى سنة 169 ه. تاريخ الخميس: 2/ 329، 330.

(2) المعتضد؛ هو: أبو العباس أحمد ابن ولى العهد الموفق باللّه طلحة بن المتوكل على اللّه جعفر بن المعتصم باللّه محمد بن الرشيد هارون الهاشمى العباسى، ولد سنة 242 ه، و كان المعتضد هذا آخر من ولى الخلافة ببغداد من بنى العباس، و كانت مدة خلافته تسع سنين و تسعة أشهر و نصف، و فى سيرة مغلطاى: عشر سنين و تسعة أشهر و ثلاثة أيام، و قيل:

تسع سنين و سبعة أشهر و اثنين و عشرين يوما، و عاش أربعين سنة. تاريخ الخميس:

2/ 344، 345.

(3) المقتدر؛ هو: أبو الفضل جعفر بن ولى العهد الموفق طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد هارون الهاشمى العباسى، و هو السادس من خلفاء بنى العباس، خلع من الخلافة مرتين، أمه: أم ولد اسمها شعب، بويع بالخلافة بعد موت أخيه المكتفى و عمره أربع عشرة سنة، قال الذهبى: و عمره ثلاث عشرة سنة و أربعون يوما، و لم يل الخلافة صبى قبله، و ضعفت الخلافة فى أيامه. قتل فى السابع و العشرين من شوال سنة عشرين و ثلثمائة سنة 320 ه. تاريخ الخميس: 2/ 345- 351.

(4) فى (س): جانب.

32

هذا الجانب الشرقى ميلا ظاهرا محسوسا، بحيث كان يخشى سقوطه، ثم علق، و أسند بالأخشاب فى أيام السلطان الأعظم و الخاقان الأجل الأكرم؛ ملك ملوك العصر و الزمان؛ الحكم السليم الكثير الإحسان؛ السلطان السليم خان بن السلطان سليمان خان، أنزل اللّه عليه شبائب الرحمة و الغفران، فعرض ذلك عليه، فبرز أمره الشريف ببناء جميع المسجد من جوانبه الأربع على أحسن وضع و أجمل صورة، و أمر أن يجعل مكان السطح قببا محكمة راسخة الأساس، لأن خشب السقف يبلى بتقادم الزمان، و تأكله الأرضة، و القبب أمكن و أزين و أحسن، و ذلك فى سنة 979 ه.

فلما وصل الحكم الشريف، شرع فيه لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة 98 ه، على وجه جميل بغاية الإحكام و الإتقان، و أسس على التقوى من اللّه و رضوان، إلى أن نقل من سرير سلطنة الدنيا إلى ملك لا يبلى و عز لا يفنى و سلطان لا يزول و نعيم لا ينفذ و لا يحول؛ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَ أَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ وَ نَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَ زَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (1).

ثم أكمل إتمام عمارة المسجد الحرام فى أيام دولة السلطان الأعظم الهمام الأجل عظما ملك ملوك الإسلام، سلطان سلاطين الأرض، مالك بساط البسيطة بالطول و العرض، القائم بوظائف النفل و السنة و الفرض؛ جدار تدكار العلام، و سلطانه، و أمير المؤمنين؛ الذى جلس على كرسى الخلافة، فما قدر كسرى و إيوانه الذى غذى بلسان حب العدل و الإحسان، و نشأ على طاعة اللّه و عبادته منذ كان و إلى الآن، و أحب العلماء و الصلحاء، و أمدهم بالخيرات الحسان، إلى أن عجز عن القيام بحق شكره لسان كل ملسان، مجدد معالم المسجد الحرام هو و أبوه و جده، و مشيد مدارس العلوم الدينية، و قد شملها سعده و جده، ناشر ألوية الأمن و الأمان فى جميع الممالك و البلاد، ظل اللّه الممدود على كافة العباد؛ السلطان الأعظم، و الليث‏

____________

(1) الآية رقم 13 من سورة الغاشية، مكية.

33

الغشمشم، و البحر العطمطم؛ السلطان مراد، جعل اللّه تعالى السلطنة و الخلافة كلمة باقية فيه و فى عقبه إلى يوم التناد، و أزال بنور عدله ظلم الظلم و الفساد، و شتت بسيف قهر شمله أهل الكفر و الإلحاد، و هدم بمعاول بأسه و سطوته الكنائس و البيع، و عمر بصيت معدلته و صيب عدله و رأفته المساجد و الجمع؛ كما قال اللّه القوى القاهر فى محكم كتابه العظيم الباهر: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ (1).

و فى ذلك أقول:

إن سلطاننا مراد كظل اللّه فى الأر* * * رض ظاهر السلطان‏

ملك صار من مضى من ملوك الأر* * * رض لفظا و جاء عين المعانى‏

ملك و هو فى الحقيقة عندى‏* * * ملك صيغ صيغة الإنسان‏

ملك عادل، فكل ضعيف‏* * * و قوى فى حكمه سيان‏

سيفه و المنون طرفا رهان‏* * * لحلوق العدو يبتدران‏

كمل المسجد الحرام حيا* * * فاق فى العالمين كل المبانى‏

هكذا هكذا و إلا فلا* * * إنما الملك فى بنى عثمان‏

و لما كان هذا البنيان العظيم الأركان أثرا باقيا على صفحات الزمان دلالا على عظم شأن من أمر به من أعيان الإنسان؛ كما أشار إليه القائل فى سالف الزمان؛ شعر:

إن البناء إذا تعاظم أمره‏* * * أضحى يدل على عظيم البانى‏

جمعت فى هذه الأوراق من أخبار ذلك بما رقّ وراق، تسير به الركبان إلى سائر الآفاق، و تسير فى صفحات الدهر كشمس الإشراق، و تحفظ فى خزائن الملوك و السلاطين كأنفس الأغلاق.

و كان كتابا حسنا فى بابه، ممتعا لمن تعلق فى أسبابه، أنيسا تحلو (2) مؤانسته‏

____________

(1) الآية رقم 18 من سورة التوبة، مدنية.

(2) فى (س): تحل.

34

و جليسا لا تمل مجالسته، جمع ما بين لطائف تاريخية، و أحكام شرعية، و فوائد (1) بارعة، و مواعظ نافعة، و سميته: «الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام».

و خدمت به خزائن كتب هذا السلطان الأعظم، الشاب الأعدل الأكرم، المطيع لأمر اللّه و أمر خير الأنبياء (صلى اللّه عليه و سلم)، أحد السبعة الذين يظلهم اللّه يوم القيامة تحت ظله، و يشملهم بفيض فضله العظيم، فلا فضل إلا فضله، خلد اللّه تعالى على الإسلام و المسلمين ظلال سلطانه‏ (2) القوى المتين، لتأييد هذا الدين المبين، و أنام الأنام فى ظل عدله و أمانه المكين، و أبقاه على سرير السلطنة العادلة دهرا طويلا، و ثبته على نهج الكتاب و السنة: وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (3).

و اللّه أسأل أن يكسو هذا المؤلّف حسن القبول جلبابا لا يخلق كر الليالى و الأيام، و يجعلنا من المقبولين فى بابه العالى، الفائزين بالنظر إلى وجهه الكريم فى دار السلام؛ آمين.

و قد رأينا أن نقسم هذا الكتاب المستطاب إلى مقدمة، و عشرة أبواب، و خاتمة، و الأبواب إلى فصول بحسب الاحتياج إليها، و إلى اللّه المرجع و المآب.

* الباب الأول: فى ذكر وضع مكة المشرفة؛ شرفها اللّه تعالى، و حكم بيع دورها، و إجازتها، و حكم الجاورة بها.

* الباب الثانى: فى بيان الكعبة المعظمة؛ زادها اللّه شرفا و تعظيما.

* الباب الثالث: فى بيان ما عليه وضع المسجد الحرام فى الجاهلية و صدر الإسلام.

* الباب الرابع: فى ذكر ما زاد العباسيون فى المسجد الحرام.

____________

(1) فى (س): وفائد.

(2) فى (س): سلطنة.

(3) الآية رقم 62 من سورة الأحزاب، مدنية.

35

* الباب الخامس: فى ذكر الزيادتين اللتين زيدتا فى المسجد الحرام بعد التربيع الذى أمر به المهدى (رحمه اللّه تعالى).

* الباب السادس: فى ذكر ما عمره ملوك الجراكسة فى المسجد الحرام.

* الباب السابع: فى ظهور ملوك آل عثمان خلد اللّه سلطنتهم إلى انقطاع الدوران.

* الباب الثامن: فى دولة السلطان المحفوف بالرحمة و الرضوان؛ السلطان الأعظم سليمان خان الثانى.

* الباب التاسع: فى دولة السلطان الأعظم الخاقانى؛ السلطان سليم.

* الباب العاشر: فى سلطنة سلطان فريد العصر و الزمان مولانا السلطان مراد خان.

* الخاتمة: فى ذكر المواضع المباركة، و الأماكن المأثورة المشرفة.

***

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

المقدمة فى ذكر سندنا فيما ننقله فى كتابنا هذا من أخبار بلد الله الحرام إلى من ينقل عنه الوقوف و الاعتماد

اعلم أن من بركة العلم نسبته إلى قائله، و ما لم يكن هناك سندين الناقل و الراوى و من ينقل عنه، فلا اعتماد على ذلك النقل، و لا بد أن يكون رجال السند موثقا بهم و إلا فلا اعتبار لتلك الرواية.

و أقدم مؤرخى مكة: أبو الوليد محمد بن عبد الكريم الأزرقى‏ (1)، ثم الإمام أبو عبد اللّه؛ محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهى‏ (2)، ثم قاضى القضاة؛ السيد تقى الدين محمد بن أحمد بن على الحسينى الفاسى‏ (3)، ثم المكى، ثم الحافظ نجم الدين عمر بن محمد بن فهد الشافعى العلوى المكى، ثم ولده الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عمر بن فهد. و هذا الأخير ممن أدركناه، و لنا عنه رواية.

فأما الأولون: قنذكر سندنا إليهم ليعتمد على نقلنا عنهم.

فأما أبو الوليد الأزرقى: فروينا مؤلفاته عن جماعة أجلاء أخيار و علماء كبار؛ منهم:

____________

(1) الأزرقى: محمد بن عد اللّه بن أحمد بن محمد بن الوليد بني عقبة بن الأزرق المزيقى؛ أبو الوليد الأزرقى المكى المتوفى سنة 244، صنف تاريخ مكة شرفها اللّه تعالى و أخبارها و جيالها و أوديتها كتاب كبير قمنا بتحقيقه مع الباحث عادل عبد الحميد العدوى، و الباحث أشرف أحمد الجمال، و الباحث نادى رجب تحت إشراف الأستاذ سعيد عبد الفتاح. انظر:

مقدمتنا عن المؤلف فى الكتاب المذكور آنفا، و انظر أيضا: هدية العارفين: 6/ 11.

(2) الفاكهى: محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهى؛ أبو عبد اللّه المكى الإخبارى، المتوفى فى حدود سنة 285 ه. صنف تاريخ مكة المكرمة و أخبارها فى الجاهلية و الإسلام.

هدية العارفين: 6/ 20.

(3) الفاسى: تقى الدين محمد بن أحمد بني على الحسنى الفاسى، المتوفى سنة 832 ه له كتب عدة، أهمها: العقد الثمين، و شفاء الغرام، و قد قمنا بتحقيقه و الصديق أشرف الجمال و الصديق عادل عبد الحميد تحت إشراف الأستاذ سعيد عبد الفتاح، و هو كتاب كبير.

انظر: مقدمتنا عن المؤلف، و انظر أيضا: كشف الظنون: 2/ 1051، 1052.

38

والدى المرحوم، مولانا علاء الدين أحمد بن محمد قاضى خان بن بهاء الدين بن يعقوب الحنفى القادرى الخرقانى (النهروانى) (1) ثم المكى (رحمه اللّه تعالى)، و ليس جدنا هذا قاضى خان صاحب الفتاوى المشهورة من علماء مذهبنا، بل هذا غير ذاك من علماء نهروانه (يرحمهم اللّه تعالى)، قال:

أخبرنا بها: العز؛ عبد العزيز بن فهد، عن والده الحافظ نجم الدين عمر ابن فهد، عن شيخه قاضى القضاة؛ السيد تقى الدين محمد بن أحمد بن على الفاسى؛ المؤرخ، قال: أخبرنا بها أبو المعالى عبد اللّه بن عمر الصوفى، عن أبى زكريا؛ يحيى بن يوسف القرشى؛ إجازة: أن أبا الحسن؛ على بن هبة اللّه الخطيب، و عبد اللّه بن ظافر الأزدى، قال: أنبأنا على بن طاهر، أحمد بن محمد الحافظ، قال: أنبأنا بها المبارك بن عبد الجبار، المعروف ب: ابن الطيورى، قال: أنبأنا بها أبو طالب محمد بن على ابن الفتح العشارى، قال: أنبأنا بها أبو بكر؛ أحمد بن محمد بن أبى موسى الهاشمى، قال: أنبأنا بها أبو إسحاق؛ إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمى، قال: أنبأنا بها أبو الوليد؛ محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن محمد الوليد الأزرقى (رحمه اللّه تعالى).

و أما أبو عبد اللّه؛ محمد بن إسحاق الفاكهى: فإنى أروى مؤلفه عن الحافظ المسند المعمر، خطيب بلد اللّه الحرام، أحمد مجد الدين بن أبى القاسم محمد العقيلى العزيرى المكى (تغمده اللّه برحمته) قال: أنبأنا المسند المعمر أبو العباس؛ أحمد بن محمد الدمشقى الشهير بالخفار؛ إجازة، قال:

أنبأتنى المسندة المعمرة زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم؛ إجازة، قال: أنبأنى به الحافظ المسند بهاء الدين؛ أبو الحسن على بن هبة اللّه؛ سبط الحميرى؛ إجازة، قال: أنبأنا الحافظ المسند أبو طاهر أحمد بن محمد السلفى؛ إجازة، قال: أنبأنا به الحافظ محمد بن أحمد النجيبى؛ كتابة، قال: أنبأنا به الحافظ أبو على الحسين بن محمد الحبانى الغسانى؛ أحد أركان الحديث بقرطبة، قال: أنبأنا به الحافظ الحكم بن محمد الخذامى، عن أبى القاسم ابن أبى غالب الهمدانى، عن أبى الحسن الأنصارى (رحمه اللّه تعالى)، عن مؤلفه.

____________

(1) أثبتها المؤلف باللام. انظر ما قلناه فى المقدمة حول (نهروان).

39

الباب الأول فى ذكر وضع مكة المشرفة شرفها الله تعالى و حكم بيع دورها. و إجارتها، و حكم المجاورة بها

اعلم أن بلد اللّه الحرام؛ مكة المشرفة، زادها اللّه شرفا و تعظيما بلدة كبيرة مستطيلة، ذات شعاب واسعة، و لها مبدؤ و نهاية.

فبدؤها: المعلاة؛ و هى: المقفرة الشريفة.

و منتهاها: من جانب جدة؛ موضع يقال له: الشبيكة.

و من جانب اليمن؛ قرب مولد سيدنا حمزة (رضى اللّه تعالى عنه) فى لصق مجرى العين، ينزل إليه من درج له يقال له: البازان.

و عرضها من وجه يقال له الآن: جبل جزل إلى أكثر من نصف جبل أبى قبيس. و يقال لهذين الجبلين: الأخشبان، و سماهما الأزرقى جبل أبى قبيس و الجبل الآخر فإنه قال: «خشبا أبى قبيس؛ و هو: الجبل المشرف على الصفا، و الآخر: الجبل الذى يقال له: الأحمر، و كان يسمى فى الجاهلية الأعرف؛ و هو: الجبل المشرف على قعيقعان، و على دور عبد اللّه بن الزبير» انتهى، فيكون قعيقعان مما يشرف عليه الجبل المقابل لأبى قبيس.

قال ياقوت فى معجم البلدان‏ (1): «قعيقعان: جبل مشرف على مكة وجهه إلى أبى قبيس». انتهى. فيكون قعيقعان؛ هو: نفس الجبل، و إنما سمى الآن جبل جزل؛ بكسر الجيم، و فتح الزاى، و تشديد اللام، لأن‏

____________

(1) معجم البلدان: للشيخ أبى عبد اللّه ياقوت بن عبد اللّه الحموى الرومى البغدادى منشأ المتوفى سنة 626 بحلب، و له مختصر لصفى الدين عبد المؤمن. كشف الظنون: 2/ 1733.

40

طائفة من الحبوش يقيمون بهذا الجبل؛ يسمون بهذا الاسم، يلقبون فيه بالطبل». انتهى.

و أما موضع الكعبة المعظمة؛ فهو وسط المسجد الحرام؛ و المسجد الحرام بين هذين الجبلين؛ فى وسط مكة، و لها شعاب كثيرة مزورة إذا أشرف الإنسان من جبل أبى قبيس؛ لا يرى الإنسان جميع مكة؛ بل يرى أكثرها.

و هى: تسع خلقا كثيرا خصوصا فى أيام الحج؛ فإنه يرد إليها قوافل عظيمة:

من مصر، و الشام، و حلب، و بغداد، و بصرة، و الحشا، و نجد، و اليمن، و من بحر الهند، و الحبشة، و الشجر، و حضرموت، و غربان جزيرة العرب طوائف لا يحصيهم إلا اللّه تعالى، فتسعهم جميعهم، و أفنيتها، و جبالها، و وهادها.

و هى: تزيد عمارتها و تنقص بحسب الأزمان، و بحسب الولاة، و الأمن، و الخوف، و الغلاء و الرخاء.

و هى الآن بحمد اللّه تعالى فى دولة السلطان الأعظم و الفياض الأكرم:

معمر هذا العالم بالعدل و الفضل و الكرم السلطان مراد خان: خلد اللّه ملكه، و جعل بساط البسيطة ملكه، فى أعلى درجات العمارة و الأمن و الرخاء؛ بحيث ما رأينا من أول العمر إلى الآن هذه العمارة و لا قريبا منها.

و كنت أشاهد قبل الآن فى زمن الصبا خلو الحرم الشريف، و خلو المطاف من الطائفين، حتى أنى أدركت الطواف و حدى من غير أن يكون معى أحد، مرارا كثيرا كنت أترصد خليا؛ لكثرة ثواب بأن يكن الشخص الواحد يقوم بتلك العبادة وحده فى جميع الدنيا؛ و هذا لا يكون إلا بالنسبة إلى الإنسان فقط.

و أما الملائكة لا يخلو منهم المطاف، بل يمكن أن لا يخلو عن أولياء اللّه تعالى: ممن لا تظهر صورته؛ و يطوف خافيا عن أعين الناس، و لكن لما كان ذلك خلاف الظاهر صار يثاب على أداء هذه العبادة بالانفراد ظاهرا كثير من الصلحاء.

41

لأنه ليس معنى عبادة يمكن أن ينفرد بها رجل واحد فى جميع الدنيا، و لا يشاركه غيره فى تلك العبادة بعينها إلا الطواف، فإنه يمكن أن ينفرد بها شخص واحد بحسب الظاهر و اللّه أعلم بالسرائر.

حتى حكى إلىّ والدى (رحمه اللّه تعالى): «أن وليا من أولياء اللّه تعالى أرصد الطواف الشريف أربعين عاما ليلا و نهارا؛ ليفوز بالطواف وحده فرأى بعد هذه المدة خلو المطاف الشريف، فتقدم ليشرع، فإذا بحية تشاركه فى ذلك الطواف، فقال لها: ما أنت ممن خلق اللّه تعالى؟ فقالت: إنى أرصد ما رصدته قبلك بمائة عام، فقال لها: حيث كنت أنت ممن غير البشر فإنى فزت بالانفراد بهذه العبادة من بين البشر، و أتم طوافه.

و حكى شيخ معمر من أهل مكة: «أنه شاهد الظباء تنزل من جبل أبى قبيس إلى الصفا و تدخل من باب الصفا إلى المسجد ثم تعود لخلو المسجد من الناس- و هو صدوق عندى- و كنا نرى سوق المسعى وقت الضحى خاليا من الباعة، و كنا نرى القوافل تأتى بالحنطة من بجيلة، فلا يجد أهلها من يشترى منهم جميع ما جلبوه؛ فكانوا يبيعون ما جاؤوا به بالأجل، اضطرارا ليعودوا بعد ذلك، و يأخذوا أثمان ما باعوه، و كانت الأسعار رخية جدا لقلة الناس، و عزة الدراهم.

و أما الآن فالناس كثيرون، و الرزق واسع، و الخير كثير، و الخلق مطمئنون آمنون؛ فى ظلال السلطة الشريفة، خائضون فى بحر إنعامها، و إحسانها، و نعمتها الوفيرة، أدام اللّه تعالى سلطنة الزاهرة، و أطال عمره الشريف، و خلد دولته القاهرة، و خلافته الباهرة.

و مكة شرفها اللّه تعالى يحيط بها جبال لا يسلك إليها الخيل، و الإبل، و الأحمال؛ إلا من ثلاث مواضع:

أحدها: من جهة المعلا.

و الثانية: من جهة الشبيكة.

و الثالثة: من جهة المسفلة.

42

و أما الجبال المحيطة بها: فيسلك من بعض شعابها الرجال على أقدامهم؛ لا الخيل، و الجمال، و الأحمال.

و كانت مكة فى قديم الزمان مسورة، فجهة المعلا: كان بها جدر عريض من طرف جبل عبد اللّه بن عمر؛ إلى الجبل المقابل له، و كان فيه باب من خشب؛ مصفح بالحديد؛ هداه ملك الهند إلى صاحب مكة.

و قد أدركنا منها قطعة جدار كان فيه نقوب السيل؛ قصير دون القامة؛ و هو على سمة قطعة جدارين؛ إلى جانبه سبيل على مجرى ذيل عين حنين، بناه المرحوم المصطفى؛ ناظر العين، باسم المرحوم المقدس؛ السلطان سليمان خان، سقاه اللّه تعالى ماء الكوثر، و السلسبيل فى يوم العطش الأكبر؛ يوم الميزان، و جعل فوق السبيل منظرة (1)، فيها شبابيك من الجهات الأربع؛ يتنزه الناس فيها، و ذلك باق إلى هذاي اليوم، و تهدم ما عداه.

و كان فى جهة الشبابيك أيضا سور؛ ما بين جبلين متقاربين بينهما الطريق السالك إلى خارج مكة؛ و كان ذلك السور فيه بابان بعقدين، أدركنا أحد العقدين تدخل منه الجمال و الأحمال، ثم تهدم شيئا فشيئا إلى أن لم يبق منه شى‏ء الآن، و لم يبق منه إلا فج بين جبلين متقاربين فيه المدخل و المخرج، و كان سور فى جهة المسفلة فى درب اليمن لم ندركه و لم ندرك آثاره.

ذكر التقى الفاسى؛ نقلا عمن تقدم: «أنه كان لمكة سور من أعلاها دون السور الذى قد تقدم ذكره قريبا من المسجد المعروف ب: مسجد الراية، و أنه كان من الجبل الذى إلى جهة الزارق؛ و يقال له: لعلع، إلى الجبل المقابل له الذى إلى جهة سوق الليل. قال: و فى الجبلين آثار تدل على اتصال السور». انتهى.

و لم يبق الآن‏ (2) شى‏ء من آثار هذا السور الثانى مطلقا، و لعل دور مكة كانت تنتهى إلى هذا الموضع حيث وضع عليه السور، ثم اتصل العمران، إلى أن احتيج إلى سور المعلاة.

____________

(1) المنظرة: مكان من البيت يعد لاستقبال الزائرين، و المنظرة: القوم الذين ينظرون إلى الشى‏ء. المعجم الوسيط: 969.

(2) فى (س): إلا.

43

و قال الفاكهى (رحمه اللّه): «و من آثار النبى (صلى اللّه عليه و سلم) مسجد بأعلا مكة يقال: إن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) [بناه‏] (1) عند بئر جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل، و كان الناس لا يتجاوزون فى السكنى فى قديم الدهر هذه البئر، و ما فوق ذلك خال من الناس».

و فى ذلك يقول عمرو بن ربيعة:

نزلت بمكة من قبائل نوفل‏* * * و نزلت خلف البئر أبعد منزل‏

حذارا عليها من مقالة كاشح‏* * * ذرب اللسان يقول ما لم يفعل‏

قلت: المسجد هذا، هو: مسجد الراية، موجود يزار إلى الآن.

يقال: إن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) وضع رايته يوم فتح مكة فيه، و البئر موجود الآن خلف المسجد، و قد تجاوز العمران عن حد البئر كثير إلى صوب المعلا.

و أما حدوث هذه الأسوار، فقد قال التقى الفاسى (رحمه اللّه): «ما عرفت متى أنشأت هذه الأسوار بمكة، و لا من أنشأها، و لا من عمرها، غير أنه بلغنى أن الشريف أبا عزيز؛ قتادة بن إدريس الحسينى؛ جد ساداتنا أشراف مكة (أدام اللّه تعالى عزهم و سعادتهم) هو الذى عمرها».

قال: «و أظن أن فى دولته عمر السور الذى بأعلا مكة، و فى دولته سهلت العقبة التى بنى عليها سور باب الشبيكة، و ذلك من جهة المظفر؛ صاحب أذبل فى سنة سبع و ستمائة، و لعله بنى السور الذى بأعلا مكة؛ و اللّه أعلم».

قال: «و رأيت فى بعض التواريخ ما يقتضى: أنه كان لمكة سور فى زمن المقتدر العباسى، و ما عرفت هل هو هذا السور الذى بأعلا مكة و أسفلها، أو من أحد الجهتين».

قال: «و طول مكة من باب المعلاة إلى باب الماجن؛ يعنى درب اليمن بالمسفلة؛ موضع السور الذى كان موجودا فى زمانه طريق المدعى، و المسعى،

____________

(1) سقط من (س).

44

و مسيل وادى إبراهيم، و السوق الذى يقال له الآن: السوق الصغير مع ما فيه من دورات و لفتات ليست على الاستقامة: أربعة آلاف ذراع، و اثنان و سبعون ذراعا؛ بتقديم السين، بذراع اليد؛ و هو ينقص ثمن ذراع عن ذراع الحديد المستعمل الآن؛ يعنى الذراع الشرعى.

و طول مكة من باب المعلاة إلى باب الشبيكة من طريق المدعى، ثم يعدل عنه إلى سويقة، ثم إلى الشبيكة من طريق المدعى: أربعة آلاف ذراع و مائة ذراع و اثنان و سبعون ذراعا؛ بتقديم السين؛ بذراع اليد أيضا».

و قال: «ذكر الزبير بن بكار

عفى الصبى متجمل الصبر* * * يرجو عواقب دولة الدهر

جعل المنى سببا لراحته‏* * * فيما يسكن لوعة الصدر

حتى إذا ما الفكر راجعه‏* * * قطع المنى متبين الهجر

يشكى الضمير إلى جوانحه‏* * * بعض الذى يلقى من الفكر

(1)، عن أبى سفيان بن وداعة السهمى: أن سعد بن عمر السهمى أول من بنى بيتا بمكة، و أنشد فى ذلك شعرا منه قوله:

و أول من بوّأ بمكة بيته‏* * * و سور فيها ساكنا بأثافى»

____________

(1) الزبير بن بكار؛ هو: أبو عبد اللّه الزبير بن أبى بكر بكار بن عبد اللّه بن مصعب ابن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير بن العوام، من أهل المدينة، إخبارى، أحد النسابين، و كان شاعرا صدوقا، و من شعره:

عفى الصبى متجمل الصبر* * * يرجو عواقب دولة الدهر

جعل المنى سببا لراحته‏* * * فيما يسكن لوعة الصدر

حتى إذا ما الفكر راجعه‏* * * قطع المنى متبين الهجر

يشكى الضمير إلى جوانحه‏* * * بعض الذى يلقى من الفكر

و الزبير بن بكار راوية ذو قدر، ولى قضاء مكة، و دخل بغداد عدة مرات، آخرها سنة 253 ه، و توفى الزبير و هو قاض على مكة، و دفن بها ليلة الأحد لتسع بقين من ذى القعدة سنة 256 ه، و قد بلغ من السن 84 سنة.

و من كتبه: أخبار العرب و يامها، نسب قريش و أخبارها، نوادر أخبار النسب، كتاب اللغة للموفق (و هو الموفقيات فى الأخبار) كتاب مزاح النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، نواذر المدنيين، كتاب النحل، العقيق و أخباره، الأوس و الخزرج، أخبار ابن ميادة، أخبار الأحوص، أخبار عمر ابن أبى ربيعة، أخبار جميل، أخبار أبى دعبل، أخبار نصيب، أخبار العرجى، أخبار أمية، أخبار هدبة، أخبار عبد الرحمن بن حسان، أخبار هرمة، أخبار القارئ، أخبار المجنون، أخبار ابن أبى السائب، أخبار حاتم، كتاب إغارة كثير على الشعراء، كتاب وفود النعمان على كسرى. روى الزبير عن عمه مصعب بن عبد اللّه، و محمد بن الحسن المحزومى و محمد بن الضحاك، و غيرهم كثيرون. الفهرست: 160، 161، هدية العارفين:

5/ 372.

45

قال: «و ينبغى لمن بنى بمكة بيتا أن لا يرفع بنائه على بنياء الكعبة الشريفة، فإن بعض الصحابة (رضى اللّه عنهم) كان يأمر بهدمه».

قال الأزرقى: «و إنما سميت‏ (1) الكعبة: كعبة، لأنه لا يبنى بمكة بناء مرتفع عليها».

ثم قال: «حدثنى جدى، عن أبى عيينة، عن أبى شعبة الجمحى، عن شيبة بن عثمان: أنه كان يشرف، فلا يرى بيتا مشرفا على الكعبة إلا أمر بهدمه».

ثم قال: «قال جدى: لما بنى العباس بن محمد بن على بن عبد اللّه بن عباس (رضى اللّه عنهم) داره التى بمكة قبال المسجد الحرام أمر قومه أن لا يرفعوها على الكعبة، و أن يجعلوا أعلاها دون الكعبة ليكون دونها؛ إعظاما للكعبة».

قال الأزرقى: «قال جدى: فلم يبنى بمكة دار كبيرة أو غيرها تشرف على الكعبة إلا هدمت، أو خربت، إلا هذه الدار، فإنها باقية إلى اليوم».

انتهى.

*** و أما حكم بيع دور مكة و إجارتها:

فقد ذكر الإمام قاضى خان: أنه لا يجوز بيع دورها عند أبى حنيفة (رضى اللّه عنه) فى ظاهر الرواية، و قيل: يجوز، مع الكراهة؛ و هو قول أبى يوسف و محمد (رضى اللّه عنهما).

قال صاحب الواقعات؛ و عليه الفتوى: «و روى الحسن، عن أبى حنيفة (رضى اللّه تعالى عنهما): أن بيع دور مكة جائز، و فيها الشفعة»، و هو قول أبى يوسف؛ و عليه الفتوى، ذكره فى «عيون المسائل».

قال قوام الدين فى شرح الهداية: «بيع بناء مكة جائز اتفاقا، لأن بناءها

____________

(1) فى (س): سميته.

46

ملك الذى بناه، ألا ترى أن من بنى فى أرض الوقف جاز أن يبيع بناءه، فكذا هذا.

و أما بيع أرض مكة فلا يجوز عند أبى حنيفة (رضى اللّه عنه)، و هو ظاهر الرواية، و هو قول محمد، و عند أبى يوسف تجوز، و رجح الطحاوى قول أبى يوسف.

و قد رأينا المسجد الحرام الذى سواء (1) العاكف فيه و الباد، لا ملك لأحد فيه، و رأينا مكة على غير ذلك، فقد يضر البناء فيها.

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم دخلها: «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن و من أغلق عليه بابه فهو آمن).

فلما كانت مما يغلق عليه الأبواب، و يبنى فيها المنازل، كان صفتها صفة المواضع التى تجرى فيها الأملاك، و يقع فيها التوارث، و لا يجوز احتجاج المخالف بقوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ (2)، لأن المراد بالمسجد الحرام، لا جميع أرض مكة». انتهى ملخصا.

*** و أما إجارة دور مكة:

فقد ذكر صاحب التقريب، و قد روى هشام، عن أبى حنيفة: «أنه كره إجارة دور مكة، و قال لهم: أن ينزلوا عليهم فى دورهم إن كان فيها فضل، و إن لم يكن فلا؛ و هو قول محمد (رحمه اللّه تعالى)». انتهى.

و روى محمد فى الآثار، عن أبى حنيفة، عن عبد اللّه بن زياد، عن أبى نجيح، عن عبد اللّه بن عمر، عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «من أكل من أجور بيوت مكة شيئا فكأنما أكل نارا»، أخرجه الدارقطنى بإسناد ضعيف، و قال: أنه موقوف.

____________

(1) فى (س): هو.

(2) الآية رقم 25 من سورة الحج، مدنية.

47

و روى: أنه كره إجارتها لأهل الموسم، و لم يكره للمقيم، لأنى أهل الموسم لهم ضرورة إلى النزول، و المقيم لا ضرورة له.

و عن عمر بن الخطاب (رضى اللّه تعالى عنه): أنه نهى أن يغلق بمكة باب دون الحاج، فإنهم ينزلون كلما رأوه فارغا.

و عن عمر بن عبد العزيز فى خلافته إلى أمير مكة: أن لا يدع أهل مكة أن يأخذوا ذلك خفية و مساترة.

و هذا مبنى على أصل، و هو: أن فتح مكة إن كان عنوة فتكون مقسومة، و لم يقسمها النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و أمّرها على ذلك، فتبقى على ذلك لا تباع، و لا تكرى، و من سبق إلى موضع فهو أولى به؛ و بهذا قال أبو حنيفة، و مالك، و الأزرعى (رضى اللّه عنهم)؛ إن كان فتحها صلحا، فتبقى ديارهم بأيديهم، ثم يتصبرفون فى أملاكهم كيف شاؤوا سكنا، و إسكانا، و بيعا، و إجارة، و غير ذلك؛ و به قال الإمام الشافعى، و أحمد (رضى اللّه تعالى عنهما)، و طائفة من المجتهدين، و على ذلك عمل الناس قديما و حديثا.

*** و أما أسماء مكة المشرفة:

فإنها سميت بها لقلة مائها، من قولهم: أمتك‏ (1) الفصيل ما فى ضرع أمه، إذا لم يبق فيها شيئا، و كذلك تسمى المعطشة، أو لأنها تنقص الذنوب أو تنقيها.

و من أسمائها: بكة، لأنها تبك أعناق الجبابرة؛ أى تكسرها.

و منها: العروض؛ بفتح المهملة، و لذلك سمى علم عروض الشعر:

عروضا، لأن الخليل بن أحمد (2) اخترعه بمكة، فسماه باسمها، و البلد الأمين، و القرية، و أم القرى.

____________

(1) امتك العظم: مكّة، امتك الفصيل ما فى بطن أمه: استقصاه بالمعنى. المعجم الوسيط: 916.

(2) الخليل بن أحمد؛ هو: الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدى، أبو عبد-

48

قال المحطب: «سمى اللّه تعالى مكة بخمسة أسماء؛ مكة، و بكة، و القرية، و البلد، و أم القرى».

قال ابن عباس: «سميت: أم القرى، لأنها أعظم القرى شأنا».

و قيل: لأن الأرض دحيت من تحتها.

و من أسمائها: كوثى، و أم كوثى، لأن كوثى اسم لمحل من قعيقعان،

و قاران، و المقدمية، و قرية النمل؛ لكثرة نملها، و الحاطمة؛ لحطمها للجبابرة (1)، و الوادى، و الحرم، و العريش، و برة، و صلاح؛ مبنى على الكسر كخدام و قطام.

و من أسمائها: طيبة أيضا.

و منها: معاد؛ بفتح الميم؛ لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ (2)، لما فى الصحيحين، عن ابن عباس (رضى اللّه عنهما: لرادك إلى معاد، قال: إلى مكة.

و من أسمائها: الباسّة؛ بالباء الموحدة، و السين المهملة المشددة، قاله مجاهد، لأنها تبسّ من ألحد فيها؛ أى: تهلكه؛ لقوله تعالى: وَ بُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (3).

و تسمى: الناشة أيضا؛ بالنون و الشين المعجمة، أى: تنش؛ بتشديد آخرها، أى تطرد من ألحد فيها، و تنفيه، و لها أسام غير ما ذكرناه.

و للمجد الفيروزبادى رسالة فى أسمائها.

قال الإمام النووى‏ (4) (رضى اللّه تعالى عنه): و لا يعرف فى البلاد بلد

____________

- الرحمن البصرى، العروضى النحوى اللغووى، ولد سنة 100 ه، و توفى سنة 170 ه.

من تصانيفه: فائت العين فى اللغة، كتاب الإيقاع، كتاب الشواهد، كتاب العروض، كتاب العين فى النحو و اللغة، كتاب النغم، كتاب النقط و الشكل. هدية العارفين: 5/ 350.

(1) فى (س): للجبارة.

(2) الآية رقم 85 من سورة القصص، مدنية.

(3) الآية رقم 5 من سورة الواقعة، مكية.

(4) النووى؛ هو: يحيى بن شرف بن مرى بن حسن الخزامى الحورانى؛ النووى-

49

أكثر أسماء من‏ (1) مكة و المدينة؛ لكونهما أشرف الأرض، و قال عبد اللّه المرجانى (رحمه اللّه تعالى) فى تاريخه للمدينة، بعد ذكره لأسماء مكة:

و من الخواص لقطع الرعاف إذا (2) كتب بدم الرعاف على جبين المرعوف: «مكة وسط الدنيا و اللّه رؤوف بالعباد» انقطع الدم.

*** و أما فضل مكة (شرفها اللّه تعالى):

فاعلم: أن مكة و المدينة زادهما اللّه شرفا و تعظيما أفضل بقاع الأرض بالإجماع.

و ذكر القاضى عياض: أن موضع قبر نبينا (عليه أفضل الصلاة و السلام) أى ما ضم أعضاءه الشريفة أفضل بقاع الأرض بالإجماع؛ لحلول سيد الأنبياء و المرسلين (عليه و عليهم أفضل الصلاة و السلام).

و فيه قال السكرى (رحمه اللّه تعالى):

جزم الجميع بأن خير الأرض ما* * * قد حاط ذات المصطفى و حواها

و نعم لقد صدقوا مكانتها علت‏* * * كالنفس حين زكت زكى مأواها

ثم اختلف العلماء (رحمهم اللّه تعالى) فى أن مكة شرفها اللّه تعالى أفضل أم المدينة الشريفة عظمها اللّه تعالى.

فذهب الإمام الأعظم؛ أبو حنيفة، و أصحابه، و الإمام الشافعى، و أصحابه، و الإمام أحمد بن حنبل، و أصحابه (رضى اللّه تعالى عنهم):

____________

- الشافعى؛ أبو زكريا؛ محيى الدين، علامة بالفقه و الحديث، و مولده و وفاته فى نوا (من قرى حوران بسورية)، و إليها نسبته، تعلم النووى فى دمشق، و أقام بها زمنا طويلا. من كتبه: منهاج الطالبين، الدقائق، تصحيح التنبيه، المنهاج فى شرح صحيح مسلم، التقريب و التيسير، حلبة الأبرار (يعرف بالأذكار) رياض الصالحين، بستان العارفين، خلاصة الأحكام من مهمات السنن و قواعد الإسلام، و غيرها كثير. ولد النووى سنة 631 ه، و توفى سنة 676 ه. انظر كتاب: الأعلام: 8/ 149.

(1) فى (س): من أسماء.

(2) فى (س): إذ.

50

أن مكة أفضل من المدينة زادها اللّه تعالى شرفا و تعظيما؛ لحديث عبد اللّه بن الزبير (رضى اللّه تعالى عنه): أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، و صلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فى مسجدى» رواه أحمد بن حنبل، و ابن حبان فى صحيحه.

و لا يرتاب فى الفضائل التى أثبتها اللّه تعالى لبلده الحرام، فجعل فيها بيته المعظم الذى إذا قصده عباده حط عنهم أوزارهم، و رفع درجاتهم، و جعلها قبلة للمسلمين أحياء و أمواتا، و فرض الحج إلى من استطاع إليه سبيلا مرة فى عمره و فى كل عام على الناس أجمعين؛ فرض كفاية، و حرمها يومي خلق السماوات و الأرض، و لا يدخلها إلا بالإحرام، و هو مثوى إبراهيم و إسماعيل (عليهما الصلاة و السلام)، و مسقط رأس خير الأنام (عليه السلام)، و محل إقامته قبل النبوة و بعدها ثلاثة عشر عاما، و محل نزول أكثر القرآن، و مهبط الوحى، و مظهر الإيمان و السلام، و منشأ الخلفاء الراشدين (رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين)، و بها الحجر الأسود و الزمزم و المقام، و غير ذلك من المزايا العظام، و لقد قال القائل:

أرض بها البيت المحرم قبلة* * * للعالمين له المساجد تعدل‏

حرم حرام أرضها و صيودها* * * و الصيد فى كل البلاد محلل‏

و بها المشاعر و المناسك كلها* * * و إلى فضلها البرية ترحل‏

و بها المقام و حوض زمزم شربها* * * و الحجر و الركن الذى لا يرحل‏

و المسجد العالى المحرم و الصفا* * * و المشعران لمن يطوف و يرمل‏

و بمكة الحسنات ضوعف أجرها* * * و بها المسئ عن الخطايا يغسل‏

و قال الإمام مالك (رضى اللّه تعالى عنه): المدينة أفضل من مكة؛ لما روى أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال حين خروجه من مكة إلى المدينة: «اللّهم إنك تعلم أنهم أخرجونى من أحب البلاد إلىّ فأسكنى أحب البلاد إليك» رواه‏

51

الحاكم فى المستدرك. و ما هو أحب البقاع إلى اللّه يكون أفضل. و الظاهر:

استجابة دعائه (صلى اللّه عليه و سلم).

و قد أسكنه اللّه المدينة الشريفة؛ فتكون أفضل البقاع، و له أدلة أخرى من الأحاديث الشهيرة، و بين الطائفتين نزاع و مشاحنات؛ و اللّه أعلم.

*** و أما حكم المجاورة بمكة شرفها اللّه تعالى:

فذهب إمامنا الأعظم؛ أبو حنيفة (رضى اللّه تعالى عنه)، و بعض أصحاب الشافعى، و جملة من المحتاطين فى دين اللّه (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) كراهة المقام بمكة و ذلك لخوف سقوط حرمة البيت الشريف فى نظره، و قلة الاحترام بالأنس و البسط إلى أن يذهب من قلبه الاحترام و الهيبة بالكلية، فيصير بيت اللّه الحرام فى نظره القاصر كسائر البيوت و العياذ باللّه تعالى، أو ينقص الهيبة و الحرمة الأولى فى نظره كما هو شأن سائر الناس فى الأكثر إلا من عصمه اللّه تعالى، و حيث كان هو الأكثر من حكم الناس أنيط به حكم الكراهة، فإقامة المسلم فى وطنه و هو مشتاق إلى مكة باق حرمتها فى نظره خير له، و أسلم من مقامه بمكة من غير الاحترام لها، أو مع نقصان احترامه؛ و هذا ملحظ إمامنا الشافعى (رضى اللّه عنه) و لهذا كان عمر (رضى اللّه عنه) يدور على الحاج بعد قضاء النسك بالدرة، و يقول: يا أهل اليمن يمنكم، و يا أهل الشام شامكم، و يا أهل العراق عراقكم؛ فإنه أبقى لحرمة ربكم فى قلوبكم.

و قال أبو عمرو الزجاجى: من جاور بالحرم و قلبه متعلق بما سوى اللّه تعالى فقد ظهر خسرانه.

و قال بعض السلف: كم من رجل بخراسان و هو أقرب إلى هذا البيت ممن يطوف به، و قال: و قيل:

و كم من بعيد الدار نال مراده‏* * * و كم من قريب الدار مات كئيبا

و قال ابن مسعود: ما من بلد يؤاخذ فيه بالهم قبل العمل إلا مكة.

52

و تلا قوله تعالى: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ‏ (1).

و لقد اختار حبر الأمة؛ سيدنا عبد اللّه بن عباس (رضى اللّه تعالى عنهما) المقام بالطائف و ما حوله على مكة، و قال: لأن أذنب سبعين ذنبا بغير مكة أحب إلىّ من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة.

و ذهب بعض العلماء إلى القول بتضاعف السيئات بأرض الحرم كما تضاعف الحسنات.

و جاور أبو محمد الجوهرى سنة بمكة فلم يستند إلى حائط، و لم ينم، فقيل له: بم قدرت على هذا؟ فقال: علم اللّه صدق باطنى، و أعاننى على ظاهرى.

و بقى أبو عمرو الزجاجى الصوفى أربعين سنة مجاورا بمكة لم يقض حاجته البشرية فى الحرم، بل كان يخرج إلى الحل عند قضاء الحاجة.

و هكذا يروى عن الإمام أبى حنيفة (رضى اللّه عنه) فى مدة إقامته بمكة، و كان أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يحجون ثم يرجعون، و يعتمرون ثم يرجعون، و لا يجاورون؛ ذكره عبد الرزاق فى مصنفه.

و روى عن وهب بن الوردى المكى (رحمه اللّه تعالى) قال: كنت ذات ليلة أصلى فى الحجر، فسمعت كلاما بين الكعبة و الأستار خفيا، فاستمعت، فإذا هى تناجى و تقول: إلى اللّه أشكو ثم إليك يا جبريل ممن حولى؛ من سمرهم و تفكههم باللغو و ذكر أحوال الدنيا و الاغتياب و الخوض فيما لا ينبغى لهم، و اللهو، و الغيبة، لئن لم ينتهوا عن ذلك لأنتقض انتقاضة يرجع كل حجر منى إلى الجبل الذى قطع منه.

و سئل الإمام مالك (رضى اللّه تعالى عنه) عن الحج و الجوار أحب إليه‏ (2) أو الرجوع.

فقال: ما كان الناس إلا على الحج و الركوع، و فيهم ابن زيد، من هذا اقتضى كراهية المجاورة عنده.

____________

(1) الآية رقم 25 من سورة الحج، مدنية.

(2) فى (س): إليك.

53

و الظاهر (1): أنه لا يقتضيه؛ و اللّه تعالى أعلم.

و ذهب الإمام أبو يوسف، و محمد، و الإمام الشافعى، و الإمام أحمد بن حنبل (رضى اللّه تعالى عنهما) إلى استحباب المجاورة بها فى قولهم: و إنه الأفضل، قال: و عليه عمل الناس.

و حكى الفارسى فى منسكه عن المبسوطات: الفتوى على قولهما.

و روى عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «من صبر على حر مكة ساعة تباعدت النار عنه مسيرة مائة عام».

و عن سعيد بن جبير: «من مرض بمكة يوما كتب له من العمل الصالح الذى يعمله فى سبع سنين، فإن كان غريبا ضوعف ذلك» رواهما الإمام الفاكهى (رحمه اللّه تعالى).

و محصل ما ذهب إليه أبو حنيفة (رضى اللّه عنه) من كراهة المجاورة مبنى على ضعف الخلق عن مراعاة حرمة الحرم الشريف، و قصورهم عن الوفاء بقيام حق البيت العتيق، فمن أمكنه الاحتراز عن ذلك، و عرف من نفسه القدرة على الوفاء بحرمة بيت اللّه تعالى، و تعظيمه و توقيره على وجه تبقى معه حرمة البيت الريف و جلالته و هيبته و عظمته فى عينه و قلبه كما كان عند دخوله فى الحرم الشريف، و مشاهدة بيت اللّه تعالى، فالإقامة بها هى الفضل العظيم و الفوز الكبير.

و لا شك فى تضاعف الحسنات، و أما تضاعف السيئات: فأكثر العلماء على عدم تضاعفها.

و لا شك فى تردد سائر الأولياء إليها فى الأوقات الفاضلة، فمن لمح أحدهم، أو لمحه نال السعادة العظمى، و وردانهم يحضرون الجمعة، و الأوقات الشريفة، و يحجون كل عام؛ فكان دأب والدى (رحمه اللّه) قبل أن يكف نظره أن يبادر يوم النحر بعد رمى جمرة العقبة إلى مكة، و يجلس‏

____________

(1) فى (س): و الظاهرة.

54

فى الحطيم تجاه بيت اللّه تعالى، و يخلط الطائفين بنظره، و يستمر جالسا هناك إلى صلاة المغرب، فيطوف بعد صلاة المغرب و يسعى، و يعود إلى منى، و كان يقول: إن أولياء اللّه لا بد أن يحجوا كل سنة و يفعل الأفضل، و هو: ألا يتأن بطواف الزيارة فى أول يوم النحر، فأبادر إلى النزول من منى فى ذلك اليوم، و أجلس فى الحطيم أشاهد الطائفين؛ لعل أن يقع نظرى على أحدهم، أو يقع نظره علىّ، فيحصل لى بذلك بركتهم.

و يستمر على ذلك إلى أن كف بصره (رحمه اللّه تعالى)، فكنا نذهب به، و نجلسه فى الحطيم، و يقول: إن كنت لا أنظرهم، فلعل أن يقع نظرهم علىّ، فيحصل لى بركتم، و استمر على ذلك إلى أن توفى (رحمه اللّه تعالى).

يخفون أنفسهم عن أعيني الناس فلا يراهم إلا من أسعده اللّه تعالى؛ المسئول أن يجعلنا من سعداء الدنيا و الآخرة، بمنّه و كرمه، إن شاء اللّه، آمين.

***

55

الباب الثانى فى بناء الكعبة المشرفة (زادها الله تشريفا و تعظيما و مهابة و تكريما)

قال قاضى القضاة؛ السيد تقى الدين محمد بن أحمد بن على الحسنى المكى الفاسى فى كتابه «شفاء الغرام» (1): لا شك أن الكعبة المعظمة بنيت مرات، و قد اختلف فى عدد بنائها.

و يستحصل من مجموع ما قيل فى ذلك: أنها بنيت عشر مرات، و هى:

بناء الملائكة، و بناء آدم (عليه السلام)، و بناء أولاده، و بناء الخليل إبراهيم (عليه السلام)، و بناء العمالقة، و بناء جرهم، و بناء قصى بن كلاب؛ جد النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و بناء قريش قبل بعث النبى (عليه السلام) و عمره الشريف يومئذ خمس و عشرون سنة، و بناء عبد اللّه بن الزبير بن العوام الأسدى، و آخرها: بناء الحجاج بن يوسف الثقفى.

و فى إطلاق العبارة أن بناء الكعبة يجوز، فإن بعضها لم يستوعبها (2) البناء كالبناء الآخر، و هو: بناء الحجاج، فإنه إنما انهدم جانب الميزاب‏ (3) فقط و أعاده، و أبقى الجوانب الثلاث، و هى جهة الباب، و جهة المستجاز

____________

(1) شفاء الغرام؛ هو: شفاء الغرام تاريخ بلد اللّه الحرام، لتقى الدين محمد بن أحمد بن على الحسنى الفاسى، المتوفى سنة 832 ه، ألفه على نمط تاريخ الأزرقى، و حذف منه أسانيد الأحاديث، و الكتاب فى أربعين بابا زاد فيها الفاسى ما جد بعد الأزرقى، و اختصره الفاسى مرارا. و قد قمنا بتحقيق هذا الكتاب، و هو تحت الطبع، و قام بتحقيقه هشام عبد العزيز عطا، و عادل عبد الحميد العدوى، و شرف أحمد الجمال، و كان التحقيق تحت إشراف سعيد عبد الفتاح.

(2) فى (س): يستوعيهما.

(3) فى (س): الميزان.

56

الذى يقابل الباب، وجهة الصفا المقابل لجهة الميزاب؛ فإنها باقية على بناء عبد اللّه بن الزبير.

فأما بناء الكعبة الشريفة؛ و هو أول بنائها:

[الاول فى بناء الملائكة:]

فذكر الإمام أبو الوليد أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن الوليد الأزرقى فى تاريخه، قال: «حدثنا عبد اللّه بن مسلم العجلى، عن أبيه، حدثنا القاسم بن عبد اللّه الأنصارى، [حدثنا] (1) الإمام محمد الباقر بن الإمام على زين العابدين بن الحسين بن أمير المؤمنين؛ علىّ بن أبى طالب (رضى اللّه عنه)، قال: كنت مع أبى؛ علىّ بن الحسين (عليه السلام) بمكة، فبينما هو يطوف و أنا وراءه إذ جاء رجل طويل، فوضع يده على ظهر يأبى، فالتفت أبى إليه، فقال الرجل: السلام عليك يا ابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، إنى أريد أن أسألك، فرد (عليه السلام)، و سكت أبى و الرجل خلفه، حتى فرغ من أسبوعه، فدخل الحجر، فقام تحت الميزاب، و صلى ركعتى أسبوعه، ثم استوى قاعدا، فالتفت إلىّ، فجلست إلى جانبه، فقال: يا محمد، أين السائل؟ فأومأت إلى الرجل، فجاء فجلس بين يدى، فقال أبى: عم تسأل؟ فقال: إنى أسألك عن بدء هذا الطواف بهذا البيت، فقال له أبى:

من أين أنت؟ قال: من أهل الشام، قال: أين مسكنك؟ قال: بيت المقدس، قال: أقرأت الكتابين- يعنى التوراة و الإنجيل-؟ قال: نعم، قال له أبى: يا أخا الشام‏ (2)، احفظ عنى، و لا ترو عنى إلا حقا، أما بدؤ هذا الطواف: فإن اللّه تعالى قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (3).

فقالت الملائكة: أى يا رب، أتخلق غيرنا ممن يفسد فيها و يسفك الدماء و يتحاسدون و يتباغضون؟!

أجعل ذلك الخليفة منا، فنحن لا نفسد فيها و لا نسفك الدماء و لا نتباغض‏

____________

(1) سقط من (س).

(2) فى (س): الشامى.

(3) الآية رقم 30 من سورة البقرة، مدنية.

57

و لا نتحاسد و لا نتباغى، و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك و نعظمك و لا نعصيك‏ (1).

فقال اللّه تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (2).

قال: فظنت الملائكة أن ما قالوا رد على ربهم، و أنه قد غضب من قولهم، فلاذوا بالعرش، و رفعوا رؤوسهم يتضرعون و يبكون؛ إشفاقا من غضبه، فطافوا بالعرش ثلاث ساعات، فنظر اللّه تعالى إليهم، و نزلت الرحمة عليهم، و وضع اللّه سبحانه و تعالى تحت العرش بيتا؛ و هو البيت المعمور على أربع أساطين من زبرجد يغشاهن ياقوتة حمراء.

و قال للملائكة: طوفوا بهذا البيت، و صار أهون عليهم من العرش.

ثم إن اللّه تبارك تعالى بعث ملائكة، و قال لهم: ابنوا لى بيتا فى الأرض بمثاله و قدره، و أمر اللّه تعالى من الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما طاف أهل السماوات بالبيت المعمور، فقال الرجل: صدقت يا ابن بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، هكذا كان». انتهى.

قلت: هذا الحديث الشريف يدل على أن بناء الملائكة (عليهم السلام) للكعبة الشريفة كان قبل خلق الأرض، و لنا أحاديث دالة على أن الكعبة خلقت قبل الأرض بأربعين سنة فى رواية، و بألفى عام فى رواية.

قال الإمام أبو عبد اللّه محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهى المكى فى أوائل «تاريخ مكة»: «حدثنى عبد اللّه بن سلمة الواقدى، قال: حدثنا ابن جريج، عن بشر بن عاصم الثقفى، عن سعيد بن المسيب، قال:

حدثنا على بن أبى طالب (رضى اللّه عنه): خلق اللّه تعالى البيت قبل الأرض و السماوات بأربعين سنة، و كان غثاء على الماء».

و قال الفاكهى: «و حدثنى عبد اللّه بن أبى سلمة، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال: حدثنا بن معد، عن سعيد، و نافع مولى الزبير، عن‏

____________

(1) فى (س): نعصك.

(2) الآية رقم (30) من سورة البقرة، مدنية.

58

أبى هريرة (رضى اللّه تعالى عنهم) أنه قال: الكعبة خلقت قبل الأرض بألفى، قيل: و كيف خلقت قبل الأرض و هى من الأرض؟ فقال: لأنه كان عليها ملكان يسبحان بالليل و النهار ألف سنة، فلما أراد اللّه تعالى أن يخلق الأرض دحاها من تحت الكعبة، فجعلها فى وسط الأرضين.

قال: و حدثنى عبد اللّه بن أبى سلمة، قال: حدثنا الواقدى، قال:

حدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحة؛ أنه سمع مجاهدا يقول: إن قواعد البيت خلقت قبل الأرض بألفى سنة، ثم بسطت الأرض من تحته.

أقول: و ظهر مما رويناه: أن موضع البيت الشريف خلق قبل الأرض، لا نفس بناء الكعبة؛ فإنه أول ما بنته الملائكة بأمر اللّه تعالى، كما سقناه؛ و اللّه تعالى أعلم.

الثانى: فى بناء آدم (عليه السلام)،

و قد ذكره الإمام أبو الوليد الأزرقى، فقال: «حدثنى جدى، عن سعيد بن سالم، عن طلحة بن عمرو الحضرمى عن عطاء بن أبى رباح؛ بفتح الراء، و الموحدة بعدها ألف ثم حاء مهملة، عن ابن عباس (رضى اللّه تعالى عنهما) قال: لما أهبط اللّه تعالى آدم إلى الأرض من الجنة، قال: يا رب إنى لا أسمع أصوات الملائكة، قال:

بخطيئتك يا آدم، و لكن اذهب فابن لى بيتا فطف به، و اذكرنى حوله كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشى، قال: فأقبل آدم (عليه السلام) يتخطى الأرض، فطويت له، و لم يضع قدمه فى شى‏ء.

و أن جبريل (عليه السلام) ضرب بجناحه الأرض، فكشف عن أساس ثابت على الأرض السابعة، فقدمت فيه الملائكة من الصخر ما لا يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا، و أنه بناه من خمسة أجبل؛ من لبنان، و طور زيتا، و طور سينا، و الجودى، و حراء، حتى استوى على وجه الأرض؛ و هذا يدل على أن آدم (عليه السلام) إنما بنى أساس الكعبة حتى ساوى وجه الأرض، و لعل ذلك بعد دثور ما بنته الملائكة بأمر اللّه تعالى و لا ثم، أنزل اللّه تعالى البيت المعمور لآدم (عليه السلام) يستأنس به، فوضعه على أساس الكعبة، و يدل على ذلك ما رواه الوليد الأزرقى (رحمه اللّه تعالى)