نزهة الأنام في محاسن الشام‏ - ج1

- عبد الله بن محمد البدري المزيد...
392 /
1

-

2

مقدمة الناشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله وحده و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم‏

أما بعد فان من الكتب اللطيفة التي عثرنا عليها بين مخطوطات بغداد دار السلام هذا الكتاب المسمى:

نزهة الأنام، في محاسن الشام‏ و قد وجدناه من الكتب الجامعة بين لذة الادب من منثوره الى منظومه، و بين ملح التاريخ من خصوصه الى عمومه.

و فضلا عما فيه من لذة و فائدة فانه يصلح أن يكون نموذجا صحيحا لروح الأدب في القرن التاسع الهجري‏

و لما كانت غوطة دمشق- التي استوحى منها المؤلف موضوع كتابه- من أبدع مجالي الجمال الطبيعي فى العالم، بل ربما كانت البقعة المتفردة بجمالها في عصر المؤلف؛ فان ما انطوى عليه هذا الكتاب من الكلام عليها، و وصف الشعراء و الادباء لأزهارها و أثمارها، و الاشارة الى ضواحيها و نواحيها؛ لما يشوق الاديب الاطلاع عليه‏

3

ان المدينة التي اختصها البدري بكتابه هذا هي اقدم مدينة ثبت عمرانها على وجه الدهر، و نقل ياقوت في معجم البلدان قول ابي بكر الخوارزمي: جنان الدنيا أربعة؛ غوطة دمشق، و صغد سمرقند، و شعب بوّان، و جزيرة الابلة. قال: و قد رأيتها كلها، و أفضلها دمشق‏

قال ياقوت: و جملة الأمر انه لم توصف الجنة بشي‏ء إلا و في دمشق مثله. و من المحال ان يطلب بها شي‏ء من جليل اعراض الدنيا و دقيقها الا و هو فيها اوجد من جميع البلاد

و لا حظنا عند العزم على طبع الكتاب أن في النسخة البغدادية نقصا فسعينا لاستكمالها من النسخة المخطوطة في دار الكتب المصرية (رقم 494 من كتب التاريخ) و عليهما اعتمدنا في نشره طالبين من اللّه تعالى العون و التوفيق‏

بغداد نعمان الاعظمي‏

صاحب المكتبة العربية

4

[خطبة مؤلف و الحنين الى دمشق‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و به نستعين

الحمد لله الذي جعل الشام في وجه الارض شامة خضرا، و زان عاطله بحالي عيون تروي قلب الصادي و تشرح له صدرا. و أجرى ماءها الفضي على ثراء كالذهب، و حلى به حصباء در لم يكن فيه مخشلب. و أدار من الماء خلاخيل على سوق أصول الاشجار، و قلد أجياد فروعها بيواقيت اثمار توجت رءوسها بأكليل جواهر الازهار. و أرسل كف النسيم بمشط المطر فسرح فروع رءوس عرائس الغصون، و جملها بحلل ذات اكمام من سندس أخضر و معصفر صبغة صنعة من هم له ساجدون‏

5

أحمده حمدا كثيرا حيث صبح اللوز بامره على بعضهن عاقد، و بعضهن أثقلها الحمل من الجوز فامست بارادته بعد قيامها تتقاعد. و بعضهن من باسقات النخيل من طرحت بقدرته ثمرة الفؤاد. و اجرى لطفه في بعضهن حيث ارتخت نهودها كالرمان هائمة بحضنهن في كل واد

و أشكره شكرا مزيدا مذ عطف العلل على طفل أمهات السفر جل فيرضعه و هو يشرب، و أسبل ستره على من رفعت كفوفها كورق الكرمة لما امتدت و عليها العنب زبب. و منهن من عمها بالحيا فاحمر خدها كالتفاح.

و منهن من نكست رأسها من الهيبة كالكمثرى فاكسبها عرفا طوت شقق نشره أيدي الرياح‏

سبحانه أوجد بها اجناسا ذات انواع تسقى بماء واحد.

و جاد لعليلها من انواء السحاب و شعاع النيرين بصلة و عائد.

فجعل قطوفها دانية لأحبائه، و قدّس أرضها اذ هي مرتع و مربع لاصفيائه. و حباها لسكنى الانبياء، و اختارها موطنا لعباده الاولياء

6

و أشهد أن لا إله الا اللّه وحده لا شريك له شهادة عبد تقي يرجو بها في غد التفكه في رياض الجنان مع مزيد الانعام، و أشهد أن محمّدا عبده و رسوله الذى اخترق السبع الطباق بنور أضاءت منه قصور بصرى من أرض الشام. ذو الشرف الاعلى السني الجبهة الواضح الجبين. الذي أنزل عليه «و آونياهما الى ربوة ذات قرار و معين»

اللهم فصل و سلم عليه ما دامت الشام عامرة بحديثه الشريف الماحي لصور الكفر الواهية. و على آله و أصحابه الذين تعاونوا على البر و التقوى في فتحها فمنهم من أخذ شطرها الشرقي عنوة و منهم من اخذ الشطر الغربي صلحا من باب الجابية

و بعد فقد سألتنى أيها الاخ الامجد، و الحبيب الاسعد.

العاشق في محاسن الشام على السماع، و المتشوّق المتتوّق الى بديع مرآها المشنف ذكره للاسماع. أن اعللك بخبرها لعدم العيان، و ان اقربها اليك بوصف يلذه قلب الهائم الولهان. و هل أنا إلّا قسيمك في الشوق و الهيام، و حليفك‏

7

في الحب و الغرام‏

و ليس بتزويق اللسان و صوغه‏* * * و لكنه ما خالط اللحم و الدماء

غير اني رميت منها بعد الوصل بقطيعة صدها، كاني اذنبت في حالة القرب فادّبتني بهجرها و بعدها

عشنا زمانا و ليس الوصل يقنعنا* * * و اليوم أدنى خيال منك يرضينا

أي و اللّه‏

و ما قلت ايه بعدها لمحدث‏* * * من الناس الا قال قلبى آها

كيف لا و هو

بلد صحبت به الشبيبة و الصبا* * * و لبست ثوب العز و هو جديد

فاذا تمثل في الضمير رأيته‏* * * و عليه أغصان الشباب تميد

أستغفر اللّه هي مسقط رأسي، و مجمع أهلي و ناسي.

8

و ملعب خلانى و اخواني‏* * * سقا اللّه شاما كان فيها اجتماعنا

بأحبابنا النائين مغدودقا سكبا* * * و روى ثراها من دموعي مسبل‏

كبحر فاني أستقل لها السحبا* * * منازل أحبابي و مربع جيرتى‏

و أوطان اخواني و من كان لي تربا* * * لعمري لئن شط المزار و أصبحت‏

منازلهم شرقا و منزلنا غربا* * * فاني على بعد الديار و قربها

أسرّ لهم حبا و أبدي لهم حبا* * * يهيج أشواقي من البرق لامع‏

و يبعث اشجاني النسيم اذا هبّا* * * و يذكرني ليلات وصل تصرّمت‏

حمام النوى نوحا فاسعده ندبا

9

ليالي اعطيت البطالة حقها* * * و رحت بما يقضيه حكم الصبى صبّا

اعاطي الهوى الصحب الكرام و بيننا* * * أحاديث آداب أرقّ من الصهبا

عسى ما مضى من شملنا أن نعيده‏* * * و نصبح في أفق و نمسي به شهبا

كيف اخفي ذلك، و قد سبق في علم اللّه ما كان حمدا و شكرا على حب الوطن، فانه من الايمان‏

و ما عن رضى كانت سليمى بديلة* * * بليلى، و لكن للضرورات أحكام‏

نعم‏

شكوت و ما الشكوى لمثلي عادة* * * و لكن تفيض العين عند امتلائها

فأجبتك أيها السائل اذ هيجت عندي من الدموع بحار الاشتياق. و واسيتك أيها العاشق اذ أتيتك بخبر المعشوق و لعل الخبر يكون و ضله في التلاق، و قد فصلته‏

10

لك في هذه الاوراق. و هو من جملة ما عندي، و قدمت لحضرتك السامية ثروة ما ملكه اللّسان من جواهر حفظها القلب في صندوق الصدر و أوردتها بخط يدي. و ما هي الاصبابة من صب، و قطرة من جفن نازح حب‏

و ما تناهيت في بثي محاسنها* * * الا و أكثر مما قلت ما أدع‏

لعامي أن محاسن (دمشق) كثيرة لا تستقصى، و أوصاف صفاتها تتضاعف أعدادها و لا تحصى. قصرت عن استيفائها أرباب التواريخ المطولة الحسنة، و حفيت سوابق فحول أقلامهم في ميادين الطروس أن يدركوا حصر بعضها في مصنفاتهم المدونة. لكن بحمد اللّه جاءت هذه النبذة حديقة يترنح بها الخاطر، و يتنزه فيها الناظر* و لهذا سميتها

[متن الكتاب‏]

نزهة الانام* في محاسن الشام‏ و اللّه تعالى أسأل أن يعوضنا عن ضيق هذه الدنيا الجافية، بالدخول الى جناته الواسعة الرفيعة، و ان يمتعنا

11

فيها بفاكهة كثيرة لا مقطوعة و لا ممنوعة. ان شاء اللّه تعالى بكرمه و منه و أمنه و يمنه‏

[فمن محاسن الشام ما ورد فيها]

من رواية ابي داود في سننه عن عبد اللّه بن حوالة قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) «انكم ستجندون بعدي أجنادا ثلاثة جندا الى اليمن. و جندا الى الشام. و جندا الى العراق» قال عبد اللّه «خر لي يا رسول اللّه» قال «عليك بالشام. فانها خيرة اللّه في أرضه يجتبي اليها خيرته من عباده. و ان اللّه قد تكفل لي بالشام و أهله» قال أبو ادريس الخولاني و من تكفل اللّه به فلا ضيعة عليه‏

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) «ستفتح عليكم الشام فعليكم بمدينة يقال لها (دمشق) هي خير مدائن الشام، و فسطاط المسلمين بأرض منها يقال لها الفوطة

و قال ابو هريرة رضي اللّه عنه: «أربع مدائن من مدائن الجنة و أربع مدائن من مدائن النار. فأما مدائن الجنة فمكة و المدينة و بيت المقدس و دمشق، و أما مدائن النار فالقسطنطينية و طبرية و انطاكية المحترقة و صنعاء»

12

قال ابو عبد اللّه السقطي ليس هي صنعاء اليمن و انما هي صنعا بأرض الروم. و انطاكية المحترقة انما سميت بذلك لان العباس بن الوليد بن عبد الملك أحرقها. و هو من فضائل الشام للربعي. و هو عند كعب الاحبار أيضا من طريق آخر. انتهى‏

و الحديث المبدأ به رويناه من حديث أبي مسهر عبد الاعلى بن مسهر عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبى ادريس الخولانى عن عبد اللّه بن حوالة الأزدي رضي اللّه عنه. قال شيخ الاسلام و أمير المؤمنين في الحديث شهاب الدين احمد بن حجر (رحمه اللّه تعالى) و هو حديث حسن مسلسل بالدمشقيين و هو عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) قال «انكم ستجندون أجنادا. جندا بالشام. و جندا بالعراق. و جندا باليمن» قال الحوالي «خر لي يا رسول اللّه» قال «عليكم بالشام فمن أبى فليلحق بيمنه و يسق من غدره فان اللّه قد تكفل لي بالشام و أهله» فكان أبو ادريس الخولاني اذا حدث بهذا الحديث التفت الى ابن عامر فقال «من تكفل اللّه تعالى به فلا ضيعة عليه» انتهى و اللّه تعالى أعلم‏

13

و من محاسن الشام هذا الحديث القدسي الذي ورد فيها عن كعب الاحبار رضي اللّه عنه قال «انا نجد في كتاب اللّه تعالى يعني التوراة أن الارض على صفة النسر فالرأس الشام و الجناح الايمن الغرب و الجناح الأيسر الشرق و هو العراق و خلف العراق أمة يقال لها واق و خلف واق أمة يقال لها واق واق. و خلفها من الأمم ما لا يعلمه الا اللّه تعالى. و الظهر السند و خلف السند الهند. و خلف الهند أمة يقال لها مسند و خلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه الا اللّه تعالى. و الذنب اليمن فلا يزال الناس بخير ما لم يقرع الرأس فاذا قرع الرأس هلك الناس»

[اشتقاق اسم الشام‏]

قال بعض الشراح و المؤرخين و المفسرين انما سميت الشام شاما لان قوما من بني كنعان نزلوها فتشاءموا اليها فسميت شاما لذلك‏

و قالت طائفة انما سميت شاما لما تشاءم لها (1) أهل اليمن من يمنهم كما يقال تيامنوا و تياسروا فسميت بذلك‏

____________

(1) كانت في الاصل «لما تشاءموا لها .. الخ»

14

و قال قوم انما سميت شاما لأن بني اسرائيل قتلوا بني كنعان و نفوا ما بقي منهم فصارت لهم، ثم وثب الروم على بني إسرائيل فقتلوهم و أجلوا من بقي عنها الى العراق الا قليلا منهم. ثم جاءت العرب فقتلت الروم و سبتهم و هرب من سلم منهم الى بلاد الروم، و استمرت بيد أولاد العرب الى يومنا هذا

قال الجوهري يذكر و يؤنث و رجل شآمي و شآم على فعال و شامي أيضا حكاه سيبويه رحمة اللّه تعالى عليه و لا تقل شأم و ما جاء في ضرورة الشعر محمول على أنه اقتصر من النسبة على ذكر البلد و امرأة شامية و شامية مخففة الياء

و نقلت من خط اللغوي أحمد بن مطرف من الجزء الثاني من كتابه المسمى بالترتيب في الاخبار و الاعاجيب أن في الشام قولين أحدهما أنه يجوز أن يكون مأخوذا من اليد الشومى و هي اليد اليسرى و اليمنى اختها فالشومى من الشوم و اليمنى من اليمن. و قالت العرب:

15

فأنحى على شؤمى يديه فذادها* * * باظمأ من فرع الذؤابة اسحما

اظمأ أفعل من الظما و شؤمى مقصور مهموز و يجوز أن يكون فعلى من الشوم‏

و يجوز أن يكون فيه قول ثالث و هو أن يكون جمع شامة و الشامة العلامة. يقال شامة و شام مثل حاجة و حاج. و الرجل أشأم اذا كان ذا شامة و حقيقة الشامة أن تكون مخالفة للون سائر الجسم. قال الجاحظ و أطلقت الشامة على النكتة من أي لون كان في أي لون كان اضعافها. الا ترى قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما نزلت‏ «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ‏- الى قوله- وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ» قال عمران بن الحصين انزلت هذه الآية و هو في سفر قال «أ تدرون أي يوم ذلك» قالوا «اللّه و رسوله أعلم» قال «ذلك يوم يقول اللّه لآدم ابعث بعث النار» قال «يا رب و ما بعث النار» قال «تسعمائة و تسعون الى النار و واحد الى الجنة» فانشأ المسلمون يبكون: فقال‏

16

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) «قاربوا و سددوا فانه لم تكن نبوّة قط الا كان بين يديها جاهلية فيؤخذ ذلك العدد من الجاهلية فان تمت و الا كملت من المنافقين. و ما مثلكم و مثل الامم الا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير».

ثم قال «اني لارجو أن تكونوا ربع اهل الجنة» فكبروا ثم قال «اني لارجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبروا ثم قال «اني لارجو ان تكونوا نصف اهل الجنة» فكبروا ثم قال و لا أدري قال الثلثين أم لا رواه الترمذي.

فانظر اليه (صلّى اللّه عليه و سلم) كيف اطلق الشامة و جعلها في جنب البعير.

و البعير قد يكون ازرق أو أحمر و غير ذلك. و ما الغرض الا النكتة القليلة من أي لون كانت في جنب البعير من أي لون كان. ا لا تراهم يقولون أرض الشام و الشام جمع شامة

و ذهب بعضهم الى تسميته شاما لشامات له يعني اختلاف اراضيه في الوان ترابها و قد علمت أن بعض ترابه أبيض و أسود و أحمر و أصفر و بعضها اكدر. و يختلف كل لون منها في ذاته بالاشدية و الاضعفية اختلافا كثيرا

17

فصحّ أن اطلاق الشامة هاهنا لكونها نكتة في الارض اذ الشام بمجموعه لو كان لونا واحدا لكان كالنكتة الخفيفة الخفية في أديم الارض. ثم انهم تجاوزوا في استعمال الشامة الى ان اطلقوها على غير اللون فأطلقوها على كل شي‏ء قليل في نوعه فقالوا: فلان في قومه شامة. اما لمزيته عندهم بالكرم أو بالحلم أو بالشجاعة أو بغير ذلك من الصفات الحميدة. و منه قول ابن الساعاتي:

لو لا صدودك يا امامه‏* * * ما بت اندب عهد رامه‏

ابكي ليالي غبطة* * * كانت لخدّ الشام شامه‏

فتأمل كيف أطلق الشامة على لياليه التى قطعها بالشام لأنه استلذ زمانها و استطاب أوقاتها من بين الليالي كلها. انتهى‏

و من محاسن الشام ما يروى عن كعب الاحبار رضي اللّه عنه أنه قال: ما بعث اللّه نبيا الا من الشام فان لم يكن من الشام هاجر الى الشام. و بها رأس يحيى ابن نبي اللّه زكريا (عليهما السلام) بين الاساطين‏ (1) من الجانب الشرقي‏

____________

(1) كانت في الاصل «الاساطوين»

18

بالجامع الاموي. قباله هود (عليه السلام) في الجدار القبلي قبره. انتهى‏

[و من محاسن الشام بناؤها و دمشقتها]

قال وهب بن منبه: دمشق بناها العازر غلام ابراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام و كان حبشيا و هبه له نمرود بن كنعان‏

و قال أبو الحسن الرازي: رأيت في الكتاب الذي سماه أبو عبيدة (كتاب فضائل الفرس) أن بيوراسف الملك بنى مدينة بابل و مدينة دمشق‏

و في جزء الدمشقيين ما حكاه أبو الخير العراقي قال كان في زمان معاوية بن أبي سفيان رجل صالح بدمشق و كان يقصده الخضر (عليه السلام) في أوقات للزيارة فبلغ ذلك معاوية فجاء اليه و قال بلغني أن الخضر يأتيك فأحب أن تجمع بيني و بينه فقال له نعم فلما جاء الخضر (عليه السلام) على العادة قال له الرجل ان معاوية سأله الاجتماع به‏ (1) فقال الخضر

____________

(1) كانت في الاصل «بك»

19

(عليه السلام) لا سبيل الى ذلك قال معاوية قل له قد اجتمع على أفضل الخلق و حدّثه و جلس معه و هو سيد الأولين و الآخرين (صلّى اللّه عليه و سلم) و لكن سله عن ابتداء (دمشق) كيف كان قال الرجل فسألته قال صرت اليها فرأيت موضعها بحرا تستجمع فيه المياه ثم غبت عنها خمسمائة عام ثم صرت اليها فرأيتها قد ابتدي‏ء فيها بالبناء و نفر يسير بها

و نقل ابن عساكر (رحمه اللّه تعالى) في فتوحه قال:

وجدت بخط أبي الفرج الاصفهاني فيما ذكر انه نقله من كتاب فيه اخبار الكعبة المشرفة و فضائلها و اسماء المدن و البلدان و اخبارها ثم ذكر مولد (1) ابراهيم الخليل (عليه السلام) على رأس ثلاثة آلاف و مائة و خمسين سنة من جملة الدهر الذي هو سبعة آلاف سنة و ذلك بعد بنيان دمشق بخمسين سنة. و نقل بعض المؤرخين بخمس سنين. قلت و هذا يناقض ما تقدم و اللّه سبحانه و تعالى اعلم‏

و قال صاحب عيون التواريخ ان الذي بناها غلام‏

____________

(1) في الاصل «مولود»

20

(الاسكندر) اسمه (دمشقش) و قيل (دمشق)

و ذلك لما رجع (الاسكندر) من المشرق، و عمل السد بين أهل خراسان و بين ياجوج و مأجوج، و سار يريد المغرب، فلما بلغ الشام و صعد على عقبة (دمّر) نظر الى هذا المكان الذي فيه اليوم (دمشق) فوجده واديا يخرج منه نهر جار و غيضة أرز فلما رآها ذو القرنين و رأى اجتماع الماء بواديها فأخذ الاسكندر لغلامه (دمشقش) فأمره أن ينزل بها و كان أمينه على جميع ملكه فنزل هو و الاسكندر في موضع القرية المعروفة (بيلدا) و هي من غيضة الأرز على ثلاثة أميال. و أمره ان يحفر في ذلك الموضع حفيرة فلما فعل ذلك أمر أن يردمها بالتراب الذي حفر منها فلما رد التراب اليها لم يملأها فقال للغلام ارحل بنا فاني كنت نويت أن أأسس في هذا المكان مدينة فبان لى ما يصلح ان يكون ههنا مدينة فانه ما يكفي اهلها زرعها فلما رحل الاسكندر عنها و صار الى (البثنية) و (حوران) و أشرف على تلك السعة و نظر الى أرضها

21

الحمراء فأمر بتناوله من ذلك التراب فلما لمسه بيده أعجبه و رأى لونه كالزعفران فامر بالنزول هناك و ان يحفر حفيرة فلما حفرت أمر برد التراب فردوه ففضل منه ثلثه فقال (الاسكندر) للغلام (دمشقش) ارجع الى الموضع الذي به الارز و انزل الوادي و اقطع الاشجار التي على حافاته و ابنها مدينة و سمها باسمك فهناك يصلح أن يكون مدينة و هنا يصلح أن يكون زرعها فانه يجزئها و يكون منه ميرتها.

يعنى المكان المسمى بحوران و البثنية. فرجع الغلام دمشقش الى الغيضة و اختط بها المدينة و جعل لها ثلاثة ابواب الأول (باب جيرون) و الثاني (باب البريد) و الثالث (باب الفراديس) و هذا القدر هو المدينة فاذا غلقت هذه الثلاثة الأبواب فقد اغلقت المدينة و تحصنت. و خارج الابواب مرعى و نبات و أعشاب و ما أشبه ذلك. و كان قد بنى له فيها كنيسة يعبد اللّه تعالى [فيها] و هي الموضع الذي هو الآن الجامع‏

و قيل إن الذي بنى الكنيسة اليونان. و قيل بل وسعوها هم و كبروها على ما هي عليه اليوم من الجامع المعمور

22

بذكر اللّه تعالى‏

و سكنها (دمشقش) و استمر بها الى أن مات فيها و به عرفت و سميت، غير ان طول الازمنة و تغير الاحوال و اختلاف الالسنة حذفت شينه و سكنت قافه فقيل (دمشق) و قيل انما اسمه دمشق و به سميت‏

و قال الجوهري دمشق المراد به السرعة و يجمع على دماشق و منه قول الهذلي:

دماشق يعفقن عفق السعالى‏* * * خفاف التوالي طوال الجزور (1)

و ناقة دمشق أي سريعة جدا و مثالها حضجر و منه قول الزفيان «و صاحبي ذات هباب دمشق»

قال الجوهري و (دمشق) هي قصبة الشام. انتهى.

و قال ابو مسهر عبد الأعلى راوي الحديث المتقدم ان الذي بنى حصن (دمشق) هو الذي حول أبواب (بيت المقدس) الى مسجدها و جعله على مساحته‏

____________

(1) لم نجد هذا في (الصحاح) و فيه الاسطر الثلاثة التالية:

23

و اليونان هم الذين وضعوا الارصاد و تكلموا على حركات الكواكب و اتصالاتها و مقارنتها و بنوا (دمشق) في طالع سعيد و اختاروا هذه البقعة الى جانب الماء الوارد بين هذين الجبلين، و صرفوا أنهارا تجرى الى الاماكن المرتفعة و المنخفضة و سلكوا الماء في أبنية الدور بها و بنوا هذا المعبد و كانوا يصلون الى القطب الشمالي فكانت محاريبه تجاه الشمال و بابه يفتح الى جملة القبلة حيث المحراب اليوم كما شاهدنا ذلك عيانا لما نقضوا بعض الحائط القبلي و هو باب حسن مبني بحجارة منحوته عن يمينه و يساره بابان صغيران بالنسبة اليه و كان غربىّ المعبد قصرا منيفا جدّا تحمله هذه الاعمدة التي بباب البريد و شرقيه باب قصر جيرون و هي «إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد» انتهى‏

[بناء قصرى جيرون و البريد]

و قال بعض المؤرخين الذي بني (باب جيرون‏ (1)) سليمان (عليه السلام) بنته له الشياطين و كان الذى تكفل‏

____________

(1) فى الاصل «الذي بباب جيرون»

24

بعمارته اسمه (جيرون) فسمى به‏

و قال بعض المؤرخين بناه (عاد) و قيل بل ولده (سعد) كان له ولدان احدهما اسمه (جيرون) و الآخر (بريد) فبنى لهما هذين القصرين على أعمدة و فتح لكل قصر منهما بابا الى المعبد فسمى كل واحد باسم صاحبه و هو أول من صنع المدينة و أحدث بها البناء و عمل‏

[لها الابواب دمشق:]

الاول (الباب الصغير) و هو الذي نزل عليه (يزيد بن أبى سفيان) في حصار المسلمين الروم و دخل منه. و سمى بذلك لانه كان أصغر أبوابها حين بنيت. و قيل يسمى (باب الجابية الصغير) و هو في قبلة البلد

الثانى (باب كيسان) و هو من شرقيّه و ينسب الى (كيسان مولى معاوية) لنزوله عليه قلت و هو الآن مسدود

و يليه الثالث و هو (باب شرقيّ) لانه شرقيّ البلد و عليه نزل (خالد بن الوليد) رضي اللّه عنه و منه دخل عنوة كما في التواريخ المطولة

و يليه الرابع و هو (باب توما) من شام البلد ينسب‏

25

الى عظيم عن عظماء الروم و سمي باسمه و كان له عليه كنيسة

و يليه الباب الخامس و هو المسمى (بباب الجنيق) منسوب الى رومي اسمه (الجنيق) و به تعرف (محلة الجنيق) كانت خارج البلد تسمى (الفراديس) و الفراديس بلغة الروم البساتين‏

و يليه السابع و هو (باب الجابية) منسوب الى (قرية الجابية) و كانت في الجاهلية مدينة عظيمة انتهى. و قال الحافظ ابن عساكر (رحمه اللّه) كان باب الجابية ثلاثة ابواب الاوسط منها كبير و من جانبيه بابان صغيران و كان الباب الشرقي بهذه الصفة لكونه مقابله و كان من الثلاثة الابواب ثلاثة اسواق ممتدة من الباب الشرقي الى باب الجابية

و كان الأوسط من الأسواق الثلاثة للمشاة من الناس، و أحد السوقين [لمن‏] يشرّق بدابة و الآخر لمن يغرّب بدابة حتى لا يلتقي فيهما راكبان‏

و الأبواب صوروها على الكواكب فزحل على باب كيسان و على الباب الشرقي صورة الشمس و على باب توما

26

الزهرة و على باب الجنيق القمر (1) و على باب الفراديس عطارد و على باب الجابية المشتري و على الباب الصغير المريخ‏ (2)

و كان من حكماء اليونان من اتخذ على باب الجابية صورة انسان مطرق الرأس كالمتفكر و من أعماله أنه اذا دخل أحد يريد بدمشق سوءا أو بأهلها فان ذلك الانسان يصر لأنينه الباب فيعلم به خدمة الباب و قوامه. انتهى‏

و المرحوم نور الدين محمود بن زنكي الشهيد افتتح لها بابا و سماه باب السلام‏ (3) و أحدث باب الفرج و سماه بذلك لما وجد الناس به من الفرج‏

قال ابن عساكر و كان بقربه باب يسمى باب العمارة فتح عند عمارة القلعة فسدّ و أثره باق الى يومنا هذا و أول‏

____________

(1) في ابن عساكر (1: 16) و باب الفراديس الآخر المسدود للقمر

(2) في ابن عساكر الباب الصغير للمشتري و باب الجابية للمريخ‏

(3) في الاصل «باب السلامة»

27

من بنى القلعة اقسر ابن آوق و لما جدد الملك العادل أبو بكر بن أيوب القلعة أذهب باب العمارة. و اللّه أعلم‏

و يليه الباب الجديد و هو الآن خاص بالقلعة و الذي أحدثه الأتراك في دولتهم ثم صحفته العوام بالحديد (1) و هو يفتح الى القلعة يليه من الغرب باب السر سمي بذلك لكونه يفتح الى القلعة أيضا و كانت الأتراك ينزلون منه سرا و يطلعون منه و يجوز الخارج منه على جسر من خشب من تحته الخندق الدائر بالقلعة ينيف عمقه على مائة ذراع بالعملة به يتخزن الماء و ينبت البوص و غير ذلك و هو غير خندق المدينة

و اصطلح في آخر دولة ابن قلاوون أن من يولى نيابة دمشق أن يصلي عند هذا الباب ركعتين مستقبل القبلة بحيث يبقى الباب على يساره و يقف أجناد القلعة و أرباب الوظائف و الاتراك في منازلهم على حسب العادة متحملين السلاح الى أن يفرغ من صلاته و دعائه فان أريد به شر

____________

(1) قال ابن عساكر (1: 16) باب الحديد في سوق الاساكفة

28

قبض عليه و دخلوا به من ذلك الباب و يقفلون الجسر بينهم و بين أعوانه، فان الجسر بلوالب يحيل بينهم. و ان أريد به خير ركب في عزه و وجوه الدولة في خدمته الى أن ينزل بدار العدل التي أنشأها المرحوم نور الدين الشهيد.

و هي التي تسمى اليوم بدار السعادة و هي تلي باب السرور و على بابها باب النصر فتحه الملك الناصر بن أيوب للمدينة

و هذه الخمسة الابواب الحادثة جميعها فيما بين بابي الجابية و الفراديس الاباب السلام و في السور أبواب صغار تفتح عند الحاجة اليها غير ما ذكرنا و غالب هذه الأبواب القديمة بنى عليها منائر نور الدين الشهيد (رحمه اللّه) على مساجد و جعل لكل باب باشورة كالسويقة بها حوانيت مملوءة بالبضائع فاذا حصنت المدينة و قفلت الأبواب يستغنى أهل كل باب من هذه الأبواب بما عندهم و هو مقصد جميل. و اللّه أعلم‏

[فتح عربى‏]

و من محاسن الشام افتتاحها على يد الصحابة رضي اللّه عنهم قال الحافظ ابن عساكر لما فتح اللّه تعالى على المسلمين‏

29

الشام بكماله و من جملته (دمشق) المحروسة بجميع اعمالها و انزل اللّه عز و جل رحمته فيها و ساق بره اليها كتب أمير المؤمنين‏ (1) و هو اذ ذاك أبو عبيدة رضي اللّه عنه كتاب أمان و أقر بايدي النصارى أربع عشرة كنيسة و أخذ منهم نصف هذه الكنيسة و أخذ منهم التي كانوا يسمونها كنيسة مريحنا بحكم أن البلد فتحه خالد بن الوليد رضي اللّه عنه من الباب الشرقي بالسيف و أخذت النصارى الامان من أبي عبيدة و هو على باب الجابية فاختلفوا ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحا و نصفه عنوة فاخذ المسلمون نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة رضي اللّه عنه [مسجدا و كانت قد صارت اليه إمارة الشام فكان أول من صلى فيه أبو عبيدة رضي اللّه عنه‏] (2) ثم الصحابة بعده في البقعة التي يقال لها محراب الصحابة رضي اللّه عنهم و لم يكن‏

____________

(1) أي الأمير على من شهد هذا الفتح من المؤمنين‏

(2) الموضوع بين هاتين الاشارتين [] كان ناقصا من النسخة البغدادية و أكمل من النسخة المصرية

30

الجدار مفتوحا بمحراب محنى و انما كان المسلمون يصلون عند هذه البقعة المباركة

و كان المسلمون و النصارى يدخلون من باب واحد و هو باب المعبد الاصلي الذى كان في جهة القبلة مكان المحراب الكبير الذي هو اليوم حسبما سلف لنا ذكره فينصرف النصارى الى جهة الغرب لكنيستهم و يأخذ المسلمون يمنة الى مسجدهم. و لا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم و لا يضربون بناقوس اجلالا للصحابة رضي اللّه عنهم و مهابة لهم و خوفا منهم‏

و لما ولي امارتها معاوية رضي اللّه عنه بنى دار الامارة و سماها (الدار الخضراء) و سكنها معاوية أربعين سنة و الامر على ذلك. و اللّه أعلم‏

[و من محاسن الشام ما ورد في فضل مسجدها]

. نقل عن بعض المفسرين في قوله تعالى‏ «وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ وَ طُورِ سِينِينَ وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ» عن قتادة أنه قال: لقد أقسم اللّه تعالى بأربعة مساجد فان التين هو مسجد دمشق‏

31

و الزيتون مسجد بيت المقدس و طور سينين حيث كلم اللّه عز و جل موسى (عليه السلام) و البلد الامين مكة المشرفة

و عن يزيد بن ميسرة قال: أربعة أجبل مقدسة بين يدي اللّه تعالى: طور زيتا، و طور سينا، و طور تينا، و طور تيمانا.

قال فطور زيتا بيت المقدس، و طور سينا طور موسى (عليه السلام)، و طور تينا مسجد دمشق، و طور تيمانا مكة المشرفة

و عن محمد بن شعيب قال: سمعت غير واحد من قدمائنا يذكرون أن التين مسجد دمشق. و أنهم قد أدركوا فيه شجرا من تين قبل أن يبنيه الوليد

و عن عمرو بن الدونس الغساني في تفسير و التين قال:

التين مسجد دمشق، كان بستانا لهود (عليه السلام)، و فيه تين قديم‏

و عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أوحى اللّه تبارك و تعالى الى جبل قاسيون أن هب ظلك و بركتك لجبل بيت المقدس. قال ففعل. فاوحى اللّه عز و جل اليه: اما

32

و قد فعلت فاني سأبني لي في حضنك بيتا. قال الوليد بن مسلم في حضنك أي وسطك و هو المسجد أعني مسجد دمشق أعبد فيه بعد خراب الدنيا أربعين عاما و لا تذهب الايام و الليالي حتى أرد عليك ظلك و بركتك. قال فهو عند اللّه بمنزلة المؤمن الضعيف المتضرع‏

و يقال ان أول من بنى جدران هذا الجامع الاربعة هود (عليه السلام)، و كان هود قبل ابراهيم الخليل (عليهما السلام) بمدة طويلة

و قد جاء في الاخبار ان ابراهيم عليه الصلاة و السلام قاتل شمالي دمشق عند (برزة) قوما من أعدائه فظفر بهم و كان مقامه لمقاتلتهم عند قرية برزة و به سميت عند بروزه على أعدائه و بها متعبده بسفح الجبل ينسب اليه. و كانت دمشق عامرة إذ ذاك‏

و عن مسلم بن الوليد قال لما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء مسجد دمشق وجدوا في حائط المسجد القبلي لوحا من حجر منقوش فأتوا به الوليد فلم يجد من يحسن قراءته‏

33

فدلوه على وهب بن منبه فبعث اليه فلما قدم أخبره بموضع ذلك اللوح فقرأه وهب فاذا فيه موعظة (1) و في آخرها كتب في زمن سليمان بن داود (عليهما السلام). و اللّه سبحانه و تعالى أعلم‏

[و من محاسن الشام بناء معبدها]

. قال ابن عساكر:

لما صارت الخلافة الى الوليد بن عبد الملك عزم على أخذ بقية هذه الكنيسة و إضافتها الى ما بأيدي المسلمين و جعل الجميع مسجدا واحدا و ذلك لتأذي المسلمين بسماع قراءة النصارى في الانجيل و رفع أصواتهم في الصلاة فاحب أن يبعدهم عن المسلمين فطلب النصارى و سألهم أن يخرجوا عن بقية الكنيسة و يعوضهم اقطاعات كثيرة عرضها عليهم و ان يقر لهم اربع كنائس لم تدخل في العهد و هي كنيسة مريم و كنيسة المصلبة و كلا هما داخل الباب الشرقي و كنيسة تل الجبن و كنيسة حميد بن درّة (2) التي بدرب الصيقل‏

____________

(1) هذه الموعظة في تاريخ ابن عساكر (1: 197)

(2) قال ابن عساكر (1: 242): هو حميد بن عمرو بن‏

34

فأبوا ذلك أشد الاباء فقال ائتونا بعهدكم الذي بأيديكم في زمن الصحابة فقري‏ء بحضرة الوليد فاذا كنيسة توما التى كانت خارج باب توما لم تدخل في العهد و كانت فيما يقال أكبر من كنيسة مريحنا فقال أنا أهدمها و أجعلها مسجدا فقالوا بل يتركها أمير المؤمنين و ما ذكر من الكنائس و نحن نرضى بأن يأخذ بقية كنيسة مريحنا فاقرهم على تلك الكنائس و أخذ منهم بقية الكنيسة

ثم امر الوليد بالهدم فجاءت اساقفة النصارى و قساوستهم و قد ندموا فقالوا يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتبنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن فقال انا أحب أن اجن في اللّه و اللّه لا يهدم فيها أحد قبلي ثم صعد المنارة الغربية و كانت صومعة عظيمة فاذا فيها راهب فأمره بالنزول منها فأبى الراهب فأخذ بقفاه و حدّره منها ثم وقف على أعلى مكان‏

____________

مساحق القرشي العامري، و أمه (درة) بنت أبى هاشم خال معاوية بن أبي سفيان، و هو أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة. و كان لدرب اقطاعا له فنسبت الكنيسة اليه‏

35

منها فوق المذبح الاكبر الذى يسمونه الشاهد و أخذ فاسا و ضرب أعلى حجر فالقاه فتبادر الامراء و الاجناد الى الهدم بالتكبير و التهليل و النصارى تصرخ بالعويل على درج باب البريد و جيرون و قد اجتمعوا فامر الوليد صاحب الشرط أن يضربهم و هدم المسلمون جميع ما كان من آثارهم من المذابح و الابنية و الحنايا حتى بقى صرحة مربعة

ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على هذه الصفة الحسنة التي لم يشهد مثلها من قبلها و لا من بعدها

و استعمل الوليد في هذا المسجد خلقا كثيرا من الصناع و المهندسين و المرخمين. و كان المستحث على عمارته أخوه سليمان بن عبد الملك و يقال ان الوليد بعث الى ملك الروم يطلب منه صناعا في الرخام و الاحجار و غير ذلك ليعمروا هذا المسجد على ما يريد و أرسل يتوعده إن لم يفعل ليغزونّ بلاده بالجيوش و ليخربن كل كنيسة في بلاده حتى القيامة التى بالقدس الشريف و يهدم كنيسة الرّها و جميع آثار الرّوم. فبعث ملك الروم صنّاعا كثيرة جدّا و كتب‏

36

اليه يقول له ان كان ابوك فهم هذا الذي تصنعه و تركه فانه لوصمة عليك و ان لم يفهمه و فهمته انت فانه لوصمة عليه.

فاراد ان يكتب اليه الجواب و اذا بالفرزدق الشاعر دخل عليه فاخبره بما كتبه ملك الروم فقال يا امير المومنين انت جعلت اخاك سليمان هو القائم بأمر العمارة و الجواب بنص القرآن‏ «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً» فاعجب ذلك الوليد و ارسل به جوابا لملك الرّوم‏

و لما اراد الوليد ان يبنى القبّة التي في وسط الرواقات التى يقال لها قبّة النسر (قلت و هو اسم حادث على ما اظنّ كأن العوام شبهوها بالنسر في شكله لأن الرواقات عن يمينها و شمالها كالاجنحة لها) حفر لأركانها حتى وصل الى الماء و شربوا منه ماء عذبا زلالا ثم وضعوا فيه جراز الكرم و بنوا فوقها بالحجارة فلما ارتفعت الاركان عقدوا عليها القبة فسقطت. فقال الوليد و قد أعياه أمرها لبعض المهندسين اريد أن تبني لي أنت هذه القبة. فقال علي أن تعطيني عهد اللّه و ميثاقه أن لا يبني فيها أحد غيرى‏

37

و ان لا يعارضني فيما أرومه. ففعل ذلك. و بنى الاركان ثمّ سترها بالبواري و الحصر و اختفى سنة لا يعلم الوليد أين ذهب و لا يستطيع أن يدع أحدا يتمّها. فلما كان بعد العام حضر على الوليد فقال له: كيف حتى عطلت البناء. قال لامر خفى على أمير المؤمنين و على البنائين ثم قال يا أمير المؤمنين احضر معي حتى أوقفك على ذلك فلما حضر الوليد و كشف الحصر و البواري عن الاركان فاذا هي هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الارض. فأعجب الوليد و [رجال‏] الدولة و خلع عليه. ثم أكمل بناءها و عقدها على الهيئة المعلومة الآن‏

و أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن المسجد فقال له بعض المعلمين: انك لا تقدر على ذلك. فضربه خمسين سوطا و قال له و يلك أنا أعجز عن ذلك. فقال له المهندس الذي بناها: صدق يا أمير المؤمنين و أنا اوضحه لك. فأمر أن يسبك له لبنة على القدر الذي يطلبه. فلما أحضرها قال أمير المؤمنين: احسبوا القدر الذي دخل فيها. فوجدوه عدة من الالوف فقال: يا أمير

38

المؤمنين اريد مثل هذه كذا و كذا الف لبنة فان كان عندك ما يكفي عملناه. فلما تحقق الوليد صحة قوله أطلق المضروب و رسم له بخمسين دينارا و اعتذر اليه‏

و لما سقف الوليد الجامع جعلوا أسقفه جملونات و باطنها مسطحا مقرنصا بالذهب. فقال له بعض أهله: أتعبت الناس بعدك بتلبيس سطح هذا الجامع في كل عام. فأمر الوليد أن يجمع ما في بلده و باقي معاملته من الرصاص ليجعله عوض الطين و يكون أخف على السقف، فجمع ذلك. فلم يكفه. ثم بلغ الوليد ان امرأة عندها من الرصاص القناطير المقنطرة ورثته من ابيها، فساوموها في بيعه فأبت و قالت: لا ابيعه الا بثقله فضة. فقال لهم: نشتريه لحاجتنا بزنته فضة. فلما اخبروها ان امير المؤمنين سمح لك بزنة ما قلت. قالت: حيث كان صادقا في حب اللّه فانا احب ان يكون لى في هذا الجامع شي‏ء في حب اللّه خذوه باجمعه، فكفاه و فضل. و ذكر بعض المؤرخين ان هذه المرأة كانت اسرائيلية

39

و قال ابن عساكر اشترى الوليد هذين العمودين تحت قبة النسر من خالد بن يزيد بن معاوية بألف و خمسمائة دينار

قال و كان في مسجد دمشق اثنا عشر الف مرخم‏

و اشترى لوحين [من‏] رخام فستقى من الاسكندرية بمائة اشرفي و نقلهما و وضعهما على محل الغار التي فيها رأس يحيى بن زكريا (عليهما السلام). و قيل انهما كانا في عرش بلقيس مع الستة الشبابيك التي في مشهد المؤذنين على الباب و المشهد الذي تجاهه‏

و عن يزيد بن واقد قال و كلنى الوليد على العمال في بناء الجامع فوجدنا فيه مغارة فعرّفنا الوليد. فلما كان الليل وافى و بين يديه الشمع فنزل فاذا هي كنيسة لطيفة ثلاثة اذرع في ثلاثة اذرع و اذا فيها صندوق ففتح الصندوق فاذا فيه سفط و في السفط رأس يحيى بن زكريا. فأمر الوليد بردّه الى مكانه و قال: اجعلوا العمود الذي فوقه معينا بين الاعمدة. فجعلوا عليه عمودا مسفط الرأس‏

و ذكر بعض المؤرخين انّ ارض الجامع كانت مفروشة

40

بالفصوص المزمكة بالذهب المسماة بالفسيفساء. و ان الرخام كان في جدرانه سبع وزرات. و من فوقه صفات البلاد و القرى و ما فيهما من العجائب. و ان الكعبة المشرفة وضع صفاتها فوق المحراب. ثم فرق البلاد يمينا و شمالا و ما بينهما من الاشجار المثمرة و المزهرة و غير ذلك. و جعل سلاسل المصابيح من نحاس محلّى بالذهب. و رتب له من الشموع ما يوقد منه في اماكن مختصة. و اصطنع في صحنه صفة مجامر على اعمدة برسم البخور و وكل بذلك خدمة لا يفترون ليلا و لا نهارا حتّى كان يشمّ روائح البخور من مسيرة فرسخين و سبك له سرجا من نحاس كلّ سراج يوضع فيه قنطار زيت و جعل على كلّ باب سراجا. و جعل في محراب الصحابة رضي اللّه عنهم اجمعين حجر بلّور، و قيل بل درّة لا قيمة لها و كانت اذا طفئت المصابيح يقوم نورها مكانها و ان الامين بن الرشيد ارسل الى صاحب دمشق ان يسيّرها اليه فاختلسها و سيّرها اليه، و قيل انه لمّا رآها امر بردّها.

و قال الحافظ ابن عساكر ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانها

41

برنية من زجاج و قد رأيتها، ثم انكسرت بعد مدة فلم يوضع مكانها شي‏ء

[و بنى الوليد المنارة]

التي يقال لها (العروس) و جعل عدّة من المصابيح توقد عليها في كلّ ليلة و رتّب لها ثلاث نوب كل نوبة اربعون مؤذّنا و هى باقية الى يومنا هذا. و اما (الغربية) و (الشرقية) فهما على ما كانتا عليه من غير عمل ادوار و درابزين، و هما من بناء اليونان كالصوامع لضرب النواقيس و الرّصد. و قال بعض المؤرّخين انّ الشرقيّة احترقت في سنة اربعين و سبعمائة فنقضت و جدّدت من اموال النصارى لكونهم اتّهموا بحرقها و اقرّ بعضهم بذلك فقامت على احسن الاشكال. و قال بعض العلماء في المنارة الشرقية البيضاء التي ينزل عليها عيسى بن مريم (عليه السلام) في آخر الزمان بعد خروج الدجّال كما ثبت في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان و اللّه أعلم‏

و يقال انه كان في الركتين الشماليين صومعتان كالمقابلة

42

فهدمهما الوليد، و جعل من بعض آلتهما قبتان على اعمدة في صحن الجامع، و جعل فيهما خلوتان من فوق الاعمدة و اودع بهما كتب اوقاف هذا الجامع و مصاريفه، و يقفل عليهما بالاقفال الحديد المانعة (1)

و كانت فيه طلّسمات اصطنعتها اليونان لعدم دخول الحشرات كالحية و العقرب و الخنافس و العناكب و غير ذلك من الطيور كالحمام و العصافير و الوطاويط و ما اشبه ذلك.

قال ابن عساكر: و ذهب بعض طلسماته. قلت: بل كلها

____________

(1) توجد الى الآن في الشمال الغربي من صحن المسجد قبة على أعمدة فتحت في أواخر عهد السلطان عبد الحميد بطلب من الحكومة الألمانية بناء على اقتراح بعض مستشرقيها. و كان من العلماء الذين حضروا فتحها باسم الحكومة العثمانية شيخنا المرحوم الشيخ طاهر الجزائري، فوجد فيها بعض الصكوك و الوقفيات و المصاحف و امثال ذلك من المكتوبات القديمة. أما الشمال الشرقي من صحن المسجد ففيه الآن قبة الساعات و هي على جدران لا على أعمدة

المطبعة السلفية

43

بسبب المحن التي توالت و تعدّدت على دمشق آخرها محنة تمرلنك‏

[غناء الدولة الاموية]

و قال عمرو بن مهاجر الانصاري (رحمه اللّه): ضبط الكتّاب ما انفق على الكوة التي في قبلة المسجد فكانت سبعين الف دينار. و قال ابو قصي: انفق في عمارة مسجد دمشق خمسة آلاف الف دينار و ستمائة الف دينار. فلما بلغ امير المؤمنين الوليد انّ عمرو بن مهاجر و النّاس قالوا «أنفد الوليد بيت مال المسلمين في غير حقّه و كان يعمّر هذا الجامع ببعض ذلك» جمع النّاس، و نودي بالصلاة جامعة، ثم صعد المنبر و حمد اللّه و اثنى عليه فقال «يا ايها الناس، قد بلغني عنكم أنكم قلتم بانّي انفقت بيت مال المسلمين في غير موضعه بغير حقّ» فأطرقت الناس ثم قال «يا عمرو- يعني ابن مهاجر- قم فأحضر اموال بيت المال» فحمل على البغال. و بسطت الأنطاع تحت القبة و صب عليها المال ذهبا و فضّة حتى كان الرجل لا يرى الآخر و جي‏ء بالقبانين و وزنت فاذا هي تكفى الناس ثلاث سنين مستقبلة

44

و في رواية سبع سنين مستقبلة لو لم يدخل الناس شى‏ء بالكلية ففرح الناس و هللوا و كبروا و حمدوا اللّه و أثنوا على أمير المؤمنين و دعوا له و شكروه على ذلك. ثم قال الوليد «يا أهل دمشق انكم تفخرون على الناس بأربع: بهوائكم و مائكم، و فاكهتكم، و حماماتكم؛ فاحببت أن أزيدكم خامسة و هي هذا المعبد» فحمدوا اللّه تعالى و انصرفوا شاكرين له. انتهى‏

[و من محاسن الشام ما وصف جامعها]

به بدر الدين حسن ابن حبيب الحلبي في كتاب سماه (تشنيف المسامع في وصف الجامع) قال: و اما دمشق فانها في وجنة الدنيا كالشامة، و زينة البلاد كريش الطاوس أو طوق الحمامة. و في دائرة الاقطار كالنقطة المعلمة، و في جيش الامصار كالملك الذى ينطق بالحكمة. و في قلادة الاقليم كالواسطة، و في سماء الحلل كالشمس التي بدت أشعتها في الوجوه باسطة. و هي الربوة المباركة. و الغوطة التي جلت عن المماثلة و المشاركة.

45

و المعدودة من جملة مدائن الجنة، و المأهولة بالأهلة من أرباب الكتاب و السنة. و المعروفة بإرم ذات العماد، و الموصوفة بلم يخلق مثلها في البلاد.

[وصف جامعها شعرا]

و أما جامعها ففيه أقول:

يا جامعا في دمشق‏* * * في حسنه قد تفرّد

لم تطرب الناس طرا* * * ألا لأنك معبد (1)

و قلت أيضا:

معبد الشام يجمع الناس طرا* * * و اليه شوقا تميل النفوس‏

كيف لا يجمع الورى و هو بيت‏* * * فيه تجلى على الدوام العروس‏ (2)

و قلت:

يا راغبا في غير جامع (جلّق)* * * هل يستوي الممنوع و المنوح‏

____________

(1) فيه تورية باسم (معبد) الموسيقي العربي الشهير

(2) فيه تورية باسم (منارة العروس) التي مر ذكرها.

46

اقصر عناك و في غلوك لا تزد* * * إن الزيادة بابها مفتوح‏ (1)

قلت: و هذا الباب المفتوح في بيت ابن حبيب سرقه من بيتي الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة لكن ركبه في محله أحسن تركيب و هما:

أرى الحسن مجموعا بجامع (جلق)* * * و في صدره معنى الملاحة مشروح‏

فان يتغالى في الجوامع معشر* * * فقل لهم باب الزيادة مفتوح‏

و نقلت من خط الشيخ صلاح الدين الصفدى قوله فيه:

تقول (دمشق) اذ تفاخر غيرها* * * بمعبدها الزاهي البديع المشيّد

جرى لتناهي حسنه كل معبد* * * و ما قصبات السبق الا لمعبد

____________

(1) فيه تورية باسم (باب الزيادة) الذى مر ذكره‏

47

و الاصل في ذلك قول الشيخ برهان الدين القيراطي (رحمه اللّه):

سقى بدمشق الغيث جامع نسكها* * * و روضا به غنى الحمام المغرّد

اذا ما زهى في العين من ذاك معبد* * * لذكر حلا في السمع من ذاك معبد

و من معانيه البديعة قوله فيه:

الجامع الأموي اضحى حسنه‏* * * حسنا عليه في البرية أجمعا

حلوه اذ حلوه فانظر صحنه‏* * * تلقاه أصبح للحلاوة مجمعا

و من تحريره البديع قوله فيه:

(دمشق) في الحسن لها منصب‏* * * عال و ذكر في الورى شائع‏

فخلّ من قاس بها غيرها* * * و قل له ذا الجامع المانع‏

48

و من محاسنه قوله في الساعات (رحمه اللّه تعالى):

في الجامع الأموي الحسن مجتمع‏* * * و بابه فيه للأحداق لذّات‏

دقائق الحسن يحويها له درج‏* * * فحبذا منه بالساعات ساعات‏

و حبذا معبدكم أطربت اذنا* * * فيه من الذكر نغمات و أصوات‏

جلا العروس على الرائي فطلعتها* * * تزفها من بدور التم طارات‏

و من لطائفه قوله فيه و في (النسر) تغمده اللّه برحمته:

يقول لنا نسر بجامع (جلق)* * * أنا الطائر المحكي و الآخر الصدى‏

و قد أطرب الاسماع مطرب جنكها* * * و غنى به من لا يغنى مغردا

[و من محاسن الشام ما وصفها [به‏] الشيخ بدر الدين.]

محمد الدمياميني الاسكندري المالكي قال: «فتاملها المملوك‏

49

فاذا هي جنة ذات ربوة قرار و معين، و بلدة تبعث محاسنها الفكر على حسن الوصف و تعين. و حسبها بالجامع الفارق بينها و بين سواها، و الانهار التي اذا ذكرت قبّل المحل فما أجراها، و اذا سمع حديث الخصب فما أرواها. و ما أقول و متنزهات مصر عارية عن المحاسن و هذه ذات الكسوة (1)، و ان النيل ما احترق‏ (2) الّا من الاسف حيث لم يسعده الدهر بالصعود الى تلك الربوة. و ما أظنه احمرّ إلا خجلا من صفاء أنهارها، و لا ناله الكسر الا لتألمه بالانقطاع عن الوصول الى سقي أزهارها. فلو رأى العاشق جبهتها لسلا بمصر معشوقه، و نسى ظهور جوانبه المنحنية بقامات غصونه الممشوقة. و لو تطاولت المجنونة الى المفاخرة لتأخرت الى خلفها مستحيية، و أحجمت عن الاقدام حين تحركت لها بدمشق السلسلة. و حق لمصر ألّا يجري حديث‏

____________

(1) فيه تورية بقرية (الكسوة) و هي ضاحية جنوبى دمشق، سميت باسم كسوة المحمل الذي كان يسافر منها الى مكة المكرمة كل عام‏

(2) فيه اشارة الى (تحاريق النيل) ايام انخفاضه‏

50

المفاخرة في وهمها، و أن تتقي شر المنازعة قبل أن تصاب من هذه البلدة بسهمها. فسقى اللّه متنزهاتها التي طرب المملوك برؤية جنكها و لطالما اهتزت له المعاطف على السماع، و رأى بها كل نهر ذاب عنه الجليد فانعقد على حلاوة شكره الاجماع»

[و ما أحسن قول الشيخ برهان الدين القيراطي:]

ما فيه إلا جوسق أو روضة* * * أو جدول أو بلبل أو ربرب‏

و كأن ذاك النهر فيه معصم‏* * * بيد النسيم منقش و مكتّب‏

و اذا تكسر ماؤه أبصرته‏* * * في الحال بين رياضه يتشعب‏

و شدت على العيدان ورق أطربت‏* * * بغنائها من غاب عنه المطرب‏

فالورق تنشد و النسيم بها فكم‏* * * اضحى له من بيننا متطلّب‏