إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء - ج5

- محمد راغب الطباخ المزيد...
556 /
7

[الجزء الخامس‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

(تتمة أعيان القرن الثامن)

351- عمر بن مظفر بن الوردي المتوفى سنة 749

عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس المعري زين الدين بن الوردي الفقيه الشافعي الشاعر المشهور.

نشأ بحلب و تفقه بها ففاق الأقران، و أخذ عن القاضي شرف الدين البارزي بحماة و عن الفخر خطيب جبرين بحلب، و نظم البهجة الوردية في خمسة آلاف و ثلاثة و ستين بيتا أتى على الحاوي الصغير بغالب ألفاظه، و أقسم باللّه لم ينظم أحد بعده الفقه إلا و قصر دونه‏ (1). و له «ضوء الدرة» على ألفية ابن معطي، و «شرح الألفية» لابن مالك، و «الرسائل المهذبة في المسائل الملقبة»، و له «مقامات» و «منطق الطير» نظم و نثر، و له «الكلام على مائة غلام» مائة مقطوع لطيفة، و «الدراري السارية في مائة جارية» مائة مقطوع كذلك. و من نظمه «اختصار الملحة» للحريري غزل، و اختصر الألفية لابن مالك في مائة و خمسين بيتا و شرحها و غير ذلك.

و كان ينوب في الحكم في الكثير من معاملات حلب، و ولي قضاء منبج فتسخطها و عاتب ابن الزملكاني بقصيدة مشهورة على ذلك، ورام العود إلى نيابة الحكم بحلب فتعذر، ثم أعرض عن ذلك و مات في الطاعون العام آخر سنة 49 بعد أن عمل مقامة سماها «النبا في الوبا»، و ملكت ديوان شعره في مجلد لطيف‏

____________

(1) في المنهل الصافي: قال الحافظ ابن حجر أيضا: من نظم الفقه بعد ابن الوردي فقد أتعب نفسه.

8

و ذكر الصفدي في أعيان العصر أنه اختلس معاني شعره و أنشد من ذلك شيئا كثيرا، و لم يأت بدليل عن أن ابن الوردي هو المختلس، بل المتبادر إلى الذهن عكس ذلك، نعم استشهد الصفدي على صحة دعواه بقول ابن الوردي:

و أسرق ما أردت من المعاني* * * فإن فقت القديم حمدت سيري‏

و إن ساويته نظما فحسبي* * * مساواة القديم و ذا لخيري‏

و إن كان القديم أتم معنى* * * فهذا مبلغي و مطار طيري‏

و إن الدرهم المضروب باسمي* * * أحبّ إليّ من دينار غيري‏

و مما أورده الصفدي قوله:

سل اللّه ربك من فضله* * * إذا عرضت حاجة مقلقه‏

و لا تقصد الترك في حاجة* * * فأعينهم أعين ضيّقه‏

فزعم أنهما من قول الصفدي:

اترك هوى الأتراك إن شئت أن* * * لا تبتلى فيهم بهمّ و ضير

و لا ترجّ الجود من وصلهم* * * ما ضاقت الأعين منهم لخير

أنشدني أبو اليسر بن الصائغ بدمشق قال: أنشدنا الشيخ زين الدين بن الوردي لنفسه:

إني تركت عقودهم و فروضهم* * * و فسوخهم و الحكم بين اثنين‏

و لزمت بيتي قانعا و مطالعا* * * كتب العلوم و ذاك زين الزين‏

الأبيات. و له في ابن الزملكاني غرر المدائح ا ه. (الدرر الكامنة) (1).

و قال القناوي في شرحه للامية المؤلف: هو الشيخ الإمام الهمام شيخ الإفتاء و التدريس المحقق المدقق المتبحر في الفقه و الأدب و سائر العلوم، زين الدين أبو حفص عمر بن مظفر ابن عمر بن محمد بن أبي الفوارس الحلبي الشافعي البكري الصديقي منسوب إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، و نسبه معروف مشهور لا شك فيه. تفقه على الشيخ شرف الدين البارزي (رحمه اللّه) تعالى، و جالس أكابر العلماء. قال بعض العلماء: كان الشيخ‏

____________

(1) تنبيه: ما تجده هنا من أعيان القرن الثامن بدون عزو فهو منقول من الدرر الكامنة كما أشرنا إليه قبلا.

9

سراج الدين عمر بن الوردي رجلا صالحا كثير الخيرات حسن الخلق سيد شعراء عصره، جمع في شعره بين الحلاوة و الطلاوة و الجزالة، له مقام عظيم عند الناس و مهابة كثيرة لما كان عليه من الزهد و الورع و الخشية و الخوف من اللّه تعالى. برع في سائر العلوم و صنف تصانيف حميدة و نظم فيها منظومات فائقة مجيدة، و كفاه شرفا هذه المنظومة العظيمة و ما حوت من المسائل الجلية، و كذلك منظومته المشهورة المسماة «بالبهجة في الفقه»، و ما أحسن قوله في آخرها:

فهي عروس بنت عشر بكر* * * بكرية لها الدعاء مهر

و فضائله و مناقبه رضي اللّه تعالى عنه أكثر من أن تحصى، فهو الغاية و النهاية. و كانت وفاته في سابع عشري ذي الحجة الحرام ختام عام تسعة و أربعين و سبعمائة و هو في عشر السبعين (رحمه اللّه) تعالى و نفعنا به ا ه.

و رأيت في الرسالة المسماة «بنفحة العنبر في نسب الشيخ علي إسكندر للصدّيق الأكبر» ما نصه: و في غير الديار المصرية منهم (أي من المنسوبين للصديق رضي اللّه عنه) جماعة منهم زين الدين عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس بن علي ابن أحمد بن عمر بن فظلما (هكذا و هو محرف) بن سعيد بن القاسم بن النصر بن محمد ابن طلحة بن عبد اللّه بن عبد الرحمن [بن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه‏] عرف بابن الوردي الحلبي الإمام المشهور صاحب البهجة. توفي ببلده حلب، هكذا ساق الرملي نسبه في شرحه على البهجة، و قد أشار لذلك في لاميته:

مع أني أحمد اللّه على* * * نسبي إذ بأبي بكر اتصل‏

و حق له في ذلك الفخر الجسيم لكونه ينتمي إلى إمام عظيم.

و قال في ديوانه:

جدي هو الصديق و اسمي عمر* * * و ابني أبو بكر و بنتي عائشه‏

لكن يزيد ناقص عندي ففي* * * ظلم الحسين ألف ألف فاحشه‏

و أورد له في المنهل الصافي قوله:

ديار مصر هي الدنيا و ساكنها* * * هم الأنام فقابلها بتقبيل‏

10

يا من يباهي ببغداد و دجلتها* * * مصر مقدمة و الشرح للنيل‏

و له أيضا:

ضممتها عند اللقاء ضمة* * * منعشة للكلف الهالك‏

قالت تمسكت و إلا فما* * * هذا الشذا قلت بأذيالك‏

و له أيضا:

يا سائلي تصبرا* * * عن لثم فيه لا تسل‏

ما تستحي تبدلني* * * بالصبر عن ذاك العسل‏

و له في حصّاد و أجاد:

هويت حصّادا حكت قامتي* * * من طول ما يهجرني منجله‏

أقول و السنبل من حوله* * * مولاي أنت الشمس في السنبله‏

و له أيضا:

و مليح إذا النحاة رأوه* * * فضّلوه على بديع الزمان‏

برضاب عن المبرّد يروى* * * و نهود تروى عن الرمّان‏

و ترجمه الجلال السيوطي في «بغية الوعاة» و قال: إن من جملة مؤلفاته «اللباب في علم الإعراب» قصيدة و شرحها، «مختصر الملحة» نظمها، «تذكرة الغريب في النحو»، نظمها و شرحها. «منطق الطير» في التصوف [هي نثر و نظم‏]. أرجوزة في تعبير المنام اسمها «ضوء درة الأحلام في تعبير المنام»، أرجوزة في «خواص الأحجار و الجواهر» و غير ذلك. و له مقامة في الطاعون العام. و اتفق أنه مات بأخرة في السابع و العشرين من ذي الحجة سنة تسع و أربعين و سبعمائة. و الرواية عنه غزيرة، و قد حدث عنه أبو اليسر بن الصائغ الدمشقي، روى لنا عنه أعني عن أبي اليسر جماعة بالإجازة.

و من نظم ابن الوردي:

لا تقصد القاضي إذا أدبرت* * * دنياك و اقصد من جواد كريم‏

كيف يرجّى الرزق من عند من* * * يقضي بأن الفلس مال عظيم‏

11

و له:

أنت ظبيي أنت مسكي* * * أنت درّي أنت غصني‏

في التفات و ثناء* * * و ثنايا و تثنّ‏

و له:

لما شتت عيني و لم* * * ترفق لتوديع الفتى‏

أدنيتها من خده* * * و النار فاكهة الشتا

و له:

سبحان من سخّر لي حاسدي* * * يحدث لي في غيبتي ذكرا

لا أكره الغيبة من حاسد* * * يفيدني الشهرة و الأجرا

و له:

مرت نساء كالظبا خلفها* * * أدهم يحميها من الكيد

قلن لما تصلح قلت الظبا* * * للصيد و الأدهم للقيد

و له:

رومية الأصل لها مقلة* * * تركية صارمها هندي‏

قد فضحتني و جنتاها فقل* * * في و جنة فاضحة الوردي‏

و ترجمه ابن شاكر في فوات الوفيات و أورد له من النظم مما هو غير مذكور في بغية الوعاة قوله:

مليح ردفه و الساق منه* * * كبنيان القصور على الثلوج‏

خذوا من خدّه القاني نصيبا* * * فقد عزم الغريب على الخروج‏

و قوله:

جاءنا مكتتما ملتثما* * * فدعوناه لأكل و عجبنا

مد في السفرة كفا ترفا* * * فحسبنا أن في السفرة جبنا

و قال:

قلت و قد عانقته* * * عندي من الصبح فلق‏

12

قال و هل يحسدنا* * * قلت نعم قال انفلق‏

و قال:

و هذه قد حسبت زورة* * * مالك بالفيئة مستعجله‏

و قال:

باللّه يا معشر أصحابي* * * إغتنموا علمي و آدابي‏

فالشيب قد حل برأسي و قد* * * أقسم لا يرحل إلا بي‏

و قال:

رامت وصالي فقلت لي شغل* * * عن كل خود تريد تلقاني‏

قالت كأن الخدود كاسدة* * * قلت كثير لقلة القاني‏

و قال:

و كنت إذا رأيت و لو عجوزا* * * يبادر بالقيام على الحراره‏

فأصبح لا يقوم لبدر تمّ* * * كأن النحس قد ولي الوزاره‏

و قال:

من كان مردودا بعيب فقد* * * ردتني الغيد بعيبين‏

الرأس و اللحية شابا معا* * * عاقبني الدهر بشيبين‏

و قال:

دهرنا أمسى ضنينا* * * باللقا حتى ضنينا

يا ليالي الوصل عودي* * * و اجمعينا أجمعينا

و قال:

أنتم أحباي و قد* * * فعلتم فعل العدا

حتى تركتم خبري* * * في العالمين مبتدا

____________

(1) رواية الديوان:

جبرت يا عائدتي بالصله* * * فتممي الإحسان تنفي الوله‏

و هذه قد حسبت زورة* * * لم أنت يا لعبة مستعجله‏

13

و قال:

و تاجر شاهدت عشّاقه* * * و الحرب فيما بينهم ثائر

قال علام اقتتلوا هكذا* * * قلت على عينك يا تاجر

و قال:

إني عدمت صديقا* * * قد كان يعرف قدري‏

دعني لقلبي و دمعي* * * عليه أحرق و أذري‏

و له و قد نقلهما العرضي في مجموعته:

كم من صديق صدوق الود تحسبه* * * في راحة ولديه الهم و النكد

لا يغبطنّ بنو الدنيا بنعمتهم* * * فراحة القلب لم يظفر بها أحد

و له أيضا مقتبسا للحديث الشريف:

يا شاكيا من كربه* * * و باكيا من كربه‏

لا راحة لمؤمن* * * دون لقاء ربه‏

و له و هو مما أورده في تاريخه «تتمة المختصر» في حوادث سنة 622:

لا تحرصنّ على فضل و لا أدب* * * فقد يضر الفتى علم و تحقيق‏

و احذر تعدّ من العقّال بينهم* * * فإن كل قليل العقل مرزوق‏

و الحظ أنفع من خط تزوّقه* * * فما يفيد قليل الحظ تزويق‏

و العلم يحسب من رزق الفتى و له* * * بكل متسع في الفضل تضييق‏

أهل الفضائل و الآداب قد كسدوا* * * و الجاهلون فقد قامت لهم سوق‏

و الناس أعداء من سارت فضائله* * * فإن تعمق قالوا عنه زنديق‏

و له أيضا:

قال بعض الناس إني* * * فاضل في العلم خامل‏

و كذا الفاضل مثلي* * * عند قسم الرزق فاضل‏

و قال في تاريخه تتمة المختصر: إن فخر الدين عثمان بن البارزي الحموي قاضي القضاة بحلب كان (رحمه اللّه) ولاني الحكم بشيزر، فلما دخلتها صرعتني بزفرة هوائها و أرسلت‏

14

إلي الوخم على فترة من مائها، وزارتني الحمى غبا حتى ازددت للموت حبا، فكتبت إليه عاتبا عليه:

أيا باعثي أقضي بشيزر ما الذي* * * أردت قضا أشغالهم أم قضا نحبي‏

حكيت بها الناعور حالا لأنني* * * بكيت على جسمي و درت على قلبي‏

و كتبت إلى ابنه كمال الدين محمد:

قيل لي شيزر نار* * * و بها العاصي مخلّد

قلت لا أمكث فيها* * * أنا من حزب محمد

فلما وقف على ذلك أعفاني منها ا ه.

و ترجمه ابن الخطيب في الدر المنتخب و قال: إنه ولي القضاء بعدة بلاد متفرقة من أعمال حلب، ثم سكن بها و استوطنها إلى أن مات. ثم ساق أبياتا من نظمه.

قال ابن شاكر: و من جملة مؤلفاته تتمة تاريخ صاحب حماة. قال: و بلغنا وفاته في الطاعون سنة تسع و أربعين و سبعماية و هو في عشر السبعين ا ه.

و قال قبل موته بيومين و هما في آخر ديوانه:

و لست أخاف طاعونا كغيري* * * فما هو غير إحدى الحسنيين‏

فإن مت استرحت من الأعادي* * * و إن عشت اشتفت أذني و عيني‏

قال ابن حجة الحموي في كتابيه «خزانة الأدب و ثمرات الأوراق»: و من الأراجيز المرتجلة التي سارت الركبان ببلاغة ارتجالها و لطف انسجامها أرجوزة الشيخ زين الدين عمر بن المظفر الوردي سقى اللّه ثراه التي ارتجلها بدمشق المحروسة عند الامتحان المفحم.

ذكر الشيخ الإمام إسماعيل بن كثير أن الشيخ زين الدين قدم دمشق في أيام القاضي نجم الدين بن صصري فأجلسه في الصفة المعروفة بالشباك في جملة الشهود، و كان يومئذ زري الحال، فاستخف به الشهود، فحضر يوما كتابة مشترى ملك فقال بعضهم: أعطوا المعري يكتبه على سبيل الاستهزاء، فقال الشيخ: ارسموا لي أكتبه نظما أو نثرا، فزاد استهزاؤهم به فقالوا: بل نظما، فأخذ الطرس و كتب ارتجالا ما صورته:

باسم إله الخلق هذا ما اشترى* * * محمد بن يونس بن سنقرا

15

من مالك بن أحمد بن الأزرق* * * كلاهما قد عرفا من جلّق‏

فباعه قطعة أرض واقعه* * * بكورة الغوطة و هي جامعه‏

لشجر مختلف الأجناس* * * و الأرض في البيع مع الغراس‏

و ذرع هذي الأرض بالذراع* * * عشرون في الطول بلا نزاع‏

و ذرعها في العرض أيضا عشره* * * و هو ذراع باليد المعتبره‏

و حدّها من قبلة ملك التقي* * * و حائز الروميّ حدّ المشرق‏

و من شمال ملك أولاد علي* * * و الغرب ملك عامر بن جهبل‏

و هذه تعرف من قديم* * * بأنها قطعة بنت الرومي‏

بيعا صحيحا لازما شرعيّا* * * ثم شراء قاطعا مرعيّا

بثمن مبلغه من فضّه* * * و ازنة جيدة مبيضّه‏

جارية للناس في المعامله* * * ألفان منها النصف ألف كامله‏

قبضها البائع منه وافيه* * * فعادت الذمة منها خاليه‏

و سلم الأرض إلى من اشترى* * * فقبض القطعة منه و جرى‏

بينهما بالبدن التفرّق* * * طوعا فما لأحد تعلّق‏

ثم ضمان الدرك المشهور* * * فيه على بائعه المذكور

و أشهدا عليهما بذاك في* * * رابع عشر رمضان الأشرف‏

من عام سبعمائة و عشره* * * من بعد خمسة تليها الهجره‏

و الحمد للّه و صلى ربي* * * على النبي و آله و الصحب‏

يشهد بالمضمون من هذا عمر* * * ابن المظفر المعري إذ حضر

فلما فرغ الشيخ من نظمه و تأمل الجماعة ارتجاله و سرعة بديهته اتفق أنه لم يكن فيهم من يحسن النظم، فقالوا و قد اعترفوا بفضل الشيخ و عجزوا عن رسم الشهادة: لعل الشيخ يسد عن أحد منا برسم شهادته، فقال عن شخص منهم إلى جانبه يدعى ابن رسول:

قد حضر العقد الصحيح أحمد* * * ابن رسول و بذاك يشهد

و قال الأحدب في ذيل ثمرات الأوراق: كتب العلامة زين الدين بن الوردي إلى قاضي القضاة الكمال البارزي و قد كان عزله من منصب القضاء و ولى أخاه:

حمّلتني و أخي تباريح البلا* * * و تركتنا ضدين مختلفين‏

16

يا حي عالم عصرنا و زماننا* * * ألك التصرف في دم الأخوين‏

فأجابه بقوله:

أبا عمر انزجر عن مثل هذا* * * فأحمد بالولاية مطمئنّ‏

فإن يك فيك معرفة و عدل* * * فأحمد فيه معرفة و وزن‏

و ترجمه السبكي في طبقات الشافعية قال: و له شعر أحلى من السكر المكرر، و أغلى قيمة من الجوهر. و مما أورده من نظمه قوله:

لما رأى الزهر الشقيق انثنى* * * منهزما لم يستطع لمحه‏

و قال من جاء فقلنا له* * * جاء شقيق عارضا رمحه‏

و قوله:

و أغيد يسألني* * * ما المبتدا و الخبر

مثّلهما لي مسرعا* * * فقلت أنت القمر

و قوله في مليح خليفة:

يا أمير المؤمنين اعطف و لا* * * تحتجب عنا بمن قد شرّفك‏

لو كشفت الستر قبّلنا الثرى* * * و ترحمنا على من خلّفك‏

قال أبو ذر في الكلام على درب بني السفاح: (محلة السفاحية): و كان بهذا الدرب دار الشيخ زين الدين بن الورديّ و قد خربت و صارت دمنة و جدد مكانها إصطبل.

و قال المترجم في آخر تذييله لتاريخ أبي الفداء: في ذي الحجة من سنة 749 بلغنا وفاة القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل اللّه العمري. (ثم قال): دخل (رحمه اللّه) قبل وفاته بمدة معرة النعمان فنزل بالمدرسة التي أنشأتها، ففرح لي بها و أنشد فيها بيتين أرسلهما لي بخطه و هما:

و في بلد المعرة دار علم* * * بنى الوردي منها كل مجد

هي الوردية الحلواء حسنا* * * و ماء البئر منها ماء ورد

فأجبته بقولي:

أمولانا شهاب الدين إني* * * حمدت اللّه إذ بك تم مجدي‏

17

جميع الناس عندكم نزول* * * و أنت جبرتني و نزلت عندي‏

أقول: و ذكر الشيخ وفا الرفاعي المتوفى سنة 1264 في منظومته التي ذكر فيها ما وقف عليه ممن دفن في ترب حلب أن ابن الوردي المذكور مدفون في صحن المقام المعروف بمقام إبراهيم في التربة المشهورة بتربة الصالحين خارج باب المقام. و الصحيح أنه مدفون قبلي حائط المقام ملاصقا لأخيه جمال الدين كما رأيته محررا على هامش نسخة خطية من التاريخ المنسوب لابن الشحنة.

و طبع من مؤلفاته مقاماته و ديوانه و رسائله طبعت مع شرح لامية العرب و شرح المقصورة الدريدية في مطبعة الجوائب في الآستانة.

و طبعت غير مرة قصيدته المشهورة باللامية التي مطلعها (اعتزل ذكر الأغاني و الغزل)، و منظومته لمتن الحاوي في فقه السادة الشافعية المسماة بالبهجة مع شرحها للقاضي زكريا المسمى ب «الغرر البهية شرح البهجة الوردية».

و طبع تاريخه «تتمة المختصر في أخبار البشر» و هو الذي اختصره من تاريخ أبي الفدا و ذيل عليه كما قدمناه في المقدمة. و من مؤلفاته التي لم يذكرها مترجموه «تحرير الخصاصة في تيسير الخلاصة» و هو حل الألفية نثرا، منه نسخة في السلطانية بمصر و رقمها 335.

352- أحمد بن يوسف بن العجمي المتوفى سنة 750

أحمد بن يوسف بن أحمد (1) بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن العجمي شهاب الدين بن بهاء الدين.

قال ابن حبيب: كان عالما ماجدا حسن الكتابة رئيسا، له نظم و نثر، و باشر كتابة الإنشاء و تدريس الرواحية بحلب و مات بها سنة خمسين عن نيف و خمسين.

353- عبد القاهر السفاح قاضي حلب المتوفى سنة 750

عبد القاهر بن عبد اللّه بن يوسف بن أبي السفاح الحلبي نجم الدين أبو محمد.

____________

(1) في الأصل: أحمد بن يوسف بن عبد الرحمن. و الصواب ما أثبتناه نقلا عن «الدرر الكامنة».

18

ولد سنة بضع و تسعين و اشتغل و تفقه و مهر و ولي حسبة حلب، ثم ناب في الحكم بها عن ابن العديم. و كان شافعيا يحكم بمذهبه و ينوب عن الحنفي، ثم ولي قضاء حلب استقلالا. و كان يعرف الفقه و العربية و يحاضر محاضرة حسنة (و يلعب الشطرنج عالية) (1). و كان حسن الشكل جهوري الصوت تام القامة عنده شهامة. و هو ابن أخي كاتب السر بحلب زين الدين عمر بن يوسف بن أبي السفاح. مات في رمضان سنة 50 و سبعمائة.

قال ابن حبيب: فاضل نجمه سعيد، و رئيس مداه بعيد، و ماجد جد فوصل، و عارف بالعزم على العز حصل. إلى أن قال: كنت في مجلسه و حضرت دروسه.

354- محمد بن عمر بن العديم المتوفى سنة 752

محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن هبة اللّه بن محمد بن هبة اللّه بن أحمد ابن يحيى بن زهير بن أبي جرادة العقيلي ناصر الدين بن كمال الدين بن العديم.

ولد سنة 689، و سمع من الأبرقوهي و غيره، و ولي قضاء حماة ثم قضاء حلب، و طلب إلى القاهرة عندما أخرج الحسام الغوري ليستقر في القضاء، فلما وصل إلى دمشق وصل المرسوم بعوده إلى حلب على حاله. و كان صدرا رئيسا ممدحا. و طالت مدته بحلب، وليها بضعا و ثلاثين سنة. و مات في شوال سنة 752. و هو جد كمال الدين عمر بن جمال الدين إبراهيم قاضي الحنفية بالديار المصرية في زماننا.

قرأت بخط محمد بن محمد بن سعد في شيوخ حلب سنة 748: سمع من الأبرقوهي السيرة و من الحجار البخاري ثم ثلاثيات الدارمي و جزء أبي الجهم و الأربعين تخريج ابن البعلي.

و قال ابن رافع في معجمه: سمع من الأبرقوهي السيرة و سمع من جده و عم أبيه و حدث.

____________

(1) ما بين قوسين إضافة من «الدرر الكامنة» ليست في الأصل.

19

355- أحمد بن أبي طالب المتوفى سنة 752

أحمد بن أبي طالب عبد الرحمن بن محمد بن أبي القاسم عمر بن عبد الرحيم بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن الخطيب بحلب شمس الدين بن قطب أبي طالب.

ولد سنة 680، و أحضر في الثالثة على الكمال النصيبي الشمائل و سمع على سنقر و حدث و درّس بعدة مدارس. و كان فاضلا كتب المنسوب على طريقة ابن العديم. ذكره ابن حبيب و أثنى عليه. و أخذ عنه رافع و ابن شاكر و غيرهما. مات سنة 52 و قد جاوز السبعين.

356- عمر بن يوسف السفاح المتوفي سنة 754

عمر بن يوسف بن عبد اللّه بن يوسف بن أبي السفاح الحلبي زين الدين بن عز الدين ابن زين الدين بن شرف الدين.

تعانى الأدب و كتب في الإنشاء، و ولي وكالة بيت المال و نظر الأحباس، ثم ولي كتابة السر بحلب عوضا عن جمال الدين إبراهيم بن الشهاب محمود في سنة تسع و أربعين، فباشرها بحسن سياسة و مكارم أخلاق إلى أن عزل بشهاب الدين الحسيني في سنة إحدى و خمسين و صودر و جرى عليه ما لم يجر على كاتب سر غيره. ثم رجع إلى وظائفه الأولى فأقام بحلب إلى أن مات في شعبان سنة 754.

و رثاه الأديب شمس الدين الصفدي الشاعر بدمشق بأبيات منها:

و يحق لي سفح المدامع إن بكت* * * عين الزمان على فتى السفّاح‏

و بعد هذا البيت كما في ترجمته في الدر المنتخب:

فاقت شمائله الشمول بلطفها* * * و الكيس يغني عن كؤوس الراح‏

و كانت وفاته بحلب عن نيف و ستين سنة تغمده اللّه برحمته.

357- محمد بن سعيد الطائي الكاتب المتوفى سنة 755

محمد بن سعيد بن زبان الطائي تاج الدين الحلبي.

20

ولد سنة بضع و تسعين، و كتب الإنشاء بحلب. و ولي نظر بعلبك ثم نظر الدواوين بحلب. ثم سكن دمشق و ولي بها نظر البيوت و غير ذلك. و أصابه الفالج فأقعد نحوا من أربع سنين. و كان حسن الشكل كثير السيادة جميل الأخلاق و الملبس و الخط سريع الكتابة مقتدرا على الإنشاء، كان يكتب الكتاب منكوسا من الحسبلة إلى البسملة في أي معنى اقترح عليه. مات في جمادى الآخرة سنة 755.

358- محمد بن علي الهروي المتوفي سنة 755

محمد بن علي بن الحسن الشيخ جمال الدين بن علاء الدين الهروي الأصل الحلبي الدار المعروف بالشيخ زاده الحنفي.

كان فقيها صوفيا بارعا في المذهب، و له نظم جيد باللغة الفارسية.

قال ابن حبيب: فاضل حسن وصفه، و طاب عرفه، يميل إلى التصوف، و يشتمل برداء التزهد و التعفف. أنشدني بيتين باللسان الفارسي و ذكر لي معناهما، و اقترح علي نظمه باللغة العربية فقلت:

ألحاظه شهدت بأني مخطى‏ء* * * و أتت بخط عذاره تذكارا

يا حاكم الحب اتئد في قصتي* * * فالخط زور و الشهود سكارى‏

توفي سنة خمس و خمسين و سبعمائة (رحمه اللّه) تعالى ا ه. (المنهل).

359- الشريف علي بن حمزة بن زهرة المتوفى سنة 755

علي بن حمزة بن علي بن الحسن بن زهرة الشريف علاء الدين أبو الحسن بن عز الدين أبو المكارم بن النقيب فخر الدين أبي الحسن بن شمس الدين أبي علي الحسيني نقيب الأشراف بحلب.

ذكره الإمام ابن حبيب في تاريخه: ماجد شرف محتده، و اتسع معهده، و طاب نجاره و ارتفع مناره، كان رئيسا سعيدا، كاتبا مجيدا، عارفا خبيرا، حاكما على الشرفاء أميرا، وافر الحرمة، ظاهر النعمة، ذا ثروة و عقار، و جلالة و وقار، و خيل و خول و خدم، و قدم راسخة في السعادة و قدم. أقام بالقاهرة و كتب في ديوان إنشائها، و باشر وكالة بيت المال‏

21

بحلب المشهورة محاسن شهبائها، و استمر يتفيأ من العز بظله الوريف، إلى أن قيل له قد حان ما وعدت الحين أيها الشريف. انتهى.

توفي في سنة خمس و خمسين و سبعمائة بحلب عن نيف و سبعين سنة تغمده اللّه برحمته ا ه (الدر المنتخب).

360- عمر بن سعيد التلمساني القاضي المالكي المتوفى سنة 756

عمر بن سعيد بن يحيى التلمساني المالكي، قاضي القضاة بحلب.

ولي قضاء حلب على مذهبه في سنة اثنتين و خمسين و سبعمائة عوضا عن القاضي شهاب الدين أحمد بن ياسين الرباحي، و باشرها نحو خمسة أعوام (و بعد أن ذكر ثناء ابن حبيب عليه قال):

و كانت وفاته بها عن نيف و ستين سنة. و ذكره غير ابن حبيب و وصفه بخلاف ما وصفه به ابن حبيب فقال الصفدي: إنه استقر في قضاء حلب بعد الرباحي بعد سعي شديد، و تعجب الناس من إقدامه على ذلك لما يعرفونه من جهله المفرط و عدوها من المعضلات. قال: و خلف أموالا كثيرة و كتبا جمة. و كانت وفاته سنة ست و خمسين و سبعمائة في رجب ا ه. (الدر المنتخب).

361- علي بن بلبان المتوفى سنة 756

علي بن بلبان الأمير علاء الدين الحاجب.

مولده سنة بضع و سبعمائة. ولي حجوبية دمشق ثم حجوبية حلب و تردد بينهما.

و كان أميرا فاضلا ذكيا فطنا يستحضر كثيرا من أشعار المتقدمين و المتأخرين، و أمعن التواريخ و الوقايع، مع حلاوة المنطق و فصاحة اللسان و كثرة الاستحضار و التمثل بالبيت النادر في وقته. و كان مع ذلك مشهورا بالكرم و الفروسية. توفي سنة ست و خمسين و سبعمائة (رحمه اللّه) تعالى ا ه. (المنهل الصافي).

أقول: و هو أخو الحسن بن بلبان باني الجامع المعروف بالمهمندار و المشهور الآن‏

22

بالقاضي، و قد وقفت على ترجمته في مختصر الدر المنتخب لابن الملا بخطه و المنهل الصافي، و كلاهما لم يذكرا تاريخ وفاته لذا ذكرته هنا، و يغلب على الظن أن وفاته في هذه السنين.

362- الحسن بن بلبان باني جامع القاضي‏

الحسن بن بلبان حسام الدين ابن المهمندار أخو الأمير علاء الدين أبي الحسن علي الذي كان حاجب الحجاب بحلب و الأمير ناصر الدين محمد (1) أحد المقدمين بحلب ثم نائب القلعة بها.

و كان حسام الدين المذكور أميرا بحلب، و بنى بها جامعا حسنا داخل باب اليهود المعروف الآن بباب النصر و وقف عليه وقفا، و لما زلزلت حلب سنة ست و ثمانماية انهدمت قبلية الجامع المذكور فأعادها بعض التجار من ماله كما كانت ا ه.

و في الدر المنتخب: تربة بني المهمندار تجاه تربة موسى الحاجب (المتوفى سنة 756 و تربته بالقرب من باب المقام).

الكلام على جامع المهمندار: قال أبو ذر: بناه الحسن بن بلبان حسام الدين المهمندار، كان من أمراء حلب، و وقف عليه وقفا من جملته حصة بقرية السموقة و حصة بحمّام عزاز و البيت الذي تجاه الجامع المذكور. ثم إن جمال الدين‏ (3) يوسف ابن الأمير أحمد المهمندار ذكر أنه استبدل بهذا البيت مكانا (2). و من شرط واقفه كما رأيته في كتاب وقفه أن يكون له جاب و معمار و شاد و قد ألحق فيه و عامل و ذلك في عاشر شوال سنة اثنتين و سبعماية. و هذا الجامع نير كثير المياه له منارة لم يوجد في مملكة الشام أحسن منها، بل ذكر لي أن و لا في مصر أظرف منها. و له منبر من الرخام الأصفر، و كذلك سدته. و هذه المنارة فيها من الصنايع من أولها إلى رأس قبتها بحيث إن الناظر لا يميز حجرا من حجر من الأشكال المختلفة في نحتها

____________

(1) كانت وفاته سنة 792 و يظهر أنه ولد المترجم أو حفيده، و قد سقط ذلك من الناسخ.

(2) هو المحكمة الشرعية الآن، و قد عد ابن الشحنة في الدر المنتخب هذه الدار من جملة الدور العظام التي في حلب، و كانت سكن الواقف و سكن ذريته من بعده إلى أن استبدلت.

(3) في مخطوطة «كنوز الذهب» التي صورتها بحوزة الأستاذ محمد كامل فارس: جار اللّه يوسف ..

23

و تركيبها و درابزينها من الأحجار المخرمة. و إلى جانب هذا الجامع مسجد قديم لم يغيره الواقف، إنما جعله في جانب جامعه من الغرب و فتح بينهما. انتهى.

و بيت المهمندار كان بيت سعادة و حشمة و معروف و رياسة و ثروة كبيرة، فآل ذلك إلى الأخوين و هما ناصر الدين محمد و شهاب الدين أحمد، فتوفي شهاب الدين عن ولد ذكر، و أما ناصر الدين فلم يتزوج قط، و كان محتشما قليل الكلام، و له ثروة عظيمة، و كان يحب جمع الكتب النفيسة و الأشياء النفيسة من كل فن. أخبرني القاضي علاء الدين الحاضري قال: اجتمعت به يوما و كان ابن أخيه يوسف صغيرا، فخرج يلعب فزجره عمه فنهيته عن ذلك فقال لي: إن عمر هذا يبيع مسامير بيتنا. و توفي ناصر الدين المذكور فورثه ابن أخيه يوسف فحبب إليه الحج، فحج حجتين عظيمتين و أصرف عليهما أموالا كثيرة و بدرا (1) و باع الأملاك شيئا فشيئا و لم يبق له أثره لكن في أنواع الخير لا في معصية ا ه.

المكتوب على جدار الجامع المذكور بجانب الباب: ملعون من تعاطى تصوير ما فيه روح بقرب هذا الجامع أو يرفع صورة ما فيها روح ليجمع الناس عليها أو يبيعها، و من فعل ذلك كان داخلا في عموم قوله صلّى اللّه عليه‏و سلم (إن أصحاب هذا الصور يعذبون يوم القيامة و يقال لهم أحيوا ما خلقتم) ا ه و هي بغير تاريخ.

أقول: هذا الجامع في المحلة المعروفة بالفرافرة داخل باب النصر، و يعرف عند الناس بجامع القاضي. و كان عمر بن موسى بن علي المهمندار بالمملكة الحلبية وقف بعد الثمانمائة وقفا كبيرا بحلب و عينتاب و في بعض القرى و جعل ثلث ريعه لهذا الجامع، و منذ مائة سنة تغلبت الناس و الحكومة و دائرة الأوقاف على هذه العقارات و لم يبق بيد المتولين شي‏ء مما وقفه عمر بن موسى المذكور، و الباقي له الآن من العقارات 25 دكانا منها ثمانية مخرجة من نفس الجامع و منها ما هو مخرج من المحكمة الشرعية أخرج منها ثمان دكاكين و الباقي هو في السوق المعروف بسويقة علي بالقرب من الجامع، و له ربع حمّام السلطان التي هي تحت القلعة و سدس حمّام البشاشير في عينتاب المعروفة (بحمام إيكي قبولي) الواقعة في محلة ابن أيوب، و تبلغ واردات أوقافه الآن نحو ستين ألفا أي نحو مائتين و عشرين ليرة عثمانية ذهبا.

____________

(1) في مخطوطة «كنوز الذهب»: و بذر.

24

و على إثر الزلزلة التي حصلت سنة 1237 تخربت أروقة الجامع و لم يبق منه سوى قسم من القبلية، و عقاراته كذلك كانت مشرفة على الخراب و أجرتها زهيدة جدا، لذا سعي في إخراج الدكاكين من نفس الجامع و صاروا يولون على هذا الوقف من خيرة العلماء و الصلحاء، و آخر من ولي منهم الشيخ أحمد الكواكبي، و بعد وفاته تولى عليه الشيخ عبد السلام الترمانيني ثم ولده الشيخ محمد بدر الدين الذي توفي سنة 1309، و بعد وفاته ولي ولده صديقنا الأديب الفاضل الشيخ محمد بهاء الدين الترمانيني مدير نفوس ولاية حلب الآن، فاهتم بعمارته و عمر رواقه الشرقي و الشمالي و بنى في هذا حجرة واسعة داخلها قسطل ليتوضأ منه و يصلى هناك وقت الشتاء، و بلط صحنه بالرخام الأبيض، و في سنة 1343 سعى بترميمه و تدهينه فعادت إليه بهجته، و كذا اهتم في ترميم وقفه حتى بلغ ريعها إلى ما تقدم.

و ممن وقف على هذا الجامع الأمير مقبل بن عبد اللّه، فإنه شرط في كتاب وقفه المؤرخ سنة 942 أن يعين ثلاثة أشخاص من حفظة القرآن العظيم يقرؤون بين المنبر و المحراب كل يوم جمعة قبل الصلاة، و عين لكل واحد منهم أربعين درهما فضة و هو من الأوقاف الأعشارية المضبوطة لدائرة أوقاف حلب.

و منارة الجامع لم تزل باقية من عهد بناء الواقف، و هي كما وصفها الشيخ أبو ذر يعجب الناظر لها لإحكام صنعتها و حسن هندستها يخالها من يراها أنها قطعة واحدة، و هي في مقدمة الآثار العربية القديمة الباقية في حلب، و إليك صورتها:

25

مئذنة جامع المهمندار

مئذنة جامع المهمندار (التفاصيل)

26

363- الأمير موسى بن عبد اللّه الناصري الحاجب المتوفى سنة 756

قال أبو ذر: قال ابن حبيب: كان إماما كبيرا، عارفا خبيرا، حسن السياسة، جزيل الرياسة، ذا نعمة وافرة، و حشمة وجوهها سافرة، و خول و خيل، و سير إلى الخير فسبق السيل، ولي الحجوبية بحلب مدة أعوام، و أظهر من مباشرته بالذخيرة خواطر الأقوام، ثم انتقل إلى البيرة، فأحسن فيها السيرة، و استمر عالي الصوت و الصيت، إلى أن لحق بجوار من يحي و يميت. مات بالبيرة سنة ست و خمسين و سبعماية، و دفن بالتربة التي أنشأها ظاهر حلب و هو من أبناء السبعين. و خارج مدفنه مدرسة له كان نظرها بيد شخص من الحنفية، فانتزع النظر من العلامة محب الدين ابن الشحنة، و كان الواقف جده لأمه، و كان كثيرا ما ينشد:

تشفع بالنبيّ فكل عبد* * * يجار إذا تشفع بالنبيّ‏

و لا تجزع إذا ضاقت أمور* * * فكم للّه من لطف خفيّ‏

الكلام على هذه التربة: قال أبو ذر: تربة موسى الحاجب هذه بالقرب من باب المقام، تشتمل على بوابة و عليها قبو، و إلى جانبها حوض ماء كان يأتي إليه الماء من قناة حيلان، أنشأها موسى بن عبد اللّه الناصري الأمير شرف الدين نائب السلطنة بالبيرة ثم حاجب حلب ا ه.

و قال ابن الشحنة في الكلام على الترب: تربة جدي لأمي الأمير موسى الحاجب، و هي تشتمل على إيوان له شبابيك على الطريق جعله مدرسة يذكر فيها مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي اللّه عنه، و داخلها تربة واسعة و جنينة بها بئر صغير يساق ماؤه إلى القسطل الذي بناه لصيق باب التربة، و هذا الباب ذو قناطر ثلاثة و قبو مصلب معقود بالجملة على ميسرة الظاهر من المدينة ا ه.

364- أحمد بن يوسف بن السمين المتوفى سنة 756

أحمد بن يوسف بن عبد الدايم بن محمد الحلبي شهاب الدين المقري النحوي المعروف بابن السمين نزيل القاهرة.

27

تعانى النحو فمهر فيه، و لازم أبا حيان إلى أن فاق أقرانه، و أخذ القراءات على التقي الصائغ و مهر فيها، و سمع الحديث من يونس الدبوسي و غيره، و ولي تدريس القرآن بجامع ابن طولون و الإعادة بالشافعي، و ناب في الحكم و ولي نظر الأوقاف. و له تفسير القرآن في عشرين مجلدة رأيته بخطه، و إعراب القرآن سماه «الدر المصون» في ثلاثة أسفار بخطه صنفه في حياة شيخه و ناقشه فيه مناقشات كثيرة غالبها جيدة، و جمع كتابا في أحكام القرآن، و شرح التسهيل و الشاطبية. قال الأسنوي في الطبقات: كان فقيها بارعا في النحو و القراءات و يتكلم في الأصول، خبيرا أديبا. مات في جمادى الآخرة و قيل في شعبان سنة 756. (و مثله في بغية الوعاة نقلا عن الدرر الكامنة).

و كتابه «إعراب القرآن» موجود في مكتبة المدرسة الأحمدية بحلب في مجلدين ضخمين، و منه نسخة في مكتبة كوبريلي محمد باشا في الآستانة و رقمها 99، و نسخة في مكتبة يكي جامع في الآستانة في ثلاثة أجزاء.

و من مؤلفاته «عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ». قال في الكشف: و ممن ألف في غريب القرآن ابن السمين الحلبي و هو أحسن الكتب المؤلفة في هذا الشان ا ه.

منه نسخة في العثمانية و الأحمدية بحلب و السلطانية بمصر، و في مكتبة سرويلي في الآستانة منه نسختان، و في خزانة أحمد تيمور باشا بمصر، قال في مقالته نوادر المخطوطات المنشورة في مجلة الهلال: و هو أوفى من مفردات الراغب.

365- إسماعيل بن فرفور المتوفى سنة 757

إسماعيل بن إبراهيم الحلبي المعروف بابن فرفور عماد الدين. تنقل في الخدم و تقدم عند تنكز نائب الشام، و اقتنى الأملاك بدمشق و حلب، و باشر توقيع الدست و نظر الخاص بدمشق. و كانت له معرفة بالحساب مع محبة الخير و الدين و الإيثار. مات في صفر سنة 757.

الكلام على درب بني الفرافرة:

قال أبو ذر: نسبة إلى بني فرفور، و كانوا رؤساء، و كان بهذا الدرب مسكن نقباء

28

الجيش الأمير شهاب الدين أحمد و شعبان أولاد كيكلدي و كانا من أهل الخير و الصلاح يميلون إلى العدل و يحبون أهل الخير، و كانا محبين لوالدي و غيره من أهل الخير. و كان شعبان المذكور يجلس عند حانوت الذي يبيع الشمع و الذي يبيع الفاكهة شخصين يخبرانه بمن اشترى الفاكهة و الشمع، فيرسل إليه بكرة النهار و يقول له: بلغ النائب عنك أنك تفعل كذا و كذا و أراد إخراج إقطاعك فارجع عما أنت فيه و إلا أخرج إقطاعك. و إنما يفعل ذلك شفقة عليه لأنه إذا فعل المحرم احتاج إلى بيع الإقطاع.

و بهذا الدرب قسطل من أيام الظاهر غازي، و كان عليه قبو فاندثر (1). و لما قدم الأشرف برسباي إلى حلب نزل بهذا الدرب العلامة بدر الدين العيني ا ه.

درب بني الريان:

قال: هو الدرب الآخذ من هذا الدرب (أي درب الفرافرة) إلى جهة القرناصية، و تقدم الكلام على بني الريان. و هناك مساكن بني الأستاذ و الخانكاه العادلية و خانكاه أخرى.

الكلام على الخانكاه العادلية:

و قال في الكلام على خوانك النساء: خانكاه أنشأتها ضيفه خاتون بنت العادل سيف الدين أبي بكر أم الملك العزيز محمد داخل باب أربعين مكتوب على بابها:

بنيت سنة خمس و ثلاثين و ستمائة.

و إلى جانبها من جهة الشرق زاوية أخي باك العجمي دخلتها مع ولده الخواجا أحمد.

و تجاه هذه الخانكاه خانكاه القوامية أظنها نسبة لمن سكن بها لا لبانيها، و هي وقف على البسطامية ا ه.

قال في الدر المنتخب: في هذا الباب (خانكاه) أنشأتها الملكة ضيفة خاتون بنت الملك العادل داخل باب الأربعين تجاه مسجد الشيخ الحافظ عبد الرحمن ابن الأستاذ.

أقول: لم تزل هذه الخانكاه في هذا الدرب تجاه المدرسة المعروفة الآن بالهاشمية و الجامع‏

____________

(1) في الهامش بخط ابن الموقع: هو القسطل الذي بقرب الخانكاه. و لا زال موجودا بقربها.

29

المعروف بالزينبية، و بابها تنزل إليها بدرجة و هو مؤلف من ثلاث أحجار سوداء كبيرة، و هو باق من عهد بنائه، و فوق هذا الباب حجرة مكتوب عليها:

(1) البسملة. و قالوا الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا

(2) لغفور شكور. الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب‏

(3) و لا يمسنا فيها لغوب. أنشى‏ء هذا الرباط المبارك في أيام مولانا السلطان‏

(4) الملك الناصر صلاح الدنيا و الدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر

(5) غازي بن يوسف بن أيوب ناصر أمير المؤمنين في شهور سنة خمس و ثلثين و ستمائة ا ه.

و تجد بعد الباب دهليزا تدخل منه إلى صحن مربع طوله 40 قدما و عرضه كذلك، تجد في شماليه إيوانا واسعا عظيم الارتفاع قنطرته مبنية من حجارة ضخمة، و في الجنوب قبلية فيها محراب بديع بلغت فيه الصنعة منتهاها من الهندسة و الهندام، يكتنف المحراب عمودان من الرخام الأزرق يعلو كل واحد منهما تاج مرخم ترخيما بديعا يدلك على دقة صنعة و براعة، و على القنطرة أحجار مدورة يتخللها قطع صغيرة من الفسيفساء و هي ملونة تلوينا حسنا، لكن الأوساخ المتراكمة على هذا المحراب ذهبت ببهجته و حسن بهائه.

و عن يمين القبلية و يسارها حجر صغيرة يعلوها طابق آخر فيه حجر، لكن معظمها متهدم، و يسكن هذا الحجر غرباء من العبيد و الجواري و الفقراء، و في وسط الصحن حوض صغير مؤلف من سبع أحجار على شكل الحوض الذي في رباط الفردوس، غير أن ذاك أهم منه، و من هذا الصحن تدخل في دهليز آخر تخرج منه إلى صحن صغير فيه أربع حجر أيضا. و المكان من نحو مائتي سنة لم يدخل إليه المعمار لذا تراه سائرا إلى الخراب، و المهم فيه هو ذلك المحراب العظيم.

366- خالد بن القيسراني الكاتب المتوفى سنة 759

خالد بن إسماعيل بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن خالد بن محمد بن نصر القاضي شرف الدين أبو البقاء بن عماد الدين المخزومي الشهير بابن القيسراني الحلبي ثم الدمشقي، الكاتب البارع في الإنشاء.

30

كان بارعا ماهرا بليغا، و له مباشرة و فضل، باشر ديوان الإنشاء و وكالة بيت المال بدمشق، إلى أن توفي بها سنة تسع و خمسين و سبعمائة عن نيف و خمسين سنة (رحمه اللّه) تعالى.

367- إبراهيم بن الشهاب محمود المتوفى سنة 760

إبراهيم بن محمود بن سلمان بن فهد الحلبي جمال الدين.

ولد سنة 676 في شعبان، و سمع من الدمياطي و الأرموي‏ (1)، و حدث عن أبيه، و أجازت له العجوز زينب بنت مكي حديثا عن الشيخ برهان الدين الشامي و غيره‏ (2).

و كان قدومه القاهرة من حلب صحبة أبيه، فكتب في الإنشاء. و كان علاء الدين بن الأثير يأنس به و يركن إليه. و استقر هو في كتابة السر بحلب بعد عزل عماد الدين بن القيسراني، فباشرها ست عشرة سنة إلى أن صرف بتاج الدين بن الزين خضر في سنة 33، ثم رتب في ديوان الإنشاء بمصر عن علاء الدين بن فضل اللّه و باشر توقيع الدست، ثم أعيد إلى كتابة السر بحلب في سنة 47، ثم عزل بابن السفاح، ثم أعيد، و كان ابنه كمال الدين يسد عنه إلى أن صرف في ربيع الأول سنة 59، و استمر بطالا إلى أن مات يوم عرفة، و قيل في ليلة سابعه. و أرخه شيخنا في شوال سنة ستين و سبعمائة، و الأول أقوى لأنه قول الصفدي و هو أخبر به.

و من شعره:

إن اسم من أهواه تصحيفه* * * وصف لقلب المدنف العاني‏

و شطره من قبل تصحيفه* * * يقاد فيه المذنب الجاني‏

و قال في المنهل الصافي: سمع من والده و أجاز له جماعة من المشايخ و حدث بالقاهرة، سمع بها عليه شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني و الإمام شمس الدين محمد بن جابر و عبد الرحمن بن يوسف المزي و آخرون، و حدث بحلب سمع منه بها الحافظ زين الدين العراقي و الشيخ أبو الحسن نور الدين الهيثمي و ابن البنا الدمشقي و ابن حبيب و الخطيب ناصر الدين‏

____________

(1) في «الدرر الكامنة»: و الأبرقوهي.

(2) في «الدرر الكامنة»: و أجاز له الفخر و زينب بنت مكي، حدثنا عنه الشيخ ...

31

أبو المعالي محمد بن عشاير و أسباطه الشريف عز الدين أحمد و أخوه محمد و أختهما فاطمة أولاد الشريف أبي العباس أحمد الحسينيون، و فتى والدهم طيبغا الشريفي و غيرهم. و مهر في الكتابة و برع في الإنشاء، و ولي كتابة حلب و باشرها ثلاث مرات نيفا و عشرين سنة.

و كان له النظم الرايق و النثر الفايق. و فيه و في أبيه يقول الشريف شهاب الدين أبو عبد اللّه الحسيني المصري عندما باشر كتابة سر حلب و والده إذ ذاك كاتب سر دمشق المحروسة:

إن محمود و ابنه* * * بهما تشرف الرتب‏

فدمشق بذا سمت* * * و بهذا سمت حلب‏

و فيه يقول الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة (رحمه اللّه) من قصيدة (1):

سرى طيفها حيث العواذل هجع* * * فنمّ علينا نشره المتضوع‏

(2)

أجيراننا حيّا الربيع دياركم* * * و إن لم يكن فيها لطرفي مربع‏

و لما كان بحلب كتب إلى والده متشوقا من أبيات:

هل زمن ولى بكم عايد* * * أم هل ترى يرجع عيش مضى‏

فارقتكم بالرغم مني و لم* * * أختره لكني أطعت القضا

و هو و والده من بيت كتابة و علم و فضل و إنشاء، و لهما النظم الرايق و النثر الفايق.

توفي في شوال سنة ستين و سبعماية بحلب. و كان (رحمه اللّه) كثير الفضايل اقتبس من محاسن والده، و كان كثير الوقار عفيفا دينا مليح الخط فصيح اللسان متواضعا على طريقة السلف بارعا منشيا بليغا كثير البر و الخير (رحمه اللّه) ا ه.

و لابن نباتة المصري فيه و في أبيه المدائح الكثيرة و المراثي، و هي في ديوانه المطبوع في مصر. قال و قد سافر ابن الشهاب محمود و قدم ابن مشكور في حلب:

كم تمسّكت بممدوحين في* * * حلب رفدهما لي ما عدم‏

فبمشكورين محمود مضى* * * و بمحمودين مشكور قدم‏

____________

(1) لم أجد هذه القصيدة في ديوانه المطبوع.

(2) البيت ثالث أبيات قصيدة مطلعها:

سرى طيفها حيث العواذل هجع* * * فنمّ علينا نشره المتضوع‏

32

368- إبراهيم بن محمد بن ناهض المتوفى سنة 761

إبراهيم بن محمد بن ناهض بن سالم بن نصر اللّه تقي الدين ابن الضرير.

ولد أول سنة 698 بحلب. و سمع من أبيه و محمود بن أبي بكر الأرموي و جماعة، و أجاز له التقي سلمان و غيره، و أخذ عن ابن الوكيل بحلب كثيرا من الأشعار، حتى التزم مرة أنه ينشد عشرة آلاف بيت من حفظه على روي واحد، و نسخ بخطه كثيرا من المصاحف و غيرها (1). و كان حسن العشرة جميل الصحبة أبي النفس. و كانت له منظرة بأعلى مشهد الفراديس (هكذا و الصواب الفردوس المكان المشهور) لا يزال يدعو الأكابر إليها فلا يتصور أن أحدا من أكابر البلد ما صعد إليها لحسن عشرته. و إلى هذه الطبقة أشار ابن نباتة بقوله فيما كتبه إليه سباعية أولها (هنا بيتان لم أنقلهما لأن أكثر الكلمات تعذر عليّ فهمها)

أواه من جائرة جاره* * * فتانة الألحاظ سحاره‏

إن أصبحت للعهد نباذة* * * فعينها للعقل خماره‏

كأنها في السحر باللحظ من* * * لفظ شهاب الدين ممتاره‏

و الفضل و اللفظ الرفيع الذي* * * من دارة البدر انثنى داره‏

منظره ما بين زهر الدجى* * * أخبارها في الفضل طياره‏

يا نائيا أسطره قد نأت* * * فوحشة المشتاق كراره‏

باب البريد افتح بكتب فلي* * * عين بدمع الشوق فواره‏

النير الهادي بأفق التقى* * * من دارة البدر ابتنى داره‏

(2).

و قال ابن حبيب: كان حسن المحاضرة، مفيد المذاكرة، جمع و سمع و حصل و دأب، و كتب و تأدب، و أم بفردوس حلب. و مات سنة 761 عن بضع و سبعين سنة ا ه.

369- محمد بن محمد سبط ابن السفاح المتوفى سنة 761

محمد بن محمد عز الدين الشافعي سبط ابن السفاح. ولد سنة 728، و اشتغل و أجيز

____________

(1) انظر المجلد الرابع من مجلة المجمع العلمي العربي في صحيفة (380).

(2) الأبيات كما هي في ديوان ابن نباتة و قد وجهها إلى ابن أبي حجلة شهاب الدين:

أواه من جائرة جاره* * * فتانة الألحاظ سحاره‏

إن أصبحت للعهد نباذة* * * فعينها للعقل خماره‏

كأنها في السحر باللحظ من* * * لفظ شهاب الدين ممتاره‏

و الفضل و اللفظ الرفيع الذي* * * من دارة البدر انثنى داره‏

منظره ما بين زهر الدجى* * * أخبارها في الفضل طياره‏

يا نائيا أسطره قد نأت* * * فوحشة المشتاق كراره‏

باب البريد افتح بكتب فلي* * * عين بدمع الشوق فواره‏

و هناك خلاف بين رواية الديوان و رواية مخطوطة «الدر المنتخب» لابن خطيب الناصرية- النسخة التركية- التي يقوم بتحقيقها الأستاذ محمد كامل فارس، ففي البيت الثالث: تقي الدين بدل شهاب الدين، و رواية البيت الرابع:

النير الهادي بأفق التقى* * * من دارة البدر ابتنى داره‏

33

بالإفتاء، و درس بالمشهد الحسيني، و مات في ربيع الأول سنة 761.

370- الشريف علي بن محمد بن زهرة المتوفى سنة 761

علي بن محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن عبد اللّه بن جعفر بن زيد بن جعفر بن أبي إبراهيم الممدوح الشريف زين الدين أبي العباس الحسيني الحلبي.

تقدم ذكر جده و جماعة من بيتهم.

قرأت في تاريخ الإمام ابن حبيب في ترجمته: سيد نسبه عريق، و فرع أصله وريق، و شرفه مرتفع، و شمل أهله بتدبيره مجتمع. كان بهي المنظر، عذب المورد و المصدر، حسن البشر و الوداد، رافلا في ملأ من السيادة و السداد، ذا حشمة زائدة، و صلة منافعها على الطالبين عائدة، و صمت و سكون، و ميل إلى فعل الخير و ركون، يتمسك بأفنان عز العزلة، و يواظب جد القول فيترك هزله. ولي نقابة الأشراف بحلب فشرف قدرها و ثمر وقفها و ضبط أمرها، و استجلب أدعية السادة من أقربائه، و لم يبرح علي المنزلة إلى أن لحق بالسالفين من أولياء اللّه و أصفيائه. انتهى.

توفي (رحمه اللّه) تعالى سنة إحدى و ستين و سبعمائة بحلب عن ست و ستين سنة.

و فيه يقول الأديب زين الدين عبد الرحمن بن الخضر السخاوي لما ولي النقابة:

بني الحسين تولى أمركم رجل* * * يرضي أباكم عليّا في ألوّته‏

يعصي اللوائم في نسك و في كرم* * * فقد أطاعه برا في أبوّته‏

و فيه يقول أيضا:

أبا الحسن المرضيّ سرت من التقى* * * بأحسن سير يا أبا الحسنين‏

و لا عجب أن قام بالحق أهله* * * و سار عليّ سيرة العمرين‏

و رثاه الأديب عز الدين أبو علي بن البنا العباسي بقصيدة منها:

تعفّت رسوم المجد بعد عليّها* * * و أصبح صبح الجود كالليل مظلما

و راح لسان الحمد في كل وجهة* * * عن النطق مشغول السريرة أبكما

ألا في سبيل اللّه من كان مجده* * * على كاهل الغبراء للمجد مخذما

34

و من كان في صدر المجالس للعلا* * * عصاما يراعي منه كفؤا مكرّما

و من كان البحر الخضم سماحة* * * و صدرا و قولا مستقيما و أنعما

من الغرّآل المصطفى كم تسربلوا* * * نعيم عجاج سحبه تمطر الدما

إذا ظعنوا كانوا بدور غياهب* * * و إن نزلوا كانوا لوافدهم حمى‏

عليّ أبا المعروف قد كنت راضيا* * * إذا عرضت يوما له راحة همى‏

نعمت و أشقيت القريب كأنما* * * فراقك شب الحزن فيهم و أضرما

ليهنك مأواك الذي بت جوّه* * * جوار كريم بالترفّل منعما

ا ه. (الدر المنتخب لابن خطيب الناصرية).

371- أغلبك بن عبد اللّه الجاشنكير المتوفى بعد ستين و سبعماية

أغلبك بن عبد اللّه الجاشنكير حاجب الحجاب.

كان أميرا دينا صارما مواظبا على الصلوات الخمس، و له بر و أوقاف بحلب، و له حرمة وافرة و شهامة، و هو مشهور بالحزم و الدين و الصرامة و التطلع إلى مصالح الرعية، إلا أنه كان يحدّ على الخمر كثيرا و يقول: ثمانون للحد و الباقي لما يحصل منه من الفساد و الافتراء. و كان مصمما على الأمور مراعيا للقانون السلطاني. توفي رحمة اللّه تعالى بحلب سنة ... و ستين و سبعمائة ا ه. (الدر المنتخب).

قال أبو ذر: تربة أغلبك: ملاصقة للتربة البلقا [أي خارج باب المقام‏] و هي مشتملة على قبو على بابها و حوض ماء كان يأتي إليه الماء من دولاب داخل التربة، و قد عطل، و يدخل من باب هذه التربة إلى حوش و به إيوان صغير و بيت للدولاب المذكور و عليه قبة، و يدخل من هذا الحوش إلى حوش آخر به قبر الواقف و غيره. و بعد أن ترجمه بما تقدم قال: توفي بعد الستين و سبعمائة. و لهذه التربة قراء ا ه.

أقول: لم أقف على مكان هذه التربة و لعلها دثرت.

372- عبد الوهاب بن إبراهيم العجمي المتوفى سنة 762

عبد الوهاب بن إبراهيم بن صالح بن هاشم بن أبي حامد عبد اللّه بن عبد الرحمن بن‏

35

الحسين ابن العجمي الحلبي، يلقب بتاج الدين.

ولد بعد السبعمائة، و برع هو في الشروط، و كان محمود السيرة. مات سنة 62.

ذكره ابن حبيب و قال: لم يبلغ الستين. و كان ظاهر الديانة وافر الأمانة.

قلت: و قد تقدم أبوه، و كان مسند حلب في عصره.

373- الشريف محمد بن علي بن زهرة المتوفى سنة 762

محمد بن علي بن حمزة بن علي بن الحسن بن زهرة الشريف بدر الدين الحسيني نقيب الأشراف بحلب.

ولد بالقاهرة، و قدم حلب بعد موت أبيه فباشر الوظيفة إلى أن مات سنة 762.

374- فاطمة بنت عمر بن الحسن بن حبيب المتوفاة سنة 763

فاطمة بنت أبي القاسم عمر بن أبي الحسن بن عمر بن حبيب الحلبية.

أسمعها أبوها الكثير من سنقر و العماد النابلسي و غيرهما، و كان مولدها سنة سبعمائة.

و سمعت أيضا من التاج النصيبي و غيره و حدثت بسنن ابن ماجه و غير ذلك. ماتت سنة 763.

375- محمد بن يعقوب المعروف بابن الصاحب المتوفى سنة 763

محمد بن يعقوب بن عبد الكريم بن أبي المعالي الحلبي ثم الدمشقي ناصر الدين بن الصاحب شرف الدين.

كان أولا يعرف بابن الصاحب، ثم صار يعرف بناصر الدين بن يعقوب. ولد سنة بضع و سبعمائة، و تعانى الاشتغال و قرأ القرآن على الرومي، و حفظ التنبيه و مختصر ابن الحاجب و الحاجبية، و قرأ على ابن إمام المشهد و ابن خطيب جبرين و الأثير الأبهري، و أذن له ابن الزملكاني في الإفتاء لما كان قاضيا بحلب، و درس بحلب في النورية و الأسدية. و كان‏

36

على ذهنه من العلاج جملة، و يستحضر كتاب القانون و من المعاني و البيان كثيرا. ولي كتابة الإنشاء بحلب ثم توقيع الدست، و كان أرغون يقربه و يكرمه، ثم ولي كتابة السر بحلب عوضا عن الشهاب بن القطب سنة 39، ثم ولي كتابة السر بدمشق سنة 47، و ولي بها تدريس الشاميتين و مشيخة الشيوخ. و كان ينظم سريعا و يكتب خطا حسنا، و استمر بيده تدريس الأسدية بحلب و قضاء العسكر إلى أن مات بدمشق و حصل لأولاده الإقطاعات من إمرة العشرة فما دونها و لمماليكه و إلزامه و الرواتب الوافرة على الديوان و الجامع، و اقتنى من الكتب النفيسة شيئا كثيرا إلى الغاية من الأملاك و البساتين المعظمة بدمشق و بلادها و حلب و معاملاتها ما شاء اللّه. و بحث على فخر الدين بن خطيب جبرين «الكشاف»، و قرأ على أمين الدين الأبهري نصف التذكرة للطوسي في الهيئة، و قرأ عليه رسائل الأسطرلاب.

قال الصفدي: ذكر لي أنه أحضر على سنقر الزيني في الرابعة، و كان مولده سنة بضع و سبعمائة، قال: و هذا لا ينتظم، فإن وفاة سنقر سنة ست، قلت: فتحمل على أنه ولد في أول سنة ثلاث، و يفرع على أن البضع من ثلاث إلى تسع. و لابن نباتة فيه مدائح كثيرة (و ذكر هنا بيتين من نظم المترجم تعذر علي فهمهما فأضربت عنهما) (1).

قال الصفدي: كان محظوظا إلى الغاية، و لم يكن فيه شر مع الاحتمال الكثير و كظم الغيظ. و نقل إلى كتابة سر حلب في سنة ستين، ثم أعيد إلى كتابة السر بدمشق في سنة 62 فباشرها إلى أن مات. قال: و بيني و بينه مكاتبات و مراجعات. قال: و كتب إلي في ليلة مطيرة:

و كأن القطر في ساجي الدجى* * * لؤلؤ رصّع ثوبا أسودا

و إذا ما قارب الأرض غدا* * * فضة تشرق من بعد المدى‏

قال الصفدي: كان من رجالات الدهر حزما و عزما و سياسة و دربة، ينال مقاصده و لو كانت عند النعائم، و يتناول الثريا قاعدا غير قائم. و كان وجيها عند النواب يثني عليه أصحاب السيوف و الأقلام مع السكون و الأخلاق الرضية. و كان لا يواجه أحدا بما يكره.

____________

(1) البيتان هما اللذان سيردان بعد قليل: مشبب شب ... نقلا عن أبي ذر. و قد وردا في «الدرر الكامنة» تحقيق محمد سيد جاد الحق.

37

و قال مرة: أنا أوقع عن اللّه و عن رسوله و عن السلطان و عن النائب و عن قاضي القضاة.

و قل أن اجتمعت هذه لغيره، لأنه كان يفتي فهو يوقع عن اللّه و رسوله، و كاتب سر و هو يوقع عن السلطان و النائب و كان بيده توقيع القاضي فاستمر.

و قال ابن كثير: كانت فيه نباهة و ممارسة للعلم وجودة طباع و إحسان بحسب ما يقدر عليه فليس يتوسم (أو يتوهم) فيه سوء مع المهابة و العفة، و قد حلف لي في وقت بالأيمان المغلظة إنه لم يرتكب فاحشة قط و لا خطر له ذلك.

و قال ابن رافع: سمع من إبراهيم بن العجمي و غيره و حدث و خرجت له مشيخة، و كان متواضعا ذا مروءة و تودد. و كانت وفاته في سادس ذي القعدة سنة 763 بدمشق ا ه.

و له ترجمة و جيزة في تاريخ أبي ذر. قال: و هو القائل:

مشبب شبّ في صناعته* * * ريحانة الوقت منشى‏ء الطرب‏

كأن أنفاسه لآلته* * * روح تثير الحياة في القصب‏

قال الصلاح الصفدي في الوافي بالوفيات بعد أن ذكر من تلقى عنهم العلم: و كان قد تولى في حياة والده نظر الخاص المرتجع عن العربان بحلب مدة تقارب ثمانية أشهر، ثم نقل بذلك إلى كتابة الإنشاء بحلب، ثم لما كان الأمير سيف الدين أرغون بحلب نائبا جعله من موقعي الدست، و كان يحبه كثيرا و يقول له: يا فقيه، و يجلسه عنده في الليل.

و تولى تدريس النورية و الشعيبية بحلب في سنة ثمان و عشرين و سبعمائة، و تولى تدريس الأسدية سنة أربع و أربعين و سبعمائة، و رسم له بكتابة سر حلب عوضا عن القاضي شهاب الدين بن القطب سنة تسع و ثلاثين و سبعمائة، و تولى قضاء العسكر بحلب تلك السنة. و لم يزل بحلب إلى أن توفي تاج الدين بن الزين خضر بدمشق في أيام الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي، فسير طلبه من الكامل أن يكون عنده بدمشق كاتب سر، فرسم له بذلك، فحضر إلى دمشق رابع عشر جمادى الأولى سنة سبع و أربعين و سبعمائة، و طلع الناس و تلقوه من [لعله مع‏] عز الدين طقطاي الدوادار و الأمير سيف الدين تمر المهمندار و الموقعين، و لم أر أحدا دخل دخوله من كتاب السر إلى دمشق. و رأيته ساكنا محتملا مداريا، لا يرى مشاققة أحد و لا منازعته، كثير الإحسان إلى الفقراء و المساكين يبرهم‏

38

و يقضي حوائجهم، و يكتب كتابة حسنة و ينظم و ينثر سريعا، و يستحضر قواعد الفقه فروعا و أصولا، و قواعد أصول الدين و قواعد الإعراب و المعاني و الهيئة و قواعد الطب، و يستحضر من كليات الطب جملة. ولي دمشق سنة ثمان و أربعين. سمع صحيح مسلم على الشيخ محمد السلاوي، و سمع سنن أبي داود على الشيخ شمس الدين محمد بن نباتة، و على بنت الخباز، و سمع عليها جملة من الأجزاء و مشيخة ابن عبد الدايم و غير ذلك. و كتب بمرج القشولة (1) صحبة الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي نائب الشام، و قد وقع مطر كثير برعد و برق:

كأن البرق حين تراه ليلا* * * ظبى في الجو قد خرجت بعنف‏

تخال الضوء منه نار جيش* * * أضاءت و الرعود فجيش زحف‏

فكتبت الجواب:

يحاكي البرق بشرك يوم جود* * * إذا أعطيت ألفا بعد ألف‏

و صوت الرعد مثل حشا عدو* * * يخاف سطاك في حيف و حتف‏

فكتب الجواب إليّ:

لئن أوسعت إحسانا و فضلا* * * وجدت بنظم مدح فيك لايق‏

فهذا الفضل أخجل صوب سحب* * * و هذا البشر أخجل بشر بارق‏

ثم ذكر الصفدي ما دار بينه و بين المترجم من المحاورة في هذا الباب يكتب ذاك إلى هذا و هذا يجاوبه و فيه طول لذلك تركت نقله.

376- عمر بن عيسى بن عمر الباريني المتوفى سنة 764

عمر بن عيسى بن عمر الشيخ الإمام زين الدين أبو حفص الباريني الشافعي نزيل حلب.

ولد ببارين سنة إحدى و سبعمائة، و هي قرية من عمل حماة، ثم جاء إلى حماة و أخذ

____________

(1) في «الوافي بالوفيات»: الغشولة.

39

عن ابن البارزي قاضيها و سمع على الحجار، ثم انتقل إلى حلب و سكنها و حضر عند علمائها، و سمع من العز إبراهيم بن العجمي، و حدث بحلب. و كان إماما فاضلا فقيها فرضيا نحويا أديبا بارعا ورعا زاهدا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. درس بالمدرسة النورية النفرية استقلالا و بالمدرسة الأسدية نيابة، و اشتغل بحلب. أخذ عنه العلم جماعة من مشايخنا كالإمام شمس الدين محمد بن الركن المعري و الشيخ شمس الدين أبي عبد اللّه محمد البابي و الشيخ زين الدين أبي حفص عمر الكركي، و قرأ عليه أيضا الشيخ شرف الدين أبو بكر الداديخي و غيرهم. و له نظم و نثر و قواعد في النحو و الفقه، نظم و نثر و كتب الخط المنسوب و جوده كتب على ابن خطيب بعلبك.

ذكره الإمام الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر بن الملقن القاهري في كتابه «طبقات الشافعية» و قال: قدم علينا سنة أربع و ستين و اجتمع بي و اجتمعت به غير مرة. ألف من الفرائض و العربية. انتهى.

أنشدنا شيخنا العلامة الحافظ برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن محمد الحلبي قال:

أنشدنا الإمام الفاضل النحوي كمال الدين إبراهيم بن الحلاوي قال: أنشدنا شيخنا العلامة النحوي زين الدين أبو حفص الباريني لنفسه في أسماء الولائم:

لدعوة العرس أتى وليمه* * * و جاء للمصيبة الوضيمه‏

و للختان قد أتى الإعذار* * * و للبنا و كيرة تختار

و لقدوم الغائب النقيعه* * * و ذي الضيافات أتت مسموعه‏

و الخرس أو بالصاد للولاده* * * السابع العقيقة المعتاده‏

و وضعوا مأدبة لكل ما* * * يصنع لا بسبب تقدما (1)

توفي الشيخ زين الدين يوم الجمعة ثامن شوال سنة أربع و ستين و سبعمائة بحلب و دفن خارج باب المقام بالقرب من المدرسة الظاهرية. و فيه يقول الإمام ابن حبيب:

حلب تغير حالها لما اختفى* * * من فضل زين الدين عنها ما ظهر

و مدارس العلماء منها أقفرت* * * من بعد عامرها أبي حفص عمر

انتهى (الدر المنتخب).

____________

(1) و ممن نظم في أسماء الولائم الإمام علي بن عثمان الطائي المتوفى سنة 769 و ستأتيك ترجمته قريبا.

40

377- أحمد بن محمد النصيبي المتوفى سنة 764

أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر بن هبة اللّه بن عبد القاهر بن عبد الواحد بن هبة اللّه بن طاهر بن يوسف الحلبي المعروف بابن النصيبي، كمال الدين ابن تاج الدين ابن كمال الدين ابن زين الدين.

ولد سنة 695، و أسمع على سنقر الزيني و رشيد بن كامل و جماعة من أصحاب ابن خليل، و ولي كتابة الإنشاء بحلب، و كتب و جمع و علق كثيرا. روى عنه ابن بردس (هكذا) و ابن عشائر و ابن ظهيرة. و أثنى عليه ابن حبيب و غيره. روى عن سنقر مسند الشافعي و البخاري، و على إبراهيم بن عبد الرحمن الشيرازي جزء سبعين‏ (1). مات بحلب في سنة 764.

378- أحمد بن مغلطاي المتوفى سنة 764

أحمد بن مغلطاي بن عبد اللّه الشمسي قراسنقر (2) المنصوري.

كان أحد الأمراء بحلب، و كان ذكيا شجاعا عارفا حسن المحاضرة و المذاكرة يحب أهل العلم و الأدب، و له نظم وسط. و ولي بحلب الحجابة و شد الأوقاف، و ناب في مملكة أياس مدة. و مات في سنة 64 عن بضع و خمسين سنة. ذكره ابن حبيب و قال: ناب بأياس و ولي الحجوبية و شد الأوقاف بحلب، و كان فاضلا خيرا يحب العلم و المذاكرة.

مات سنة 764، و مولده تقريبا سنة 713.

379- أحمد بن ياسين الرباحي المتوفى سنة 764

أحمد بن ياسين بن محمد الرباحي، بضم الراء و تخفيف الموحدة (3)، المالكي.

____________

(1) في الهامش: صوابه بفتح فإنه لم يذكر في مشتبه النسبة الضم، فالظاهر أن الناسخ رآها في خط شيخنا هكذا بضمه فصحفها و اللّه أعلم.

(3) في «الدرر الكامنة»: جزء سفيان.

(2) كلمة «قراسنقر» غير واردة في «الدرر الكامنة».

41

كان يحفظ التنقيح للقرافي، ثم ولي قضاء المالكية بحلب و هو أول من وليه بها، و عمل فيه ابن الوردي تلك المقامة الظريفة (1) و بالغ في الحط عليه. و عزل منها الرباحي بعد أربع سنين، ثم عاد إليها (2)، بعد عمر بن سعيد التلمساني بعد أربع أخر سنة اثنتين و خمسين، فسار شبه الأولى، فعزل، ثم عين نائبا في سنة ستين. ثم في سنة 64 (3) دخل إلى القاهرة ليسعى في العود فأدركه أجله بها في رجب أو قبله سنة 64.

و قد ذمه أيضا ابن حبيب في تاريخه و قال في حقه: استقر مذموما على ألسنة الأقوام، إلى أن صرف بعد أربعة أعوام. و ذكر أنه لما عزل أولا حبس بقلعة حلب ثم أفرج عنه، و اتفق أنه يوم عزله أولا دقت البشائر بحلب و زينت البلد لما وردت الأخبار بنصرة العسكر الموجه إلى سنجار، فقال بعض الحلبيين:

سألت عن بشائر* * * تضرب في الممالك‏

فقيل لي ما ضربت* * * إلا بعزل المالكي‏

و قال في ذلك أيضا:

يا ابن الرباحيّ الذي خسر الحجى* * * كم آية في هتك سترك بيّنت‏

يكفيك من أمر تضاعف جهله* * * أن المدينة يوم عزلك زيّنت‏

380- عبد اللّه بن يوسف بن السفاح المتوفى سنة 764

عبد اللّه بن يوسف بن عبد اللّه بن يوسف بن السفاح الحلبي شمس الدين أبو محمد كاتب الإنشاء بحلب.

ولد سنة بضع و سبعمائة، و مهر في الإنشاء، و كان حسن الأخلاق و الكتابة مليح المحاضرة كريم النفس، أثنى عليه ابن حبيب و غيره. مات بالقاهرة في سنة 764.

و هو القائل لما تغرب إلى دمشق ثم إلى القاهرة يعتذر عن العود إلى بلده:

____________

(1) هي في ديوانه في صحيفة 190.

(2) في «الدرر الكامنة»: ثم عزل بعمر ...

(3) في «الدرر الكامنة»: ثم عزل ثانيا في سنة ستين، ثم في سنة 63 دخل ...

42

أأرضى حمى الشهباء دارا و قد علت* * * عليها لأبناء اليهود صناجق‏

فإن نكّست أعلامهم أنا راجع* * * إليها و إلا فهي مني طالق‏

و هذا البيتان أوردهما ابن الشحنة في الباب الخامس و العشرين من الدر المنتخب حيث قال: و كأني بمعترض يقول: أطلت في ذكر حلب الشرح و لم تذكر فيها شيئا كغيرها من القدح. فو اللّه ما تجاوزت بل عندي أني قصرت في الإطراء و المدح، و ما علمت و اللّه فيها شيئا من الجرح. نعم غلب على أهلها التشيع في بعض الدول لتشيع ملوكها، ثم زال ذلك و للّه الحمد و المنة. و قد تقدم ما نقلته عن شيخي الحافظ [البرهان‏] الحلبي في ذلك من كون أن جميع أهل حلب كانوا أهل سنّة، و كانوا حنفية، و لا وقعت على هجو فيها إلا ما أنشدني بعض عمومتي من قول بعض فضلاء أهلها و قد رأس بها طائفة من أهل الشمالية أعني حارة اليهود و هو هذان البيتان فقال: (و عن حلب قوّض خيامي فإنها) إلى آخر البيتين‏

و عن حلب قوّض خيامي فإنها* * * عليها لأبناء اليهود سناجق‏

فإن نكّست عنها فإني عائد* * * إليها و إلا فهي مني طالق‏

(1).

381- حسن بن علي العباسي الشاعر المتوفى سنة 765

حسن بن علي بن الحسن بن علي العباسي عز الدين أبو الثناء (2) الحلبي نزيل حلب الشاعر.

كان فاضلا بارعا جميل المحاضرة حسن النظم و الإنشاء. مات سنة 765 عن نحو سبعين سنة. و هو القائل:

شاهداها ثم اعذراني فعينا* * * ها لدعوى محبها شاهداها

و رداها من دمع عيني فكم بلّ لجاريه يوم بانت رداها (3) و ترجمه في المنهل الصافي فقال: كان أديبا ماهرا، برع في النظم و النثر و مدح أعيان حلب و غيرها. و من شعره:

____________

(1) البيتان هما:

و عن حلب قوّض خيامي فإنها* * * عليها لأبناء اليهود سناجق‏

فإن نكّست عنها فإني عائد* * * إليها و إلا فهي مني طالق‏

(2) في «الدرر الكامنة»: ابن البنّاء.

(3) أثبتنا البيت نقلا عن الدرر الكامنة، و الأصل فيه اختلال و تصحيف.

43

أنفقت عمري رجاء وصلكم* * * و العصر إني بكم لفي خسر

ذروا فؤادا أمسى أسيركم* * * معذبا بالصدود و الهجر

أو فهبوا لي عقلا أعيش به* * * و دبروني فقد حرت في أمري‏

توفي عز الدين هذا بحلب في سنة خمس و ستين و سبعمائة عن نحو سبعين سنة ا ه.

(المنهل الصافي).

382- أحمد بن يعقوب بن الصاحب المتوفى سنة 765 و الكلام على تربته‏

قال أبو ذر في الكلام على الترب: تربة ابن الصاحب: بالقرب من الظاهرية من شماليها و بينهما تربة بني سوادة (1)، أنشأها الأمير شهاب الدين أحمد بن الصاحب شرف الدين أبي محمد يعقوب بن عبد الكريم بن أبي المعالي، و كان وافر النعمة سافر الهمة و العزيمة، و له فضيلة و معرفة و قراءة بالفصاحة و الطرب، يجتمع بأهل العلم و الأدب و يترفق بذوي القصد و الطلب. توفي سنة خمس و ستين و سبعمائة و دفن بهذه التربة. و هي مشتملة على بوابة محكمة ظريفة بالحجر النحيت النظيف الكثير الصناعة، إذ هي قبو ليس مجوفا كعادة الأقبية بل كالفرش. و بوسط هذا القبو كالفسقية التي تكون في وسط قاعة، إذ هذا القبو كرخام مرخم، و فوق هذا القبو غرفة من الحجر أيضا، و في زماننا تصدعت الدعامة التي عليها القبو فأصلحت. و داخل هذه البوابة قبلية لطيفة وحوش. و قد جعل هذا المكان واقفه تربة و رباطا. و سيأتي ذكر وقفها و ترجمة واقفها في مكتب الأيتام الذي أنشأه بحلب ا ه.

أقول: هذه التربة كما قال أبو ذر أمام المدرسة الظاهرية تجاه بابها بينهما جادة و داران، و هاتان الداران كانتا تربة بني سوادة، و لم يبق لهذه أثر. و أما تربة الصاحب أحمد فقد بقي منها ساحة صغيرة في صدرها محراب مشرف على الخراب، و عن يمينه قبر المترجم و قد ذهب معظمه. و لم يبق من آثار الأبنية التي ذكرها أبو ذر شي‏ء سوى بقية أحجار كبيرة بنيت مع جدران من لبن بناء غير محكم أحيطت بها هذه الساحة، و هناك حجرة

____________

(1) بين الظاهرية و تربة الصاحب جادة و داران و تربة بنى سوادة كانت فيما بين ذلك.

44

كبيرة مشطورة شطرين بنيت في جانبي باب صغير من جهة الغرب تدخل منه إلى التربة و قد كتب عليها:

(1) و (2) البسملة. إنما يعمر مساجد إلى قوله تعالى فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين. عمر هذا المسجد

(3) المبارك و الرباط و التربة المباركة في دولة مولانا السلطان ابن السلطان الملك الناصر أبي المحاسن‏

(4) حسين أدام اللّه أيامه و نشر في الخافقين أعلامه على يد أضعف خلق اللّه تعالى و أحوجهم‏

(5) إلى مغفرة ربه الرحيم العبد الفقير أحمد بن يعقوب بن عبد الكريم عفا اللّه عنهم.

و شرقي هذه التربة الرباط الذي ذكر هنا و محله الآن دور حقيرة.

آثاره بحلب:

قال أبو ذر في الكلام على مكاتب الأيتام: مكتب ابن الصاحب هذا بالقرب من مصبغة حلب، و هي مشتملة على بوابة و داخلها فرش من الرخام و بركة و إيوان، و إلى جانب هذا المكان قبة عظيمة البناء، أوصى بإنشاء هذا المكان الأمير شهاب الدين بن الصاحب المتقدم ذكره في الترب في سنة خمس و ستين و سبعمائة و توفي في هذه السنة. و أخبرني والدي أنه كان متكلما عليها [أي على المدرسة] الشيخ شهاب الدين أحمد بن المرحل شيخه، و كان إذا خرج لقسم نواحيها يركب حمارة الفلاح لئلا يثقل على الفلاح كلفة دابة أخرى، و يطلب من الفلاح رغيفا و بيضا ليس إلا. و لما توفي واقفها وجد في جيبه رقعة مكتوب فيها:

أعليّ في حب الديار ملام* * * أم هل تذكّرها عليّ حرام‏

أم هل ألام إذا ذكرت معاهدا* * * فارقتها و لها عليّ ذمام‏

دار الأحبة و الهوى و شبيبة* * * ذهبت و جيران عليّ كرام‏

فارقتهم فارقت من وجدي بهم* * * أفهل لهم أو للكرى إلمام‏

كانوا حياتي فابتليت بفقدهم* * * فعلى الحياة تحية و سلام‏

45

و شرط واقفها أن يكون النظر في هذا المكان لمن يكون حاجبا بحلب، و قد وقفت على كتاب الوقف و فيه قدر معاليم أرباب الوظائف.

أقول: موقع هذا المكتب و يعرف الآن بالصاحبية في محلة السويقة تجاه الخان المعروف بخان الوزير، و لا زال بنيانه قائما غير أن قنطرة بابه الذي يعد في جملة الآثار العربية الهامة في حلب لحقها الوهن و ذهب بعض أحجارها، و في نية دائرة الأوقاف إصلاحها و تتميم ما نقص منها على مقتضى هندستها القديمة. و مكتوب على بابها:

(1) البسملة. إنما يعمر مساجد اللّه من آمن باللّه‏

(2) هذا ما أنشأه العبد الفقير المستعيذ باللّه من التقصير أحمد بن يعقوب بن الصاحب‏

(3) غفر اللّه له و لمن كان السبب و لجميع المسلمين و ذلك في تاريخ خمس و ستين و سبعمائة ا ه.

تدخل من هذا الباب إلى صحن صغير فيه حوض، و شرقيه حجرة صغيرة فيها محراب صغير نقش عليه‏ وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً. و تدخل من هذه الحجرة إلى قبلية مربعة طولها 12 ذراعا و عرضها 10 أذرع و لها قبة عظيمة الارتفاع مبنية من الحجر، و هناك محراب فيه عمودان من الرخام، و يعلو المحراب نقوش في الحجر ملونة تعد في طليعة الآثار القديمة التي في حلب. و قد كتب فوق المحراب‏ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏ و يتخلل تلك الكتابة نقوش أيضا زادت تلك الكتابة حسنا و بهاء. و يعلو هذه الكتابة نقوش على طول المحراب عرضها نحو ثلث ذراع و هي ملونة بالخضرة و الحمرة، و تلك الأصباغ باقية من عهد بناء هذا المكان.

و شمالي القبلية سدة من خشب تحتها باب صغير يخرج منه إلى الجادة. و في صحن المدرسة إيوان صغير في شرقيه باب مسدود الآن ينفذ منه إلى خربة يخرج منها إلى الجادة الشرقية، و المكان جميعه في حاجة إلى الترميم، فعسى أن تتوفق لذلك دائرة الأوقاف حفظا لهذا الأثر القديم من السير إلى طريق الخراب. و يسكنه الآن بعض مهاجري أهل المدينة المنورة. و قد كان قبل سنوات يقرأ هناك شيخنا الشيخ أحمد المكتبي (رحمه اللّه) درس النحو و غيره و ظل على ذلك مدة ليست بالقليلة.

46

383- أحمد بن محمد بن العديم المتوفى سنة 765

أحمد بن محمد بن عمر بن أحمد بن هبة اللّه بن محمد بن هبة اللّه بن أحمد بن يحيى ابن أبي جرادة شهاب الدين بن جمال الدين أبي غانم بن الصاحب كمال الدين بن العديم العقيلي الحلبي الحنفي.

ولد في رأس القرن، و أسمع على بيبرس العديمي و عمتيه خديجة و شهدة و حدث. سمع عليه ابن عشائر منتقى مشيخة النسوي و الأول من مشيخة ابن شاذان الكبرى (انا) بيبرس و غير ذلك، و ولي نيابة شيزر مدة لأنه كان يرى ... (1) مع معرفة بالتاريخ و الأدب جيد المذاكرة حسن المحاضرة. و حكى أخوه القاضي كمال الدين عنه أنه أخبره أنه رأى في منامه كأن شخصا ينشده:

يا غافلا صدته آماله* * * عن المقام الأشرف الأسنى‏

انهض عدمتك نحو العلا (2)* * * و افتح لها مقلتك الوسنى‏

قال فحفظتهما و زدتهما:

و ارجع إلى مولاك و اخضع له* * * تستوجب الإحسان و الحسنى‏

قال أخوه: فلما أنشدني ذلك أعقبه بأن قال: ما أظن إلا أن نفسي نعيت إليّ، فمات في السنة المقبلة و ذلك سنة 765 عن بضع و سبعين سنة.

قال ابن حبيب: و يقال جاوز السبعين و قرأ على بيبرس مشيخة ابن شاذان الكبرى، و الأول و الثاني من حديث ابن السماك، و ولي نيابة السلطنة مدة يسيرة، و كان ذا حشمة زائدة و تجمل.

384- الشريف حسن بن محمد بن زهرة المتوفى سنة 766

حسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن الحسن بن زهرة الحسيني الحلبي شمس‏

____________

(1) في «الدرر الكامنة»: لأنه كان بزي الجند.

(2) هكذا في الأصل و في الدرر الكامنة أيضا، و فيه اختلال.

47

الدين بن بدر الدين نقيب الأشراف بحلب.

و كان أمير طبلخاناه ثم عزل و مات في سنة 766. أرخه ابن حبيب و سيأتي ذكر جده. ا ه.

قال في الكشف: «نفائس الدرر في فضائل خير البشر» لحسن بن محمد الحسيني النساب الحلبي المتوفى سنة 766، ذكره في طبقات الأنساب العشرة. ا ه.

385- القاضي محمد بن عمر المعري المتوفى سنة 766

محمد بن عمر بن هبة اللّه بن معمر العمري الحلبي القاضي ناصر الدين بن عم قاضي القضاة الكمال عمر المعري.

كان نائبا للمذكور في القضاء بحلب، و كان ماجدا كريما ودودا، أثنى عليه ابن حبيب و أرخ وفاته سنة 766 عن نحو خمسين سنة.

386- محمد بن محمد الحموي المعروف بابن القواس المتوفى سنة 766

محمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن ناصح تقي الدين بن ناصر الدين بن شرف الدين الحموي الأصل ثم الحلبي الشهير بابن القواس. ولد بحماة و نشأ بها، و انتقل إلى حلب و ولي خطابة الجامع العلائي ظاهر حلب، و شغل و درس و وعظ، و مات بحلب سنة 766.

387- أحمد بن محمود بن صدقة المتوفى سنة 767

أحمد بن محمود بن إسماعيل بن إبراهيم بن صدقة الحلبي الأديب.

اشتغل كثيرا، و مهر في الأدب و التصوف فضبطت عليه ألفاظ موبقة، فرفع أمره إلى الحكام بحلب، فحكم القاضي المالكي صدر الدين الدميري بسفك دمه فقتل. و هو القائل:

إذا نلت المنى بصديق صدق* * * فكان وداده وفق المراد

48

فحاذر أن تعامله بقرض* * * فإن القرض مقراض الوداد

أنشدهما له ابن حبيب. و فيه قال الشاعر:

مضى مستبيح الزنا و الربا* * * إلى خازن المهلك الحالك‏

و فاز الدميري بتدميره* * * فمن مالكي إلى مالك‏

قلت: و هذا مأخوذ من الذي قيل في البققي، و كان أقبل على اللهو و الفسوق و لبس زي الأجناد و قرض الأعراض و وقع في كلمات، إلى أن آل أمره إلى القتل فقتل. و من شعره:

و لرب قوم أدبروا مذ أقبلت* * * دنياهم عن كل ندب فاضل‏

جاؤوا و قد رأسوا بكل نقيصة* * * فاقتص منهم دهرهم بالكامل‏

قال ابن حبيب: كان ذكيا كثير المحفوظ، لكنه حفظت عنه مقالات زرية، و زندقة راوندية، فأقيمت عليه البينة بذلك عند الصدر الدميري أحمد بن عبد القاهر قاضي المالكية، فحكم بقتله فقتل بمشهد من النائب تحت قلعة حلب في سنة 767 و قد جاوز الخمسين.

و هنا كتب الشيخ إبراهيم بن عمر البقاعي بهامش «الدرر الكامنة» بخطه ما نصه:

حدثني العلامة قاضي القضاة محب الدين محمد بن الشحنة الحلبي الحنفي، حدثني النجم عبد الخالق بن محمد بن عبد الخالق بن الوردي، حدثني الشرف أبو بكر بن الزين عمر ابن الوردي أن الكمال أبا القاسم عمر بن عثمان المعري قاضي الشافعية بحلب كان له جار من أبناء الجند اسمه أحمد بن محمود بن صدقة، و كان ذا مال كثير، و كان لا يتحاشى عن فعلة منكر، و كان فاضلا، و كان مع تهتكه جريئا لا يرد لسانه عن شي‏ء، فكان يحفظ عليه أشياء من الكفريات، فكان قبيح الفعل و القول، و كان يبغض الكمال المذكور، و كان يؤذيه و يحتمله الكمال، إلى أن ركب يوما للتدريس ببعض وظائفه، فمر على ابن صدقة فتنخم ابن صدقة و بصق و قال: على لحيتك يا كذا، فسمعها الكمال. قال الشرف ابن الوردي: و كنت إلى جانبه و كان في وجهه أثر ضربة حافر بغل، فكان إذا اغتاظ اختلج ذلك الأثر فاختلج فاشتد اختلاجه، قال: فقلت في نفسي: راحت و اللّه روح ابن صدقة ببصقة، فوصل الكمال إلى تلك المدرسة فوقف قليلا و لم ينزل، ثم مضى إلى‏

49

دار النيابة فاجتمع بنائب حلب جرجي، ثم رجع فذهب إلى الشيخ شهاب الدين الأذرعي فاجتمع به و اجتمع ببقية قضاة حلب، و كان المالكي الصدر الدميري، ثم رجع إلى بيته فسئل عن السبب في ذلك فإذا هو قد سأل النائب الإذن في الدعوى على ابن صدقة بما يرتكبه، فأجابه و طلب فوضع في السجن، و سعى الكمال في الشهود فحصلهم و ضبط مقالاتهم فيه و أتقن الأمر و أحضر ابن صدقة في صبيحة الغد فادعى عليه عند الصدر الدميري المالكي و أقيمت عليه البيّنة ورد في السجن، فنظم قصيدة أولها:

رماني زماني بالقطيعة و الضنك* * * و جار فأجرى في بحار الردى فلكي‏

تقاسم مني المال من ليس وارثي* * * فللمالكي روحي و للشافعي ملكي‏

و مخلصها و هي في التاج السبكي قاضي دمشق:

و إني سآوي عند طوفان غدرهم* * * إلى جبل العلياء تاج العلا السبكي‏

و أرسلها إليه بدمشق يسأله فيها حقن دمه.

قال ابن الشحنة: قال عمي فتح الدين: لما سمع أبوك أخي الشيخ محب الدين هذه القصيدة قال: هلك و اللّه كما هلك ابن نوح القائل‏ سَآوِي إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قال: و أرسل ابن صدقة إلى النائب من وعده بمال فمال إلى إطلاقه، فحضر القضاة و معهم الشيخ شهاب الدين الأذرعي فقالوا للنائب عنه فوجدوه مترددا في أمره، فقال الأذرعي للمالكي: أنت يا قاضي القضاة حكمت بإراقة دم ابن صدقة هذا؟ فقال:

نعم حكمت بإراقة دمه، فقال: قم يا أمير فاحضر ضرب عنقه، فلم يسعه إلا الامتثال، فقاموا إلى الموضع الذي يقتل فيه، فصار ابن صدقة يقول: يا جرجي‏ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ‏ فقال: القضاة فعلوا ذلك، فقال شخص معه: ادفعوا هذه الورقة إلى الأمير، فدفعها إليه فخطفها الأذرعي فمزقها قبل أن يعلم النائب ما فيها، و ضربت عنق ابن صدقة. و بعد يوم أو يومين حضر من التاج السبكي حكم بحقن دمه فإذا الأمر قد فات ا ه.

قال في «المختار من الكواكب المضية»: و من شعر أحمد بن صدقة مضمنا للبيت الأخير:

50

يا حاديا أسر الحشى لما سرى* * * رفقا بمغرى مغرم هجر الكرى‏

فلقد توقف حاله مذ حال من* * * يهواه عنه و دمع مقلته جرى‏

و لئن جنحت إلى تحامل عاذل* * * فيمن يحمّل للركاب و ما افترى‏

فانظر غواربها التي قد غربّت* * * فيها الشموس فحق أن تتبصرا

و إذا رأت عيناك طرفا أسودا* * * فاعلم بأن هناك موتا أحمرا

و له:

كيف السبيل إلى اتباع مفنّدي* * * و هواك يا طلق الجمال مقيّدي‏

أودى المحب مذ اشترطت تلافه* * * بلواحظ من شرطها أن لا تدي‏

غادرتني بالغدر حلف صبابة* * * و كآبة لا تنقضي و تسهّد

و تركتني يا آخذي غرضا لأغ* * * راض الرماة و عرضة للعوّد

فوليّ دمعي قد توالى مسحه* * * في وجنتي كعقايق في عسجد

قمر له طرفي و قلبي منزل* * * يا ناقص العهد ارفقن بالمعهد

إني امرؤ لم يثنني عن حبها* * * إلا ثناء محمد بن محمد

ففكاكه للمجتري و جماله* * * للمجتلي و نواله للمجتدي‏

قال بعضهم: وقفت مع ابن صدقة المذكور نتحادث بعد العصر بالمدرسة الشرفية، فطال بنا المجلس، فخفت أن يخرج وقت العصر فقلت: سيبني حتى أصلي، فقال لي:

و أنت أيضا مربوط ا ه.

388- أحمد بن إبراهيم العينتابي المتوفى سنة 767

أحمد بن إبراهيم بن أيوب العلامة شهاب الدين العينتابي الحلبي الحنفي قاضي العسكر بدمشق.

نشأ بحلب و تفقه على علماء عصره، و برع في الفقه و الأصول و العربية، و شارك في عدة علوم، و تصدر للإفتاء و التدريس و التصانيف. ثم قدم دمشق و ولي بها قضاء العسكر و أكب على الإشغال و الاشتغال و انتفع به الطلبة. و من مصنفاته شرح مجمع البحرين في الفقه في عشر مجلدات و سماه «المنبع في شرح المجمع» و شرح المغني في الأصول و غير ذلك.

51

و كان دينا خيرا عفيفا. توفي بدمشق في سنة سبع و ستين و سبعماية و قد أناف على الستين (رحمه اللّه). ا ه. (المنهل الصافي).

389- أبو بكر بن عمر بن العديم المتوفى سنة 768

أبو بكر بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن هبة اللّه بن أبي جرادة العقيلي الحلبي الحنفي جمال الدين بن كمال الدين.

ولد سنة نيف و سبعمائة، و اشتغل و تميز و تعانى الآداب، و هو أخو قاضي حلب ناصر الدين. سمع على بيبرس العديمي‏ (1) و جزء البانياسي و حدث. و كان فاضلا حسن الخلق و المحاضرة و الخط، و ولي مشيخة خانقاه الصالح بحلب و مات بها فجأة في سنة 768.

ذكره أبو جعفر بن الكويك في معجم ابن جماعة و أثنى عليه ابن حبيب.

390- محمد بن محمد بن هلال المتوفى سنة 769

محمد بن محمد بن عبد اللّه بن سالم بن هلال الحلبي شمس الدين المعروف بابن العراقي.

اشتغل و أخذ عن فخر الدين بن خطيب جبرين و عن الكمال بن الضيا العجمي، و تميز و تصدر للإشغال بحلب، و علق على الحاوي تعليقا حسنا. قال ابن رافع: تلقينا وفاته في صفر سنة 769. قلت: و أرخه ابن حبيب و هو أعرف: توفي في ذي الحجة سنة 68، و أثنى عليه بالعلم و الفضل. و تقدم ذكر والده و أنه سمع من سنقر. قلت:

و هو والد صاحبنا نائب الحكم جمال الدين عبد اللّه العراقي، ذكر لي أن أباه كان صديق الشهاب الأذرعي و أنه أوصاه على أولاده.

391- علي بن عثمان الطائي ابن خطيب جبرين المتوفى سنة 769

علي بن عثمان بن علي بن عثمان الطائي الشافعي الحلبي زين الدين أبو الحسن ابن قاضي القضاة فخر الدين أبي عمر و ابن خطيب جبرين، و بقية نسبه تقدمت في ترجمة أبيه.

____________

(1) في «الدرر الكامنة»: و أسمع جزء الرففي على بيبرس العديمي.

52

و زين الدين علي هذا هو جدي أبو أمي، و ابن عمه جدي لأبي. ولد بحلب سنة عشر و سبعماية و اشتغل على أبيه و غيره، و حصل طرفا من الفقه و الأصول و سمع الحديث، و ولي تدريس المدرسة السيفية الشافعية و درس بها و خطابة الجامع الناصرية. و كان إنسانا حسنا كريما حسن الخلق متواضعا، و أهل حلب يعظمونه لأن غالب فضلائها تلاميذ والده، و كتب كثيرا و علق في الأصول تعاليق كثيرة رأيتها بخطه دروسا و ذهبت في الواقعة التيمرية. توفي في رابع عشرين ربيع الآخر سنة تسع و ستين و سبعماية بحلب و دفن بتربتنا خارج باب المقام تغمده اللّه برحمته. ا ه. (الدر المنتخب).

392- محمد بن إبراهيم بن أبي الثناء الكاتب المتوفى سنة 769

محمد بن إبراهيم بن محمود بن سلمان كمال الدين أبو الفضل ابن الرئيس جمال الدين أبي إسحق ابن الرئيس شهاب الدين أبي الثناء الحلبي موقع الدست بحلب و بالقاهرة.

و كان كاتبا ماجدا ذكيا ماهرا في صناعة الترسل، سالكا في ذلك طريق جده. اشتغل في الفقه و الأدب و كتب الخط الجيد، و سمع الحديث من والده و غيره، و حدث و كتب الإنشاء بحلب ثم بالقاهرة. و من نظمه:

سأترك فضل الخل من أجل منّه* * * و لو بلغت بي حاجتي غاية البلوى‏

فمن منّ يوما بالعطاء على امرى‏ء* * * فإن بذاك المنّ يستوجب السلوى‏

و له من أبيات:

بي غرام من حبيب فاتن* * * لم أشاهد مثله في عمري‏

وجهه لما تبدّى مقبلا* * * أخجل الشمس وضوء القمر

قدّه كالغصن في الروض له* * * ثمر يا حسنه من ثمر

ذو لحاظ لو رآها زاهد* * * بات منها خائفا ذا حذر

جسمه كالماء في رقته* * * لكن القلب شبيه الحجر

لائمي دعني و كن متعطفا (1)* * * بالذي تعلمه من خبري‏

____________

(1) هكذا في الأصل.

53

و كتب إليه الإمام الأديب بدر الدين خليل الشهير بالناسخ الحلبي جوابا يستسعيه في أمر نظما و نثرا، فمن النظم:

يقبّل الأرض من أتاه* * * مشرّف حاز كل بشر

فيه خطاب و حسن خط* * * كنفث سحر و نظم درّ

يعرب عما حوى ضميري* * * بخفض عيش و رفع قدر

تخذته في الدجى أنيسي* * * من دون زيد و دون عمرو

فكان كالشمس في نهاري* * * و في ظلام الدجى كبدري‏

إن كان روضا فمن سحاب* * * أو كان درا فلفظ بحر

مولاي إن عاثت الأيادي* * * فأنت ذخر و أيّ ذخر

و أنت إن طال ليل خطب* * * وجهك لي من سناه فجري‏

فدم كما عهدت مولى‏ (1)* * * لجر نفع و دفع ضرّ

و شدّ أزري و قوّ ضعفي* * * و انظر إلى فاقتي و فقري‏

و اغتنم الأجر و انتقذني* * * للّه من عسرة بيسر

يا آل محمود قد غدوتم* * * زهر نجوم و روض زهر

جملتم الملك بالمعالي* * * بنشر فضل و كتم سرّ

و زنتم الدهر بالمعاني* * * بحسن نظم و حسن نثر

توفي بالقاهرة سنة تسع و ستين و سبعمائة و له ثلاث و أربعون سنة ا ه. (الدر المنتخب).

393- حسين بن سليمان الطائي المتوفى سنة 770

حسين بن سليمان بن أبي الحسن بن سليمان بن ريان شرف الدين الطائي موقع الإنشاء بحلب.

ولد في شوال سنة اثنتين و سبعماية. و كان أبوه ناظر الدولة، فنشأ هو نشأة حسنة

____________

(1) هكذا في الأصل، و لعل الصواب: فدم كما قد عهدت مولى.

54

و تعانى الآداب، و كان صادق اللهجة حسن المجالسة رقيق الحاشية، و نظم «زهر الربيع في البديع» في سبعمائة بيت، و نظم كتابا في أحكام المواليد ما كان أغناه عنه. مات في سنة سبعين و سبعمائة، و أرخه ابن حبيب سنة 69. و هو القائل:

كأن الهلال بجو السماء* * * و قد قارن الزهرة النيّره‏

سوار لحسناء من عسجد* * * على قفله ركّبت جوهره‏

و هو القائل:

نحن الموقعون في وظائف* * * قلوبنا من أجلها في حرق‏

قسمتنا في الكتب لا في غيرها* * * و قطعنا و وصلنا في الورق‏

و ترجمه في المنهل الصافي بنحو ما تقدم قال: و له في عذار أشقر:

كأنما عذاره الأشقر في الخد الندي‏

قنديل بلّور له* * * سلسلة من عسجد

قال في الكشف: «نظام القلائد في أحكام الموالد» لحسين بن سليمان الطائي الحلبي أرجوزة في 700 بيت ثم شرحها في مجلد ا ه.

394- إبراهيم بن عمر التيزيني المتوفى سنة 770

إبراهيم بن عمر بن أبي السخا التيزيني الحلبي جمال الدين بن الحكم.

ولد سنة تسعين و ستماية، و تفقه ببلده و برع، ثم ولي قضاءها، ثم ناب في الحكم بحلب عن الكمال المعري و ناب عنه في دروس العصرونية و غيرها. و له سماع من الوادي آشي و حدث عنه. سمع منه أبو بكر بن المخصوص. و مات سنة سبعين تقريبا.

395- إبراهيم بن عمر بن الحلاوي المتوفى سنة 772

إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الحلاوي جمال الدين النحوي.

إمام في النحو فاضل، قرأ الفقه على ابن الوردي و البارزي، و انتفع في النحو بابن الوردي. تصدر بالجامع الكبير بحلب و جلس مع الشهود و عمل بأخرة موقّع درج، و أقبل‏

55

آخر عمره على الفقه. و له نظم يسير حسن. أخذ عنه العز بن جماعة. و مات بحلب ليلة الاثنين سابع عشري رمضان سنة اثنتين و سبعين و سبعمائة ا ه (بغية الوعاة).

و ترجمه في الدرر الكامنة بنحو ما تقدم و ذكر أن ولادته كانت سنة 726 و أنه كان شافعي المذهب و سمع منه البرهان سبط بن العجمي، و سمى جده أحمد بن عمر و اللّه أعلم.

396- حسن بن محمد البشتاكي المتوفى سنة 772

حسن بن محمد البشتاكي بدر الدين أبو محمد الحنفي مفتي دار العدل بحلب.

ذكره ابن حبيب و قال: أقام بالقاهرة مدة ثم تحول إلى حلب و باشر وظيفة الإفتاء و التدريس. و مات سنة 772.

397- أبو بكر بن محمد النصيبي المتوفى سنة 773

أبو بكر بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر بن عبد الواحد بن هبة اللّه بن طاهر بن يوسف النصيبي الحلبي شرف الدين.

ولد سنة ست أو سبع و سبعمائة، و سمع على أبيه و على أبي بكر بن العجمي و على ابن صالح و أبي طالب و إبراهيم بن صالح بن هاشم و غيرهم و حدث. روى عنه إسماعيل ابن بردس (هكذا) و أبو المعالي بن عشائر. و كان رئيسا جيد الرأي كثير البر من كتّاب الإنشاء بحلب، حسن الخط، باشر عدة وظائف ثم تركها تعففا و لزم بيته مواظبا على الخير و التلاوة حتى مات في سنة 773 في ذي الحجة منها و له سبع و ستون سنة.

398- علي بن إبراهيم بن معاسين المتوفى سنة 773

علي بن إبراهيم بن حسن بن تميم الرئيس علاء الدين بن معاسين الحلبي كاتب السر.

ولد سنة بضع و سبعماية، و اشتغل بالقراءات و تعانى الأدب و تقدم إلى أن ولي كتابة السر بحلب سنة 62 بعد تحول ناصر الدين بن يعقوب عنها، فباشرها نحو عشر سنين.

ذكره ابن حبيب فقال: كاتب حسن خطه، و طما نهره و اخضر شطه، و بسقت‏

56

أغصان سعده، و أينعت ثمرات مجده، و ساد على أبناء جنسه و سار نبأ قلمه، و كان حازما عارفا، ثم امتحن و عزل و صودر و ضرب. و وصفه بأنه كان يكتب أولا الإنشاء ثم رقي إلى كتابة السر. و مات سنة 773.

399- علي بن الحسن البابي المتوفى 774

علي بن الحسن بن خميس الشيخ الإمام علاء الدين أبو الحسن البابي باب بزاعا الحلبي الشافعي.

اشتغل بحلب على جدي الأعلى لأمي قاضي القضاة فخر الدين أبي عمرو علي بن خطيب جبرين و غيره، و رحل إلى دمشق فاشتغل بها مدة، ثم رجع إلى حلب و تفقه. و كان إماما عالما فقيها ورعا دينا صالحا، و قرأ عليه الفقه جماعة بحلب منهم شيخنا ابن أخيه شمس الدين محمد بن إسماعيل البابي، و درس بالسيفية في آخر عمره، نزل له عنها جدي أبو أمي علاء الدين أبو الحسن علي بن قاضي القضاة فخر الدين المذكور في مرض موته.

و ذكره ابن حبيب في تاريخه و قال فيه: كان حسن الطريقة، دينا على الحقيقة، مستمسكا بحبال التقوى، مقتديا بما ينقل عن السلف و يروى، قليل الكلام، منقطعا عن الأنام، ذا وقار و سكون، و سمت يملأ القلوب و العيون. ورد إلى حلب في حال شبابه، و أخذ عن أهل العلم الشريف و أربابه، و لازم الصلاح و السداد، و دأب إلى أن أفتى و أفاد، و انتفع به الطلاب، و أطرب الأسماع بقراءته في المحراب، و درس بالسيفية في آخر عمره، و استمر إلى أن غاب عن الأصحاب ضوء قمره. انتهى.

توفي بحلب في سنة أربع و سبعين و سبعمائة عن بضع و ستين سنة و دفن خارج باب المقام عند قبر الشيخ زين الدين الباريني بالقرب من الظاهرية تغمده اللّه برحمته ا ه. (الدر المنتخب).

400- محمد بن عبد الكريم بن العجمي المتوفى سنة 774

محمد بن عبد الكريم بن محمد بن صالح بن هاشم بن عبد اللّه بن عبد الرحمن الكرابيسي الأصل الحلبي، ظهير الدين أبو هاشم المعروف بابن العجمي أحد الشهود بحلب.