مباحث الأصول - ج3

- الشيخ محمد تقي البهجة المزيد...
629 /
7

مباحث الاصول (ج 3)

مباحث القطع‏

الفصل الأوّل في حجّية القطع‏

لا يخفى أنّ مسألة حجّية القطع- بمعنى المنجزيّة عند الإصابة و المعذريّة عند الخطاء، أو صحّة الاحتجاج به من الطرفين: المولى و العبد- ليست نظريّة، فلا يبحث عنها في شي‏ء من العلوم و مباديها.

و أمّا خصوصيّاتها- كعدم الفرق بين التفصيلي و الإجمالي، و لزوم رعاية الثاني في طرفي الموافقة و المخالفة القطعيّتين، و أنّ التجرّي كالمعصية في الأحكام، و ما لأقسامه من الطريقي و الموضوعي، و اختلافهما بقيام الأمارة مقامه و عدمه- فهي نظريّة بأس بجعلها من مسائلها الاصول، لتوقّف إقامة الحجّة على الحكم الشرعي الفقي على هذه المسائل، بعد تسلّم المبدئيّة التصديقيّة للحكم الشرعي.

معقوليّة الحجّية في القطع الطريقي‏

و أما ما أفاده الشيخ الأنصاري- (قدّس سرّه)-: من عدم معقوليّة الحجة في القطع الطريقي لعدم إيجابه القطع بالمطلوب، بل هو بنفسه قطع بالمطلوب؛ فلا وسطيّة

8

له في إثبات شي‏ء (1)، فيمكن المناقشة فيه: بأنّه لا مانع من الوسطيّة للوازم المقطوع، أعني الاندراج في قاعدتي التحسين و التقبيح؛ فإنّ المولى يحتجّ على المخالفة بأنّه كان مقطوعا لك و مخالفته كانت ظلما على المولى موجبا لاستحقاق العقوبة، كما يحتجّ العبد على المولى بالقطع بالعدم في المخالفة الواقعيّة و بموافقة القطع المصادف لطلب الجزاء، و ليست القاعدة للمخالفة الواقعيّة، بل المحرزة بحجّة من علم أو علميّ. و عدم الوسطيّة في العقل النظري للقطع بل للمقطوع، لا ينافى الوسطيّة في العقل العملي و هو المطلوب في الحجّية في هذه المقامات للقطع و الظّنّ أيضا.

و يمكن إدراج في قوله: «و أمّا بالنسبة إلى حكم آخر غير متعلّق القطع فيجوز»؛ و ذلك لأنّ القطع بالنسبة إلى الأحكام العقليّة جزء للموضوع، أي في صحّة الاحتجاج من المولى على مخالفة العبد للحكم المقطوع، و من العبد على موافقة الحكم المقطوع.

مناط كون المسألة اصوليّة

و قد مرّ أنّ البحث عمّا يفيد في استنباط الحكم الشرعي الفقهي اصوليّ، في ما لم يعلم من سائر العلوم و كان التمهيد لغاية هذه الإفادة؛ فجميع المسائل الباحثة عن الحجّة على الحكم الفقهي، من الاصول، كالبحث عن الظهورات في ما لا يستفاد من اللغة و العرف محضا، بل يكون للملاحظات العقليّة دخالة في العلم بتحقّقها، فإنّه بحث عن مصاديق ما يفرض حجّة و عن تشخّص الحجّة و البحث عن حجّية الخبر- مثلا- بحث عن الحجّية الشأنيّة، للظنّ الخاصّ بالصدور،

____________

(1) فرائد الاصول: 1/ 30، طبع مؤتمر الشيخ الأعظم- (قدّس سرّه)-

9

و البحث عن الحجّية الفعليّة عند التعارض و أنّها للواحد المعيّن للترجيح أو المخيّر، لعدمه.

نعم، الحجّية المبحوث عنها في الأخيرين، تكون الحجّية المبحوث عنها بنحويها- من الشأنيّة و الفعليّة- جامعا محموليّا، و الحجّة تشخّصا في الظهورات يكون للحجّة المبحوث عن ثبوتها بنحو الهليّة البسيطة جامعا موضوعيّا؛ ففي البحث عن الظهور يبحث عن تحقّق ما فرض حجّيته؛ و في الأخيرين، عن حجّية ما فرض تحقّقه من الظهور أو الصدور الظنّي، فالجامع ليس موضوعيّا بقول مطلق و لا محموليّا كذلك؛ فلو ميّز بهذا الجامع بما هو، فلا بدّ من الترديد بين الموضوعي و المحمولي، فلو ميّز بهذا الجامع بما هو، فلا بدّ من الترديد بين الموضوعي و المحمولي، كما وقع في التعريف في بعض التعاريف للاصول، و إن كان ملازما للمميّز أو طريقا إليه دائما.

و لا ينافي ذلك كون مفروض الثبوت في بعضها مبحوثا عنه في بعضها، كما لا ينافيه ترتّب بعضها كالأخيرين على بعضها، إذ يوجب ذلك كون بعضها من مبادئ تصديقيّة أو تصوّريّة للآخر، بل الكلّ من المسائل المختلفة و لو بالترتّب.

و منه تعرف ما في المنع عن كون مبحث القطع عن مسائل الفنّ؛ فانّه غير مسلّم الاطّراد؛ كما أنّ شباهته لمسائل الكلام في كونها عقليّة، غير مجدية بعد عدم كونها من الاعتقاديّات الداخلية في مسائل الكلام.

و إنّما يتشخّص العلم في الاصول بهذا الجامع المذكور بسبب الغرض، لاشتراك المسائل الداخلة تحت هذا العنوان بهذا الدخول المختلف في التمكّن بسببها من الاستنباط للحكم الشرعي، و هى- أعني السببيّة- مستفادة من تعريفهم له بالتمهيد للاستنباط كما لا يخفى؛ فهذا- أعني التمهيد للاستنباط- كما

10

يطرد العلوم الممهّدة لا لخصوص الاستنباط، ينقّح الجامع بين المسائل الاصوليّة الدخيلة في خصوص الاستنباط.

فهرست مسائل الاصول‏

ثمّ إنّ فهرست مسائل الاصول، يمكن تقريره بأن يقال: المكلّف المتمكّن من العمل بالوظيفة الواقعيّة أو الظاهريّة بلا واسطة كالمجتهد، أو معها بالقدرة على الأسباب و المقدّمات العلميّة، إذا التفت التفاتا تأمّليّا تصديقيّا إلى الحكم الشرعي الواقعي، إمّا أن يكون قاطعا به، فهو يعمل و إن منع منه؛ إذ لا يعقل منه جعل وظيفة له مما ثلة أو مضادّة لما قطع به، و لو بحسب اعتقاده؛ و إمّا أن يقطع.

و هو بعد الفحص عن مظانّ ما يحتمله، إمّا أن يظنّ بالحكم بظنّ خاصّ، أو عامّ معتبر أو بحكم المعتبر كالظنّ الانسدادي المسقط محضا على الحكومة أو لا.

و الظنّ الخاصّ إمّا أن يكون مبتلى بالمعارض الذي له كما لمعارضه الحجّية الشأنيّة، أو لا. و الأوّل محلّ البحث عن الترجيح و التخيير، و هذا من مباحث الأمارات، لا الأصول، فكان الأنسب تقديمه على مباحث الاصول العمليّة؛ و كذا البحث عن الظهورات تحقّقا أو حجّية من مباحث الأمارات؛ فالبحث عن ظهور الصيغة في الوجوب بحث عن الظنّ الخاصّ الحاصل من الدلالة. و البحث عن حجّيته كالبحث عن حجّية ظهور الكتاب و حجّية خبر الثقة، داخل في البحث عن الأمارات المتقدّم على مباحث الاصول العمليّة.

و قد بنوا على تقديم مباحث الألفاظ- التي هي بحث عن الظنّ الخاصّ الدلالتي اللفظي تحقّقا- على البحث عن سائر الأمارات و الاصول و خصّوها بغير البحث عن حجّية الحجج و الأمارات الظنّية حتّى ما كان مربوطا بالألفاظ،

11

كحجّية ظهور الكتاب عند عدم القرينة على الوفاق و الخلاف و عموم الحجّية لمن لم يقصد إفهامه. و لم يبحث عن حجّية الظهور مطلقا عند عدم القرينة على الخلاف، لعدم الاختلاف فيها و لعدم كونها نظريّة بحسب البناء المستمرّ المعلوم من العقلاء عليها.

و إن لم يظنّ أو لم يعتبر ظنّه بنحو فهو شاكّ في الحكم الواقعي حقيقة أو حكما.

و حينئذ فإمّا أن يكون لذلك الحكم حالة سابقة ملحوظة، فهو مجرى الاستصحاب.

و إلّا فإمّا أن يكون الشكّ مع عدم العلم بأصل التكليف، فهو مجرى البراءة؛ و إمّا أن يكون الشكّ في نوع التكليف المعلوم كالعلم بوجوب شي‏ء أو حرمته، فهو مجرى التخيير؛ و لا حاجة إلى التقييد بعدم إمكان الاحتياط، لوضوحه في ما كان متعلّق الحكمين المحتملين فعلا واحدا.

و إن كان الشكّ في تعلّق التكليف المعلوم بنوعه بأحد الشيئين- كدوران الأمر بين الواجب و غير الحرام أو بالعكس- فهو مجرى الاشتغال.

و يمكن تقرير القسم الثاني أعني صورة عدم الظنّ، بأنّه إن كان التّكليف معلوما و الاحتياط غير ممكن- و لا يكون إلّا مع العلم بالتّكليف و الشّكّ في نوعه- فهو مجرى التخيير في ما لم تكن حالة سابقة ملحوظة؛ و إن كان ممكنا- و لا يكون إلّا مع العلم بنوع التكليف و الشّك في متعلّقه- فهو مجرى قاعدة الاشتغال؛ و إن كان التكليف غير معلوم، فهو مجرى البراءة إذا لم تكن حالة سابقة ملحوظة، و إلّا فهو مجرى الاستصحاب. و أمّا دوران الأمر بين الواجب و الحرام فهو- كدورانه بين الوجوب و الحرمة- مجرى التخيير أو الحكم بالموافقة الاحتماليّة بفعل واحد معيّن و ترك الآخر كذلك.

12

تبين المراد من حجّية القطع‏

ثمّ إنّ الظاهر أنّ القطع، بمعنى العلم و الرؤية الوجدانيّة، و الرؤية الحدسيّة- كالحسيّة- قابلة للخطإ؛ و معه هي ما ينقّح بها موضوع الظلم و العدل في المخالفة و الموافقة؛ فحجّية القطع- كحجّية الخبر- من الأحكام العقلائيّة الناشئة من قاعدة التحسين و التقبيح؛ كما أنّ منجّزيته و معذّريته- و هما عبارتان عن صحّة الاحتجاج به من الطرفين- من أحكامه العقليّة المندرجة في التحسين و التقبيح العقليّين، لأنّ موافقة التكليف المقطوع به، عدل و مخالفته ظلم، و ليس من القاطع إلّا تطبيق الكلّي على الفرد بالقطع و القطع بحكم العقل و العقلاء، بعد التطبيق المذكور. و ليس القطع إلّا وجود ما يتعنون بالعدل تارة و بالظلم اخرى عند القاطع.

فجعله إيجاده تكوينا بسيطا، لا تشريعا و لا تكوينا تأليفا. و الحكم العقلي الذي هو عبارة عن إدراك العقل مدح العقلاء على الموافقة و ذمّهم على المخالفة، حيث إنّه لا يكون المدح من العقلاء إلّا بما أنّهم عقلاء؛ فالمادح حقيقة هو العقل، و مدحه يكشف عن أمره و أنّ مجازاته، مدحه؛ كما أنّ ذمّه يكشف عن نهيه و أنّ الذمّ مجازاته؛ فالحجّية بالوجه المذكور ليست مجعولة للقطع تكوينا و لا تشريعا، بل راجعة إلى التحسين و التقبيح- كما مرّ- في الكليّات المنطبقة على القطع.

فعليّة الحكم الإنشائي بفعليّة موضوعه‏

ثمّ إنّ الحكم الإنشائي ثمام ما بيد الشارع و ما يرتبط به، و فعليّته بتشريعه المبيّن لموضوعه المفروض، و فعليّته- بحيث يترتّب عليه الأحكام العقليّة و غيرها- بفعليّة ذلك الموضوع المفروض، و إلّا لزم الخلف من ثبوته بلا موضوعه أو

13

لا ثبوته مع موضوعه؛ و صحّة الاحتجاج في موافقته و مخالفته تتبع- مضافا اليهما- القطع بالإنشاء و بوجود الموضوع، أو ما ينوب مقام القطع من الأمارات المعتبرة.

و أمّا الحكم الاقتضائي فليس شرعيّا، و إنّما هو اقتضاء الحكم الشرعي لوجود الملاك، فقد يكشف الملاك عن الحكم إذا قطع به و بشرائط تحقّقه لو لا المانع الخاصّ عن البيان، فيكون له الأحكام؛ فالحكم حينئذ للمكشوف لا الكاشف.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

الفصل الثاني في استحقاق العقوبة على الفعل المتجرّى به و عدمه‏

المسألة ليست اصوليّة

و أصل هذه المسألة- أعني حرمة التجرّي- ليست من مسائل الفقه، فليس البحث عن الاستحقاق اصوليّا، لعدم الانتهاء إليه في مسئلة فقهيّة؛ و ذلك لأنّ حرمة التجرّي به غير معقولة.

لأنّ تحريم الفعل المحرّم واقعا- حيث لا يتنجّز إلّا في صورة العلم بالكبرى و الصغرى- يغني عن تحريم لازم الفعل المستحقّ عليه العقوبة من قصد المخالفة أو المخالفة المقصودة المخالفة للواقع، فهو- أعني الجمع بين الحكمين- في قوّة اجتماع المثلين في اعتقاد المكلّف، لرجوعه إلى تحريم الفعل و تحريم لازمه.

مع أنّ التكليف، لجعل الزاجر أو الداعي، و لا يمكن داعيان إلى وجود واقعي في نظر المدعوّ، كما هو كذلك في نفس الأمر.

بل تحريم الفعل المقصود به الحرام إن كان مقيّدا بمخالفة القصد للواقع، فهو

16

غير قابل للفعليّة؛ و إن كان مطلقا و سلّم جوازه، لزم اجتماع تحريمين في كلّ حرام، لكنّه لا يعقل الثبوت مطلقا و لو بالإطلاق.

إشكال و جواب‏

إن قلت: نسلّم وحدة التكليف، لكن ندّعي أنّ التكليف الواحد تحريم الظلم بهتك حرمة المولى المستوية في صورتي مصادفة القطع للواقع و عدمها بالوجدان.

قلت: الهتك المعلول للتكليف لا يعقل سببيّته للتكليف، لا مع وحدة التكليف و لا مع تعدّده؛ مع أنّه لغو، إذ القاطع يوقع نفسه في الحرام الواقعي لا الاعتقادي، و كاشفيّة الهتك الوجداني القبيح عن الحرمة كشف المعلول عن العلّة، غير معقولة لدى القاطع بالحرمة. و حيث إنّ حكم العقل بالقبح و التحريم للظلم ناش عن الخطأ في تطبيق الموضوع الكلّى على ما في الخارج، فالخطأ في الحكم العقلي هكذا معقول، و جعل العقوبة على الأعمّ من المصادف لغو، لأنّ القاطع يرى المصادفة.

و قد علم ممّا مرّ: أنّ عدم إمكان حرمة التجرّي شرعا، يستلزم عدم استحقاق العقوبة عليه، فلا محلّ للبحث عن المسألتين الفقهيّة و الاصوليّة.

و أمّا التفصيل بين كون استحقاق العقوبة في المعاصى جعليّة شرعيّة، فعدم الاستحقاق، لعدم الحرمة للفعل المتجرّى به؛ أو عقليّة فالاستحقاق، لأنّ الموضوع عنده الهتك المشترك بين الإصابة و العدم، فيمكن أن يقال: إنّ حكم العقل ينتهي إلى حكمه في العدل و الظلم؛ و هما في الاجتماعيّات لا خفاء في حكم العقل تحسينا و تقبيحا و موضوعا، من دون فرق بين الموحّد و غيره؛ و لذا تطابقت الامم المختلفة في التوحيد على أحكام العقل العملي؛ و في الشخصيّات‏

17

المنتهية إلى الظلم بالنفس و العدل فيها كذلك.

و أمّا سائر الامور الانفراديّة الشخصيّة فقد لا يحرز دخالتها وجودا أو عدما في نظم هذه النشأة، و قد لا يكون من أهل إعمال العقل النظري، و إلّا فينتهي الأمر فيه إلى إثبات الصانع و تصديق المخبر عنه بالدليل، و بسببه يحرز النشأة الآخرة و ما يصلحها أو يفسدها.

فما ذكرناه فيه جهة امتياز بين حكمي العقل و الشرع. و هما- أي العدل و الظّلم- قد يكونان خياليّين من جهة الاشتباه الموضوعي من القاطع، و ليس تمام الموضوع فيهما الإحراز، بل هو مع المحرز ممّا لا دخل له وجودا أو عدما في حفظ النظام.

كما أنّ الحكم الشرعي مع معلوليّته للمصالح و المفاسد موضوعه ما في الواقع، و لا يتنجّز إلّا بإحراز الموضوع و الحكم، و الحاكم- شرعا كان أو عقلا- يتصوّر في حكمه بما له من الموضوع واقعيّته، لا تخيّله؛ فلا مدح في تخيّل العدل، كما لا ذمّ في تخيّل الظلم، كما لا عقوبة من الشروع في تخيّل حرمة ما ارتكبه.

نعم، من تعمّد ارتكاب ما تخيّل حرمته- مثلا- لا يعدّ مراعيا لشي‏ء من القانون الشرعي أو العقلي، و لا يكون له ملكة رعاية القانونين و لا من المقرّبين عند الشرع أو العقلاء، و لا يعاملون معه معاملة العادل في الطائفتين، لأنّ عدالته ليس مجرّد حسن الظاهر، بل ما يكشف به من الملكة و الخوف، أو مع عدم كشف عدم الملكة و الخوف. و هذا لا يوجب كونه مفسدا للاجتماع عاصيا و لا معاقبا من الجهتين، و انتفاء العدالة لا يستلزم العصيان، بل قد يقال بزوالها بمنافيات المروّة أيضا.

18

عدم معقوليّة تحريم نيّة السوء

ثمّ إنّه ظهر ممّا قدّمناه، عدم معقوليّة تحريم نيّة السوء في صورتي المصادفة للسوء المنويّ و عدمها، لعدم المفسدة مع العدم و عدم الحاجة مع الوجود.

و ما دلّ على العفو لا يدلّ على التحريم، كما ورد في آخر الوقت: «أنّ الصلاة فيه غفران اللّه الذي لا يكون إلّا بذنب.» (1)

و على تقدير الإغماض عمّا قدّمناه، فمجرّد الاشتياق لا معنى لتحريمه، لا أنّه لا حكم له، و الشوق المنتهى إلى المعلول خارجا، أو المعلول للشوق بمعنى الجزء الأخير لعلّة الفعل المتعقّب به؛ فحينئذ يكون الراجح- على التقدير المذكور- تحريم الفعل الذي هو جري على نيّة السوء و إن كان في نفسه من المباحات، لا نفس النيّة الخاصّة التي ربّما لا تكون اختياريّة، لعدم لزوم اختياريّته في صورة المصادفة، و إنّما الاختياري معلولها.

تبين الاختيار

و الاختيار قوّة وجدانيّة للنفس بها يرى صاحبها نفسه مختارا لامور إذا شاء أن فعلها، فعلها؛ و إذا شاء أن لا يفعلها، لم يفعلها؛ ففي الاختياريّات يرى نفسها لها انبساط فعلي تارة بالفعل، مع أنّها ترى نفسها متمكّنة من الترك شأنا، أو انقباض فعلي مع أنّها متمكّنة من الفعل شأنا.

و ليست القوّة اختياريّة، بل بها اختياريّة الفعل فعلا و تركا، و تماما الحجّة على المكلّف بأن يراد منه فعل ما يقدر عليه فعلا، بلا اضطرار إلى الفعل أو الترك في‏

____________

(1) لم نعثر عليه بهذا اللفظ و لكن ورد في وسائل الشيعة: 4/ 123، أبواب المواقيت، الباب 3، الحديث 16:

«أوّله رضوان اللّه و آخره عفو اللّه، و العفو لا يكون الّا عن ذنب»

19

الأمر، و ترك ما يقدر على في النهي بلا اضطرار إلى الترك أو الفعل، كما أنّه يرى في الأمر غير مضطرّ إلى الفعل و ممتازا عن المضطرّ إلى الفعل، و فى النهي غير مضطرّ إلى الترك و ممتازا عن المضطرّ إلى الترك.

و يمكن إرجاع ما قيل من: «أنّ القادر المختار من إذا شاء فعل، و إذا لم يشأ لم يفعل.» إلى ما قدّمناه، بتعميم الفعل للترك و إرادة ماله نفس الأمريّة؛ فالاختياري- فعلا كان أو تركا- منوط بمشيّة الفعل تارة و مشيّة الترك اخرى؛ و غيره لا إناطة له بالمشيّة، فيقع ما لم يشأ و لا يقع ما شاءه من التروكات لا بإعمال القدرة، كالصعود إلى السماء، لا بآلة؛ فليقس ما بين حركة المرتعش و تحريك السالم يده، و ليلاحظ الاختياري عن غيره.

ما يستدلّ به على تحريم التجرّي من الروايات‏

رواية الامتنان‏

ثمّ إنّ تقريب دلالة ما دلّ على أنّ «من استنّ سنّة سيّئة، كان له وزر من عمل بها» (1). على تحريم التجرّي، نظرا إلى أنّ نيّة معصية الغير إذا كان موجبا للوزر و زيادتها لزيادة الوزر، فنيّة معصية النفس كذلك بالأولويّة، قابل للدّفع: بأنّ الموجب للوزر إن كان صرف النيّة، لزم عدم الاختلاف بكثرة العامل و قلّته، بل لزم عدم لابدّية الوقوع للمعصية في هذا الوزر، لأنّه بسنّته كما يوزر بمباشرته، يوزر بنيّة معصية الغير التي جرى على تلك النيّة بفتح الباب لمن يمكن أن يعصي؛ فيتفرّع عليه الحرمة لنيّة معصية النفس و إن لم يعص، إذا جرى على تلك النيّة، كما في التجرّي؛ مع أنّ الرواية ترتّب الوزر على العمل بالمعصية من الغير.

____________

(1) راجع فرائد الاصول: 1/ 40

20

ثمّ إنّ التسبّب العملي إلى معصية الغير إن كان محرّما من حيث التجرّي، كما هو محرّم واقعا من حيث الإعانة الواقعيّة المقصودة في ما وقع الغير في المعصية، فللمتجرّى المذكور و زر من يمكن أن يعمل بها، لا وزر خصوص من عمل بها.

و أمّا غير من عمل بها، فلا دلالة في هذه الرواية على أنّ المستنّ، له وزر التجرّي زائدا على وزر عمله المباشري المحرّم في نفسه في الجملة؛ فاشتراك العاملين المستنّين في صورة قلّة العامل بإحداهما و كثرة العامل بالاخرى، بل عدم العامل باخرى مع أعظميّة وزر من كثر العامل بسنّته، شي‏ء لا يستفاد من مثل الرواية المتقدّمة، كما ذكره الشيخ الأنصاري- (قدّس سرّه)- (1).

رواية للمصيب أجران ...

و أمّا الاستدلال بما روى من أنّ «للمصيب أجرين، و للمخطئ أجرا واحدا» (2)- نظرا إلى أنّ المستفاد أنّ نيّة الموافقة، لها أجر مشترك، و الموافقة الواقعيّة لها أجر مختصّ، فنيّة المخالفة لها وزر مشترك، و المخالفة الواقعيّة عند الإصابة لها وزر مختصّ- فيمكن دفعه: بعدم الملازمة بين ثبوت الأجر على نيّة الخير تفضّلا لفتح باب النيّات و ما يتعقّبها كثيرا من الخيرات، و بين ثبوت الوزر و العقاب على نيّة السوء و لو كانت نيّة مع الجري في الجملة، بل التفضّل يقتضي عدم الوزر فيه فيها؛ فانّ النيّة بلا عمل، لا وزر فيها بالاتّفاق؛ و العمل المباح بلا نيّة الحرام، لا وزر فيه كذلك.

و اجتماع شيئين لا وزر في واحد منهما منفردا، لا يوجب الوزر عند العقلاء، بخلاف نيّة الخير فإنّها لها الأجر. و العمل بلا نيّة، مخرج عن العقوبة في الواجبات‏

____________

(1) نفس المصدر: 41

(2) نفس المصدر

21

الغير العباديّة، و عدم الأجر الكامل لا يوجب عدم الأجر رأسا و مطلقا.

و مع ذلك، فلا يعلم أنّ المراد، المصيب في نظره و سعيه في طلب الواقع؛ فالطلب له أجر مشترك، و الموافقة العمليّة لها أجر مختصّ و قد يكون القطع بلا طلب، إلّا أن يعمّم التجرّي للحجّة الظنّية المخالفة للواقع و يتمّم في القطع بعدم القول بالفصل؛ أو أنّ المراد مصيب الواقع و المخطئ بمخالفة قطعه للواقع و النتيجة، في إحراز الثاني، مع ما مرّ من عدم فهم مورد الوزر منه.

مع إمكان أن يقال: انّ المراد الأجر على الواجب من التعليم و التعلّم و هو المشترك، و المختصّ أجر الموافقة العمليّة كوزر المخالفة العمليّة المنفيّة في التجرّي، فلا يبقى فيه إلّا أجر التعليم و التعلّم المشترك بين موارد الإصابة و الخطأ.

تأويل ما يقتضي بظاهره البدوىّ تحريم التجرّي‏

و ما ورد ممّا يقتضي تحريم التجرّي لا بدّ من تأويله؛ فما دلّ على أنّ «من سنّ سنّة سيّئة كان له وزر من عمل بها» (1) فاختلف المستنّان بحسب قلّة العامل لأحدهما بالنسبة إلى الآخر، فإنّ التسبّب إلى استنان الغير و إضلال الغير بفتح باب الضلالة لهم، حرام؛ فالعقاب عليه واجد للمقتضي و الشروط- التي منها القصد- و فاقد للمانع؛ و من لم يؤثّر إضلاله فلم يتحقّق منه إلّا عمله المباشري المعاقب عليه؛ فعدم العقاب على المتسبّب إليه، لعدم تحقّقه و عدم المقتضي لعقابه، لا لعدم الشرط و هو القصد أو لوجود المانع.

و ما دلّ على حشر الناس على نيّاتهم، يراد منه أنّ الأعمال المتّحدة صورة المختلفة باختلاف النيّات يحشر العامل فيها على نيّته كقوله: «إنّما الأعمال‏

____________

(1) وسائل الشيعة: 15/ 24، أبواب جهاد العدوّ، الباب 5، الحديث 1 مع اختلاف يسير فى الالفاظ

22

بانيّات» (1).

و تعليل الخلود بالعزم، لمكان الكشف عن كون العامل بحيث يتغيّر في ذاته بعمله بلا حدّ زماني بسبب اختياره الكفر المغيّر، و لذا يوجب الكفر الخلود، و إن قلّ زمانه؛ فإنّه حينئذ لا يكون قابلا لدخول الجنّة، لا أنّه لمكان تأثير العزم له على تقدير البقاء؛ فإنّه عزم تعليقي و البحث في العزم الفعلي الغير البالغ حدّ تحريك العضلات، مع أنّ العزم أيضا لا يكفي عند الخصم و إن كان فعليّا.

و استحقاق المقتول للنار، لمكان أنّ المقاتلة نوعا، تشتمل على محرّمات من الطرفين، و إن اختصّ أحد الطرفين بفعل قتل الآخر؛ مع أنّ المستحقّ هو الظالم كالمقيّد لا مطلقا.

و العقاب على فعل بعض المقدّمات لتحريمها كتحريم إيجاد المقدّمة الأخيرة لفعل الغير الحرام بقصده مطلقا، لا للتحريم في جميع الموارد، كما هو ظاهر.

و الرضا بعمل قوم بحيث يكون مثلهم في الاعتقاد و العمل، لكشفه عن المماثلة في المحرّمات نوعا يكون صاحبه منهم، و نسبة القتل إلى الراضي، لهذا الكشف و إن تأخّر عن الفاعل.

و المراد من عدم الإرادة في الآية (2)- و اللّه أعلم- عدم العلوّ و الفساد بالإرادة، لا عدم الشوق و لو لم يكن محرّكا نحو الحرام. و كذا حبّ شيوع الفاحشة.

فهذه الظهورات البدويّة، لا تفيد في الصرف عن المرتكزات الدينيّة من أنّ الحرام هو العمل الخارجي. و ما يقتضي عدم تحريم التجرّي يفيد عدم تحريم العزم، كما أنّه لو دلّ الدليل على تحريم العزم كان محرّما للتجرّي بالأولويّة.

____________

(1) وسائل الشيعة: 1/ 49، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 10

(2) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ‏ القصص: 83

23

هذا مع معارضة هذه الظواهر بما دلّ على العفو عن نيّة السوء؛ و لعلّ الجمع، بعدم العفو عمّا تكشف عنه نوعا من العمل المقارن أو المعلول لتلك النّيّات، كما مرّ.

الاستدلال على الاستحقاق بلزوم إناطته بغير الاختياري على فرض، و دفعه‏

و أمّا الاستدلال على الاستحقاق بلزوم إناطة الاستحقاق بما ليس تحت الاختيار في صورة مصادفة أحد القاطعين و القول باستحقاق خصوص من صادف قطعه للواقع للعقاب؛

ففيه: أنّ الاستحقاق موضوعه الفعل الاختياري المخالف للتكليف مع العلم بالكبرى و الصغرى في التكليف؛ فإذا استحقّ خصوص من صادف قطعه، فعوقب على ما تمام أمره اختياري و واجد لشرائط الاستحقاق و فاقد لموانعه، فلا محذور عقلي فيه؛ و أمّا من يصادف قطعه للواقع، فليس عدم استحقاقه لعدم الاختيار أو لأمر غير اختياري، بل لعدم المقتضى، و هو مخالفة التكليف واقعا عن قصد و اختيار، لاكون المخالفة لا من اختيار.

دعوى سدّ باب الامتثال على فرض عدم الاستحقاق، و دفعها

و دعوى أنّ لازم التفصيل في الاستحقاق العقلي، سدّ باب الامتثال، لأنّ كلّ قاطع يحتمل عدم مصادفة قطعه للواقع، مدفوعة بأنّ القاطع خصوص من لا يحتمل عدم مصادفة شخص قطعه للواقع، و إلّا لم يكن قاطعا؛ فلا بدّ من عدم احتماله رأسا، أو كان احتماله مستهلكا لكونه مثلا واحدا في ألف؛ فإن كان بحيث يكون عقلائيّا منع عن القطع الشخصي، كما هو واضح.

24

و يمكن أن يقال: إنّ تحريم مقطوع الحرمة بقيد عدم المصادفة، غير معقول في نفسه، لعدم إمكان إحراز موضوعه، لأنّ القاطع لا يحتمل عدم مصادفة قطعه، كما مرّ.

الفرق بين التجرّي و المعصية

و ممّا قدّمناه ظهر: أنّ ما افيد من عدم الفرق بين التجرّي و المعصية- بناء على أنّ استحقاق العقاب عقليّ، كما عن المشهور- مخدوش: بأنّ قصد الهتك و الظلم ليس موضوعا للحكم العقلي، بل الظلم القصدي و الهتك القصدي؛ فالمصالح الملحوظة عند العقل في حكمه، لا بدّ من ثبوتها و من تقيّد فوتها بالقصد، لا أنّ القصد تمام الموضوع، و إلّا لثبت بمجرّد العزم و لا يقول به المخالف.

دور القصد و العزم في استحقاق العقاب‏

و بالجملة: فموضوع حكم العقل باستحقاق العقوبة، المخالفة عن قصد، لا مجرّد القصد، كان جرى على طبقه أو لم يكن.

و منه يظهر إمكان اختيار أنّ أصل استحقاق المؤاخذة عقليّ، و تطبيقه في الامور الغير المرتبطة بنظام هذه النشأة ليس إلّا بإرشاد الشارع الحكيم، و ليس من العقل إلّا تصديق الحكيم في ما يقرّره عن حكمة بحيث لو اطّلع عليها لحكم بها، و غاية ما للعقل تقرير العقوبة الدنيويّة لما يرتبط بنظم الاجتماع، و قد يخطّئه الشرع و قد يصدّقه، و هو يصدّق الشرع أبدا.

بل حيث إنّ موضوع حكم العقل، المخالفة القصديّة، فمع انتفاؤهما معا أو انتفاء أحدهما، لا حكم عقلي بالاستحقاق؛ فكذا لا عقوبة من الشرع الموافق‏

25

للعقل قطعا؛ فقصد المخالفة المنتفية واقعا، كالمخالفة الواقعيّة الغير المقصودة في عدم تقبيح العقلاء، كما هو المشاهد للكلّ، و إلّا فإن كان الاستحقاق للقصد، فهو غير اختياري نوعا. مع أنّ لازمه تعلّق القصد بمخالفة التكليف- المتعلّق بغير القصد لا التكليف المتعلّق بقصد المخالفة، فكيف يتعلّق التكليف بغير القصد و يعاقب على القصد؟

و لازم تعلّق التكليف بالقصد- مع قطع النظر عمّا ذكرنا- عدم اعتبار المصلحة و المفسدة في متعلّق التكليف، لكفاية ما في القصد نفسه من المصلحة أو المفسدة؛ و لو كان العقاب عليهما و التكليف بهما، فاللازم تعدّد العقاب، و لازمه في أحكام العرف تعدّد الظلم، و كذا الشرع كما مرّ؛ فيكون في فعل الحرام ظلمان و عقابان، و في قصد الحرام، ظلم و عقاب واحد، و لا يمكن الالتزام به ممّن يراجع طريقة العقلاء التي هى الأصل في ذلك.

و يمكن أن يقال: إنّ الاستحقاق لو فرض هنا، فموضوعه المخالفة المعلومة؛ فللعلم دخالة في الاستحقاق المذكور غير دخالته في الاستحقاق في صورة المصادفة، لأنّ شرطيّته فيها، بمعنى قبح عقاب غير العالم بالتكليف كبرى و صغرى، و هنا بمعنى قبح العقاب على الفعل بعنوان غير معلوم و غير ملتفت إليه.

مع أنّ القاطع إنّما يقصد شرب الخمر، لا شرب معلوم الخمر، و لا يلتفت إلى علمه بخمريّته، لأنّ لحاظ العلم فيه آليّ محض لا استقلالي، و لا بدّ من لحاظ عناوين الفعل كأصله استقلاليّا، بل صحّة العقاب عليه و استحقاق العقوبة عليه، و إمكان الالتفات و الاستحقاق أحيانا إلى القطع، غير وقوعه في جميع موارد البحث عن استحقاق المتجرّي للعقاب، و هو من أقدم على مخالفة التكليف الواقعي.

26

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ مسألة الاستحقاق المذكور لا يكون من مسائل الاصول، للزوم المبدئيّة التصديقيّة فيها؛ فما ليس مبدأ تصديقيّا لمسائل الفقه ليس من مسائل الاصول؛ و ما يكون كذلك، فهو من مسائل الاصول على ما مرّ. و ما لا ينتهي إلى مسألة فقهيّة فليس من مبادئ الفقه.

كما أنّ كونه من مسائل الكلام مبنيّ على اندراج مطلق التحسين و التقبيح فيها، لا خصوص ما يرتبط بالاعتقاديّات.

كما أنّ حكم العقل أو العقلاء بقبح المخالفة المقطوع بها- كحكم الشرع- ليس ثبوته في المورد الخاصّ في نظر القاطع إلّا خياليّا محضا، لأنّ حكم العقل موضوعه القصد، فهو متقوّم بالقصد و العلم، لا أنّ تمام موضوعه القصد و العلم كما مرّ؛ بل لا بدّ من الحفظ من الاختلال بالتشريع لقانون العدل و الظلم، و لا اختلال حتّى يتحفّظ عنه بالتشريع المذكور؛ فتغيّر المشرّع من الشارع إلى العقل أو العقلاء لا يجدي شيئا.

فحال الاختلال الموجب لحكم العقل، حال المفسدة الموجبة لحكم الشرع في إيجاب الحكم العقلي أو الشرعي؛ فما لا ملاك فيه لحكم أيّ حاكم، لا حكم منه فيه و إن كان شرط الحكم أو قوامه من العلم أو القصد، لا تمام موضوعه محقّقا، فتدبّر تعرف.

ثمّ إنّ لازم جعل الفعل المتجرّى به على ما عليه- من المحبوبيّة و المبغوضيّة و الاشتمال على المفسدة أو المصلحة و المحكوميّة بالحلّية أو الحرمة أو الوجوب أو الإباحة- مع الالتزام باستحقاق العقوبة على التجرّي، هو أنّ العزم على الحرام إذا تلبّس بالمعزوم عليه خارجا، حرام بما أنّه هتك لحرمة المولى و ظلم عليه.

27

و دعوى عدم اختياريّة العزم، مدفوعة: بأنّ المسبوق بالتّأمّل في عواقبه إذا انتهى إلى الوجود أو العدم، يكون المنتهى إليه اختياريّا محكوما بأحد الأحكام.

و استحقاق العقوبة عليه بسبب كونه هتكا، يكشف عن محكوميّته بالحرمة.

الإشكال باستلزام العقابين في الفرض، و دفعه‏

و دعوى استلزام العقابين في المعصية الحقيقيّة. مدفوعة بأنّ المعاقب عليه عقلا و شرعا أمر واحد، و هو الظلم الذي يتقوّم بالهتك القصدي المتّحد في التجرّي و المعصية. و ما عند الشرع من التكليف التشريعي، فإنّه بيان تكويني لموضوع حكم العقل، و أنّ الظلم يتحقّق بقصد مخالفة هذا التكليف، من دون منافاة لتحقّقه بمحض قصد المخالفة مع عدم المصادفة، فما يكن تكليف لا يكون ظلم على المولى و عدل إليه، و مصادفة للقطع بالتكليف تارة و مخالفة؛ فمرجع التحريم، إلى بيان ما يستحقّ العقوبة على العزم على مخالفته. و موضوع هذا الاستحقاق عند الشرع و العرف واحد.

و هذا، بعد تسلّم معقوليّة التكليف بالعزم بعد التكليف الواقعي بالمعزوم عليه الذي لا فعليّة و لا تأثير له بلا عزم مع مصادفة العلم أيضا، فكيف يكون العزم أيضا مكلّفا به؟ من جهة ما مرّ من لزوم اجتماع المثلين حكما في نظر العازم؛ و من عدم إمكان التكليف بعزم العالم بنحو التقييد و لا بنحو الإطلاق؛ بل مع الغضّ عن الاستحالة، لا بدّ من الفرار من التداخل أو تعدّد العقاب إلى جعل العقاب على العزم المحرّم الذي يتحقّق به الهتك.

دفع تقسيم الحسن و القبح إلى افعلي و الفاعلي‏

ثمّ إنّ الحسن و القبح، لا يستقيم تقسيمه إلى الفعلي و الفاعلي؛ فإنّ الأفعال‏

28

المتقوّمة بالقصد في الحكم بالحسن أو القبح مع وجود القصد المقوّم لموضوع الحكم، تكون حسنة أو قبيحة فعلا و فاعلا؛ و مع عدمه لا تحكم بشي‏ء من الحكمين، لوضوح أنّ ذات الفاعل لا حكم له إلّا بما له من الفعل، و الفعل لا حكم له إلّا بما إذا قصد قصدا يدرجه في العنوان المحكوم بأحد الحكمين؛ فلا يكون فعل حسنا فاعلا و غير حسن فعلا أو قبيحا فعلا، أو بالعكس.

و ادّعاء وقوعه في التجرّي، في غير محلّه، سواء قيل بحرمة العزم على الحرام أو الفعل بقصد ما هو الحرام؛ فأحد الفعلين عليه، يكون قبيحا و محرّما فعلا و فاعلا، كان الفعل نفسانيّا أو جارحيّا أو نفسانيّا مشروطا بالحركة خارجا نحو المقصود. و لو لم نقل بالحرمة، لم نقل بالقبح فعلا و لا فاعلا.

المناقشة في تحريم مقطوع الخمريّة بالتفرقة بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي‏

و أما المناقشة في تحريم شرب مقطوع الخمريّة مثلا، و هو الملازم لتحريم العزم على الحرام على القول به؛ أو البناء على اختيار أحدهما دون الآخر- بأنّ المقدم على الحرام لا يراه بعنوان أنّه مقطوع الحرمة، و إنّما القطع الموجود فيه ملحوظ آليّ لا استقلالي، و العناوين المأخوذة في متعلّق التكليف بل في موضوعه لا بدّ من الالتفات إليها استقلاليّا- ففي محلّها، بناء على كون القطع ممّا يؤثّر في ملاك الحرمة أو القبح، و إن كان المبنى فاسدا.

لكنّه كما أنّ القطع هنا آليّ غير مؤثّر غالبا، فالالتفات إلى العزم على الحرام أيضا آليّ غير مؤثّر في الحرمة؛ فإنّ العازم نوعا يلتفت إلى عزمه إلّا التفاتا آليّا، فكيف يكون العزم بعنوانه محرّما.

و إمكان الالتفات إليه أحيانا- كإمكان الالتفات الاستقلالي إلى القطع ثانيا

29

أحيانا- لا يؤثّر في تحريم الأفعال الواقعة نوعا من المقدم على الحرام الواقعي المعلوم له بعنوان الواقعي.

مع صحّة أن يقال: «إذا قطعت بخمريّة مائع، فلا تشربه.» و يمتثل ذلك، و إن لم يكن إرشاديّا طريقيّا.

مع أنّ تحريم المخالفة المقصودة مع عدم المصادفة، غير معقولة، لعدم إمكان رادعيّته، لعدم إمكان إحراز الموضوع، و الإطلاق لهذه الصورة لحاظا غير ممكن؛ فيتعيّن تحريم المخالفة المقصودة بالقطع المصادف، لأنّه القسم الممكن، و يتعيّن التقييد به، و لو كان غير الإطلاق ممكنا لم يمكن تحقّق غير هذا القسم من المطلق؛ فيلغو التقييد بغير المصادف لو كان ممكنا، و كذا الإطلاق له؛ لكن التقييد بالمصادف تقييدا حقيقيّا، لغو، لأنّه زيادة بنظر المأمور.

عدم إمكان الالتزام بتحريم التجرّي رأسا

و أمّا أنّ تحريم التجرّي- سواء كان البناء على تحريم الفعل المتجرّى به، أو العزم على فعل الحرام الواقعي- مع الغضّ عن الإشكالات العقليّة المتقدّمة، هل يمكن الالتزام به، أو لا؟

فيقال: القول بالحرمة بملاك المفسدة، الواقعيّة الموجودة في شرب الخمر مثلا الداعية للشارع إلى التحريم مقطوع الفساد، للقطع بعدم تلك المفسدة في شرب ما علم بكونه خمرا، و هو في الواقع ماء أن شي‏ء آخر قد يجب شربه للدواء؛ فلو كان التحريم الشرعي كان بملاك آخر.

و لا يمكن أيضا أن يلتزم بتحريمه الطريقي محافظة على المفسدة الواقعيّة كي يجتنبها المكلّف؛ فإنّه مع العلم بما تقوم به المفسدة إمّا أن يرتدع عن المعصية

30

الواقعيّة أو يقدم فيها، و ليس عنده في اعتقاده معصية اعتقاديّة كى يرتدع عنها و يكون في الارتداع عنه تحفّظ على المعصية الواقعيّة.

و كذلك حكم العقل و العقلاء؛ فإنّه أيضا تشريع منهم يتحفّظ به تشريعا و تعيّنيّا لمن يعتني بما بنى عليه العقلاء عن اختلال النظم. و حفظ النظم و اختلاله، ليسا من الامور المحقّقة في مجرّد قصد الاختلال و قصد الانتظام يقينا.

فالظلم- و هو القبيح بلا ملاحظة عنوان آخر- ليس عين قصد الإيذاء، بل الإيذاء المقصود، و هو المفسد دون مجرّد القصد، و هو الذي يستحقّ الذم عقلا فاعله دون الإفساد غير المقصود؛ و كذا في ناحية العدل و الثواب ليس تمام قوامه القصد و إنّما هو من مقوّماته، و الملاك الآخر لحكم العقل غير موجود؛ و على فرضه غير مؤثّر في شريعة العقلاء، لما مرّ مثله في شريعة الشارع الّذي هو رئيس العقلاء، و أنّ الحكم الآخر لغو غير باعث و لا رادع، فتدبّر.

و أمّا ما افيد في دفع ما عن «الفصول»، من تداخل العقابين ف المعصية الواقعيّة، لمكان ضروريّة أنّ المعصية الواحدة ليس لها إلّا عقوبة واحدة (1). من أنّه غفلة عن كشف وحدة الأثر عن وحده المؤثّر، و أنّ السبب الوحيد المؤثّر في العقاب الواحد هو الهتك المشترك بين التجرّي و المعصية، ففيه: أنّ الواحد و إن كشف عن السبب الواحد مع شروط الكشف، إلّا أنّ ذلك الواحد المكشوف عنه هو الهتك الواقعي المتقوّم بالوجدان، لا الوجداني فقطّ، و الأوّل مختصّ بالمعصية الواقعيّة، و لا ينفع اشتراك الثاني بينها و بين التجرّي، فتدبّر.

____________

(1) فرائد الاصول: 1/ 44، طبع المؤتمر؛ الفصول: 87/ 34، طبع مؤسسة آل البيت- (عليهم السلام)-

31

الفصل الثالث في أقسام القطع‏

القطع إمّا طريقي و إمّا موضوعي؛ و الماخوذ في الموضوع إمّا تمام الموضوع أو جزئه؛ و هو في كلّ منهما إمّا أن يلاحظ صفة للعالم أو للمعلوم؛ فالأقسام خمسة على ما ذكره في «الكفاية» (1) و ثلاثة على ما أفاده الشيخ- (قدّس سرّه)- (2).

و يمكن أن يقال: إنّ القطع له إضافة إلى القاطع إضافة للوجود الذهني إلى متعلّقه، و هو الماهيّة الموجودة في الذهن و هو المعلوم بالذات؛ و إضافة إلى ما في الخارج إضافة أحد المتلازمين غالبا إلى الآخر. و المقوّم للقطع الإضافتان المتقدّمتان، و أمّا الأخيرة فيتخلّف القطع عنها واقعا أحيانا. و مرادهم من الطريقيّة، الطريقيّة إلى الواقع، التي هي المقوّم للقطع و لا يمكن فيها التخلّف.

و القطع الطريقي المحض- اخذ في الموضوع، أو لا- فالحكم فيه، لذي الطريق و هو الموضوع لبّا.

____________

(1) كفاية الاصول: 263، طبع مؤسسة آل البيت- (عليهم السلام)-

(2) فرائد الاصول: 1/ 30- 31، طبع مؤتمر الشيخ الأعظم- (قدّس سرّه)-

32

فالمأخوذ في الموضوع إمّا أن يلاحظ طريقا محضا لواقع متعلّقه فالحكم لمتعلّقه. و أخذ الطّريق بجهة الطريقيّة، كالعدم و كالحكم على واقع المتعلّق؛ فإنّه لا يرتّب إلّا مع إحرازه بالقطع لو خطّي و نفسه.

و إن لوحظ بما أنّه مضاف إلى النفس، فهو جزء الموضوع إن اخذ معه المصادفة للواقع المعلوم بالعرض.

و تمام الموضوع إن اخذ فيه نفس الصفة النفسانيّة في الحدّ الخاصّ، كما إذا نذر المبتلى بالوسوسة أنّه إذا صلّى صلاة لم يشكّ فيها، فكانت تامّة بالقطع، فعليه التصدّق، حيث إنّ جهة المصادفة غير ملحوظة، و جهة الخروج من الوسوسة إلى القطع تمام الملحوظ في الموضوع.

نعم، في هذه الصورة التي اخذ فيها الصفة بما أنّها مضافة إلى القاطع إذا لم يلاحظ الإضافة معها، كما إذا نذر صلاة لا يشكّ فيها- و لذا لا يفرّق بين تعلّق القطع بالفعل أو بالترك- فذاك تمام الموضوع للصفة؛ و إن لوحظ معها شي‏ء من الإضافة و لو عدم كشف الخلاف بعد الصلاة أو فهم الإصابة بعد الصلاة، فيكون جزءا للموضوع، فهذا شي‏ء غير تماميّة الواقع و تماميّة الصفة.

كما أنّ الملحوظ طريقا للمعلوم بالعرض، ليس فيه القطع تمام الموضوع، بل لا بدّ من دخول الإصابة في الموضوع؛ فإن لوحظ الواقع المعلوم بالسبب الخاصّ و هو العلم بدخل كليهما، فذلك الجزء.

فهذه الأقسام الربعة ممكنة في بادئ النظر بالنسبة إلى حكم القطع الذي هو في اختيار الحاكم من حيث خصوصيّة الموضوع و بساطته و تركّبه.

و يمكن أن يقال: إنّ القطع إذا اخذ تمام الموضوع، فيكفي أخذ القطع، و لا فرق بين لحاظ صفتيّته أو طريقيّته؛ و إذا اخذ جزءا للموضوع و الجزء الآخر هو

33

المعلوم بالعرض، فلا فرق أيضا بين لحاظ الصفتيّة أو الطريقيّة؛ فإنّ كلتيهما على وجههما الواقع، ذاتيّتان، بمعنى كفاية وضع الذات في انتزاعهما [سواء] لوحظتا [معا] أو لوحظت إحداهما.

إلّا أن يقال: تغاير المفهومين لا ينافي وحدة ما في الخارج، فيمكن أن يكون الحكم لأحد اللحاظين دون الآخر. و سيأتي ما يرجع إليه إن شاء اللّه تعالى.

تقسيم القطع الموضوعي إلى الصفتي و الطريقي و الإشكال فيه‏

و هل ينقسم المأخوذ في الموضوع إلى ما اخذ فيه على وجه الطريقيّة تارة و الصفتيّة اخرى- أي صفة للمعلوم أو العالم- أو لا؟

قد مرّ أنّ القطع بشي‏ء، عين رؤيته في وجدان العقل و وجوده في الذهن و انكشافه للقاطع، فطريقيّته عن ذاته أو منتزع من ذاته، لا أنّها لازمة له أن أنّها حكمه؛ فلا يمكن ملاحظة القطع بلا ملاحظة الطريقيّة بعد فرض لحاظ القطع استقلالا في مقام جعل الحكم له؛ فلحاظ الصفتيّة بلا ملاحظة الطريقيّة، في قوّة ملاحظة الصفتيّة بلا ملاحظة القطعيّة.

فهل يمكن أن يكون لحاظ الطريقيّة تارة مقرونا بلحاظ الصفتيّة و اخرى لا، و لكلّ من القسمين حكمه في التنزيل الآتي؟

الظاهر العدم؛ فإنّ الصفتيّة لازم كلّ عرض له قيام بموضوعه، و قد فرض تعلّق اللحاظ الاستقلالي جعلا و امتثلا بذات هذا العرض، فكيف يعقل الإذعان بفعليّة هذه الصّفة من القاطع و الإذعان بفعليّة حكمه بسببها، و مع ذلك يكون الصفتيّة مغفولا عنها؟ فهما متلازمان في مقام الامتثال و وجودا و علما مقوّما للامتثال.

و كيف يمكن أخذ في الموضوع و أخذ لازمه معه كما لا يمكن أخذه‏

34

بدلا عنه؟ بل حيث إنّ المأخوذ صفة خاصّة مقوّمة للقطع، فإذا لوحظ القطع الذي هو طريق ذاتا بعد العلم بالتكليف الكذائي و الأخذ في الامتثال، فلحاظ فعليّة الموضوع حينئذ استقلالي و ليس عين اللحاظ المحقّق للقطع الذي هو آليّ، فعليه لا يمكن الالتفات إلى القطع و متعلّقه و عدم الالتفات إلى إضافته إلى القاطع أو المقطوع به و لو التفاتا إجماليّا، فإنّ الاطّلاع إلى علم نفس أو الغير بشي‏ء يلازم الاطّلاع إلى عالميّة شخص و معلوميّة شي‏ء له، فلحاظ الصفتيّة معقول هنا. يمكن أخذ الملحوظ في الموضوع للاستلزام، بل الملازمة في تعلّق العلم بالمنشإ و المتضائفين المنتزعين عنه مع أخذ العلم الطريقي، كما لا يعقل أخذه فيه بدلا عن العلم الطريقي.

إلّا أن يقال: إنّ الآثار المختلفة المتلازمة- أعني تنوّر النفس بضدّ الوسوسة مثلا و ما يترتّب عليه من الآثار النفسانيّة- أو إضافة الصفة إلى المعلوم المترتّب عليها الحركة الخارجيّة، يمكن تكفّل دليل التّنزيل لآثار إحدى الإضافتين دون الاخرى.

لكنّه غير جريان التقسيم في نفس القطع الموضوعي حتّى يترتّب عليه ثمرة التنزيل بقسميه، بل المأخوذ في الموضوع صفة خاصّة لها إضافتان، من دون فرق بين عموم طرف الإضافة و خصوصه، و لا يمكن لحاظ تلك الصفة مع إحدى الإضافتين دون الأخرى.

و يمكن أن يقال: يتعقّل موضوعيّة اجتماع الصفة مع الموصوف بالعرض، فلا تتمحّض الموضوعيّة للواقع المعلوم بالعرض و لا للصفة النفسانيّة بل لاجتماعهما؛ فمع كشف الخلاف يعلم بعدم تحقّق الموضوع، و مع الانكشاف بلا قطع، يعلم بعدم سبق الموضوع و أنّه إنّما تحقّق بعد الانكشاف، فتدبّر جيّدا.

35

الفصل الرابع في قيام الأمارات مقام القطع‏

دليل الاعتبار لا يتكفّل لقام الظنّ الموضوعي مقام القطع‏

و أمّا الكلام في قيام الأمارات مقام القطع بأقسامه الخمسة أو بعضها و عدمه، فحاصله: أنّه لو كان دليل الاعتبار مبيّنا للحوق الظنّ أو المظنون بالقطع أو المقطوع، لكان للتردّد في الإطلاق و عدمه- للاستحالة و عدمها أو الظهور و عدمه- مجال.

إلّا أنّ دليل الاعتبار إرشاد إلى تقرير الطريقة العرفيّة المستقرّة على معاملة القطع في كشف المقطوع به تكوينا مع الأمارات، و الردع عمّا كان مثل القياس.

فكيف يعقل إرشاد إلى معاملة القطع مع الظنّ الموضوعي في المأخوذ فيه على وجه الطريقيّة؛ فإنّ ثبوت حكمه له ليس أمرا يعرفه العقلاء حتّى يجروا عليه، فيقرّرهم الشرع على ما هم عليه، و إنّما مخترعه الشرع، و المرجع فيه إليه أن موضوعيّته عامّ للظن واقعا، أو في صورة عدم التمكّن من العلم، أو ما دام الجهل، أو في بعض الأقسام المذكورة، أو لا.

فاحتمال تكفّل دليل الاعتبار لحكم الظنّ الموضوعي خاصّة أو في ضمن‏

36

العموم، ساقط؛ فإنّ ثبوت هذا الحكم ليس عقلائيّا، بل شرعي محض؛ فلا بدّ من الرجوع إلى دليل حكم الشارع، و لا يكفي دليل اعتبار الظنّ المثبت لمظنون به؛ فإنّ ذلك حكم عقلائي مقرّر، و الحكم الآخر الذي يؤسّسه الشرع لا يعرفه العقل، فلا يكفي تقريره من الشارع عن إثبات هذا الحكم الآخر.

بل ذكرنا في محلّه ما يوجّه به إرشاديّة الأمر باتّباع الطرق الخاصّة، و الردع عن العمل بالقياس، كما يرشد إليه عدم العقاب في الطرق و مخالفتها إلّا العقاب على الواقع مع الإصابة للحجّة أو العمل على خلاف الواقع اتّباعا للمردوع عنه و مخالفة للحجّة الموجودة في كلّ زمان، و أنّه مع ذلك لا محلّ للإرشاد إلى الطريقة العقلائيّة، لانتفائها في أحكام القطع الموضوعي بأقسامه، فيحتاج إلى تأسيس من الشارع دون الإمضاء و الردع بالتصويب أو التخطئة، فليلاحظ.

إشكال لزوم الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي و دفعه‏

و كيف كان، فقد يستشكل في إفادة دليل الاعتبار لقيام الأمارة مقام القطع بأقسامه- بعد البناء على الإمكان لو افيد بدليلين: أحدهما مثبت للحكم المقطوع بالظن، و الآخر مثبت لحكم القطع بالظن- بأنّه يلزم من دلالة دليل واحد على الأمرين الجمع بين لحاظ الآليّة في القطع الطريقي و الاستقلاليّة في الموضوعي، و هو [في‏] قوّة الجمع بين اللحاظ و العدم.

و فيه: أنّ الآلي لحاظ القاطع لا المنزّل، مع أنّ القاطع حين قطعه بشي‏ء لا يلاحظ قطعه بحيث لقطعه وجود ذهني في نفسه، و إنّما يلاحظ مقطوعه فقط، و الجاعل للتنزيل يلاحظ طرفي التنزيل استقلالا و ينزّل أحدهما منزلة الآخر، و إنّما أفراد القطع المنزّل عليه مختلفة؛ فبعضها لا شأن له إلّا الطريقيّة

37

المحضة، و بعضها له الموضوعيّة مع الطريقيّة أو لا معها، و لكل فرد حكم انحلالي يختصّ به؛ فكأنّه قال: «القطع الطريقي المحض ينزّل منزلته الظنّ» [و] كأنّه قال: المؤدّى للأمارة بمنزلة الواقع المقطوع.» و قال أيضا: «القطع الموضوعي بأقسامه ينزّل منزلته الظنّ»، فيتحقّق بالظن من حكم الشارع ما لو كان القطع لتحقّق به بتعبّد من الشرع، و سيأتي ما يرجع إلى ذلك.

دعوى لزوم التأخّر في أقسام القطع و دفعها

و دعوى تأخّر بعضها عن البعض، إذ لو لم ينزّل منزلة الطريقي المحض، لا واقع ينزّل الظنّ به منزلة القطع، مدفوعة لو سلّمت مع إمكان منع التأخّر، كما هو المعلوم في القيام مقام القطع الصفتي الّذي هو تمام الموضوع: بأن الترتّب غير لازم في أجزاء المركّب؛ مع أنه لا تركّب هنا؛ أحد أفراد المقصود هنا القطع الطريقي المحض، و غيره مشتمل على الموضوعي الذى هو جزء الموضوع، و الجزء الآخر هو ما في الخارج، و لا ترتّب و لا تركّب هنا بين هذه الثلاثة، و لا بين الأوّل و الثاني، و بهما يتمّ أمر الانحلال في مثل «صدّق العادل»، و لا حاجة إلى الانحلال في غيرهما، كما لا يخفى، و لا ترتّب بين العلم و المعلوم بالذّات و بين ثبوت المعلوم بالعرض خارجا.

كما أنّ المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة، طريقي محض بالنسبة إلى إثبات ذي الطريق، فهو كان جزءا للموضوع، أو لم يكن، سواء فيهما.

كما أنّ أخذه في الموضوع لحكم آخر أخذ، لأمر تكويني له آثار تكوينيّة عقلائية، فإن كان تمام الموضوع، فلا حالة منتظرة لترتّب الحكم الشرعي، و إلّا فدليل الاعتبار- أىّ شي‏ء كان- لا يتكفّل عدم التخلّف للعلم عن المعلوم‏

38

بالعرض واقعا. و يتبيّن ذلك في ملاحظة أخذ الصفتي جزءا للموضوع أن تمامه.

و لا ترتّب بين إثبات الطريقي المحض للمقطوع و بين إثبات القطع الموضوعي بحكمه، كان جزءا أو تامّا؛ و صفة أو طريقا، و هو المطلوب في المقام، بمعنى استفادة الجمع من نحو «صدّق العادل».

إشكال عدم إمكان تصوير الجامع بين المراتب المختلفة و الجواب فيه‏

نعم، الإشكال، في انحلال «صدّق العادل» إلى تعبّد بالمقطوع و آثاره في الطريقي، و إلى تعبّد بالقطع و آثاره في الموضوعى و المتعبّد فيه فيهما الظنّ بالواقع، و لا جامع محمولي هنا؛ لأنّ المتعبّد به في أحدهما، الأثر المقطوع و لو بالواسطة، و في الآخر أثر القطع الذي له دخل في ذلك الأثر دخالة الموضوع في حكمه. و الدّليل الواحد إذا استعمل العبارة فيه في معنيين لا جامع بينها، يجوز عندنا عقلا مع القرينة المفقودة.

دفع التفرقة بين الدلالة المطابقيّة و الالتزاميّة في المقام و الجواب عنها

و أمّا تقريب الدلالة- بعد المنع عن الدلالة المطابقيّة للمحذور المتقدّم الذي مرّ دفعه- بكون إحدى الدلالتين مطابقيّة، و هي الدلالة على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع حتّى في كونه جزءا للموضوع لحكم آخر، و الاخرى بالالتزام، للملازمة العرفيّة بين هذا التنزيل و تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي.

و يمكن أن يقال: إنّه أراد الجمع بين التنزيلين الواقع أحدهما في الطريقي المحض، و الآخر جزء الموضوع، فكيف يعقل مع رجوع أحدهما إلى «تمّم‏

39

الكشف» و الآخر إلى «رتّب أثر الكشف»، و بعبارة: «حقّق مقام الإثبات لكشف ما بالعلم للظن» و الآخر «حقّق معلول الكشف و حكمه ثبوتا» مع تيقّن إرادة أحدهما و احتياج الآخر إلى قرينة زائدة؟ و كيف يستفاد ذلك من الإطلاق المتكفّل للأوّل؛ و على تقدير تسلّم هذا الإطلاق، فأيّ شي‏ء يكون لازما له؟ فإنّ تنزيل القطع بالواقع الجعلي عبارة اخرى عن تنزيل الظنّ بالواقع منزلة القطع بالواقع، و بعد هذا التنزيل يتّصف بكونه قطعا بالواقع الجعلي و لا مساوقة لهذا مع التنزيل منزلة القطع الموضوعي و لا ملازمة بينهما، بل مع الاتصاف المذكور.

قد تقدّم هنا ما يفيد أنّ المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتيّة، ليس له محصّل مناسب؛ فلو تمّ تقسيم المأخوذ في الموضوع تماما أو جزءا، لكان في المأخوذ على وجه القطعيّة التي لا تنفكّ عن المرآتيّة.

طريق تحصيل الجامع‏

و أمّا تحصيل الجامع بنحو يمكن استفادة حكم الأقسام من دليل واحد، فهو بأن يقال: إنّ المستفاد من دليل الاعتبار أن يعبّر بأن يقال: «رتّب أثر الكشف في نفسه و متعلّقه» فيعمّ الطريقي المحض و المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة، و لا فرق بعد تسلّم التقسيم المذكور بين أن يكون الحكم لذى الطريق بقيد الانكشاف بالكاشف التامّ أو الكاشف العام، مع المكشوف بالعرض بنحو التركّب.

و كذا يمكن بأن يعبّر بأن يقال: إنّ محصّل مثل «صدّق العادل» إلى أن يقال:

«رتّب تعبّدا بالكشف الناقص ما كنت ترتّبه من قبل نفسك بالكشف التامّ» فيعمّ الطريقي المحض و المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة.

و إرادة الجامع لا تحتاج إلى قرينة، بخلاف إرادة الخصوصيّتين. و الإطلاق‏

40

المذكور في الجامع لو تمّ، لثبت جزء الموضوع للمركّب، حيث إنّ ثبوت أحد الجزءين أثر متعلّقه، و أثر الجزء الآخر أثر نفس القطع، و هو لازم أن يقال: رتّب أثر القطع في القسمين على الظنّ في النحوين»؛ فالمظنون و أثره يرتّب كالمقطوع و أثره، و أثر الظنّ يرتّب، كما يرتب أثر القطع، لأنّه المستفاد من مثل العبارة «رتّب بالكشف الناقص ما ترتّبه بالكشف التام».

و اختلاف الآثار بالمعلوليّة للكشف و عدم معلوليّته، لمكان أنه المتعلّق لا يضرّ بإرادة الجامع المذكور، و تيقّن إرادة أحد القسمين، لا يضرّ بالتمسّك بالإطلاق، لدخول القسم الآخر أيضا، و لا يحتاج الإطلاق في الجامع المتبيّن إلى قرينة الدخول، بل المحتاج إلى قرينة الخروج التقيد.

إلّا أنّه يورد عليه: أنّه ليس لنا دليل تعبّدي على وجوب تصديق العادل، كي يؤخذ بإطلاقه بعد تيقّن التنزيل في الطريقي المحض في الواقع موضوعا تامّا أو جزءا، و إنّما هو إمضاء للطريقة العقلائيّة، و هي مستقرّة في الطريقي المحض و لوازمه العرفيّة، و ليس في لوازمه المعلومة ثبوت ما كان موضوعا تامّا أو جزءا في الظنّ، لأنّه أثر زائد على ثبوت المقطوع في المظنون، و التنزيل للقطع بالواقع الجعلي، بمنزلة القطع بالواقعي في جهة التنزيل الأوّل، و هو ثبوت المقطوع أو أثره في المظنون بنفسه أو أثره، لاستلزام التنزيل في غير تلك الجهة، أعني ثبوت حكم القطع بالواقع الجعلي للقطع بالواقع الحقيقي في الأثر الزائد على الحاصل بالتنزيل الأوّل.

إلّا أنّه يصحّ فرارا عن الجميع في دلالة واحدة، و قد مرّ منّا ما فيه؛ و أنّ الجمع ممكن في دليل واحد، لكنّه على النحو المفيد غير محقّق.

نعم، تقسيم القطع إلى طريقيّ محض و غيره المنقسم إلى جزء الموضوع أو

41

تمامه- سواء رجع الجزء إلى موضوعيّة الواقع بقيد الانكشاف، أو إلى التركّب بمعنى رجوع التمام إلى الإطلاق لصورة عدم الإصابة، و الجزء إلى التقييد بالإصابة- من الفرضيّات التي لا يعلم [لها] تحقّق في الخارج.

و الجواب بالدور، لتوقّف التنزيل الأوّل على التنزيل الثاني قضيّة للجزئيّة للموضوع، و التنزيل الثاني على الصورة المذكورة، على التنزيل الأوّل، فكلّ من التقريب و الجواب محلّ الإشكال.

فإنّه و إن كانت المناقشة بالجمع بين اللحاظين مندفعة، لأنّ كلّ لحاظ في دلالة مستقلّة، إحداهما مطابقيّة و الاخرى التزاميّة. إلّا أنّ النتيجة متوقّفة على ثبوت الملازمة، و هي غير بيّنة و لا مبيّنة و لا عقليّة و لا عرفيّة؛ فإنّ الإطلاق يتوقّف على مقدّماته يكشف عنها؛ فإنّ إطلاق التنزيل منزلة المؤدّى لصورة الموضوعيّة غير اختصاص التنزيل به. و ما يكشف عن تنزيل الجزء الآخر في صورة عدم إحرازه وجدانا هو الثاني دون الأوّل؛ فليس الإطلاق كاشفا عن التنزيل الآخر، بل هو ثابت في صورة مفروضيّة التنزيل الآخر.

و لو فرض اختصاص الدليل بالتنزيل بلحاظ الجزئيّة الجارية في أخذ كلّ من القطع و المقطوع جزءا، فالتنزيل و إن كشف عن تنزيل الجزء الآخر، إلّا أنّه يأتي فيه ما سيجي‏ء من نحو التوقّف. و ليس التعبير بالواقع و المؤدّى و لا القطع بالواقع الجعلي، ممّا يأبى عن هذا الفرض، لأنّ الواقع له شأن الجزئيّة، فيأتى التنزيل بلحاظها. و القطع الجعلي محقّق و إن كان الجعل بلحاظ أثر الشرعي للواقع، لا لنفسه و لا الأثر العقلي.

نعم، لا يجري في أخذ القطع تمام الموضوع، إلّا إشكال الجمع بين اللحاظين في تنزيله و تنزيل الواقع معا في دليل واحد. قد مرّ تقريبه، و سيأتى بيان ما يرجع‏

42

إلى التوقّف هنا ..

إلّا أنّه يمكن أن يقال: إنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع المقطوع لإلغاء خصوصيّة المحضيّة في قبال ما يعمّ الجزئيّة؛ فإنّ الطريق الوجداني يكشف عن ذيه، فيترتّب عليه الأثر الشرعي، و هو هنا الأثر الثابت من حيث وجود الجزء للموضوع، و فعليّته و تتوقّف على ثبوت الجزء الآخر تنزيلا كسائر الأجزاء للموضوع المركّب؛ فالتنزيل في كلّ جزء حيثيتيّ بالنسبة إلى أثر الجزئيّة؛ و فعليّ مطلق بالنسبة إلى ذات الجزء، و الأول للقطع الموضوعي، و الثاني القطع الطريقي المحض.

ثمّ إنّ الحاجة إلى الدلالتين، لمكان استحالة الجمع في دلالة واحدة؛ كما أنّ تنزيل الجزءين يحصل بالدلالتين فإنّهما كدليلين؛ و الكشف في الجملة- و إن سلّمناه- إلّا أنّ الاستحالة في الدلالة المطابقيّة لا نسلّمها، كما عرفت.

و ممّا قدّمناه في تقسيم القطع، تعرف صحّة توقّف تنزيل القطع بلحاظ جزئيّته للموضوع في جميع أقسامه أو بعضها، على تنزيل القطع الطريقي المحض و عدمها.

فيمكن أن يقال: إنّ الطريقي إذا عقل فيه التماميّة للموضوع بمعنى أخطأ أو أصاب، فلا إناطة للتنزيل فيه على تنزيل المؤدّى بمنزلة الواقع في الطريقي المحض، لأنّ النظر إلى الواقع في الطريقي ليس بأزيد من لحاظ القطعيّة؛ و أمّا جزء الموضوع فالتوقّف فيه لأجل فعليّة الأثر مطلقا، لا من قبل كلّ جزء في نفسه، كما في سائر الموضوعات المركّبة، و أمّا القطع الصفتي بقسميه، فقد ذكرنا عدم تعقّله في الموضوعي.

ثمّ إنّ استلزام تنزيل المؤدّى، منزلة الواقع لتنزيل القطع بالواقع الجعلي في‏

43

جهة انكشاف هذا الواقع الجعلي غير استلزامه لتنزيله بلحاظ ما للقطع من الحكم الغير المنكشف بالقطع بل المترتّب عليه.

و على فرض الإغماض عمّا تقدّم، فتوقّف تنزيل المؤدّى بالإطلاق على التنزيل الآخر، توقّف معي، و من الطرفين، و لا محذور فيه؛ و لذا دفع الإشكال على تقدير تسلّم الدلالة المطابقيّة؛ و توقّف الآخر عليه ترتّبي و من طرف واحد فقطّ؛ و لا دور في مثله، لو سلّم الكشف عن التنزيل الآخر المتوقّف على هذا التنزيل.

و لا إناطة لتنزيل الظنّ مقام القطع، على اعتبار الظنّ في متعلّقه، لإغناء التنزيل الأوّل الحاصل بالدلالة المطابقيّة- و هو التنزيل المعلوليّ- في الكفاية عن هذا التقييد.

مع أنّ الصون عن اللغوية إنّا يجدي في الكشف لو كانت الدلالة على التنزيل المؤدّى في صورة الموضوعية اختصاصيّة، لا إطلاقية كما مرّ.

و بالجملة: فتنزيل المؤدّى، غايته طريقيّة الظنّ، و أمّا الموضوعيّة فلا.

و الملازمة ممنوعة؛ و إن كانت على تقدير ثبوتها و تسلّم الكشف، فالمكشوف عنه تنزيل الظنّ الذي هو السبب الوحيد في تنزيل المؤدّى، فلا يمكن أن يكون الجزء الآخر المنزّل منزلة القطع غير الظنّ، و إن كان مرجع ذلك إلى التلازم في قبال الاستلزام.

نعم، إنّما يصحّ دعوى التنزيلين معا بالمطابقيّة على التقريب المتقدّم منّا المقتضي لعدم لزوم الجمع بين اللحاظين، لأنّ الطريقي غير ملحوظ حتّى آليا للقاطع، و إنّما المرئي متعلّقه فقط، و الموضوعي ملحوظ استقلالي له فضلا عن الجاعل المتصدّي للتنزيل اللاحظ للقسمين استقلاليا.

44

و منه ظهر: أنّ انحلال الحكم إلى أفراد موضوعه، كانحلاله إلى أجراء متعلّقه؛ و مثلهما انحلاله إلى أجزاء موضوعه، حيث ينزّل المظنون منزلة المقطوع بلحاظ ذاته في نفسه تارة؛ و بلحاظ جزئيّته للموضوع- إن كانت- اخرى. و ينزّل الظنّ منزلة القطع بلحاظ موضوعيّته أو جزئيّته للموضوع، و يجمع الكلّ قوله: «الظنّ كالقطع» مثلا بعد اللحاظ الاستقلالي في جميع الأفراد المفروضة.

و قد مرّ أنّ الدلالة في الجزءين بالمطابقة لا مانع منها؛ و أن الترتّب غير مسلّم؛ و لو سلّم، فغير مانع في ما بين أفراد الموضوع الواحد العامّ في مثل «صدّق» العام المترتّب أفراد موضوعه لتقدّم الخبر الوجداني على الخبر الثابت بالتعبّد، و اللازم عدم انفكاك أحد التعبّدين عن الآخر في ظرف الامتثال، و هو حاصل.

القول بعدم التنزيل، بل بجعل المحرزيّة تعبّدا، و المناقشة فيه‏

و أمّا التخلّص عن المحذورات المتقدّمة و أجوبتها بمنع إفادة دليل الاعتبار للتنزيل المستلزم للجمع بين اللحاظين و ما ذكر فيه، بل مفاده التعبّد بمحرزيّة ما ليس بمحرز وجدانا، فيترتّب عليه حكم العقل باستحقاق العقوبة على المخالفة المترتّب عقلا على الوصول؛ و أنّه ليس الحكم العقلي قابلا للجعل و التعبّد، و إنّما القابل له موضوع الوصول؛ فمع التعبّد يترتّب عليه حكم العقل، لأنّ تخلّفه عن موضوعه محال؛

فيمكن المناقشة فيه بعد الإغماض عمّا فيه من العدول عن التنزيل إلى جعل المحرزية؛ فإنّ التعبّد بجعل ما ليس بمحرز وجدانا محرزا، تعبّدا، و جعل ما ليس بواصل حقيقة واصلا تعبّدا بعد ملاحظة أنّ الوصول و الإحراز و الطريقيّة و الكشف التامّ، كلّها عبارات أخر عن نفس القطع، لا أنّها لازمة له؛ فجعل‏

45

اللاإحراز إحرازا عبارة اخرى عن جعل الظنّ علما تعبّدا؛ و جعل الظنّ علما، عبارة اخرى عن جعل الظنّ كالعلم في الأثر؛ فإن تمّ إشكال الجمع بين اللحاظين في جعل الظن كالعلم و جعل الظنّ علما تعبّدا، فهو وارد في جعل غير الإحراز إحرازا؛ فإنّ هذا التعبّد في هذه الموارد لا يصحّ إلّا بلحاظ الأثر الشرعي؛ فلا بدّ من جعل الأثر الشرعي جعل الحكم المماثل للمخبر به ظاهرا، أو تقرير حكم العقل، و سيأتي ما في كليهما. و الغرض عدم سلامة هذا التعبّد عن إشكال التنزيل، بل هو في الحقيقة راجع إليه و تغيير للعبارة، إذ لا فرق بين جعل غير الإحراز إحرازا بدليل يدلّ على جعل غير المحرز محرزا، و جعل المظنون مقطوعا و بمنزلته، بدليل يدلّ على جعل الظنّ بمنزلة العلم، إشكالا و جوابا بأنّه كما لا يمكن التعبّد بنفس حكم العقل في غير مورده، لا يمكن التعبّد بموضوعه في غير مورده، لأنّ العقل- كما لا يحتمل خلافه في حكمه- لا يحتمل خلافه في موضوع حكمه، فكيف يحكم العقل بلا موضوع، أو يخطئ في موضوعه، أو يتعبّد بثبوت موضوعه مع مكشوفيّة موضوعه لديه و عدم ثبوته عنده في مورد التعبّد. فكما لا يمكن نفي حكم العقل عن موضوعه المحرز لديه، لا يمكن إثباته لغير موضوعه المنفيّ لديه.

و على تقدير التعبّد، فنسبة الحكم فيه إلى العقل في غير محلّها، بل هو تخطئة للعقل في حكمه في الصورتين، أعني النفي مع الثبوت أو الإثبات مع الانتفاء.

نعم، يمكن التعبّد بالإحراز في ما ليس بمحرز وجدانا بلحاظ آثاره الشرعية، و ليس ذلك غير التنزيل، فإن كان التعبّد المذكور مطلقا كان تعميما واقعيّا؛ و إن كان في ظرف الجهل بالواقع كان ظاهريا، و هذا ينحصر بالقطع المأخوذ في موضوع حكم شرعي تماما أو جزءا، و لا يتأتّى في الطريقي المحض و لا في ما

46

يعمّه، فكيف يمكن تطبيق دليل الاعتبار عليه؟

و قد عرفت الإشارة إلى أنّ مفاد دليل الاعتبار- كدليل الردع في القياس- ليس إلا الإرشاد إلى ثبوت موضوع حكم العقل أو ثبوته؛ و أنّه لا تعبّد من الشرع فيه إلّا الإمضاء أو الردع في طريقة العقلاء في الأحكام العقلائيّة العمليّة، لا في العقل النظري و أحكامه الغير المربوطة بالمقام، و أنّ التصويب و التخطئة من الشرع لمكان أنّ موضوع حكم العقل العملي إنّما هو الوصول الثابت بالطرق العقلائيّة.

و حيث إنّ العقلاء يخطئون تارة في ثبوته أو لا ثبوته و يصيبون اخرى، فرئيسهم يرشدهم إلى الإصابة في موارد، و الخطأ في موارد، و ينبّههم على الوجه و ينبّه في موارد المناسبة؛ حتى أنّ الاحتياط الشرعي في موارد الاهتمام يمكن دعوى الإرشاد فيه إلى أنّ الاهتمام المطلق في تلك الموارد يقتضي ترك الاقتحام مع الشبهة الموضوعيّة؛ و أنّ الشكّ فيها ليس كالشكّ في غيرها كافيا، لاستقرار طريقة العقلاء عيل التوقّف عن الاقتحام مع الشبهة أيضا في تلك الامور المهمّة التي لو جاز الاقتحام فيها مع الشكّ، لزم اختلاف النظام.

تفصيل القول في دلالة أدلّة الاعتبار على الإرشاد إلى الطريقة العقلائيّة

و التفصيل أنه يمكن أن يقال: بأنّ أدلّة الاعتبار- على اختلافها كتابا و سنة متواترة- إنّما تدلّ على إمضاء الطريقة العقلائيّة، بل الإرشاد إلى طريقتهم، حيث إنّ موضوع حكم العقل العملي هو البيان، بمعنى إحراز التكليف بالطرق العقلائيّة التي لا اقتصار فيها على القطع قطعا، فالمخالفة للواصل بهذا المعنى كالموافقة كذلك، مورد التقبيح و التحسين العقليين.

47

و لو فرض أنّ الشارع سكت عن اعتبار الطريق و لا اعتباره، لم يفت منه بعد إعلام التكليف على الوجه الذي لو فحص عنه بالطرق العقلائية لوصل إليه، شي‏ء من أغراضه، من دون فرق بين التقرير أو الرّدع؛ فإنّهما إرشاد إلى البيان و الوصول على الوجه العقلائي و عدمه من دون تعبّد تشريعي في هذه المرحلة، بل يمكن أن يكون السكوت كشفا عن الإمضاء، لأنّه عليه حفظ مصالحه في ما من قبله؛ فلو لم يكن السكوت محمولا على إمضاء طريقة العقلاء، كان مفوّتا لأغراضه في ما من قبله.

فانّ الباقي بعد التكليف الواصل بتلك المرتبة، ليس إلّا الامتثال؛ و بيان الشرع في ذلك المقام ليس إلّا الإرشاد، لأنّ الأمر حينئذ بيد العقل؛ فبيان وجوب العمل بخبر العدل و عدم المعذوريّة معه، إرشاد إلى الوصول بسببه على الوجه العقلائي؛ كما أنّ المنع عن القياس إرشاد إلى عدم الوصول، و أنّه من تخيّل الوصول ببيان وجهه بما لا يتوقّف فيه عاقل من أنّ العمل بالقياس و إسراء الحكم مع عدم الاطّلاع على الملاك المربوط بالنشأتين جهل و ضلالة، و محو لأساس الشريعة، و أنّه كقياس إبليس المضلّل له.

و يرشد إليه أنّ التعبّد لو كان، فهو عندهم طريقي و محافظة على الواقع، ليس فيه عقوبة و لا مثوبة سوى ما على الواقع، و ما عليه كان ثابتا، كان هذا التعبّد أو لم يكن. و إذا لم يكن بيان من الشرع بأن اكتفى على ما هو عليه العقلاء في إثبات التكاليف، لم يكن محذور في ما استمرّ عملهم على ما هو الصواب من معاملة القطع مع الطريق العقلائي الثابت طريقيّته حتى عند رئيس العقلاء و هو الشارع، و أمّا في ما رأى الناس عاملين بما لا ينبغي الركون إليه كالقياس، فعليه إرشادهم إلى ما ينبّههم على خطأهم في اعتقادهم في التشخيص.

48

إشارة إلى عدم قيام الظنّ الموضوعي مقام القطع‏

و مما قدّمناه علم أنّ دليل الاعتبار- كان إرشادا محضا، أو إمضاء تشريعيّا لعمل العقلاء- لا يتكفّل إلّا قيام الظنّ في كشفه عن الواقع مقام القطع، و أنّ الجري العملي اللازم عقلا بسبب القطع، لازم لأعمّية الوصول بحكم العقل و العقلاء، و أين ذلك من القطع الموضوعي، فلا قطع موضوعي عند العقلاء في أحكامهم إلّا لمن يرى قبح التجرّي، و هو أيضا على الظاهر أعمّ من الوصول العقلائي بالأمارات.

فلا جري على طبق القطع بالنسبة إلى حكم نفسه معهود من العقلاء، حتى يمضيه الشرع تقريرا أو تعبّدا، و إنما تمام أمر القطع الموضوعي بيد الجاعل لحكمه و هو المسئول في ذلك؛ و أنّ الموضوع مخصوص واقعا بالقطع، كما هو كذلك إنشاء أن أنّ الخصوصيّة ملغاة، فيعمّ كلّ طريق معتبر؛ فلو أمكن الجمع بين اللحاظين، أو يلزم ذلك أو صحّ العدول إلى جعل الإحراز تعبّدا، لما تمّ المصير إلى استفادة القيام، إذ الإثبات غير الثبوت؛ فإنّ الأوّل غير واقع و إن مكن الثاني.

إشكال على تمحّض الحكم العقلي في الوصول و اللاوصول و جوابه‏

إن قلت: إذا بني على تمحّض الحكم العقلي في الوصول و اللاوصول، و لم يكن من الشرع تعبّد بوجه، فما الحيلة في جملة من القواعد الفقهيّة كأصالة الاحتياط، و الاستصحاب، و قاعدتي الفراغ و التجاوز، و أصالة الصحّة؛ فإنّها حاكمة بإثبات التكليف في موارد عدم الوصول علما و عمليّا؟

قلت: ما كان منها أمارة، أو بني على أماريّته و إن لم يكن مثبتاتها حجّة، فالأمر فيه واضح؛ و إلّا فما اشتمل على نفي التكليف، فهو موافق لانتفائه بعدم الوصول،

49

و التفصيل في الموارد المحوج إلى الاحتياط في الموارد المهمّة لا نسلّم فيه سوى الإرشاد لثبوته في حكم العقل، لأنّ أهميّة تلك الامور مانعة عن الاقتحام بمجرّد الشكّ و عدم وصول التكليف.

و مقتضى ذلك أنّ المطّرد عند العقلاء حكم الوصول؛ و أمّا اللاوصول فقابل للتخصيص عقلا بقيوده العقليّة، بل الوصول أيضا بمجرّده غير كاف نلتزم به في الشبهات الغير المحصورة؛ و في موارد جواز المخالفة القطعيّة الغير الدفعيّة، فحكمه أيضا لا يخلو عن طروّ تقييد عقلي أو شرعي يوافقه العقل لو نبّهه الشارع الأكمل.

و الاستصحاب- إن لم يكن أمارة و كان مثبتا للتكليف أو موضوعه- فهو على ما ينادي به أخباره، مورد لعمل العقلاء، فكيف يمكن رفع اليد عن الإرشاد فيه بمجرّد صدق عدم العلم، حيث إنّ العقلاء أبصر بموضوع حكمهم و أنّه أعمّ من المعلوم سابقا، حيث لا علم لا حقا و لا أمارة علميّة، فتبصّر.

فالاستصحاب المثبت للتكليف لمكان وسطيّته بين الأمارات و الاصول الغير المحرزة، موافق لعمل العقلاء و لو بني على الأصليّة المقابلة للأماريّة؛ و لذا يعاملون في موارده معاملة الأمارات حيث لا أمارة معتبرة عندهم على الخلاف، و لا خفاء في تصدّي أخبار الاستصحاب لبيان ثبوته عند العقلاء، و لذا عبّر عنه فيها بعدم نقض اليقين بالشكّ استهجانا عقلائيّا للنقض، و أنّه «لا ينبغي لمثلك أن تنقض اليقين بالشكّ» (1)؛ فلو فرض عدم أماريّته، لم يلحق بالاصول الغير المحرزة ثبوتا و لا إثباتا.

____________

(1) وسائل الشيعة: 3/ 483، أبواب النجاسات، الباب 44، الحديث 1 و فيه: «فليس ينبغى» بدل: «لا ينبغى لمثلك»

50

لكن الشيخ- (قدّس سرّه)- (1) استظهر من كلمات الأكثر كالشيخ في «العدّة»، و السيدين، و الفاضلين، و الشهيدين، و صاحب المعالم كون الاستصحاب من الأدلّة العقليّة، و لازمها الأمارية، فيكون بحكمها في الجملة.

____________

(1) فراء الاصول: 3/ 13، طبع المؤتمر

51

الفصل الخامس في إمكان أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه‏

هل يمكن أخذ القطع بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم، بعد الفراغ عن عدم المحذور في أخذه في موضوع حكم آخر، أو لا؟

إشارة إلى الشروط العقليّة للتكليف و كفاية العلم الشأني‏

لا يخفى أنّ إعلام المولى تكليفه شرط باعثيته عقلا، فلا بدّ من الإعلام. و ما هو من قبل المكلّف- بالكسر- عقلا، فهو شرط عقلي لا مدخل للتعبّد فيه تقييدا، فضلا عنه إطلاقا لحاظيّا؛ كما أنّ القدرة و الحياة و العقل من الشروط العقليّة القيديّة، لا الجعليّة التعبّدية.

إلّا أنّ الحياة من شروط فعل الحيوان و القدرة في قبال ما ليس باختيار العبد شرط صدور الفعل باختياره المتسبّب إليه، و العقل لعدم إمكان انبعاث غير العاقل ببعث المولي فيقبح تكليف المجنون، و العلم معتبر في إمكان باعثيّة التكليف ببلوغه إلى شأنيّة العلم بإيصال الدفتر المشتمل على التكليف مثلا إلى المكلّف‏

52

- بالفتح- فالجاهل و المجنون مشتركان في عدم إمكان باعثيّة التكليف الواقعي بالنسبة إلى الجاهل و إن كان عاقلا، لكنّه إذا وصل إليه بما هو في اختيار المكلّف- بالكسر- بحيث لو تفحّص العبد المنقاد لتكاليف المولى، لعلم به.

و لك أن تقول: إنّ الموضوع غير مقيّد بالعلم جعلا، فليس مطلقا لحاظيّا، و لا ينفع الإطلاق الذاتي لمعلوميّة تخصّص الغرض، و هو الباعثيّة بالإمكان المتوقّفة على إعلام المولى و علم العبد شأنا. فالعلم بالحكم الغير المقيّد شرط إمكان باعثيته من قبل المكلّف- بالكسر- و مثله قدرة العبد على الفعل إذا لم يرجع إلى تخصّص متعلّق التكليف بالاختيار و القدرة.

امكان تقييد الحكم بالعلم الفعليّ به في الجملة

و أمّا الزائد على ذلك- و هو العلى الفعلي الذي قد يتّفق و قد لا يتّفق، و يكون عدمه تارة للتقصير في الفحص و اخرى للعذر- فهذا غير معتبر عقلا في حسن التكليف و فعليّته، و إن كان يتحقّق معه التنجّز المحقّق مع المرتبة السابقة، و هي الشأنيّة و المعرضيّة كما تقدّم، لكنّه لا يتحقّق مع عدمه الترخيص و عدم التنجّز إلّا بدليل خاصّ.

و ليس يمكن ارتكاب التقييد في جميع التكاليف، و إلّا لزم عدم الحرج في ترك تعلّمها و الفحص عنها إذا انتهى إلى المخالفة للتكاليف الواقعيّة، و إنّما يمكن وقوعه في الجملة مع عدم مانع عقلي آخر.

و قد وقع في كثير من العبارات إحالة ذلك مع تجويز الأخذ في موضوع حكم آخر غير حكم متعلّقه أو الحكم المتعلّق له، و يمكن عدم الارتباط بين الأمرين، لما مرّ بعضه و يأتي بعضه الآخر إن شاء اللّه.

53

الاستدلال بالدور و الخلف لإثبات الاستحالة و الجواب عنهما

و قد استدلّ للاستحالة هنا بالدور، و فيه: أنّ المقطوع هو المعلوم بالذات، و هو المتقدّم على القطع طبعا، و المتأخّر عنه و حكمه هو المعلوم بالعرض، و لا توقّف فيهما، للانفكاك من الطرفين، فليس هناك وجود واحد يكون موقوفا و موقوفا عليه.

و استدلّ أيضا بالخلف إمّا واقعا أو في نظر القاطع؛ فإنّ مقتضي تعلّق القطع بالحكم تقدّمه على القطع المتقدم على حكمه، و مقتضى الحكم تأخره عنه، فيلزم تأخّر ما فرض تقدّمه، أعني التأخّر رتبة لما فرض تقدّمه طبعا؛ و كذا القاطع يرى الحكم سابقا على قطعه المتعلّق به سبق المتعلّق على المتعلّق، فلا يمكن رؤيته لا حقا للقطع و حكما له متأخّرا عنه تأخّر الحكم عن موضوعه.

و فيه: أن القاطع لا يرى سوى مقطوعه؛ و إنّما يرى قطعه حين إرادة الامتثال للحكم المأخوذ فيه القطع، و هو كجاعل الحكم في ذلك ليس المتقدّم على القطع عندهما إلّا ماهيّة الحكم، و هو المقطوع بالذات، و المتأخّر عنه وجوده، فلا خلف، كما يظهر من اختلاف التقدّم و التأخّر فيهما؛ فإنّه طبعي في أحدهما و رتبي في الآخر، و لا يلزم الرؤية في مرتبتين، لما مرّ من عدم التفات القاطع بما هو كذلك إلى غير مقطوعه، و بما هو ممتثل يراه شيئا غير مقطوعه ذاتا، و الحكم العقلي لجهة التغاير بين الوجود و الماهيّة حين الالتفات إليه.

و يمكن أن يقال: في الجواب: بأنّ متعلّق القطع الحكم الجعلي الإنشائي، و الثابت بالقطع الموضوعي- كسائر قيود الموضوع- مرتبة فعليّة الحكم، فلا عينيّة بين المرتبتين.

و فيه: أنّ مرجع التقييد إلى الأخذ في مقام إنشاء الحكم لموضوعه‏

54

بخصوصيّته؛ فإنشاء الحكم متخصّص بالقيود المأخوذة في الإنشاء لموضوعه، و فعليّته بفعليّة الموضوع بتمام قيوده؛ فلا فرق بحسب المرتبة بين الإنشاء و ما اخذ في موضوعه بحسب الإنشاء، و لا بين فعليّة الحكم، و تحققه بتحقّق موضوعه بتمام قيوده، فتبصّر.

دفع ما استدلّ به للاستحالة بكون الوصول في مرتبتين‏

و استدلّ أيضا بأنّ جعل الحكم، لغاية الامتثال بعد وصوله؛ و قد فرض وصوله في مرتبته، بل في مرتبة موضوعه، فلا يمكن كون الوصول غاية و سابقا على الغاية و بمنزلة ذي الغاية في السبق.

و يمكن الجواب: بأنّ الوصول الذي هو غاية للجعل هو شأنيّة العلم، و هو حاصل بمجرّد الجعل و إعلام المولي و علم العبد شأنا، امتثل العبد أو لا، علم فعلا بالفحص أو لا؛ و المبحوث عنه هو العلم الفعلي الاتفاقي الحاصل بالفحص لأجل الامتثال على تقدير الثبوت. و هذا لو كان معتبرا في بعض التكاليف، كان اعتباره شرعيّا محضا، و ليس هو غاية للجعل مأخوذة في المغيّى، و الكلام في إمكانه من سائر الجهات.

و قد مرّ الجواب عنه آنفا: بأنّ كلّا من الأخذ و الامتثال و الوصول شأنيّ لا فعلي، كما هو ظاهر بملاحظة أمر الكفّار و تاركي الفحص عمدا. و الامتثال و الوصول اتّفاقا قد يكونان، كما في المنقادين؛ و قد لا يكونان، كما في غيرهم.

و ليس من الداخل في الحكم و موضوعه و لا هو غاية مطّردة الترتّب.

فائدة أخذ العلم بالحكم في موضع نفسه‏

و قد مرّ في الدور و الخلف، كما عرفت الحال في هذا الوجه الأخير، و قد ذكرنا: أنّ‏

55

فائدة أخذ العلم ليس هو التنجيز بالعلم؛ فإنّه حاصل بإعلام المولى بما من قبله و عليه، بل رفع اليد عن بعض لوازم التنجّز كوجوب الإعادة و القضاء بالمخالفة في صورة عدم فعليّة العلم و الالتفات، لأنّه بيده العفو مع استحقاق العقوبة، فضلا عن سائر لوازم التنجّز.

كيفيّة الجمع بين استحقاق العقاب و صحّة العمل‏

و حينئذ يقع الإشكال في الجمع بين الاستحقاق للتقصير في جهله بالواقع، و بين الصحّة من الجاهل فعلا، و بين عدم وجوب الإعادة الممكنة بعد العلم.

و حيث يمكن اعتبار العلم الفعلي بالحكم الواقعي في موارد وقوع التعبّد بالصحّة و عدم الإعادة، لا في جميع التكاليف لاشتراك العالم و الجاهل فيها، فلا واقع للتكليف و الوضع إذا تقيّدا بالعلم الفعلي، فكان التكليف بالضد أو بالجامع ممكنا، كما هو واقع في موارد المعذوريّة؛ فلا موجب لاستحقاق العقوبة على الحكم الواقعي المنتفي.

فلا بدّ من توجيه ما نسب إليهم من الجمع بين الصحّة و الاستحقاق؛ فالصحّة مخالفة لاشتراك العالم و الجاهل، لاختصاص الأمر فرضا بالجاهل، كما أنّه لا يجتمع استحقاق العقاب مع الجهل مع عدم وجوب الإعادة بالعلم المتأخّر.

و الحاصل: أنّ اختصاص شرطيّة الجهر أو الإخفات، أو القصر أو الإتمام بصورة العلم بالشرطيّة فعلا شرعا و إلحاق الجهل الفعلي بالجهل الشأني الذي هو عذر عقلي، لازمه الصحة و الموافقة للأمر الغير المقيّد في الفرض، و عدم وجوب الإعادة و القضاء.

إلّا أنّه كما يوجب الصحّة، يوجب عدم العقاب على الواقع المفروض‏

56

اختصاص ثبوته الواقعي بصورة العلم الفعلي، كاختصاص ثبوته واقعا بصورة عدم السهو و الجهل بالموضوع، فهل يمكن دعوى استحقاق العقاب على ما ثبوت له و على الحكم في الصورتين؟ و كيف يستحقّ العقاب على ما لا يمكن تداركه بالإعادة؟

مع أنّ استحقاق العقاب على مخالفة الواقع و دعوى التفويت فيه، لا في صورة الترك رأسا، إنّما يسلّم مع الأمر بالفعل بلا قيد، لتوقّف صحّة العمل على الأمر بفاقد القيد. و مع واقعيّة هذا الأمر و مسقطيّة للإعادة و القضاء، كيف يستحقّ العقوبة على ذلك التفويت لمصلحة واجد القيد؟ و كيف يعاقب بسبب عدم العلم الفعلي على ما هو في مرحلة الواقع مقيّد بالعلم الفعلي شرعا كتقيّد سائر الأحكام بالعلم الشأني عقلا؟ و هل يمكن دعوى مشروعيّة الإعادة مطلقا مع استيفاء تمام المصلحة في إعادة المنفرد جماعة، و عدم مشروعيّتها مع المصلحة الغير التامّة و لو بالإضافة لتحتّم استحقاق العقاب هنا؟

فكأنّهم لمّا بنوا على استحالة التقييد بالعلم، لاشتراك الأحكام الواقعيّة، و للزوم الدور أو الخلف على ما مرّ، فحملوا ما دلّ إثباتا على الصحّة على أنّها بالملاك، و أنّ عدم الإعادة لمكان عدم إمكان الجمع بين الملاكين لتضادّهما.

الاستدلال للاستحالة بالتنافي بين إيجاد الحكم و بين ...

و يمكن أن يستدلّ لعدم إمكان أخذ القطع بحكم في موضوع ذلك الحكم: بأنّ الموضوع و ما فيه مفروض الوجود في مقام جعل الحكم له و فى ذلك المقام، لا يمكن الجمع بين إيجاد الحكم و جعل وجوده مفروضا.