إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء - ج1

- محمد راغب الطباخ المزيد...
460 /
5

الجزء الأول‏

كلمة الناشر

يسر دار القلم العربي للنشر و التوزيع بحلب أن تقدم إلى الباحثين و المؤرخين و العلماء و الأدباء و أبناء مدينة حلب هذا الكتاب الجليل «إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء» بأجزائه السبعة لعلّامة حلب الأستاذ المرحوم محمد راغب الطبّاخ، بعد أن فقدت طبعته الأولى و عزّ الحصول عليه و الاستفادة منه، فكان أن سارعت الدار إلى خدمة الثقافة التراثية المجيدة بإخراجه على هذه الصورة التي تتفق و معطيات الطباعة الحديثة لتعم الفائدة و يتم النفع.

و قد عهدت الدار إلى المحقق الأستاذ محمد كمال بمهمة الإشراف على طباعته، فبذل ما بذل من جهده و وقته في سبيل تنقيح النصوص و ضبط الأشعار و إصلاح ما وقع في الطبعة الأولى من سهو أو تصحيف، فله مني الشكر الجزيل.

مع أطيب تحياتي‏

حلب 7/ 4/ 1988

الناشر علاء الدين رفاعي‏

()

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تصدير

تعد مدينة حلب الشهباء من المدن العربية الإسلامية التي ضربت جذورها في أغوار التاريخ، حتى كان لها شأن كبير في أيام الفتوحات الإسلامية لما لموقعها الجغرافي من أهمية عظمى، فغدت محط القوافل التجارية و هدف الغزاة المغيرين و ملتقى الشرق بالغرب و مركزا للتقلبات السياسية و الحركات العلمية، إذ عرفت في عصورها السالفة و الحاضرة بمجالس العلم و منتديات الأدب، فأمها من كل حدب وصوب شداة المعرفة ينهلون من مساجدها و مدارسها و حلقات العلماء فيها شرابا سائغا هو مزيج من التفسير و الفقه و الأدب و النحو و المنطق و الموسيقا و التاريخ و الطب و الفلك و غير ذلك من صنوف العلوم و الفنون.

فكان حقيقا بمثل هذه المدينة العريقة أن تستحوذ على اهتمام المشتغلين بالتاريخ و الآثار و العلوم فصنفت في تاريخها المصنفات الكثيرة التي بسطت في طياتها ما تعاقب فيها من أحداث و ما قام فيها من حضارة و عمران. و ظلت هذه الكتب تتوالى بين موسع و موجز و خاص و عام إلى مطالع هذا القرن حتى توجت بكتاب جامع يضم تاريخها السياسي الذي تشعث في عدد كبير من المراجع و المصادر، و يعرّف بأعلامها على مر العصور من رجال الحكم و القضاء و أصحاب الشأن في مختلف الميادين السياسية و العلمية و الأدبية و الدينية و الاجتماعية، فكان كتاب «إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء»، الذي قيض اللّه لتصنيفه عالما من أبنائها جليلا و بحّاثة ثبتا و مؤرخا ضليعا تفرغ للعلم فاخلص له و أقبل على التأليف فأبدع فيه.

10

المؤلف:

هو محمد راغب الطباخ بن محمود بن هاشم بن السيد أحمد بن السيد محمد الشهير بالطباخ، و قد ذكر المؤلف في كتابه هذا الذي نقدمه تحت عنوان: تحقيق في نسب عائلتنا، أن الأسرة على غالب ظنه منسوبة إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أن الجد هو الشيخ حسن بن علي الحنبلي الشافعي الشريف المتوفى سنة 1140 ه.

و يروي الأستاذ محمد يحيى الطباخ ابن المؤلف- و هو من المختصين بالتاريخ‏ (*)- أن والده قد ولد في الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة 1293 ه (1877 م) و ذلك في حي «باب قنسرين» في حلب قريبا من البيمارستان الأرغوني، و كانت أسرته قد جمعت بين التجارة و العلم و التصوف، فقد عرض على جده الشيخ هاشم منصب القضاء على الآستانة، فأبى معتذرا بأن لهم صنعة أغناهم اللّه بها عن الوظائف و هي صناعة بصم الشاش الأبيض بألوان و نقوش لتتخذ منه العصائب و المناديل و الملافع في بلاد كثيرة من الشرقين الأدنى و الأوسط.

و كان عمه عبد السلام مكبا على مطالعة الكتب يتنقل بين علوم اللغة و الفقه و الحديث و الفرائض.

أما والد المؤلف فقد نشأ أيضا في صناعة البصم و تجارتها أسوة بأبيه، و ذلك في خان العلبية و خان البرغل، جامعا بين العلم و التجارة، إلا أن مسائل العلم انحصرت عنده في الأمور الفقهية التي تتعلق بأحكام المعاملات في الشريعة الإسلامية.

و تطالعنا في أسرة الطباخ نزعة إلى الزهد و الصلاح هي من ميراث القرون الماضية، و لكنها ظلت قائمة فيهم إلى عهد غير بعيد، فجده الشيخ هاشم و هو من رجال القرن الثالث عشر الهجري اتخذ لنفسه الطريقة الخلوتية القادرية على يد الشيخ إبراهيم الدارعزاني‏

____________

(*)- «محمد راغب الطباخ: حياته- آثاره» تأليف محمد يحيى الطباخ. و هي رسالة جامعية تقدم بها إلى قسم التاريخ في الجامعة السورية عام 1957.

11

(الهلالي) و صار يختلي الخلوة الأربعينية في كل سنة كما جرت عادة أهل هذه الطريقة، أما أبوه الحاج محمود الطباخ فكان يختلف إلى الشيخ محمد الهلالي ابن العالم الزاهد الشيخ إبراهيم الهلالي شيخ الزاوية الهلالية بحلب. و هكذا كان المؤلف (رحمه اللّه) يصحب والده في حداثته إلى حلقات الذكر و مجالس أهل المعرفة فيصغي إلى الأناشيد الدينية العذبة حتى تكون لديه حس مرهف و شعور رقيق مما دفعه إلى حب الموسيقا و تعرف أصولها و أصواتها.

و كان (رحمه اللّه) قد أتم تلاوة القرآن الكريم في الثامنة من عمره في أحد الكتاتيب المعروفة آنذاك، ثم بدأ يتلقى أصول الكتابة و الخط على يد الخطاط الشيخ محمد العريف المعروف بشيخ الأشرفية (الشرفية)، ثم دخل المدرسة المنصورية و فيها تعلم مبادى‏ء اللغة التركية و الفارسية و الإفرنسية بالإضافة إلى العربية.

و قد أتيح له أن يزور الحجاز و هو في الرابعة عشرة من عمره بصحبة والده و عمه الشيخ عبد السلام فالتقى معهما بأهل العلم و الفضل هناك و أصغى إلى ما كان يدور في تلك المجالس من مناظرات علمية و مناقشات فكرية. و لما تم شبابه و تفتحت مواهبه أخذ يطوف البلدان طواف المستطلع الظامى‏ء إلى ينابيع المعرفة فكان أن اجتمع بالشيخ عبد القادر المغربي و الشيخ بهجة البيطار و الشيخ كامل القصاب و الشيخ مكي الكتاني، فإذا تعذر اللقاء و عز السفر عمد إلى مراسلة العلماء في الشرق و الغرب أمثال داود جلبي و عيسى إسكندر المعلوف و أحمد تيمور باشا و الأمير شكيب أرسلان، زد عليهم عددا من المستشرقين الذين سحرهم التراث العربي الإسلامي فتفرغوا له و أبدعوا فيه و عملوا على كشف كنوزه أمثال كرنكو و رايتر و مرجليوث و ماير، فأفاد منهم و أفادوا منه في كثير من الشؤون المتعلقة بالمخطوطات العربية.

و مع ذلك فإن إقباله- (رحمه اللّه)- على الكتب و المصنفات و شغفه بالمطالعة و البحث و ولعه بالعلم و العلماء لم يكن مما يستغرق منه جل وقته و يصرفه عن الحياة التي تحيط به، فقد كان له نشاط بارز في ميادين الصحافة و التدريس و التوجيه و الإصلاح مع ما يقتضي ذلك من تكوين العلاقات الاجتماعية الواسعة على الصعيدين الرسمي و الشعبي، و قد حظيت بمقالاته العلمية و تحقيقاته التاريخية صحف عربية كثيرة كان من أهمها جريدة ثمرات الفنون ثم جريدة الاتحاد العثماني، كما راسل جريدة الحقيقة و البلاغ و المفيد في بيروت، و مجلة

12

الفتح و المكتبة و الزهراء في مصر، و الحقائق و المجمع العلمي في دمشق، و الاعتصام و الجامعة الإسلامية و العاديات في حلب.

و لقد عين في مجلس معارف ولاية حلب فانصرف إلى تدريس اللغة العربية و الإنشاء و العلوم الدينية في مدرسة شمس المعارف، ثم لما افتتحت المدرسة الخسروية عام 1921 انتدب لتدريس السيرة النبوية و الحديث ثم التاريخ و الثقافة الإسلامية. و قد سعى إلى تعديل برامج هذه المدرسة الدينية بشكل يوافق روح العصر و علومه الحديثة، فقرر تدريس التاريخ الإسلامي و الجغرافية و قانون الحقوق الطبيعية و قانون الأراضي و أحكام الأوقاف و علم الحساب و العلوم الطبيعية و اللغوية، و انطلاقا من إيمانه بضرورة التوفيق بين علوم الدين و الدنيا أخذ على عاتقه- و قد عين مديرا للمدارس العلمية الدينية عام 1937- أن يتولى إصلاح هذه المدارس الشرعية، فراح يضع المشاريع و يقدم المقترحات لوضع المناهج الكفيلة بتوحيد خطة هذه المدارس و تخريج طلاب تمكنوا من علوم الدين و تفتحوا على العلوم العصرية و المكتشفات الحديثة.

و لعل قارى‏ء كتابه «إعلام النبلاء» يتبين مدى إقباله على الآثار العمرانية و شغفه بالأوابد التاريخية في مدينة حلب، و ذلك مما يبسطه المؤلف في أثناء كتابه من وصف تفصيلي دقيق للكثير من المساجد و الأحياء المتبقية و المنشآت الغابرة و المدارس العامرة أو الداثرة وصفا يعتمد على استعراض هذا الأثر تاريخا و تطورا، و استقصاء أبعاده و محتوياته استقصاء الواقف المعاين و الأثري الخبير، فكانت له بذلك يد بيضاء على النشاط الأثري الذي لا يزال ينمو و يزداد في هذه المدينة يوما بعد يوم.

و لقد اجتمعت في هذا الرجل روافد عديدة كونت شخصيته و أنزلته في قلوب أهل عصره منزلة المحب المكرم من علم غزير و خلق فاضل و همة بالغة، فكانت المؤسسات العلمية و الأدبية و الاجتماعية تتخطفه و تستفيد من سعة اطلاعه و غنى نفسه، فانتخب عام 1923 عضوا في المجمع العلمي العربي في دمشق، و عضوا في جمعية الآثار القديمة عام 1930، و عضوا في اللجنة الادارية للمتحف الوطني بحلب عام 1931، و عضوا في جمعية المعارف النعمانية بحيدر آباد الدكن عام 1935، و رئيسا لجمعية البر و الأخلاق الإسلامية

13

عام 1938، و أخيرا قام برئاسة رابطة العلماء بحلب إلى أن وافته المنية في الخامس و العشرين من رمضان سنة 1370 ه- 29 حزيران سنة 1951 م.

أساتذته:

يقول الأستاذ محمد عبد الغني حسن من مقال نشره في مجلة الرسالة (*): و لكن الذي أعرفه أن المترجم له تتلمذ على أستاذين من أكبر علماء الشام، و هما الشيخ محمد الزرقا و الشيخ بشير الغزي. أما الشيخ الزرقا فقد كان حجة في فقه الإمام أبي حنيفة، و كان كما يقول تلميذه: لو شاء إملاء مذهب أبي حنيفة من حفظه لأملاه بنصوصه و حروفه.

و قد تولى التدريس في المدرسة الشعبانية أولا، ثم اشتغل بالقضاء أو رياسة كتّاب المحكمة الشرعية بحلب، و ظل أكثر حياته الطويلة معلما يلتف حوله التلاميذ و يردون أصفى موارده، إلى أن توفي سنة 1343 ه 1924 م.

أما الشيخ بشير الغزّي فقد كان أمينا للفتوى بحلب فعضوا بمحكمة الحقوق فرئيسا لها، فمدرسا بالمدرسة الرضائية فقاضيا، إلى أن عين في آخر أيامه قاضيا لقضاة حلب، و ظل في المنصب إلى أن توفي سنة 1339 ه.

و على قدر ما كان الشيخ محمد الزرقا متمكنا من الفقه الإسلامي ضالعا فيه، كان الشيخ بشير الغزّي متمكنا من اللغة العربية و شعرها و أدبها، و كان حاضر الذهن في الاستشهاد باللغة أو بالشعر، و أعجب من ذلك أن كتب الأغاني لأبي الفرج، و الحماسة لأبي تمام، و الأمالي للقالي، و الكامل للمبرد، و دواوين أبي تمام و البحتري و المتنبي و المعري كانت كلها على مناط الطلب، يحفظها و يروي عنها و يعيها في صدره، فلا يكاد يخطى‏ء في الرواية عنها أو يعز عليه الاستشهاد منها.

آثاره:

كان الشيخ الطباخ (رحمه اللّه) واحدا من أعلامنا المعاصرين الذين كان لهم أثر واضح في إثراء الثقافة الحديثة و إحياء المآثر الفكرية السالفة، و تحقيقا لهذه الغاية النبيلة قام‏

____________

(*)- عدد 952 س 1951 ص 1114- 1117.

14

بتأسيس مطبعة خاصة أسماها (المطبعة العلمية) فطبع فيها مؤلفاته و مؤلفات غيره من نفائس كتب الحديث و نوادر كتب اللغة و الأدب، على نفقته الخاصة فكان له من وراء ذلك فضيلة نشر العلم و تسهيل وصوله إلى أيدي القراء و إسداء الخير الى المكتبة العربية.

و لقد أثبت الأستاذ محمد يحيى الطباخ في رسالته آثار والده المطبوعة و المخطوطة فجاءت كما يلي:

الآثار المطبوعة:

1- إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء: في سبعة مجلدات كبار.

2- ذو القرنين و سد الصين من هو و أين هو: و هو بحث عن شخصية ذي القرنين الوارد ذكرها في القرآن الكريم، و سد الصين و ما ورد فيهما من أحاديث نبوية، و ما قام به العرب من بعثات لاكتشاف معالم السد.

3- الأنوار الجلية من مختصر الأثبات الحلبية: و هي:

- الثبت المسمى (كفاية الراوي و السامع و هداية الرائي و السامع) للعلامة المحدث الشيخ يوسف الحسيني الحنفي الحلبي المتوفى سنة 1153 ه.

- و الثبت المسمى (إنالة الطالبين لعوالي المحدثين) للعلامة المحدث الشيخ عبد الكريم بن الشيخ أحمد الشراباتي الحلبي المتوفى سنة 1178 ه.

- و الثبت المسمى (منار الإسعاد في طرق الإسناد) للعلامة المحدث الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللّه الحنبلي الحلبي المتوفى سنة 1192 ه. و هو مجلد في 447 صحيفة.

4- المصباح على مقدمة ابن الصلاح: و هي تعليقات على هذا الكتاب طبعت مع الأصل و شرحه المسمى (التقييد و الإيضاح لما أطلق أو أغلق من مقدمة ابن الصلاح) للحافظ العراقي.

5- الروضيات: و هي ما جمعه من أمهات المخطوطات و الكتب القديمة و الحديثة من شعر الشاعر المجيد أبي بكر الصنوبري الحلبي أحد شعراء سيف الدولة الحمداني المتوفى سنة 334 ه مع ترجمة حافلة لحياته.

15

6- الثقافة الإسلامية: و هو بحث في الثقافة الإسلامية و العلوم التي تفرعت عن القرآن الكريم و الحديث النبوي كالتجويد و التفسير مع بيان طبقات المفسرين و أشهر تآليفهم، و الحديث النبوي و مصطلحه، و أشهر شراح الكتب الحديثية، و علوم الفقه و المذاهب الفقهية، مع بيان انتشار المذاهب الأربعة في الأقطار الإسلامية، و التصوف، ثم العلوم الأدبية و التاريخ، و بحث في النهضة الفكرية أيام الدولة الأموية و العباسية، و يختم الكتاب ببحث عن رقود الحركة الفكرية و يقظتها الأخيرة في البلاد العربية.

و لما انتخب لمجلس معارف حلب شارك في تبسيط العلوم فوضع الكتب المدرسية التالية:

7- المطالب العلية في الدروس الدينية: و هو في ثلاثة أجزاء.

8- عظة الأبناء بتاريخ الأنبياء: في 60 صحيفة.

9- تمرين الطلاب في صناعة الإعراب: رسالة في 16 صحيفة تسهل على المبتدئين كيفية الإعراب.

10- ترجمة كمال الدين بن العديم المتوفى سنة 660 ه مع بيان تاريخه العظيم «بغية الطلب من تاريخ حلب» و أين توجد أجزاؤه المخطوطة مع الكلام عليها في 80 صحيفة نشر منها 60 صحيفة في مجلة الجامعة الإسلامية.

11- المدارس في الإسلام: نشر في 9 أعداد في مجلة الجامعة الإسلامية في حلب، عدد في آخر البحث 44 مدرسة دينية في حلب هي الآن موجودة بين عامرة و خربة، و لم يذكر ما دثر من تلك المدارس.

12- ما جمعه من شعر الأديب عمر بن حبيب الحلبي من أعيان القرن الثامن:

نشر في مجلة الاعتصام الحلبية.

13- شرح حديث «اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن»: رسالة نشرت في مجلة التمدن الإسلامي الدمشقية.

14- السياسة في القرآن: رسالة شرح فيها قوله تعالى: ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبي لهم‏ يبين فيها الناحية السياسية في القرآن و ما هي عوامل نهوض الأمة، و قد ألقيت في محاضرة أيام الاحتلال الفرنسي، و نشرت في مجلة الفتح المصرية.

16

الآثار المخطوطة:

1- الفتح المبين على نور اليقين في سيرة سيد المرسلين: و هو حاشية على نور اليقين وضعها أثناء تدريسه لتاريخ السيرة في الخسروية في 400 صحيفة.

2- ترجمة مسهبة للحافظ الكبير أحمد بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه في 50 صحيفة كبيرة يبين فيها أنه كان أديبا كبيرا كما كان محدثا كذلك.

3- رسالة عن البلاد و القرى الملحقة بولاية حلب في عهد الدولة العثمانية، التقطها من معجم البلدان و لم يضع لها اسما.

4- رسالة في شرح حديث طول آدم (عليه السلام) المذكور في صحيحي البخاري و مسلم و الجواب عن الإشكال الذي ذكره الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث، و هي في 21 صحيفة.

5- ديوان أبي فراس: إذ إنه قام بتصحيح النسخة المطبوعة من هذا الديوان في بيروت لأنها مملوءة بالأغلاط، و ذلك على نسختين خطيتين محفوظتين في مكتبة المدرسة الأحمدية في حلب، ثم التقط ما في هاتين النسختين الخطيتين من الزوائد و أبياتا من بعض كتب التاريخ و الأدب مما لا وجود له في المخطوطتين، و رتب الجميع على نسق الحروف الهجائية، و لم يقدر له طبعه، و هذه النسخة موجودة لدى السيد أحمد عبيد المكتبي في دمشق.

6- ما لعلماء حلب من المؤلفات و الدواوين: ملتقط من كشف الظنون و غيره.

7- رسائل حديثية هي:

- كشف الغم عن حديث السم: و هو حديث ذكره الإمام الترمذي في شمائله أزال فيها و هم بعض الشراح لهذا الحديث.

- القول الفصل في مقر العقل، في القلب أو في الدماغ.

- حسن الفهم لحديث الشؤم.

- شرح حديث الفخذ عورة.

بالإضافة إلى رسالة مقتضبة في العروض.

17

أما مقالاته التي تناثرت في المجلات السورية و العربية فكثيرة أهمها:

- تحقيقات هامة عن قبر أبي العلاء المعري.

- رسالة الكنز المظهر من استخراج المضمر للعلامة رضي الدين محمد بن يوسف الحنبلي الحلبي المؤرخ المتوفى سنة 971 ه.

- مقالة عن رحلته إلى طرابلس الشام.

الكتاب:

لعل من أول الدوافع التي أدت إلى تأليف هذا السفر التاريخي الجليل أن المؤلف لما قام بنشر شرحي العلامة محمد بن الحسن الكواكبي الحلبي المتوفى سنة 1096 ه على منظومتيه في الأصول و الفروع احتاج إلى ترجمة للمؤلف فقيل له إنها موجودة في «خلاصة الأثر» للعلامة المحبي، فاستعاره و استنسخ منه الترجمة، و اقتضى ذلك منه أيضا استعارة «سلك الدرر» للعلامة المرادي، فلما تصفح هذين التاريخين وجد فيهما تراجم كثيرة لأعيان حلب في القرنين الحادي عشر و الثاني عشر الهجريين، فنسخها بيده سنة 1323 ه فوقع منه هذا النسخ موقعا حسنا.

و يذكر المؤلف سببا آخر شحذ همته لتأليفه تاريخ حلب إذ يقول: «.. و هناك داع آخر لوضعي لهذا التاريخ هو أني ابتعت كتاب «تحف الأنباء بتاريخ حلب الشهباء» للطبيب بيشوف الجرماني، و هو كتيب في 160 صحيفة طبع في المطبعة الأدبية ببيروت سنة 1880 م فيه حوادث حلب و من تولاها من عهد الفتح العربي إلى استيلاء سليمان العثماني عليها سنة 922 ه بصورة موجزة، و هذا الطبيب الجرماني- الألماني- كان قد جاء إلى حلب أواخر القرن الماضي فاستطابها ورآها بلدة رخيصة الأسعار، فأقام بها وصار يتعاطى صنعة الطبابة فيها و توفي أول هذا القرن. فطالعت هذا التاريخ و كان يأخذني العجب كيف أن رجلا يأتي من بلاد جرمانيا و يقيم في الشهباء و ليس من أبناء هذه البلاد و لا يعرف من لغة أهلها إلا القليل كما أنبئت و يضع تاريخا لها، أخلت هذه الديار و أقفرت هذه البلاد من رجل فيه فضل و همة يقوم بهذا الأمر و يسد هذه الثلمة حتى يأتي هذا الرجل الأجنبي و يؤلف لها تاريخا. فكان ذلك يعظم علي و يكبر جدا لدي، وأجد في ذلك عارا كبيرا على هذه البلاد و أهلها، فكانت النفس تناديني بالنهوض لهذا الأمر الخطير و التشمير عن ساعد

18

الجد دفعا لذاك العار و سدا لتلك الثلمة. إلا أني كنت أرجع إليها بقلة البضاعة و نزر المعرفة و ثقل هذا العب‏ء و المشاق العظيمة التي ستعتري و لا بد».

و إذا كان المؤلف قد كفانا مؤونة تفصيل الحديث عن الكتاب و أجزائه في مقدمته فإن من المفيد أن نشير إلى أمرين اثنين يتجليان للقارى‏ء حين يتصفح هذا الكتاب.

الأمر الأول ما نلاحظه من إعداد علمي واسع أخذ المؤلف نفسه به و استمر عليه اثنتين و عشرين سنة لا يفتر له عزم و لا تضعف همة، حتى بلغت مصادره المخطوطة 165 مخطوطا و المطبوعة 510 جزءا. و نراه ينظر في هذه الكتب نظر المحقق المتثبت الصابر على الطريق لا يمنعه مانع من زمن أو بعد شقة. ففي المدينة المنورة عثر على أوراق في تاريخ حلب لمؤرخ مجهول- كما يقول فهرس مكتبة عارف بك حكمت- فاستنسخ الأوراق فإذا هي ليست تاريخا لحلب، و إنما هي موشح للشيخ علي الميقاتي الحلبي في ذكر متنزهات الشهباء و مدح بعض أعيانها. و في حلب يعكف على المكتبة الأحمدية فيستخرج منها ما له علاقة بموضوعه كالبداية و النهاية لابن كثير، و ذيل مرآة الزمان للقطب اليونيني و تاريخ ابن إياس المصري و يقع فيه على زيادات على النسخة المطبوعة في مصر، و طبقات الحنفية للقرشي، و طبقات الشافعية للأسنوي، و عجائب المقدور في تاريخ تيمور لابن عربشاه. ثم يفد إلى الظاهرية في دمشق فينظر فيها في تاريخ الحافظ ابن عساكر و الكواكب السائرة للبدر الغزي و غيرهما. كما يكتب إلى العلامة المرحوم أحمد تيمور باشا في مصر سائلا إياه أن يدله على كتب في مكتبته تتصل بتاريخ حلب، فيكتب له تيمور باشا عن جزءين في مجلد واحد من كتاب «كنوز الذهب في تاريخ حلب» للإمام المحدث موفق الدين أبي ذر، كما يعيره «المنهل الصافي» لابن تغري بردي و «رحلة القاضي ابن آجا مع الأمير يشبك» ثم يعثر في مكتبة محمد أسعد باشا الجابري في حلب على مخطوطة «در الحبب» لرضي الدين الحنبلي فيستعيرها ثم ينقلها بخطه إلى نسخة حسنة صحيحة الرسم يراها أسعد باشا فيستحسنها و يأخذها بدلا من مخطوطته، ثم يجد نسخة من كتاب «الدر المنتخب» المنسوب لابن الشحنة عند أحد علماء حلب فيكتبها بخطه و يقابلها بغيرها من النسخ المخطوطة فيصل إلى أن هذا الكتاب لأبي اليمن بن عبد الرحمن البتروني و ليس لابن‏

19

الشحنة كما كان معروفا من قبل. و في حلب نفسها يلتقي بالمستشرق الفرنسي لويس ماسينيون سنة 1931 و يذكر له أمله في الحصول على نسخة من مخطوطة «الدر المنتخب» لابن خطيب الناصرية من علماء القرن التاسع الهجري، فيعود ماسينيون إلى باريس و يصور المخطوطة و يبعث إليه بالنسخة المصورة. كما يلتقي ببعثة أثرية ألمانية زارت حلب سنة 1326 ه مكونة من ثلاثة أشخاص فيطلعونه على كتاب «آداب اللغة العربية» للمستشرق الألماني كارل بروكلمن و يستخرجون له ما هو موجود فيه من تواريخ الشهباء مما حوته المكتبات الأوروبية. و تلك الجهود المضنية التي بذلها المؤلف في سبيل استيفاء المواد الأولية لكتابه كان يرافقها عقل متيقظ و نظرنا فذ فلا يقنعه المأخذ الذي يأخذ عنه سواء أكان مطبوعا أم مخطوطا إلا بعد تثبت و تحقيق و توثيق، فنراه يصل كلال يومه بكلال نهاره و هو يقرن النسخة بالنسخة و النص بالنص حتى يجرد ما يجده من تصحيف و يتمم ما يراه من نقص و يكشف ما يقع فيه الناسخون و الطابعون من أخطاء، و لا أدل على ذلك من كشفه انتحال الطبيب الجرماني بيشوف كتاب «زبدة الحلب في تاريخ حلب»، فيقابل المؤلف هذه النسخة على «تحف الأنباء في تاريخ حلب الشهباء» للطبيب بيشوف المطبوع في المطبعة الأدبية في بيروت سنة 1880 م فيجدهما متحدتين في العبارة ليس بينهما من الفرق إلا ما يقع عادة من النساخ من تحريف أو إسقاط كلمة أو تقديم جملة و تأخير أخرى. يقول المؤلف: «و إقدام الطبيب المذكور على نسبة جميع الكتاب إلى نفسه و بخسه حق مؤلفه و ناظم عقده أمر غريب في بابه جدا، و هو خيانة كبرى للعلم لا ينبغي أن تصدر عن أمثاله، و كأنه ظن أن ذلك سيبقى طي الخفاء و الكتمان لا تظهره الأيام و الأزمان، و لو أنه عزا الكتاب إلى صاحبه و أدى الأمانة إلى أهلها و ذكر ما له في هذا الكتاب من الزيادات لكنا من الشاكرين له و المقدرين لمساعيه».

و الأمر الثاني هو أن الكتاب و إن كان سجلا زمنيا حافلا بالأحداث السياسية المتلاحقة و معرضا لتراجم أعلام الشهباء من رجال الحكم و العلم و القضاء و الأدب و الشعر و الطب فهو أيضا مستودع للكثير من المعلومات و الفوائد التي يصعب استخلاصها من الكتب و المصادر، إد نجد المؤلف يكثر من الوقوف عند الآثار العمرانية القديمة من قلاع‏

20

و قصور و جوامع و مساجد و كنائس و مدارس و زوايا و خانقاهات. كما يتعرض في غير موضع لتطور حلب الاقتصادي فيذكر أنواع العملة المتداولة و أوضاع التجارة و الصناعة في حالي انحطاطها و ازدهارها، و المكوس المفروضة على المدينة و مقدارها، و أثمان المحاصيل و المنتجات، و مقدار الرطل و الكيل. ثم نراه يبسط بعض جوانب الحياة الاجتماعية فيذكر ما حل في حلب من فتن وثورات و ما اجتاحها من آفات و ما انتابها من زلازل و ما شاع فيها من عادات كضرب النوبة في القلعة و مواكب السلاطين في المواسم. يقول المؤلف في خاتمة كتابه: «و لا ريب أن تاريخنا باشتماله على هذه الأبحاث أصبح معلمة واسعة جمعت فأوعت، يجد فيه السياسي بغيته و الاجتماعي مقصده و العالم رغبته و الأديب مطلبه و الأثري مرامه و أربه».

و بعد:

فقد كان هذا السفر النفيس قد طبع أول ما طبع في سنة 1923 في (المطبعة العلمية) الخاصة بالمؤلف، فلقي رواجا في الأقطار العربية و انتشارا في دوائر الاستشراق، حتى نفدت طبعته و عز الحصول عليه و أصبح الباحث يجد عنتا كبيرا في الوصول إليه و الاستفادة منه، و صار بعض من يملكه أو يملك جزءا من أجزائه السبعة كمن يملك درة فريدة يحرص على الحفاظ عليها أو يغلي مهرها. و من أجل ذلك سعينا إلى إعادة طبع هذا الكتاب ليكون قريبا من أيدي العلماء و رجال الفكر و التاريخ إيمانا منا بضرورة شيوع العلم و أهمية ذيوعه و انتشاره.

غير أن طبعتنا الحديثة هذه قد تيسر لها من الوسائل التقنية اللازمة و طرق الإخراج و التبويب و التنظيم ما لم يتيسر للطبعة الأولى نظرا إلى التقدم الملموس الذي طرأ على فن الطباعة خلال الأعوام السبعين الماضية، هذا بالإضافة إلى ما بذلناه من جهد متواضع في تصحيح ما وقعت فيه الطبعة الأولى على جودتها من سهو عارض أو خطأ عابر أو تصحيف مخل، و ذلك لأن مصادر المؤلف (رحمه اللّه) منها ما كان مخطوطا و منها ما كان قد طبع في زمنه طبعات ناقصة يعوزها الضبط و التحقيق، فعمدنا إلى ما وصل إلى يدنا من تلك المصادر بعد أن ظهر بعضها في حلل جديدة محققة فقارنا النصوص النثرية و الشعرية و أثبتنا ما رأيناه‏

21

أقرب إلى الصواب من غير أن ننبه إلى ذلك في حواشي الكتاب، إلا ما يقتضي وقوف القارى‏ء عليه فأشرنا إليه برمز النجمة* لنميزه عن حواشي المؤلف نفسه.

أما ما قصر عنه و عينا القاصر و زادنا اليسير فنرجو أن يتداركه القارى‏ء الكريم بعفوه و سماحه.

و اللّه من وراء القصد و هو يهدي إلى سواء السبيل.

حلب في 15 رجب 1408 ه

3 آذار 1988 م‏

محمد كمال‏

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

24

[مقدمة المؤلف‏]

حمدا لمن جعل في أنباء من مضى عبرة لمن حضر و صلاة و سلاما على سيدنا محمد الذي أنار بسيرته و سيرة أصحابه بصائر البشر و بعد:

فإن علم التاريخ من أجل العلوم قدرا و أرفعها شأنا و أسماها رتبة، تتطلع إليه أرباب الهمم العالية و تتشوق إليه النفوس الفاضلة، و هو مرآة يبصر بها المرء ما كان في غابر الأعصار و يرى ما دونه الأقدمون من العلوم و الفنون و ما صنعته يد الإنسان من الأعمال و الآثار، فيدعو ذلك إلى الاتعاظ و الاعتبار و التحلي بمحاسن المحسنين و الأخيار و التخلي عن مساوي المسيئين و الأشرار، فتهذب بذلك نفسه و تظرف شمائله و تصفو مرآة فكره و يستنير لبه و تتوسع دائرة معارفه و علمه و تستقيم أموره و تنتظم أحواله و شؤونه.

فالحاجة إليه أمر بديهي لا يحتاج إلى سرد الشواهد و إقامة البراهين و الدلائل، و حسبنا ما قصه اللّه على رسوله الأعظم (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أنباء من مضى تثبيتا لفؤاده و إرشادا لأمته.

و مع شدة الحاجة إليه فإن فيه المهم و الأهم، فالأهم وقوف المرء على تاريخ بلدته التي ولد فيها و الأمة التي ينتسب إليها و الأماكن التي يجاورها و الدولة التي هو من رعيتها.

و الأمة التي تجهل تاريخ نشأتها و أحوال أسلافها و حوادث أوطانها و أسباب صعودها و هبوطها تظل هائمة في تيه التأخر هاوية في مهاوي الانحطاط، تحيق بها الرزايا من كل صوب و تتقاذفها أمواج البلايا من كل جهة، و تعبث بها أيدي الأغيار ولا حول لها و لا طول.

و على قدر معرفتها بتاريخ نشأتها و تضلعها بحوادث من تقدمها يكون رقيها و انتظامها، إذا تقرر هذا فأقول:

لما كانت حلب الشهباء بلدتي فيها مسقط رأسي و بها مرتع أنسي و كان الكثيرون من فضلائها السابقين و علمائها الماضين وضعوا لها تواريخ تنبى‏ء بعظمة شأنها و رفيع مجدها، و كانت الأيام قد شتتت شمل هذه التواريخ و نقلتها إلى غير هذه الديار خصوصا الديار الغربية و المصرية و لم يبق منها في الشهباء إلا نزر يسير و قل من كثير لا يشفي علة و لا يروي غلة.

25

و وجدت غير واحد من أبناء وطني من ذوي النباهة و ممن تلوح على أساريرهم مخايل النبالة تتطلع نفوسهم إلى معرفة تاريخ بلدهم و الوقوف على مآثر أسلافهم و مفاخر آبائهم و ما مر على الشهباء من أدوار التقدم و التأخر و ما كانت عليه من الحضارة و العمران في العصور السالفة و الأزمنة المتقادمة علما منهم بالأمور التي قدمناها و الحقايق التي أوضحناها.

رأيت من المحتم عليّ على قلة بضاعتي و كثرة شواغلي و توزع بالي أن أضع لها تاريخا يكشف النقاب عمن تولاها و ينبى‏ء عمن مضى من أعيانها، فعزمت على ذلك بعد الاتكال على اللّه ذي الجلال المتفرد بالبقاء و الكمال و شمرت عن ساعد الجد و وجهت لهذا المشروع الخطير ركائب الهمة، مع علمي بصعوبة ذلك المرتقى و ما يعترضه من المشاق، إلا أن ذلك لم يثن من عزيمتي و لم يقصر من همتي، و جعلت شعاري قول ذلك الشاعر العربي:

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى* * * فما انقادت الآمال إلا لصابر

و لما قارب الكتاب الإتمام و كاد يفوح منه مسك الختام بعون الملك العلام و سمته ب

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

و قسمته إلى مقدمة و قسمين، و قسمت المقدمة إلى فصلين، الفصل الأول في بيان ما وضعه فضلاء الشهباء من التواريخ الخاصة بها، و الفصل الثاني في بيان ما وضعوه من التواريخ العامة مرتبا ذلك على سني وفاة مؤلفيها، و تكلمت على كل تاريخ بقدر ما أدى إليه بحثي و وصل إليه علمي، و ذكرت المكتبة التي يوجد فيها ذلك الكتاب قاصدا بذلك تسهيل السبيل إليه لمن رام الوقوف أو الحصول عليه:

26

القسم الأول‏

و هو في ثلاثة مجلدات، ذكرت فيه من ملك حلب و من تولاها من حين الفتح الإسلامي [فتح أبي عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنه‏] سنة 16 إلى نهاية سنة 1325 و أخبار ملوكها و أمرائها و الحوادث التي حصلت في زمنهم و ما لهم من الآثار.

و قد وقفت فيه عند هذه السنة لأن السنة التي بعدها حصل الانقلاب العثماني حيث قام فيها نيازي و أنور و غيرهما من الضباط و ثاروا مع الجيش العثماني في جهة سلانيك و قصدوا الأستانة و ألزموا السلطان عبد الحميد الثاني إقامة حكومة دستورية و إعادة فتح المجلس النيابي الذي كان أغلقه قبل ذلك بسنين، و حصل من ذلك الحين إلى السنة التي نحن فيها و هي سنة 1342 حوادث كثيرة خطيرة يطول شرحها تصلح أن تجعل تاريخا على حدة، و وجدت أني إذا تتبعتها و تتبعت ما له علاقة بهذه الحوادث بالشهباء و ما حولها أضعت ما ألزمت به نفسي من التنقيب و البحث دائما عمّا يتعلق بالشهباء من حوادثها القديمة و تراجم أعيانها السابقين المبعثرة في بطون الكتب و الأوراق المفردة الملقاة في زوايا الإهمال في الخزائن.

و في البحث عنها و عما جد من الحوادث الأخيرة إضاعة للجهيتن معا، فإذا وجدت أن البحث قد بلغ حده و انقطع الأمل من العثور على حوادث الشهباء القديمة و تراجم أعيانها السابقين و كان في الأجل فسحة و في الوقت متسع وجهت الهمة إلى تدوين ما كان من الحوادث في الشهباء من سنة 1326 إلى المدة التي نكون فيها و جعلته ذيلا على حدة و باللّه التوفيق.

خطتي في هذا القسم:

توخيت في هذا القسم خطة البسط، فما رأيته من الحوادث في كتابين أخذت الأوسع منهما، و إذا كان في الأقل زيادة مفيدة التقطتها و أضفتها إلى تلك لتكون الفائدة أتم. أردت بذلك أن يخرج الكتاب عن حد الفهرست التي يقل الاستفادة منها كما هو

27

شأن بعض ما رأيته من التواريخ المتقدمة، لأن في البسط تتجلى الحوادث و تظهر أسبابها و تستبين نتائجها خصوصا لمن كان ثاقب الفكر واسع المدارك.

و في آخر ولاية كل ملك أو وال ذكرت ترجمته مع ماله من الآثار في هذه الديار، و لم يشذ عني من هذه التراجم إلا القليل، و قد تناول الكلام على هذا القسم ذكر حوادث البلاد التي كانت معدودة من معاملات حلب على عهد الدولة العثمانية.

و القسم الثاني‏

و هو في أربعة مجلدات ذكرت فيه تراجم أعيان الشهباء ما بين وزير و أمير كبير و محدث و فقيه و شريف و وجيه و خطيب و طبيب و شاعر و أديب و تاجر و زعيم و غيرهم من ذوي المزايا و أرباب المناقب.

و قد ابتدأت فيه من أوائل القرن الثالث للهجرة لأني لم أقف على تراجم لأحد من أعيان الشهباء قبل ذلك، و لعلك تجد لهم ذكرا في تاريخ ابن العديم، و هذا القسم نقف فيه عند السنة التي ينتهي فيها الطبع إن شاء اللّه تعالى.

خطتي في هذا القسم:

توخيت في هذا القسم خطة البسط أيضا، فما رأيته من التراجم في كتابين أخذت أوسعهما و أضفت إليه ما وجدته من الزوائد المفيدة في الثانية، و انتهجت منهج الاستقصاء بقدر الإمكان، فلم يقع نظري على ترجمة لحلبي في كتاب من الكتب التي اطلعت عليها إلا و نظمتها في عقد هذا التاريخ، لأن في هذا الاستقصاء يتسنى لبعيدي النظر استجلاء سير العلم و الاجتماع في العصور السالفة فيقايسون بينها و بين هذا العصر أو بين كل عصر و عصر، و سيظهر لنا الزمان في المستقبل أن الكثير من هؤلاء المترجمين لهم آثار علمية و أوقاف خيرية لم تذكر في تراجمهم إلى غير ذلك من الفوائد.

28

و قد التزمت أن لا أذكر إلا من كانت ولادته في الشهباء أو كان ممن توفي فيها، و أما من نزلها ثم ارتحل عنها أو اجتاز بها فقد ضربت عنه صفحا لأن ذلك مما يطول شرحه و يحتاج إلى مجلدات كثيرة، و جعلت أعيان كل قرن على حدة مبتدئا من القرن الثالث (لأني لم أقف على تراجم لأحد منهم قبل ذلك) إلى هذا العصر مرتبا لهم على مقتضى سني وفاتهم لتكون ترجمة المعاصر مقرونة مع معاصره تقريبا، و سلسلة حوادثهم متصلة غير منفصلة أو قريبة الارتباط ببعضها، وجدت أن ذلك أولى من ترتيبهم على حروف المعجم لأن ذلك يجعل من كان من أهل القرن الثالث مع من كان من أهل القرن الثالث عشر و هلمّ جرا فتختلط القرون ببعضها و تتبعثر سلسلة الحوادث فيصعب على القارى‏ء التمييز و يحصل له من التشويش ما لا مزيد عليه. و ما كان مطبوعا من مؤلفات علماء الشهباء أشرت إليه بذكره بين هلالين أثناء الترجمة أو في الذيل و أشرت إلى كثير مما هو غير مطبوع إلى المكتبة التي يوجد فيها هذا الكتاب ليسهل الاستحصال عليه لمن رام ذلك، و هذا القسم في أربعة مجلدات تبلغ نحو ألفي صفحة، و تنيف عدد التراجم فيه على ألف و خمسمائة ترجمة.

و من مزايا تاريخي أني عزوت كل حادثة و كل ترجمة إلى الكتاب المنقولة عنه، و ما تجده غير معزو، أو بعد كلمة أقول، فإنه مما أملاه فهمي الفاتر و سطره قلمي القاصر، قصدت بذلك أن يكون القارى‏ء مطمئن البال و ليسهل عليه الرجوع إلى الأصل عند اقتضاء الحال.

و يزيد ما تصفحته من الكتب عن ثلثمائة مجلد هذا غير المجاميع و الأوراق المبعثرة التي ظفرت بها في الخزائن و ما تلقيته من أفواه الرجال الذين أثق بهم، و لا تسل عما تكبدته من المشاق و ما تجشمته من المتاعب في سبيل الحصول على هذه المواد و اقتناص شواردها و جمع شملها المتبدد حتى انتظم منها عقد هذا التاريخ و تراصفت مبانيه‏

و طالما واصلت ليلي بالسهر* * * أرعى النجوم لالتقاطي الدرر

كأنّ سلك عقدها المجره* * * أضم فيه درة فدره‏

على أن ما صرفته من ثمين الوقت و ما لاقيته من المصاعب كنت أجده شرابا سائغا و موردا عذبا بجانب الغاية النبيلة التي كنت أقصدها و هي القيام بخدمة بلادي و أبناء وطني بكتاب يوقفهم على تاريخ أوطانهم و مآثر أسلافهم.

29

هذا و إني لا أدعي الإحاطة بجميع حوادث الشهباء و جميع تراجم أعيانها في هذه القرون مع أني لم آل جهدا في الحصول على ما أمكن الحصول عليه في الديار السورية لأن ذلك من الأمور المستحيلة، و على فرض إمكان ذلك فإنه موقوف على الحصول على جميع التواريخ التي ذكرناها في المقدمة و على مراجعة غيرها من التواريخ التي لم نذكرها في كتابنا.

و من رام الزيادة على ما وضعته فعليه أن يشد الرحال إلى الديار المصرية و الرومية و الغربية فهناك يجد باب الزيادة مفتوحا أمامه، خصوصا إذا كان من الواقفين على اللغات الغربية المشهورة و يكون بذلك قد قام بخدمة جلى لمدينة الشهباء و اللّه الهادي إلى سواء السبيل.

و كنت أود وضع قسمين آخرين يكونان متممين لهذا التاريخ أذكر في قسم محلات حلب، و ما في كل محلة من المدارس و الجوامع و المساجد و الرباطات و الخانات و غير ذلك من الأماكن و الآثار القديمة، و أتكلم على كل مكان فأذكر اسم بانيه و واقفه و ما وقفه و ما هو نوع ذلك الوقف و حالة ذلك المكان الآن و حالة وقفه، و القسم الثاني أذكر فيه أعمال الشهباء من البلاد و القرى و أحوالها الماضية و الحاضرة و ما هناك من الآثار القديمة و بقاياها.

و لا ريب أني أكون بذلك أحسنت الصنع و أكملت الوضع و وفيت تاريخ الشهباء حقه، غير أني وجدت أن هذا العمل العظيم ليس في وسعي أن أقوم به وحدي و يحتاج إلى عدة أشخاص من الواقفين على اللغات الأجنبية و الآثار القديمة يقومون بسياحة طويلة في هذه الأماكن، و يقتضي لهؤلاء نفقات كثيرة لا يقوم بها إلا الحكومة، فاكتفيت بما وضعته و اقتنعت بما جمعته، و لعل اللّه يلهم أولي الأمر بالقيام بهذا العمل الجليل في مستقبل الأيام.

هذا و إني أبسط يد الرجاء إلى الناقد البصير أن يسبل ذيل العفو و يصفح عما يجده من التقصير و السهو، فإن الكمال للّه جل جلاله و العصمة لأنبيائه العظام و رسله الفخام.

يا ناظرا فيما قصدت لجمعه* * * اعذر فإن أخا الفضيلة يعذر

و اعلم بأن المرء لو بلغ المدى* * * في العمر لاقى الموت و هو مقصّر

فإذا ظفرت بزلة فافتح لها* * * باب التجاوز فالتجاوز أجدر

و من المحال بأن يرى أحد حوى* * * كنه الكمال و ذا هو المتعذر

غير النبي المصطفى الهادي الذي* * * يفنى الزمان و فضله لا يحصر

30

و اللّه أسأل و بنبيه الأعظم (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتوسل أن يجعل سعيي مشكورا و عملي خالصا مقبولا، إنه على كل شي‏ء قدير و بالإجابة جدير. و قد آن أن أشرع بالمقصود بعون الملك المعبود.

31

المقدمة

و فيها فصلان:

الفصل الأول: فيما وضعه فضلاء الشهباء من التواريخ الخاصة بها:

(1) الكلام على بغية الطلب‏

قال العلامة رضي الدين محمد بن الحنبلي المتوفى سنة 971 في خطبة تاريخه «در الحبب في تاريخ حلب»: «اهتم بأمر تاريخ الشهباء جماعة من النبلاء و شرذمة من الفضلاء، فكان ممن أقدم و كتب لها تاريخا حسنا فيما تقدم: المولى الصاحب صاحب المآثر و المناقب كمال الدين أبو حفص عمر بن أبي جرادة العقيلي المعروف بابن العديم الحلبي الحنفي، و هو التاريخ الكبير الذي سماه «بغية الطلب في تاريخ حلب» و انتزع عنه تاريخه المسمى بزبدة الحلب في تاريخ حلب، حتى انتزعنا منه و زدنا عليه سوى ما تلقيناه عنه سنة إحدى و خمسين و تسعماية مختصرنا الذي سميناه بالزبد و الضرب في تاريخ حلب، و كانت وفاته سنة ستين و ستماية». و قال في التاريخ المنسوب لابن الشحنة: «و قد رأيت جماعة من العلماء جمعوا تواريخ لبلادهم على أنحاء شتى بحسب اجتهادهم و لم أر لحلب تاريخا مختصا بذكرها منطويا على بث محاسنها و نشرها، و هي خليقة بذلك لأنها واسطة عقد الممالك و زمامها الذي من ملكه تصرف فيها بكل الأمور التي تريدها نفسه و تشتهيها، إلا ما جمعه تاريخا مستوعبا لها الإمام العلامة كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن العديم الحلبي الحنفي فأتقن و أجاد و أطال، و لم يبيض منه إلا اليسير، و أطال فيه من ذكر الروايات‏

32

و الطرف فجاء معنى قليلا في لفظ كثير، و لم يسبقه أحد بتاريخ لها على الخصوص و سماه:

«بغية الطلب بتاريخ حلب» رتبه على حروف المعجم، كما أخبرني بذلك الأمير النقيب بدر الدين الحسيني نقيب السادة الأشراف في المملكة الحلبية (رحمه اللّه) أن مسودته كانت تبلغ نحو أربعين جزءا كبارا و المبيضة تجي‏ء كذلك، لكن اخترمته المنية قبل إكمال الأمنية و تفرقت أجزاؤه قبل الفتنة التيمورية، فلا تجد الآن منها إلا نزرا لم أقف منها إلا على جزء واحد بخطه فيه بعض حرف الميم و فيه ترجمة الملك العادل نور الدين محمود و ترجمة جدي الأمير حسام الدين محمود شحنة حلب و بعض تراجم غيرها، و هو عندي، و بلغني أنه ذكر في الجزء الأول من خصائص حلب و فضائلها و معاملاتها و مضافاتها» انتهى.

أقول: إن هذا التاريخ أجل تواريخ الديار الحلبية و أعظمها شأنا و هو بالسند على نسق كثير من تواريخ المتقدمين طالما رأينا من الأجانب الذين يفدون إلى الشهباء يبحثون عنه توصلا إلى الحصول على نسخة أو قطعة منه.

قال صاحب مجلة المشرق في محاضرته التي ألقاها في حلب سنة 1906 م و نشرها في السنة التاسعة من مجلته: و قد عني الأوربيون بنقل تاريخ كمال الدين إلى الإفرنسية و نشره لكثرة فوائده.

و هو مفقود منذ أعصار من هذه الديار، غير أنا فيما سنتلوه عليك من القول و الدلائل يظهر لك أنه قد بيض معظمه بل لم يبق منه في المسودة إلا النزر اليسير، أعني من سنة 640 إلى سنة 660 و هي السنة التي توفي فيها المؤرخ (رحمه اللّه) خلافا لما ذكره في الدر المنتخب من أنه لم يبيض منه إلا اليسير.

يوجد منه جلدان في مكتبة الأمة في باريس رقمهما «2138» ابتدأ فيهما بترجمة إسحق بن منصور و انتهى بترجمة أمين بن عبد اللّه الأموي، و هما محرران من نحو 500 سنة و يوجد جزء منه في المتحف البريطاني في لوندره، و يوجد منه جلد واحد في مكتبة أياصوفيا في عاصمة السلطنة العثمانية و رقمه «3036» و هو في «525» صحيفة بخط حسن وعدة صحف في آخره ممحوة يتعذر قراءتها، و يغلب على الظن أن هذا الجلد أول التاريخ.

و يوجد في إحدى مكتبات باريس قطعة منه ترجمها إلى الإفرنسية؟ أبلوش و طبعت سنة 1900 م في مطبعة «ليرو» في «255» صحيفة استحضر نسخة منها أندره‏

33

ماركوبلي أحد الوجهاء الإيطاليين المتوطنين هنا، و قد أطلعني عليها و ترجم لي جانبا منها، و حوت هذه القطعة المترجمة من سنة 540 إلى سنة 640 أعني إلى قبل وفاة المؤلف بعشرين عاما، و في أول هذه القطعة ترجمة نور الدين الشهيد و ذكر ما له من الآثار، و في آخرها ترجمة جمال الدولة إقبال الخاتوني حينما أتى إلى حلب.

و قد عني مؤرخو الإفرنسيين بجمع ما كتبه مؤرخو الإسلام عن الحروب الصليبية في عشرة مجلدات ضخمة مع ترجمة ذلك إلى اللغة الإفرنسية رأيتها في المكتبة اليسوعية في بيروت و رأيت منها سبعة عند الخواجه هانري ماركوبلي أحد وجهاء الإيطاليين المتوطنين في حلب ذكروا تحت عنوان (منتخبات من تاريخ حلب لكمال الدين) حوادث حلب من سنة 490 إلى سنة 541 و هي السنة التي توفي فيها زنكي والد نور الدين الشهيد، و هي في 57 ورقة، ثم ذكروا بعدها تحت عنوان (منتخبات من بغية الطلب) ترجمة إسماعيل بن بوري المتوفى سنة 529 و ترجمة إسماعيل بن نور الدين الشهيد المتوفى سنة 577 و ترجمة آق سنقر بن عبد اللّه المتوفى سنة 487 و ترجمة آق سنقر البرسقي المتوفى سنة 520 و ترجمة آلب أرسلان بن رضوان المتوفى سنة 508 و هي في 19 ورقة، و قد أتيت على ما في القطعتين في محالها مما له علاقة بحلب، و قد وجدت فيهما من التفصيل ما لم أجده في غيرهما، و ذلك مما يحتم علينا تطلب جميع هذا التاريخ و الاستحصال عليه لعظيم فوائده.

و أخبرني الفاضل الرحالة خليل أفندي الخالدي من أهالي القدس الشريف في 22 محرم الحرام سنة 1328 حينما مر من الشهباء قاصدا ولاية ديار بكر معينا قاضيا بها أنه وجد في دار الخلافة في المكتبة السلطانية في سراي طوب قبو نسخة كاملة من تاريخ ابن العديم بخط مؤلفه و أن المجلد الموجود في مكتبة أياصوفيا هو بخط المؤلف أيضا و أنه كتب في آخر النسختين أنه سمع منه التاريخ شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن الدمياطي، و عبد المؤمن هذا توفي سنة 705 و هو من تلامذة ابن العديم و من كبار أئمة الحديث ممن انتهت الرحلة إليه و له ترجمة حافلة في طبقات الشافعية لعبد الرحيم الأسنوي و هي موجودة في المكتبة الأحمدية بحلب.

34

و الصلاح الصفدي حينما سرد أسماء التواريخ في مقدمة تاريخه ذكر (1) تاريخ ابن العديم و لم يقل إن شيئا منه لم يزل في المسودة.

و قد عده الجلال السيوطي في أوائل تاريخه «بغية الوعاة في طبقات النحاة» من جملة التواريخ التي طالعها، و قال إنه في عشرة مجلدات، و قال في آخر تاريخه ما نصه:

و أما الشام فوقفنا على تاريخها لابن عساكر و أعظم به و تاريخ حلب لابن العديم، و نقل عنه في ترجمة ابن خالويه النحوي ما نصه: رأيت في تاريخ حلب لابن العديم بخطه.

قال: رأيت في جزء من أمالي ابن خالويه سأل سيف الدولة جماعة من العلماء بحضرته ذات ليلة: هل تعرفون اسما ممدودا و جمعه مقصور؟ فقالوا: لا، فقال لابن خالويه: ما تقول أنت؟ قلت: أنا أعرف اسمين، قال: ما هما؟ قال: لا أقول لك إلا بألف درهم لئلا تؤخذ بلا شكر و هما صحراء و صحارى و عذراء و عذارى، فلما كان بعد شهر أصبت حرفين آخرين ذكرهما الجرمي في كتاب التنبيه، و هما صلفاء و صلافى: الأرض الغليظة و خبراء و خبارى و هي أرض فيها ندوّة، ثم بعد عشرين سنة وجدت حرفا خامسا ذكره ابن دريد في الجمهرة و هي سبناء و سبانى و هي الأرض الخشنة. اه.

قال صاحب فوات الوفيات في ترجمة المؤلف: إنه مات قبل إكمال تبييضه، و قال العلامة اليونيني في الذيل في حوادث سنة 660 في ترجمة المؤلف ما نصه: «و جمع لحلب تاريخا أحسن فيه ما شاء و مات و بعضه مسودة لم يبيضه و لو تكمل تبييضه كان أكثر من أربعين مجلدا».

(2) الكلام على تاريخ حمدان بن عبد الرحيم الأثاربي المسمى بالقوت‏

(3) و تاريخ ابن العظيمي‏

(4) و تاريخ ابن حميدة المسمى بمعادن الذهب‏

صريح ما قدمناه عن در الحبب و الدر المنتخب أن أول تاريخ وضع للشهباء هو بغية الطلب للكمال ابن العديم، لكن قال في كشف الظنون: و من تواريخ حلب كتاب أبي‏

____________

(1) من مخطوطات المكتبة الأحمدية بحلب‏

35

عبد اللّه محمد بن علي العظيمي و معادن الذهب لابن أبي علي يحيى بن حميدة الحلبي، و هو تاريخ كبير و ذيله له أيضا، و قال في الكشف أيضا في صحيفة 228 «تاريخ العظيمي هو أبو عبد اللّه محمد بن علي رتبه على السنين و له تاريخ حلب أيضا» و قال الحافظ السخاوي في كتاب التوبيخ لمن ذم التاريخ‏ (1) في الكلام على حلب مانصه «جمع تاريخها من سنة تسعين و أربعمائة يتضمن أخبار الفرنج و أيامهم و خروجهم إلى الشام من السنة المذكورة و ما بعدها أبو الفوارس حمدان بن عبد الرحيم بن حمدان التميمي الأثاربي ثم الحلبي سماه القوت» اه. و قال ياقوت في معجم البلدان في الكلام على الأثارب «و حمدان بن عبد الرحيم الأثاربي طبيب متأدب و له شعر و أدب و صنف تاريخا كان في أيام طغندكين صاحب دمشق بعد الخمسماية اه». و هذا يفيد أن أول من وضع تاريخا للشهباء هو حمدان الأثاربي ثم ابن العظيمي ثم ابن حميدة ثم ابن العديم، لأن العظيمي على ما سيأتي في ترجمته كانت ولادته سنة 483 أربعمائة و ثلاث و ثمانين، و لم يذكر المؤرخون تاريخ وفاته و يظهر أنها كانت في أواسط القرن السادس و ابن حميدة كانت وفاته سنة 630 و ابن العديم كانت وفاته سنة (660 فالعظيمي على هذا له تاريخان تاريخ خاص بالشهباء و تاريخ عام رتبه على السنين و لم أقف على اسمي هذين التاريخين.

و تراجم هؤلاء المؤرخين و الذين بعدهم سنذكرها جميعها في القسم الثاني حيث نجد ترجمة كل واحد في السنة التي توفي فيها فراجعها ثمة.

(5) الكلام على زبدة الحلب في تاريخ حلب‏

هو لكمال الدين أبي القاسم عمر بن أبي جرادة المتوفى سنة 660 انتزعه من تاريخه الكبير بغية الطلب المقدم ذكره و هو مرتب على السنين إلى سنة 641 يوجد منه نسخة في بطرسبرج في المكتبة العمومية و نسخة منه في باريس في المكتبة العمومية أيضا و رقمها (1666) في 268 صحيفة، و يظهر أن هذه النسخة تامة و قد ترجم إلى اللغة الإفرنسية و طبع في باريس سنة (1896) و سنة (1898) و نشر في مجلة الشرق اللاتيني.

____________

(1) من مخطوطات المكتبة الأحمدية

36

و يوجد قطعة منه في المكتبة الخديوية في القاهرة، ففي فهرستها الأولى في حرف الزاي ما نصه: «نبذة من زبدة الحلب في تاريخ حلب لأبي حفص عمر بن أحمد بن هبة اللّه الشهير بابن العديم المتوفي سنة 660 طبع حروف بباريس سنة 1819 و معها مقدمة تاريخية، و ترجمة النبذة المذكورة باللغة اللاتينية لمسيوفيرتيك»

نس ج ان خ 1067 ن ع 24580 اه.

انتحال الطبيب بيشوف لهذا الكتاب و تحقيق ذلك:

لما قرأت هذه العبارة في الفهرست كتبت إلى عبد اللطيف ابن أخي الشيخ محمد (رحمه اللّه) فاستنسخ هذه القطعة و أرسلها لي شكر اللّه سعيه، و هي في 48 صحيفة مفتتحة بمسير سيدنا خالد بن الوليد رضي اللّه عنه إلى حلب و مختتمة باستقرار ولاية حلب لسيف الدولة بن حمدان سنة 336، و قد أدرجت تلك القطعة بتمامها في محالها كما ستراه.

و قد قابلتها على «تحف الأنباء في تاريخ حلب الشهباء» للطبيب بيشوف الجرماني المطبوع في المطبعة الأدبية في بيروت سنة 1880 م فوجدتهما متحدتين في العبارة ليس بينهما من الفرق إلا ما يقع عادة من النساخ من تحريف حرف أو إسقاط كلمة أو تقديم جملة و تأخير أخرى.

فظهر لي من هذا ظهور الشمس في رابعة النهار أن الطبيب المذكور ظفر بنسخة تامة من زبدة الحلب الذي نحن في صدد الكلام عليه فأخذها برمتها و نسبها إلى نفسه، لأن توارد الخواطر على 48 صحيفة مما يستبعده العقل جدا، و ليس ببعيد أن يكون ما ذكره من الحوادث بعده سنة 641 إلى سنة 922 هو أيضا لبعض مؤرخي الشهباء ظفر به فنسب الجميع إلى نفسه، فعلى هذا لا يكون للطبيب المذكور في هذا الكتاب سوى المقدمة، و أما الخطبة فإنها بلا ريب من إنشاء بعض أدباء الشهباء، فقد حدثني من أثق به ممن يعرف الطبيب المذكور حق المعرفة و عاشره مدة غير قليلة أنه لم يكن من الواقفين على شي‏ء من العلوم العربية و لا يعرف من العربية إلا اللغة العامية، و هذا مما يزيدك برهانا على أن الكتاب المذكور ليس له فيه شي‏ء. نعم ما ذكره في آخر الكتاب من الكتابات و النقوش التي على أبواب الجوامع و المساجد و المدارس و الخانات هو له، و قد حدثنا من شاهده و هو يدور في‏

37

أزقة الشهباء و يقرأ ما كتب على تلك الأماكن و يحرر ذلك عنده، و قد كانت وفاة الطبيب المذكور في أوائل هذا القرن و لم أقف على تاريخ مجيئه من بلاده إلى هنا.

و إقدام الطبيب المذكور على نسبة جميع الكتاب إلى نفسه و بخسه حق مؤلفه و ناظم عقده أمر غريب في بابه جدا و هو خيانة كبرى للعلم لا ينبغي أن تصدر من أمثاله، و كأنه ظن أن ذلك سيبقى تحت طي الخفاء و الكتمان لا تظهره الأيام و الأزمان، و لو أنه عزا الكتاب إلى صاحبه و أدى الأمانة إلى أهلها و ذكر ماله في هذا الكتاب من الزيادات لكنا من الشاكرين له و المقدرين لمساعيه.

و مما يجدر التنبيه عليه أن الطبيب المذكور لم يستقص في كتابه جميع الكتابات المنقوشة على أبواب و جدران الجوامع و المدارس و الخانات و القساطل و المنارات و الزوايا و الرباطات و الذي كاد يستقصي ذلك لجنة ألمانية حضرت إلى الشهباء سنة 1326 مؤلفة من ثلاثة أشخاص يدعى أحدهم (صوبرنهام) و الثاني (برنهارد سوفير) و الثالث الطبيب (إرنست هارتز فيلد) بقيت تتجول في الشهباء و ضواحيها مقدار ثلاثة أشهر، إلا أنها لم تأخذ النقوش التي كتبت بعد الفتح السليمي، و قد تعرفت بهؤلاء الثلاثة حينما أتوا إلى محلتنا (باب قنسرين) و أخذوا يقرؤون ما كتب على الحجر المدور الموضوع فوق باب المسجد المعروف الآن بمسجد الشيخ حمود الملاصق للبيمارستان الأرغوني، فساعدتهم على قراءة ما كتب على ذلك الحجر بالخط الكوفي و الكتابة مما يسر قراءتها و هي:

[بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما عمر ابتغاء ثواب اللّه تعالى أبو المكارم الأسكافي عفا اللّه عنه سنة اثنين و أربعين و خمسمائة] و حينما وقفوا عند البيمارستان الأرغوني و أخذوا في قراءة ما كتب على بابه رأيتهم يقرؤون ثم يراجعون ذلك في كتاب بيشوف فلحظوا مني أمارة التعجب من ذلك فقال لي أحدهم: إنا لا نثق كثيرا بما كتبه بيشوف لأنه قد لا يقف على كلمة حق الوقوف فيثبتها محرفة و الاختبار أيد عندنا ذلك، فلهذا نحن مضطرون إلى القراءة ثم المراجعة ليكون علمنا يقينيا لا ريب فيه.

و رافقت هؤلاء في يوم ذهبوا فيه إلى تربة الصالحين فتساعدنا على قراءة ما كتب فوق باب قبلية المسجد بجانب المقام الذي فيه أثر قدم كبيرة يقال إنها أثر قدم سيدنا إبراهيم الخليل (صلوات اللّه و سلامه عليه)، و بعد مشقة و وقت غير قليل تمكنا من قراءة ما نقش‏

38

عليه و هو أقدم كتابة عربية رأيناها في الشهباء بعد الكتابة التي على منارة الجامع الأعظم، و هذا نصها:

السطر الأول: مما أمر بعمله ملك الملو

السطر الثاني: ك عضد الدولة أبو شجاع أحمد

السطر الثالث: ابن يمين أمير المؤمنين و جرى ذلك‏

السطر الرابع: على يد تاج الملوك أبي الغنائم في سنة

السطر الخامس: تسع و تسعين و أربع ماية

و أطلعني هؤلاء الثلاثة في اجتماع خاص في الفندق النازلين فيه على الجزء الثاني من كتاب آداب اللغة العربية في الألمانية تأليف (بروكلن) من مستشرقي الألمان فيه تراجم مؤرخي العرب مع الإشارة إلى المكتبة التي يوجد فيها شي‏ء من هذه التواريخ و استخرجوا لي ما هو موجود من تواريخ الشهباء في المكتبات الأوربية، و قد أثبت ما استخرجوه لي في محلاته، و الجزء الأول لم يكن معهم و أخبروني أن (هوار) من مستشرقي الإفرنسيين له كتاب في هذا الموضوع.

(6) الكلام على حضرة النديم من تاريخ ابن العديم‏

هو مختصر من زبدة الحلب المتقدم، قال في كشف الظنون: «و للشيخ طاهر بن حسن المعروف بابن حبيب الحلبي المتوفى سنة 808 تاريخ منتزع منه أيضا أي من زبدة الحلب سماه حضرة النديم من تاريخ ابن العديم هكذا وجدته» ثم رأيت في درة الأسلاك لوالده حسن بن حبيب أنه يقول في ترجمة الكمال ابن العديم «جمعت من تاريخه و من خطه كتابا لطيفا سميته حضرة النديم» اه.

(7) الكلام على الزبد و الضرب في تاريخ حلب الذي هو مختصر من زبدة الحلب أيضا

هو لرضي الدين محمد بن الحنبلي صاحب در الحبب المتوفي سنة 971، قال في كشف الظنون: هو تاريخ مختصر انتخبه من زبدة الحلب و زاد من سنة 660 إلى سنة

39

951 اه. و هذه العبارة تفيد أنه زاد على الأصل حوادث من سنة 660 إلى سنة 951 و ليس كذلك، فإن المؤلف لم يزد على الأصل شيئا بل وصل فيه إلى سنة 641 و قال في آخره: و إلى هذه السنة (أي سنة 641) انتهى ما وجدته من نسخة الأصل و هي نسخة منقولة من نسخة كتبت من خط مؤلفها المولى الصاحب كمال الدين أبي حفص عمر بن أبي جرادة.

نعم زاد بعض حوادث في ضمن هذا المختصر لم تذكر في الأصل كما قال في خطبة كتابه، و تأليفه هذا المختصر كان سنة 951 لا أنه زاد من سنة 660 إلى سنة 951 كما توهمه صاحب الكشف. و الذي أوقعه في هذا السهو غموض عبارة در الحبب التي قدمناها في ابتداء الكلام على بغية الطلب.

يوجد هذا المختصر في بطرسبرج عاصمة روسيا و رقمه (203) و في المتحف البريطاني في لوندرة و رقمه (334) و في أكسفورد و رقمه (836) و في المدينة المنورة في مكتبة عارف حكمة بك الشهيرة في ضمن مجموع رقمه (59)، و قد ذكره صاحب مجلة المقتبس في رحلته إلى المدينة المنورة المنشورة في مجلته، و على إثر ذلك أرسلت فاستنسخته و هو في ثلاث كراريس تنتهي حوادثه إلى سنة 641 كما قدمنا، و قال في آخره: و كان الفراغ من انتخابه في يوم الجمعة المبارك السابع و العشرين من ربيع الآخر من شهور سنة إحدى و خمسين و تسعماية اه. و قد أدرجنا جميع ما فيه في القسم الأول كما ستراه.

[تنبيه‏]: في فهرست مكتبة عارف حكمة بك الكائنة في المدينة المنورة ما نصه:

(نمرة 94 تاريخ حلب مجهول في ورقة 14) و قد استنسخت هذه الأوراق فإذا هي ليست تاريخا لحلب بل هي موشح للشيخ أبي الفتوح علي الميقاتي الحلبي المتوفى سنة 1174 ذكر فيه منتزهات الشهباء و مدح فيها بعض وجهائها في عصره، قال في مطلعه:

حلب الشهبا و هاد النظر* * * و مهاد قد تعالت عن نظير

بينها و المدن حسن من نظر* * * قال بالسبق لها دون النظير

ثم شرحه في عشرة أوراق، و قد نبهنا عليه لئلا يغتر به من يقرأ تلك الفهرست‏

40

(8) الكلام على الدر المنتخب لابن خطيب الناصرية

قال في در الحبب: ثم ذيل عليه (أي على بغية الطلب) العلامة الأوحد الحافظ قاضي القضاة علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن سعد الطائي الجبريني ثم الحلبي الشافعي المشهور بابن خطيب الناصرية فوضع تاريخه المسمى بالدر المنتخب في تاريخ حلب، و كانت وفاته بحلب سنة ثلاث و أربعين و ثمانمائة، و لم يخلف بعده بها مثله من الشافعية كما ذكره الحافظ السخاوي في تاريخه الموسوم بالضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، و قد ضمن تاريخه هذا تراجم أعيانها و رتبهم على حروف المعجم لتسهيل بيانهم و بيانها، و لما وصل إلى حلب حافظ العصر الشهاب ابن حجر العسقلاني المصري القاهري الشافعي سنة ست و ثلاثين و ثمانماية طالع هذا التاريخ من المبيضة ثم من المسودة و ألحق فيه أشياء كثيرة، كما تعرض لهذا في ديباجة تاريخه المشهور بأنباء الغمر و أثنى على صاحبه و أفاد أن كلا منهما سمع من صاحبه اه.

أقول: و هو في مجلدين يوجد نسخة منه في برلين و رقمها (9791) و في مدينة كوتاه (غوطا) و رقمها (9772) و في لوندرة و رقمها (436) و يوجد الجزء الثالث في مكتبة الأمة في باريس و رقمه (2139) ابتدى‏ء فيه بترجمة عبد الكريم بن أحمد المصري الأصل و اختتم بترجمة محمد بن تمام بن يحيى الحميري و هو في 150 ورقة، و يغلب على الظن أنه بخط المؤلف.

و في سنة 1339 ه 1921 م حضر إلى الشهباء (لويس ماسينيون) المستشرق الإفرنسي و أتيح لنا الاجتماع به و تذاكرنا معه في عدة مسائل تتعلق بالآثار الشرقية فانساق معنا الحديث (و الحديث شجون) إلى ذكر تواريخ حلب و ما هو موجود منها في مكتبات باريس، و ذكرنا له هذا الجزء و أعربنا له عن رغبتنا في الاستحصال عليه، فلما عاد إلى باريس تفضل بأخذه بالمصور الشمسي (الفوتوغراف) و أرسله إلينا.

فنحن نصوغ له عقود الثناء و نشكره على صنعه الجميل مزيد الشكر، و سنقتطف ما في هذا الجزء من التراجم التي ليست عندنا و نثبتها في مكانها على شرطنا المتقدم.

41

و في مكتبة (لاله‏لي) في الأستانة و رقمها (2036) و 2037 و في مكتبة خالص بك مستشار الخاصة في الأستانة و هي مكتبة شهيرة ملك لصاحبها المذكور و يغلب على الظن أنه توفي من عهد قريب، و كان في مكتبة الأحمدية بمدينة حلب نسخة في جزئين الثاني منهما مطموس الآخر كما ذكره في فهرست المكتبة المذكورة استعارها على ما بلغني بعض العلماء منذ خمس و عشرين سنة و لم يعدها إلى الآن فعسى أن يلهمه اللّه إعادتها إلى مكانها فيكون قد أدى الأمانة إلى أهلها و حفظ هذا الأثر المهم من التشتت و الضياع، و هذا التاريخ أحد مواد الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، و الضوء اللامع موجود في المكتبة الظاهرية في دمشق و قد استنسخنا منه ما فيه من تراجم الحلبيين.

و قال جرجي زيدان في كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية) في الجزء الثالث منه في صحيفة 171: إن الدر المنتخب لابن خطيب الناصرية هو مختصر من بغية الطلب لابن العديم، و هذا وهم منه بل هو ذيل له كما عرفت.

و في فهرست المكتبة الخالدية في القدس الشريف في قسم التراجم مجموعة فيها تراجم و أدبيات بخط جامعها ابن خطيب الناصرية و رقمها (31) فيها مقدار 150 ترجمة و خطها سقيم.

(9) الكلام على المنتخب من الدر المنتخب‏

اختصر الدر المنتخب في مجلدين الإمام العلامة الشيخ أحمد بن محمد الشهير بالملا المتوفى سنة 1003 و ولده الشيخ محمد المتوفى سنة 1010، اختصر الشيخ أحمد المجلد الأول و ولده المجلد الثاني، يوجد المجلد الأول عند بعض أصحابنا في حلب و هو محرر بخط الشيخ محمد الملا ابن الشيخ أحمد المتقدم الذكر يبتدى‏ء أوله بترجمة إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن عبد اللّه المعروف بابن الرعياني و فيه 68 إبراهيم، ثم ترجمة (أبغا) ابن هولاكو ثم 198 أحمد ثم من اسمه إسماعيل و هكذا، و ينتهي آخره بترجمة ست النعم بنت يوسف بن محمد ابن النصيبي المتوفاة سنة 681 و هو محرر سنة 1009 قال في آخره: يتلوه باب الشين المعجمة.

42

(و على هامش النسخة ما نصه): لقد انتفع و استفاد كاتب هذه الأحرف و محرر هذه المداد و بلغ من فوائد هذا التاريخ الجامع المراد، و هو مما انتخبه العلامة جامع الفضائل الشيخ أحمد بن الملا محمد الشهير بابن الملا والد كاتب هذه الكلمات و شيخه و أستاذه و هو من اختصاره بخطه إلى نحو النصف، ثم إن النصف الثاني أتمه و أكمله بخطه بعده شقيقي العلامة و رفيقي الملا محمد ابن شيخ الإسلام المختصر المذكور ... في ذلك بالنسبة إلى الأصل، فاللّه تعالى يجزل أجورهم و يوفر بمساعيهم المشكورة حبورهم و يملأ بالسرور قبورهم و يمن علينا بما عليهم منّ و تفضل، قاله و كتبه إبراهيم بن أحمد الملا محمد العباسي الشافعي الحلبي حرر ذلك سنة ثمان عشرة و ألف. اه. و قد توج هذه العبارة بلفظ المنتخب من الدر المنتخب في تكملة تاريخ حلب لابن خطيب الناصرية.

و قال في مقدمته: قال عفا اللّه عنه: و بعد فلما كان حب الوطن يعد من الخلق الحسن و كانت حلب وطني عظيما قدرها جليلا أمرها مع حصانة حصنها و كثرة أعمالها و مدنها و طيب نقعها و صحة تربتها ورقة هوائها و عذوبة مائها و غزارة فضلها و كثرة العلماء و الشعراء من أهلها و وفور الطارش من العلماء عليها و الواردين من الأعيان و الفضلاء إليها و قد جمع تاريخا مستوعبا لذلك الإمام العلامة أبو القاسم كمال الدين عمر بن أحمد ابن العديم الحلبي الحنفي (رحمه اللّه) فأتقن و أجاد و أطال و لم يسبقه أحد إلى تاريخ لها على الخصوص و سماه بغية الطلب في تاريخ حلب (ثم قال): أحببت أن أذيل عليه ذيلا مختصرا و قبل الخوض في ذكر الأسماء أصدره بفصول الفصل الأول في حلب و أسمائها و من بناها، الثاني في ذكر حدودها و أعمالها، الثالث في عظم فضلها و خصائصها، الرابع في فتحها، الخامس في نهرها و قناتها و مساجدها و معابدها (إلى أن قال): ثم أذكر منها و من بلادها و من أخبارها من العلماء و الرواة و الفضلاء و الرؤساء و من كان بها من الصالحين و العباد و من نزل بها و اجتاز بها أو بمعاملتها من الشعراء و أرباب الإنشاء و من دخلها أو ملكها من السلاطين أو وليها من الأمراء و النواب و القضاة و من وفد إليها أو إلى معاملتها من فضلاء غيرها من البلاد ممن كانت وفاته من سنة ثمان و خمسين و ستماية و هي السنة التي أخذ هولاكو فيها حلب و خربها.

الفصل الأول في حلب و أسمائها الخ.

43

يوجد مثل هذا الجزء في مكتبة داماد إبراهيم باشا في الأستانة في مجلد واحد و رقمه [922] و هو في 242 ورقة أو 484 صفحة في كل صفحة 25 سطرا بالقلم الفارسي المتوسط، و هو منقول عن الجزء الذي هو بخط ابن المؤلف الموجود في حلب كتب في آخره: أنهاه كتابة و اختصارا أفقر عفو اللّه الصمد محمد بن أحمد بن محمد الملا الشافعي العباسي الحلبي في التاسع من ذي القعدة سنة 1009 أحسن اللّه سبحانه ختامها، يتلوه باب الشين المعجمة نقله من خط المختصر له الفقير ابن قاسم القاسمي الحلبي غفر اللّه له و لوالديه. اه.

قال جرجي زيدان في تاريخ آداب اللغة العربية في الجزء الرابع في كلامه على المستشرقين في ترجمته (فريتاغ) الألماني: إن من جملة ما نشره كتاب المنتخب من تاريخ حلب. اه. و لم يذكر مؤلفه و يغلب على الظن أنه غير الذي نحن في صدد الكلام عليه.

(10) الكلام على كنوز الذهب لموفق الدين أبي ذر

قال في در الحبب: ثم ذيل عليه [أي الدر المنتخب‏] الشيخ الإمام المحدث موفق الدين أبو ذر أحمد بن الحافظ المتقن برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي الشافعي سبط ابن العجمي و أنشأ تاريخه الموسوم [بكنوز الذهب في تاريخ حلب‏] و ضمنه ذكر الأعيان و الحوادث معا، و شنف بذكر اشتمالاتها مسمعا، و خلع به على قوم خلعا، و لم ينكل في حق آخرين عن الضرب مسمعا، واضعا للشي‏ء في محله حالي عقده و حله و جبره و فله في كثير الكلام و قله، و قد جزم في موضع من تاريخه هذا بما هو حق و صدق من أن موضوع علم التاريخ الإخبار عن الأخيار و الأشرار بصدق، و كانت وفاته بحلب سنة أربع و ثمانين و ثمانماية. اه.

أقول: إن هذا الكتاب نادر الوجود و لعل السبب في ذلك أن المؤلف كان يضن بكتبه كما يضن بكتب والده كما ستقرأه في ترجمته فلم تنتشر بين الناس بسبب ذلك.

و كتب لي الفاضل الوجيه سعادة أحمد تيمور باشا المصري أن في مكتبته من هذا الكتاب جزئين من مجلد واحد كلاهما به خروم، أحدهما في حوادث حلب و من تولاها و آخر في خططها و دورها و مساجدها، و يتخللهما بعض تراجم لاعيانها، غير أن النقص الذي‏

44

بهما شوههما و ذهب بالفائدة في مواضع فيهما. و رأيت المجلد الأول منه عند صديقنا الفاضل الشيخ كامل الغزي مؤلف نهر الذهب في تاريخ حلب، و هو بخط عدة من النساخ و الكثير من تلك الخطوط منها ما يتعسر قراءتها و منها ما يكاد يتعذر، و هو غير مرتب و يظهر أنه مسودة المؤلف شي‏ء منه بخطه و شي‏ء بخط تلامذته، و في أوله مقدمة طويلة لكن معظمها مما لا تعلق به بالتاريخ و لا فيما هو في صدده من تأليف تاريخ لوطنه، و قد اقتضبنا منها ما يأتي، قال في أوله:

أما بعد حمدا للّه الذي حكم بالموت على الغني و الفقير و المأمور و الأمير و الكبير و الصغير و أشهد أن لا إله إلا اللّه العلي الكبير و الصلاة و السلام على سيدنا محمد السراج المنير سيد الأنام الذي كان بموته تعزية للخاص و العام و على آله و صحبه الكرام ما غرد القمري و ناح الحمام لفقد إلفه بالحمام و سلم تسليما كثيرا.

و هل عدلت يوما رزية هالك* * * رزية يوم مات فيه محمد

و ما فقد الماضون مثل محمد* * * و لا مثله حتى القيامة يفقد

ثم قال بعد أن ذكر ما تجمع عنده من التواريخ الخاصة و العامة: فلما اجتمعت عندي هذه الأوراق التي التقطتها من هذه التواريخ المتعلقة بحلب و معاملاتها صرت إذا أردت أن أرجع إلى لطيفة عسر عليّ الكشف فأردت ترتيبها و تهذيبها و تذهيبها و كنت قد شرعت في الذيل على تاريخ شيخنا المشار إليه و علمت أن الذي يطالع هذا الذيل ربما يتشوق معه إلى النظر في معرفة من بنى حلب و تراجم أهلها و ملوكها الذين سلفوا و تراجم أوليائها و ما قيل في نهرها و جبلها و قلعتها إلى غير ذلك فيشق عليه عدم ذكر ذلك و هو من غير شرطي لذلك، و تذكرت قول الأرجاني:

إذا ما درى الإنسان أخبار من مضى* * * فتحسبه قد عاش من أول الدهر

و تحسبه قد عاش آخر عمره* * * إلى الخير إن أبقى الجميل من الذكر

و قد عاش كل الدهر من عاش عالما* * * حليما كريما فاغتنم أطول العمر

فقدمت بين يدي ذيلي مقدمة تتعلق بذلك تشتمل على أربعة عشر فصلا نقلتها من التواريخ المقدم ذكرها إلخ.

45

(11) الكواكب المضية

هو لأبي ذر المذكور ذكره ابن ميرو في تاريخه و نقل عنه، قال بعد أن ترجم عامرا المصري المقري و ذكر (المدرسة الحلاوية): قال الحافظ أبو ذر بن البرهان في تاريخه الكواكب المضية: هذه المدرسة تجاه باب الجامع الكبير إلخ.

و عندي أربعة كراريس فيها حوادث معظمها مما يتعلق بالشهباء كنت نقلتها عن بعض المجاميع، و هي على ما يظهر لبعض علماء حلب، قال في أولها: هذا ما اخترت تعليقه من تاريخ الكواكب المضية في الذيل على تاريخ ابن خطيب الناصرية، و لم يذكر اسم المختار لهذه الحوادث من التاريخ المذكور و لم يذكر صاحب الكشف هذا التاريخ، و لا ذكر له في ترجمته، و قد نقلت ما في هذه الكراريس من الحوادث و التراجم المتعلقة بالشهباء في محلها.

(12) الكلام على در الحبب لرضي الدين الحنبلي‏

هو لمحمد بن إبراهيم بن يوسف المشهور بابن الحنبلي المتوفى سنة 971، قال في خطبة تاريخه: ثم لم أظفر بذيل على هذا الذيل [يشير إلى تاريخ كنوز الذهب المتقدم ذكره‏] و لا سال وادي تاريخ حلب بعد ذلك السيل، إلى أن قال: فشددت العزم و شددت الحزم و وجهت جواد الطلب إلى وضع تاريخ لأعيان حلب ممن وفقت لضبط أخبارهم و وفياتهم دون من لا اكتراث بفوت خبرهم و وفاتهم، إلى أن قال: و شرطي في تاريخي هذا ذكر من عاصرتهم من أهلها أو عاصرت من عاصرهم و ذكر من دخلها من غير أهلها ممن عاصرتهم أو عاصرت من عاصرهم، و ذكر من لم أعاصرهم و لا عاصرت من عاصرهم من الفريقين نادر إلا لأمر دعا إلى ذلك و حث على ما هنالك. اه.

أقول: و مجموع ما فيه من التراجم [633] ترجمة و هو ليس خاصا بأعيان الشهباء بل فيه تراجم للكثير من نزلائها من الحمويين و الحمصيين و الطرابلسيين و الدمشقيين و الحجازيين و المصريين و المغاربة و الروميين و العراقيين و الهنديين، و لم يقتصر فيه على الملوك‏

46

و الأمراء و العلماء و الشعراء و القضاة و الأطباء و التجار و الخطباء بل تعدى إلى ذكر الظرفاء في نوادرهم و الحذاق في صناعتهم، و حبذا لو كان نسج على منواله جميع المؤرخين، و إذا كانوا لم يدونوا الصناعات التي كانت في هذه البلاد فلا أقل من أن يترجموا المجيدين لها و البارعين فيها تنويها بشأنهم و تخليدا لذكرهم، و بما قدمناه يعلم ما في كلام النجم الغزي الذي ذكره في خطبة تاريخه الكواكب السائرة حينما وقف على هذا التاريخ من النظر.

يوجد منه نسخة في مكتبة الأمة في باريس و رقمها [2140] و [2141] و [2142] و [2143] أي في أربعة مجلدات صغار، و نسخة في مكتبة (يكي جامع) في الأستانة و رقمها [850] و هي محررة سنة 976 أي بعد وفاة المؤلف بخمس سنوات، و نسخة في مكتبة نور عثمانية في الأستانة أيضا و رقمها [3693].

و قال جرجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية في الجزء الثالث منه في صحيفة 300: هو موجود أيضا في [غوطا] و [فينا] و [المتحف البريطاني‏] و [أكسفورد].

اه.

و يوجد نسخة في الإسكندرية في مكتبة مجلسها البلدي اشتراها المجلس من مدة عشر سنوات مع مكتبة خطية نفيسة من أحد علماء الشهباء.

و يوجد منه في حلب أربع نسخ الأولى في مكتبة المدرسة الحلوية معظمها بخط الشيخ إبراهيم الملا أحد علماء القرن الحادي عشر و قد كانت ناقصة بعض أوراق أكملتها بخطي.

الثانية في مكتبة المرحوم بشير أفندي الأبري أحد وجهاء الشهباء.

الثالثة في مكتبة المرحوم محمد أسعد باشا الجابري أحد وجهاء الشهباء و هذه جميعها بخطي.

الرابعة في مكتبتي و هذه كانت لمحمد أسعد باشا المذكور استعرتها منه و نقلت عنها نسخة جميعها بخطي، و لما رآها استحسنها و رغب في أخذها بدل نسخته، و قد قابلتها على النسختين الأوليين فصارت أصح نسخة من هذا التاريخ إلا أنه من حرف الغين إلى آخر الكتاب النسخة التي عندي و التي في مكتبة المرحوم بشير أفندي ناسخهما واحد و عدد صفحات نسختي 559 صحيفة بقطع متوسط.

و سنأتي على ما فيه من تراجم الحلبيين في القرن التاسع و العاشر على شرطنا المتقدم.

47

(13) شفاء السقيم بآيات إبراهيم لمحمد بن أحمد بن الملا المتوفى سنة 1010

نسب صاحب كشف الظنون هذا التاريخ إلى إبراهيم بن أحمد بن الملا، و هذا سهو منه فهو لأخيه محمد بن أحمد، ففي ترجمة محمد بن الملا المذكورة في خلاصة الأثر ما نصه:

(ثم إن محمدا تصدر للتأليف فكتب تاريخا لحلب تعرض فيه لمن حكم فيها من حين فتحها الصحابة إلى زمن إبراهيم باشا الملقب بالحاج إبراهيم أجاد فيه و أنبأ عن اطلاع عظيم. اه).

يوجد نسخة منه عند الشيخ كامل أفندي الغزي لكني لم أقف عليها و لم أعثر في الفهارس على نسخة غيرها. و إبراهيم باشا المذكور تولى حلب سنة 1008 كما سيأتي.

(14) إنعاش الروح بمآثر نصوح لإبراهيم بن الملا

قال في الكشف في صحيفة (160): إنعاش الروح بمآثر نصوح للبرهان إبراهيم ابن أحمد المعروف بابن الملا الحلبي المتوفى بعد سنة ثلاثين و ألف بقليل رسالة في وقائع نصوح باشا حينما كان واليا على حلب مع عسكر الشام ألفها سنة (1020) و سلك فيها طريقة الإنشاء و السجع. اه.

نصوح باشا كان واليا على حلب من سنة 1011 إلى سنة 1013 كما في السالنامه.

(15) الكلام على الدر المنتخب‏

(المنسوب لمحب الدين أبي الفضل ابن الشحنة المتوفى سنة 890 و تحقيق) (أنه إلى أبي اليمن بن عبد الرحمن البتروني المتوفى سنة 1046) المشهور بين الناس أن هذا التاريخ لابن الشحنة المذكور، و الناظر فيه لأول وهلة يظن هذا الظن و ذلك لما يراه على ظاهر نسخه من نسبته إليه.

48

لكن من يقرأ الخطبة الثانية و يتتبع بقية الكتاب يجزم بفساد ذلك الظن و نصها بعد حذف الألقاب و الأوصاف (أما بعد فهذه نبذة انتخبتها من كتاب نزهة النواظر في روض المناظر تأليف. مولانا أبي الفضل محمد بن الشحنة الحلبي) فهذه العبارة صريحة في أن الدر المنتخب ليس لأبي الفضل المذكور، ثم إن نزهة النواظر الذي يقول إنه انتخب هذه النبذة منه ليس تاريخا خاصا للشهباء بل هو تاريخ عام مقسم إلى تسع طبقات بعدد القرون التسعة في كل طبقة ذكر حوادثها المشهورة و وفيات أعيانها المشهورين كما سيأتي الكلام عليه، و قد ظهر لي بعد تتبع الكتاب و البحث أن التاريخ المذكور هو لأبي اليمن بن عبد الرحمن البتروني المتوفى سنة 1046 التقطه من كتاب نزهة النواظر لأبي الفضل محمد بن الشحنة، غير أنه أبقى العبارات التي عني بها ابن الشحنة نفسه على حالها فنشأ منها هذا الظن.

و مما يدل على أن الكتاب لأبي اليمن البتروني قوله في عدة مواضع: يقول كاتبه أبو اليمن البتروني، و قال في الكلام على الإسكندرونة (حاشية لكاتبه و جامعه) و نقله في عدة مواضع عن الملا و عن تاريخ الجنابي، و هذا كانت وفاته سنة 997 كما ذكره صاحب الكشف، و ابن الملا توفي بعد الألف كما قدمنا آنفا. و أما ابن الشحنة فكانت وفاته 890 و أيضا لو كان الدر المنتخب لأبي الفضل بن الشحنة لذكره رضي الدين محمد بن الحنبلي المتوفي سنة 971 في تاريخه در الحبب في ترجمة أبي الفضل المذكور و يستبعد أن يسهو عنه مع قرب العهد و القرابة التي بينهما.

ثم إن الخطبة الأولى هي خطبة [الدر المنتخب لابن خطيب الناصرية المتقدم ذكره‏] مع تحريف [راجع خطبة مختصرة لابن الملا] نقلها جامع الكتاب أبو اليمن أو غيره من النساخ و وقع في هذه الخطبة ذكر الدر المنتخب فظن الناسخ أن هذا الاسم هو اسم لهذا التاريخ أيضا و سماه به و اشتهر التاريخ بتاريخ ابن الشحنة، و تبع هذا الساهي أولئك الساهون، و الحقيقة هي ما ذكرناه و اللّه أعلم.

قال جرجي زيدان [في الثالث من تاريخ آداب اللغة العربية في صحيفة 184]:

منه نسخ في ليدن و برلين و فينا و بطرسبورج و نور عثمانية، و طبع في بيروت سنة 1909 و فيه وصف آثارها و مدارسها فضلا عن التاريخ. اه.

49

أقول: و يوجد من هذا الكتاب نسخة عندي بخط يدي استنسختها قبل أن يطبع عن نسخة كانت عند الشيخ نجيب النعساني أحد مجاوري مدرسة الشعبانية ثم صححتها على نسخة قديمة الخط عند إبراهيم أفندي المرعشي من وجهاء الشهباء، و يوجد منه نسخة عند أحمد أفندي الحسبي، و نسخة عند المرحوم محمد أسعد باشا الجابري استنسخها عن هذه، و نسخة في مكتبة المرحوم محمود أفندي الجزار الموضوعة في الجامع الكبير في حجرة الفتوى، و نسخة حديثة عهد بالكتابة في مكتبة الخواجه أندره ماركوبلي، و نسخة في مكتبة المجلس البلدي بالإسكندرية و في المكتبة السلطانية بمصر و في غيرها من دور العلم ثمة.

و طبع هذا التاريخ في بيروت في المطبعة الكاثوليكية لليسوعيين سنة 1909 م و وقف على طبعه و علق عليه بعض الحواشي الأديب يوسف بن إليان سركيس الدمشقي و كتب في آخره ما نصه:

كان الاعتماد في نشر هذا الكتاب على أربع نسخ خطية الأولى في خزانة دير الشرفية بجبل لبنان كتبت سنة 1179 ه، الثانية في خزانة أفرام رحماني بطريرك الطائفة السريانية و هي التي أشرنا إليها بحرف (ب) كتبت سنة 1158، الثالثة هي نسخة قديمة لا ذكر لتاريخ كتابتها موجودة عند الكتبي الشهير إبراهيم صادر و أشرنا إليها بحرف (ص)، الرابعة في خزانة المكتبة الشرفية في دير الآباء اليسوعيين و هي حديثة أشرنا إليها بحرف (ي) اه.

و مما يجدر التنبيه عليه ما قاله ناشر هذا الكتاب في مقدمته و نص عبارته: و مما جاء في مقدمة أبي اليمن البتروني قوله إنه نقل نبذة من كتاب نزهة النواظر في روض المناظر لأبي الفضل محمد بن الشحنة فاستغربنا هذا القول لأننا لم نقف على كتاب له بهذا الاسم، و ما نعرفه أن أبا الوليد محمد بن الشحنة ألف كتابا سماه روض المناظر في أخبار الأوائل و الأواخر و هو تاريخ عام لا علاقة له بتاريخ حلب اه. و كأنه ظن أن نزهة النواظر لأبي الوليد أيضا و هذا و هم منه، فإن روض المناظر المطبوع على هامش الكامل لابن الأثير هو لمحمد بن الشحنة المتوفى سنة 815 الملقب بأبي الوليد و نزهة النواظر هو لولده محمد الملقب بأبي الفضل المتوفى سنة 890 و هو كالشرح لتاريخ والده و سيأتي الكلام عليهما، و قد جاءت هذه الشبهة للناشر من اتحاد اسمي المؤلفين و قد بينا تاريخ وفاة كل منهما و أنهما مفترقان باللقب فزالت الشبهة، و قال ناشره أيضا: و لم أكن لأجهل و عورة المسلك إلى الغاية التي توخيتها من‏

50

تقديم الكتاب إلى القارى‏ء خاليا من كل الشوائب خصوصا و أن الفريدة التي تداولتها الأيدي تكاد لا تكون نسخة منها كاملة صحيحة فبعضها ناقص في أوله و بعضها في آخره، هذا فضلا عن حوادث و أخبار عديدة قد أهملها النساخ، و أغلاط جمة لم ينتبهوا إليها و أخصها تحريفهم الأسماء. اه.

أقول: إنه بهذا الاعتراف قد أنصف غاية الإنصاف، فالكتاب لم يخرج خاليا من الأغلاط و التحريف لأسماء الأماكن، و كثير مما أثبته في الهامش هو الصواب و ما أثبته في الداخل هو الخطأ، يعرف ذلك من أكثر من مطالعة هذا التاريخ و كان من أبناء هذه البلاد الواقفين على أسماء أماكنها. و على كل فنحن من الشاكرين له سعيه في طبعه تعميما لنفعه.

(16) الكلام على معادن الذهب لأبي الوفا العرضي المتوفى سنة 1071

قال في الكشف: «و معادن الذهب في الأعيان الذين تشرفت بهم حلب لابن عمر العرضي ذكره الشهاب في الخبايا» اه.

أقول: و هو ذيل لدر الحبب ترجم فيه أعيان عصره و معظمه على طريق السجع يوجد منه نسخة في برلين و رقمها (9476).

و وقع للمحبي صاحب خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر قطعة منه التقط منها تراجم لزمته كما صرح به في خطبة كتابه.

و يوجد قطعة منه في نحو خمس كراريس عند الشيخ كامل الغزي و هي من الأول إلى حرف الخاء. أول الكتاب: الحمد للّه ذي البقاء المطلق و الغناء المحقق و الكمال التام سلطانه الباهر و حكمه القاهر. و أول ما في هذه القطعة من التراجم ترجمة أبي بكر أبي الوفا المجذوب صاحب المزار المشهور، و آخرها ترجمة خليل بن عبد اللّه الوزير الأعظم، و لعل نظير هذه القطعة هي التي وقعت للمحبي و لا أدري إن كانت النسخة التي في برلين تامة أو ناقصة.

(17) الكلام على التاريخ الطبيعي لحلب‏

هو في مجلدين باللغة الإنكليزية تأليف الطبيب باترك روسسل اشترك معه في التأليف أخوه إسكندر روسسل، و كان المؤلف أتى إلى حلب عدة مرات منها سنة

51

1753 م و كانت وفاته سنة 1768، و طبع الكتاب في لوندرة في محل (أياترنوسترردو) سنة 1794 و طبع مرة ثانية في لوندرة أيضا و طبع في كوتونكين سنة 1897.

و هو ينقسم إلى ستة أبحاث (1) في وصف البلد و محيطها و المواسم و الزراعة فيها و البساتين (2) في السكان و وصف حكومة البلد (3) في إحصاء السكان الأوروبيين و السكان المسيحيين و اليهود و في الآداب العربية الحاضرة في سوريا (4) في الحيوانات ذات القوائم الأربع و الطيور و الأسماك و الحشرات و النباتات (5) يحتوي على ملاحظات فلكية و على بيان الأمراض الاستيلائية (الأوبئة) أثناء إقامة المؤلف في حلب (6) يبحث خاصة في الطاعون و الطريق التي اتخذتها الأوروبيون في مقاومته، و المجلد الأول فيه البحث الأول و هو الذي اطلعت عليه، و حدثني بعض الأفاضل أن الكتاب ترجم إلى اللغة الألمانية.

(18) الكلام على تاريخ عبد اللّه ميرو المتوفى سنة 1184

من الذين تصدّوا في أواخر القرن الثاني عشر لوضع تاريخ خاص بالشهباء الفاضل عبد اللّه أفندي بن حسن ميرو الملقب بأبي المواهب المتوفى سنة 1184 كما قرأته على قبره في تربة الصالحين، وقفت على مسودة هذا التاريخ عند الشيخ كامل أفندي الغزي، غير أنه قد فقد منه بعض أوراق و بعض التراجم فيه ليست بخط المؤلف، و قد قسمه إلى قسمين قسم تكلم فيه على مدارس الشهباء، و قسم ترجم فيه أعيان القرن الثاني عشر، غير أن معظم هذه التراجم هي لأعيان حلب و بعض من تولاها في عصره، و فيه تراجم أشخاص ذكر أن وفاتهم بعد سنة 1184، و هذا يفيد أنها لغير ابن ميرو أدرجت فيه، و لم يظهر لي بعد البحث الكثير من هو ذلك المترجم و لا السبب في إدراجها فيه، و التاريخ لم يتم، و لذا لم يضع له المؤلف خطبة و لم يسمه. و في رحلتي إلى دمشق في جمادى الأولى سنة 1340 أطلعني الفاضل الهمام السيد تاج الدين أفندي الحسني نجل الأستاذ الكبير محدث الشام الشيخ بدر الدين أفندي على مجموع فيه تراجم لكثير من الحلبيين لم يذكر فيه اسم المؤلف. و قد تفضل بإعارة هذا المجموع و استصحابه معي إلى حلب حينما علم أني بصدد وضع تاريخ لها، فجزاه اللّه خير الجزاء، و بعد عودتي قابلت الكثير من هذه التراجم على المسودة التي عند الشيخ كامل أفندي الغزي فإذا هي هي، فعلمت أن هذه مبيضة تلك.

52

و ما في سلك الدرر في أعيان القرن الحادي عشر للسيد خليل المرادي الدمشقي من تراجم الحلبيين هو مأخوذ عن هذا التاريخ، تبين لي ذلك من مقابلة ما فيه على ما في سلك الدرر إلا في محلات قلائل فيها بعض زيادات التقطها المؤلف من غيره.

و يغلب على الظن أن هذه النسخة بعينها وقعت للسيد خليل أفندي المرادي و عنها أخذ ما في تاريخه من أعيان الحلبيين في هذا القرن. و تبين لي لدى التتبع أن السيد المرادي قد أهمل عدة تراجم من هذا التاريخ و أهمل ترجمة المؤلف على ما فيها من الأهمية. و سنأتي إن شاء اللّه تعالى على جميع ما فيه من تراجم الحلبيين و نضيف إليه ما في سلك الدرر من الزيادات في بعض الأماكن و باللّه التوفيق.

(19) الكلام على نهر الذهب في تاريخ حلب‏

(لصديقنا الأديب الفاضل الشيخ كامل أفندي ابن الشيخ حسين الغزي الحلبي)

هو في أربع مجلدات في فتوحها و آثارها و خططها و أعمالها و تراجم أعيانها و حوادثها جمعه من الدر المنتخب لابن خطيب الناصرية و من الجزء الأول من كنوز الذهب لموفق الدين أبي ذر و من در الحبب لرضي الدين الحنبلي و من القطعة التي وقعت له من معادن الذهب لأبي الوفا العرضي و من التاريخ المنسوب لابن الشحنة و من تاريخ ابن الملا و من مسودة بخط أبي المواهب أفندي ميرو المتوفي سنة 1184 ذكر فيها تراجم أهل عصره و من خلاصة الأثر للمحبي و من سلك الدرر للمرادي و من غير ذلك مما شاهده أو تلقاه من الأفواه إلى وقتنا هذا.

تصفحت منه ثلاث مجلدات في زيارة لمؤلفه في منزله و نقلت منه بعد استئذانه ترجمة ابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي المؤرخ المتوفى سنة 630 و ترجمة ابن عشائر الحلبي المؤرخ المتوفى سنة 789، و قد عزوتهما إلى تاريخه هذا.

و الذي دعا لنقل هاتين الترجمتين من تاريخه أني ألزمت نفسي أن أذكر في تاريخي تراجم جميع المؤرخين من علماء الشهباء، و قد ظفرت بها إلا بهاتين الترجمتين فإني لم أظفر بهما بعد بحث طويل، فسألته عنهما فأجاب بوجودهما عنده و أذن بنقلهما، فتم لي بذلك‏

53

ما ألزمت به نفسي، ثم ظفرت بترجمة ابن عشائر في الدرر الكامنة للحافظ ابن حجر و ستراها في محلها.

و هو مرتب على مقدمة و أربعة أبواب و خاتمة.

تشتمل المقدمة على الكلام على التاريخ الهجري و الميلادي الشرقي و على الكلام على تواريخ حلب و جغرافيتها و ساحات حلب و خراباتها و حدود ولايتها و بحيراتها و جبالها الخ ما يتعلق بهذا البحث. ثم الكلام على معادنها و نهرها و قناتها و ما مدحت به و الملل و النحل التي فيها، و على أمراضها و حيواناتها و موظفي الدولة فيها إلى غير ذلك و هو يستوعب ستمائة صحيفة.

ويليها (الباب الأول) ذكر فيه الحوادث على السنين استهله بإجمال عن الخلفاء الراشدين و الخلفاء من بني أمية و بني العباس. و قد وصل فيه إلى حوادث سنة 1338.

ويليه (الباب الثاني) و هو باب الكلام على الآثار و يستوعب نحو أربعمائة صحيفة تكلم فيه على خلاصة ما قاله المتقدمون في أسوار حلب و أبوابها و قلعتها، و بعد ذلك شرع بتكلم على كل محلة من محلات حلب على حدتها فيذكر اسمها و عدد سكانها و ما فيها من الآثار الخيرية مبينا اسم صاحب الأثر و تاريخ بنائه و تشخيصه في الحالة الحاضرة و أوقافه و ما فيها من الخانات و المدر و القياصر و الحمامات إلى غير ذلك.

و يليه (الباب الثالث) و قد تكلم فيه على الألوية و الأقضية.

ويليه (الباب الرابع) و فيه تراجم أعيانها، و قد التزم فيه أن لا يذكر فيه سوى صاحب أثر أو عظيم خطر أو مستعذب خبر، على شرط أن يكون ممن ولد في حلب أو نزلها أو أخذ عن شيوخها أو أقام فيها زمنا أو تولاها بحكم أو توفي فيها أو كان من أعمالها قديما و حديثا لا من اجتاز بها. و هذا الباب يستوعب ستمائة صحيفة و يبلغ عدد المترجمين فيه ألفا و مائة ما بين رجل و امرأة.

و الخاتمة تكلم فيها على الأوقاف في مدينة حلب و خلاصة كتب الواقفين و جداول في حالة الأوقاف و بيان أنها من الخيرات أو من أوقاف الذرية. ويلي ذلك الكلام على أسماء قضاتها من سنة 215 إلى سنة 1341، ويلي ذلك أرجوزة من نظم الشيخ وفا الرفاعي‏

54

تضمنت ذكر المقامات العالية و أضرحة الأولياء و الصالحين الذين تشرفت مدينة حلب بمراقدهم المباركة، و بهذه الأرجوزة انتهى الكتاب.

و قد اقتطفت الكلام عليه من مقدمة بين فيها ما اشتمل عليه تاريخه، و قد طبعها و وزعها قبيل شروعه بالطبع. و قد باشر بطبعه في المطبعة المارونية بحلب في أواخر السنة الماضية أعني سنة 1341.

ابتدأ منه بطبع الجزء الثاني الذي فيه الكلام على الآثار و المأمول أن ينجز هذا الجزء في ربيع الآخر من سنة 1342.

و قد كان شروعي بطبع تاريخي في ربيع الأول من هذه السنة، وفقنا اللّه جميعا للإتمام بمنه و كرمه.

و إني من الشاكرين لمساعيه المقدرين لجليل عمله، فقد عانى في جمع تاريخه ما عانيته و قاسى ما قاسيته و قام بمأثرة عظيمة نحو بلاده و وطنه، له من اللّه الجزاء الأوفى و منا الثناء الأوفر.

هذا و قد اجتمع عند كل واحد منا من المواد ما لم يجتمع عند الآخر و اطلع على ما لم يطلع عليه، فسترى في تاريخه ما لا ذكر له عندي و ستجد في تاريخي ما لا تجده في تاريخه، فلا يستغنى بأحدهما عن الآخر كما قيل لا يغني كتاب عن كتاب، فإذا سهل المولى الكريم طبع التاريخين يجد القراء فيهما على اختلاف مشاربهم و تباين مقاصدهم ما ترتاح إليه نفوسهم و تنشرح به صدورهم و يشفي غليلهم.

هذا و إن كلا من التاريخين لا يغني من رام التوسع في الوقوف على تاريخ الشهباء و الاطلاع على حوادثها و تراجم أعيانها خصوصا في صدر الإسلام و القرون الأولى للهجرة، فالحاجة إلى تواريخها الخاصة التي تكلمنا عليها في هذا الفصل و تواريخ علمائها العامة التي سنتكلم عليها في الفصل الثاني لم تزل باقية، و قد أرشدناك أثناء ذلك إلى محال وجودها بقدر ما أدى إليه بحثنا و تنقيبنا، و لا نيأس من رجال يأتون بعدنا من أبناء وطننا يمتطون غارب الاغتراب و يحثون الركاب و يبذلون النفس و النفيس في الاستحصال عليها و استخراجها من زواياها و إبرازها لعالم المطبوعات للاقتباس من فوائدها و تعميم النفع منها.