من البحر المتوسط إلى الخليج - ج2

- ماكس فرايرر فون أوبنهايم المزيد...
528 /
5

[الجزء الثاني‏]

فهرس محتويات الجزء الثاني‏

مقدمة ماجد شبّر 13

الفصل الأول: من دير الزور إلى نصيبين 15

- ما بين النهرين.- العراق و الجزيرة.- الحضر.- و ديان البليخ و الخابور.

- الفرات.- صلاحيته للملاحة.- طرق القوافل في ما بين النهرين.- علاقتي مع شمر.- مرافقيي في الرحلة.- الانطلاق من الدير.- الصعود إلى سهول ما بين النهرين سوأر.- الخابور.- صلاحيته للملاحة.- التلال الأثرية على الخابور.

- رحالة سابقون في وادي الخابور.- على الخابور نحو الأعلى.- تل مرقدة الأثري.- سلسلة تلال الحمّة.- شدّادة.- عربان.- من عربان إلى تل حسكة.

- تحديد المسافات.- الجغجغ.- بين تل حسكة و نصيبين.- التل الأسود.- على امتداد وادي جغجغ.- الوصول إلى نصيبين.- كنيسة القديس يعقوب.- بقايا الأنقاض في نصيبين.- نصيبين الحالية.- تاريخ نصيبين.- رحالة أوروبيون في نصيبين في القرن السابع عشر.- الفرص المستقبلية للمدينة.

الفصل الثاني: البدو- القسم الأول 59

- و فد الشيخ فارس في نصيبين.- السفر إلى مخيم الشيخ فارس.- استراحة في مخيم طي‏ء.- الوصول إلى مخيم شمر.- شخصية الشيخ فارس. الحياة و العمل في المخيم.- شكل المخيم البدوي.- خيمة البدو.- تحضير القهوة.

- أدوات المطبخ المختلفة.- الهودج.- حب البدو لحياة الخيام و احتقارهم‏

6

للمدنيين.- أقدم ذكر في التاريخ للعرب الساكنين في الخيام.- حديث سترابو عن الرعاة المتنقلين في منطقة ما بين النهرين.- تأثير الإسلام.- قبيلة طي‏ء.

- الهجرات العربية.- القيس و الخزرج و بنو تميم و بنو لام.- شمر في شبه الجزيرة العربية.- هجرتهم إلى سورية و صراعهم مع الموالي.- عنزة.- شمر يعبرون الفرات.- أحدث الأمثلة على الهجرات البدوية: الهنادي.- السليم و بنو هلال.

- شمر في منطقة ما بين النهرين.- دورهم في اضطرابات بغداد في عام 1830.

- شيخ شمر صفوق.- الشيخ المضاد شلّال.- معارك بين شمر و عنزة.- الشيخ صفوق و الحكومة.- انشقاق شمر الأخير: الشيخ نجرس.- نهاية الشيخ صفوق.

- أبناء الشيخ فرحان و الشيخ عبد الرحمن و الشيخ ميوم و الشيخ عبد الكريم.

- معارك مع الأتراك.- طفولة الشيخ فارس الابن الأصغر للشيخ صفوق.- تقسيم ما بين النهرين بين أتباع فرحان و أتباع فارس: شمر الجنوب و شمر الشمال.- أبناء فرحان.- فارس و الحكومة التركية: فارس باشا.- زوجات و أبناء فارس.- مكانة شمر في منطقة ما بين النهرين.- الخوة.- عهد الخوة بيني و بين فارس.- محاولة تصنيف القبائل البدوية في مجموعات.- قبائل غربي الخابور.- قبائل ما بين النهرين.- قبائل على الخط الممتد من الدير إلى الفلوجة.- سكان ضفة دجلة.

- قوميات غير عربية بين البدو: أكراد، تركمان، شركس.- موقف الباب العالي من قضية البدو.- بناء بيوت ثابتة.- كسب تأييد الشيوخ.- مدرسة البدو في القسطنطينية.- ضرورة الإجراءات العسكرية.- قضية البدو في مصر.- نجاحات السياسة التركية تجاه البدو.- توسيع شبكة الاتصال التلغرافي في الصحراء.

الفصل الثالث: البدو- القسم الثاني 109

- دستور البدو.- المختار، الشيخ، العقيد.- مكانة الشيخ.- الخلافة الوراثية.

- عناصر غريبة في القبيلة، العبيد الزنوج.- التشريع.- القانون البدوي.- الثأر.

- الجوانب الإيجابية لهذه المؤسسة.- حق اللجوء: الحماية الصغيرة و الحماية الكبيرة.- كرم الضيافة.- ظهور البدو تجاه الخارج.- الجشع المادي و السرقة.

- الغزو.- تجهيز الغزوة.- حروب بين القبائل البدوية.- التسلح.- أسلحة القطع و النحر و الرمي.- الصيد.- الماشية: الإبل و الغنم و الماعز.- الحصان العربي.

7

- تناقص أعداد الخيول.- الخيول الأصيلة: الخمسة.- تقييم الخيول.- البنية الجسمية و اللون.- الغذاء، الترويض، الحدوة.- تجارة الخيول.- شجرة النسب.

- منشأ الخيول الإنجليزية الأصيلة.- الخصائص العامة للبدو.- الصليب.- الشكل الخارجي للبدو.- اللباس.- لباس النساء و أدوات زينتهم.- الوشم.- الحياة العائلية.- مكانة المرأة.- عمل المرأة.- تعدد النساء، العشق و الزواج و الغيرة.

- عقد الزواج.- تربية الأطفال.- معيشة البدو.- الأمراض.- الوفاة و الدفن.

- الجوانب اللطيفة في طباع البدو.- التديّن.- تأثير الحركة الوهابية.

الفصل الرابع: من مخيم شمر إلى الموصل 165

- الانطلاق من مخيم شمر.- القرى الكردية.- زيارة شيخ الأكراد عيسى.

- من قرادة إلى عابرة.- عند تل قلاغه.- عند تل رميلان.- بين سنجار و دجلة.

- هجوم ذو نتيجة سلمية.- في مخيم جحيش.- اليزيديون أو عبدة الشيطان.

- مراجع عن اليزيديين: اسم اليزيديين.- نشوء الطائفة و تعاليمها الأساسية.- بالا و الشيطان.- الوضع السياسي و الديني لليزيديين.- العادات الدينية.- العلاقة مع الإسلام و المسيحية و العقائد الوثنية.- إحصائيات.- معارك اليزيديين مع الحكومة و البدو.- بعثة عمر وهبي باشا.- المكانة العرقية لليزيديين.- قرى يزيدية في سنجار.- على المفترق بين الفرات و دجلة.- خان الصفية.- في قرية حاوي زمار.- المنطقة الهضبية لجبل عين زاله.- لقاء في الصحراء.- اكتشاف آثار أبو وجنة.- تل موسى.- آثار إزكي موصل.-

الفصل الخامس: الموصل و نينوى 203

زيارة و الي الموصل.- السرايا.- فظاظة تاجر مسيحي.- الشوارع و البيوت في الموصل.- السكان.- الممثليتان الفرنسية و الإنجليزية في الموصل.- البعثات المسيحية.- الجوامع.- البازار.- المقاهي.- جسر دجلة.- المناطق المحيطة بالموصل.- تنقيبات في حقول الآثار في نينوى.- أسوار نينوى.- النبي يونس.

- التل الركامي قيونجق.- مصنوعات فنية من العهد الآشوري.- حضارة الآشوريين.- من تاريخ المملكة الآشورية.- تاريخ الموصل.- الأهمية الحالية للمدينة و آفاقها المستقبلية.

8

الفصل السادس: الرحلة في دجلة إلى بغداد 229

طرق السفر من الموصل إلى بغداد.- الطرق البرية و الطرق النهرية.- مراكب دجلة.- أخطار الرحلة النهرية.- الانطلاق من الموصل.- مصح حمّام علي.

- آثار نمرود.- مستوطنات حديثة في حقول الآثار.- مواقع في النهر شديدة الانحدار و سدود.- الزاب الأعلى أو الكبير.- نبع الإسفلت الجيارة (الگيارة).

- زيارة لشمر الجنوبيين.- ابنا فرحان باشا فيصل و مطلق.- في قسم النساء من خيمة الشيخ.- حقول الآثار في قلعة شرقاط.- قلعة العامر.- جبل خانوقة و جبل المكحول.- قصر البنت.- الزاب الأسفل أو الصغير.- لقاء مع شمر.- جبل حمرين.- الفتحة.- خان الخرنينة.- تكريت.- قناة الإسحاقي.- إمام دور.

- قناة نهروان أو قاتول الكسراوي.- آثار إسكي بغداد.- آثار العاشق و المعشوقة.- سامراء.- آثار قصر الخليفة.- البرج اللولبي المولويّة.- من تاريخ سامراء.- سامراء الحالية.- مقدسات شيعية في سامراء.- المنطقة الإدارية سامراء.- آثار القايم، اصطبولات، الصنم.- قادسيّة.- المجرى القديم لنهر دجلة.- الدجيل.- العظيم.- المدينة القديمة أوبيس.- بساتين النخيل على دجلة.- قناة الخالص.- منطقة اليهودية.- غادرت الكلك في الداودية.- طنوس يتابع السفر إلى بغداد.- عن طريق البر من الداودية إلى بغداد.

الفصل السابع: بغداد 279

الكوليرا.- بغداد الحالية.- الجسور.- السكان.- تماثيل من العهد البابلي.- بقايا من أيام الخلفاء.- أضرحة أبو حنيفة، و أحمد بن حنبل، و الإمام موسى الكاظم، و الإمام محمد الجواد، و الشيخ عبد القادر الجيلاني.- ضريح الست زبيدة.- جوامع من العهد الحديث.- أماكن تذكارية أخرى.- كنائس مسيحية.- مبان دنيوية.- طريقة بناء البيوت و فرشها.- منتوجات النشاطات الفنية المحلية.- المشاغل الآلية.- بغداد كمركز تجاري.- ملاحة السفن البخارية على نهر دجلة.- بغداد كمركز للمواصلات في زمن سابق.- خط للسكك الحديدية عبر بلاد ما بين النهرين.- خط حديدي على الفرات أم على دجلة؟- مزايا المسار

9

النهري في دجلة.- مهام و مصالح الحكومة التركية عند بناء خط حديدي.

- امتيازات ألمانيا.- البريد و التلغراف.- أوروبيون في بغداد.- قناصلة أوروبيون.- القنصل الألماني ريشارتس.- تأثيرات الكوليرا.- الحياة العامة.

- النبلاء و الأعيان في بغداد.- تاريخ بغداد.- بغداد قبل الإسلام.- جعفر المنصور يبني المدينة.- دار السلام و دار الخلد.- بغداد عاصمة الخلفاء.

- الحكم السلجوقي.- الخليفة المسترشد.- المغول يدمرون بغداد.- بغداد كمقر شتوي للأمراء المغول.- التتر في بغداد.- القره قيونلو و الأق قيونلو.- جهان شاه.- العثمانيون.- إسماعيل الصفوي يصبح شاه فارس.- تاريخ بغداد في عهد خلفاء إسماعيل.- الشاه عباس الكبير يضم بغداد لفارس.- جيش عثماني يحاصر بغداد.- معارك أخرى من أجل المدينة بين تركيا و فارس.- السلطان مراد الرابع يحتل عام 1638 بغداد.- بغداد تحت حكام أتراك.- حسن باشا محافظ بغداد.

- نادر شاه يحاصر المدينة دون جدوى.- أحمد باشا.- معركة سامراء.

- عمر باشا.- ازدهار المدينة من جديد.- الوهابيون.- داود باشا.- خططه الطموحة.- الطاعون و الطوفان.- نهاية داود باشا.- علي باشا و الشمر و عنزة و الزبيد.- مدحت باشا و إصلاحاته.

الفصل الثامن: من بغداد إلى البصرة 329

- مغادرة بغداد.- على متن الباخرة «خليفة» في نهر دجلة.- آثار طاقي كسرى.- طيسيفون.- من تاريخ طيسيفون.- العزيزية و كوت.- عمارة؛ الصبة.

- شطرة.- العزير، ضريح عزرا.- قرنة، التقاء الفرات و دجلة.- النزول في البصرة.- صورة الشوارع في البصرة.- السكان.- التجارة و الملاحة.- البصرة كمقر للحكومة.- من تاريخ البصرة.- البصرة كمركز لطموحات علمية و دينية.

- عصر ازدهار البصرة.- الأفراسياب.- البصرة في العصر الحديث.- التطور الأخير للمدينة.

الفصل التاسع: الخليج 353

- مغادرة البصرة.- على متن البمبا.- فلية.- المحمرة.- القارون.- زيارة البارجة «بيرزيبوليس».- محطة التلغراف الفاو.- الدخول إلى الخليج.- بوشهر.

10

- الشوارع و البيوت في بوشهر.- بوشهر كمركز تجاري.- تاريخ بوشهر.- سكان بوشهر.- لنجة.- صيد اللؤلؤ و الملاحة و التجارة.- سكان لنجة.- استقبال لدى نائب الحاكم ميرزا إسماعيل خان.- بندر عباس.- التجارة و المواصلات.

- الانطباع العام للمدينة.- المناخ.- يشك.- مسقط.- الميناء.- قصر السلطان و الجمرك.- استقبال لدى السلطان سيد فيصل بن تركي.- المندوب السياسي الإنجليزي العقيد جاياكار.- مساكن مسقط و أسواقها.- سكان مسقط.- عرب، زنوج، بلويلوش، فرس، هنود.- مطرح.- التجارة و الملاحة في مسقط.- محيط المدينة.- رحالة أوروبيون في المناطق الداخلية من عمان.- خرائط و مراجع عن مسقط و عمان.- صحراء الربع الخالي.- لغة المهرة.- تاريخ مسقط و عمان.

- التاريخ القديم.- اليعاربة.- الأزديون.- القادمون من عرب الشمال:

الغافري.- سلالة الجلندي.- الإسلام.- عمان تخضع للخلافة.- الهجرة الأولى من عمان إلى شرق إفريقيا.- فرقة الإباضية.- الجانب السياسي للعقيدة الإباضية.- أئمة الإباضية في عمان.- عمان حتى بداية القرن السادس عشر.

- البرتغاليون في مسقط و الخليج.- هجمات الأتراك: المعركة البحرية قرب مسقط 1554.- الهولنديون و الإنجليز يظهرون في الخليج.- البرتغاليون يخسرون عام 1622 هرمز لصالح الفرس.- ناصر بن مرشد يؤسس مملكة اليعاربة.

- خليفته سلطان بن سيف يحارب البرتغاليين و ينتصر عليهم.- حروب أهلية.

- الغافري محمد بن ناصر يحصل على نفوذ واسع.- وفاته.- سيف بن سلطان يستدعي البلوش و الفرس إلى البلاد.- بروز أحمد بن سعيد.- انتخاب أحمد إماما.- حملاته الحربية.- خليفته سعيد.- سيف بن سلطان أخو سعيد.- ابنه حمد.- حروب الأخوة.- سلام عام 1793.- سلطان يصبح حاكما دنيويا لمسقط.- حملات ناجحة على الفرس.- تأثير الحركة الوهابية و نتائجها في عمان.- عبد العزيز.- نهاية سيد سلطان.- العلاقات السياسية بين عمان و إنجلترا.- ابنا سلطان سالم و سعيد.- الأمير سعود يصبح أميرا للوهابيين.

- الغزوات الوهابية.- موقف الإنجليز.- ظهور محمد علي باشا.- سعيد يصبح حاكما مطلقا على عمان.- حكومته و خططه.- اتفاقية بين فرنسا و عمان.- سعيد

11

و الإنجليز.- علاقة أخرى بين الوهابيين و عمان.- حملات سعيد في زنجبار و شرق إفريقيا.- العلاقات القديمة بين مسقط و شرق إفريقيا.- سعيد يحتل قلعة مومباسا و يقيم في زنجبار.- اتفاقية تجارية بين عمان و الولايات المتحدة و إنجلترا.- اضطرابات في عمان، تدخل الإنجليز.- وفاة سالم في مومباسا.

- تعرض ابنه رشيد لخيانة.- سعيد و محمد علي.- الوهابيون يفرضون دفع خوة.

- سعيد و فرنسا.- حروب أهلية جديدة في عمان.- معارك ضد الفرس.- وفاة سعيد.- ابناه ثويني و ماجد.- الاحتكام إلى نائب ملك الهند: ماجد يحصل على زنجبار و شرق إفريقيا، و ثويني على مسقط.- نهاية المكانة القوية لعمان.

- استمرار الاضطرابات الداخلية.- نزول الإنجليز في الخليج.- إلزام حاكم مسقط بهدنة دائمة في البحر.- الأوضاع و الصراعات في صحار.- مقتل ثويني على يد ابنه سالم.- عزان بن قيس يطرد سالم و يحتل مسقط.- سيد تركي ينتصر على عزان.- صراعاته مع أقربائه.- أحداث في ظفار.- اضطرابات أخرى في عمان.- سيد تركي و الإنجليز.- وفاة سيد تركي، ابنه فيصل يخلفه.- الحملة الوهابية المخططة ضد عمان.- دور الشيخ قاسم.- فيصل يعزز مكانته في عمان.

- الأحداث في مسقط منذ عام 1893.- ثورة الشيخ صالح بن علي.- فيصل يخضع شيئا فشيئا للسيطرة الإنجليزية.- فرنسا تحاول عبثا الحصول على محطة فحم في عمان.- من مسقط إلى جوادر و كراتشي و الهند.- في زنجبار و شرق إفريقيا الألماني.

من النباتات الصيفية في منطقة ما بين النهرين 435

فهرس للنباتات التي جمعتها خلال رحلتي في صيف 1893 مع ذكر تسمياتها المحلية باللغة العربية و فوائدها من إعداد البروفسور دكتورآ. آشرزون.

الفهارس العامة 453

فهرس الأعلام، فهرس الأماكن و البلدان، فهرس القبائل و الجماعات.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

مقدمة

نقدم للقارئ الكريم الجزء الثاني من رحلة أوبنهايم هذه و التي استغرقت سنتان، مضافا إليها ست سنوات بحثا و دراسة في كل نقطة توقّف فيها من مدينة أو قرية أو أثر مرّ بها في هذه الرحلة، و بعد أن اكتملت هذه الرحلة الاستكشافية و البحثية أصبح لدينا مادة غزيرة.

تغطي هذه الرحلة بجزئها الثاني العراق من الموصل إلى البصرة و من البصرة مرورا بالمحمرة و بوشهر ثم انتهاء الرحلة في مسقط.

لقد اعتمد أوبنهايم كثيرا على المعلومات التي استقاها من هذه الرحلة في بناء كتابة الكبير البدو خصوصا فيما يتعلق بالقبائل و العشائر، فقد طوّر معلوماته و معارفة المتعلقة بالقبائل و قام بتصويب قسم كبير من المعلومات التي سجلها هنا في هذا الكتاب في كتابه البدو. لقد بنى علاقات طيبة خلال هذه الرحلة مع العديد من القبائل و العشائر و خصوصا مع فارس الجربا شيخ مشايخ شمّر، حيث و فّرت له تلك العلاقة الأخوية الكثير من المجالات التي دخل منها إلى داخل القبائل و العشائر، و كذلك و فرت له هذه العلاقة الحماية العشائرية بحكم تلك الأخوة.

لقد قام أو بنهايم بتصوير العديد من الشخوص لشيوخ القبائل التي زارها و مضارب قبائلهم و العديد من الأفراد فعلى سبيل المثال قام بتصوير الشيخ فارس الجربا و هذه الصورة تعدّ من الصور النادرة، و كذلك هناك مجموعة كبيرة من صور قبيلة عنزة و طي و الجبور و غيرها من الصور لقبائل أخرى. لقد علمت بأمر تلك الصور خلال عملي في كتاب البدو فعملت من سنوات على الحصول على حقّ‏

14

نشرها و بعد مفاوضات طويلة و معقدة حصلنا أخيرا على حقّ نشر مجموعة كبيرة من تلك الصور و التي بلغ عددها ما يقارب 400 صورة، و سوف أقوم بتولّي إعدادها و تبويبها ضمن أبواب يشمل كل باب مجموعة من الصور عائدة لقبيلة معيّنة مع شرح عن تلك القبيلة و عن شيوخها و جعل هذه الصور بكتاب تحت عنوان: البدو بصور و عدسة أوبنهايم.

لقد قمت بمراجعة الكتاب و تصحيح قسم من أسماء الأماكن و الشخوص، و كذلك وضعت بين قوسين بعض الأسماء التي تلفظ بطرق مختلفة، و وضعت بعض الهوامش لغرض التوضيح أو لتصويب بعض المعلومات، و لم أعمل في تكثير الهوامش و من يريد الازدياد في المعلومات عليه مراجعة كتاب البدو للمؤلف.

و أخيرا أرجو أن أكون قد وفّقت في تقديم أوبنهايم الذي كان يجهل الكثير من القرّاء العرب إنجازاته العلمية، و سوف أقوم بتقديم باحث آخر ألماني كبير «فريدنارد فستفلد» الذي عمل كثيرا و قدّم أعمالا عظيمة منها مشجرات القبائل و العوائل العربية و التي لم يطلع عليها القارئ العربي بلغته.

15

الفصل الأول من دير الزور إلى نصيبين‏

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

ما بين النهرين.- العراق و الجزيرة.- الحضر.- و ديان البليخ و الخابور.

- الفرات.- صلاحيته للملاحة.- طرق القوافل في منطقة ما بين النهرين.

- علاقتي مع شمر.- مرافقاي في الرحلة.- الانطلاق من الدير.- الصعود إلى سهول ما بين النهرين سوأر.- الخابور.- صلاحيته للملاحة.- التلال الأثرية على الخابور.- رحالة سابقون في وادي الخابور.- على الخابور نحو الأعلى.

- تل مرقدة الأثري.- سلسلة تلال الحمّة.- شدادة.- عربان.- من عربان إلى تل حسكة.- تحديد المسافات.- الجغجغ.- بين تل حسكة و نصيبين.- التل الأسود.- على امتداد وادي جغجغ.- الوصول إلى نصيبين.- كنيسة القديس يعقوب.- بقايا الأنقاض في نصيبين.- نصيبين الحالية.- تاريخ نصيبين.

- رحالة أوروبيون في نصيبين في القرن السابع عشر.- الفرص المستقبلية للمدينة.

بلاد ما بين النهرين‏

هي الأرض الممتدة شرق سورية في الشمال الغربي من جبال قرجه دار و جبال طور بين نهري الفرات و الدجلة اللذين يلتقيان عند قرنة مشكلين معا شط العرب‏ (1) ليصبا بعد ذلك في الخليج العربي. تنقسم هذه البلاد

____________

(1) كلمة «شط» تعني في اللغة العربية بصورة عامة «النهر الكبير». أما في بلاد ما بين النهرين بالتحديد فتعني الفرات و دجلة. كما أن اسمي «دجلة» و «الفرات» معروفان بشكل عام. و لكن في العراق يكثر استعمال التسمية «شط مال بغداد» للتعبير عن نهر دجلة و «شط مال الحلة» للتعبير عن نهر الفرات.

18

إلى منطقتين محددتين جغرافيا تحديدا واضحا و مختلفتين تمام الاختلاف و لا يطلق عليها عرب اليوم أبدا اسما واحدا. بل إن الجزء الشمالي يطلق عليه عادة اسم «الجزيرة» و يسمى الجزء الجنوبي «العراق». تقع الحدود بين المنطقتين إلى الشمال قليلا من خط عرض بغداد، هناك حيث يقترب النهران الشقيقان من بعضهما إلى مسافة أميال قليلة ثم يتباعدان بعد ذلك مرة أخرى. لا شك على الإطلاق في أن العراق كان في الأزمنة القديمة من أخصب بقاع الأرض و أكثرها استعمالا للزراعة، و كان مغطى بشبكة من قنوات الري و المنشآت المائية المختلفة الأنواع. و هو ذو تربة طمية ركامية و يشمل منطقة بابل القديمة التي كانت مشهورة في العالم القديم بأسره بسبب غناها الطبيعي و كانت مركزا لحضارة عالية التطور نعتقد أننا نستطيع تتبع آثارها حتى الألف السادسة قبل الميلاد. و لم يبدأ تدهور العراق إلا في عهد الخلفاء العباسيين في القرنين العاشر و الحادي عشر الميلاديين بسبب سوء الإدارة الاقتصادية الذي لا مثيل له: فقد أدت الحروب الأهلية و الأوبئة و الفيضانات الناجمة عن تهدم المحطات المائية إلى القضاء على سكان الأرياف النشيطين و إلى خراب البلاد التي كانت في الماضي شديدة الازدهار و ذلك خلال قرون قليلة من الزمن. ثم جاءت غزوات المغول و التتار لتنشر الدمار الشامل في العراق كما في غيره من مناطق آسيا الوسطى الأخرى. و اليوم يتألف العراق من بواد شاسعة تتخلل قفارها المتجانسة الشكل، فقط على ضفاف الأنهار و القنوات القليلة التي لم تزل سليمة، قطع صغيرة من الأراضي التي تغطيها أشجار النخيل أو الأعشاب البرية.

في الجزء العلوي من بلاد الرافدين، أي في الجزيرة، تختلف الأمور بحكم الحالة الطبيعية. فالجزيرة يمكن اعتبار الجزء الأكبر منها امتدادا للحماد، و ينطبق هذا بشكل خاص على المنطقة الواقعة جنوب خط العرض 36. تحتوي التربة هنا على كميات كثيرة أو قليلة من الجبس و لذلك فإن مساحات واسعة منها لا يمكن أن تصبح صالحة للزراعة حتى و لو توفرت لها أفضل أنظمة الري.

و لكن في كل مكان تقريبا تنبت بعد الأمطار لفترة قصيرة أعشاب كافية لتغذية قطعان الإبل و الغنم. و أقل المناطق خصوبة المنطقة الواقعة جنوب شرق سنجار

19

و منطقة الخابور حتى بغداد، أي الجزء العلوي من بلاد الرافدين الممتد حتى خط هيت- تكريت. صحيح أن العديد من الجداول المائية تنبع من السفح الجنوبي لجبل سنجار و تجري في هذه السهول حاملة معها في فصل الأمطار كثيرا من المواد المغذية للتربة، و لكن يبدو أن هذه الجداول لا تصل إلى دجلة أو الفرات بل تضيع في المنخفضات مشكّلة مع ترسبات التربة الجبسية بحيرات مالحة (سبخات) كبيرة أو صغيرة تشبه السبخة الموجودة عند تدمر. و على أي حال يوجد في هذه الأجزاء من بلاد الرافدين في أماكن مختلفة آبار و مواقع مياه، لأن البدو يعبرون هذه المناطق في الصيف و لأنه يوجد هنا طرق للقوافل بين دجلة و الفرات تستعملها أيضا، ليس كثيرا، و إنما بالتأكيد في فصل الصيف الحار قوافل حمولة، على الرغم من أنها طويلة جدا و يحتاج حتى الخيال إلى بضعة أيام لقطعها. مثل هذه الطرق تؤدي، على سبيل المثال، من تكريت إلى عانة و هيت و منهما عبر الصحراء إلى بغداد و الموصل على الرغم من كون هذا الجزء من الجزيرة يشبه البادية فقد كان يوجد فيه قديما مدن و أماكن سكن ثابتة.

فلم تزل باقية حتى اليوم الآثار العظيمة لمدينة هترا (1) (الحضر حاليا)، هذه المدينة الغريبة الواقعة على مسافة ثلاثة أيام جنوب غرب الموصل و على مسافة مسير يومين إلى الغرب من دجلة، تقريبا على خط عرض قلعة شرقاط، في وسط السهول الصحراوية. و تشير الآثار العمرانية الباقية إلى أن هذه المنطقة كانت تحكمها أسرة تحب الفنون و تمجد عبادة الشمس، و قد استطاعت حسبما

____________

(1) انظر بخصوص رحلات روس، الذي تعرض هنا إلى هجوم كادت عواقبه أن تكون و خيمة، مجلة الجمعية الجغرافية الملكية، الجزء التاسع (1839)، ص 443 و ما بعدها؛ إينسوورث، نفس المرجع، الجزء 11 (1841) ص 1 و ما بعدها، ثم رحلات و بحوث في آسيا الصغرى و بلاد ما بين النهرين و كلدانيا و أرمينيا، لندن 1842، الجزء الثاني، ص 147 و ما بعدها؛ ثم السيدة آن بلونت، القبائل البدوية على الفرات، الجزء الثاني ص 281 و ما بعدها. ثم جاكوريل، آثار الحضر، في المجلة الأرسيولوجية، باريس 1897، ص 343 و ما بعدها؛ ثم اللورد و وركورث، ملاحظات من يوميات في تركيا الآسيوية، لندن 1898، ص 209 و ما بعدها.

20

نعلم، الدفاع عن استقلالها و صد هجومين للرومان عليها. و لكن بعد ذلك اختفت الحضر فجأة من التاريخ‏ (1). من المستحيل أن يكون قد عاش هنا شعب يعمل في الزراعة (2)، بل إن المدينة كانت على الأرجح مركزا تجاريا هاما مثل تدمر. كانت وسيطا للتجارة و المواصلات بين الخليج العربي، أو بالأحرى العراق، و بين آسيا الصغرى و كانت تسيطر دون شك على طرق القوافل في الجزيرة خارج منطقة النفوذ الروماني.

لم يعبر أي أوروبي حتى الآن المنطقة الواسعة الواقعة بين الخابور الأوسط و الأدنى و البليخ و هي غير معروفة كليا. و من المرجح جدا أن الجزء الجنوبي من هذه المنطقة قاحل جدا مثل المنطقة الواقعة جنوب شرق سنجار و الخابور.

و ينطبق الشي‏ء نفسه على الجزء الجنوبي من سهل السروج، أي المنطقة الواقعة بين البليخ و مجرى الفرات الذي يتجه هنا من الشمال نحو الجنوب.

خلافا لذلك فإن الجزء الشمالي من بلاد ما بين النهرين و أيضا و ديان البليخ و الخابور، الرافدين الوحيدين اللذين يحتويان على المياه في الصيف أيضا و اللذين يصبان في الفرات في منطقة ما بين النهرين نفسها، فإنها ذات خصوبة

____________

(1) حاصر الامبراطور تراجان (117 م) و الامبراطور سبتيميوس سيفيروس (200 م) المدينة، لكنهما اضطرا إلى التراجع بعد معارك دامية. و عند ما انسحب الجيش الروماني هاربا (عام 363 م) بقيادة جوفيان بعد وفاة الامبراطور يوليانوس، مغادرا دجلة عند دور و عابرا سهول ما بين النهرين إلى الحدود الرومانية، وجد مدينة الحضر خاوية على عروشها. ذلك أن ملك الفرس سابور الأول (240- 271 م) كان قد دمرها قبل ذلك بمائة عام.

(2) أعلمني الأب شيل بمناسبة انعقاد مؤتمر المستشرقين في باريس عام 1897 بأنه يوجد على مسافة قريبة شمال الحضر آثار قنوات تحت الأرض. إلا أن جاكوريل (نفس المرجع السابق، ص 351) أكد أنه لم يلاحظ أي قنوات في حقول الآثار العائدة لحضر نفسها. و حسب تقارير شاهد العيان آميانوس مرسيلينوس (الكتاب 25 الفصل الثامن) فقد استطاع جيش جوفيان بكامله التزود بما يحتاجه من مياه الشرب في عز فصل الصيف في الحضر. أما اليوم فلم يعد يوجد في الحضر، و هذا ما أكده جميع الرحالة الأوروبيين خلال هذا القرن، سوى مياه مالحة مرّة الطعم و غير صالحة للشرب.

21

عالية. تقع في وادي البليخ، على مسافة يوم واحد من مدينة إيديسّا- أورفة الحديثة نسبيا و التي لم تزل مزدهرة حتى اليوم، مركز حضاري مغرق في القدم هو مدينة حران التي يعبد الناس آلهتها حتى في آسيا الصغرى (في سنجري مثلا).

و على مسافة أميال قليلة شمال خط العرض 36 توجد في وادي البليخ بقايا سد قديم ضخم كان دون شك يستعمل لأغراض الري. إذ إن الجغرافيين العرب يذكرون أن وادي الخابور كان في العصور الوسطى مزدهرا بزراعة الزيتون و القطن‏ (1). و نحن نعرف أسماء عدة مواقع على الخابور كانت تستعمل في ذلك الزمن لتكديس أو بيع القطن. و تذكر التقارير التي سجلها البلاذري و من بعده الواقدي عن المعارك التي خاضها الفاتحون المسلمون في بلاد ما بين النهرين عددا كبيرا من أسماء المدن و القرى و القلاع المفتوحة التي كانت واقعة على الخابور و في المناطق الواقعة إلى الغرب منه في الجزيرة و تشهد التلال الكثيرة المتناثرة في منطقة الخابور و البليخ و شمال جبل سنجار كأكوام الخلد و كذلك بقايا منشآت الري، على وجود مستوطنات سكنية عامرة في العهود الغابرة و تثبت أهلية شمال الجزيرة للازدهار الحضاري. أما اليوم فإن الجزيرة بكاملها أصبحت منطقة للبدو الرحل الذين تشكل القبائل العربية غالبيتهم العظمى. فقط هنا و هناك تزرع الأرض قرب مواقع المياه التي تبقى جارية في الصيف أيضا، و لا يوجد مراكز سكنية ثابتة، باستثناء جبل سنجار (2) الذي يشكل استثناء فيما يتعلق بسكانه أيضا، إلا على أطرافه.

يختلف النهران الشقيقان اللذان يحتضنان بلاد ما بين النهرين اختلافا جذريا عن بعضهما البعض. فبينما يستقبل دجلة منذ خروجه من امتدادات جبال كردستان على جانبه الأيسر كثيرا من الروافد القادمة من هذه الجبال الممتدة بعيدا نحو الجنوب الشرقي، فإن الفرات يجري من مسكنة حتى فلوجة في سهول شبه قاحلة و يغوص مجراه عميقا في الهضبة الصحراوية. أما واديه فيختلف عرضه من مكان‏

____________

(1) الإصطخري، دراسة دي غوييه، ص 74، الملاحظة ه، يذكر أن قطن الخابور كان يصدّر إلى الموصل و خلاط (جنوب شرق أرمينيا).

(2) بخصوص سكان جبل سنجار، اليزيديين، انظر الفصل 13، ص 147 و ما بعدها.

22

لآخر و يضيق في مواقع متعددة بسبب الجبال التي تقترب من النهر أو تعبره. و في المواقع العريضة توجد في مناطق الطمي مستوطنات سكنية واحية الشكل ذات امتداد طولاني.

الفرات صالح للملاحة للزوارق البخارية القليلة العمق و ذلك حتى مسكنة، لا بل و حتى بيرجك. هذا ما تؤكده أبحاث و أعمال الكولونيل تشيسني و ضباطه و موظفيه‏ (1). و منذ مغادرة تشيسني يسير في نهر الفرات بانتظام أحد الزوارق البخارية الصغيرة التي جلبها معه و ذلك من مسكنة نحو الأسفل حتى القرنة حيث يتحد الفرات مع دجلة. و قد تم مؤخرا تبديل السفينة البخارية بسفينة أحدث اشترتها الحكومة التركية، و كانت مخصصة في الأصل للعمل في نهر الراين، و هي تسير كل عام مرة واحدة نحو الأسفل و الأعلى و لكن ببطء شديد لا يصدق.

فقد احتاج الرحالة الألماني (من مدينة لوبك) في الثمانينات إلى الفترة الممتدة من 16 فبراير/ شباط حتى 22 مارس/ آذار لقطع المسافة بالباخرة من الفلوجة حتى دير الزور، و هي مسافة يمكن أن يقطعها المرء برا خلال 12 يوما (2). أما حاليا فقد توقفت هذه الخدمة نهائيا منذ فترة من الزمن بسبب تعطل السفن عن العمل.

____________

(1) حصل تشيسني في بادئ الأمر على تكليف من الحكومة الإنجليزية- الهندية لدراسة صلاحية نهر الفرات للملاحة بهدف إيجاد طريق قصيرة قدر الإمكان تصل بين البحر المتوسط و الخليج العربي أي بين البحر المتوسط و الهند. بعد رحلة استكشافية في شتاء 1831 حدثت الرحلة العلمية الحقيقية، بعد تحضيرات معقدة، خلال الأعوام 1835- 1837. بعد هذه الرحلة مباشرة قام ضباط و موظفون إنجليز بدراسة و رسم أجزاء واسعة من الجزء الشرقي من بلاد ما بين النهرين. استمرت هذه الأعمال حتى عام 1866 دون الحصول على نتيجة عملية للحكومة الإنجليزية.

أهم مرجع لهذه الأعمال الإنجليزية هو كتاب تشيسني: رحلة علمية لدراسة نهري دجلة و الفرات في الأعوام 1835- 1837، لندن 1850 (جزءان مع محفظة خاصة من الورق المقوى). في وقت لا حق تناول الإنجليز مرة أخرى فكرة إيجاد طريق تصل بين البحر المتوسط و الهند عبر الخليج العربي و لكن بطريقة أخرى (انظر كامرون، آور فيوتشر هايوي، لندن 1880) إلا أنهم تخلوا عنها أيضا فيما بعد.

راجع أيضا ص 36 أدناه.

(2) انظر منشورات جمعية الجغرافيين في لوبك: باولي، الرحلة الثانية، العدد الثاني، ص 49 و ما بعدها.

23

لا يسبب النهر صعوبات خاصة للملاحة ناجمة عن عوائق صخرية أو غيرها من العوائق، لكنه في كثير من المواقع قليل العمق جدا و كثيرا ما يغير مجراه نتيجة الفيضانات التي تحدث بعد مواسم الأمطار خلال فصل الربيع بحيث يجرف أجزاء كاملة من ضفافه و يشكل كثيرا من الجزر الصغيرة الجديدة. و لا يشكل الفرات عقبة لا يمكن تجاوزها أمام غزوات البدو. إذ إن أبناء الصحراء يعرفون كثيرا من المعابر التي يستطيعون عبور النهر فيها على ظهور خيولهم أو إبلهم سواء مشيا أو سباحة مستفيدين من ضعف شدة التيار (1). فالمراكز السكنية في منطقة ما بين النهرين لا تسلم من هجمات قبائل العنزة الموجودة على الجانب السوري و لا من غزوات شمر و غيرها من القبائل الموجودة في منطقة ما بين النهرين.

تمر اليوم طريق القوافل من دير الزور إلى بغداد على امتداد نهر الفرات حتى الفلوجة. على الضفة اليمنى من النهر أقامت الحكومة التركية على مسافات منتظمة قشلات عسكرية و وضعت فيها حاميات توفر اليوم على هذه الطريق ظروفا أمنية عالية نسبيا و على النهر باتجاه الأعلى يستمر وجود هذه القشلات على الطريق المؤدية إلى حلب حتى مسكنة. و يصل بين الدير و الموصل طريق للقوافل تمر إلى الجنوب من سنجار و لكنها لا تستعمل إلا نادرا حتى في الأوقات العادية بسبب البدو الذين يتنقلون في الجزيرة. و خلال فترة وجودي هناك أصبحت غير صالحة للعبور إطلاقا لأن اليزيديين المقيمين في منطقة سنجار ثاروا على الحكومة و دخلوا في معارك ضدها.

***

____________

(1) مثل هذه المعابر (مخاضات) موجودة عند: 1- مسكنة، 2- شدحة بين مسكنة و قلعة جعبر، 3- حرقلا أو الحمّام، 4- سوافي، معبر الرقة على بعد 5 ساعات من حرقلا، 5- الغاطسة على بعد 4 ساعات من سوافي، 6- تل الحميضة على بعد 6 ساعات من الغاطسة، 7- الحمة قرب حلبية و زلبية و هما بقايا قلاع على الفرات، على بعد 3 ساعات من تل الحميضة، 8- الصغيّر على بعد 6 ساعات من الحمة، 9- الدير على متن عبارة على بعد 5 ساعات من الصغيّر، 10- ميادين على متن عبارة على بعد 11 ساعة (من الصغيّر؟). الجديدة تقع على بعد ساعة واحدة إلى الشرق من الغاطسة، الخص تقع على بعد 3 ساعات إلى الشرق من الجديدة، الحمة تقع على بعد 6 ساعات من الخص.

24

[الجزيرة]

كنت أنوي اجتياز الجزيرة في مناطق لم تكن معروفة إلا قليلا، أو لم تكن معروفة إطلاقا، في بادئ الأمر على امتداد الخابور و جغجغ و بعد ذلك إلى الشمال من سنجار إلى الموصل. و مما شجعني على تنفيذ مشروعي ظرف كان ملائما بالنسبة لي و هو أن السكان القلائل الموجودين في المناطق الواقعة على الخابور و جغجغ و شمال سنجار، باستثناء مدينة نصيبين، و أيضا جميع القبائل البدوية المتنقلة في الجزيرة كانوا مرتبطين بشكل أو بآخر بقبيلة شمر القوية الموجودة هنا و التي تنقسم إلى شمر الشمال و شمر الجنوب و تنتقل في جميع أرجاء بلاد ما بين النهرين من أورفة حتى بغداد. و تقيم الحكومة منذ بعض الزمن علاقة طيبة مع شمر و خلال إقامتي في دير الزور كان كاتب الشيخ فارس، زعيم شمر الشمال الذين كانوا في البداية الطرف الذي يعنيني، موجودا مع بعض رجاله في هذه المدينة لكي يتفاوض حول الضرائب التي كان يتعين على شمر الشمال دفعها للحكومة. و كان الشيخ فارس قد حصل قبل وقت قصير على لقب الباشا و قبله. على الفور عرّفني متصرف دير الزور على رجال الشيخ فارس، لأن جزءا من الوفد كان ينوي العودة إلى مخيم فارس باشا الذي كان موجودا في ذلك الوقت إلى الشمال من سنجار. فوافق الرجال على مرافقتنا عن طريق نصيبين إلى ديار شيخهم. و من أجل زيادة المحافظة على سلامتي أرسل معي المتصرف قوة إضافية لمرافقتي حتى مخيم شمر، على أن يتولى الشيخ فارس بعد ذلك حمايتي.

صحيح أن رجال الشيخ فارس و فروا لي الحماية ضد شمر و جميع أتباعهم و لكن ليس ضد غزوات البدو الغرباء و خاصة بدو العنزة الذين كانوا مخيفين بشكل خاص. كانت حمايتنا العسكرية تتألف من عشرين خيّالا: ضابط واحد مع 12 خيالا على البغال و سبعة سبتية على الخيول. و أخذ الجنود معهم جملين لحمل الخيام و الشعير المخصص لعلف الدواب. أما أنا فقد أخذت معي علفا كافيا للدواب المخصصة للركوب أو حمل الأمتعة يكفي لكامل الرحلة من دير الزور حتى نصيبين و تزودت بكمية من الأغذية كافية لي و لرجالي لمدة سبعة أيام لأنه لم يكن من الممكن الحصول على أي تموين خلال الطريق. و كان هذا الوضع يشكل‏

25

سببا قاهرا يستدعي قطع مسافات طويلة كل يوم و إن كنا لم نكن نخشى على طريقنا المقرر قلة المياه.

[دير الزور]

في دير الزور تخلينا عن الجمّالة الذين كانوا قد رافقونا منذ دمشق. و كان هؤلاء الرجال كسالى جدا و جمالهم متعبة إلى درجة أنني كنت مسرورا لتخلصنا منهم. و كبديل لهم استأجرنا بواسطة المتصرف جمالا من بدو الجبور الذين أصبحوا شبه مستقرين في جوار دير الزور. قبل الجبور أداء هذه الخدمة على مضض لأنهم كانوا خائفين من أن يفقدوا إبلهم خلال الرحلة. و قد حضر لعندي، كما هو الحال دوما في الرحلات التي تمر عبر مناطق غير آمنة، عدد كبير من المرافقين المتطوعين الذين كانوا ينتظرون منذ زمن طويل فرصة للانضمام إلى قافلة قوية. و نظرا لما كنا نتوقعه من صعوبات في التموين خلال الرحلة لم يكن في وسعنا السماح إلا لعدد محدود منهم بمرافقتنا. و على أي حال فقد كانت قافلتنا قد أصبحت موكبا ضخما. و كان بين المشاركين الجدد في الرحلة ثلاثة تجار مسلمين من المناطق المجاورة لحلب مجهزين بشكل جيد بالركاب و السلاح، و كانوا يلبسون الزّي البدوي و يريدون السفر إلى الموصل و ما بعدها لشراء الغنم‏ (1).

[ضفة الفرات في منطقة ما بين النهرين‏]

غادرنا دير الزور بعد الظهر في الثالث من أغسطس/ آب لكي نتمكن من إيصال كاملة القافلة في هذا اليوم إلى ضفة الفرات في منطقة ما بين النهرين، و هذه مهمة لم تكن سهلة بأي حال بسبب عناد إبل الجبور. فالجزيرة المذكورة سابقا و المقابلة لدير الزور متصلة بالجانب السوري من ضفة الفرات فقط بجسر.

أما الذراع الشرقي من نهر الفرات و الأعرض بمقدار ثلاثة أضعاف، و الذي يفصل الجزيرة عن منطقة ما بين النهرين، و يبلغ عرضه نصف عرض نهر الراين عند مدينة كولن، فقد تعيّن علينا اجتيازه على عبارة تشبه السفينة و لكنها لا تنقل أكثر من 5 أو 6 حيوانات في النقلة الواحدة. يعبر السكان المحليون النهر في العادة سباحة

____________

(1) حتى ما قبل وقت قصير كانت تصدّر كميات كبيرة من الأغنام من منطقة ما بين النهرين و كردستان إلى سورية و من هناك إلى مصر. أما اليوم فقد أصبح استيراد الأغنام ممنوعا في مصر.

26

مستعينين بقربة من جلد الغنم أو الماعز منفوخة بالهواء، و يحمل الرجال في أثناء ذلك جميع ملابسهم على رؤوسهم بعد حزمها و تثبيتها، بينما لا تخلع النساء عند العبور قميصهن الأزرق.

استغرق نقل قافلتنا و مرافقينا مع دوابهم إلى الضفة الأخرى عدة ساعات و عند ما وصلنا إلى ضفة الرافدين افتقدنا طباخنا و هو مسيحي أرمني من ماردين و قد أبلغنا بواسطة صديق له بأنه يعتذر عن مرافقتنا و أنه يريد البقاء في دير الزور لكي يفتح مقهى هناك. و لا أعلم ما إذا كان السبب في ذلك يعود إلى التقائه في الدير برجل من أبناء قومه أقنعه بهذه الفكرة أم إلى خوفه من متابعة السفر. من الطبيعي أننا انزعجنا من هذا التصرف غير المتوقع و هددنا حرصا على مصلحة مطبخنا، باتخاذ إجراءات صارمة عند ما تذكر الهارب التزاماته و التحق بالقافلة نادما قبيل انطلاقها بوقت قصير. و كعقوبة له تعين عليه منذ الآن الركوب على أحد الحمير التي اشتريناها في دير الزور بثمن بخس (بضعة مجيديات) أو على أحد الجمال المحمّلة، الأمر الذي أزعجه جدا لأنه جرح كبرياءه و اعتزازه بنفسه.

عند مغادرتنا في صباح اليوم التالي، 4 أغسطس/ آب، مخيمنا على الفرات واجهنا مرة أخرى كثيرا من الصعوبات لأن رجال الجبور، و كذلك إبلهم التي جمعت لتوها من المراعي، غير معتادين على نقل الخيام و الطاولات و الكراسي و الصناديق الصغيرة و غيرها. في الأحوال العادية تتألف حمولة الجمل فقط من كيسين أو صندوقين أو رزمتين متساويتين مربوطتين بحبل. في بادئ الأمر زعم الجبور أن حمولاتنا ثقيلة جدا على الرغم من أن وزنها كان أقل من نصف وزن الحمولة التي تنقلها عادة الجمال المخصصة للنقل. و كانوا، ضمن صراخ كبير، ينزعون الحمولات مرة تلو الأخرى لأن كلا منهم كان يريد أخذ الحمولة الأقل وزنا و لم نتمكن من تهدئة خواطرهم إلا بعد التدخل بقوة كبيرة كاد مرافقيي العسكريون الخروج عن طورهم خلالها. و لكن الحيوانات أيضا لم تكن أقل شراسة و عنادا من أصحابها. فقد كانت تجفل من طقطقة حمولاتها غير المثبتة بشكل جيد و تحاول التخلص منها. و عند ما تحركت أخيرا القافلة تبين أن الجمال لم تكن معتادة، كما هي الحال لدى قوافل العجيل، على السير وراء بعضها في‏

27

رتل واحد و بسرعة هادئة و منتظمة، بل أخذت تتحرك بشكل حرّ و غالبا على نسق و تحاول التوقف و الانعطاف مما أدى إلى تباطؤ الحركة إلى حدّ كبير. و لكن عند ما فرض النظام داخل القافلة استعادت حيوانات الحمولة القوية و المرتاحة السرعة العادية لمثل هذه القوافل و هي 4- 5، 4 كيلومترا في الساعة، بينما كنا نحن الخيالة نقطع ستة كيلومترات في الساعة.

[سوأر الواقعة على نهر الخابور]

كان علينا أن نصل في مساء اليوم نفسه إلى سوأر الواقعة على نهر الخابور و بالتالي إلى موقع فيه ماء. و هذا يعني أنه كانت أمامنا سفرة في غاية الصعوبة و خاصة لأن الإقلاع الفعلي للقافلة لم يحدث إلا في الساعة العاشرة و الربع. في البداية سرنا مدة نصف ساعة باتجاه شرق الشمال الشرقي حتى غادرنا منطقة الطمي في حوض النهر و صعدنا إلى هضبة سهول ما بين النهرين. ابتداء من هنا صار السير باتجاه الشرق. و ظللنا فترة من الزمن نشاهد مرتفعين جبليين هما تل حجيف الشام على يمين الفرات و تل حجيف الجزيرة على يساره. في الساعة الواحدة توقفنا للاستراحة على مفترق المياه الواقع بين الفرات و الخابور و كان حجيف الجزيرة يقع عندئذ إلى الشمال الغربي منا. ثم تابعنا مسيرنا في الساعة الثالثة و النصف. و بعد وقت قصير التقينا بقافلة كبيرة للبقارة (1) الذين كانوا متوجهين مع نسائهم و أطفالهم و خيامهم و قطعانهم إلى الفرات. فأعلمونا بأنهم قد التقوا قبل حوالي الساعة بمجموعة من رجال شمر كانوا في طريقهم لشن غزوة ضد العنزة و قد استولوا على كل ما لدى البقارة من ماء. بعد بعض الوقت التقينا مرة أخرى بقافلة للبقارة، كانت كسابقتها في طريقها إلى الفرات، أخبرتنا بأنها قد شاهدت قبل وقت قصير عددا كبيرا من فرسان العنزة. كان هؤلاء إذن أعداء شمر و كان توجههم نحو الشمال الشرقي، الذي سيؤدي بهم مثلنا إلى الخابور، سببا كافيا لأن يضاعف مرافقيي حذرهم.

خلال مسيرنا على الهضبة وصلنا في الساعة السابعة و النصف إلى أرض‏

____________

(1) البقارة هم في هذه المنطقة من دافعي الخوة لشمر؛ قارن الفصل الثاني، ص 66 و ما بعدها.

28

قاحلة واسعة فيها عدة مجاري مائية مالحة و لكنها جافة الآن و قد سميت المنطقة باسمها «المالحة». و في الساعة التاسعة و الربع مساء توقفنا في نفس الوقت مع قافلتنا على طرف وادي الخابور أمام المدينة الأثرية سوأر.

يشكل تل سوأر الأثري مستطيلا يمتد من الشمال نحو الجنوب يبلغ عرضه نحو 150 خطوة و طوله نحو 150- 200 خطوة. تقع أعلى نقطة للتل في النهاية الشمالية ثم يتسطح قليلا باتجاه الجنوب. و هنا منخفض يمتد من الشرق نحو الغرب و يقسم التل إلى جزأين. و على السطح يوجد حفريات غير مهمة و هي دون شك الحفريات التي يذكرها زاخاو (1)، حيث تم الكشف عن مبان مبنية بقطع الآجر الطيني مع العجينة الجبسية؛ كما أن الجدران أيضا مطلية بالطينة الجبسية.

أما الآثار التي تم العثور عليها حتى الآن فهي باحتمال كبير من العصر العربي، إلا أنه ليس مستبعدا أن يكون هناك تحت هذه المدينة العربية التي تعود للعصور الوسطى بقايا مدينة أقدم من مرحلة ما قبل العصر الإسلامي. فهناك عدد لا حصر له من الشظايا الغضارية، المزججة غالبا بلون أزرق أو أخضر، و التي تغطي الأرض على مساحة دائرة واسعة. و على أرجح الظن كان التل نفسه يشكل قلعة المدينة، بينما كانت منطقة المدينة الحقيقية تمتد على شكل نصف دائرة باتجاه الغرب في السهل. و كانت المدينة محاطة بسور لم تزل بقاياه المغطاة الآن بالتراب واضحة المعالم. و يجري الخابور على امتداد الجهة الشرقية من التل.

و في داخل حقل الأنقاض، إلى جانب النهر مباشرة، كانت توجد قشلة يتمركز فيها عدد من الظابطية. و على الضفة الأخرى من النهر كان يوجد نحو 15 كوخا للجبور مبنية من الأغصان و البواري. و على مسافة غير بعيدة كانت تظهر حقول مزروعة تروى بواسطة ناعورة كبيرة مبنية فوق القرية مباشرة.

[توصيف نهر الخابور و صلاحيته للملاحة]

يبلغ عرض الخابور عند سوأر 25- 30 مترا. و هذا هو أيضا متوسط عرض النهر من هنا باتجاه الأعلى حتى التقائه بالجغجغ. و هو الرافد الوحيد الذي يستقبله الفرات تحت مصب البليخ. ينبع الخابور الأصلي عند قرجه داغ جنوب‏

____________

(1) انظر زاخاو، رحلة في سورية و منطقة ما بين النهرين، لا يبزيغ 1883، ص 296.

29

غرب ديار بكر و يوجد نبعه الرئيسي عند قرية رأس العين المغرقة في القدم، ثم يجري في جزئه الأعلى باتجاه الجنوب الشرقي بصورة رئيسية إلى أن يجبره الجغجغ ذو التيار الغزير و القوي على اتخاذ اتجاهه الشمالي الجنوبي. يقع مصب الخابور في الفرات على بعد مسيرة يوم واحد تحت سوأر عند آثار القلعة الرومانية القديمة سير سيز يوم التي تبعد بدورها مسيرة يوم واحد عن دير الزور. و من روافد، الخابور تحت مصب الجغجغ نذكر الرافدين الكبيرين فقط: الحول الذي ينبع من مستنقع الحول الواقع في غرب جبل سنجار، و شعيب أبو حمضة الذي يصب في الخابور فوق تل فدغم. و هذان الجدولان هما الوحيدان اللذان يبقى فيهما ماء في فصل الصيف أيضا. أما الجدولان الآخران، دورين و التّف، المرسومان في خريطة زاخاو بناء على استطلاعات قام بها هو بنفسه و اللذان يصبان في الخابور، حسب الخريطة، مقابل تل شدّادة، فلم أجد لهما في الموقع أي أثر و لم أستطع الحصول على أي معلومات عنهما. إلا أنه يوجد على جانبي النهر العديد من الأخاديد الظاهرة بشكل واضح في السهل التي يمكن أن تتحول في الشتاء إلى جداول غزيرة المياه. و بما أن المفترق المائي بين الخابور و جغجغ من جهة و دجلة من جهة أخرى موجود على مقربة من دجلة فإن نهر الخابور و روافده تروي كامل الجزء الشمالي من منطقة ما بين النهرين من البليخ، أو بالأحرى جبل تكتك، و حتى مدينة الموصل تقريبا.

يبقى نهر الخابور غزيرا في فصل الصيف أيضا، و حتى في أشد فصول السنة حرارة يبقى عميقا جدا بحيث لا يمكن عبوره إلا في مواقع معينة قليلة، و حتى هناك يصل عمقه حتى الكتف. و لا يوجد عبارات إلا في البصيرة و سوأر و شدادة.

و هي عبارة عن زوارق بدائية يحركها الملاح بواسطة حبل مثبّت على جانبي النهر.

لم تجرب صلاحية الخابور للملاحة حتى الآن سوى مرة واحدة على يد الكولونيل تشيسني‏ (1) بمناسبة سفره في نهر الفرات في 19 مايو/ أيار 1837 أي في وقت كان فيه منسوب المياه ما يزال عاليا. و قد استعمل تشيسني القارب‏

____________

(1) انظر تشيسني، قصة رحلة علمية إلى الفرات، لندن 1868، ص 250.

30

الأصغر من قاربيه منطلقا من الفرات في الخابور نحو الأعلى. و يبدو أن المحاولة فشلت، إذ إن عالم الطبيعة الألماني هلفر (1) المرافق للرحلة يقول إن القارب البخاري لم يستطع السير إلى أكثر من مسافة 10 أميال إنجليزية نحو الأعلى.

و لعل الفشل يعود بالدرجة الأولى إلى كون القارب مصنوعا بطريقة غير مناسبة لمثل هذه المهمة. و لكن اعتبارا من مسافة غير بعيدة فوق سوأر يبدو أن السفر في الخابور نحو الأعلى غير ممكن فعلا لأنه يحتوي هناك و في مواقع كثيرة أخرى باتجاه الأعلى شلالات سريعة و حواف صخرية يصعب جدا اجتيازها. و لا يوجد على ضفاف النهر سوى بعض الدغيلات الصغيرة في مواقع متفرقة، أي لا يوجد حطب كاف لإشعال نار و لا عشب كاف لإطعام الإبل. أما قول لا يارد (2) بأن ضفاف النهر مغطاة بالغابات فلم أجد له أي إثبات في أي مكان؛ إلا أنه ليس مستبعدا أن تكون الأشجار الموجودة على الخابور في ذلك الوقت قد أبيدت كليا فيما بعد كما حدث فعلا في أمكنة أخرى و منها دجلة الأسفل. فيما عدا ذلك كان وادي الخابور بكامله، في الأجزاء التي مررنا فيها، قاحلا و خاليا تقريبا من النباتات، فقط في بعض المواقع القليلة شاهدنا خيام البدو، أو أكواخهم القابلة للنقل و المصنوعة من القصب و الحلفا، و بعض المقاطع التي قد تكون مزروعة في الأوقات الأقل حرارة.

بالمقابل فإن التلال الأثرية الواقعة على الخابور كثيرة جدا إلى درجة أنه من الصعب جدا، دون دراسة تفصيلية دقيقة، التمييز بين قرى الخابور التي ذكرها المؤلفون الكلاسيكيون و العرب، لا سيما أن الأسماء الحالية لا تتطابق إلا في حالات نادرة جدا مع التسميات القديمة. تتميز الهضاب الركامية عن الهضاب الطبيعية، التي تحمل في اللغة العربية مثلها اسم «تل»، في أن سطوحها مغطاة بعدد كبير من الشظايا الفخارية المزججة و غير المزججة و الأرض المحيطة بها تتألف من أكوام ردمية ذات ارتفاعات مختلفة. و هناك من بين تلال وادي الخابور

____________

(1) انظر رحلات يوهان فيلهلم هلفر إلى آسيا الصغرى و الهند، بقلم الكونتيسه باولينه نوستيس، لا يبزيغ 1873، ص 244.

(2) انظر لا يارد، نينوى و بابل، ترجمة تسنكر، لا يبزيغ، ص 230.

31

بعض الهضاب التي تحتوي هي نفسها على بقايا مدن أثرية قديمة تعود إلى عصور مختلفة تفصل بينها مئات السنين، من العهد الآشوري البابلي، و العهد الروماني البيزنطي و العهد العربي القروسطي. و لقد حافظت التلال الركامية على شكلها الحالي لأنه في مدن و قرى ذلك الزمان لم تكن تبنى بمواد صلبة سوى المباني الرئيسية (المعابد، و القلاع)، و فقط الأجزاء السفلى منها، بينما كانت الأجزاء العلوية و البيوت المجاورة- كما هو الحال حتى اليوم في مدن الواحات الصحراوية- تتألف من آجر طيني مجفف في الهواء (غير مشوي) ما يلبث عند انهيار المدينة أن يتفتت بتأثير المطر و يغطي الجدران الصلبة بطبقة من التراب.

و على الطبقات التي تتشكل بهذه الطريقة بنيت في المراحل اللاحقة قلاع المدن الجديدة ثم تكررت هذه العملية مرة بعد الأخرى‏ (1).

[طرق القوافل فى ما بين النهرين‏]

تعدّ المنطقة المجاورة للخابور، للأسف، من أخطر أجزاء تركيا الآسيوية.

فلأن النهر دائم الجريان يتيح المجال للغزو في جميع فصول السنة. و كان أول أوروبي جلب لنا خلال هذا القرن معلومات عن الخابور جمعها بنفسه هو هنري آ. لا يارد عالم نينوى المشهور الذي أصبح فيما بعد سفيرا لبريطانيا في القسطنطينية و توفي في سبتمبر/ أيلول 1894. جاء هذا الرجل النشيط من الموصل في عام 1850 و أجرى حفريات، بصورة رئيسية، في عربان، لكنه لم يزر الخابور إلا من تل كوكب حتى تل شمساني. أما المعلومات الجغرافية العديمة الدقة دوما و التي ذكرها البلانتس‏ (2) (السيد و السيدة بلانت، م.) فقد حصلا عليها خلال رحلتهما في منطقة ما بين النهرين عام 1878 حيث عبرا النهر عند تل فدغم على متن عبارة خشبية صغيرة صنعها الشّمر. و كان البروفسور زاخاو ينوي في عام 1880 دراسة الخابور حتى تل كوكب لكنه اضطر إلى التخلي عن خطته بسبب‏

____________

(1) من الأمثلة المهمة جدا على بناء المدن فوق بعضها البعض في عصور مختلفة تل الحيسي الذي اكتشفه مؤخرا في جنوب فلسطين البريطاني فليندز بتري و الأمريكي بليسّ و يعدّ نفس تل لا خيس القديم. فقد اكتشفت في هذا التل أنقاض ثمان مدن، لا بل و ربما إحدى عشرة مدينة، من عصور مختلفة.

(2) نفس المرجع السابق، الجزء الأول، ص 340.

32

الظروف غير المؤاتية نتيجة لحدوث برد شديد و سقوط الثلج في هذه المنطقة التي يندر فيها سقوط الثلوج. و كان قد غادر النهر عند سوأر، بعد أن كان قد تبعه من سير سيزيوم، لكي يصل إلى الموصل إلى الجنوب من سنجار (1). و في عام 1887 وصل البروفسور موريتس و المهندس المعماري الدكتور كولدوي، على طريق العودة من أعمال التنقيب في بابل، قادمين من الموصل إلى الخابور في نقطة تقع فوق عربان و تبعا النهر حتى مصبه‏ (2). أما مجرى الجغجغ إلى الجنوب من نصيبين فكان بكامله ما زال غير مدروس. كان لا يارد قد رأى فقط مصبه في الخابور قرب تل كوكب، و كان هاوسكنشت قد عبره مرة في مجراه الأسفل.

في 5 أغسطس/ آب انطلقنا في الساعة العاشرة و الربع قبل الظهر من سوأر لكي نسير بمحاذاة الخابور نحو الأعلى. بعد وقت قصير جدا انعطف النهر نحو الشرق راسما قوسا كبيرة بينما اتخذنا نحن طريقنا باتجاه شمال الشمال الشرقي في بادئ الأمر ثم باتجاه الشمال فيما بعد عبر السهل القاحل.

[بدو العقيدات‏]

و في حوالي الساعة الثانية عشرة مررنا قرب قرية واقعة إلى يسار الخابور يسكنها بدو العقيدات الذين تتألف أكواخهم من أغصان الأشجار و الحلفا. و لقد شاهدنا خلال مسيرنا مرارا و تكرارا قرى تحتوي على أكواخ مشابهة على الجهة اليسرى من النهر.

[تل الحصين‏]

في الساعة الواحدة وصلنا إلى تل الحصين الذي يقع مقابله على الجانب الشرقي من الخابور تل الشيخ حمد. و تل الحصين هو عبارة عن هضبة ركامية تمتد من الشرق نحو الغرب بطول 150 مترا تقريبا، و بعرض 40 مترا و ارتفاع 10- 12 مترا، و يستنتج من المرتفع الموجود هناك أنه كان يوجد على الجانب الغربي لهذه الهضبة مدينة

____________

(1) زاخاو كتب يقول (نفس المرجع السابق ص 294): تحت هذه الظروف اضطررت على مضض إلى التخلي عن خطتي. و عند ما أذكر أسباب ذلك بهذا التفصيل فإنني أفعل ذلك لكي أقي نفسي سلفا من الاتهام بأنني قد فوتت دون سبب قاهر الفرصة لدراسة المجرى الأسفل و الأوسط لنهر الخابور المجهول إلى حد كبير، و هي فرصة قد لا تتوفر في المدى القريب لرحالة ألماني آخر.

(2) حتى الآن لم يرسم للأسف في خريطة موريتس، عن الطبوغرافيا القديمة للبالمورينا، سوى جزء من الطريق؛ و للأسف لم يقم الباحثان الرحّالان حتى الآن بنشر عرض تفصيلي موسع لنتائج أبحاثهما.

33

ذات امتداد أقل.

[تل الشيخ حمد]

و لا شك في أن تل الشيخ حمد المقابل يغطي في باطنه بقايا مدينة قديمة أيضا. على هذا التل شاهدنا أيضا قرية كبيرة للعقيدات. من الساعة الواحدة و 35 دقيقة حتى الساعة الرابعة و 55 دقيقة توقفنا للاستراحة عند معبر الشريعة (1). على مسافة قريبة تحت هذه النقطة كانت تبرز من الماء صخور تنتمي إلى كتلة من الصخور مزروعة في النهر. و في الساعة الخامسة و النصف شاهدنا مرة أخرى بيوتا سكنية. على الضفة اليسرى للنهر كان هناك مخيم كبير للعقيدات الذين يزرعون الأراضي هنا لحساب فارس باشا. و هم يحصلون لقاء عملهم في الشتاء على ثمن المحصول فقط، بينما يحصلون في الصيف على النصف، و الباقي يتعين عليهم تسليمه لشيخ الشمر.

في الساعة الخامسة و 40 دقيقة عبرنا جدولا شتويا جفت مياهه و لم يبق فيه سوى بعض البرك المتناثرة هنا و هناك و وصفوه لي بأنه جدول شديد الملوحة.

و على مسافة غير بعيدة ظهر تل ركامي يوحي بأنه يطمر تحته مدينة قديمة.

[سنجار]

و في الساعة السادسة شاهدنا لأول مرة و بكل وضوح ذرى جبل سنجار الجميلة المتطاولة.

[تل مرقدة]

و في الساعة السادسة و النصف وصلنا إلى الهضبة الأثرية المهيبة تل مرقدة. للتل شكل مربع تقريبا و يبلغ ارتفاعه 15 مترا و طول ضلعه 150- 200 متر. و لا شك في أنه نشأ عن قلعة البلدة القديمة بينما يدل على البلدة نفسها حقل من الأنقاض المنتشرة حوله و بالتحديد على الجهة الجنوبية و الذي تشير أبعاده إلى أنه كان يوجد هنا في يوم من الأيام مدينة أكبر من المدن التي كانت تحت التلال الركامية التي شاهدناها حتى الآن. و تشير بقايا الجدار المجاورة للنهر و الممتدة في البر نحو الداخل إلى ازدهار الحياة هنا في وقت متأخر في العصور الوسطى.

و من الممكن أن تعود الأنقاض التي نراها هنا إلى مدينة ماكسين القديمة. ففي النهر تبرز بقايا بناء تعود على الأرجح إلى الجسر المدمر الذي حدثنا الإصطخري‏ (2) عن وجوده القديم قرب ماكسين. و هناك في الأعلى على تل مرقدة

____________

(1) الشريعة تعني المعبر أو المنفذ.

(2) انظر الإصطخري، تحرير دي غوييه، ص 74: كان يوجد في ماكسين معاصر للزيت و كانت سوقا مزدهرة للقطن. انظر أيضا ابن خرداذبه، ص 96، و أبو الفدا، ص 283.

34

توجد آثار تعود إلى العصر الحديث. ففي بداية سبعينات القرن الحالي أرغم متصرف الدير أرسلان باشا بدو البقارة على بناء بيوت حجرية هنا و الإقامة بشكل دائم. إلا أن هذه المحاولة ذات المقصد الطيب و الرامية إلى تحضير سكان الخابور البدو الرحل فشلت فشلا ذريعا. فالبيوت التي بنيت في مرقدة و في أماكن أخرى على الخابور هجرها أهلها بعد ذهاب أرسلان باشا و هي اليوم متداعية كليا.

يشاهد الناظر من تل القلعة منظرا مطلا إلى مسافة بعيدة فوق وادي الخابور يمتد حتى جبل سنجار، بينما تحجب النظر فوق السهول الجرداء الممتدة نحو الغرب مرتفعات بركانية مغطاة بصخور بازلتية تسمى الحمّة تبرز على بعد 2 كم تقريبا جنوب مرقدة و تطوق الوادي غربي النهر.

[جبل الخشم‏]

انطلقنا من مرقدة يوم الأحد في 6 أغسطس/ آب في الساعة الثامنة و 20 دقيقة و بمتابعتنا السير دوما نحو الشمال انفصلنا عن النهر الذي ينعطف هنا مشكّلا قوسا كبيرا. كما أننا ابتعدنا أيضا بعد وقت قصير عن سلسلة الهضاب البركانية الحمة الواقعة على يسارنا، خلف المدينة الأثرية حيث ترسم السلسلة في البر نصف قوس واسع باتجاه الغرب. و في الساعة العاشرة و 10 دقائق اقتربت النهاية الشمالية لسلسلة المرتفعات ذات الشكل نصف الدائري مرة أخرى من طريقنا.

يطلق العرب على هذا الموقع من الجبل اسم «الخشم» (أي الأنف أو البروز).

[تل شمسانية]

في الساعة العاشرة و 40 دقيقة كانت على يميننا الهضبة الأثرية «تل شمسانية» الذي كان لا يارد (1) قد وصل إليه خلال رحلته من عربان باتجاه أسفل النهر. و قد وضع موريتس و زاخاو تل شمسانية في مكان خاطئ في خرائطهما على الضفة اليسرى للخابور؛ الهضبة موجودة على الجهة الغربية للنهر.

[هضاب الحمة]

سارت سلسلة هضاب الحمة اعتبارا من الخشم نحو الشمال على امتداد طريقنا إلى أن انتهت تماما في الساعة العاشرة و 50 دقيقة. على الجهة اليسرى‏

____________

(1) لا يارد، نفس المصدر السابق، ص 227، يسميها «شمشاني»؛ أما أنا فقد أعطيت الصيغة المكتوبة في النص، و هكذا أيضا ياقوت، الجزء الثالث، ص 319.

35

[سكنى بعض قبيلة عنزة]

الشرقية ظهرت الآن خيام كثيرة كانت تغطي الضفة على امتداد ثلاثة أرباع الساعة تقريبا باتجاه الشمال. و كانت هذه الخيام تعود لفرع منشق عن قبيلة عنزة هو فرع ابن هذّال الذي اختلف مع قبيلته و جاء إلى منطقة ما بين النهرين بإذن من الشيخ فارس.

[تل الفدغم و تلول المعزة]

في الساعة الحادية عشرة و النصف كان على يميننا تل الفدغم (الفدغمي) الذي يمثل أيضا دون شك هضبة أثرية قديمة. و على يسارنا، أي إلى الغرب من طريقنا، ظهرت تلول المعزة الثلاثة الممتدة من الجنوب نحو الشمال خلف الامتدادات الفرعية لسلسلة الحمة.

[هضبة شبسة]

و في الساعة الثانية عشرة صارت الأرض مرة أخرى شديدة التموج، و أشار أدلتنا من هنا إلى هضبة اسمها «شبسة» يبدو أنها تقع إلى الشرق من شدّادة.

[مجمع تلال شدّادة]

في الساعة الواحدة و 45 دقيقة وصلنا إلى مجمع التلال الأثرية الكبير المسمى شدّادة و الذي كنا قد شاهدناه قبل ساعتين تقريبا. يمتد التل الرئيسي من الجنوب نحو الشمال و يبلغ ارتفاعه نحو 6 أمتار و عرضه 50- 60 مترا، لكنه في جزئه الجنوبي أضيق قليلا. و تعلو على هذا التل الصغير عند نهايته الشمالية الشرقية قمة مخروطية الشكل يزيد ارتفاعها على 15 مترا، بينما يبرز أمام الطرف الجنوبي مرتفع أعرض يتقدم حتى حافة الخابور تقريبا. كانت المدينة القديمة تمتد في غرب و جنوب غرب هذا التل كما يتضح من أكوام الأنقاض الكثيرة التي لم تزل ظاهرة حتى اليوم. في الجزء الجنوبي من تل الشدادة، الذي تتوّجه هنا قشلة حديثة، أجريت حفريات أدت إلى كشف بعض المباني الصغيرة المبنية بالآجر المجفف في الهواء. و يرجح أن هذه الحفريات قد أجريت للحصول على المواد اللازمة لبناء القشلة. وجدنا قلعة الشدادة أوسع من قلاع عين البيضا و بير قباقب و سوأر. كانت تشكل مبنى مستطيل الشكل مفتوحا نحو الجنوب تكفي مساكنه و اصطبلاته لإيواء عشرات الجنود. عند أسفل التل، بين التل و النهر، بنى الجندرمة (رجال الشرطة) مستوطنة صغيرة أقاموا فيها مع عائلاتهم و قطعان أغنامهم. و كانت بيوتهم تشبه أكواخ الحلفا (سيباط، جمعها سبابيط) لبدو الخابور. كانت الجدران تتألف من حصائر من القصب مربوطة إلى بعضها يسهل‏

36

لفها و نقلها إلى مكان آخر عند الحاجة. و كان السطح مصنوعا من الحلفا و أغصان الأشجار أو من قماش خيمة قديم. و في مكان قريب تحت الهضبة الأثرية، على مسافة غير بعيدة من النقطة التي يصب عندها في الخابور نهر جانبي قادم من الغرب و يجف في فصل الصيف، وجدنا مرة أخرى عبّارة تشبه عبّارة سوأر لكنها في حالة أسوأ. و على مسافة قريبة فوق القشلة كانت توجد ناعورة تابعة لمستوطنة لقبيلة البقّارة موجودة هناك و تقع قراها على الجهة اليسرى للنهر.

نظرا لأهميتها كمحطة على طريق القوافل بين دير الزور و الموصل فإن الشدادة هي مقر لمدير تابع لمتصرفية الدير. هنا يعبر أيضا الطريق العام نهر الخابور ثم يسير بعد ذلك في خط مستقيم إلى الطرف الغربي لجبل سنجار و من هناك على جهته الجنوبية إلى الموصل. و هناك طريق آخر قليل الاستعمال، كنا نريد السير فيه، يسير بمحاذاة مجرى الخابور على ضفته اليمنى حتى مصب الجغجغ ثم يسير بمحاذاة الجغجغ نحو الأعلى حتى نصيبين حيث يلتقي بالطريق الكبيرة التي تصل بين ديار بكر و الموصل.

كان مدير الشدادة يتمتع في الوقت نفسه بصلاحية ممارسة نوع من الإشراف على بدو الخابور. و كان تحت تصرفه آنذاك 15- 20 جنديا، و هذا عدد كبير إلى حد ما قياسا إلى حاميات القشلات الأخرى. و قد نشب خلاف بين هؤلاء الجنود (السبتية) و الجنود المرافقين لقافلتي لأن السبتيين استاءوا من محاولات مرافقيي العسكريين التزود بالطعام و العلف. إذ إن مرافقيي كانوا يتوقعون أن يجدوا في الشدادة كميات أكبر من الشعير و المؤن الأخرى لكي يستكملوا الكميات القليلة نسبيا الموجودة لديهم لكنهم أصيبوا بخيبة أمل. فبينما كنا في البادية السورية نعاني من نقص المياه أصبحنا الآن في أمس الحاجة إلى الطعام و العلف بحيث إن استمرارنا فترة أطول على الطريق كان مستحيلا. و في المحطة التالية أيضا، الحسكة، لم يتمكن مرافقيي من الحصول على ما يحتاجونه من مؤن.

كان المدير ينوي الذهاب إلى الموصل لقضاء إجازة مرضية فانتهز الفرصة المناسبة و انضم إلى قافلتنا. نتيجة للاشتباكات الحربية المذكورة سابقا مع‏

37

اليزيديين كانت الطريق العادية المؤدية إلى الموصل و المارة جنوب سنجار مقطوعة، كما أن المسير في السهول الواقعة في الشمال لم يكن خاليا من الأخطار بالنسبة للمسافر الوحيد. و بما أن استعداداته للسفر تأخرت فقد تعين عليه اللحاق بنا بعد مغادرتنا؛ و قد أدركنا بعد اجتيازنا نصيبين في مخيم الشيخ فارس لكنه بقي بعد ذلك مع قافلتنا حتى الموصل.

غادرنا الشدادة في صباح اليوم التالي في الساعة السابعة و 20 دقيقة. إلى يسارنا كان يمتد السهل الواسع الذي يسميه البدو صحراء بعاج.

[قرية الغرقانة]

و في الساعة الثامنة و النصف كانت توجد على يمين الطريق على الضفة الغربية للخابور، التي كنا لم نزل نسير عليها، قرية كبيرة لقبيلة البقارة تتألف حسب زعمهم من 200 خيمة و كوخ. كانت هذه القرية تحمل اسم الغرقانة و هو نفس الاسم الذي يحمله تل واقع على الجهة الشرقية من النهر ظهر على يميننا في الساعة التاسعة و 25 دقيقة.

[السلسلة الهضبية تل شبيسة]

و في الساعة العاشرة و 20 دقيقة تجاوزنا تلا آخر، اسمه تل مسيطير، واقعا على الضفة اليسارية الشرقية للنهر. و إلى الشرق من هذا التل تمتد السلسلة الهضبية تل شبيسة باتجاه غرب شرق نحو الخابور.

[تل كوكب و آثار عربان‏]

بعد ما شاهدنا في الساعة العاشرة و النصف لأول مرة تل كوكب في مكان بعيد أمامنا في الشمال وصلنا بعد نصف ساعة إلى عربان التي يسميها البدو عجابة (1).

آثار عربان مطمورة في تلال مختلفة أهمها تل يقع على الخابور مباشرة و قد جرف الماء جزءا منه بحيث إن جانبه المطل على النهر ينحدر بصورة عمودية تقريبا. و على هذا الحائط يشاهد المرء بوضوح جدرانا قديمة مبنية بقطع الآجر غير المشوي. هنا حفر لا يارد في وسط الجدار عدة ثقوب أسطوانية الشكل‏

____________

(1) زاخاو، نفس المصدر السابق، ص 296، يسميها خطأ «عجاجة». كما أن الطريق الذي استطلعه من تل شدادة إلى حران يرد فيه أيضا اسم عجاجة كثالث محطة.

و من الممكن أن تكون عجاجة هي نفسها «عجابة» أو «عربان» على الخابور. و في هذه الحالة يجب البحث عن المحطتين الواقعتين قبلها، و هما «تل مرفية» و «عين السحل»، في وادي الخابور.

38

و ممتدة أفقيا و عثر على أشياء مهمة جدا كان أكثرها أهمية اكتشاف عدة ثيران مجنحة برؤوس بشرية من نفس النوع الموجود في نينوى و لكنها منحوتة بأسلوب أكثر خشونة. أحد هذه الثيران لم يزل حتى اليوم موجودا في نفس الموقع و رأسه متجه نحو داخل المغارة؛ و يبلغ ارتفاعه مترا و ربع المتر (1). أما الكتلة الصخرية التي تم نحته منها فهي من الحجر الكلسي الأبيض الطري و يبلغ عرضها 25 سنتيمترا. و لم يعثر لا يارد على كتابات كبيرة يمكن أن تزودنا بمعلومات عن فترة ازدهار هذه المدينة أو عن اسمها القديم أو تاريخها. و يرى فينكلر (2) أن التماثيل تعود إلى حضارة لسكان أصليين من بلاد الرافدين سبقت المرحلة الآشورية لكنها كانت تربطها علاقات قربى وثيقة مع الحضارة البابلية القديمة. و في حوالي عام 1500 قبل الميلاد جاءت هجرات لقبائل آرامية متنقلة أخضعت البلاد بكاملها شيئا فشيئا لسيطرتها. و بقي الأمر كذلك حتى النصف الأول من القرن التاسع قبل الميلاد حيث ضمت منطقة الخابور إلى مملكة الآشوريين بعد غزوة عابرة قام بها الفراعنة. صحيح أن اسم عربان لا يرد ذكره بين المدن التي يذكرها الملوك الآشوريون؛ و لكن ليس هناك أدنى شك في أن إحدى هذه المدن هي عربان‏ (3).

أن تكون المدينة قد بقيت موجودة بعد المرحلة الآشورية أيضا فهذا أمر لا شك فيه و إن كنا لم نسمع بها إلا بعد بداية العصر الميلادي. و يعتقد بأن إسكندر الكبير، الذي لا بد من أن حملته من سورية إلى فارس قد مرت في وادي الخابور، قد لامس المدينة و إن كان مؤرخوه لم يكتبوا أي شي‏ء عنها. و كان‏

____________

(1) الثور الآخر نقل مع آثار أخرى إلى المتحف البريطاني. انظر لا يارد، نينوى و بابل، ترجمة تسينكر، ص 208 و ما بعدها. و هو يحمل كتابة مسمارية قصيرة تفيد بأنه يعود لأمير اسمه موشش- نينيب. انظر أيضا فينكلر، تاريخ البابليين و الآشوريين، لا يبزيغ 1892، ص 150.

(2) نفس المصدر السابق، ص 140- 143، 149، 150، 155، 156، 159، 163- 165، 167، 168؛ انظر أيضا فينكلر، أبحاث عن الشرق القديم، الحلقة الأولى 1893- 1897، ص 75- 97، 140- 158، 201- 243 (و خاصة 227 و ما بعدها) 380- 389، 551.

(3) انظر ف. ماير، تاريخ العصر القديم، الجزء الأول، شتوتغارت 1884، ص 334.

39

بطليموس أول من ذكرها من جديد. و في العصر الروماني المتأخر اكتسبت عربان أهمية عسكرية خاصة كمحطة رئيسية على الخط الفاصل ضد مملكة الفرثيين (الأشكانيين). كان هذا الخط يتشكل من الخابور و الجغجغ؛ و كانت نقطة ارتكازه في الشمال نيسيبيس و في الجنوب سير سيزيوم. و كان وادي الخابور في ذلك الزمان، حسبما نعلم من «نوتيسيا ديغنيتاتوم» (1) و من «بروكوب» (2)، محصنا تحصينا قويا و مزودا بالعديد من الحاميات العسكرية.

استولى المسلمون على عربان و جميع مدن منطقة الخابور بالطريق السلمية (3). و في المرحلة العربية أيضا كانت عربان لم تزل عاصمة لبلاد الخابور و المركز الكبير (4) لتجميع القطن. و على أي حال فإن الجغرافيين و المؤرخين يصفونها غالبا بأنها مدينة مزدهرة و لكن متى تدمرت، و كيف حل الخراب في منطقة الخابور بكاملها، فلا يوجد حتى الآن سوى تخمينات غير مؤكدة. قد يكون هذا قد حدث في فترة الغزو المنغولي بقيادة تيمورلنك؛ لعل أحد قادته العسكريين قد اتخذ طريقه عبر وادي الخابور. و بعد ذلك سيطر على المنطقة البدو الرحل و دحروا من تبقى من سكان القرى الثابتة و حالوا دون نشوء مستوطنات جديدة.

نتيجة لذلك انهارت منشآت الري و تحولت بالتالي الأراضي الخصبة إلى السهوب القاحلة الحالية. و في كل الأحوال لم يرد منذ ذلك الحين أي ذكر لأي مدينة في وادي الخابور. و من المؤكد أن تنقيبات منهجية في عربان بالذات ستسفر عن نتائج ذات أهمية بالغة بالنسبة لحضارة المنطقة القديمة.

بالإضافة إلى التلال الركامية الكبيرة التي ذكرتها هناك أيضا بقربها مباشرة تلال أخرى صغيرة تنتمي إلى منطقة عربان بمفهومها الواسع و تشير إلى وجود قرى قديمة أخرى. و مما يلفت الانتباه بشكل خاص بقايا جسر حجري كبير من العصر العربي. لم يزل باقيا منه بشكل سليم ثلاثة أعمدة مع الأقواس العائدة لها و المبنية

____________

(1) نوتيسيا ديغنيتاتوم، طبعة سيك، الفصل 35 و 36.

(2) بروكوب، دي إيديفيسيس، الجزء الثاني، 6.

(3) انظر البلاذري، ص 178.

(4) نقلا عن المقدسي عند شبرنغر، طرق السفر و البريد في الشرق، ص 164.

40

بشكل فني من كتل صخرية كبيرة مستطيلة الشكل و عليها، إلى جانب الزخارف، كتابات ناتئة جميلة. للأسف اضطررنا بسبب نقص العلف اللازم لقافلتنا إلى متابعة المسير في نفس اليوم بحيث لم يبق لديّ وقت كاف لتحرير الكتابات من الركام الذي يغطيها. و ما كان مقروءا منها كان التالي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ ...

اللّه تعالى ... بإذن الملك الرحيم‏

العالم المظفر المنصور المجاهد المرابط ...

لا يقدم لنا هذا النص أي اسم محدد يمكن أن نستنتج منه الزمن الذي بني فيه الجسر. لكن طريقة البناء تشير إلى نضج كبير في فن العمارة، و تشير متانة الجسر إلى أن المواصلات مع الضفة المقابلة كانت ذات أهمية كبيرة (1). و بما أن الأعمدة تنتصب حاليا في اليابسة فإننا نفترض أن الخابور قد غيّر مجراه باتجاه الشرق، و هذا ما يثبته أيضا انهدام التل الركامي الكبير.

[تل كوكب و سفوح جبل سنجار]

من تلال عربان الأثرية، التي يوجد على سطحها العديد من قبور البدو، كنا نستطيع التعرف بكل وضوح على تل كوكب الداكن الواقع في الشمال. و من جهة الشرق وراء السهل أطلت علينا سفوح جبل سنجار،

[جبل عبد العزيز]

و في الغرب كللت الأفق الذرى المنخفضة لجبل عبد العزيز المجهول كليا و الذي يشاهد من غالبية النقاط المرتفعة على الخابور و يمتد بموازاة النهر على مسافة مسير يوم كامل كما يبدو.

يصف لا يارد (2) جبل عبد العزيز بأنه سلسلة من الجبال المنخفضة المغطاة بالغابات. كما أن زاخاو (3) أيضا يعتقد، استنادا إلى معلومات حصل عليها

____________

(1) يعود الفضل للسيد البروفسور دي غوييه الذي أعلمني أن هذا الجسر لا يرد له ذكر عند المؤلفين العرب. ابن حوقل، ص 139، يذكر طريقا يؤدي من الخانوقة على الفرات، على مسافة مسير يومين فوق قرقيسيا (نفس المصدر، ص 155)، بالقرب من الرقة، إلى عربان في رحلة تدوم أربعة أيام، و من هنا إلى سنجار خلال يومين. و من سنجار تستمر الطريق بطبيعة الحال إلى الموصل؛ من الخانوقة تسير الطريق بمحاذاة الفرات نحو الأعلى باتجاه شمال غرب إلى الرقة.

(2) نفس المصدر السابق، ص 206.

(3) نفس المصدر السابق، ص 295.

41

بالتأكيد من البدو، أن الجبل غني بالأشجار؛ أما أنا فلم أستطع، من المسافة البعيدة التي كانت تفصلني عنه، مشاهدة أي غابات فيه. و هناك حكايات تقول بأنه لم تزل تعيش فيه حمير (1) برية؛ و حسب روايات البدو يعيش في جبل عبد العزيز لصوص ينتمون إلى قبائل غريبة الشكل.

في الساعة الثالثة و الربع امتطينا مجددا ظهور خيولنا؛ و كانت قافلتنا قد وصلت، كالعادة، إلى الهدف النهائي المحدد لها لهذا اليوم و لم يثنها أي شي‏ء عن المحافظة على السرعة الثابتة التي سارت بها بصورة متواصلة تقريبا دون أي توقف. في الساعة الرابعة و 45 دقيقة عبرنا «الفقير» (2) و بعد ذلك بوقت قصير «الميلبية» و هما منخفضان تجري فيهما مياه جبل عبد العزيز لتصب في الخابور؛

[وادي الشيخ صليب و تل طابان‏]

و في الساعة الخامسة و الربع عبرنا وادي الشيخ صليب. خلف هذا الوادي شاهدنا عدة تلال تمر بينها طريق تؤدي مباشرة إلى النهر. و على الجهة المقابلة على الضفة الشرقية برز تل طابان الذي يوجد على قمته مزار يحتوي على قبر شيخ قبيلة الجبور محمد أمين المغطى بقبة. و كان محمد أمين قد ساعد لا يارد على القيام بحفرياته و توفي، حسب أقوال البدو، قبل أربعين عاما أي بعد أربع سنوات من وجود لا يارد، لكن هذه المعلومات لا يمكن الاعتماد عليها كثيرا لأن البدو إحساسهم بالزمن و بمقاييسه ضعيف كإحساسهم بالمسافات. و كان لا يارد قد عثر خلال زيارته في تل طابان على بقايا قلعة حديثة و بالقرب من التل على سور حجري كان محمد أمين قد بناه كملجأ للجبور ضد هجمات [قبيلة] عنزة. و بين عربان و طابان يذكر لا يارد، على الضفة اليسرى للخابور، تلّين أثريين هما: مشنق و أبو شلح‏ (3). و كان لا يارد قد نصب مخيمه على مسافة 4 ساعات و نصف تقريبا إلى الشمال من عربان في مكان واقع على الضفة الشرقية اليسرى للخابور اسمه‏

____________

(1) في الرسوم الآشورية يوجد صور للصيد على ظهور الحمير الوحشية. انظر الصورة في آخر الكتاب.

(2) لفت انتباهي السيد البروفسور دي غوييه إلى أن كلمة «فقير» تعني أيضا منخفضا توجد فيه آبار.

(3) انظر لا يارد، نينوى و بابل، ترجمة تسينكر، ص 230.

42

«نهب» بالقرب من تل كبير.

[تلول و سدود قديمة على الضفة الشرقية للخابور]

و على مسافة قريبة من مكانه على النهر لاحظ بقايا جدران حجرية، كانت حسب تقديره آثار سدود قديمة للري، و تلّا اسمه تل مهليبيّة. و على بعد أربعة أميال شمالا اجتاز تلّا كبيرا اسمه تنينير و شاهد بالقرب منه مرة أخرى بقايا سد حجري تسمى «سبع سكور» (أي «السدود السبعة»). غير أن هذه المواقع التي يذكرها لا يارد على الضفة الشرقية للخابور لم يذكرها لي مرافقيي أنا الذي كنت خلافا للرحالة الإنجليزي أسير على الضفة الغربية أي اليمنى للنهر. تحت الاسم طابان يجمع الناس عددا من التلال الأثرية التي تنطمر تحتها دون أدنى شك أنقاض مدينة طابان التي يرد ذكرها مرارا في العصر القديم.

في العصر المسيحي كان يوجد في طابان دير (1)، و في العصور الوسطى كانت توجد هنا مستوطنة بشرية. إذ إن ياقوت‏ (2) يسمي طابان قرية صغيرة. هنا يصب مسيل بحيرة الخاتونية، أو مستنقع الحول‏ (3)، الذي سبق ذكره. عند طابان يرسم مجرى الخابور قوسا كبيرا نحو الشرق بدا أن طريقنا ستتبعه.

[التيه فى الطريق الى قشلة الحسكة عند مصب الخابور]

كان هدف مسيرنا في هذا اليوم قشلة الحسكة عند مصب الجغجغ في الخابور و لكن على الضفة الأخرى، أي الضفة اليسرى للنهر. و بما أننا كنا نريد اللحاق في أقرب وقت ممكن بقافلتنا، التي كانت قد سارت قبلنا، لكي نكون حاضرين عند عبورها الخابور، فقد تركنا في الساعة الخامسة و 45 دقيقة النهر و اتخذنا طريقنا في الأرض القفراء الخالية من الدروب باتجاه جبل ظهر لنا من بعيد افترضنا أنه تل كوكب. و لكننا عند حلول الظلام فقدنا الاتجاه في الأرض التي أخذت تصبح متموجة الشكل. عبرنا عدة و ديان صغيرة خالية من الماء (قد تكون قنوات قديمة جافة) و مررنا قرب آثار ظاهرة بكل وضوح كان لم يزل يوجد بقربها كما يبدو بقايا سد متهدم. و بعد ذلك تجاوزنا مرتفعا واقعا على يميننا بدا لنا بركاني المظهر. و يبدو أنه تابع لمجموعة من التلال الواقعة

____________

(1) انظر آسيماني، المكتبة الشرقية (بيبليوتيكا أورينتاليس) الجزء الثاني، ص 222، 226.

(2) ياقوت، الجزء الثالث، ص 485.

(3) انظر لا يارد، نينوى و بابل، ترجمة تسينكر، ص 247.

43

جنوب الحسكة و المتجهة من الغرب نحو الشرق على امتداد الخابور الأعلى و التي قيل لنا في الحسكة أن اسمها «تل البنت». و بعد ما تهنا عدة ساعات نتنقل بلا هدى في كل اتجاه أبصرنا أخيرا في الأفق البعيد نيران مخيمات تمتد من الغرب إلى الشرق أوقدها، كما تبين لنا فيما بعد، جماعة من البدو يخيمون على الضفة الشمالية اليسرى لنهر الخابور فوق مصب الجغجغ. و بعد بحث طويل وجدنا على بعد عدة كيلومترات، تحت النقطة التي عدنا عندها إلى الالتقاء بالخابور، المعبر القليل العمق. كان النهر هنا معبورا بكثرة و كان عرضه 100 متر تقريبا. و كان عمق الماء يصل إلى الركبة و نحن على ظهور خيولنا. و عندما وصلنا إلى الضفة الأخرى وجدنا الخيام قد نصبت عند أسفل هضبة هامة في الزاوية المتشكلة من الجغجغ و الخابور. و كان رفاقنا قد ساورهم بعض القلق بشأننا.

[تل حسكة]

يبلغ ارتفاع تل حسكة (1) نحو 20 مترا و يمتد نحو الشمال ليلتحم بمرتفع بركاني صغير أقل ارتفاعا. و كان يوجد على جهته الشمالية العديد من البقايا الجدارية ذات اللون الأسود الداكن و كمية من الشظايا مما يشير إلى وجود مستوطنة بشرية قديمة. و على أعلى قمة في التل كانت توجد قشلة كان يوجد فيها عند مجيئنا عدد قليل من الظابطية (الجنود) التابعين لولاية ديار بكر. و كان هؤلاء الجنود يسكنون، مثل زملائهم في الشدادة، مع عائلاتهم في بيوت من القصب و الطين خارج القشلة.

من تل الحسكة كنا نشاهد منظرا واسع المدى مطلا على السهل الذي بدا في جميع الاتجاهات مزروعا بعدد لا حصر له من التلال المتناثرة كأكوام التراب التي صنعتها الخلدة. و إلى الجنوب منّا كنا نشاهد مرتفعات تل البنت البركانية التي اجتزناها في اليوم السابق و خلفها في جنوب الجنوب الغربي مرتفعات جبل عبد العزيز.

إلا أن نقطة التقاء الخابور و الجغجغ تقع في مكان أبعد إلى الشمال باتجاه‏

____________

(1) البدو الموجودون هناك يلفظون حرف الكاف «تش» و يسمون التل «تل الحستشه».

44

نصيبين من المكان المرسومة فيه على الخرائط. فلقد دهشت من أنني استطعت قطع المسافة المرسومة على الخرائط بين تل الحسكة و نصيبين في هذا الزمن القصير الذي لا يزيد على أربع عشرة ساعة على ظهور الخيل.

حسب البيانات المسجلة في دفتر يومياتي يتبين أن مسيرتنا من الدير إلى سوأر استغرقت في اليوم الأول 11 ساعة مسير على الإبل و 8 ساعات و 25 دقيقة مسير على الخيول. و هذا سيعني، عند الانطلاق من أن الإبل تقطع 5، 4 كيلومترا في الساعة و الخيول 6 كيلومترات، أن المسافة بين الدير و سوأر تبلغ 5، 49 كيلومترا.

في اليوم الثاني سرنا، حسب مذكراتي، بين سوأر و مرقدة 20، 8 ساعة على الجمال و 6 ساعات على الخيول. و هذا يعني حسب سرعة الإبل 5، 37 كيلومترا و حسب سرعة الخيول 36 كيلومترا.

[تقدير الاوقات التى استغرقت فى الرحلة]

في اليوم الثالث، بين مرقدة و الشدادة، لم يكن مسجلا في يومياتي سوى ساعات الخيول و قدرها 25، 5 ساعة. و هذا يعادل نحو 33 كيلومترا، و هي مسافة تحتاج الإبل إلى 7 ساعات و نصف لقطعها، الأمر الذي يتطابق تماما مع الواقع.

في اليوم الرابع استغرق السير بين الشدادة و الخابور عند تل الحسكة زهاء 12 ساعة على الإبل أي ما يعادل 54 كيلومترا تقريبا. في دفتر يومياتي مسجل 3 ساعات و 40 دقيقة على الخيول بين الشدادة و عربان أي ما يعادل 22 كيلومترا، و من عربان إلى وادي صليب (طابان) ساعتان و 5 دقائق أي ما يعادل 5، 12 كيلومترا. و بما أننا نحن على الخيول قد تهنا عن الطريق فيما بعد فإن بقية المعطيات الزمنية عن هذا اليوم لم تعد ذات مدلول.

في اليوم الخامس انطلقنا نحن الفرسان في الساعة التاسعة و 50 دقيقة من تل الحسكة و سرنا على الخيول (من الساعة 50، 9 حتى 15، 1 و من الساعة 25، 4 حتى الساعة 15، 9) 8 ساعات أي حوالي 48 كيلومترا حتى تل الشرابة. أما القافلة فلم تنطلق قبلنا بزمن طويل و إنما قبيل الساعة التاسعة و ستقطع، لأنها و اصلت السير حتى الساعة العاشرة مساء، حوالي 12 ساعة بسرعة الإبل. غير

45

أنها كانت في هذا اليوم بطيئة بشكل خاص لأنها كانت متعبة جدا مما يتيح الاستنتاج أننا نحن الفرسان، و حسب دفتر يومياتي قد تجاوزنا القافلة في الساعة 8 و 10 دقائق و أننا وصلنا إلى المخيم في الساعة 9 و 10 دقائق بينما لم تصل القافلة إلى هناك إلا في الساعة العاشرة مساء. و لذلك إذا ما اعتبرنا سرعة الإبل في ذلك اليوم 4 كيلومترا في الساعة فإن المسافة بين تل حسكة و تل الشرابة ستكون حسب سرعة القافلة أيضا نحو 48 كيلومترا.

في اليوم السادس سرنا نحن الخيالة حسب دفتر المذكرات 30، 5 ساعة على الخيول أي حوالي 33 كيلومترا بينما سارت قافلة الإبل 30، 8 ساعات، و إذا ما حسبنا السرعة هذه المرة فقط 4 كيلومترات أيضا تكون القافلة قد قطعت أيضا 33- 34 كيلومترا.

بناء على ذلك تكون المسافة بين دير الزور و سوأر حسب السرعتين 5، 49 كيلومترا، و المسافة بين سوأر و تل حسكة حوالي 124 كيلومترا، و بين تل حسكة و نصيبين، أيضا بالتطابق بين السرعتين، 82 كيلومترا. و بما أن لا يارد وضع ما يسميه «تل هسيهة» شمال غرب تل كوكب، حسب خريطته، يصبح واضحا أنني أنا، الذي سرت ليلا على الضفة الغربية للنهر، لم أرتل كوكب. فلقد تحركت جنوب تل حسكة فترة طويلة من الزمن في أرض جبلية اعتبرتها، كما ذكرنا، في ظلام الليل بركانية؛ و بما أن تل البنت الواقع جنوب تل حسكة كان بركاني المظهر أيضا فإنه ليس مستبعدا أن يكون تل كوكب الذي درسه لا يارد (1)، و الواقع شرق ضفة الخابور جنوب تل هسيهة (تل حسكة)، و وجد عنده فوهتين بركانيتين و مغارة عمقها 50 قدما و تحتوي على ماء صالح للشرب، متصلا من الداخل‏ (2) مع المنطقة البركانية التي وجدتها أنا على الضفة الغربية للخابور و الواقعة جنوب تل حسكة. أما تل حسكة نفسه فقد تعرفت عليه بما لا يقبل الشك أنه هضبة بركانية،

____________

(1) انظر لا يارد، اكتشافات في أنقاض نينوى و بابل، ص 322.

(2) يذكر لا يارد بين تل هسيهة و نقطة التقاء الجغجغ و الخابور تلا يسميه «تل أبو بكر» يرد ذكره عند ها و سكنيشت أيضا. و كان لا يارد قد تجاوز تل كوكب على الضفة اليسرى لنهري الجغجغ و الخابور.

46

كما أن تل الأسود أيضا الواقع إلى الشمال بدا من بعيد ذا طبيعة بركانية و هذا ما يشير إليه اسمه أيضا. و لذلك فنحن هنا إذن إزاء منطقة بركانية كبيرة، تماما كما هو الحال في سلسلة جبال الحمة التي يقع أقصى جزئها الجنوبي مقابل مرقدة.

[من حسكة إلى نصيبين مرورا بنهر الجغجغ‏]

من تل حسكة تابعنا مسيرنا إلى نصيبين باتجاه شمال غرب في بادئ الأمر ثم باتجاه الشرق و أخيرا باتجاه الشمال الشرقي حتى وصلنا إلى مقصدنا. كان الطريق يسير غالبا على امتداد الجغجغ الذي لم يكن يزيد متوسط عرضه على 6 أمتار، و لكنه كان عميقا جدا إلى درجة أن عبوره حتى في هذا الفصل من السنة لم يكن ممكنا إلا في بعض المعابر المحددة. كانت مياهه صافية إلى حد ما. أما مجرى النهر فلم يكن عميقا في الأرض كعمق مجرى الخابور بحيث إن ضفافه المغطاة في فصل الصيف أيضا بالقصب و شجيرات الطرف لا بد أنها تبقى على الدوام مغمورة إلى حد بعيد في موسم الفيضان. ينقل الجغجغ إلى الخابور مياه الجداول الجبلية المنحدرة من طور عابدين و يتدفق نحو الوادي في مجرى قليل التعاريج و بانحدار شديد إلى حد ما و يشبه في ذلك، خلافا للخابور في مجراه الأوسط و الأدنى، نهرا جبليا أوروبيا. في البداية تكون منطقة الجغجغ مسطحة كمنطقة الخابور. و لقد كانت عند مجيئنا، نتيجة الحر الصيفي الحارق، جرداء تماما، باستثناء بعض النبيتات الصحراوية المتناثرة هنا و هناك. و بعد ذلك تصعد الأرض شيئا فشيئا حتى نصيبين. فبعد مسيرة ساعات قليلة إلى الشمال من الحسكة يتغير طابع المنطقة. إذ إن المنطقة شبه الصحراوية في وسط منطقة ما بين النهرين تخلي المكان لأرض متموجة تبدو أكثر خصوبة و يتخللها العديد من الجداول المائية الصغيرة. و كان بعض هذه الجداول قد فاض عن مجراه حتى في شهر أغسطس/ آب و شكل مروجا مستنقعية صغيرة. و في وادي الجغجغ أيضا يشهد العديد من الهضاب الركامية على الحضارة الغابرة لهذه المنطقة.

في الساعة العاشرة و 45 دقيقة صار على يميننا على الجانب الآخر لنهر جغجغ تل الأسود المذكور سابقا و الذي كما ذكرنا ذو منشأ بركاني. و في الساعة الحادية عشرة و 5 دقائق شاهدنا على الضفة الشرقية للجدول يمينا و على مسافة بعيدة بعض الشي‏ء تل السلماني، و في الساعة 11 و 25 دقيقة اجتزنا الجدول‏

47

المسمى نهر عاوج و الذي كان جافا عند مجيئنا لكنه في فصل الأمطار يزود الجغجغ بكميات كبيرة من الماء. و في الساعة الحادية عشرة و النصف صار على يميننا، على الضفة الشرقية للجغجغ أيضا، تل البرازة. و في الساعة 11 و 45 دقيقة وصلنا إلى أنقاض جسر حجري قديم يسمى الصّفيّة و كان في الماضي يصل بين ضفتي الجغجغ. و لم تزل بقايا الأعمدة المتراصة منتصبة في مجرى النهر.

و قد اختارها عدة نسور لتكون قاعدة لأعشاشها. و من المحتمل جدا أن يكون هذا الجسر جزءا من الطريق الرومانية المرسومة على الخريطة «تابولا بويتينغرانا» و الممتدة بين رأس العين و بحيرة الخاتونية. فنحن نعلم أن الرومان كانوا يبنون طرقهم بخط مستقيم قدر الإمكان، و جسر الصفية الممتد فوق الجغجغ يقع فعلا على امتداد مستقيم بين النقطتين المذكورتين. أما الأماكن الأخرى المرسومة في الخريطة على الطريق المفترضة فهي بيرلي (بير علي؟)، و ثلّبة، و ثبيدة، و هي أماكن لم تزل حسب علمي، غير معروفة حتى اليوم‏ (1).

بعد استراحة دامت 10 دقائق تابعنا سيرنا باتجاه الشرق متبعين مجرى النهر المتغير. و في الساعة الواحدة و الربع توقفنا تحت مجموعة كثيفة من أشجار الطرف العالية و هي الأشجار الحقيقية الأولى التي رأيناها منذ الفرات. و كان ظل الأشجار مغريا و منعشا إلى درجة أننا بقينا جالسين حتى الساعة الرابعة و النصف.

و الآن تغير اتجاه السير نحو شرق الشمال الشرقي إلى أن أصبح في الساعة الخامسة نحو الشمال الشرقي مباشرة. و في الساعة الخامسة و 20 دقيقة عبرنا «سيل تل البقر» المحتوي على الماء، و هو رافد صغير لنهر الجغجغ، ثم صعدنا بعد نصف ساعة على مجموعة من التلال المسماة «تلول حوايج سعيّد».

اعتبارا من هنا اتجهت الطريق حتى الساعة 6 و 20 دقيقة نحو الشمال مباشرة لكي تنعطف بعد ذلك قليلا نحو الشرق. في الساعة 6 و 25 دقيقة ظهر على يميننا

____________

(1) قد تكون الجسور القديمة التي رسمها هاوسكنيشت على خريطته و الممتدة فوق «جرجب» و «جراحي» تابعة للطريق الرومانية رأس العين- نصيبين أو «نيسيبيس سنغارا». انظر البروفسور هاوسكنيشت، طرق في الشرق 1865- 1869، تنقيح ه. كيبرت، برلين 1892.

48

على الجانب الآخر من الجدول تل صغير، و في الساعة السابعة و النصف على نفس الجهة «تل البرك» الكبير، و هو التل المسمى في خريطة هاوسكنيشت «ألبك». في الساعة الثامنة و الربع تجاوزنا قافلتنا و قررنا التوقف بعد مسير ساعة متواصلة، أي في التاسعة و الربع في مكان مناسب في السفح الشمالي الشرقي لتل الشرابة، و هو تل ركامي كبير الحجم مسطح في الأعلى و يقع على ضفة الجغجغ مباشرة. أما قافلتنا فلم تصل حتى الساعة العاشرة. و كان النهر قد ضم إليه في هذه الأثناء رافد «الرّد» القادم من الشرق و رسم كما يبدو قوسا خفيفا نحو الشرق.

و بما أننا كنا نعتقد أننا لم نزل بعيدين عن نصيبين فقد ألححت في صباح اليوم التالي (9 أغسطس/ آب) على الانطلاق المبكر على الرغم من أن الرجال و الدواب كانوا في اليوم السابق قد خلدوا إلى الراحة في وقت متأخر جدا و بعد مسيرة طويلة و شاقة، انطلقت القافلة في الساعة السادسة و الربع. أما أنا فقد قمت أولا بفحص الكومة الركامية لتل الشرابة و لكني لم أعثر على سطحها الخارجي على أي شي‏ء يلفت الانتباه ثم تبعت القافلة المحروسة بشكل جيد من الجنود و رجال شمر بعد ساعتين من انطلاقها. بعد وقت قصير ظهرت على اليمين عدة تلال على الجانب الآخر من النهر، و في الساعة التاسعة و النصف أصبح على يميننا تل حمدة. في خريطة هاوسكنيشت رسم تل سمّي «تل الأحمدي» و هو دون شك نفس تل حمدة هذا، غير أنه مرسوم على الخريطة في موقع بعيد جدا إلى الجنوب؛ و على أي حال فهو مرسوم في موقع صحيح في الاتجاه فقط أما المسافة فقد أسي‏ء تقديرها جدا. و كان هاوسكنيشت قد سار ساعات قليلة فقط بمحاذاة نهر الجغجغ ثم اضطر بعد ذلك، بسبب المستنقعات الكبيرة، إلى الانعطاف نحو الشرق على الجهة الشرقية من النهر.

[سيل أبو راسين فى الطريق الى نصيبين‏]

في الساعة 11 وصلنا إلى «سيل أبو راسين» المستنقعي الشكل (و هو جدول يتشكل من نبعين)، و هو على الأرجح نفس الجدول المزدوج المرسوم هنا على خريطة هاوسكنيشت ثم المعتبر مجهولا في مجراه الأبعد. و تشير كمية المياه الكبيرة التي رأيناها هنا و المظهر العام لمجرى الجدول إلى أن سيل أبو راسين يجب أن يكون مصدرا مائيا مهما لا سيما أنه قادم من مسافة أبعد. في جوار

49

الجدول مباشرة شاهدنا مخيمات للبدو. و شاهدنا أيضا أبقارا، و هي الأولى التي نشاهدها منذ أن غادرنا الضمير الواقعة على بعد مسيرة يوم واحد إلى الشرق من دمشق. في الزاوية المتشكلة بين سيل أبو راسين و الجغجغ كان يقع على يمين طريقنا تل أثري كبير هو تل الذهب. و قد لفتت انتباهنا على الفور الخصوبة غير العادية للتربة، و هي ظاهرة بكل وضوح حتى في هذه الأوقات على الرغم من أنه لا تبذل أي جهود لري الأراضي على الرغم من وجود كميات وافرة من المياه في نهر الجغجغ و العديد من الجداول الصغيرة. إذ من الممكن بكل سهولة تحويل منطقة الجغجغ الأعلى إلى أراض زراعية من الدرجة الأولى. و مما يبرهن على ذلك الغطاء النباتي الشديد النمو الذي نجده في كل مكان تصل إليه الماء لا بل إن الناس يزرعون حتى الأرز في المناطق المجاورة لنصيبين.

[بيوت بدو من قبيلة طي‏ء]

في الساعة 11 و 50 دقيقة شاهدنا إلى الشرق من النهر، على السفح الشمالي لمرتفع متموج، قرية غير مأهولة تابعة لبدو من قبيلة طي‏ء. و كانت بعض البيوت الحجرية في القرية تتميز بحجمها الكبير نسبيا. و كانت قبيلة طي‏ء قد بنت هذه البيوت قبل بضعة أعوام بناء على طلب الحكومة التركية لكنها فضلت العيش بالقرب منها في الخيام.

[مجرى الخنيس الذراع الغربي للجغجغ‏]

في الساعة الثانية عشرة اجتزنا مجرى مائيا عرضه عدة أمتار اسمه خنيس و هو الذراع الغربي للجغجغ الذي يتفرع عنه على مسافة قريبة من نصيبين شمال غرب المدينة. و قبل مسافة قصيرة من تقاطع طريقنا مع الجدول كان الجدول قد التف في نصف دائرة نحو الجنوب حول هضبة مهمة إلى حد ما واقعة على يسارنا اسمها «تل أبو ذويل».

[تل الحاج بدر و هضبة تل طرطب و تل فارس‏]

و في حوالي الساعة 12 و 20 دقيقة كان على يميننا بعيدا بعض الشي‏ء تل الحاج بدر، و في الساعة الواحدة، على اليمين أيضا و إلى الشرق، هضبة تل طرطب و تل طراطب، و بعد عشر دقائق على يسارنا في الغرب تل فارس الذي تنتشر على سفحه قرية حديثة البناء.

[الوصول إلى مدينة نصيبين‏]

في هذه الأثناء كنا قد تجاوزنا قافلتنا و وصلنا في الساعة الثانية إلى مدينة نصيبين التي كانت قد ظهرت أمامنا منذ فترة من الزمن مع أعمدتها القديمة المنطلقة من تلال ركامية ضخمة.

بوصولنا إلى هذه المدينة الجديرة بالاهتمام و التذكر كنا قد قطعنا مرحلة هامة

50

من رحلتنا.

[كنيسة القديس يعقوب‏]

بعد دخولنا في حقل آثار المدينة القديمة، البارز بجلال فوق الأرض الصحراوية و المؤلف من مرتفعات مختلفة، توجهنا إلى الكنيسة القديمة التي فيها ضريح القديس يعقوب مؤسس الطائفة الدينية اليعاقبة. هذه الكنيسة المبنية من حجارة ضخمة مربعة تعود أساساتها على الأرجح إلى ما قبل العصر المسيحي حيث كانت معبدا وثنيا في البداية ثم أصبحت كنيسة مسيحية في وقت لا حق؛ و يذكرنا غناها من الداخل بالزخارف الكورنتية (العنقودية) بالمعابد الموجودة في بعلبك و تدمر. يتألف داخل الكنيسة من ثلاث سفن كبيرة حافظت اليمنى على وضعها بشكل أفضل من الأخريين. و للأسف الشديد كانت الإضاءة ضعيفة جدا إلى درجة أن المرء لا يرى إلا بشكل سيئ الزخارف و تيجان الأعمدة. و كان هناك سطران من الكتابة الإغريقية تحت الباب‏ (1) مشوهان إلى درجة يصعب معها استخلاص أي شي‏ء محدد منهما. على الجانب الأيمن من الكنيسة اليمنى يوجد درج يؤدي نحو الأسفل إلى السرداب الذي يحتوي على الضريح الحجري الكبير للقديس يعقوب‏ (2). و كما هو الحال كثيرا في الشرق فإن المسلمين أيضا يكرمون هذا القديس المسيحي.

تنتصب الكنيسة عميقا في ركام حقل الآثار المحيط بها و الذي أزيل فقط عن الجهتين الغربية و الشرقية للمبنى و فسح المكان لتيجان الأعمدة و غيرها من الحجارة المزخرفة التي تم العثور عليها. و على الجهة الشرقية استخدم مؤخر سطح الكنيسة لبناء مسكن لأسقف اليعاقبة مؤلف من عدة طوابق. و كان الأسقف الحالي يدعى سيريلوس مطران حنا. عند زيارتي له فيما بعد وجدت عنده شماسين، أحدهما يدعى شماس أفرايم و الآخر شماس سيمون: أهدياني مخطوطا عربيا صغيرا يحتوي في جزئه الأول على قائمة بالأقسام الخمسة التي كانت تتألف منها منطقة شمال ما بين النهرين في عصر، كما يبدو، ازدهار المسيحية هناك في مرحلة للأسف غير محددة، إلى جانب إحصائية غير دقيقة

____________

(1) انظر بادجر، النساطرة و شعائرهم الدينية، لندن 1852، الجزء الأول، ص 67.

(2) انظر بارّي، ستة أشهر في دير سوري، لندن 1895، ص 225 و ما يليها و ص 331 (مع صور من الكنيسة).

51

للأديرة و الرهبان. و يحتوي الجزء الثاني على عدد من الملاحظات التاريخية و منها، مثلا، عن دخول سكان أزناور في الإسلام عام 1279 م. بالإضافة إلى ذلك تحتوي المخطوطة على وصف للاضطهاد على يد الأتراك و للأحداث المأساوية البارزة. و كانت آخر الملاحظات تتحدث عن المجاعة التي حدثت عام 1880. و قد سجلت التواريخ حسب الحساب السلوقي الذي لم يزل يستعمل حتى اليوم لدى يعاقبة سورية و خاصة لدى الرهبان.

من سطح بيت الأسقف يطل الناظر على مشهد جميل للمنطقة المجاورة، على حقل آثار المدينة القديمة و أكواخ و حدائق المدينة الحديثة. و باتجاه الشمال يقع النظر على منظر جميل لجبال طور عابدين الممتدة من الغرب نحو الشرق، و في الجنوب تمتد سهول الرافدين اللامتناهية، و في الجنوب الشرقي تظهر المرتفعات الزرقاء لجبل سنجار.

[آثار نصيبين‏]

على مسافة غير بعيدة عن الكنيسة باتجاه الجنوب الغربي تنتصب الأعمدة القديمة المذكورة سابقا، رمز مدينة نصيبين و علامتها المميزة، و عددها خمسة، و المزينة بتيجان كورينتية و لا يزال اثنان من الأعمدة يحملان جسرا، و على عمود آخر بنى زوج من طيور اللقلق عشه. و في مكان أبعد في الجنوب الغربي لم تزل آثار السور القديم ظاهرة، و هنا على الأقل يبرز حقل الآثار بشكل حاد فوق الأرض الصحراوية. و لكن لا يظهر فوق سطح الأرض بقايا مباني أو بوابات تدل على الغرض الذي كانت تستعمل من أجله.

يتفرع الجغجغ فوق المدينة إلى فرعين يسمى الفرع الأول، كما سبق و ذكرنا خنيس و يمر في الجزء الغربي من المدينة القديمة بينما يمر الفرع الآخر في الجزء الشرقي منها. و يمتد فوق الفرع الشرقي للنهر جسر له 12 قنطرة يعود على الأرجح إلى العصور القديمة. و هو يبعد نصف ساعة تقريبا عن الكنيسة اليعقوبية؛ و لكي يصل إليه المرء يتعين عليه عبور ما يسمى بازار المدينة المؤلف من عدة صفوف من الأكواخ الطينية المنخفضة. و إذا ما كانت المدينة القديمة، و هذا غير مستبعد، قد وصلت حتى الجسر فهذا يعني أنها كانت واسعة جدا. لم نشاهد على الجسر، الذي نصبنا مخيمنا بجانبه، أي كتابات أو زخارف. و في بيوت المدينة الحديثة يجد المرء كثيرا من بقايا الأعمدة و التيجان التي استعملت في البناء. و لو تم الحفر في‏

52

الهضاب الركامية التي يوجد تحتها، كما يبدو، على عمق كبير مدينة قديمة أخرى لتم التوصل بالتأكيد إلى نتائج مهمة لا سيما أن نصيبين هي من أقدم و أهم مدن شمال منطقة ما بين النهرين و أنها قد عاشت 1500 سنة بعد سقوط نينوى.

لا تحتوي مدينة نصيبين الحالية ضمن بقعتها سوى جزء صغير من حقل الآثار. إلى الشمال من الكنيسة اليعقوبية يمتد أولا الحي المسيحي و اليهودي ويليه الحي الإسلامي الذي تفصله عن الأول ساحة فارغة. و قد يبلغ العدد الإجمالي لبيوت المدينة 300- 400 بيت من البيوت البسيطة و الفقيرة فعلا يسكن المسلمون نصفها (1) تقريبا. أما النصف الآخر فيسكنه المسيحيون (معظمهم يعاقبة) و اليهود. و على الجهة الغربية تمتد حدائق رائعة على ضفاف نهر خنيس.

و على الضفة اليسرى لهذا الفرع من النهر يوجد جامع قديم صغير و إلى جانبه مباشرة آثار مبنى يشبه القلعة يعود إلى العصر العربي القديم كما يبدو و يتميز بجدران متينة و قباب و يستعمل حاليا كمقهى. مقابل المبنى الأثري توجد ثكنة عسكرية أكبر تشبه الحصن مربعة الشكل، و هي نفس الثكنة التي تحدث عن بنائها، أثناء حرب تركيا مع قوات إبراهيم باشا المصرية، الضابط البروسي مولباخ، مرافق مولتكه الكبير، خلال إقامته آنذاك في تركيا الآسيوية (2). خلال وجودي هناك لم يكن يوجد قوات نظامية في المدينة؛ كانت الحامية بكاملها تتألف مما لا يزيد على 10- 15 عنصرا من الظابطية. و يمثل الحكومة التركية حاليا في نصيبين قائمقام لا يتميز المبنى الرسمي الذي يقيم فيه عن بقية الأكواخ الطينية في المدينة إلا بكونه مؤلف من طابقين.

[تاريخ نصيبين‏]

حسب الأبحاث التي أجريت حتى الآن ورد اسم نصيبين لأول مرة في العهد الآشوري. ففي القوائم الإدارية للمنطقة و العائدة لعام 816 ق. م. ورد ذكر

____________

(1) يقدر زاخاو (نفس المرجع السابق، ص 391) عدد البيوت عام 1879 بحوالي 200 بيت، منها 20 بيتا سوريا فقط؛ أما باري (نفس المرجع السابق، ص 214) فقد وجد عام 1892 300 بيت إسلامي، و 150 بيتا يهوديا، و نحو 30 بيت يعقوبيا.

(2) انظر ريتر، نفس المرجع السابق، ص 434؛ انظر أيضا فون مولتكه، رسائل عن الأوضاع في تركيا في الأعوام 1835- 1839، الطبعة السادسة، برلين 1893، ص 260.

53

لحاكم مدينة نصيبين الآشوري‏ (1). و تفيد الكتابات الآشورية التي يرد فيها كثيرا ذكر المدينة بأن نصيبين كانت عاصمة منطقة في المملكة الآشورية. و بعد سقوط نينوى، زهاء 606 قبل الميلاد، انتقلت السيادة على المملكة الآشورية بما فيها نصيبين إلى البابليين، و بعد سقوط المملكة البابلية العالمية، حوالي عام 586 ق. م.، انتقل الإرث البابلي، في الجزء الشمالي أيضا من منطقة ما بين النهرين، إلى المنتصر، الملوك الأخمينيين الفرس. و بسقوط الامبراطورية الفارسية في عهد آخر ملوكها داريوس أصبح الإسكندر المقدوني سيدا على بلاد ما بين النهرين.

و بعد وفاة الإسكندر تفككت مملكته العملاقة بالسرعة الكبيرة التي نشأت بها، و شكل قادة جيوشه من أجزائها المتناثرة ممالك خاصة بهم. و كانت منطقة ما بين النهرين في بادئ الأمر من نصيب سلوقس الذي كان مقيما على نهر دجلة ثم الأسرة السلوقية الحاكمة التي أسسها.

لا تتوفر لدينا سوى معلومات قليلة عن نصيبين في ذلك الوقت. كانت المدينة تشكل مع محيطها مستعمرة إغريقية مزدهرة ضمن المملكة السلوقية تحت اسم أنطوخية المقدونية (2)، لكن هذا الاسم اختفى فيما بعد عند ما احتلها الرومان. و في القرن الأخير قبل الميلاد ظهرت في شمال ما بين النهرين فجأة امبراطورية كبيرة تصفها كتب التاريخ عادة بأنها أرمنية؛ على الأقل يحمل حكامها أسماء أرمنية. في هذه المرحلة يعود كتّاب التاريخ إلى ذكر مدينة نصيبين. في النصف الأول من القرن الأخير قبل الميلاد ثبّت الرومان أقدامهم في الشرق الأدنى و سرعان ما اصطدموا بهذه المملكة الأرمينية و مملكة الفرثيين الناشئة حديثا من أنقاض الامبراطورية الفارسية القديمة و المملكة السلوقية في منطقة ما بين النهرين. في عام 68 ق. م. تقدم القائد العسكري الروماني لوكولوس من أرمينيا عبر الفرات الأعلى إلى شمال ما بين النهرين و هزم الملك الأرميني‏

____________

(1) انظر شرادر، الكتابات المسمارية و العهد القديم، الطبعة الثانية، غيسن 1883، ص 480.

(2) انظر كيبرت، الجغرافيا القديمة، ص 155؛ يلينيوس، ملاحظات تاريخية، الجزء الأول، ص 16.

54

تيغرانس و استولى على العاصمة تيغرانوسرتا (1): التي كان قد بناها بنفسه ثم توجه بعد ذلك إلى نسيبيس، حسبما كان يسميها الرومان، حيث كان أخو الملك تيغرانس يتولى قيادة الجيش. و بعد حصار طويل سقطت المدينة التي كانت كما يبدو شديدة التحصين آنذاك و نصب القائد العسكري الروماني معسكره الشتوي فيها. لكن إقامته في المنطقة التي احتلها من بلاد ما بين النهرين لم تدم طويلا لأن هزيمة أحد قادته أمام الملك متراداتس في منطقة بونتوس اضطرته إلى العودة إلى آسيا الصغرى أما الحملات الأخرى التي جاءت بعد هذا الظهور الناجح الأول للرومان في منطقة ما بين النهرين فلم تكن لها نتائج دائمة. إذ إن كراسوس الذي خطط لاحتلال بلاد ما بين النهرين بكاملها مني خلال زحفه بهزيمة نكراء في وقت مبكر و ذلك في أقصى الزاوية الشمالية الغربية من البلاد عند قرة حران و قتل هو نفسه على يد الفرثيين (عام 53 ق. م.). ثم فشلت محاولة احتلال أخرى قام بها أنطونيوس في عام 41 ق. م. (2). في هذه الأثناء كانت قد استقرت المملكة الأرمنية بقيادة فرع جانبي للفرثيين الأرشاكيين‏ (3) بين الإمبراطوريتين العالميتين الرومانية و الفرثية و شكلت على مدى أعوام طويلة عنصر النزاع بينهما. صحيح أن أنطونيوس نجح في فرض سيطرة النفوذ الروماني هنا، لكن أول من استطاع وضع شمال ما بين النهرين تحت الحكم الروماني فعلا كان الامبراطور ترايان. ففي عام 115 بعد الميلاد احتل أهم مدن البلاد و جعل من نصيبين قاعدة لعملياته اللاحقة ضد المملكة الفرثية (4). و قام بصنع السفن من أخشاب الغابات الواقعة شمال نصيبين و نقلها مجزأة على العربات إلى دجلة. غير أن خليفتي ترايان، هادريانوس و أنطونيوس بيوس المسالمين، أعادا جميع المناطق المحتلة إلى الفرثيين و أصبح نهر الفرات مرة أخرى يشكل الحدود بين الامبراطوريتين العالميتين.

____________

(1) انظر زاخاو، عن الوضع في تيغرانوسرتا، دراسات الأكاديمية الملكية للعلوم في برلين، 1880، ص 38.

(2) انظر مومزن، تاريخ روماني، الجزء الخامس، ص 364 و ما يليها.

(3) انظر كيبرت، نفس المرجع السابق، ص 76.

(4) انظر مومزن، نفس المرجع السابق، ص 400.