مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام‏ - ج3

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
373 /
3

الجزء الثالث‏

له الحمد و له الشكر، و إيّاه نعبد

و إيّاه نستعين، و نسأله التوفيق لما ينفعنا،

و نرهب إليه من عذابه و هوانه، و نصلّي و نسلّم على محمّد و آله الطاهرين، و على جميع الأنبياء و المرسلين. و الرحمة الواسعة المتوالية على جميع إخواننا و أصحابنا الّذين مضوا في سبيل الهداية و الإرشاد و التعليم و التعلّم.

ربّنا عليك توكّلنا

و إليك أنبنا و إليك المصير.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

الاستصحاب‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

فصل في الاستصحاب‏

مقدّمة:

لا يخفى أنّ البحث في تعريف الاستصحاب و أنّه الإبقاء أو الحكم بالبقاء أو نفس اليقين المتقدّم و كذا البحث عن وجه كونه من المسائل الاصوليّة ممّا لا نفع له، و إنّما المهمّ إثبات وجود حكم ظاهريّ من طرف الشارع يقتضي البقاء على ما كان و سعةِ ذلك و ضيقه. و المرجع في ذلك الدليل، و عمدته الأخبار:

فمنها: صحيح زرارة، قال:

قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟

فقال: «يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن، فإذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء».

قلت: فإن حرّك على جنبه شي‏ء و لم يعلم به؟ قال: «لا حتّى يستيقن أنّه قد نام، حتّى يجي‏ء يجي‏ء من ذلك أمر بيّن، و إلّا فإنّه على يقين من وضوئه، و لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ، و إنّما تنقضه بيقين آخر» (1).

و في تقرير بعض علماء العصر أيّده اللَّه أنّه نقله غير واحد من الأعلام مسنداً إلى الباقر (عليه السلام). و في تعليقه أشار إلى فوائد بحر العلوم ص 110 و فوائد الأسترآباديّ ص 144 و الحدائق: ج 1 ص 32 [في الطبعة الحديثة من الحدائق: ج 1 ص 143] (2).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) مباني الاستنباط: ج 4 ص 15.

8

و لا يخفى صراحة دلالته على الاستصحاب في الجملة، أي و لو في مورده من اليقين بالوضوء و الشكّ في نقضه بالحدث النوميّ.

و عمدة الكلام في المقام في أنّه هل يستفاد منه العموم أم لا؟

و تقريب استفادة العموم منه يلخّص في وجوه:

الأوّل: أن يقال بأنّ المستفاد من قوله: «فإنّه على يقين من وضوئه ...» التعليل، بمعنى أنّه يكون صغرى لكبرى قوله: «و لا ينقض اليقين أبداً بالشكّ» فقوله «فإنّه على يقين» شروع في البرهان بالشروع في الصغرى. و وجه ذلك أمران:

أحدهما أن يقال: إنّ قوله «و إلّا» قضيّة شرطيّة جزاؤها محذوف، و جزاؤها «لا يجب». و ما يقوم مقام الجزاء لا بدّ و أن يكون مرتبطاً به، و الارتباط المتصوّر في المقام هو العلّيّة، و حذف الجزاء و إقامة العلّة مقامه مطّرد في الكلام الفصيح، مثل قوله تعالى: «وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى» (1) و «إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ» (2) و «مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» (3) و «فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ» (4) إلى غير ذلك.

فإذا ثبت كونه في مقام التعليل فحيث إنّ العلّة أمر ارتكازيّ و الظاهر هو الخروج عن التعبّد في مقام التعليل فلا بدّ من كون العلّة هو عدم نقض اليقين بمثل الشكّ مطلقاً، و لذا لا شبهة عندهم في مثل «الخمر حرام لأنّه مسكر» في إلقاء خصوصيّة الخمريّة مع كون مسكريّته بالخصوص تكون في حيّز التعليل، و لعلّ ذلك مطابق لما أفاده الشيخ (قدس سره) في رسائله‏ (5).

____________

(1) سورة طه: 7.

(2) سورة الزمر: 7.

(3) سورة آل عمران: 97.

(4) سورة الأنعام: 89.

(5) فرائد الاصول: ص 329- 330.

9

و فيه أوّلًا: أنّ الحكم بعدم الوجوب قد مضى في الكلام، فلا داعي لتكراره، لا سيّما مع سبق التأكيد بالنسبة إلى ما يحتاج إليه و هو قوله «حتّى يجي‏ء يجي‏ء من ذلك أمر بيّن»، لرفع توهّم كفاية الظنّ القويّ الّذي يتسامح العرف فيه بإقامته مقام اليقين؛ و أمّا بالنسبة إلى عدم وجوب الوضوء فالتأكيد لا يناسبه قطعاً، إذ لا داعي إلى الحكم بالإيجاب أو ترتيب أثر الإيجاب مع التصريح بعدم الوجوب؛ مع أنّ التأكيد بالمحذوف غير متعارف و غير مناسب لمقامه. و التكرار ليس بداعي التعليل، لأنّ ما تقدّم صالح للتعليل، فلاداعي للحذف و إقامة العلّة مقام المحذوف مع صلاحيّة المذكور للتعليل، فإنّه يقال بعد قوله «حتّى يجي‏ء يجي‏ء من ذلك أمر بيّن»: لأنّه لا ينقض اليقين بالشكّ.

و ثانياً: أنّه لا داعي للالتزام بالحذف بعد صلاحيّة الكلام لأن يكون جواباً للشرط المستفاد من قوله «و إلّا»، لأنّ قوله «و لا ينقض اليقين أبداً بالشكّ» صالح للجواب و يكون قوله «فإنّه» توطئةً، و لا يتصوّر فيه إشكال، فإنّ الإيراد عليه بأنّ الجواب خالٍ عن الفاء مندفع بأنّه عطفٌ على قوله «فإنّه على يقين» فيكون مدخولًا للفاء كما في الأجوبة المعطوفة على الجواب الأوّل، فيقال: «إن جاءك زيد فسلّم عليه و أكرمه» كقوله تعالى: «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» (1).

و الحاصل: أنّه لا يرى أيّ حزازة في أن يقال: إن جاءك زيد فإنّك كريم و عليك إكرامه.

نعم، ما في بعض التقارير من أنّ «الجواب قوله (فإنّه على يقين) من باب أنّ المقصود أنّه يبني على اليقين» (2) ممّا لم يعهد استعمال ما يماثله في مثل ذلك في العربيّة و الفارسيّة، فهو غير محتمل.

و ثالثاً: على فرض الحذف فالجزم بأنّ ما يقوم مقام المحذوف لا بدّ أن يكون علّتَهُ مشكل، فإنّه يُرى بحسب الارتكاز استقامةُ أن يقال: «إن كان زيد كافراً فلا تكرمه، و إلّا فإكرام المؤمنين مطلوب مرغوب» مع أنّه ليس القائم مقام المحذوف‏

____________

(1) سورة المائدة: 6.

(2) فوائد الاصول: ج 4 ص 336.

10

إلّا الكبرى الكلّيّة المنطبقة عليه.

و حاصل الثالث: أنّ القائم مقام المحذوف لا بدّ أن يكون مرتبطاً به، و يكفي في ذلك الارتباط معه بنحو الكبرى و الصغرى، و لا يلزم أن يكون بنحو العلّيّة و المعلوليّة.

ثانيهما: أن يقال: إنّ المحذوف «لزم نقض اليقين بالشكّ» و يكون المقصود من الشرط: «إن لم يكن عدم الوجوب»، يعني إن وجب لزم نقض اليقين بالشكّ.

و يبعّده امور:

منها: أن يكون المقصود من مدخول «لا» في قوله «إلّا» هو «لا»، فيكون بمثابة «إلّا لا يجب»، و هو خلاف الظاهر، إذ قلّ ما يدخل «لا» على «لا» في كلمات العرف.

و منها: أنّ الأقرب إليه «حتّى يستيقن»، و الإعراض عنه و جعلُ الشرط راجعاً إلى قوله «لا يجب» بعيد جدّاً.

و منها: أنّ المناسب لتعليل عدم الوجوب بلزوم نقض اليقين عدمُ الحكم بما يلزم ذلك، لا النهي عن نقض اليقين بالشكّ، فتأمّل.

هذا كلّه، مع أنّه على تقدير كون المحذوف ذلك فلا يدلّ على أنّ القائم مقامه هو العلّة العامّة، و لا دليل على كون المحذوف بنفسه عدم نقض اليقين مطلقاً بالشكّ كما هو واضح.

الثاني: أنّ التكرار الّذي ليس بداعي التأكيد لا وجه له إلّا كونه وارداً لبيان ملاك الحكم- و هو التعليل- أو وارداً لبيان الكبرى الكلّيّة المنطبقة على المورد و على غيره، و على الشقّين يثبت المطلوب.

و فيه: أنّ الالتزام بالكبرى الكلّيّة لا يفيد، إذ يمكن أن يكون الصدر كلّيّاً بالنسبة إلى الذيل و يكون المقصود باليقين هو اليقين بالوضوء و بالشكّ مطلق الشكّ في الرافع للوضوء، لا خصوص حدث النوم. نعم، هذا الوجه يصلح أن يكون دليلًا لعدم اختصاص المقصود بخصوص الشكّ من ناحية النوم.

11

الثالث: أن يقال- كما في الكفاية-: إنّه يقوى احتمال تعلّق «من وضوئه» بالظرف لا ب «يقين» و يكون المعنى حينئذٍ: «فإنّه كان من طرف وضوئه على يقين» وعليه لا يكون الأصغر إلّا اليقين، لا اليقين بالوضوء (1).

أقول: توضيح ذلك أن يقال: إنّه بعد تسليم «تعلّق (من وضوئه) بالظرف و أنّه الظاهر بلا شبهة، لأنّ الظاهر أنّ القيود راجعة إلى النسبة الملحوظة في القضيّة المستفادة من الظرف في المقام لا خصوص أحد الطرفين» يحتمل وجوهاً:

منها: أن يكون «من» بمعنى العلّيّة أي يكون على يقين مطلق بعلّة وضوئه السابق.

و هو مقطوع البطلان.

و منها: أن يكون بمعنى العلّيّة لتحقّق مهملة اليقين.

و هو أيضاً باطل، إذ ليس الوضوء علّة لليقين، فربما يكون وضوءٌ و لا يقين و ربما يكون يقينٌ من غير وضوء.

مع أنّ مقايسة ذلك بما يكون مماثلًا له مثل قوله تعالى: «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا» (2) و قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ» (3) و قوله عزّ من قائل‏ «بَلْ هُمْ فِي شَك مِنْ ذِكْرِي» (4) إلى غير ذلك تقتضي عدمَ العلّيّة بنحو الإهمال أيضاً.

و منها: أن يكون المقصود به الإضافة إلى مفهوم الوضوء فيكون بمعنى «عن»، فيكون مفاده ما ينحلّ عند الانشراح إلى أنّه إذا لاحظ وضوءه يرى كونه متعلّقاً لليقين.

و منها: أن يكون مفاده أنّه من ناحية تعلّق اليقين بالوضوء يكون واجداً لمصداق من مصاديق اليقين، فلا يكون المقصود أنّه بعلّة وضوئه الخارجيّ واجدٌ

____________

(1) كفاية الاصول: ص 442.

(2) سورة البقرة: 23.

(3) سورة الحجّ: 5.

(4) سورة ص: 8.

12

لليقين، بل بلحاظ الوضوء و كونه متعلّقاً لليقين واجدٌ لمصداق من مصاديق اليقين؛ و على الاحتمالين الأخيرين يكون اليقين غير مقيّد بشي‏ء، فإنّه على الثاني منهما واضح، و أمّا على الأوّل فلأنّ الملحوظ اتّصاف الوضوء بإضافة اليقين به، لا اتّصاف اليقين بكونه متعلّقاً بالوضوء، فلم يلاحظ إلّا اليقين الخالي عن القيد، فعلى العهد يكون اليقين خالياً عن القيد فيكون المستفاد منه كبرى كلّيّة.

و فيه: أنّه بعد بطلان الاحتمالين الأوّلين و دوران الأمر بين الأخيرين فلا ريب أنّ الظاهر هو الأوّل منهما بملاحظة مقايسته إلى سائر موارد الاستعمالات الّتي مرّ ذكر بعضها، فإنّه ليس المقصود من قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ» (1) مثلًا وجود مصداق من مصاديق الريب من ناحية تعلّقه بالبعث كما هو واضح، و على التقدير الأوّل فلا ريب أنّ المتصوّر في مقام الاستعمال ليس مطلق اليقين بل اليقين المتضيّق- في مقام الاستعمال- بكون الوضوء مورداً لتعلّقه، كما لا شبهة أنّه لو كان في البين عهد في مثل الموارد المذكورة- بأن كان في الكلام تصريح بالمعهود في الكلام- لا يفهم الإطلاق منه و من أمثاله من الموارد المذكورة.

الرابع: أن يقال: إنّ مقتضى الإطلاق و مقدّمات الحكمة هو الحمل على الجنس.

و توضيح ذلك يتوقّف على مقدّمات:

الاولى: أن يقال: إنّ اكتناف الكلام بما يصلح للتقييد ليس مانعاً عن الأخذ بالإطلاق إذا علم كون المتكلّم في مقام بيان القيد على تقدير كون غرضه هو المقيّد، و ذلك للزوم الخلاف، إذ المفروض عدم البيان على القيد، و عدم البيان على القيد في ما لو كان القيد مقصودَه بيانٌ على عدم القيد، و هو عين الإطلاق. و ما اشتهر من أنّ الاكتناف مانع عن الإطلاق- بمعنى كونه قرينةً على الإجمال- إنّما هو في الرجوع إلى الأصل العقلائيّ القائم على كون المتكلّم في مقام البيان، لا في ما احرز

____________

(1) سورة الحجّ: 5.

13

قطعاً أو اطميناناً كونه في مقام البيان.

الثانية: أنّ العهد هو تقيّد الجنس بكونه هو المعهود، و أمّا الجنس فليس إلّا ذات المعنى من دون التقيّد بالوحدة المردّدة الّتي هي النكرة و من دون إشارة إلى فرد خاصّ أو نوع كذلك من الجنس. و قد تقدّم في الكتاب أنّ اللام الّذي للتعريف الجنسيّ ليس إلّا بمنزلة الإعراب، و هو علامة عدم إرادة التنكير من المدخول، فالعهد هو التقيّد و الجنس هو أصل الطبيعة غير المحتاجة إلى القيد.

الثالثة: أنّه يمكن إحراز كونه في مقام البيان مع قطع النظر عن الأصل العقلائيّ المعتمد عليه في جميع المحاورات بأنّه لا داعي للإجمال من تقيّة أو غيرها في المقام، و بأنّه لو كان إجمال في البين لما يسكت زرارة السائل عن فروع النوم و خصوصيّاته، فالّذي يبتدئ في السؤال كيف لا يسأل عمّا هو مجمل من كلام الإمام (عليه السلام)، و الظاهر أنّه ليس في المقام إلّا تلك الألفاظ الواصلة إلينا؛ فالّذي تطمئنّ به النفس أنّه فهم المقصود، و بعد ذلك لم يفهم العهد، لعدم القرينة عليه، ففهم من كونه في مقام البيان عدم دخالة قيدٍ ما في الكلام و هو بانٍ على الإطلاق، و هو لا يخلو من وجه.

ثمّ إنّ هنا مؤيّدات لعلّه يحصل للباحث القطع بدلالة الصحيح على المدّعى:

منها: أنّ المناسبة الارتكازيّة بين الحكم و الموضوع أنّ مثل اليقين لا ينقض بمثل الشكّ و لا خصوصيّة للمتعلّق.

و منها: أنّ قوله «أبداً» يناسب الدائرة الوسيعة، لا الدائرة المنحصرة بخصوص الوضوء.

و منها: وجود العنوان المذكور- أي نقض اليقين بالشكّ- في غير واحد من الموارد، كالطهارة من الخبث و الشكِّ في عدد الركعات و غير ذلك.

و منها: أنّ اللام في «الشكّ» للجنس قطعاً، لأنّه لو كان للعهد لزم التكرار.

14

و منها: أنّ قوله «و إنّما تنقضه بيقين آخر» صريح في مطلق اليقين الّذي يصلح أن يكون ناقضاً، و لا لام له حتّى يحمل فيه على العهد.

و منها: أنّ ذكر الصغرى قبل ما يصلح أن يكون كبرى لها مشعر بكون المتكلّم في مقام الاستدلال، و قد مرّ أنّ مقام الاستدلال ظاهر في إلقاء الخصوصيّات التعبّديّة من دون شبهة عندهم.

و منها: ما في الوسائل عن العلل في الحسن الّذي هو بحكم الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‏ء من منيّ فعلّمت أثره إلى أن اصيب له الماء، فأصبت و حضرت الصلاة و نسيت أنّ بثوبي شيئاً و صلّيت، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك؟ قال: «تعيد الصلاة و تغسله».

قلت: فإنّي لم أكن رأيت موضعه و علمت أنّه أصابه فطلبته فلم أقدر عليه، فلمّا صلّيت وجدته؟ قال: «تغسله و تعيد».

قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه و لم أتيقّن ذلك، فنظرت فلم أر شيئاً، ثمّ صلّيت فرأيت فيه؟ قال: «تغسله و لا تعيد الصلاة».

قلت: لِمَ ذلك؟ قال: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً».

قلت: فإنّي قد علمت أنّه قد أصابه و لم أدر أين هو فأغسله؟ قال: «تغسل من ثوبك الناحية الّتي ترى أنّه قد أصابها حتّى تكون على يقين من طهارتك».

قلت: فهل عليّ إن شككت في أنّه أصابه شي‏ء أن أنظر فيه؟ قال: «لا، و لكنّك إنّما تريد أن تُذهب الشكّ الّذي وقع في نفسك».

قلت: إن رأيته في ثوبي و أنا في الصلاة؟ قال: «تنقض الصلاة و تعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته، و إن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة و غسلته ثمّ بنيت‏

15

على الصلاة، لأنّك لا تدري، لعلّه شي‏ء اوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً» (1).

و الاستدلال قد وقع بفقرتين منه:

أمّا الاولى فقوله: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ...».

و فيه إيرادات، بعضها راجع إلى الاستدلال، و بعضها إلى العموم، و بعضها إلى التعليل و عدم استقامته بظاهره:

الإيراد الأوّل: احتمال أن يكون المقصود حصول اليقين له بعدم عروض النجاسة لثوبه، لقوله: «فنظرت فلم أر شيئاً» فصلّى مع اليقين بالطهارة ثمّ رأى بعد الصلاة، فكان المقصود حجّيّةَ ذلك اليقين الزائل بعد الصلاة، فكان أجنبيّاً عن الاستصحاب و كان مفاده حجّيّةَ قاعدة اليقين.

و فيه: أنّه لا يحتمل ذلك قطعاً، لوجوه:

منها: أنّ النظر لا يلازم اليقين، و لو فرض حصول اليقين لأدرجه في السؤال، لأنّ الظاهر أنّه فرض تلك الموضوعات فلا بدّ في ذلك من بيان تمام ما هو المفروض، فيمكن دعوى أنّ الظاهر أنّ المفروض عدم طروّ اليقين بذلك، و ليس فرض النظر ملازماً لليقين، لأنّه لم يفرض فيه النظر إلى جميع ثوبه، بل يصدق في ذلك أنّه نظر إلى الموضع الّذي كان يظنّ إصابته. و على فرض الغضّ عن ذلك فالظاهر كلا الفرضين أي الجامع الّذي يمكن الانطباق على صورة حصول اليقين و عدم حصوله، فحينئذٍ ليس الفرض هو حصول اليقين، فلا معنى لأن يكون اليقين راجعاً إليه أصلًا.

____________

(1) التهذيب: ج 1 ص 421 ح 8 من ب 22. راجع وسائل الشيعة: ج 2 ص 1053 ح 1 من ب 37، و ص 1061 ح 1 من ب 41، و ص 1063 ح 2 من ب 42، و ص 1006 ح 2 من ب 7، و ص 1065 ح 1 من ب 44 من أبواب النجاسات.

16

و منها- على ما هو المتسالم عليه في كلماتهم و إن كان فيه نظر-: أنّه حين رأى بعد الصلاة قطع بأنّه هو النجاسة السابقة بعينها، فليس له شكّ بعد اليقين حتّى يصدق نقض اليقين بالشكّ، و على فرض عدم ظهوره في ذلك فليس الشكّ أيضاً مفروضاً، فتأمّل.

و منها: أنّه على الفرض المذكور ليس بالنسبة إلى حال الصلاة حكم ظاهريّ من الاستصحاب أو قاعدة اليقين، لأنّ المفروض كونه على يقين بالطهارة حين الصلاة و بعدها يتيقّن بالنجاسة مع أنّه كاد أن يكون صريحاً في الحكم الظاهريّ حينها أو بعدها.

و منها: أنّ التعبّد باليقين الزائل ليس مطابقاً للارتكاز العقلائيّ قطعاً، فلا يناسب التعليلَ و لا قولَه: «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ»، لأنّ كلمة «ينبغي» تناسب ما يرتضيه الارتكاز لا ما لا يقتضيه.

الإيراد الثاني: أنّه حيث إنّ الظاهر من جملة «ثمّ صلّيت فرأيت فيه» أنّ ما رآه هو ما ظنّ أنّه قد أصابه فبعد الصلاة تيقّن بوقوع الصلاة في حال نجاسة الثوب، فليس وجه عدم الإعادة لزوم نقض اليقين بالشكّ على تقدير اللزوم.

و اجيب عنه بوجهين:

أحدهما: أنّ هنا مقدّمة مطويّة، و هي أنّ الشرط إحراز الطهارة، فحيث كان الحكم الظاهريّ الاستصحابيّ موجوداً فقد أحرز الطهارة، و حيث إنّ الشرط هو الأعمّ من الطهارة الواقعيّة و الإحراز فالمصلّي كان واجداً لما هو شرط واقعاً فلا يجب عليه الإعادة، لصحّة الصلاة باعتبار واجديّتها لشرطها الواقعيّ.

ثانيهما: إجزاء الأمر الظاهريّ.

فعلى كلّ حالٍ ما هو العلّة لصحّة الصلاة و عدم لزوم الإعادة أمران:

أحدهما: وجود الحكم الظاهريّ الاستصحابيّ.

17

ثانيهما: إمّا كفاية إحراز الطهارة في الصحّة أو إجزاء الأمر الظاهريّ؛ و الإلزام بخلاف الظاهر ليس من الامور القليلة إذا كان في البين قرينة على ذلك كما لا يخفى.

أقول: و هنا وجه ثالث لم أر التعرّض له في زبر الأصحاب، و هو أن يكون المطويّ إلقاء شرطيّة الطهارة في فرض الإتيان بالصلاة مستنداً إلى عذر شرعيّ من الاستصحاب و غيره، و ذلك لأنّه لا تعاد الصلاة إلّا من ناحية الخمس الّذي يستكشف منه أنّ الطهارة من الخبث ليست داخلةً في الخمس.

و أقول أيضاً: إنّه لا إشكال من تلك الجهة، لأنّ الاحتياج إلى الكبرى في مقام الاستدلال غير أن يكون الحكم مستنداً إلى الأمرين، فإنّ عدم الإعادة ليس إلّا مستنداً إلى وجود الحكم الظاهريّ في حال الصلاة، إمّا من باب أنّ كلّ حكم ظاهريّ مجزٍ عن الإعادة، و إمّا من باب اشتراط الصلاة بالأعمّ من الطهارة أو الإحراز، و إمّا من باب أنّ الاستناد إلى العذر الشرعيّ إلى آخر الصلاة موجب لإلقاء شرطيّة الطهارة، كما أنّ مستند التحريم في المثال المعروف بالنسبة إلى الخمر هو الإسكار، و لا يكون مستنداً إلى كبرى «كلّ مسكر حرام».

و الحاصل: أنّ الاستناد الثبوتيّ غير مقام الاستدلال المحتاج إلى الصغرى و الكبرى، فإنّ علّة حدوث العالم هو التغيّر، لا هو و كبرى «كلّ متغيّر حادث» فتأمّل.

ثمّ إنّه بعد ذلك فهل الظاهر أنّه بملاك إجزاء الحكم الظاهريّ، أو بملاك كون الشرط هو الأعمّ من الواقع أو الإحراز، أو بملاك إلقاء الشرطيّة في مقام وجود العذر الشرعيّ إلى آخر الصلاة؟ وجوه.

لا يبعد أن يكون الأخير هو الأقوى ثمّ الأوّل، و أمّا الثاني الّذي قوّاه في الكفاية (1) فضعيف بالنسبة إلى ظاهر الصحيح، فإنّ الظاهر من التعليل أنّه أمر مطابق للارتكاز، و ما يكون مطابقاً له هو إجزاء التعبّد الشرعيّ الظاهريّ كما عليه جمّ غفير

____________

(1) كفاية الاصول: ص 447- 448.

18

من الأصحاب الّذي منهم السيّد المعظّم الفقيه البروجرديّ (قدس سره)؛ و أمّا كون الشرط هو الأعمّ من الطهارة و إحرازها فهو أمر تعبّديّ صِرف لا يناسب مقام التعليل، لكن حيث إنّ إلقاء الشرط بعد العمل المأتيّ به بحسب التكليف الظاهريّ الشرعيّ و لو من باب قيام العذر أمرٌ معروف لدى المتشرّعة- خصوصاً في باب الصلاة- فلا ينافي مقام التعليل، فحينئذٍ فالأمر يدور بين الأوّل و الثالث، و الّذي يقرّب الثالث هو التفصيل بين أوّل الصلاة و وسطها و عدمُ سؤال السائل عن وجه ذلك مع كونه بصدد السؤال عن وجه المسائل، و ليس ذلك بحسب ما يظنّ إلّا من جهة قيام الارتكاز المتّخذ من الشرع على الحكم بعدم إعادة الصلاة من غير الأُمور الخمسة المعروفة.

الإيراد الثالث: أنّ الظاهر من الصحيح أنّ العلّة لعدم وجوب الإعادة كون ذلك نقضاً لليقين بالشكّ أو مستلزماً لنقض اليقين بالشكّ مع أنّه ليس كذلك، بل لا يجب الإعادة، لوجود الحكم بعدم جواز نقض اليقين بالشكّ حال الصلاة، فلو وجبت الإعادة لم يكن حكم في حال الصلاة بعدم نقض اليقين بالشكّ، فليست الإعادة و لا وجوبها بعدها نقضاً لليقين بالشكّ، بل هو كاشف عن عدم الحكم بحرمة النقض حال الصلاة، و هو خلاف الظاهر، و لا محيص عن الإشكال المذكور بناءً على كون المراد صورة العلم بوجود النجاسة حال الصلاة.

و من هنا يتوجّه إشكال رابع، و هو أنّ مقتضى ذلك هو التعليل بوجود الحكم لا بعدم نقض اليقين بالشكّ، و مقتضى الأخذ بعموم التعليل هو الإجزاء في مورد ثبوت الحكم الظاهريّ أو العذر الشرعيّ أو في مورد ثبوت الحكم الظاهريّ الخاصّ أي الحكم بعدم جواز نقض اليقين بالشكّ، و لا يدلّ على عموم وجود الحكم الظاهريّ أو عموم حرمة النقض كما لا يخفى.

و يمكن أن يمنع أصل مبنى تلك الإيرادات الثلاثة الأخيرة، و هو الظهور في أنّ المقصود بقوله «ثمّ صلّيت فرأيت فيه» أنّ ما رآه هو بعينه ما ظنّه قبل الصلاة:

19

بيان ذلك: أنّ الظاهر أنّه ذكر للإمام (عليه السلام) كلّ ما يحتمل دخالته في الحكم و لم يذكر أنّه تيقّن بذلك، فلعلّ الظاهر عدم حصول اليقين، و لا دلالة لقوله «فرأيت فيه» أنّ ما رآه هو بعينه ما كان ظنّه، خصوصاً مع خلوّه عن الضمير الراجع إليه؛ مع أنّه قد تقدّم أنّ مراجع الضمائر في الصحيح ليست هي الشخص قطعاً، و ليست المسبوقيّة بالظنّ المفروضة في الرواية قرينةً على أنّ المقصود حصول القطع بذلك كما لوحظ ذلك في ذيل الصحيح، للفرق بينهما بأنّ المفروض في الصدر أنّه نظر فلم ير شيئاً فيحتمل أن يكون المرئيّ شيئاً اوقع عليه، و ليس استيحاش الراوي و السؤال عن وجه ذلك دليلًا عليه أيضاً، لأنّ الظاهر حصول الظنّ له بأنّه هو الّذي ظنّه كما هو المتعارف؛ فالمظنون أنّ الاستيحاش من جهة الظنّ، أو يكفي في ذلك الظنّ. و الّذي يؤيّد ذلك قوله «أبداً» في الجواب و أنّ اليقين لا ينقض بالشكّ، و الشكّ مهما كان قويّاً لا يكون ناقضاً لليقين.

و إن فرض ظهور في ذلك فلا ريب في ظهور التعليل في وجود اليقين و الشكّ الفعليّين، و قوّة ظهور «فليس ينبغي لك أن تنقض ...» في أنّ النقض متحقّق في ذاك الظرف بالإعادة، و قوّة ظهور الفاء في كون متلوّه هو النتيجة المنطبقة على عدم الإعادة، فإنّه لو كان التعليل لوجود الحكم في حال الصلاة لكان التعبير هكذا:

«و لم يكن ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ» كما لا يخفى؛ مضافاً إلى أنّه لم يسأل الفرق بينه و بين ما بين الصلاة.

إلّا أن يجاب بما تقدّم من الارتكاز المتّخذ من الشرع من مفاد «لا تعاد الصلاة»، و هو ممّا يقال في ضيق الخناق.

فالأظهر عدم إشكال في الصحيح حتّى يحتاج إلى ما اجيب عنه من الوجوه المتقدّمة، و اللَّه أعلم.

هذا كلّه بالنسبة إلى الفقرة الاولى.

20

و أمّا الثانية و هي قوله: «و إن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً» إلى أن قال: «لأنّك لا تدري لعلّه شي‏ء اوقع عليك، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ» فدلالته- كعمومه لظهوره في العلّيّة- ظاهرة.

و منها: مصحّح‏ (1) زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)، قال:

قلت له: من لم يدر في أربع هو أم في ثنتين و قد أحرز الثنتين؟ قال: «يركع ركعتين و أربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهّد و لا شي‏ء عليه، و إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع و قد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها اخرى و لا شي‏ء عليه، و لا ينقض اليقين بالشكّ، و لا يُدخل الشكّ في اليقين، و لا يخلط أحدهما بالآخر، و لكنّه ينقض الشكّ باليقين، و يُتمّ على اليقين فيبني عليه، و لا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات» (2).

يحتمل الحديث- أعمّ ممّا ذكروه أو يمكن أن يذكر- وجوهاً:

الأوّل: أن يكون المراد بقوله «لا ينقض اليقين بالشكّ» هو اليقين بعدم الإتيان بالركعة المشكوكة أو اليقين بوجوب الإتيان بالركعة المشكوكة متّصلةً حتّى يكون مفاده وجوب البناء على الأقلّ و الإتيان بالمشكوك متّصلًا فيدلّ على الاستصحاب.

لكن فيه أوّلًا: أنّه مخالف للمشهور بين الإماميّة من كون الوظيفة هو الإتيان بالمشكوكة منفصلةً، و أمّا كونه خلاف المذهب الحقّ كما في الرسائل‏ (3) فهو غير واضح، فإنّه قال في الوافي: إنّ مقتضى التوفيق بين الروايات هو التخيير كما ذكره في الفقيه‏ (4).

____________

(1) و ذلك لأنّه قد رواه الكلينيّ عن عليّ عن أبيه و عن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن حمّاد عن حريز عن زرارة، فالحكم بصحّة السند الأوّل غير واضح لإبراهيم، و في الثاني لتردّد محمّد بن إسماعيل و إن كان بحكم الصحيح بل أقوى منه كما لا يخفى. منه (قدس سره).

(2) وسائل الشيعة: ج 5 ص 323 ح 3 من ب 11 و ص 321 ح 3 من ب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(3) فرائد الاصول: ص 331.

(4) الوافي: ج 8 ص 980.

21

و ثانياً: أنّه مخالف لظاهر صدره من دلالته على وجوب قراءة فاتحة الكتاب تعييناً، لأنّ الحكم مع فرض الاتّصال هو التخيير بين الأمرين، كذا ذكر الشيخ الأعظم في رسائله‏ (1).

لكنّ الإنصاف: أنّ قوله: «قام فأضاف إليها اخرى» أقوى في الظهور في الاتّصال من ظهور الصدر في تعيين الفاتحة كما لا يخفى.

الثاني: ما اختاره (قدس سره) في رسائله من كون المراد باليقين هو اليقين بالبراءة من التكليف فيكون المقصود وجوب الاحتياط، فيكون نظير قوله في الموثّق: «إذا شككت فابن على اليقين» (2). و الاحتياط المأمور به في الركعات هو الّذي قد صرّح به في غير واحد من الأخبار من الإتيان بالركعة المفصولة، مثل قوله: «أ لا اعلّمك شيئاً إذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شي‏ء؟» (3)، فعلى هذا يكون أجنبيّاً عن الاستصحاب، لأنّ مفاده هو إيجاب الاحتياط، فيكون المقصود من عدم نقض اليقين بالشكّ عدمَ الاكتفاء بالشكّ في مورد لزوم العمل بالاحتياط (4).

و فيه أوّلًا: أنّ الظاهر أنّ مثل قضيّة «لا ينقض اليقين بالشكّ» بصدد إعطاء قاعدة واحدة، و لا يكون مفاده مختلفاً كما أفاده الوالد الاستاذ في درره‏ (5).

و ثانياً: أنّ استعمال النقض في مورد الاكتفاء (بأن يكون المقصود النهيَ عن الاكتفاء بالشكّ في مورد لزوم العمل باليقين) ممّا لم يعهد قطّ و لا معنى له، و هذا بخلاف «ابن على اليقين» كما لا يخفى.

و ثالثاً: أنّ الحكم بالاحتياط في مورد دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة مع عدم تعيين الأخذ بطرف معيّن ممّا لا ينبغي صدوره، فإنّه من الإحالة إلى المجهول.

____________

(1) فرائد الاصول: ص 331.

(2) وسائل الشيعة: ج 5 ص 318 ح 2 من ب 8 من أبواب الخلل.

(3) وسائل الشيعة: ج 5 ص 318 ح 3 من ب 8 من أبواب الخلل.

(4) فرائد الاصول: ص 331- 332.

(5) درر الفوائد: ص 526.

22

الثالث: أن يكون ذلك على وجه التقيّة (بمعنى أن يكون تطبيق الكبرى على الصغرى على وجه التقيّة و كذا الصغرى) لكن كان صدور أصل كبرى حرمة نقض اليقين بالشكّ بداعي بيان الحكم الواقعيّ.

و هو أيضاً خلاف الظاهر جدّاً.

الرابع: ما في الوافي من أنّ «لا ينقض اليقين بالشكّ» أي لا يبطل الثلاث المتيقّن فيها بسبب الشكّ في الرابعة بأن يستأنف الصلاة بل يعتدّ بالثلاث. «و لا يدخل الشكّ في اليقين» أي لا يعتدّ بالرابعة المشكوك فيها بأن يضمّها إلى الثلاث و يُتمّ بها الصلاة من غير تدارك. «و لا يخلط أحدهما بالآخر» عطف تفسيريّ لما قبله. «و لكنّه ينقض الشكّ باليقين» أي الشكّ في الرابعة بالإتيان بركعة اخرى على وجه الإيقان. «و يُتمّ على اليقين» أي يبني على الثلاث المتيقّن فيها.

و لم يتعرّض في هذا الحديث لذكر فصل الركعتين و وصلها (1). انتهى ملخّصاً.

و فيه أوّلًا: أنّ قوله: «و لكن ينقض الشكّ باليقين» صريح في كونه استدراكاً لما مضى من قوله: «و لا ينقض اليقين بالشكّ»، و كاد أن يكون صريحاً في وحدة المراد من النقض و اليقين و الشكّ فيهما مع أنّ مقتضى التفسير المذكور الاختلاف، فإنّ المقصودَ من الأوّل عدم بطلان المتيقّن بالشكّ في الإتيان بالباقي و المقصودَ من الثاني إزالة الشكّ بإيجاد اليقين فحصل الاختلاف في معنى «النقض»، و كذلك في «اليقين»، فإنّ المراد من الأوّل هو اليقين المفروض تحقّقه في الخارج و في الثاني إيجاده، و كم بين المفادين من الفرق؟!

و ثانياً: يكون المقصود من الشكّ في الجملة الاولى نفس الصفة لا المشكوك، و إلّا كان عدم البطلان واضحاً، و يكون المقصود منه في الجملة الثانية هو المشكوك أي عدم الاكتفاء به.

____________

(1) الوافي: ج 8 ص 980.

23

و ثالثاً: لا يكون المفاد العرفيّ لقوله: «و يتمّ على اليقين» هو البناء على المتيقّن كما لا يخفى.

الخامس: ما ذكره بعض علماء العصر في ما كتبه في الاستصحاب من أنّ قوله: «و لا ينقض اليقين بالشكّ» أي طبيعة اليقين لا تنقض بطبيعة الشكّ.

و لعدم نقضها بها فردان: أحدهما عدم إبطال اليقين بالركعات المحرزة بالشكّ في الركعة الزائدة. ثانيهما عدم نقض اليقين بعدم الركعة الرابعة بالشكّ في إتيانها.

و «لا يدخل الشكّ في اليقين و لا يخلط أحدهما بالآخر» له أيضاً مصداقان:

أحدهما عدم الاكتفاء بالركعة المشكوكة من غير تدارك. ثانيهما عدم إتيان الركعة المشكوكة متّصلةً.

«و لكنّه ينقض الشكّ باليقين» بالإتيان بالركعة المتيقّنة و عدم الاعتداد بالمشكوك فيها.

«و يتمّ على اليقين» بإتيان الركعة اليقينيّة و عدم الاعتداد بالمشكوك فيها.

«و لا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات» أي يبني على عدم الركعة المشكوكة فيها و على الإتيان بالركعة (1). انتهى ملخّصاً و محرّراً.

و فيه أوّلًا: أنّه إن كان المقصودُ هو بيان خصوص اليقينين المعهودين في الصدر الصريح في أحدهما الدالّ على الآخر و المقصودُ بالشكّ هو الشكّان المستفادان من صدر الرواية، فإفراد القضيّة مع كون المعهود أمرين خلاف الظاهر. و كون المقصود باليقين و الشكّ هو الجنس المعهود من اليقين و الشكّ ممّا لم يعهد في الاستعمالات.

و إن كان المقصود أنّه بصدد بيان قضيّة كلّيّة و مفادها أنّ كلّ يقين لا ينقض بالشكّ الّذي يمكن أن يكون ناقضاً له بأحد المعنيين للنقض، ففيه أنّ «عدم نقض اليقين بشي‏ء بالشكّ في شي‏ء آخر يمكن أن يكون موجباً للنقض» لا يكون من‏

____________

(1) الرسائل «للإمام الخمينيّ (قدس سره)»: ج 1 ص 106.

24

الامور الارتكازيّة حتّى يكون التكرار بصدد الملاك الارتكازيّ.

مع أنّه لا يمكن أن يكون المقصود أنّ طبيعة اليقين لا تنقض بطبيعة الشكّ و لو لم يكن متعلّقاً بمتعلّق اليقين، لعدم صحّة النقض على وجه الإطلاق، فلا بدّ من تقدير في الكلام، و أمر المقدّر دائر بين أن يكون المقصود بالشكّ هو الشكّ فيه- أي في المتيقّن السابق- فلا ينطبق إلّا على الاستصحاب، أو الشكّ في ما يكون دخيلًا في المركّب و تكون زيادته مانعةً عن صحّتها فلا ينطبق إلّا على ما ذكره في الوافي، و بين أن يكون المقصود بالشكّ عنواناً عامّاً و هو الشكّ الّذي يمكن أن يكون ناقضاً، فيكون المقصود أنّ كلّ شكّ يمكن أن يكون ناقضاً ليقين لا يكون ناقضاً له، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر، و ليس في الكلام لفظ يؤخذ بالإطلاق، بل أمر المقدّر دائر بين المطلق و غيره.

و ثانياً: يرد عليه ما أوردناه على صاحب الوافي من كون قوله: «و لكنّه ينقض الشكّ باليقين» صريحاً في الاستدراك و ظاهراً في اتّحاد المفاد، و مقتضى اتّحاد المفاد ترتيبُ أثر البطلان على الشكّ و عدمُ الاعتناء به و المضيُّ على الصلاة من غير تدارك؛ و نقض الشكّ باليقين بمعنى عدم ترتيب أثر الشكّ بعد حصول اليقين بأنّه أتى بالركعة الرابعة، و هما متنافيان و غير منطبقين أصلًا على ما ذكره من الإتيان بالركعة المشكوكة حتّى يحصل اليقين.

و ثالثاً: ما ذكره في معنى عدم خلط اليقين بالشكّ لا يكون في مساق واحد بالنسبة إلى ما قبله، لأنّ المقصود- بناءً على ما ذكره- هو عدم خلط المشكوك بالمتيقّن خارجاً و في مقام الامتثال مع أنّ عدم الخلط في مقام الامتثال يكون خلطاً بالعناية لا ينساق إليه الكلام.

مع أنّ عدم إدخال الشكّ في اليقين بعناية عدم الاكتفاء بالمشكوك إن كان صحيحاً فلا عناية في البين تصحّح جملة «و لا يخلط أحدهما بالآخر»، فيكون‏

25

المقصود عدمَ خلط المشكوك بالمتيقّن في مقام الامتثال و عدمَ خلط المتيقّن بالمشكوك في المقام المذكور بالاكتفاء بالمشكوك في مقام امتثال المشكوك، فإنّه خالٍ عن المعنى.

و الّذي يؤدّي إليه النظر في مفاد الحديث الشريف أنّ المقصود من اليقين بحسب الظاهر هو الّذي قد فرض في صدره، و هو اليقين بأنّه قد أتى بالثلاث أو الاثنين، فيحكم بذلك من حيث عدم الإتيان بالرابعة فيأتي بها الّذي هو معنى الاستصحاب.

و معنى «لا يدخل الشكّ في اليقين» أنّه لا يدخله فيه من حيث الحكم. و «لا يخلط أحدهما بالآخر» يكون أعمّ من سابقه، أي لا يدخل الشكّ في اليقين و لا اليقين في الشكّ بل للشكّ حكم و لليقين حكم آخر، و حكم الشكّ هو النقض باليقين، و حكم اليقين عدم نقضه بالشكّ.

و الّذي يشهد لذلك عرفاً هو الاستدراك الواقع في جملة «و لكنّه ينقض الشكّ باليقين»، فإنّ الظاهر أنّه استدراك لجميع ما سبق؛ و ليس قوله «و لا يدخل» و كذا قوله «و لا يخلط» جملتان معترضتان؛ و قوله «و يتمّ على اليقين» عطف على «ينقض» أي و لكنّه يتمّ على اليقين؛ و قوله «فيبني عليه» يكون نتيجة ما قاله قبل ذلك؛ و «لا يعتدّ» عطف على «يبني» أي فلا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات.

و ملخّص المقال هو الأخذ باليقين و عدم الاكتفاء باحتمال الإتيان بالركعة الزائدة على المتيقّن، و لا شبهة في ظهوره في الاتّصال لكن يرفع اليد عن الظهور المذكور بما يدلّ على بيان كيفيّة تدارك الركعة المشكوكة. و لا يخفى أنّ ما هو الظاهر في الاتّصال ليس إلّا الصدر الدالّ على الحكم بإضافة ركعة اخرى مع السكوت عن لزوم الانفصال؛ و أمّا الحكم بالبناء على عدم الركعة الرابعة و وجوب تدارك الركعة فهو لا ينافي الحكم بالانفصال، فليس دليل لزوم الانفصال تقييداً لدليل «لا تنقض‏

26

اليقين بالشكّ» كما في الكفاية (1)، بل مقتضى الحكم بعدم نقض اليقين بالشكّ إنّما هو البناء على عدم الإتيان بالركعة المشكوكة، و كونُ حكم من لم يأت بالركعة المشكوكة هو الانفصال واقعاً يستفاد من أدلّة اخرى، فإنّ مفاد «لا تنقض ...» ترتيب أثر عدم الإتيان بالمشكوك. و أمّا تعيينُ الأثر و أنّه هل المترتّب على ذلك الإتيان بالركعة متّصلةً أو منفصلةً أو يكون هو التخيير؟ موكول إلى دليل آخر.

إن قلت: مقتضى جملة «لا ينقض اليقين بالشكّ» هو الاتّصال، لأنّ مفاده ترتيب أثر اليقين على الشكّ، و لا ريب أنّه لو كان المصلّي متيقّناً بعدم الإتيان بالرابعة- مثلًا- و أنّه صلّى ثلاثاً كان تكليفه الاتّصال.

قلت: هذا إذا كان الدليل المذكور متكفّلًا لتنزيل الشكّ منزلة اليقين بما لليقين من الآثار و أنّ الشكّ اللاحق بمنزلة صفة اليقين، و الجمع بينه و بين تنزيله منزلته في المتيقّن و المشكوك خلاف الظاهر إن لم يكن مستحيلًا، فتأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّ الظاهر أنّه يدلّ على العموم، لا لقوله: «و لا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات» و ذلك لاحتمال العهد في قوله «بالشكّ»؛ بل من جهة تعدّد الصدر، و لو كان المقصود هو العهد لكان الأولى هو التثنية لا الإفراد. و كونُ المقصود جنسَ المعهود خلاف الظاهر قطعاً، لأنّه بعد كون اللام للجنس فلا ريب أنّ متعلّقه اليقين و الشكّ؛ و كذا من جهة لزوم التكرار، فتأمّل.

و منها: ما في الخصال عن أبيه عن سعد عن محمّد بن عيسى بن عُبيد اليقطينيّ عن القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد عن أبي بصير و محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:

«حدّثني أبي عن جدّي عن آبائه (عليهم السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) علّم أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب» إلى أن قال: «من كان على يقين فشكّ فليمض على‏

____________

(1) كفاية الاصول: ص 450.

27

يقينه، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين» (1).

و رواه في الوسائل عنه في حديث الأربعمائة عن عليّ (عليه السلام)، قال: «من كان على يقين ثمّ شكّ ...» (2).

و في المستدرك و البحار عن الإرشاد للمفيد (قدس سره)، قال:

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من كان على يقين فأصابه شكّ فليمض على يقينه، فإنّ اليقين لا يدفع بالشكّ» (3).

و في الإرشاد من كلامه (أي أمير المؤمنين) (عليه السلام): «من كان على يقين ...» (4).

تقريب الاستدلال به و توضيحه يتمّ إن شاء اللَّه تعالى في طيّ امور:

منها: أنّه قد يشكل فيه من حيث السند:

قال مولانا الوالد الاستاذ (رحمه الله) في درره:

و لكنّ الإشكال فيها من حيث إنّ فيها قاسم بن يحيى، و قد ضعّفه العلّامة في الخلاصة، و تضعيفه و إن كان مستنداً إلى تضعيف ابن الغضائريّ و قد قيل: إنّه لا يعبأ به، إلّا أنّه ما وجد في علم الرجال توثيقه، فهو من المجاهيل، إلّا أن يوثّق برواية الأجلّة عنه، كأحمد بن أبي عبد الله و أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (5). انتهى.

أقول و هنا مؤيّدان آخران لا يبعد أن يصل بهما الخبر إلى مرتبة الحجّيّة:

أحدهما: كون قاسم واقعاً في مشيخة الفقيه عن الحسن بن راشد.

ثانيهما: نقل مفاده في الإرشاد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بنحو الجزم، فهو بمنزلة الشهادة بالوثوق بصدور الخبر.

و منها: أنّه يمكن أن يقال: إنّ مقتضى قوله: «من كان على يقين فشكّ» أو «ثمّ‏

____________

(1) الخصال: ج 1 و 2 ص 619.

(2) وسائل الشيعة: ج 1 ص 175 ح 6 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(2)

(3) مستدرك الوسائل: ج 1 ص 228 ح 4 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء، و البحار: ج 2 ص 272 ح 2 من ب 32 من كتاب العلم عن الإرشاد للمفيد: ج 1 ص 302.

(4) الإرشاد للمفيد: ج 1 ص 302.

(5) درر الفوائد: ص 528.

28

شكّ» أو «فأصابه شكّ» هو مضيّ زمان اليقين باعتبار دلالة فعل الماضي على ذلك، فلا ينطبق على فرد من أفراد الاستصحاب، لاعتبار فعليّة اليقين و الشكّ فيه.

و فيه: وضوح عدم اعتبار مضيّ المبدأ في الفعل الماضي كما يظهر من ملاحظة القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ» (1) و قوله تعالى: «الَّذِينَ كَفَرُوا» (2) و قوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً» (3) إلى غير ذلك من الاستعمالات الواردة فيه، و مثل قوله (عليه السلام): «إذا شككت فابن على اليقين» (4) و «من شكّ بين الثلاث و الأربع» و غير ذلك، و هو واضح جدّاً، فإنّ مفاد فعل الماضي هو التحقّق، و قد ينطبق ذلك على المضيّ كما في الدفعيّات، كقوله تعالى: «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً» (5)، و أمّا في ما يكون له الإدامة كما في اليقين و الشكّ و الكفر و الإيمان و غير ذلك فالتحقّق لا يقتضي المضيّ.

و منها: أنّه قد يقال: إنّ الظاهر من قوله «فشكّ» و «ثمّ شكّ» و كذا «فأصابه شكّ» هو تأخّر الشكّ عن اليقين حدوثاً، و هو ينطبق على قاعدة اليقين المعتبر فيها التأخّر، و أمّا في الاستصحاب فلا يعتبر ذلك.

و يمكن الجواب عن ذلك بوجوهٍ:

الأوّل: أنّه لا يدلّ على اعتبار ذلك، بل مفاده لا يشمل غير صورة تأخّر الشكّ عن اليقين، فيدلّ بالإطلاق على صحّة الاستصحاب في موارد التأخّر، و بعدم القول بالفصل نقول بصحّته في غير مورد الخبر.

الثاني: أنّ الغالب في باب الاستصحاب هو التأخّر، و القيد وارد مورد الغالب، و حينئذٍ فمقتضى التعليل الواقع في الذيل أنّ الملاك عدم نقض اليقين بالشكّ.

الثالث: أنّه على فرض ظهور الصدر في الاعتبار و التقييد فلا ريب أنّ التعليل‏

____________

(1) سورة العصر: 3.

(2) سورة البيّنة: 6.

(3) سورة البقرة: 184.

(4) وسائل الشيعة: ج 5 ص 318 ح 2 من ب 8 من أبواب الخلل.

(5) سورة الإسراء: 33.

29

الواقع في الذيل ظاهر في الإطلاق، و ظهور التعليل حاكم على ظهور المعلّل له كما هو المعروف.

الرابع: في الاستصحاب و إن لم يعتبر التأخّر إلّا أنّ الموضوع للحكم بعدم النقض هو الشكّ المتأخّر لا الشكّ المتقدّم، فالشكّ الواقع بعد اليقين لا يكون ناقضاً له كما لا يخفى.

و منها: أنّه قد يقال: إنّه يشمل قاعدة اليقين بالضرورة، لصدق قوله: «من كان على يقين فشكّ» على موردها، و مع شموله لها لا يمكن شمولها للاستصحاب، لأنّ وحدة الموضوع في القاعدة ملحوظة بنحو الدقّة العقليّة و في الاستصحاب بالتسامح العرفيّ، و الجمع بين الدقّة و التسامح في جعل واحد غير معقول.

و فيه أوّلًا: أنّ الموضوع واحد في الاستصحاب بالدقّة العقليّة في كثير من الموارد، فإنّ الزمان ليس معدّداً للموضوع، و الوحدة الاتّصاليّة عين الوحدة الشخصيّة كما تقرّر في محلّه.

و ثانياً: أنّ التسامح أوسع من الدقّة مورداً، فالنظر التسامحيّ يشمل مورد الدقّة أيضاً كما لا يخفى.

و ثالثاً: أنّ مقتضى التعليل فعليّة اليقين و الشكّ، و مقتضى حكومة التعليل على الصدر عدم شمول الخبر للقاعدة، فالظاهر تماميّة دلالته كسنده. و اللَّه العالم.

و منها: موثّق إسحاق بن عمّار، قال:

قال لي أبو الحسن الأوّل (عليه السلام): «إذا شككت فابن على اليقين». قال، قلت: هذا أصل؟ قال: «نعم» (1).

و لا دليل على اختصاصه بخصوص الصلاة أو ركعاتها، لا سيّما مع قوله «هذا أصل» الصريح في العموم بالنسبة إلى ما اريد به في مقام الاستعمال.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 5 ص 318 ح 2 من ب 8 من أبواب الخلل.

30

لكن في دلالته على المدّعى نظر، كما نبّه عليه الشيخ (قدس سره) في رسائله من جهة عدم فرض سبق اليقين أو المتيقّن‏ (1)، بل الظاهر أنّه أصل في مطلق فرض الشكّ لا الشكّ المسبوق باليقين.

إن قلت: دلالته على الاستصحاب من جهة ظهوره في فعليّة الشكّ و اليقين، فإنّ الصدر و إن كان ظاهراً في مطلق الشكّ إلّا أنّ الذيل ظاهر في خصوص فرض وجود اليقين، فينطبق على الاستصحاب لا قاعدة اليقين و لا الاحتياط.

قلت: بعد فرض ظهور الصدر في ضرب القاعدة لمطلق صورة الشكّ لا يكون معارضاً للذيل، من جهة أنّه ليس اليقين في اللغة خصوص الحالة النفسانيّة، بل يطلق عليه و على المعنى المصدريّ أي إزاحة الشكّ، فراجع اللغة. و حينئذٍ ينطبق الذيل على الصدر، و هو المناسب لكونه أصلًا كلّيّاً موجباً للوصول إلى الواقع في جميع الموارد، و هو أصالة الاحتياط و أنّه إذا كان بناء كلّ مسلمٍ على إزاحة الشكّ و تحصيل اليقين في جميع موارد الشبهة فقد نجى، فالأمر إرشاد إلى حصول المطلوب الواقعيّ في جميع الموارد، فهو أعمّ من الوجوب و الاستحباب مورداً. و اللَّه العالم.

و منها: مكاتبة عليّ بن محمّد القاسانيّ، قال:

كتبت إليه- و أنا بالمدينة- أسأله عن اليوم الّذي يُشكّ فيه من رمضان هل يصام أم لا؟ فكتب: «اليقين لا يدخل فيه الشكّ، صم للرؤية و أفطر للرؤية» (2).

قال الشيخ (قدس سره): إنّها أظهر ما في هذا الباب من أخبار الاستصحاب‏ (3).

أقول: و لعلّه كذلك. و توضيحه يتوقّف على إيراد ما يمكن الإيراد عليه و ما يمكن أن يجاب:

فمنها: المناقشة في السند كما في رسائل الشيخ (قدس سره) بأنّه غير سليم‏ (4).

____________

(1 و 3 و 4) فرائد الاصول: ص 333 و 334.

(2) وسائل الشيعة: ج 7 ص 184 ح 13 من ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان.

31

و يمكن الجواب عنه بأنّ الراوي عن الصفّار هو محمّد بن الحسن بن الوليد الّذي لا يروي إلّا ما يطمئنّ بوثوق صدوره، بشهادة استثنائه عدّة أسانيد من كتاب نوادر الحكمة، فراجع مشيخة التهذيب سنده إلى الصفّار، فهو دليل على الوثوق بالراوي أو الرواية.

و أيضاً قد روى عنه محمّد بن أحمد بن يحيى و لم يستثنه بن الوليد المتقدّم، و قد مدحه النجاشيّ بعنوان عليّ بن محمّد بن شِيرة القاشانيّ و لم يذكر غيره.

و لا يعارضه تضعيف الشيخ في رجاله بعد قوله: «عليّ بن شيرة ثقة» بقوله: «عليّ بن محمّد القاشانيّ ضعيف إصفهانيّ من ولد زياد»، لكون منشإ تضعيفه على احتمال قويّ هو تضعيف أحمد بن محمّد بن عيسى و قد ردّه النجاشيّ. هذا على فرض التعدّد.

و يحتمل قويّاً كونهما رجلًا واحداً- و إن أصرّ المامقانيّ (قدس سره) في رجاله على التعدّد- و يؤيّده امور:

الأوّل: عدم ذكر النجاشيّ إلّا رجلًا واحداً هو عليّ بن محمّد القاشانيّ.

الثاني: كونهما من أصحاب الهادي (عليه السلام).

الثالث: كونهما راويين عن القاسم بن محمّد.

الرابع: كون الراوي عنهما عليّ بن إبراهيم.

فلم يبق في البين ما يكون دليلًا على التعدّد إلّا ما تقدّم من عبارة الشيخ، و لا يبعد التصحيف فيه، فيكون «صحيح ثقة» يقال: احتمله الوحيد البهبهانيّ (قدس سره)، أو يكون المقصود وصولَ التوثيق إليه بعنوان عليّ بن شيرة و وصول التضعيف إليه بعنوان عليّ بن محمّد القاشانيّ، فهو بنفسه شاكّ في الوحدة و التعدّد؛ فعلى فرض الوحدة فقد ورد المدح القريب بالتوثيق من النجاشيّ، و التوثيق أو ما يشبهه من ابن الوليد، و ليس في البين تضعيف إلّا من ناحية أحمد بن محمّد بن عيسى، و مدح النجاشيّ حاكم عليه، فتأمّل.

32

هذا بحسب السند.

و أمّا بحسب الدلالة:

فقد يقال: إنّ المراد باليقين هو اليقين بدخول رمضان و اليقين بخروجه، و حكم الصوم مترتّب على اليقين بدخول رمضان، و حكم الإفطار جوازاً و وجوباً مترتّب على اليقين بخروجه كما يظهر من عدّة أخبار اخرى واردة في صوم يوم الشكّ ابتداءً و انتهاءً.

و فيه أوّلًا: أنّه لا يصحّ ما ينطبق عليه إلّا بأن يكون المقصود أنّه لا يعمل على طبق الشكّ في رمضان دخولًا و خروجاً في ما لا بدّ فيه من اليقين شرعاً، و بذلك تصير القضيّة ضروريّة، و هذا غير أن يقال: إنّه لا بدّ في رمضان و شوّال من اليقين، فإنّ المستفاد منه على المعنى المذكور أنّه بعد فرض لزوم اليقين يقول: لا يعمل على طبق الشكّ في مورد لزوم اليقين، فهو قضيّة ضروريّة.

و ثانياً: إن كان المقصود خصوص اليقينين المستفادين من السابق يكون اللام عهداً إليهما، فالمتعيّن بحسب المحاورات هو التثنية لا الإفراد.

و ثالثاً: إذا لم يكن بصدد إعطاء قاعدة كلّيّة فما الداعي على الإجمال المخلّ مع ذكر التفصيل بعد ذلك المشعر بكونه متفرّعاً على ذلك لا أنّه عين ما تقدّم؟

و أمّا كونه قاعدةً كلّيّةً بمعنى كون المقصود عدمَ جواز العمل بالشكّ في مورد لزوم اليقين فهو غير محتمل قطعاً، لأنّه من القضايا الضروريّة غير المناسبة لمقام الجعل و التشريع.

و قد يقال: إنّ المقصود عدم خلط المشكوك بالمتيقّن في خصوص رمضان و شوّال من حيث الابتداء بقرينة الأخبار الاخرى الواردة في ذلك.

و فيه أوّلًا: أنّه خلاف الظاهر جدّاً، بل ربما يمكن دعوى القطع بعدم إرادته ذلك، لأنّه مبنيّ على كون اللام للعهد و كونِه عهداً إلى بعض ما يستفاد من الصدر،

33

فإنّه لو كان عهداً إلى كلّ متيقّن مستفاد من الصدر فالمتيقّن هو الأيّام الرمضانيّة دخولًا و خروجاً، و لازمه عدمُ وجوب صوم يوم الشكّ من الآخر و عدمُ وجوب الإفطار أيضاً، لعدم خلط المشكوك بالمتيقّن من الشوّال. و هو واضح البطلان.

و ثانياً: أنّ جعل اليقين و الشكّ بمعنى المتيقّن و المشكوك خلاف الظاهر، فتأمّل.

و ثالثاً: أنّ مقتضى العهد إلى الأمرين من رمضان و شوّال أو أوّله و آخره هو التثنية كما تقدّم.

و رابعاً: أنّ الظاهر كونه في مقام إعطاء القاعدة، و لا يمكن أن تكون القاعدة عدم خلط المتيقّن بالمشكوك مطلقاً، فإنّه قد يجب كما في مورد الرواية بالنسبة إلى وجوب الصوم في آخر رمضان، و في كلّ مورد يجب فيه الاحتياط بالنسبة إلى جزء من أجزاء الواجب الاستقلاليّ أو الارتباطيّ، كالشكّ في المحلّ و كآخر الصوم في كلّ يوم و غير ذلك.

و أمّا الحكم بأنّه قاعدة مضروبة لخصوص يومي الشكّ بقرينة الأخبار- كما تقدّم الإيماء إليه- فعجيب:

لِما فيه أوّلًا من النقض بما ورد في باب الطهارة، فإنّه قد ورد في خصوص الوضوء ذلك‏ (1)، فإنّه لا يدلّ على الاختصاص بخصوص المورد في المقام كما لا يكون وروده في خصوص الوضوء أيضاً قرينةً على الاختصاص، بل الاستقراء يؤيّد العموم، إلّا أن يكون المقصود أنّها تدلّ على دخالة العلم بدخول رمضان في وجوب الصوم واقعاً و كذا بالنسبة إلى الإفطار، و حينئذٍ لا معنى لاستصحاب بقاء شعبان أو بقاء رمضان، لعدم الأثر لذلك أصلًا.

و فيه: ما لا يخفى من الضعف.

و ثانياً: أنّ المستفاد من أدلّة الباب أنّه لا خصوصيّة لشهر رمضان:

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 174، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

34

ففي بعضها: «إنّ شهر رمضان فريضةٌ من فرائض اللَّه فلا تؤدّوا بالتظنّي» (1).

و في بعضها الآخر في قوله عزّ و جلّ: «قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ» (2) قال: «لصومهم و فطرهم و حجّهم» (3).

و في بعضها الآخر: إنّ ابن سنان سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأهلّة، فقال: «هي أهلّة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم، و إذا رأيته فأفطر ...» (4).

و قد يؤيّد الاختصاص بشهر رمضان و عدم كونه متكفّلًا للاستصحاب- كما في المقالات- بأنّ الاستصحاب المتصوّر في المقام إنّما هو استصحابُ بقاء شعبان أو عدمِ وجود رمضان في الابتداء و استصحابُ بقاء رمضان في المنتهى؛ و الاستصحاب المذكور لا يُثبت عدمَ وجوب الصوم و وجوبَه و عدمَ جواز الإفطار و عدمَ وجوبه، لأنّ ذلك مترتّب على كونِ الزمان المشكوك من رمضان أو عدمِ كونه من رمضان؛ و استصحابُ وجود رمضان أو عدمه لا يثبت كون الزمان المشكوك متّصفاً بأحد الوصفين‏ (5).

و فيه نظر واضح:

فإنّ فيه أوّلًا: أنّه كما يقال في استصحاب الليل و النهار بكون الزمان المشار إليه ليلًا أو نهاراً كذلك في المقام، فإنّه يقال: إنّ هذا الزمان كان من رمضان و الآن كما كان.

و الوجه في ذلك أنّ الزمان المشار إليه في الحال عين الزمان الموجود في السابق عرفاً و عقلًا، فإنّ الوحدة الاتّصاليّة عين الوحدة الشخصيّة، فكما أنّ الزمان لا يكون معدّداً للموجودات الواقعة فيه كذلك لا يكون معدّداً لنفسه، و ليس الليل‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 7 ص 185 ح 16 من ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان.

(2) سورة البقرة: 189.

(3 و 4) وسائل الشيعة: ج 7 ص 186 ح 23 و 21 من ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان.

(5) مقالات الاصول: ج 2 ص 354.

35

و النهار و الرمضانيّة و الشعبانيّة إلّا كالبلوغ و الشباب و المشيب بالنسبة إلى الشخص الواحد، فكما يجري استصحاب عدم البلوغ كذلك يجري استصحاب عدم كون ذلك من رمضان.

و ثانياً: على فرضِ عدم جريان استصحاب عدم كونه من رمضان- مثلًا- و فرضِ أنّ الاستصحاب الجاري هو استصحاب عدم وجود رمضان فظهور الرواية دليل على إثبات عدم رمضانيّة الموجود باستصحابِ عدم وجود رمضان و عدمِ القول بالأصل المثبت، من جهة عدم وفاء الدليل، لا من جهة دلالته على عدم الحجّيّة حتّى يعارض ذلك سائر الأدلّة، فيقال بذلك لحجّيّة الأصل المثبت مطلقاً أو في خصوص المقام.

مع إمكان أن يقال: إنّ المستفاد من قوله تعالى: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (1) كفاية إدراك المكلّف لشهر رمضان الّذي هو وجوده في زمان وجوده في الافق الّذي هو فيه.

و كيف كان، فظهوره في الاستصحاب و كونه في صدد بيان إعطاء القاعدة و التفريع عليها ممّا لا ينكر.

و أظهريّته من سائر الروايات من جهة عدمِ احتماله لقاعدة اليقين من جهة المورد و عدمِ احتماله العهد كما هو محتمل في الرواية الاولى لزرارة، لسبق اليقين بالوضوء، فيمكن أن يكون للعهد من دون لزوم التكرار، بخلاف المقام، فإنّه لو كان للعهد لزم التكرار الخالي عن الوجه. هذا.

مضافاً إلى ظهور التفريع في علّيّة المتفرّع عليه.

و من هذا يظهر أظهريّته من الصحيحة الثانية لزرارة أيضاً، فإنّه و إن كانت مشتملةً على التعليل الآبي عن الاختصاص إلّا أنّه لو اغمض عنه فيمكن أن يكون‏

____________

(1) سورة البقرة: 185.

36

اللام عهداً إلى اليقين بالطهارة؛ فالدليل على العموم في المقام أمران بخلاف مثل خبر زرارة الثاني.

لكنّ الإنصاف: أنّ الظهور السياقيّ في المقام الدالّ على الكلّيّة أضعف من ظهور التعليل في عدم الخصوصيّة. و كيف كان، فدلالته ممّا لا ينكر و كذا كون مفاده عامّاً، و سنده لا يخلو عن الاعتماد.

ثمّ إنّه إن تمّ يدلّ على جريان الاستصحاب في التدريجيّات، و كذا يدلّ على جريانه في الشكّ في المقتضي، لكون مورده ذلك؛ مضافاً إلى عدم وجود كلمة النقض فيه.

و منها: خبر عبد الله بن سنان- الّذي لا يبعد صحّته- قال:

سأل أبي أبا عبد اللَّه (عليه السلام) و أنا حاضر: أنّي اعير الذمّيّ ثوبي و أنا أعلم أنّه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيردّه عليّ، فأغسله قبل أن اصلّي فيه؟

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «صلّ فيه و لا تغسله من أجل ذلك، فإنّك أعرته إيّاه و هو طاهر و لم تستيقن أنّه نجّسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتّى تستيقن أنّه نجّسه» (1).

و دلالته على الاستصحاب في خصوص المشكوك طهارته واضحة. و هو واضح في تقدّم استصحاب الطهارة على قاعدتها.

و أمّا وجه دلالته على العموم فلمكان التعليل المقتضي لإلقاء خصوصيّة الطهارة.

هذا إذا كان ثبوتيّاً مثل «الخمر حرام لأنّه مسكر»، و أمّا إن كان في مقام الاستدلال و الإثبات مثل قوله «لمكان الباء» في الرواية الواردة في المسح‏ (2) فلا بدّ أن تكون في المقام كبرى مطويّة واضحة بين المتكلّم و المخاطب، و ليست في البين بحسب الظاهر كبرى معروفة بين المسلمين إلّا عدم جواز نقض اليقين بالشكّ مطلقاً،

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1095 ح 1 من ب 74 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة: ج 1 ص 290 ح 1 من ب 23 من أبواب الوضوء.

37

لا عدم جوازه في خصوص المسبوق بالطهارة. مع أنّه لا يبعد أن يكون الظاهر من التعليل هو الثبوت، خصوصاً مع أنّ الاستدلال خارج عن شأن الإمام (عليه السلام)، و هو شأن الفقيه المنقطع عن الوقوف على الأحكام الإلهيّة الواقعيّة.

و ربما يتمسّك للاستصحاب بما دلّ على حلّيّة كلّ شي‏ء حتّى تعلم أنّه حرام، و قد مرّ ذلك في المجلّد الثاني من هذا الكتاب:

فمنها: «كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك» (1) و «كلّ ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه» (2) و غير ذلك.

و نظيره في الدلالة قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر، فإذا علمت فقد قذر» (3)، و قوله (عليه السلام): «الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر» (4).

إلّا أنّ الأوّل أعمّ و يمكن عدّه من الأدلّة العامّة، من جهة دلالته على حجّيّة الاستصحاب بالتقريب الآتي في الواجبات و المحرّمات، بتقريب أنّ الشي‏ء أعمّ من الفعل أو الترك، يشمل المستحبّ و المكروه- بعدم الفصل قطعاً- و كذا الوضعيّات.

و لا يخفى أنّهم ذكروا في معنى مثل ذلك وجوهاً سبعاً:

الأوّل: أن يكون مفاده الاستصحابَ- كما ذكره الشيخ (قدس سره) بالنسبة إلى قوله:

«الماء كلّه طاهر ...» (5)-، من جهة أنّ أصل طهارته معلوم و الشكّ إنّما هو في عروض النجاسة، فالقاعدة إنّما هي في فرض معلوميّة الحالة السابقة و الشكّ في العارض.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 12 ص 60 ح 4 من ب 4 من أبواب ما يكتسب به.

(2) وسائل الشيعة: ج 17 ص 90 ح 1 من ب 61 من أبواب الأطعمة المباحة.

(3) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1054 ح 4 من ب 37 من أبواب النجاسات.

(4) وسائل الشيعة: ج 1 ص 100 ح 5 من ب 1 من أبواب الماء المطلق.

(5) فرائد الاصول: ص 336.

38

الثاني: أن يكون مفاده الحلّيّةَ أو الطهارة بالعناوين الأوّليّة، بأن يكون «حتّى تعلم» طريقاً إلى المعلوم، فيكون مفاده: حتّى يكون حراماً.

الثالث: أن يكون مفاده قاعدةَ الحلّيّة و الطهارة في الموضوع المشكوك، و هو المشهور بينهم المنصور و يأتي إن شاء اللَّه تحقيقه. هذا هي البسائط.

الرابع: أن يكون مفاده الحكمَ بالحلّيّة أو الطهارة للأشياء بعناوينها الواقعيّة و للمشكوك و الاستصحابَ.

الخامس: أن يكون مفاده الحكمَ الواقعيّ و الاستصحابَ، و هو مختار الكفاية (1).

السادس: أن يكون مفاده الحكمَ الظاهريّ بعنوان المشكوك و الاستصحابَ.

السابع: أن يكون مفاده الحكمَ الواقعيّ بالعناوين الأوّليّة و الحكمَ الظاهريّ بعنوان المشكوك.

إذا عرفت الوجوه فنقول: دلالته على الاستصحاب محضاً باطل جدّاً، لأنّ الاستصحاب هو الحكم في الآن اللاحق باعتبار سبق اليقين أو المتيقّن، و السبق لا يكون مفروضاً في الروايات أصلًا، و إطلاقه و إن كان يشمل مورد السبق إلّا أنّه ليس ذلك باعتبار السبق.

نعم، يمكن أن يقال: إذا علم من الخارج حجّيّة الاستصحاب فيمكن أن يقال:

إنّ الحكم بالحلّيّة أو الطهارة في جميع الموارد حتّى في مورد المسبوقيّة إنّما يكون بلحاظ ذلك ثبوتاً، و هذا غير الدلالة كما لا يخفى.

و ما اشير إليه من «أنّ الشيخ المؤسّس (قدس سره) استظهر خصوص الاستصحاب من قوله: «الماء كلّه طاهر ...»، من جهة أنّ الاشتباه في الماء من غير جهة عروض النجاسة للماء غير متحقّق غالباً، فالمعنى أنّ الماء المعلوم طهارته بحسب أصل‏

____________

(1) كفاية الاصول: ص 452- 453.

39

الخلقة طاهر أي مستمرّ طهارته المفروضة إلى حين العلم بعروض القذارة له» منظور فيه:

فإنّ فيه أوّلًا: أنّ الغلبة المذكورة حاصلة في جميع الأعيان الطاهرة، إذ ليس ملاكها إلّا عدم نجاسته بالذات و بحسب الخلقة الأصليّة، فقوله «كلّ شي‏ء نظيف» المتقدّم لا بدّ أن يكون مثله مع أنّه لا يلتزم بذلك.

و ثانياً: أنّ الغلبة الخارجيّة لا تصير موجِبةً لانحصار الحكم بمورد الغالب حتّى لا يشمل صورة كون الشكّ في تقدّم العارض و تأخّره مع أنّ ذلك أيضاً يكون كثيراً.

و ثالثاً: على فرض الانحصار بموارد الغالب فلا يستفاد الاستناد إلى ما به الامتياز، و هو سبق الطهارة و أنّ الحكم بالطهارة في صورة الشكّ في العروض من باب جرّ الطهارة السابقة كما لا يخفى.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ جعل الموضوع خصوص الماء مشعر بأنّه بصدد بيان أصل خاصّ بالماء، و لعلّ المقصود أنّ ذلك بملاحظة اعتصامه و رافعيّته للنجاسة، فهو محكوم بالطهارة بملاكين: أحدهما بملاك أنّه شي‏ء مشكوك. ثانيهما بملاك أنّه ماء و هو عاصم و رافع لما يعرضه من النجاسة إلّا أن يكون قليلًا- على إشكال فيه- مطلقاً أو بالنسبة إلى المتنجّس كما قوّيناه في شرح العروة.

و بعبارة اخرى: يكون لخصوص موضوع الماء دخلٌ في الأصل المذكور أو يكون أمارةً، و لعلّ ذلك ينتج في تعارضه لاستصحاب النجاسة، فتأمّل.

هذا تمام الكلام بالنسبة إلى دلالته على الاستصحاب مستقلّاً.

و أمّا دلالته على الاستصحاب بنحو الجمع و التركيب- كما عليه صاحب الكفاية- بتقريب أنّ الغاية لبيان استمرار ما حكم على الموضوع واقعاً من الطهارة و الحلّيّة ما لم يعلم بطروّ خلافه، لا لتحديد الموضوع كي يكون ذلك قاعدةً مضروبةً لما شكّ في طهارته أو حلّيّته، و ذلك لظهورِ المغيّى في كونه بصدد بيان الحكم‏

40

للأشياء بعناوينها- لا بما هي مشكوكة- و ظهور الغاية في استمرار ذلك الحكم الواقعيّ المجعول في المغيّى ظاهراً ما لم يعلم بطروّ خلافه. و لا يلزم على ذلك استعمال اللفظ في المعنيين، لأنّ المستفادَ من المغيّى هو الحكم الواقعيّ و المستفادَ من الغاية هو الحكم الظاهريّ الاستصحابيّ، و إنّما يلزم لو جعلت الغاية مع كونها من حدود الموضوع غايةً لاستمرار الحكم ليدلَّ على القاعدة و الاستصحاب، و حينئذٍ يلزم استعمالُ الحكم في المعنيين: أحدهما الجعل و ثانيهما الاستمرار، و استعمالُ الغاية في المعنيين: كونها غايةً لاستمرار الحكم و كونها من حدود الموضوع‏ (1). انتهى.

أقول: فيه أوّلًا: أنّ «حتّى» ليست للاستمرار؛ يعني: لا يكون مفادها استمرار الحكم فيكون بمنزلة أن يقال: «إنّ كلّ شي‏ء حلال و حلّيّته مستمرّة إلى العلم بالحرمة» حتّى يكون الدالّ على الحلّيّة أمران، بل مفاد «حتّى» هو الغاية و الانتهاء نظير مفاد «من» الّذي هو الابتداء، و هو لا يدلّ على الحلّيّة و الطهارة و أمثالهما، فما يدلّ على الحلّيّة في ابتداء الأمر هو الّذي يدلّ على الحلّيّة في ما قبل العلم بالحرمة. و لا يمكن أن يكون «حلال» مستعملًا في المعنيين: أصل الجعل و الاستمرار أي جعل الحكم باعتبار الحالة السابقة.

و ثانياً: سلّمنا كون «حتّى» بمعنى الاستمرار لكنّ الاستمرار ليس إلّا وجود الحكم في جميع آنات ما قبل الغاية، لا وجود الحكم في الآن الثاني من باب كونه مسبوقاً بالآن الأوّل، لوضوح صدق أن يقال: إنّ وجوب الصوم في أيّام شهر رمضان مستمرّ من الأوّل إلى الآخر، أو يقال: جاء المطر في الليل مستمرّاً من أوّلها إلى الآخر؛ و هذا غير أنّ المحمول في الآن الثاني يكون لوجوده في الآن الأوّل فيكون المحمول في الآن الأوّل موضوعاً للمحمول في الآن الثاني.

و الحاصل: أنّ الاستصحاب هو وجود الحكم في الآن الثاني من باب وجوده‏

____________

(1) كفاية الاصول: ص 452 و 453.

41

في الآن الأوّل و بلحاظ ذلك. و هذا غير مستفاد من «حتّى» و لو كان لاستمرار الحكم؛ كيف! و ليس مفاده إلّا الانتهاء، و الحكم خارج عن مفاده. فظهر أنّ مثل الأخبار المذكورة لا يدلّ على الاستصحاب مستقلّاً و بالمطابقة و لا يدلّ عليه بالتضمّن.

و أمّا تكفّله للحكم الواقعيّ فهو مستلزم للمحال، من جهة لزوم تقيّد الحرمة بالعلم بها؛ مع أنّه لو جعل الحكم الواقعيّ فلا يبقى مجال للحكم الظاهريّ، للعلم بالحلّيّة الواقعيّة إلى أن يحصل العلم بالحرمة، و كذا في جانب الحكم بالطهارة.

فتحصّل أنّ المتعيّن هو الحكم بالحلّيّة الظاهريّة أو الطهارة كذلك من دون تكفّله للاستصحاب و لا للحكم الواقعيّ. نعم، لا يكون لازم كون المراد منه الأصل الظاهريّ في المشكوك أن تكون الغاية قيداً للحكم، بل نقول بأنّ الغاية غاية للحكم، و الحكم يكون ظاهريّاً و غير مربوط بالاستصحاب، فإنّ عدم الغاية يكون دخيلًا في الموضوع لبّاً و إن لم يكن الملحوظ في مقام الاستعمال كون ما بعد الغاية غايةً للموضوع.

هذا تمام الكلام في مفاد أخبار الاستصحاب.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

تنبيهات الاستصحاب‏

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

بقي الكلام‏

في ذكر تنبيهات هذه المسألة المهمّة، فهنا تنبيهات‏

التنبيه الأوّل‏

[في جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعيّة

] قد يشكل جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعيّة لُامور:

منها: اختصاص موارد الروايات بالشبهات الموضوعيّة: من الشكّ في بقاء الوضوء و طهارة الثوب و الركعات، و عدم وضوح سند الباقي.

و يمكن الجواب عنه بأنّ مقتضى التعليل هو التعميم و إلقاء خصوصيّة كون المورد موضوعاً؛ مع أنّ المحقّق جواز الاعتماد على رواية الخصال العامّ كما تقدّم و كذا رواية القاشانيّ على إشكال في الأخير.

و منها: أنّ العموم منصرف عن الشبهة الحكميّة الكلّيّة، لأنّ بيان ذلك شأن الإمام، فلا ينصرف قوله: «اليقين لا ينقض بالشكّ» إلى الشبهات الحكميّة الّتي لا بدّ من السؤال عن الإمام (عليه السلام).

و يمكن الجواب عن ذلك بأنّ هذا في غير القضايا الحقيقيّة المجعولة لجميع الحالات و الأدوار و الأعصار كقوله «رفع ما لا يعلمون»، و في غير العموم المستفاد

46

من التعليل الدالّ على دوران الحكم مدار العلّة.

و منها: أنّ الشكّ في بقاء الحكم لا بدّ أن يكون من جهة الشكّ في دخالة قيد في الموضوع يكون مفقوداً عند الشكّ، أو في وجود قيد علم بدخالته فيه، و كلّ ذلك يرجع إلى الشكّ في بقاء الموضوع، و إن علم بوجود القيد و علم بدخالته أو بالعكس فلا شكّ حينئذٍ كما هو واضح.

بيان الإشكال أن يقال: إنّ الشكّ في الحكم لا يمكن إلّا مع فرض الشكّ في وجود ملاك الحكم، و الشكّ في وجود الملاك ملازم للشكّ في الموضوع، و إلّا لزم تعلّق الحكم بما هو أوسع من الملاك، و هو محال، لأنّه مستلزم لوجود المعلول بلا علّته.

إن قلت: يمكن تعلّق الحكم بالمقيّد و لا يكون قيداً للموضوع و معدّداً له كما في الأعراض الخارجيّة، فإنّ بقاء موادّ الجسم معلول بقاءً، و العلّة لا تتخلّف عن معلولها، فلا يمكن عروضه للجسم مع عدم بقاء علّته، لكن ليس ذلك معدّداً للموضوع.

و الحاصل: أنّ الإشكال بالتقريب المذكور مشترك الورود، و لازم ذلك عدم جريان الاستصحاب. و الجواب: أنّه ليس كلّ قيد معدّداً للموضوع.

قلت: عمدة الإشكال في الأحكام الشرعيّة الكلّيّة أنّ متعلّقاتها هي الموجودات الذهنيّة و المفاهيم الكلّيّة الّتي لم توجد في الخارج، و كلّ ما فرض قيداً لها فهو معدّد للموضوع، لعدم الوجود الخارجيّ الحافظ للوحدة؛ و هذا بخلاف الأعراض الخارجيّة، فإنّ الموضوع هو الموجود الخارجيّ الباقي في حالتي العلم و الشكّ.

و يمكن الجواب عن الشبهة بوجوه:

الأوّل: ما في الكفاية (1) و الرسائل‏ (2) من أنّ وحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوكة إنّما هي بنظر العرف، و العرف ربما يرون بعض القيود من الحالات.

____________

(1) كفاية الاصول: ص 488.

(2) فرائد الاصول: ص 401 و ما بعدها.

47

الثاني: أنّه إذا فرض تعلّق الحكم الكلّيّ بالخارج بانطباق مفهومه عليه، مثلًا إذا علم بنجاسة الماء المتغيّر فزال تغيّره من قبل نفسه فيمكن استصحاب نجاسة ذاك الموضوع الخارجيّ، و كذا إذا علم بتعلّق الوجوب بصلاة الآيات في وقت الخسوف و اضيف الحكم الكلّيّ إلى ذاك الوقت الموجود في الخارج فيمكن أن يقال: إنّ الصلاة كانت واجبةً في هذا الوقت و الآن كما كان، و كذلك بالنسبة إلى العنب و الزبيب و استصحاب الحرمة عند الغليان، كلّ ذلك لحصول الإضافة إلى الخارج، و يكون الخارج حافظاً لوحدته الحقيقيّة، فإنّ القضيّة المشكوكة عين القضيّة المتيقّنة عقلًا، فإنّ الوحدة الاتّصاليّة عين الوحدة الشخصيّة، و لا يكون اختلاف القيود معدّداً لما في الخارج؛ و هذا بخلاف المتصوّرات الذهنيّة، فإنّ الموجود الذهنيّ أو المفهوم المتعلّق بوجوب صلاة الجمعة في ظرف الحضور غير المفهوم المتصوّر في هذا العصر من حيث الوجود، فلا بدّ أن يكون الوحدة بحسب المفهوم.

و بعبارة اخرى: الوحدة إمّا بحسب الوجود و هي لا تتصوّر في المفاهيم، و إمّا بحسب المفهوم ففي المفهوم يكون كلّ قيد معدّداً. و كيف كان، فالجواب المذكور صحيح في الجملة و غير مبنيّ على المسامحات العرفيّة.

الثالث: أنّ الشكّ في بقاء الحكم قد يكون للشكّ في شرط الحكم لا المتعلّق، و هو غير شرط المتعلّق. و توهّم تقيّد المتعلّق بشرط الحكم قهراً ليس إلّا بمعنى عدم الإطلاق و إلّا فليس في البين تقييدان؛ و هذا كما في الطبيعة المقيّدة، فإنّ الطبيعة الوارد عليها القيد لا تكون مطلقةً و لا تكون مقيّدةً مع قطع النظر عن التقييد الوارد عليها.

الرابع: أن يكون المستصحب هو الحكم المتعلّق بأصل الطبيعة؛ و تردّدها خارجاً بين كونها المطلقة أو المقيّدة بالقيد المفقود غير مضرّ باستصحاب الوجوب المتعلّق بالكلّيّ كما لا يخفى.

و العمدة في الجواب هي الثلاثة الأخيرة، و إلّا فالظاهر أنّ التسامح لا يسمن و لا يغني، من جهة أنّه لو لا الجهات الثلاثة الملحوظة في تلك الأجوبة لم يعلم‏

48

تسامح العرف في الحكم بوحدة المفهوم المطلق للمفهوم المقيّد بل الظاهر عدم التسامح. و اللَّه العالم بالحقائق.

و منها: توهّم التعارض دائماً في استصحاب الأحكام الوجوديّة، مثل استصحاب وجوب الجلوس الثابت وجوبه قبل الزوال بالنذر و شبهه، و مثل استصحاب وجوب الصوم إذا تخلّل ما يحتمل معه نقضه كالمرض الّذي لا يدرى أنّه موجب للخوف العقلائيّ أم لا، و مثل استصحاب وجوب صلاة الجمعة الثابت بالنسبة إلى زمان بسط يد المعصوم.

و بيانه أن يقال: إنّ استصحاب الوجوب في الأمثلة المتقدّمة معارض لاستصحاب عدم الجعل بالنسبة إلى الزمان المشكوك.

إن قلت: إنّ العدم المضاف إلى الوجود الخاصّ- أي القطعة الملحوظة في زمان الشكّ- متيقّن في الموضوعات الخارجيّة أيضاً، و مقتضى الاستصحاب بقاؤه و عدم الموجود المضاف إلى القطعة الخاصّة.

قلت: من المعلوم أنّ الزمان الملحوظ في باب الاستصحاب سبقاً و لحوقاً ليس ممّا يؤخذ في إجراء الاستصحاب، فإنّه لا يمكن أن يقال: إنّ الطهارة المقيّدة بكونها في زمان اليقين موجودة في زمان الشكّ، للقطع بالارتفاع؛ و لا يمكن أن يقال أيضاً: إنّ الطهارة المقيّدة بكونها في زمان الشكّ موجودةٌ، لعدم كونها متيقّنة في السابق أصلًا، و لا يستصحب أيضاً عدم الطهارة المفروضة في زمان المتيقّن كما لا يستصحب عدمها في زمان الشكّ، كلّ ذلك واضح. و أمّا استصحاب عدم الجعل بالنسبة إلى ما بعد الزوال فليس ممّا اخذ ظرف الشكّ فيه، فإنّ ظرف شكّه هو بعد تحقّق الجعل بالنسبة إلى أصل الحكم، و هو غير مأخوذ فيه، و أمّا أخذ قطعة من الزمان في المستصحب إذا كان لذلك أثر شرعيّ فلا مانع منه فيشمله دليل الاستصحاب.

إن قلت: مقتضى مورد الروايات الواردة في الاستصحاب تقدّم الوجوديّ‏

49

على العدميّ، فإنّه في مورد الطهارة عن الحدث و الخبث كما يجري استصحاب الطهارة بالنسبة إلى ظرف الشكّ يجري استصحاب عدم جعل الطهارة بالنسبة إلى الظرف المذكور، فإنّه جعلٌ مسبوق بالعدم، و لا فرق بينه و بين عدم جعل الوجوب.

قلت: الظاهر عند العرف الموجب للاستفادة من الشرع على طبق الارتكاز العرفيّ أنّ المجعول هو النجاسة و الحدث، و أمّا الطهارة فليست إلّا الخلوّ عن الأقذار و الأحداث كما في الطهارة من الأقذار العرفيّة، فاستصحاب عدم الجعل مطابق لاستصحاب المجعول، لأنّ مفادهما هو الطهارة.

إن قلت: الّذي لا يكون مجعولًا إلّا بالعرض هو الطهارة الأصليّة، و أمّا الطهارة بعد الحدث و الخبث فهي مجعولة، فإنّ الحدث و الخبث ممّا لا يرتفع إلّا برافع شرعيّ، فلا بدّ من جعل الشارع ما يكون رافعاً لهما، و هذا معنى كونه مجعولًا.

قلت: المجعول هو رفع الحدث أو الخبث السابق بما يطهّره، و أمّا طهارة ما بعد زوال النجاسة فليست إلّا من باب عدم جعل الحدث و الخبث، و لعلّه واضح بعد التأمّل.

و لقد أجاب عنه الشيخ المؤسّس (قدس سره) في رسائله بما لفظه: أنّ الزمان إن اخذ ظرفاً للشي‏ء فلا يجري إلّا استصحاب وجوده، لأنّ العدم انتقض بالوجود المطلق و قد حُكم عليه بالاستمرار بمقتضى أدلّة الاستصحاب، و إن اخذ قيداً فلا يجري إلّا استصحاب العدم، لأنّ انتقاض عدم الوجود المقيّد لا يستلزم انتقاض المطلق، و الأصل عدم الانتقاض‏ (1).

أقول: بعد وضوح أنّه ليس المقصود أخذ زمان المتيقّن أو أخذ زمان المشكوك قيداً، لوضوح أنّ الأوّل مقطوع الارتفاع و الثانيَ لا يكون له حالة سابقة، و لا يمكن أخذ زمان المشكوك في استصحاب العدم في متعلّق ذلك العدم فيستصحب عدم‏

____________

(1) فرائد الاصول: ص 377.

50

الوجود المتحقّق في ظرف الشكّ، فإنّه كان معدوماً سابقاً لانعدام ظرفه، أو يستصحب عدم العدم المعتبر في ظرف الشكّ لكونه أيضاً معدوماً سابقاً، لوقوع التعارض دائماً؛ فلا بدّ أن يكون المقصود من التشقيق المذكور أحد امور يذكر و يذكر ما فيه:

الأوّل: أن يكون المقصود بالقيديّة و الظرفيّة هو الاعتبار الملحوظ حين إنشاء الحكم المستصحب مع قطع النظر عن دليل الاستصحاب، فإنّ الزمان قد يلاحظ مفرّداً للحكم أو الموضوع، و قد ينشأ الحكم في الظرف الخاصّ أو مطلقاً من دون ملاحظة مفرّديّة الزمان، و هو المظنون بقرينة ما يذكره الشيخ (قدس سره) في مسألة دوران الأمر بين التمسّك بالعامّ أو استصحاب حكم المخصّص‏ (1).

فيقال في المقام: إنّ الزمان اخذ مفرّداً، سواء كان الحكم الواقعيّ هو وجوب الجلوس في الزوال أو كان الحكم هو الوجوب المطلق من أوّل اليوم إلى آخره، و سواء كان مفرّديّته بالنسبة إلى الوقتين في المثال من قبل الزوال أو بعده أو كان ذلك بالنسبة إلى كلّ آن، فلا يجري الاستصحاب الوجوديّ بل يجري العدميّ؛ و إن كان الحكم مجعولًا على كلا التقديرين من دون لحاظ تعدّده بتعدّد الزمان من جهة تفريده بنفسه أو بالنسبة إلى الموضوع فالاستصحاب الوجوديّ جارٍ من دون العدميّ، للانتقاض.

و فيه أوّلًا: أنّ لحاظ الزمان أفراداً كما في قوله: «في كلّ آنٍ» أو «أنّى شئتم» لا يستلزم تفريد الحكم بنفسه أو بلحاظ موضوعه.

و ثانياً: أنّ لحاظ الموضوع أو الحكم متعدّداً لا يستلزم التفريد.

و ثالثاً: أنّ اعتبار التعدّد لا يوجب التعدّد الواقعيّ العرفيّ أو العقليّ، فإنّه تابع للوحدة الاتّصاليّة العرفيّة أو العقليّة.

و رابعاً: أنّه على فرض صحّة ذلك فعلى فرض عدم لحاظ التعدّد في الدليل‏

____________

(1) فرائد الاصول: ص 395.

51

يصلح استصحاب عدم الجعل بالنسبة إلى ظرف ما بعد الزوال.

و ملخّص الكلام: أنّ مقتضى القاعدة هو إجراء الاستصحابين في فرض لحاظ الزمان قيداً و في فرض لحاظه ظرفاً بالمعنى المتقدّم.

الثاني: أن يكون المقصود من أخذ الزمان قيداً دخالةَ الزمان في الحكم المستصحب كدخالة سائر القيود في الحكم، فيقال:

إنّه إن فرض الزمان قيداً للحكم أو الموضوع على كلا التقديرين، أي سواء كان الحكم عامّاً للحالتين أو كان مخصوصاً بما قبل الزوال في المثال (بأن يكون الحكم على التقدير الأوّل متعلّقاً بالمقيّدين بملاكين مختلفين، مثل أن يكون مردّداً بين تعلّق النذرين المختلفين بالجلوس قبل الزوال لشكر نعمه و الجلوس بعد الزوال زجراً مثلًا أو تعلّق نذر و أحد بخصوص الجلوس قبل الزوال) فلا يجوز في هذا الفرض استصحاب وجوب الجلوس و يجوز استصحاب عدم وجوب الجلوس بعد الزوال.

و إن فرض كونه ظرفاً على كلا التقديرين (بأن لا يكون للقيد دخلٌ على تقدير تعلّق الوجوب بما قبل الزوال و ما بعده، و هو واضح، و على تقدير تعلّقه بما قبل الزوال يكون مهملًا من حيث التقيّد) فيجوز الاستصحاب الوجوديّ دون العدميّ.

و فيه على هذا التقدير أوّلًا: ندرة فرض القيديّة في المستصحب على كلا شقّي الترديد، لوضوح أنّه على فرض عموم الوجوب لما بعد الزوال ليس إلّا بنحو الاستمرار لا الاستغراق، و لا يكون بملاك الجمع بين القيدين أو القيود.

و ثانياً: لا يكون للنظر فيه على كلا التقديرين مصداق، لأنّه إمّا أن يكون الزمان قيداً و إمّا أن يكون مردّداً بين القيديّة و الظرفيّة، فإنّ أحد الاحتمالين هو ثبوت الحكم للمقيّد دائماً، و الإهمال المتقدّم إنّما هو في مقام الإثبات، و لا يعقل الإهمال في مقام الثبوت.

و ثالثاً: ثبوت التعارض على فرض القيديّة إذا فرض ثبوت الوحدة العرفيّة

52

فكيف بما كان مردّداً بين القيديّة و الظرفيّة أي عدم دخالة الزمان في الحكم!؟.

و رابعاً: ثبوت التعارض أيضاً و لو لم يكن في البين وحدة عرفيّة في ما دار الأمر بين القيديّة و الظرفيّة، لاستصحاب وجوب الجلوس بنحو الكلّيّ القسم الأوّل، لاحتمال بقائه ببقاء الفرد المتيقّن، بل لا مانع من استصحاب الفرد أيضاً بنحو الإجمال، لا خصوص الوجوب المتعلّق بالجلوس بماله من الموضوع، لعدم إحراز موضوع المستصحب، فتأمّل.

الثالث: أن يكون المقصود ما كان الزمان ممّا له دخلٌ في الموضوع بنظر العرف كيوم الخميس و الجمعة، و يكون إسراء الحكم من الزمان الأوّل إلى الثاني من قبيل إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر. و هذا من غير فرق بين أن يكون دخيلًا في الحكم الشرعيّ أو لا- و لعلّه مبنى كلام صاحب الكفاية- و حينئذٍ يجري الوجوديّ في صورة عدم دخالته في الموضوع عرفاً، و يجري العدميّ في فرض الدخالة العرفيّة.

إن قلت: يجري الوجوديّ و العدميّ في الصورة الاولى:

أمّا الأوّل فلثبوت الاتّحاد العرفيّ، و أمّا الثاني فلثبوت الوحدة العقليّة.

قلت: لا يكون الاستصحاب إلّا بالنظر المسامحيّ العرفيّ.

أقول: فيه عدم رفع التعارض بذلك، لجريان الاستصحاب العدميّ في فرض الظرفيّة بالنظر العرفيّ أيضاً، فإنّ عدم جعل الوجوب بالنسبة إلى ما بعد الزوال المشكوك واحد مع ذلك في الفرض- كما هو واضح- فالتعارض بحاله.

و قد تعرّض بعض أعلام العصر سلّمه اللَّه تعالى لدفعه بأنّه يلزم من معارضة الأصلين عدمها، فإنّها تتوقّف على وحدة موضوع حكم الأصلين، و هي إمّا بكون الموضوع في المثال هو الجلوس بنفسه أو بكونه هو الجلوس المقيّد بما بعد الزوال، فعلى الأوّل لا يجري الاستصحاب العدميّ، للانتقاض و عدمِ اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين، و على الثاني لا يجري الوجوديّ، لعدم الحالة السابقة.