مجمع الأفكار ومطرح الأنظار - ج3

- محمد علي إسماعيل پور المزيد...
666 /
5

الجزء الثالث‏

[المقصد السادس في الأمارات‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و الحمد للّه رب العالمين الّذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا معلم البشر محمد و آله الطاهرين من الآن إلى قيام يوم الدين.

اما بعد فهذا هو المجلد الثالث من كتاب مجمع الأفكار من تقريرات بحث شيخنا العلامة الفهامة آية اللّه العظمى الحاج ميرزا هاشم الآملي أطال اللّه بقاء وجوده الشريف مدارا للعلم و لأهل التحقيق و التدقيق بيد العبد محمد علي الإسماعيل‏پور الشهرضائي القمي عفي عنه مع تذييلات من المقرر و لا حول و لا قوة إلّا باللَّه العلي العظيم.

[البحث الأول في القطع‏]

الكلام في مقدمات القطع‏

اعلم ان المكلف الملتفت إلى حكم شرعي اما ان يحصل له القطع أو الظن أو الشك و يبحث في هذا المقام بعون اللّه تعالى في ثلاث مقاصد و خاتمة:

المقصد الأول: في القطع و الثاني في الظن و الثالث في الشك و الخاتمة في التعادل و التراجيح و قبل الخوض في المقصود ينبغي رسم مقدمات.

المقدمة الأولى:

ان التقسيم إلى الثلاثة يكون باعتبار أحكام يترتب عليها

6

و هذه الأحكام هل تختص بالمجتهدين أو تعمهم و المقلدين خلاف بين الاعلام و بعبارة واضحة ان الأحكام على قسمين الفرعية: مثل الصلاة و الصوم و الحج و غيرها و الطرقية:

أعني ما يستكشف منه حكم في موارد الظن و الشك مثل حجية الخبر الواحد بتصديق العادل لإثبات وجوب صلاة الجمعة مثلا أو لا تنقض اليقين بالشك في الاستصحاب خطابا إلى المكلفين أو رفع ما لا يعلمون للبراءة أو ما في الحديث للتخيير من قوله (عليه السلام) اذن فتخير أو قوله أخوك دينك فاحتط لدينك للاشتغال.

و الأول حكم فرعي واقعي و الثاني سنخه يكون غير سنخ الأول فانها طريق للإيصال إلى الواقع في مورد الشك و الظن.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا إشكال في شمول الحكم لكل عاقل بالغ من المكلفين إذا كان من قبيل الأحكام الفرعية الواقعية و هذا مما لا شبهة فيه انما الإشكال في الأحكام في ان الطريقية منها هل تختص بالمجتهد أو الأعم منه و من المقلد و سمى الأول بالواقعي لأن نفس الصلاة مثلا تكون ذات مصلحة فأرادها المولى بخلاف القسم الثاني فان الحكم بتصديق العادل و الاستصحاب و البراءة و غيرها لا يكون من حيث ان نفس هذه الأمور تكون ذات مصلحة بل لكونها مرآتا إلى الواقع و طريقا إليه و المولى يشتاق إلى إحراز المصلحة الواقعية فيجعل الطريق إليه عند عدم إمكان العلم به و ينحفظ به مصلحة الواقع و لهذا فان أصاب فهو و إلّا فيقع فاسدا فتارة تكون المصلحة بحيث لا يرضى تركها بنحو من الأنحاء فيجعل الاحتياط في مورده و تارة لا يكون بهذه المثابة فالبراءة مجعولة مثلا و في هذا القسم الطريقي المتنازع في شموله للمقلدين و المجتهدين أو المجتهدين فقط قولان:

الأول ما قال الشيخ الحائري (قده) في أول كتابه المسمى بالدرر و هو انه يختص بالمجتهدين لوجهين الأول هو ان في موضوع الخطاب لهذه الأحكام أخذ الشك و الظن و هما يحتاجان إلى التفات تفصيلي و العوام لا يكون لهم ذلك.

و الثاني ان جريان الأصول يحتاج إلى مقدمة و هو الفحص عن المعارض في المتعارضين من الأدلة و ملاحظة الأقوى و الأضعف ثم بعد ذلك الإسقاط إذا لم يبلغ‏

7

أحدهما إلى حد الترجيح و الرجوع إلى الأصول لأن الأصل أصيل حيث لا دليل و لما لم يكن للعوام الفحص فلا يكون الخطاب متوجها إليهم مثل لا تنقض اليقين بالشك أو رفع ما لا يعلمون أو أخوك دينك فاحتط لدينك و هذه تتوجه إلى من فحص و لم يجد دليلا.

نعم نتيجة الاستصحاب و غيره تفيد العامي كمن شك في عدالة زيد العادل من قبل فيرجع إلى مجتهده و يفهم ان حكمه استصحاب ما ثبت سابقا.

و يجاب عن هذا الدليل كما عن العراقي بان نفس الخطاب عام و يكون مثل يجب الصلاة و اما عدم إمكان تفحص الغافل فنفرض غير المجتهد كالطلاب البالغين إلى رتبة التفحص و العوام الصرف يكون المجتهد نائبا من قبلهم في التفحص كما يجتهد لهم في مسائل الخمس و الزكاة و لو كان ممن كان فقيرا لا يحتاج إلى إثبات الحكم في حق نفسه و أيضا الشك للعوام ممكن كما انه يفهم حكم من الأحكام في مورد ثم يشك لتبدل بعض حالات المورد فيسأل عن حكمه بعده.

و الحاصل: ان التكليف عام و كل الناس فيه شركاء و من ثمرات كون المجتهد نائبا عن العوام و لا يكون مخصوصا بالحكم هو الرجوع إلى الأعلم في الكبرى و الصغرى فرب مجتهد هو أعلم في تنقيح القواعد و رب طلبة هو أعلم في التطبيق فإذا علم شخص طريقة التطبيق لا يجوز له تقليد المجتهد في ذلك المورد بخلاف صورة كون الخطاب مختصا به فإن شئونه أيضا فيهم من قبله لا من قبل المقلد:

لا يقال ان روايات رفع القلم عن الصبي يعلم منها ان الخطابات لا تكون لجميع البشر: لأنا نقول ان المميزين لا شبهة في شمول الخطاب لهم و المجتهد نائب عن المقلد في استنباط الحكم فانه ينزل نفسه لعلوه منزلة نفس جميع المقلدين و بعد التنزيل فكأن المخاطب يكون هو المقلد و أدلة رجوع الجاهل إلى العالم التي تكون سند التقليد يكون مقتضاها هذا النحو من النيابة و لو سلم اختصاص الخطابات الطرقية بالمجتهد فلا شبهة ان الجري العملي يكون في المقلدين فان أحكام الحيض من الاستصحاب و غيره لا يكون له ثمرة للمجتهد الّذي لا يكون من النساء فإذا قيل‏

8

لا تنقض اليقين لا يكون معناه الاعتقاد بذلك و لا ثمرة له بل يكون معناه الجري العملي و هو في بعض الأحكام مختص بالمقلد و في بعضها يشترك مع المجتهد و لهذا قال بعض الظرفاء في المقام ان المجتهد يكون دخيلا في الحكم عنوانا و المقلد عملا و هذا كلام خفي معناه علينا.

فتحصل ان الأحكام تشمل المجتهد و المقلد سواء كانت طريقية أو فرعية و المجتهد نائب عن المقلد في كل ما لا يفهمه و الثمرة [1] ما ذكرناه.

____________

[1]: أقول لا فرق بين الأحكام الطرقية و الفرعية في عدم قدرة المكلف على استنباطه كما أشار إليه مد ظله و على فرض شمول الحكم و الخطاب للمقلد أيضا ترتب الثمرة من كون نظر المقلد دخيلا في التطبيق محل النّظر لأن الفقهاء من البدو إلى الختم لم يبينوا الأحكام لمقلديهم كذلك مع كون الخطاب لجميع المكلفين.

و ما ذكر من ان المقلد ربما يكون له نظر في تطبيق الكبرى على الصغرى مثل ما مثل بأنه ربما يفهم ان الاستصحاب يكون تنزيل الشك منزلة اليقين في مقابل من يقول بأنه يكون تنزيل المشكوك منزلة المتيقن فلا وجه له بالنسبة إلى المقلد الغير المتجزي في الاجتهاد و ان استدل على ذلك فهو مجتهد متجزّي و البحث في غير المجتهد لأن الاجتهاد ليس إلّا فهم الكبريات و تطبيقها على صغرياتها سواء كان الكبرى فقهية أو أصولية و لا نقول ان المجتهد نائب عن المقلد حتى نحتاج إلى تنزيل بدني أو نفسي منه لمقلده ليكون التكليف متوجها إليه.

بل نقول كما ان اللّه تعالى جعل وسائط لا لإيصال التكليف إلى المكلفين مثل إرسال الرسل أو إنزال الكتب كذلك جعل المفسرين لتكاليف حتى يفهم المقلد ما هو تكليفه فكما ان الأئمة (عليهم السلام) ليسوا نائبين عنا و يفسرون القرآن فكذلك المجتهدون اللذين هم مقامهم يفسرون كلامهم للعوام و لذا يكون الاجتهاد من الواجبات الكفائية و انه لا يكون نيابة بالمعنى الاصطلاحي عن المقلدين فالتكليف متوجه إلى جميع الناس و لكن يجب إفهامهم إياه و من الوسائل لإفهامهم وجود المجتهد كما ان من الوسائل للوصول إليه إرسال الرسل و الأوصياء و هذا المعنى أوفق بالذهن و الخارج أيضا كذلك.

9

المقدمة الثانية

في طريق جعل الأحكام و كيفيتها و الأقوال الواردة فيها فنقول ان الأقوال و المسالك هنا أربعة: الأول: ان يكون في موارد الأصول و الأمارات أحكام ظاهرية مجعولة و الثاني: ان لا يكون حكم ظاهري أصلا بل الأحكام كلها واقعية و مفاد الأصول و الأمارات هو انحفاظ الواقع كما هو التحقيق و الثالث: ان يكون الأحكام الظاهرية في موارد الأصول مجعولة في طول الواقعية و هو مذهب الخراسانيّ (قده) دون الأمارات و الرابع: عكس الثالث و هو ان تكون في مورد الأمارات مجعولة دون الأصول.

ثم ان عرفت ذلك فقد ورد في تثليث الشيخ الأقسام إلى القطع و الظن و الشك إشكالات: الأول: هو ان المراد بالحكم ان كان الواقعي منه لا خصيصة للقطع لأنه على مسلكه (قده) لنا أحكام ظاهرية و لا يمكن ان يكون مراده القطع فقط و ان كان أعم من الظاهري و الواقعي فلا وجه للتثليث لأن الأمارات و الأصول إذا كان في موردها حكم ظاهري ففي جميع الموارد يحصل القطع بالحكم الكذائي و لا ظن و لا شك و ان كان المسلك مسلك من قال في الأمارات بالحكم الظاهري في موردها فيصير قسمين القطع و الشك لأن الظن داخل تحت القطع و ان كان المسلك مسلك من قال بالحكم الظاهري في الأصول فأيضا يصير قسمين لأن الشك داخل في القطع فيبقى قسمان القطع و الظن:

و الحاصل على أي تقدير يصير الحكم الظاهري داخلا في الحكم الواقعي و لا وجه للتثليث:

و التحقيق. ان انقسامه إلى الثلاثة صحيح على ما ذهب إليه من انه لا حكم ظاهري لنا أصلا بل كلها واقعية و لا أثر في الاخبار من هذا المقال و على هذا فتقسيم الشيخ في غاية المتانة لأن المكلف بحسب الوجدان يحصل له هذه الأقسام و العدول عنه على جميع التقادير يصير بلا وجه و غير تام لأن النّفس لا محالة يحصل له‏

10

القطع أو الظن أو الشك و لو صارت بعد التأمل قاطعة بالحكم و لكن في الموارد التي لنا أصول عقلية مثل الانسداد على الحكومة و الأصول العقلية الغير المجعولة شرعا لا تكون حكما واقعيا و لا حكم واقعي في مورده و لا ظاهري بل مجرد حكم العقل قاض هنا و معنى الانسداد على الحكومة هو كون العقل حاكما بالعمل بالظن و اما على الكشف فمعناه استكشاف حكم الشرع ظاهرا فمفاده من الأحكام الظاهرية على هذا الفرض لا العقلية: و ما قال الخراسانيّ لا يصح لا على مسلك القدماء و لا الشيخ.

الثاني: هو ان جرم هذا التقسيم يكون هادما للشركة لأن الظن إذا كان غير معتبر يكون من أقسام الشك و الشك إذا صار معتبرا عند الشارع يصير من أقسام الظن مثل موارد الظن القياسي في الأول و قاعدة الفراغ في الثاني فالواجب في التعبير ان يقال ان المكلف الملتفت إلى حكم شرعي اما ان يحصل له القطع أولا و على الثاني اما ان يكون له طريق معتبر أو لا كالأصول العقلية للشاك فلا تثليث و هذا ما أورده المحقق الخراسانيّ (قده) عليه.

و فيه انه لا وجه لإشكاله (قده) لأن مراد الشيخ (ره) لا يكون بيان الحجج من حيث هي حجة بقوله اما ان يحصل له القطع أو الظن أو الشك حتى يشكل عليه و انما مراده ان يبين ان للحجة أحوالات مختلفة فبعضها لا يقبل الجعل لا نفيا و لا ثباتا مثل القطع و بعضها يقبل مثل الظن و بعضها لا جعل في مورده و هو الشك.

و ما مر من ان غير القاطع اما ان يحصل له طريق معتبر أو لا: يكون نتيجة فهم الحجة و نحن كنا بصدد فهم نفس الحجة و الاعتبار و عدمه يكون بعد حصول الصفات النفسانيّة و التفحص في طلب الحكم [1].

____________

[1] و أضف إليه ان الخراسانيّ (قده) على فرضه أيضا يمكن ان لا يكون التقسيم ثنائيا بل يكون من الدوران بين الوجود و العدم لأن المكلف اما ان يحصل له القطع بالوظيفة و لو من باب الأصول الشرعية و العقلية أو لا يحصل فالمتين هو رأى الشيخ (قده) على حسب اقسامه و أغراضه المترتبة عليها.

11

و الثالث: و هو إشكال دقيق يجب دقة النّظر فيه و هو ان ما قيل من ان المكلف الملتفت إلى الحكم إلخ. ما المراد من الحكم فيه فان كان المراد الحكم الفعلي فلا يمكن لأنه محال فالشاك في الحكم الفعلي لا يمكن ان يكون موضوعا لحكم فعلى لأن إحراز الموضوع قبل الحكم لازم و الشاك في حال شكه لا يغفل ان يكون موضوعا للحكم الفعلي و الفعلية تكون في رتبة متأخرة فلا يمكن أخذها في الموضوع و بعبارة واضحة الفعلية تأتى من قبل الجعل و وظيفة الأمارات و الأصول هي صيرورة الواقع فعليا فإذا نظرت بدليل اعتبار الشك أو الظن يحصل لك حكم فعلى بجميع الجهات و ان كان المراد الحكم الشأني فبعد العلم به و الكشف عنه لا يحصل لنا تكليف فالعالم بوجوب الصلاة مثلا شأنيا لا يجب عليه الصلاة فلا فائدة لإثباته.

ثم هنا شبهة أخرى عويصة و هي ان المولى ان كان مراده بالاحكام الأحكام الواقعية مثل وجوب الصلاة فلأي وجه جعل الأمارة حتى يفوت الواقع.

و حل الإشكال هو ان المصلحة تارة تقتضي ان يجعل الواقع و ان يبين بعده ما يكون بمنزلة الأسطوانة له لئلا يفوت على أي نحو كان فيجعل الاحتياط في مورده لشدة علاقته بالواقع مثل الفروج و الدماء: و تارة تكون المصلحة في التقنين بما إذا لم يبلغ به أيادي الفاسدة و لم يمنع من إيصاله إلى الناس فهو و إلّا فيجعل الأمارة و لا مصلحة أكثر من ذلك و لو كان الاحتياط حسن في كل حال و هذا يقال له الفعلية من قبل الأمر و لا يكون فعليا حتى في ظرف الشك.

فإذا عرفت ذلك فيظهر لك الجواب عن الإشكال الثالث و هو ان يقال ان المراد بالحكم هو الفعلي لكن الفعلي من قبل الأمر و بالقطع يصبر فعليا من جميع الجهات للعبد و كذا دليل الأمارة و الأصل كالقطع يتم الفعلية فلها رتبتان رتبة من قبل الأمر و رتبة من قبل المأمور و القول بان متعلق الشك يكون شأنيا لا وجه له أصلا كما مر الأعلى مسلك من قال بان العلم يكون متمما للفعلية و التنجيز فكلام الشيخ صحيح لأن المتعلق هو الحكم الفعلي و الإنشاء لا فائدة تحته.

12

المقدمة الثالثة

قد مر تنويع الأبواب و المقاصد إلى ثلاثة و الثالث منها هو المقصد الذي يكون في الشك و هنا تقسيم آخر عقلي في مجاري الشك فان الشاك في الحكم الواقعي لا يخرج عن أربعة أحوال بحصر عقلي لأن الجاعل للوظيفة اما ان يلاحظ الحالة السابقة كما هو التحقيق في جعله و لا فرق في الشاك في الحكم مثل من شك في وجوب صلاة الجمعة بعد ما كان واجبا لاحتماله إقامتها في أقل من فرسخ أو موضوع ذي حكم مثل من شك في الوضوء الكائن قبل الشك و يقال للحكم الملاحظ فيه الحالة السابقة الاستصحاب و لا يخفى انه يعتبر فيه شيئان الحالة السابقة و لحاظها في مقام الجعل بقوله لا تنقض اليقين بالشك و اما لا يعلم الحالة السابقة و لا يعلم جنس التكليف أيضا فيصير ذا شبهة بدوية مثل الشك في نجاسة عرق الجنب من الحرام و مع عدم علم إجمالي في البين فيكون مجرى البراءة بقوله رفع ما لا يعلمون و قبح العقاب بلا بيان و غيرهما.

و اما لا يعلم الحالة السابقة و لكن يعلم جنس التكليف إجمالا ففي هذه الصورة اما ان يمكن الاحتياط أو لا مثل العلم بنجاسة أحد الإناءين اما الأحمر أو الأبيض فيكون مجرى الاحتياط لإمكانه و اما ان لا يمكن الاحتياط مع العلم بجنس التكليف مثل الشك في حرمة صلاة الجمعة و وجوبها فيدور الأمر بين المحذورين فيكون مورد التخيير و يكون موضوعا لأصله و أطوار وجود الشاك لا يكون خارجا مما ذكر و قد أورد هنا أيضا إشكالات و هي ان هذه التعاريف يتداخل بعضها في بعض فالأوّل مثل مجرى الاستصحاب كان موضوعه العلم بالحالة السابقة ففي الشك في المقتضى مثل ما إذا كان الحيوان موجودا في الدار و لا يدرى انه فيل حتى يبقى أو بق حتى لا يكون بعد ثلاثة أيام باقيا يجري البراءة مع وجود الحالة السابقة.

و الجواب عن هذا واضح لأنا اعتبرنا في موضوع الاستصحاب امرين الأول الحالة السابقة و الثاني لحاظها و هنا و ان كانت الحالة السابقة موجودة و لكن لا تلاحظ

13

فلا يجري الاستصحاب لذلك و عبارات الشيخ مختلفة ففي بعضها ذكر الحالة السابقة و في بعضها لم يذكر.

الثاني. قلتم ان من موارد الاحتياط ما إذا كان علم إجمالي و يمكن الاحتياط ففي ما إذا وجد أمارة لتعيين أحد طرفي علم الإجمالي كيف تحكمون بعدم الاحتياط و جوابه أيضا واضح لأن الأمارة ترفع موضوع الأصل و الأصل أصل حيث لا دليل الثالث: و هو ان أحد الأصول هو أصالة التخيير التي كانت في الصورة الرابعة من الحصر و مرجعها إلى البراءة لأن المخير اما ان يفعل و اما ان لا يفعل فلا حكم له فهو مثل من يجري البراءة و العلم الإجمالي يسقط عن درجة الاعتبار و قبح العقاب بلا بيان يجري في كلا طرفيه مثل من شك في حرمة صلاة الجمعة فان قبح العقاب بلا بيان جار في الطرفين.

و الجواب عنه ان البراءة العقلية في هذه الصورة غير معقولة لأن البيان في الرتبة المتقدمة موجود و العلم الإجمالي في المورد لما كان ترجيح أحد طرفيه بلا مرجح و ان الاحتياط غير ممكن فالعقل يحكم بالتخيير و الحاصل ان العقل يسقط العلم الإجمالي عن درجة الاعتبار و يكون بيانا.

ثم اعلم ان الأقوال قد اختلف في انه هل يكون للعقل حكم وراء الدرك أم لا فان الشيخ و الخراسانيّ (قدهما) على الأول و هو التحقيق و جماعة من الفلاسفة و بعض الأصوليين تبعا لهم على الثاني و حاصل البيان للأول هو ان العقل في المرتبة الأولى يتصور الحكم أي امر المولى و يتصور ثانيا مملوية المصلحة في الإتيان فيحكم بوجوبه و كذا إذا كان الحكم نهيا مولويا يتصور كذلك فيحكم بالزجر عنه ثم في مقام الامتثال اما ان يمتثل أو لا كما ان الموالي أيضا يفعلون كذلك أي يتصورون المصلحة التامة أو المفسدة التامة في العمل ثم يأمرون أو ينهون و المكلف في مقام العمل اما ان يتمثل أو لا و لذا نقول الحكم بوجوب إطاعة المولى لا يكون إلّا من العقل فإن المولى ان امر أو نهى لا دليل على وجوب متابعته الا حكم العقل و ما ورد من قوله تعالى أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول: ليس إلّا إرشاديا محضا و لو فرضنا

14

وجوبه من قبل الأمر المولوي يصير دورا لأن وجوب الإطاعة متوقف على الأمر فلو كان نفس هذا الأمر سببا لوجوبه يلزم تقدم الشي‏ء على علته فلا شبهة في ان العقل يكون له حكم و انه رسول باطني كما ان الشرع عقل من الخارج و اما القائلون [1] بأنه ليس للعقل حكم فيقولون بأنه ليس شأن العقل الا الدرك و لا يكون له امر و لا نهى فليس لنا أحكام عقلية.

المقدمة الرابعة

في ان البحث عن القطع هل هو بحث أصولي أو كلامي مع الإذعان بان البحث عن غيره يكون أصوليا و ينتج البحث عنه أحكاما كبروية تنطبق على الصغريات في الفقه و حيث ان القطع لا يكون وسطا في إثبات الحكم للأصغر حتى يكون نتيجة ترتيب المقدمات و لا يطلق عليه الحجة اصطلاحا لأنها هي ما يوجب القطع و هو نفسه طريق و كشف للواقع أشكل في المقام من حيث كونه بحثا أصوليا.

و لكن التحقيق كونه بحثا أصوليا لأن البحث الأصولي هو الّذي ينتج في الفقه و يكون نتيجته كبرى للصغريات و البحث عن شئون القطع ينتج في الفقه من‏

____________

[1]: أقول كما اعترف الأستاذ مد ظله انهم قائلون بأن العقل يدرك المصطلحة و المفسدة أي لزوم الإتيان و عدمه و لكن بظني ان هذا نزاع لفظي لأن معنى درك لزوم الإتيان و درك ان التارك مذموم يكفى في ان لا يكون للمكلف عذر في مقابل العقل.

فان شئت سمه حكم العقل و قل انه حاكم لأن معنى الحكم في العقل المنفصل و هو الشرع هو جعل المكلف بحيث لا يكون له عذر عند نفسه و لو فرض ان الشرع ألقى ما في نفسه من المصلحة الملزمة و دركه للزوم الإتيان بدون الأبزار المعمولة من الأمر و النهي المعمول لكان هذا الشخص معاقبا لتركه المأمور به أو المنهي عنه و لكن ليس هذا هو المعمول فحكم العقل هو دركه لزوم الإتيان و دركه كذلك هو حكمه فيصير النزاع في تسمية هذا الواقع حكما أو دركا كما انه مد ظله في الدورة السابقة مال إلى هذا المعنى.

15

حيث انه لا تناله يد الجعل إثباتا و نفيا إذا كان طريقيا أو جزء الموضوع و غيره فإذا كان لشي‏ء دخلا ما في الفقه يكفى لكون البحث عنه أصوليا و لو كان الإشكال فيه عدم صيرورته وسطا في الإثبات بأن يقال هذا مقطوع الحرمة و كل مقطوع الحرمة فهو حرام فهذا حرام في صورة كونه طريقيا فيجي‏ء في الظن أيضا فانه لا يقال هذا مظنون الحرمة و كل مظنون الحرمة حرام فهذا حرام حيث كان الحكم على الواقع فانه ما وقع الظن وسطا في الإثبات في القطع الطريقي فأمر البحث في كونه بحثا أصوليا سهل لإمكان الاستنتاج منه في الفقه بأدنى مناسبة.

إذا عرفت تلك المقدمات فلنشرع في المقصود بعون اللّه تعالى.

الأمر الأول في أحكام القطع و له جهات ثلاثة

أو أربعة فكلما تحقق القطع بحكم تكليفي ينشأ هذه الجهات:

الأولى في ان القطع يكشف عن الواقع أو لا:

و هذه الكاشفية اما أن تكون نفسه أو من لوازمه و على تقدير كونه نورا يكشف به الواقع فان أصاب فهو و إلّا فيقال له الكشف الزعمي فان من قطع بأن في الدار أسدا فان كان الأسد واقعا في الدار فهو و إلّا يكون هذا القطع بزعمه قطعا و لا واقع له و الكاشفية تكون من آثاره الذاتيّة التكوينية و لوازمه أيضا تكوينية.

و ثانيا بعد القطع و انكشاف الواقع بالوجدان يوجد شي‏ء و هو حكم العقل بأن من علم بأن الصلاة مثلا تكون واجبة بأن الإطاعة حسنة و المخالفة قبيحة.

و ثالثا ان المؤاخذة من قبل المولى حسن على من ترك المأمور به و لم ينته عن المنهي عنه لعدم حصول غرضه فبعد درك العقل ذلك أو حكمه بقبح المخالفة و حسن الموافقة و المؤاخذة فمن الآمر يوجد شي‏ء آخر و هو ان من رتب المقدمات العقلية بعد القطع ينقدح الداعي في نفسه و جرى على نحو مطلوب المولى لأن كل عاقل إذا علم ان التكليف موجود و يعلم الثواب و العقاب يعمل ما هو المأمور به مثل من كان عطشان و يعلم الهلاكة بترك شرب الماء الموجود فانه يشرب الماء قهرا

16

لحفظ نفسه و المرتبة الثانية يقال لها باب التحسين و التقبيح.

فالحاصل، قد علمت ان من لوازم القطع الانكشاف و حكم العقل بالثواب و العقاب و الجري العملي القهري لمن حصل له ذلك و الأول ذاتي القطع و الثاني حكم العقل و الثالث قهري و هذا الترتيب لازم و لو على مذهب الأشعري المنكر للحسن و القبح العقلي فان دفع الضرر يكون فطري الحيوانات فضلا عن الإنسان العاقل.

و بعبارة واضحة لا شبهة و لا ريب انه إذا قطعنا بحكم من الأحكام أو موضوع من الموضوعات يكون الانكشاف ضروريا حتى في الأمور المعمولة العرفية بنحو لا يرى القطع أصلا و لا يتوجه إليه و حكم العقل أيضا من أثر القطع و مركزه هو التحسين و التقبيح فإذا تحقق المرتبتان يكون بعدهما جرى عملي و انقداح الداعي عمل فطري لا حكم العقل.

ثم ان هذه الآثار لا تنالها يد الجعل تكوينا إثباتا و نفيا لأن الجعل التكويني يكون بجعل الماهية فانه ما جعل اللّه المشمشة مشمشة بل أوجدها كما قال الشيخ الرئيس فإذا جعل المشمشة ينجعل المشمشية و لا يمكن جعل الشي‏ء ثم جعل لوازمه و الجعل التركيبي بين الشي‏ء و ذاتياته لغو فالناطقية جعلها وجودها و الآثار في القطع كذلك فإذا وجد القطع يوجد لوازمه من حكم العقل و الجري العملي الذي هو لازم اللازم و أثر الأثر فهو أثر أو لازم أيضا و لكن مع واسطة حكم العقل.

و هذا يكون مراد من كان أهلا لفن الفلسفة من استحالة جعل اللوازم و لا تناله يد الجعل تشريعا فانه و ان كان من مسلك الشارع تشريع بعض الأحكام و جعله مثل الزوجية و الملكية و غيرهما بالصيغة المخصوصة أو جعل الأمارات و الأصول طريقا للواقع إلّا انه يكون لفقد الأصول و الأمارات الكاشفية و ما يكون بنفسه كاشفا لا معنى لجعل الكاشفية له مثل القطع و كلما لا تناله يد الجعل تكوينا لا تناله تشريعا.

و الحاصل انه إذا تحقق القطع في الخارج يتحقق ثلاث آثار انكشاف الواقع و حكم العقل بحسن الإطاعة و قبح المعصية و دركه و انقداح الداعي بعد الحكم و لا يقبل‏

17

ردع الشارع بنحو من الأنحاء لأن النهي عن المنجزية و عن ما يكون ذاته النور محال اما المرتبة الأولى: و هي الانكشاف فلا تقبل المنع لأن مقتضاه و ذاتيه الكشف فان مثله مثل من له العين و لا يكون له مانع عن الرؤية من الظلمة و عدم إرادة النّظر [1] و عدم الحائل بينه و بين المرئي فانه يرى لا محالة و يستحيل ان يقال أيها الناظر لا تر لأن الرؤية لا محالة يترتب عليه.

و مثل الماء فان من ذاتياته البرودة و لا يمكن نفى البرودة عنه لأن عدمها يكون عند عدمه و إلّا فما دام الماء موجودا فيلازم مع البرودة و القطع أيضا كذلك فما دام كونه موجودا لا يمكن رفع الكاشفية عنه نعم يمكن التشكيك في مقدماته ليصير القطع معدوما و بالنتيجة يرتفع اثره بارتفاعه أو بجعله ناسيا.

ثم للقطع بعد الكاشفية أثران و هو حسن المؤاخذة من جهة المولى عند المخالفة و حسن الموافقة و قبح المعصية من طرف العبد فالعقل إذا أدرك ذلك يحكم لا محالة بحسن العقاب و الثواب و لا يمكن ردع الشارع إيانا عن هذا الأثر أيضا بقوله ان الموافقة قبيحة و العصيان حسن و الفطرة تقضى بذلك و علته هي ان العلماء قالوا ان العقل يكون منجزا و عباراتهم هنا مختلفة فبعضهم يعبر بالمنجزية و بعضهم بدرك العقل الحسن و القبح أو بحكمه بهما و لكن عباراتهم شتى و المعنى واحد فان مرجع الجميع إلى حسن الموافقة و قبح المؤاخذة و لا معنى لقول الشارع اجتنب عن الخمر إذا قال بعده ان المعصية لا منع منها فان معنى الردع هو الترخيص في الفعل و علة الترخيص هي ان حكم العقل منجز و ليس له حالة منتظرة و بعد المنجزية فالترخيص في الفعل لا يكون من دأب الشارع و بعبارة واضحة: الحكم العقلي على قسمين الأول ان يكون معلقا على امر من الأمور مثل العلم الإجمالي عند من يراه مقتضيا لا علة تامة لكشف الواقع فانه‏

____________

[1] أقول هذا إشارة إلى ما هو التحقيق في باب الرؤية من انها تحصل بتوجه النّفس و لا يكفى عدم المانع و مقابلة المرئي كما نرى عدم حصول الرؤية بمجرد حصول سائر الشرائط و هو صدر الآراء الّذي هو رأى الملا صدرا الشيرازي قده.

18

حكم عقلي معلق على عدم ترخيص الشارع على خلاف ما يقتضيه نعم المخالفة القطعية قبيحة فان من يعلم نجاسة أحد الإناءين قطعا لا يمكن الترخيص في ارتكابها و اما ترخيص أحد طرفي العلم الإجمالي لا منع منه لأن المقتضى لعدم ارتكابه كان هو عدم البيان و الترخيص بيان.

الثاني ان لا يكون معلقا على امر بل يكون منجزا من الأول بدون حالة منتظرة مثل العلم التفصيلي بحرمة شرب الخمر و هذا القسم لا يمكن الترخيص فيه لأن حكم العقل بحسن المؤاخذة و قبح المخالفة و حسن الإطاعة لا ينوط بشي‏ء و لا يكون معلقا على شي‏ء.

فتحصل ان الحكم العقلي التنجيزي لا يقبل الردع: و بعبارة أخرى ان حكم العقل لا يمكن الردع عنه لأنه بعد امر المولى و حكم العقل بوجوب الإطاعة يكون المنع عن المتابعة ترخيصا في المعصية و هو قبيح حتى من الأشعري القائل بعدم الحسن و القبح في صورة كون العقل له حكم تنجيزي و اما إذا كان تعليقيا فلا إشكال في الردع عنه لأنه من الأول كان منوطا بعدم البيان و الردع بيان: هذا على مسلك التحقيق من ان للعقل حكما و هكذا على مسلك القائلين بأنه ليس للعقل الا الدرك فان درك لزوم المتابعة و قبح تركها يلازم عدم إمكان المنع عنه في التنجيزي دون التعليقي.

و قد يستدل لبطلان الترخيص بتقرير آخر و هو ان الردع عن القطع يستلزم اما اجتماع الضدين أو النقيضين أو التسلسل بيان ذلك هو انه لو علم ان الخمر حرام يفهم ان الشارع زجر عنه و الترخيص في الموضوع الكذائي يستلزم ان يكون هنا حكمان متضادان في موضوع واحد و الضدان امران وجوديان لا يجتمعان فان معنى الردع هو الترخيص في المعصية فيصير شرب الخمر مثلا مباحا و حراما و هو كما ترى.

و الثاني و هو التناقض فيكون في حكم العقل لأن حسن موافقة المولى لا يجتمع مع حسن مخالفته و عصيانه فان الاجتناب عن الخمر إذا صار حراما يحكم العقل بحسن‏

19

الانزجار و المؤاخذة على الارتكاب و الترخيص يقتضى انقلاب حكم العقل في آن واحد فان ما حكم به العقل اما ان يكون حسنا أو قبيحا و ليس بينهما شي‏ء.

و الحاصل لا يمكن ان يكون للعقل في آن واحد حكمان منجزان.

و اما ما ذهب إليه بعض الاعلام من ان الموضوع للحكمين متعدد لأن موضوع اجتنب يكون هو الخمر و موضوع الترخيص يكون هو مقطوع الخمرية.

فيكون القطع فيه جزء الموضوع فلا يستلزم اجتماع النقيضين فإذا صار القطع جزء الموضوع فلا إشكال و الاعلام بعباراتهم المختلفة يريدون معنى واحد نعم ان كان حكم العقل غير منجز مثل الظن القياسي أو يكون من الأول معلقا فيجوز الترخيص من الشارع مثل من قال لولده أعط إجارة المنزل إذا بلغ رأس الشهر إن لم أرسل إليك كتابا اذكر فيه المنع عنه و الترخيص في تركه فكان الأمر في ذلك من الأول معلقا على عدم الترخيص و حكم العقل يكون هو الاجتناب ان لم يكن الترخيص من المولى.

و اما بيان التسلسل فهو انه إذا قطعنا بان الخمر حرام قطعا شخصيا فينتج وجوب العمل فان لم يكن الوجوب ثابتا و قطع بان هذا القطع مردوع عنه فننقل الكلام في القطع بالردع فنحتمل ان يكون هو أيضا مردوعا عنه فننقل الكلام إلى ما يئول إليه هذا القطع أيضا فيتسلسل و هو كما ترى فإذا قطعنا بان الخمر مثلا حرام ثم قطعنا بالردع عن هذا القطع فالقطع بالردع أيضا يكون فردا من القطع فيحتمل ان لا يكون حجة.

ثم انه ينقض الأثر الثاني من القطع بالظن القياسي و هو الحكم لا محالة بعد القطع بحسن الموافقة و قبح المخالفة. بيان ذلك انه إذا تم دليل الانسداد على الحكومة التي تكون من الأحكام العقلية بخلاف كونه كاشفا فانه يكون من الأدلة الظاهرية الشرعية على الحكم من عدم العلم و عسر الاحتياط و غيرهما و كان هنا ظن حاصل من القياس مثل قياس ماء الشعير قبل النش بالنبيذ فنتيجة الانسداد هنا هي اتباع هذا الظن القياسي و هذا يكون حكما مستقلا من العقل و الشرع منع عن اتباع هذا الظن‏

20

فحكم العقل يمكن ردع الشارع عنه كما رأيت و لا فرق بين القطع و الظن في ذلك بنظر المستشكل و الناقض.

و بعبارة أخرى القطع مشترك مع الظن في انه المنجز ان أصاب الواقع و المعذر ان لم يصبه و الظن في باب الانسداد على الحكومة حيث يكون مما يستفاد من حكم العقل حجيته لا يمكن الردع عنه فكيف لا يكون الظن الحاصل من القياس حجة و ردع الشارع عنه.

و الجواب ان حكم العقل بوجود متابعة القطع تنجيزي و لا يمكن ان يردع عنه الشارع ما دام القطع موجودا إلّا ان يصيّر القاطع مشكوكا و كلام المقنن يمكن ان يكون سببا لأخذ أصل القطع من القاطع و إلّا فلا يمكن التشكيك في منجزية قطعه، هذا في القطع:

اما الظن فلا يكون انكشافه عن الواقع و استقلال العقل بالحسن و القبح بموافقته و مخالفته تنجيزيا بل يكون معلقا و منوطا بان لا يكون من الشارع حكم على خلافه و الظن لا يغنى من الحق شيئا و اما علة جعله حجة فلان باب العلم منسد و لا طريق إلى العلمي أيضا فإذا ردع الشارع عن القياس علمنا بان هذا الظن غير منجز و العمل على طبقه باطل فنحكم بجواز شرب ماء الشعير قبل النش مثلا.

و الحاصل ان القطع لا تناله يد الجعل إثباتا و نفيا تشريعا و تكوينا نعم يمكن النفي تكوينا بجعل القاطع غير قاطع و لا فرق فيما ذكرنا بين قولنا بان للعقل حكما و قول من يقول ليس شأن العقل الا الدرك لأن الواقع إذا كان مستورا و يكون الظن طريقا ناقصا إليه يمكن ان يجعل الحكم على خلافه مثل ان يقال مظنون الحرمة بالظن القياسي حلال و هذا بخلاف القطع فانه لا يمكن ان يقال ان مقطوع الحرمة حلال و إلّا يلزم الترخيص في المعصية.

و اما المرحلة الثالثة: و هي انقداح الداعي بعد حكم العقل بالحسن و القبح فلا يكون مقام التفوه للإشكال عليه لأنه يقتضى نقض الغرض و هذا فطري لكل أحد حتى الحيوانات لأن من علم ان هذا سم و ان السم قاتل و يحب حياته لا يمكن‏

21

ان لا يمنع نفسه عنه و إلّا فنقض غرضه و هو إبقاء الحياة مثلا.

فتحصل من جميع ما ذكرنا ان القطع له ثلاثة آثار ذاتي و عقلي و فطري فالكشف ذاتي و الحسن و القبح عقلي و انقداح الداعي فطري.

ثم هل يكون حكم العقل من آثار المنكشف بالقطع أو من آثار القطع مثلا هل يكون حكم العقل من أثر السم المنكشف بالقطع أو من أثر القطع و لو لم يكن في الواقع سم فيه خلاف: قال النائيني (قده) تبعا لبعض عبارات الشيخ (قده) انه يكون من آثار المنكشف بالقطع فان من علم ان هذا خمر يحكم عقله بالاجتناب و قبح الارتكاب من باب ان المصلحة تكون في الواقع لا في القطع فينزجر.

و لكن هذا خلاف التحقيق كما عن العراقي تبعا لبعض عبارات الشيخ أيضا لأن حكم العقل يكون من آثار نفس القطع الطريقي و هو الصفة الحاصلة عند الوجدان فمن قطع بأن في الدار أسدا يفر و لو لم يكن فيه إلّا هرّة أو لم يكن فيه شي‏ء أصلا و هذه الآثار من حكم العقل و انقداح الداعي يكون من أثر القطع الوجداني و مربوط بتصوراته فالكشف و حكم العقل بالحسن و القبح و انقداح الداعي يحصل بواسطة الوجدان كما انه يحصل القطع مثلا بحرمة العصير العنبي و يجب الاجتناب عنه ثم يظهر انه في الواقع حلال فالواقع لا يكون مؤثرا تاما و لا جزء مؤثر نعم الآثار التي تكون للواقع الواقعي غير مربوطة بالقطع.

الجهة الثانية

من أحكام القطع هو انه هل يطلق الحجة على القطع بأقسامه المنطقي و اللغوي و الأصولي أم لا.

اشتهر بين الاعلام عدم إطلاق الحجة المنطقية على القطع و إطلاقها على الظن صحيح و لتوضيح المقام نقدم مقدمة و هي ان القطع و الظن كما سيجي‏ء تارة يكونان طريقيين و تارة موضوعيين أعنى تارة يصير القطع و الظن طريقا محضا و أخرى تكون نفسها موضوعا لحكم مثل ان يقال إذا قطعت بشرب الخمر يجب‏

22

عليك الشهادة أو يقال إذا ظننت بالخمر يجب الشهادة بنحو يكون الموضوع المقطوع الخمرية و المظنون الخمرية و الحجة أيضا كما أشير إليها على ثلاثة أقسام منطقية و أصولية و لغوية و اللغوية معناها ما يحتج بها العبد أو غيره لغيره فهو الحجة و الحجة في المنطق تطلق على ما يكون سببا لإثبات الأكبر للأصغر و يجب ان يكون للوسط ربطا بالعلية أو المعلولية كما حرر في محله في اصطلاحهم و الحجة في الأصول تطلق على ما يصير سببا لإثبات الحكم المتعلق سواء كانت علة له أم لا مثل قيام الأمارة على ان هذا خمر و حرام فيثبت الخمرية و الحرمة بمجرد قول الشارع بتصديق العادل في ذلك سواء كان في الواقع أيضا كذلك أم لا و لا فرق بين أن يكون المتعلق حكما أو موضوعا ذا حكم.

فإذا علمت ذلك فنقول إطلاق الحجة اللغوية على القطع لا شبهة فيه بل يقول النائيني (قده) يكون هو أظهر افراد حجج اللغوي بل سائر الحجج يكون بالنسبة إليها مثل نسبة ما بالعرض إلى ما بالذات و كل ما يكون حجة بين الموالي و العبيد يكون هو القطع الطريقي كما انه لا شبهة في ان إطلاق الحجة المنطقية عليه غير صحيح و لا يمكن تشكيل القياس بواسطته لأن الطريقي منه لا يكون مولّد مصلحة أصلا فإذا قطع بالحرمة مثلا في الخمر لا يكون للقطع دخالة فيها فان الحرمة تكون للخمر لا لمقطوع الخمرية فلا يمكن تشكيل القياس بأن هذا مقطوع الخمرية و كل مقطوع الخمرية حرام فهذا حرام لأن القطع على هذا الفرض يكون جزء الموضوع لا طريقا و لا شبهة في ان الوسط في القياس المنطقي يجب ان يكون له دخل في الأثر و مؤثرا في المصلحة و هنا لا يكون كذلك فالقطع إذا صار وسطا في ما نحن فيه لا يؤثر في الحرمة فان الحرمة تكون على الخمر لا على مقطوع الخمرية بحيث يصير القطع جزء الموضوع و من هنا يظهر ان إطلاق الحجة الأصولية على القطع أيضا لا وجه له و لا يصير وسطا في الثبوت.

و بعبارة واضحة إذا قطعنا ان هذا خمر لا يكون القطع سببا للخمرية و لا لثبوت الحرمة و على التحقيق لا يكون قابلا للجعل و يكون عين الواقع و الكشف ذاتي له‏

23

فلا يثبت الواقع و لا الجعل و لا أثر له واقعا و لا جعلا.

ثم انه قد قيل ان المنجزية فيه يكون لبناء العقلاء و المسلك و لو كان فاسدا من رأس و لكن على فرض صحته يصير القطع مؤثرا في الحكم و هو بناء العقلاء فيقال هذا مقطوع الخمرية و كل مقطوع الخمرية حرام ببناء العقلاء فهذا حرام لبناء العقلاء.

و بيانه كما [1] عن بعض الأعيان من أهل الفلسفة هو ان حجية القطع تكون معناها هو ترتب الثواب و العقاب على موافقته و مخالفته و استحقاقهما لا ربط له بالواقع فانه ربما يتخلف الواقع عنه بل يكون بناء العقلاء بعد قطعهم بشي‏ء هو ذم من لا يتبعه و هذا يكون من القضايا المشهورة فلو لا بناء المشهور عليه ما كان حجة على ترتب الثواب و العقاب فتكون حجية جعلية و يمكن ان يصير وسطا لإثبات الحكم مثل ان يقال هذا مما هو مقطوع و كل مقطوع يكون بناء العقلاء على حجيته و ذم مخالفته فهذا مذموم مخالفته و ممدوح متابعته فإذا قطع بحرمة شرب الخمر صار القطع وسطا لإثبات حكم العقلاء بوجوب الاجتناب عنه هذا كلامه رفع مقامه.

و فيه أولا انه مع الفحص عن عدم كون المقام من القضايا المشهورة حيث انها تكون مما عليه ارتكاز العقلاء مثل ركوب القاضي على حمار بلا ذنب الّذي يكون الارتكاز على قبحه لو لم يكن حجية القطع برهانية لم يبق لنا في العالم قضية

____________

[1] أقول: كلام هذا البعض كما في شرحه للكفاية (نهاية الدراية) يتوهم منه انه يقبل ان طريقية القطع ذاتية و هو عين الكشف و الانكشاف و في مقام ترتب الثواب و العقاب يقول بما قاله الأستاذ مد ظله و من هنا وقعنا في التعب في مقام تشخيص مراده فان من كلامه في هذا المقام يستفاد ان الثواب و العقاب جعليان كما سيجي‏ء نسبته إلى الشيخ الرئيس و لا ينكر طريقية القطع ذاتا و مع ذلك لا نفهم وجه الجمع بين الكلامين و بعد يحتاج إلى تدبر وفقنا اللّه له و لا نفهم بعض إشكالات الأستاذ مد ظله مثل تساوى الواجد و الفاقد مع ان القطع و لو لم يصل إلى الواقع فهو أيضا حجة و مع عدم العمل بما هو موجب لرقاء النّفس كيف يحصل الرقاء.

24

برهانية لأن كل البراهين منشأها القطع فان المقدمات إذا كانت قطعية تسمى القضية برهانية و إلّا فتدخل تحت الخطابة أو الجدل و غيره.

و ثانيا يلزم من قوله (قده) تساوى الواجد و الفاقد لأن العمل إذا كان في نفسه لا يكون له أثر و يكون بجعل العقلاء يلزم ان يكون الفاعل للخير الّذي صار سببا لرقاء النّفس كالفاعل للشر الّذي صار سببا لانحطاطها و كيف يكون الواجد للسبب لرفعه النّفس بواسطة العمل الصالح كالفاقد فانه يكون مثل تساوى الوجود و العدم و كون الوجود هو العدم فان الأعمال الصالحة و الطالحة يكون لها تأثير في النّفس على التحقيق و يوجب استحقاق العبد و استعداده للثواب و العقاب و لا يكون ترتبهما جزافيا.

و ثالثا يلزم التسلسل لأن قولكم حجية القطع يكون ببناء العقلاء يأتي فيه سؤال و هو ان بنائهم من أين وجد. فان قيل بالقطع مثلا فننقل الكلام في ذلك و هكذا يتسلسل أو يرجع إلى أن يقال حجيته بذاته.

و رابعا ان وجوب المتابعة إذا كان بحكم الشرع فالحاكم بوجوب الإطاعة هو العقل و لا يكون من جانب الشرع حكم كذلك كما مر و لو كان فيكون من باب الإرشاد فلا محالة بسبب القطع بوجوب المتابعة يقال يجب متابعة هذا القطع فاما ان يتسلسل أو يقال بأن حجيته ذاتية لا بجعل الجاعل: و بعبارة أخرى معنى حجية القطع هو ترتيب الأثر فن قطع بأن الصلاة واجبة يكون من آثار قطعه وجوب الإتيان و هذا الوجوب لا بد أن يكون ملزمه العقل بالاستقلال و إلّا فأي دليل لوجوب متابعة هذا القطع و إتيان الصلاة كما ان الظن أيضا يكون وجوب متابعته بمعنى ترتيب الأثر عليه بالقطع فالقول بأن القطع حجة منطقية بمعنى تأثيره في إثبات الحكم للمتعلق لا وجه له فانه لا واسطة بينه و بين الواقع.

و الحاصل ان القطع الطريقي يطلق عليه الحجة اللغوية دون المنطقية و الأصولية.

و اما القطع الموضوعي فيكون ذا أثر و علة لثبوت حكم المتعلق مثل ما إذا قيل إذا قطعت بالزنا مثلا يجوز لك الشهادة أو إذا قطعت بعدالة زيد يجوز الاقتداء به فالقطع‏

25

يكون جزء للموضوع و مؤثرا لإثبات جواز الشهادة و الاقتداء فله ارتباط تشريعي لإثبات الحكم فإطلاق الحجة اللغوية و المنطقية عليه صحيح و اما الأصولية فلا فانها هي كل ما يكون مثبتا للمتعلق فان القطع بالعدالة لا يثبتها: هذا حكم القطع و اما الظن فإطلاق الحجة عليه صحيح و يصير وسطا في الإثبات فيقال هذا مظنون الخمرية و كل مظنون الخمرية حرام فهذا حرام فان الظن يكون له كشف ناقص و جعله يكون من قبل الشرع أو العقلاء فان الظن الطريقي بالحكم يكون مقدمة لإثبات الحكم الظاهري التعبدي لا الحكم الواقعي و الحاصل إطلاق الحجة على القطع قد مر ذكره و على الظن أيضا قد مر صحته.

و قد أشكل على الظن بأنه لا يثبت حكم المتعلق بل يثبت مماثله فعالم الثبوت من الحرمة الواقعية أو الحلية محفوظ لا ربط له نفيا و إثباتا بالظن و في مقام الإثبات أيضا لا يثبت حكما واقعا بل يكون هو الحكم الظاهري فإطلاق الحجة المنطقية و الأصولية عليه غير صحيح فهو يصير مثل القطع في عدم إطلاق الحجة عليه نعم الفرق بينهما انكشاف الواقع فيه دونه بل هو يثبت المماثل.

و للجواب عن هذا الإشكال ينبغي إيراد كلام في الأمارات و ان لم يكن مقام تفصيله هنا و لكن لا بد لتوضيح المقام منه فنقول ان في جعل الأمارات مسالك مختلفة منها ما هو التحقيق من ان كل آمر إذا رأى مصلحة في شي‏ء يعشق إتيانها اما بالمباشرة أو بالتسبيب و بعد العشق يجي‏ء الإرادة بالمباشرة أو بالتسبيب أيضا كمن عشق الصلاة و أرادها فانه اما ان يصلى نفسه أو يأمر الغير بإتيان ما أراد و موضوع الامتثال يكون هذه الإرادة و موضوع حكم العقل أيضا هو الإرادة فإذا أبرزها يكون هذا الإبراز امرا (و بالفارسية يسمى فرمان) و الموضوع يصير هو الإرادة المبرزة و سيأتي ذلك كله في باب الأمارات و لكن إذا لم يبرزها لا يصدق عليها الحكم.

و اما جعل الحكم الظاهري فلا أصل له كما سيجي‏ء و هو التحقيق و الموافق لمذهبنا. فان المولى تارة يقول يجب الصلاة فيحتمل عدم وصوله إلى المكلفين أو لا يعتمد على قول مبلغه فيجعل ما ينحفظ به الواقع و هذا الواقع تارة يكون بنحو

26

لا يرضى المولى ان يترك بحال من الأحوال فيجعل الاحتياط فيما يمكن فيه ذلك مثل باب الفروج و الدماء فإذا لم يكن الاحتياط ممكنا أو يكون عسريا فيجعل طريقا إلى الواقع بنحو يكون في الغالب موصلا إليه مثل جعل تصديق العادل.

و في الصورتين فكل ما يكون المولى بصدد انحفاظه فهو الواقع و لا يريد غيره فان بلغ بهذا الطريق إليه فهو و إلّا يكون لغوا و لا يكون في مورده حكم ظاهري جعلي و بهذا الطريق يجوز إلقاء احتمال الخلاف و يقول للمكلف عامل معاملة اليقين فاليقين بالواقع و جعل الظن مقام العلم كلاهما يكونان طريقين إلى مصلحة الواقع و من أسباب إبراز الإرادة لا غير.

و منها ان الأمارات تنزل الظاهر منزلة الواقع فمعنى صدق العادل يصير نزل مؤدى قوله منزلة الواقع مثل ما إذا كان واجبا في الواقع فقال العادل انه واجب فيصير في ما أخبر به العادل مصلحة و يكون حكما مماثلا للواقع النّفس الأمري و هذا مشهور كما سيجي‏ء و لو لم يكن في الواقع كذلك يكون لغوا كما عليه الشيخ (قده) و منها ما عن المحقق الخراسانيّ و هو ان الحجية و الحجة في الأمارات يصلح الجعل فيها أي يكون قول العادل حجة و سيجي‏ء ان ذلك أيضا فاسد و الفرق بين الحجة و الحجية: ان الحجة تكون في ذات الأمارة و الحجية مجعولة و كلتاهما تستفاد ان من كلامه (قده) و مشارب أخر فيها لا يكون المقام مقام بحثه و فحصه بل سيجي‏ء الكلام في مواضعه إن شاء اللّه.

فإذا عرفت ذلك فاعلم ان الحجة المنطقية يجب ان يكون للوسط فيها دخل في ثبوت الحكم للموضوع و الحجة الأصولية يثبت حكم متعلقه مثل البينة القائمة على موضوع ذي أثر فالقطع يثبت الحكم و لكن يكون فيه أعلى درجة الإثبات بل هو نفسه.

و الظن على مذهب من يقول بجعل المماثل و الأحكام الظاهرية فالحجة المنطقية تطلق عليه لأنه يثبت الحكم للموضوع و يكون علة لإثباته خلاف ما قال الشيخ (قده) نظير القطع إذا كان جزء الموضوع فإذا فرض ان مظنون الحرمة بالظن يجعل مماثله‏

27

فيثبت ان الظن كان دخيلا في إثبات الحرمة في مرتبة الظاهر و ليس القياس المنطقي الا ذلك فيقال هذا مظنون الحرمة الواقعية و كل مظنون الحرمة الواقعية فهو مجعول في مورده حكم مماثل للواقع فهذا في مورده حكم مماثل للواقع.

و اما على ما ذهبنا إليه فإذا ظن بحرمة شي‏ء و قال المولى ألق احتمال الخلاف فالعلم له فردان تنزيلي و واقعي و الظن يصير كالقطع فيقال ان مظنون الحرمة يكون كمقطوع الحرمة فهذا كمقطوع الحرمة فيكون كالقطع و لا يصدق عليه الحجة المنطقية إذا كان طريقا فالظن اما ان يكون مبرزا للواقع أو منزلا غيره منزلته و بكلا معنييه لا يثبت المتعلق بمعنى انه يقال هذا مظنون الخمرية و كل مظنون الخمرية خمر لا انه حرام و لكن حيث انه لا يكون خمرا واقعا يكون هذا بلحاظ حكمه و يكون التعبد به من باب الحكم إلّا ان يقال بالنظر الدّقيق ان الظن يصير من جهة حجة أصولية و من جهة أخرى منطقية فانه قد مر ان وجه انحفاظ الحكم حفظ الواقع و روح الحكم هو الإرادة و جسمه الإبراز و الإبراز تارة يحصل بقوله صلّ و تارة بقوله صدّق العادل و ألق احتمال الخلاف فهذا الظن من جهة انه محقق مبرز يكون قياسا منطقيا لأن كل ظن يكون فردا للقطع التنزيلي و الظن دخيل في تحقق جعل اللّه تعالى إياه فردا من العلم و في الوجود التشريعي يكون واسطة في ثبوته فيقال هذا مظنون الحرمة و كل مظنون الحرمة علم و مبرز للواقع فهذا علم و مبرز له.

و الحجة الأصولية أيضا تطلق عليه بان يقال معناها هو إثبات الحكم للمتعلق فيثبت الظن للواقع إثباتا تعبديا فيحرز به أحكام الدين و يحرز متعلقه بوجود تعبدي فكأنه تعالى جعل لكم علما وجدانيا و ظنا بمنزلة العلم فكما انه بالعلم يثبت الحكم فكذا بالبينة التي هي موجبة للظن.

الجهة الثالثة من جهات القطع في التجري‏

هل التجري قبيح عقلا أم لا. و على الأول هل يحرم شرعا أم لا وجوه و أقوال:

و معنى التجري هو القطع بحكم لم يكن في الواقع كذلك مثل من قطع بان هذا

28

المائع خمر و حرام و يشرب باعتقاد انه خمر فتبين كونه الخل أو الماء و يكون في مقابله الانقياد إذا اعتقد مثلا بوجوب شي‏ء فأتى به باعتقاد الوجوب فتبين عدمه و المعصية تطلق على ما إذا كان الواقع أيضا مطابقا للاعتقاد كمن شرب الخمر الواقعي باعتقاد انه خمر و الإطاعة تكون موافقة الواقع مع اعتقاد انه كذلك و قبل الورود في البحث يجب رسم مقدمة.

و هي: ان في الفلسفة العليا نزاع في ان الشارع مضافا إلى جعل الأحكام هل جعل قانونا للمجازات مثل ان يحكم بوجوب الصلاة و حرمة شرب الخمر و جعل قانونا بان من أطاعه يستحق الثواب و من عصاه يستحق العقاب كما عليه الشيخ الرئيس علي بن سينا أو لا يكون كذلك بل يكون الحكم بالثواب و العقاب من العقل بعد إبلاغ الأمر أو النهي إلى المكلف و ان كان من جهة امر فيكون إرشاديا فاستقلال الحكم كاف للحكم بهما بواسطة الموافقة و المخالفة.

[المسلك الاول‏]

ثم على مسلك من قال بقانون مجعول من الشرع فبحث التجري يكون خارجا عن محل النزاع لأنه لا شك في ان التجري لا يكون موجبا للعقاب لأن جعل قانون المجازاة يكون للإطاعة و العصيان و المتجري ليس بعاص و لا مطيع فانهم يقولون يجب على اللّه تعالى من باب اللطف جعل قانون المجازاة ليفهم الناس و يشوقهم بواسطة إلى العمل الّذي فيه الفائدة و يزجرهم عما فيه المفسدة و هذا الملاك يكون في المحرمات الواقعية و المحللات الواقعية و اعتقاد ان هذا حرام لا يوجد مصلحة و لا مفسدة حتى يشمله القانون.

انما الكلام فيما إذا لم يكن مجعولا شرعيا و كان بحكم العقل و البحث في التجري على هذا الفرض يكون بمكان من الإمكان و موضوع حكم العقل إذا وجد فيحكم بلا احتياج إلى شي‏ء آخر و البحث فيه تارة يكون من مسائل علم الكلام و تارة من مسائل علم الأصول و أخرى من مسائل علم الفقه. فان عنوان البحث بان التجري يكون موجبا لحسن العقاب اما لا يصير البحث كلاميا لأنه يبحث عن الحسن و القبح في الأشياء و ان عنوان بأنه هل يوجب التجري في المتجري به عنوانا مخالفا

29

لعنوان الواقع أعني هل يكون الواقع الحلال بواسطة التجري حراما أم لا فتصير المسألة من مسائل علم الأصول لأن المسألة الأصولية هي ما يكون كبرى كلية في الفقه و ان عنوان البحث بأنه بعد استقلال العقل بالقبح و إثباته في علم الكلام هل يكون القبح العقلي مستتبعا للحكم الشرعي بالحرمة أم لا أعني يستكشف من القبح الحرمة أم لا تصير المسألة فقهية فينبغي ان يبحث في مقامات ثلاثة.

الأول البحث في التجري من جهة انه مسألة من مسائل علم الكلام و هنا أقول ثلاثة و الزائد على ذلك يكون للخلط بين المباحث الأول القبح الفعلي و الفاعلي في فعل المتجري به و هو المختار. الثاني: القبح الفاعلي دون الفعلي أعني لا قبح للفعل بل القبح يكون من جهة الفاعل المعتقد بقبح العمل الّذي عمله. الثالث: ما قال الأنصاري (قده) و هو انه لا قبح للفعل و لا للفاعل و المتجري لا يستحق العقاب و لا يكون عمله قبيحا بل يكون مجرد سوء السريرة و له نظائر من الحسد و البخل و لا يخفى عدم العقاب على أمثال هذه بمجرد سوء السريرة [1].

اما الدليل على المسلك المختار و هو ان المتجري شريك مع العاصي في عنوانين: الأول عنوان القطع و هو لا يفيدنا شيئا فيما نحن بصدده و لا يكون المتجري كالعاصي من هذه الجهة الاشتراكية. و الثاني: الاشتراك في عنوان الطغيان على المولى و عدم العمل برسوم العبودية و هتك نواميس الدين و بتقرير آخر و عبارة واضحة ان شرب الخمر مثلا يوجب فساد الكلية و نقصان قوة الجماع و هذه المفسدة لا يترتب على الماء بمجرد اعتقاد انه خمر و اما من جهة عدم العمل برسوم العبودية و هتك نواميس الدين فشرب الماء متجريا و معتقدا بأنه خمر و شرب الخمر الواقعي معصية سواء و هو بهذه، الجهة يكون عين العاصي و هذا لا ربط له بالواقع و هذا الفساد

____________

[1] أقول: ان عدم العقاب على نظائره يتصور عند عدم إظهاره اما عند الإظهار فلا و فيما نحن فيه أظهر ما في الباطن و عنون بعنوان قبيح يستحق العقاب عليه و هو الخروج عن قانون العبودية كما عليه الأستاذ مد ظله.

30

المترتب على التجري يصير عنوانا للعمل فيصير العمل قبيحا من هذه الناحية و ان لم يكن في الواقع ذا أثر وضعي فنحن ندعي ان الفعل بئس الفعل و الفاعل بئس العبد و هذا الفعل يكون عنوان هتك المولى.

و الحسن و القبح تارة يكونان بعنوان أولى و تارة بعنوان ثانوي و هذا يكون قبحه بعنوان ثانوي عارضي و اما عنوان الاشتراك في القطع فلا ثمرة تحته لأن القطع يكون طريقا محضا و لا يؤثر في المصلحة فان القطع بالحموضة لا يصيّر الحلو حامضا فلا يتوهم تأثيره بل المؤثر هو عنوان الطغيان على المولى فتدبر جيّدا.

و بتقرير آخر ان الفعل المتجري به على ما قلنا قبيح عقلا بواسطة تطبيق عنوان الهتك عليه.

و دليلنا الوجدان و الخروج عن رسوم العبودية بواسطته و يكون تحت عنوان الظلم فيكون قبيحا فإذا أبرز المتجري ما يكون في سريرته يكون مصداقا لعنوان ثانوي و هو هتك المولى و المؤيد التسالم بينهم على حسن الاحتياط عقلا أعني في محتمل الوجوب قالوا بحسن الاحتياط بواسطة الإتيان به رجاء صادف الواقع أو لم يصادف فإذا عمل يكون له حسن عقلي و حسنه يكون لتطبيق عنوان الانقياد عليه المقابل للتجري كالإطاعة و المعصية و هما مرتضعان من لبن واحد و من العجب ان الشيخ الأنصاري (قده) قال بحسن الاحتياط بدون الشبهة و اما فيما نحن فيه فقال بان التجري يكون من سوء السريرة فقط لا غير و لا يكون قبيحا في الخارج و من قال بحسن الاحتياط يلزمه القول بالقبح هنا لأنه لا فرق بينهما و ربما يشكل بأمور عديدة.

الأول: ان القول بالقبح الفعلي و الفاعلي يستلزم أحد المحالين و هو اما انقلاب الواقع عما هو عليه أو اجتماع الضدين و هذا صار سببا لذهاب كل من الفقهاء إلى مذهب: من القول بالقبح الفاعلي دون الفعلي و القول بعدم القبح أصلا.

و بيان اجتماع الضدين هو ان الفعل الواحد كيف يمكن ان يكون حسنا و قبيحا في مرتبة واحدة و العناوين تكون تعليلية و توجب المصلحة على الواقع أي العمل الخارجي بعنوان انه صلاة يصير ذا مصلحة في الواقع و لا يمكن ان يكون بعنوان‏

31

التجري ذا مفسدة في الواقع فالقول بالجمع يكون من اجتماع الضدين.

و نجيب عن هذا الإشكال العويص بوجوه: الأول: ان مركز الحسن و القبح اثنان و يكونان في رتبتين فذات صلاة الجمعة رآها اللّه تعالى ذات مصلحة فأمر بها و هذه الصلاة في رتبة قبل الأمر كانت موضوعا نحويا و صارت متعلقة للحكم الفقهي و الإطاعة و العصيان و التجري و الانقياد متأخرة عن الذات برتبتين فان الصلاة بعد الأمر بها بعد الإتيان بها يصدق عليها عنوان المعصية أو الإطاعة أو الانقياد أو التجري و هذا واضح و على هذا فاللاحظ يرى الذات قبل الأمر ذات مصلحة فيأمر بها و بعد الأمر فالذات المأمور بها يصير بعنوان التجري ذات مفسدة فنرى الصلاة مثلا في رتبتين.

قبل الأمر و بعده فقبله حسنة و بعده قبيحة و معنونة بعنوان القبيح.

فإذا عرفت ذلك فالجواب عن الشبهة هو ان العمل تارة يلاحظ باعتبار المصلحة و المفسدة و تارة يلاحظ باعتبار الحسن و القبح و الأوليان أعني المصلحة و المفسدة في الشي‏ء تكونان من آثاره الوضعيّة و تكونان في الخارج و لو لم يكن في العالم لاحظ أصلا لأنهما تكونان من الواقعيات و الشي‏ء لا يتغير عن واقعه و الطبيعي في الشي‏ء لا يكون مربوطا بلحاظ اللاحظ فان الإنسان إنسان لا يغيره اللحاظ عما هو عليه و اما الحسن و القبح فيكونان من الأمور الوجدانية و لو لم يكن في الخارج حسن و قبح فمثل من ظن أو قطع بان في الدار أسدا أو حية يفر و لو كان فيها صديقه أو لم يكن فيها شي‏ء أصلا و هكذا عنوان التجري الحاكي عن الخارج يكون قبيحا و يكون عن الوجدانيات بخلاف المصلحة و المفسدة فانهما توجدان في الخارج و لو لم يكن للوجدان أثر فلم يفر المعتقد بان الأسد في الدار مع عدم وجوده فيها فان كان مراد الاعلام ان الخارج لا يمكن ان يكون ذا مصلحة و مفسدة فهو ممنوع لأن الشي‏ء الواحد يمكن ان يكون بجهات عديدة حاويا لهما و هذا مما لا شبهة فيه فان الصلاة مثلا في باب اجتماع الأمر و النهي يكون فيها مصلحة من جهة انها صلاة و مفسدة من جهة انها غصب و هذا مسلم عندهم و إلّا فالبحث عن الاجتماع و عدمه في بابه يصير لغوا و ان كان المراد الوجدان فلا يمكن ان يكون فيه مصلحة و مفسدة

32

و اما ان يقال بالكسر و الانكسار كما قال صاحب الفصول (رحمه الله) أو القول بما هو مسلك المختار بان المصلحة تكون في رتبة لذات قبل الأمر و هي قبله صار سببا للحكم و المفسدة تكون بعد الأمر ان كان.

و الحاصل ان الحسن يكون قبل الأمر في مرتبة الذات و القبح بعده مع إتيان العمل بنحو التجري فلا غرو في كون شي‏ء واحد حسنا و قبيحا بلحاظين و المصلحة و المفسدة في الخارج أيضا يمكن اجتماعهما بلحاظين و حيثيتين.

فان قلت لا نحتاج إلى هذه التفاصيل بل يقال ان الصلاة موضوع حسن و التجري موضوع آخر قبيح، قلت السرّ في التفصيل هو ان العنوان لا يكون مطلوبا بل بما هو حاك عن الخارج لا يمكن ان يلاحظ حسنها و قبحها و الكلام في رفع إشكال التهافت في اللحاظ فعلى هذا قد ظهر ان الإشكال لا يبقى و ارتفع بحذافيره من جهة الاجتماع في الوجدان أو الخارج.

الوجه الثاني: هو ان نقول ان الصلاة كانت فيها مصلحة موجبة للأمر و التجري و ان كان قبيحا و لكن لا يوجد مصلحة و لا يصير منشأ للحكم و المصلحة و المفسدة الواقعيتان ربما لا تعلمهما مثل رمي الجمرة فلا نعلم ما هو المصلحة فيه و لا يلزم ان يكون كل ما يعقل انه قبيح ذا حكم فيمكن ان لا يكون التجري مصب النهي الشرعي.

و لتوضيح المقام و كشف السر عن المرام يجب زيادة تقرير و هو ان نقول مقدمة ان الحسن و القبح اللذين يصيران منشأين للحكم هما اللذان يكونان في سلسلة العلل لا المعلولات مثلا إكرام اليتيم و تقبيل يد المجتهد امران لهما مصلحتان و قابلان ان يصيرا منشأين المحكم و علة له و ضرب اليتيم و إهانة العالم امران قبيحان قابلان لأن يصيرا منشأين للنهي مثلا فرتبة المصلحة و المفسدة تكون قبل الحكم و علة له.

و اما ما كان معلولا مثل قبح التجري و المعصية فانهما يكونان بعد الحكم و متأخران عنه فما لم يكن أمر و لا نهى لا يصدق المعصية أو التجري و الإطاعة أو الانقياد و لذا نقول ان التجري قبيح عقلا و لا يستتبع الحكم شرعا فكل حسن و قبح لا يصير منشأ للحكم بل ما في سلسلة العلل يكون منشأ له دون المعلولات و إلّا يستلزم الدور.

33

فإذا عرفت ذلك فصلاة الجمعة الواجبة في الواقع المأتية بها بعنوان الحرام لا تكون المصلحة و المفسدة فيها متزاحمتين و متصادمتين فالوجوب فيها يكون لمصلحة كامنة في نفس الصلاة و لا ربط لها بالقبح العقلي من جهة التجري و غير مربوط أيضا بعالم اللحاظ فبعض ما لم يحكم العقل بحسنه حكم الشارع بوجوبه مثل رمي الجمرة التي يقصر عقولنا عن درك مصلحته و بعض ما يستقل العقل بقبحه لا يلزم ان يحكم الشارع بحرمته مثل التجري.

و بعبارة واضحة هنا ثلاث احتمالات يحتمل التصادم في اثنين منها دون الآخر اجتماع الوجوب و الحرمة و الحسن و القبح و كلاهما فاسدان لأن الهتك في التجري لا يولد مفسدة حتى يصير سببا للحكم بالحرمة بل هو قبيح لا غير و قبحه لا يسرى إلى الخارج و مورد القبح العنوان الحاكي فلا يجتمع الواجب و الحرام.

فنقول ان الهتك قبحه عقلي و من الصفات الوجدانية و يكون بلحاظ اللاحظ و الواقع غير مقلوب عن واقعه فما هو مركز الحسن هو الفعل الخارجي و ما هو مركز القبح الوجدان الحاكي عن الخارج و لكن هذا عند شيخنا العراقي و اما عندنا فالخارج في كليهما ظرف السقوط و ما هو مركز الحسن أيضا يكون بعنوانه الحاكي عن الخارج و اما صورة التصادم و هي التهافت في اللحاظ فقد قلنا ان الحسن و القبح الحاكيين عن الخارج و ان لم يمكن إلّا انه يكون في رتبتين و لا يكون من باب الاجتماع و مبنى صاحب الفصول (قده) بالكسر و الانكسار فاسد فقبح التجري لا يصير منشأ حكم و مصلحة الخارج لا تسرى إلى العقل.

الوجه الثالث: للجواب عن إشكال اجتماع الحكمين الضدين و تعرضنا لهذا الوجه يكون من باب التأسي بالأعلام و إلّا فلا جدوى له فان صاحب الفصول (قده) قال بتراكم المصلحة و المفسدة و هذا لا يصلحه تعدد الرتبة و لذا ذهب إلى حكم شأني بين الواقعي و الفعلي و حاصله ان التجري يصير ذا أحكام خمسة فتارة يرجح مصلحة الواقع فتقدم و ربما يرجح مصلحة التجري فتقدم و الرجحان تارة يكون بنحو يوجب الحكم بالوجوب و أخرى بالاستحباب و القبح أيضا تارة يكون بحيث يوجب الحرمة

34

و تارة الكراهة و تارة تتساويان فيصير التجري عملا مباحا و اعتقد ان هذا طريق حسن لرفع المحذور.

و أشكل عليه الشيخ الأنصاري (قده) و من تبعه أولا بأن عنوان التجري لا يخلو اما ان يكون بنحو اللااقتضاء أو بنحو الاقتضاء أو بنحو العلية و بعبارة أخرى الأشياء القابلة للحكم تكون على ثلاثة أنحاء. الأول ما يكون بنحو اللااقتضاء و بأدنى مقتض يتأثر مثل المباحات فإذا رجح أحد طرفيه بالحسن و القبح يقبل حكم الوجوب أو الحرمة أو الكراهة أو الاستحباب. الثاني ما يكون مقتضيا للحسن و القبح بعنوانه الأولى و لكن لما يكون معنى الاقتضاء هو الوجود لو لا المانع فبعنوان ثانوي يتغير حكمه مثل الكذب في صورة المصلحة يصير ذا حسن و الصدق في مورد الفساد يصير ذا قبح. الثالث ما يكون بنحو العلية مثل الحسن في الإحسان و القبح في الظلم فانه مع انحفاظ عنوانه لا يمكن أن يصير متقلبا عن واقعه بحال من الأحوال.

و مختاره (قده) هو النحو الثالث أعني التجري يكون تمام العلة للقبح و لا يتغير عن واقعه بحال فلا وجه على ما قاله (قده) لقول صاحب الفصول بالاحكام الخمسة و لا يزال يجب ان يقول (قده) بالحرمة في التجري هذا.

و لكن فيه إشكال و هو ان الحسن و القبح تارة يلاحظ بالنسبة إلى اللاحظ فمن رأي شيئا إذا كان علة تامة للقبح لا يمكن أن يكون غيره مقدما عليه و فيما نحن فيه لا يكون الخروج من رسوم العبودية من العنوانات المتغيرة بل يبقى في كل حال و لكن لا يكون كلام صاحب الفصول في هذا انما الكلام في انه هل يمكن ان يكون مصلحة الواقع في نظر الآمر في أحدهما مقدمة على الآخر مثل ما إذا اعتقد باجتهاد شخص و فقاهته و مع ذلك قتله تجريا فبان انه سارق أو بالعكس فهل يمكن تقديم مصلحة الواقع أم لا و نظر الآمر لا ربط له باللاحظ فان كانت المصلحة في أحدهما أقوى يقدمها لا محالة و لكن اللاحظ يرى الفعل قبيحا و لا يتغير عن القبح أبدا.

و الحاصل الفرق بين نظر الأمر بالشي‏ء و نظر الفاعل و اللاحظ واضح و لا نقول ان الفعل الخارجي بالنسبة إلى الفاعل ليس بقبيح بل يلاحظ بالنسبة إلى الأمر و ما

35

قاله الفصول (قده) أيضا يمكن ان يكون مراده ذلك نعم عبارة غير واضحة في هذا المعنى.

و قد أشكل (قده) ثانيا بان ما قلتم من الأحكام الخمسة في مقام انكشاف الواقع و انه ربما يكون حسنا في الواقع مثل عدم قتل ابن المولى تجريا من باب اعتقاد كونه عدوه لا يتم لأن الحسن و القبح و الثواب و العقاب يتصور إذا كان الفعل باختيار المكلف و هنا لا يمكن مدح العبد لعدم قتله ابن المولى لأنه ما قصده و لم يكن باختياره بل اعتقد انه عدو و لم يقتله و لم يكن له التفات إلى ان هذا ابن المولى و هذا واضح فساده.

و فيه ان الإشكال من جهة عدم كون العمل باختيار المكلف متين و لكن ما قاله صاحب الفصول هو ان انحفاظ ابن المولى في نظره أولى و أهم من عقاب العبد على تركه و كان في الواقع هذا العمل ذا مصلحة وجوبية بحيث لو سئل المولى في حين التجري عن ان هذا العمل حرام أم لا ينادى بعدم الحرمة و يحكم بالوجوب و كان هو (قده) بصدد بيان رفع التصادم هذا. اما على ما قلناه من تعدد الرتبتين فلا نحتاج إلى تفصيله ثم قال بأنه ان صادف التجري مع الواقع يتداخل العقابان للتجري و المعصية فهذا الكلام منه لما كان ظاهر المناقضة لأن التجري يصدق إذا لم يكن العمل مصادفا مع الواقع فإذا كان كذلك لا يكون تجريا و المعصية تكون في صورة مصادفة الواقع و هما ضدان و لا يجتمعان حتى يقال بالتداخل.

فقال الاعلام لا نفهم كلامه و لكن ربما يمكن توجيه كلامه بأن نقول إذا كان العلم الإجمالي بجنس التكليف كافيا للفرد و الشخص و قبلنا ذلك فنقول إذا شرب متجر مائعا بعنوان انه خمر فبدا انه غصب فانه بالنسبة إلى الخمر متجر و بالنسبة إلى الغصب عاص فان قلنا جنس المبغوضية يكفى فهذا مثال للتداخل و لكن لا نقول به هنا لأنه لا يكون لنا علم إجمالي في المقام لأنه يتصور في صورة كونه قابلا للتطبيق على أحدهما و هنا العلم بالخمر يكون تفصيليا و العلم بالغصب لا يكون أبدا فتبين ان البيان لا يكون للغصب لا بالخصوصية و لا بالاشتراك.

36

فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الفعل بعنوانه الواقعي يكون مصب الأمر أو النهي لا غير و ان التجري قبيح لا حكم له شرعا.

الإشكال الثاني على المسلك المختار (و هو القبح الفعلي و الفاعلي في التجري) هو ان الفعل المتجري به خارج عن تحت الالتفات لأن الخارج على الفرض لا يكون مصادفته مع القطع باختيار الفاعل بل المصادفة و عدمها في من شرب المائع يكون بدون اختياره فكيف يعاقب على ما لا اختيار له فيه و لا يمكن الثواب و العقاب على ما لا التفات به و المتجري ان خوطب بأنه يا أيها المتجري لا تفعل كذا يعلم انه متجر و يترك العمل و هذا نظير الإشكال في باب الصلاة عند التمسك بحديث لا تعاد للناسي لجزء من الاجزاء فانه ان خوطب بأنه يا أيها الناسي لا يجب عليك هذا الجزء مثلا يعلم انه ناس و يتذكره فكيف المحيص عنه و هو حاصل إشكال المحقق الخراسانيّ (قده) في الكفاية.

و اما في حاشيته على رسائل الشيخ فكلامه ذا وجهين:

الأول: ان جرم شرب المائع يكون خارجا عن الاختيار و ما صدر عن الالتفات لا يقصد و هو شرب الماء مثلا و ما قصد من شرب الخمر لم يقع فانه تصور انه خمر فاشتاق إلى شربه فمال إليه و لم يصل إلى ما تصوره أولا و عشقه و بلغ إلى ما لا عشق له به أصلا فالفعل الصادر عن المتجري خارج عن الاختيار جدا.

و الثاني: لو فرض انه بما هو شرب مائع لا يكون قبيحا و بعنوان التجري يصير قبيحا فهذا العنوان لا يكون قابلا للتصور و اعتقاد ما هو المبغوض لا يصادف الواقع و لا يكون بالاختيار و كان عنوان المبغوض صدر ممن هو كالمغمى عليه.

و الجواب اما عن الوجه الأول من اشكاله (قده) فربما يجاب كما عن العراقي (قده) بان الفعل الصادر الجامع بين الفردين يكون تحت الاختيار و الإرادة و هذا يكفى فشارب المائع الذي يكون جامعا بين الخمر و الماء أوجد شرب المائع الذي قصده و لكن اشتبه في تطبيقه على الخمر كما يقول به الفقهاء في موارد من انه يكون من الاشتباه في التطبيق كما في باب نية صلاة الظهر مقام العصر مثلا اشتباها

37

غاية الأمر أراد شرب الخمر من الأول و التفت في ضمنه بشرب المائع و من المعلوم ان الجامع يتحقق في ضمن الفرد فقصد شرب مائع مطلق و كان في ضمن شرب الخمر و الحاصل ان الطبيعي كان مورد الإرادة و هو يوجد في كل الوجودات مع الافراد.

و هذا الجواب لا وجه له لأن الفرد حصة من الطبيعي موجود و الحصة التي عشقها هي الحصة في ضمن الخمر لا مطلق الحصة و لا عشق له بما وجد أصلا و الطبيعي يكون مثل الآباء مع الأبناء لا مثل أب واحد مع الأولاد فلا يشتبه عليك ان الفاعل اما ان يكون فاعلا بالإرادة أو بالقصر أو بالطبع و الأول مثل من يريد شيئا فيفعله بالاختيار. و الثاني مثل تحريك الحجر إلى الهواء بحركة قسرية. و الثالث مثل البرودة للماء و النور للشمس و ميل الأجسام إلى المركز. و المتجري لا يكون فاعلا بالطبع و لا بالقسر فلا محالة يكون فاعلا بالإرادة فما صدر الفعل عن غير التفات غاية الأمر اشتبه في تطبيق المورد على المقصود كما عن بعض الأعيان.

و اما عن الوجه الثاني [1] من كلامه و هو ما عليه غيره أيضا هو ان يقال العقوبة و المثوبة و ان كانت على فعل اختياري و العنوان المشترك هذا و هو الطغيان على المولى يكون بالاختيار معصية كان أو تجريا و بالعمل صار طاغيا إلّا انه اشتبه في التطبيق و تخيل انه يكون من جهة المعصية فبان له التجري و الظلم و الهتك قابلان للتصور بالوجدان و الخطاء في التطبيق لا إشكال فيه و لا يقال ان الهتك يدور مدار امر لا يكون في التجري و هو العلم بالموضوع فان الجاهل لا يكون مهتكا و المتجري و الجاهل سواء و لا يمكن ان يكون شبيه العلم علما و لذا من لا يعلم بالخمرية لا يهتك بشربه.

و بعبارة واضحة الوجود الواقعي في الخمر يكون جزء الموضوع أي الخمر المعلوم حرام شربه و إذا شربه كان مهتكا و بعبارة ثالثة الخمر الواقعي اما لا دخل‏

____________

[1] أقول فرق مد ظله بين التقريبين للجواب تارة ببيان العنوان الاشتراكي و تارة ببيان الاشتباه في التطبيق في الدورة الثانية من بحثه و لكن هما واحد بتقريبين.

38

له في الحكم أصلا و اما ان يكون تمام الموضوع أو جزئه و القول بعدم الدخل و كونه تمام الموضوع فاسدان فتعين كونه جزء الموضوع.

و هذا الإشكال و التوهم لا وجه له بل فاسد لأن الوجود الواقعي لا يكون جزء الموضوع و لا تمامه و عدم الاعتناء بالمولى تجريا أو معصية لا دخل له بالعلم و الجهل و لا يكون مربوطا بالأثر الواقعي و أيضا لا يكون باعتبار المفسدة و المصلحة فعدم الاعتناء باب و المبغوضية باب آخر فتحصل ان التجري يكون قابلا للالتفات و الفعل صدر عنه و عن إرادة ففعل المتجري قبيح و إشكال التضاد و عدم الالتفات غير وجيه. و الحاصل ان الطغيان على المولى صادق في التجري و في صورة المصادفة و العبد على أي تقدير يكون طاغيا و التطبيق لا أثر له في هذا العنوان حتى يكون الاشتباه فيه مؤثرا.

الإشكال الثالث على المسلك المختار و هو ان التجري إذا كان قبيحا عقلا و مستلزما للعقاب فيجب ان يكون في المعصية عقابان فلما لم يكن تعدد العقاب في البين فنعلم عدمه على التجري و عدم قبحه. بيان ذلك ان الواقع في عمل يكون مبغوضا للمولى فمن شرع في مقدمات الحرام شرع فيما هو المبغوض و لكن إذا لم يأت بالحرام أعني ذا المقدمة فلا يقال بحرمة المقدمات و على فرض الإيصال إلى ذي المقدمة فلا يقال بعقابين عقاب عليها و عقاب على ذيها مع انه أقبح من التجري و الطغيان فيه يكون أشد من الطغيان في المقدمات.

و فيه ان المقدمة و ذاها يكونان مستمرين و بمنزلة الفعل الواحد فلا تعدد في الفعل و لا تعدد في المعصية فلا يكون لهما عقابان و المعصية أيضا إذا كان التجري فيها و نفس الواقع مستمرين و يكون الواقع في الخارج فعل واحد فلا نقول بتعدد العقاب و اما إذا فصل بين الواقع و الطغيان فالعقاب على الطغيان لا ربط له به.

المسلك الثاني‏

من البحث الكلامي يكون للشيخ مرتضى الأنصاري (قده) فانه يقول ان فعل‏

39

المتجري لا قبح له فعلا و لا فاعلا و العقل يحكم بان المتجري يكون خبيث السريرة و اما حكمه باستحقاق العقوبة له فلا و هذا يكون مقابلا لما ذهبنا إليه من قبح الفعل و الفاعل كليهما.

و محصل ما ذكره في الفرائد ان الأدلة التي يمكن ان يستدل بها لإثبات قبح فعل المتجري أمور كلها ناقصة. الأول دعوى الاتفاق و الإجماع في كثير من فتاوى الفقهاء على ان الظان بضيق الوقت إذا تأخر الصلاة فانكشف عدم الضيق عصى سيده و لا يكون العصيان الا للتجري لأنه ما فعل قبيحا الا من جهته و أيضا يدعون الإجماع على ان سلوك طريق خطري و لو لم يكن كذلك بظن الخطر حرام و لا يكون الحرمة الا من جهة التجري.

فأجاب (قده) عن هذا الأمر بان الإجماع الّذي ادعيتم لا يكون محصلا و المنقول منه غير سديد و المسألة أيضا اختلافية على ان الكلام في المسألة الكلامية و الإجماع لا يكون كاشفا من حكم العقل و فتوى الفقهاء و الإجماع يثبت المسألة الفقهية على فرض التمامية فان العمل يمكن ان يكون قبيحا و لا يكون للشارع حكم على طبقه و الوجوب و الحرمة الشرعيتين لا يلازم القبح العقلي انتهى.

و هذا الكلام منه (قده) متين و ان كان مخالفا لما ذهبنا إليه.

الثاني: بناء العقلاء على تقبيح المتجري و أجاب (قده) عنه بان التقبيح لا يعلم انه يكون من جهة سوء السريرة أو للفعل و الظاهر كونه للأول.

الثالث: استقلال العقل بان التجري قبيح و فعل المتجري به أيضا قبيح و الفاعل قبيح لأنه فعل فعلا قبيحا و ردّه بأنه لو سلم حكم العقل لا نسلم كونه لنفس الفعل بل لأنه يكون كاشفا عن سوء السريرة.

الرابع: و هو الاستدلال الفني بان الشخصين إذا اعتقدا ان المائعين خمران فصادف اعتقاد أحدهما للواقع و لم يصادف الآخر فأحدهما شرب الخمر و الآخر شرب الماء في الواقع فعلى هذا الفرض لا يكون التصورات العقلية خارجة عن أربعة عقابهما أو عدم عقابهما أو عقاب من صادف قطعه الواقع أو بالعكس و القول بعقابهما

40

معا هو المطلوب و عدم عقابهما كان باطلا بالذات لأنه يلزم منه عدم العقاب على المعاصي و عقاب المتجري دون العاصي أيضا باطل و عقاب العاصي دون المتجري يكون خلاف ما حكم به العقل فلا فرق بينهما لأن من صادف قطعه الواقع يكون هو العاصي و من لم يصادف يكون هو المتجري و المصادفة و عدمها لا تكون بأيديهما و ما يكون خارجا عن الاختيار كيف يكون سببا للعقاب و عدمه.

فأجاب (قده) عنه بأنه نختار عقاب العاصي دون المتجري من الاحتمالات الأربعة و ما قلت من مصادفة الواقع و عدمه لا وجه له بل منشأ العقاب في العاصي يكون هو التفاته بالعنوان و عدم عقاب المتجري يكون لأجل عدم التفاته إلى عنوان التجري فحيث لا يكون بالاختيار لا يعاقب عليه هذا كلامه رفع مقامه.

و فيه انه ما قال من سوء السريرة فقط من الدليل العقلي لا وجه له فان المتجري لا يعاقب بسوء السريرة فقط بل لأنه جزم و عزم و أظهر العمل على وفقه و لعل مراده (قده) ان القبح العقلي المستتبع لحكم شرعي لا يكون في البين و هو موافق لما قلناه و لكن عبارته مشوشة و ظاهرة بأنه يكون سوء السريرة فقط و لا قبح فيه هذا ما في جوابه عن الاستدلال العقلي.

و اما جوابه (قده) عن البرهان الفني فلا يكون تاما و ان كان البرهان غير صحيح لأنه أجاب من جهة الاختيار في العاصي و عدمه في المتجري و لقد أجبنا عن ذلك بأن الفعل الصادر عن المتجري يكون فعلا اختيارا لا قسريا و لا طبعيا و لكن الخطاء يكون في التطبيق فجوابه ليس بصحيح.

ثم لنا إيراد على الشيخ (قده) و هو انه قال بحسن الاحتياط و الانقياد و لو لم يكن العمل مطابقا للواقع فهذا العمل الّذي صار بالاحتياط حسنا مع عدم الحسن الواقعي له فكيف لا يصير التجري سببا لقبح العمل و لو لم يكن في الواقع قبيحا و لا تتوهم ان حسن الاحتياط يكون من باب التفضل لأنه (قده) صرح بأنه يكون للانقياد.

41

المسلك الثالث‏

للميرزا النائيني (قده) و حاصل كلامه هو ان العقل مستقل بأن المتجري صدر منه فعل قبيح فخرج به عن رسوم العبودية و يكون طاغيا و لكن لا يكون القبح للفعل بل للفاعل و ما هو المناط هو اعتقاد المتجري فان الجاهل لا يعاقب و لو كان الواقع قبيحا فالواقع لا دخل له في الحسن و القبح بل الاعتقاد و مدار الطغيان يكون التصور فحاصل الكلام انه (قده) قال: للفعل حيثيتان حيثية الصدور عن الفاعل و حيثية نفسه فبالأولى قبيح و بالثانية لا قبح فيه.

و بعبارة أخرى ان الفعل له جهتان الإيجادية و الوجودية و الإصدارية و الصدورية فمن جهة الإيجاد و الإصدار قبيح و من جهة الوجود و الصدور ليس بقبيح فالفعل صار ذا وجهين فالجهة الفاعلية قبيحة و الفعلية حسنة.

و يرد عليه ان الإيجاد و الوجود لا ينفكان و لا تفكيك من حيث الإيجاد و الوجود و هذا الكلام منه بعيد لأنه من أهل فن الفلسفة هذا أولا و ثانيا على فرض عدم الإضافة الإشراقية يكون الانتساب اعتباريا فالفعل الخارجي مع ذلك كله الحيث الاعتباري القبيح فيه و هو عنوان الهتك جاء قبحه من قبل الفعل أو من الإضافة فان كان عنوان الهتك من جهة الإضافة فقبيح و من قبل الفعل أيضا قبيح و الإضافة بين الفعل و الفاعل يصيّر الفعل قبيحا فلم ينفك أحدهما عن الآخر.

و لكن التحقيق ان الشيخ و الميرزا وقعا في الإشكال من جهة اجتماع الضدين و قد مرّ في المسلك المختار ان الكلام لا يكون في الحسن و القبح و يكون في المصلحة و القبح فرمي الجمرة يكون ذا مصلحة و لا يكون في نظر العقلاء حسنا و المصلحة الكامنة صارت سببا للأمر و لا ربط له بالحسن و القبح العقلائي و التجري و الطغيان لا يصيران منشأين للحكم فذات صلاة الجمعة تكون ذات مصلحة لا تسرى إلى الوجدان و الوجدان يكون فيه القبح و لا يسرى إلى الخارج فعنوان الهتك لا يسرى إلى الخارج و مصلحة الذات لا تسرى إلى الوجدان.

42

نعم الذات التي هي ذات مصلحة تكون قبل الأمر و ما يكون قبيحا يكون في رتبة بعد الأمر و لا ربط له بالمصلحة.

كلام الخراسانيّ (قده) في قبح الفاعلي لا الفعلي‏

و محصل مرامه في الباب هو ان عنوان الهتك قائم على العزم و الإرادة ففي مورد التجري و العصيان يكون على منوال واحد فإذا عزمت على المعصية أو التجري يكون طغيانا و هو قبيح عقلا بدون سراية القبح و المفسدة إلى الخارج في ما كان تجريا فنفس الفعل ان كانت قبيحة تكون ذات مفسدة و إلّا فالعزم لا يولّد المفسدة و لذا قال ان ما هو القبيح يكون هو الطغيان و الفعل باق على ما هو عليه و يستدل في الكفاية بأمرين:

الأول: هو ان التجري هو القطع بحرام مع عدم مصادفته لنهي المولى و الواقع و المعصية هي القطع بالحرام مع مصادفته لنهيه و لا يمكن أن يكون المصالح و المفاسد النّفس الأمرية سببا لانقلاب الواقعيات عما هي عليها فالواقع ان كان شرب خمر فذا مفسدة و ان كان شرب ماء فيكون ذا مصلحة و عنوان الهتك فيهما موجود.

و الحاصل انه لا ينكران العناوين الثانوية تكون سببا للقبح تارة و لكن يقول ان مركز القبح يكون هو العزم و ليس القطع الا طريقا إلى الواقع.

الثاني: على فرض إيجاد القطع شيئا أيضا فالحسن و القبح يكونان من الأفعال الاختيارية و لو كان عنوان القطع مولدا لا التفات للفاعل به و لا يكون اختياريا للفاعل فلا يصدق الحسن و القبح للفعل الغير الاختياري لكون القطع مغفولا و فانيا في المقطوع فالتجري له قبح فاعلي دون الفعلي فان قلت ان مقطوع الخمرية ان لم يكن الملتفت إليه فالعزم أيضا غير اختياري لخروج الواقع عن اختيارنا لنعزم عليه فنقول ان مبادئ الإرادة بعضها يكون تحت الاختيار فمن التفت إلى المضار و المنافع مكنه المنع من الإرادة و له (قده) كلام آخر لا فائدة في ذكره.

و في كلامه موارد من النّظر:

43

الأول: انه قال العزم على العصيان يكون في المعصية و التجري كليهما و ما صار معضلا للميرزا و الشيخ (قدهما) ألجأه إلى هذا القول فنقول العرف الحاكم بعقله هل يحكم ان القبيح هو العزم أم العزم مع الإظهار و الحق ان ما يكون هتكا يكون هو الثاني و العزم مع الفعل يكون طغيانا و العزم بلا إظهار لا يكون قبيحا فالفعل يكون قبيحا و الانقياد إلى امر يكون ذا مقدمة أيضا يكون كذلك فالشروع في المقدمة يكون شروعا في الانقياد و الشروع في العزم يكون شروعا في الفعل القبيح و هذا مطابق للعرف و أيضا نقول ان القطع لا ينقلب عما هو عليه و هذا صحيح و لكن ما هو من العناوين المولدة يكون هو الطغيان و الهتك و نحن قلنا ان الهتك يكون في سلسلة المعلولات و لا يكون مولدا للمفسدة فالعنوان يكون مملوا من القبح و لكن لا يسرى إلى الخارج.

و الاستدلال الثاني له (قده) و هو فرض المولدية يكون في صورة الالتفات و لا يكون الصدور اختياريا فنقول قد مر ان الفعل صدر عن اختيار و عنوان القطع لو كان غير اختياري لا إشكال فيه مع انه عين الالتفات و هو بما انه ظلم يكون محل الالتفات.

و ما قاله من الشبهة في اختيارية العزم أيضا و ان بعض المبادي يكون اختياريا فنقول بيانا له في الجواب ان الإنسان يكون فيه الطبيعة فمن رأي الكمثرى يعشقها و يريدها فالرؤية لوازمها تكون غير اختيارية و لكن جعل الشارع فيكم سلطان الاختيار فإذا جاء الشوق بلا اختيار يمنع الغير الاختياري من التأثير فإذا جاء العزم القطعي أيضا يمكنه المنع فنقول ان الوجدان حاكم بأن الاختيار و الإرادة يمكن منعه بسلطان الاختيار و لا نقول ان الإرادة تكون بالإرادة حتى يتسلسل و ما في ذهنكم ان الإرادة هي ما يكون بعده العمل يكون في صورة عدم سلطان الاختيار.

و اما الجواب الثاني في الكفاية من إرجاعه إلى الذاتيات فذره في سنبله.

إلى هنا قد تم الجهة الكلامية في التجري.

44

الجهة الثانية في البحث الأصولي‏

و هو انه هل يكون عنوان التجري بعد اختيار القبح موجبا لتحقق الحرمة و انه كان سببا للمفسدة فكان حراما شرعا أو لم يكن سببا لها فلم يكن كذلك و بتقرير آخر هل عنوان التجري بواسطة تطبيق عنوان الهتك يكون منشأ لحكم تكليفي مستقل أم لا فان قلنا بإيجاد المفسدة في التعلق فيكون قبيحا عقلا و حرام شرعا و إلّا فلا. وجهان عند الاعلام.

و التحقيق ان التجري لا يوجد المفسدة حتى يصير سببا للحرمة لأمور:

الأول: انه لا ينكر ان العناوين الثانوية تارة توافق العنوان الأولى فيؤكده و تارة تكون مخالفة فينقلب الواقع فالخمر بالعنوان الثانوي لأجل المعالجة ينقلب حرمته و مثل السلام على المؤمن و ان كان مستحبا بالعنوان الأولى و لكن بالعنوان الثانوي و هو لزوم هتك العالم المجتهد من تركه يصير واجبا فمناط العنوان الأولى آكد بالثانوي إلّا ان عنوان التجري لا يكون مولّد مصلحة و مفسدة في المتعلق و السر فيه ان العنوان الأولى و الثانوي تارة يكون من الطبائع الكامنة و أخرى من العوارض فمثل شرب الخمر يكون ذا مفسدة بالعنوان الأولى فإذا انحصر معالجة المريض به يكون فيه المصلحة و هي أيضا كامنة فيه و انه بالأثر الذاتي يكون موجدا لهذه المصلحة ففي هذه الموارد لا نتحاشى عن الانقلاب و التأكيد و تارة يكون العنوان عنوانا عارضيا لا ربط له بواقع الشي‏ء مثل ان القيام في مورد خاص يكون تعظيما و الجلوس عند مورد يكون توهينا و التوهين و التعظيم لا يكونان في جرم القيام و القعود و هما من العناوين القصدية فلاحظ العناوين الثانوية التي تكون في الأدوية التي تكون في ذاتها.

و الحاصل ان العناوين تارة تكون من العوارض لأمر خارجي و تارة تكون قائمة باعتبار المعتبر فبعد تصديق هذه الضابطة ففي باب التجري و الانقياد لا يولّد هذه العناوين شيئا من المصلحة و المفسدة في المتعلق فعنوان مقطوعية الحرمة في‏

45

الخمر لا يوجب انقلابه عن واقعه و المقطوعية تكون من العوارض في أفق الذهن و القطع لما يحتاج إلى متعلق يتعلق بهذا و لا يكون من قبيل ماء العنب الموجب للنشاط في ذاته و عنوان الجرأة و الهتك و الظلم يكون في رتبة متأخرة عن الذات فعلى المختار من أن التجري هتك فالهتك لا يكون مولّد مفسدة في ذات الماء المقطوع خمريته و التوهين في الجلوس عند لزوم القيام لعالم لا يؤثر شيئا فيه و لذا ترى عدم خارج لبعض متعلقات القطع مثل ما إذا تعلق بوجود أسد في الدار فظهر خلافه.

فنقول مع القول بأن العناوين الثانوية توجد مصلحة لا في كل حال فلا يصير بعض العناوين موجبا لمفسدة في المتعلق حتى يكون حراما. فالحاصل انه لا يوجد مفسدة فلا يستتبع حكما شرعيا هذا أولا.

و ثانيا: لو كان العنوان مولدا لمفسدة فلا يوجب كل عنوان النهي الشرعي لأن النهي يجب أن يكون متعلقه خارجا و ملتفتا إليه و عنوان القطع يكون مغفولا عنه و القاطع يرى الواقع و لا يرى قطعه و التجري يجب أن يكون في كل الموارد سببا للحرمة بكل الخطابات بأن يقال أيها القاطع أو المهتك أو الظالم لا تفعل كذا.

و بعبارة واضحة لو سلم إيجاد المفسدة فمن الشائع بينهم ان الخطابات الشرعية تتعلق بما يكون ملتفتا إليه فلا يجب الصوم المغفول عنه مثلا. نعم يمكن الخطاب بعنوان الهتك لأنه لا يكون مغفولا عنه.

قال النائيني (قده) ان القطع يمكن أن يكون متعلق الخطاب و لذا يصير تارة تمام الموضوع و أخرى جزئه و هو حاضر عند القاطع قبل الخطاب فيتوجه إليه فالخمر بعنوان القطع به يمكن النهي عنه فيه ان حضور القطع عند القاطع لا شبهة فيه ففي القطع الجزء الموضوعي يكون عنوان المقطوع مولّد المصلحة فحضوره عند القاطع لا يكفى و القطع الطريقي الجزء الموضوعي مثل ما إذا قيل إذا قطعت بغصبية شي‏ء فهو حرام يكون الحكم على عنوان الغصب لا القطع.

46

و ثالثا: لو سلم كون عنوان التجري مولد مفسدة و الالتفات إليه ممكن و لكن هذه العناوين المتأخرة عن النهي الشرعي و لا تكون سببا له كما ان الإطاعة و العصيان أيضا بعد رتبة الأمر أو النهي و في رتبة الامتثال فان النهي عن شرب الخمر يكون قبل شربه فإذا شربه بعده يكون عاصيا و هكذا إتيان الصلاة مثلا بعد الأمر بها فلو لا الأمر لا معنى للإطاعة و لو لا النهي لا معنى للعصيان.

و بعبارة واضحة بعد الاعتقاد بأن ماء الرمان و صيرورته سببا للمفسدة لا يمكن للشرع ان يقول لا تشرب هذا المائع الّذي صار ذا مفسدة لأنه يلزم التسلسل أو اللغوية لأن التجري ان كان أثره إتيان خطاب لا تشرب فانه اما أن يشرب أولا فان عصى فيكون نهى آخر و هكذا و ان أطاع و لم يشرب فيكون واجبا.

و بعبارة أوضح لو كان عنوان التجري منشأ للتكليف لا اختصاص بالتجري الأول فكلما عصى النهي يجي‏ء نهى آخر و هكذا يتسلسل.

و بعبارة ثالثة بعد القطع بالخمرية و اليقين بالنهي فاما أن يؤثر الأول أولا فان أثر فهو و إلّا فيصير الثاني أيضا لغوا لأن الآمر إذا رأى العصيان لا يمكنه النهي على من لا يسمع نهيه.

فتحصل ان التجري لا يكون قابلا لجعل الحكم عليه و من هنا ظهر انه لا وجه بعد حسن الإطاعة و قبح التجري لما يقال من انه لا حاجة لنا لتوليد المصلحة و المفسدة فبعض الأحكام يكون على المستقلات العقلية و بالملازمة بين حكم الشرع و العقل يحكم الشرع بها فالعقل يستقل بقبح التجري فتكون الحرمة ثابتة بالملازمة و لا وجه لإتعاب النّفس لإيجاد المفسدة.

و مما قلنا ظهر ان هذا لا يصح اما للتسلسل أو للغوية فان استقل العقل بوجوب إطاعة أمر الصلاة فإذا جاء حكم آخر بإطاعة الأمر ثانيا فالامر الثاني أيضا يكون العقل مستقلا بإطاعته و هكذا فيتسلسل و ان لم يكف الأول للبعث لا وجه للأمر ثانيا و لذا قيل لو كان أمر مثل أطيعوا اللّه في مورد حكم العقل فيكون إرشاديا محضا و لا يمكن ان يكون تعبديا.

47

ثم لا يخفى ان ما ذكر من البحث الأصولي لا اختصاص له بما اخترناه بل يجي‏ء على مسلك الخراسانيّ و الميرزا (قدهما) دون الشيخ لأن القبح عندنا فعلى و عندهما فاعلي و عند الشيخ (قده) ليس لنا قبح عقلي أصلا.

الجهة الثانية في البحث الفقهي و هو ان التجري هل يكون حراما أم لا و مما ذكرنا في البحث الأصولي ظهر ان التجري لا يكون قابلا لجعل حكم تكليفي في مورده لأن الملازمة لا تكون قابلة للإثبات لأنه يكون في سلسلة المعلول و على فرضها لا تكون قابلة لاستتباع الحكم فلا يبقى مقام للبحث عن الحكم الفقهي.

و ينبغي التنبيه على أمور

الأول: لا فرق في التجري بين الحكم المقطوع في الإسلام و بين ما يكون ثابتا بالأصول و الأمارات فالمتخلف عن الأصول و الأمارات أيضا يصير متجريا سواء كانت الأصول من الأصول المحرزة مثل الاستصحاب أو غيرها مثل البراءة أو الأصول العدمية أو غيرها و السر في جميع ذلك هو ان المناط في التجري يكون الخروج من رسوم العبودية.

و بتقرير آخر ان التجري يتحقق ان قامت أمارة معتبرة على موضوع ذي أثر شرعي مثل شهادة العدلين كما يتحقق بالقطع و ان لم يكن مثل القطع لأن الشارع جعل الأمارة حجة و دليل اعتبارها يكون قطعيا لأنه لا يمكن أن يكون ظنيا لأنه يتسلسل و أيضا يكون مثل الأمارة و القطع الأصول المحرزة فمثل الخمر المتيقن الخمرية في السابق يستصحب خمريته و يجب الاجتناب عنه و كذا الأصول الغير المحرزة مثل قاعدة الطهارة عند عدم العلم بالحالة السابقة لأن دليلها يكون قطعيا و السر في الجميع واحد فكما ان مخالفة القطع يوجب الطغيان كذلك الأمارات و الأصول تكون طرقا مجعولة و وظائف مقررة للشاك توجب مخالفتها على المولى و الأصول تكون حجة عند رجاء الواقع و مع عدمه.

و مع الاحتمال فمخالفة السنة على ثلاثة أنحاء: الأول: إتيان العمل و لو كان‏

48

الواقع كذلك. و الثاني: عدم الاعتناء بالمصادفة و عدمها. و الثالث: ان يشرب الخمر مثلا و لو برجاء عدم كون المائع خمرا و هذا أيضا طغيان غاية الأمر يكون أخف محذورا من الصورتين الأوليين و تكون هذه الصورة بعقيدتنا تجريا لأن التجري يصدق على ما قام عليه الحجة في ظرف الشك فبعد عدم الاعتناء بدليل المولى يكون طغيانا.

و بعبارة واضحة: الأمارة مفادها إلقاء الظان احتمال الخلاف و كذلك الأصول فالشارع قال لنا مثلا ألق احتمال الخلاف و اجعلها كالقطع.

ثم انه ربما يشكل كما عن النائيني بأن الصورة الثالثة لا تكون تجريا في الأمارات و الأصول لأن التجري هو عدم المصادفة مع الواقع فإذا احتمل ان لا يكون خمرا فما شرب الخمر و الأمارات تكون حجة من باب الطريقية على ما هو التحقيق فوجهها عامل معاملة اليقين مع الظن و لا مصلحة في اخبار العادل بل المصلحة تكون في الواقع فان كان له واقع فهو و إلّا يكون لغوا.

و بعبارة أخرى ان اللّه تعالى يوصل الأحكام بطريقين: الأول: الإسماع و الخطاب و بعد احتمال عدم الوصول يجعل الأمارة فلهذا يقول المستشكل ان الشارب برجاء عدم الخمرية لا مخالفة له لأن الواقع لا يكون في التجري و اما من باب جعل الأمارة حجة فلا إشكال لأن الأمر الواقعي لا يكون و لا تكون الأمارة مصادفة للواقع و فرض انها تكون حجة لكشفها عن الواقع هذا في الأمارات.

اما الأصول المحرزة فهي مثل الأمارات في الحجية و إلقاء احتمال الخلاف و دليل اعتباره يكون أيضا طريقيا فما قلنا في الأمارات نقول هنا أيضا و الأضعف منهما الأصول الغير المحرزة و هذا الإشكال يكون منشأ أصل جعل الأمارات و الأصول و يكون من باب الشبهة المصداقية للحجة لأن الأمارة و الأصل المحرز و غيره إذا شك كذلك فيها فلعلها لا تكون حجة لأن كل مورد تكون الشبهة في المصادفة فتكون الشبهة في الحجية.

و الجواب عنه في محله بوجوه: الأول ان الفرق بين احتمال التكليف المنجز

49

و غيره موجود ففي الأول يحكم العقل بالاشتغال و في الثاني بالبراءة و الفرق واضح و ما نحن فيه قامت الأمارة على الواقع فان كان واقع في البين يكون الأمارات و الأصول بيانا فما هو وظيفة المولى ان صادف الواقع يكون بيانا و بعد المصادفة و تمامية البيان يعاقب العبد عند المحاجة و المؤمن لا يكون هنا لا من جهة العقل و لا الشرع و النكتة في ذلك ان جميع الطرق ان خالف الواقع يكون طغيانا عند عدم الانزجار فمهما لا تكون البراءة الشرعية و لا العقلية يستحق العقاب فلا فرق بين القطع و سائر الطرق نعم ان كانت حجية الأمارات من باب السببية فيحصل التجري بنفس مخالفته.

و الحاصل ان الحكم التكليفي الّذي يتجري العبد بالنسبة إليه اما ان يكون من ما ثبت بالقطع أو بالظن أو بالاحتمال اما الّذي ثبت بالقطع فلا شبهة في صدق التجري بالنسبة إليه إذا لم يصادف الواقع و اما الّذي ثبت بالظن فهو أيضا يكون مثل الّذي ثبت بالقطع في إثبات التكليف سواء في ذلك الأصول و الأمارات فان مخالفته يكون مخالفة للحكم الشرعي و انه على تقدير المصادفة مع الواقع حجة و لو كان طريقا إلى الواقع.

و قد زعم شيخنا الأستاذ العراقي (قده) في هذا المقام عدم صدق التجري إذا أتى بنية عدم الإصابة إلى الواقع مستدلا بان الأمارات حجة من باب انها طريق إلى الواقع و كذلك الأصول و لو لا الواقع فيكون العمل على طبقها لغوا فإذا لم يصب الواقع واقعا و قد تبين ان ما قامت البينة على انه خمر ما كان بخمر و شربه بنية كونه غيره فلم يفعل قبيحا فلا يصدق التجري على المولى.

و فيه ان الأمارات في كل الموارد يحتمل ان يكون غير مصادفة للواقع و كل مورد يكون من الشبهة المصداقية بالنسبة إلى الإصابة و عدمها و لكن يكون بيانيتها على فرض الإصابة إلى الواقع تماما فكل مورد قامت الأمارة على حكم أو موضوع لا يجوز مخالفتها فمن خالفها و لو بنية عدم الإصابة إلى الواقع يكون متجريا كمن شرب مقطوع الخمرية بنية عدم الإصابة و هذا القدر لا يكفى في رفع التجري.

50

و اما ما لم تقم الأمارة على إثباته و لا يكون مقطوعا بل يكون صرف احتمال الحكم مثل احتمال الحرمة الذاتيّة لصلاة الحائض فهل يكون إتيانه برجاء عدم الحرمة كافيا في عدم كونه تجريا أم لا فيه خلاف: فعن الشيخ العراقي (قده) هنا أيضا عدم صدق التجري لعدم وجود تكليف منجز في البين حتى يكون مخالفته مخالفة المولى و التجري عليه و لكن يمكن ان يقال ان الواقعة ربما يكون من موارد الشبهة التي لا يشمله البراءة [1] النقليّة لانصراف دليله عنه و لا العقلية و هو قبح العقاب بلا بيان من باب الانصراف أيضا كما في الموارد التي يكون الفحص مما يستقر به الشك مثل من كان نائما فشك في دخول الصبح بحيث لو فتح عينيه زال شكه فانه يجب عليه فتح العين لا استصحاب بقاء الليل و مثل من كان في بيته يعمل خمرا فشك في مائع انه خمر أم لا فانه يجب عليه الفحص و لا يكون في حقه البراءة عن كونه خمرا لكونه شبهة بدوية و بالفحص يزول شكه و ربما لا يكون المورد مورد الاحتياط أيضا مثل احتمال كون الصلاة لمن اشتبه عليه الأمر و لا يدرى ان الدم حيض أم لا حراما ذاتيا من باب انه يكون كذلك بالنسبة إلى الحائض فانه مع احتمال كون الحرمة ذاتية لا يكون وظيفتها الاحتياط لأنه يكون امره دائرا بين كون الصلاة حراما ذاتيا أو كونه واجبا من باب عدم كونها حائضا و لا يكون لها إجراء البراءة عن الحرمة الذاتيّة للعلم الإجمالي بأنه اما يكون كذلك أو يكون واجبا فعلى هذا اقدامه على العمل بدون الفحص يكون تجريا على المولى لعدم وجود المؤمن لإقدامه على العمل.

ثم انه في الصورتين من الثلاثة و هما صورة كون الحكم مظنونا أو محتملا اما أن يأتي برجاء عدم الإصابة إلى الواقع أو برجاء اصابته أو لا يكون بصدد أحدهما

____________

[1] أقول لا يمكن ان تكون الواقعة بدون حكم من الأحكام فانه في مورد انصراف الدليل يكون حكمه وجوب الفحص إذا احتمل الحرمة و في مثل احتمال الحرمة الذاتيّة في الحائض للصلاة إذا كانت المرأة اشتباهها في كون الدم حيضا أو استحاضة فحيث يكون امرها دائرا بين المحذورين فلها التخيير بين الفعل و الترك.

51

فالأوّل مثل من يكون من رفقائه و له عرق ديني يشرب الخمر و لكن يرجو عدم كونه خمرا و الثاني كمن يكون خمارا و يريد ان يشرب الخمر واقعا لترتب آثاره و اما صورة كون الحكم و الموضوع مقطوعا بهما فلا يتصور رجاء عدم الإصابة [1] لعدم احتمال ذلك مع الكشف القطعي و على أي تقدير يكون التجري صادقا إلّا ان من يأتي برجاء عدم الإصابة يكون أقل محذورا من غيره و اقرب إلى المولى.

في ثمرة بحث التجري‏

ثم ان ثمرة البحث عن التجري تظهر في العبادات و لكن تختلف حسب اختلاف المباني فان كان المبنى مبنى الشيخ الأنصاري (قده) القائل بعدم قبح فعلى و لا فاعلي للعمل بل هو يكون سوء السريرة فقط مع انه قائل بان الانقياد حسن و هو تفصيل بلا وجه فانه لو كان هذا حسنا يكون ذاك قبيحا فلا يضر بالعبادة كما في الصلاة في الدار المغصوبة إذا ظهر انها كان ملكه فالفاعل فاعل قبيح النّفس و لا ربط لسوء السريرة مع حسن الفعل بالعمل فانه يكون في نفسه مباحا.

و اما ان كان المبنى ما هو المختار من ان الفعل المتجري به يكون قبيحا و الفاعل يكون قبيحا لقبح فعله فلا شبهة في أنه على فرض عدم جواز اجتماع الأمر و النهي كما هو التحقيق لا تصح العبادة لأن قصد القربة لا يتمشى ممن يرى نفسه عاصيا و طاغيا على المولى.

نعم على مسلك القائل بجواز الاجتماع لا ثمرة للقول بقبح التجري و حرمته كما نسب إلى الميرزا القمي (قده) فان صفحة الصلاة غير صفحة الغصب بنظر هذا القائل فالغصب ظهر عدمه و الصلاة كانت صحيحة.

و اما على مسلك الخراسانيّ (قده) القائل بان الفعل المتجري به لا يكون قبيحا بل هو حسن و انما القبيح هو الفاعل لذلك الفعل و لازم هذا القول أيضا هو القول‏

____________

[1] هنا أيضا يمكن ان يحتمل عدم الإصابة من باب احتمال كون علمه جهلا مركبا.

52

ببطلان العبادة لأنه يرى نفسه عاصيا و العاصي لا يمكن ان يرى نفسه مطيعا فلو فرض تمشي [1] قصد القربة من المتجري من باب جواز اجتماع الأمر و النهي لا يكون لهذا العمل صلاحية المقربية لأنه يكون بهذا العمل بعيدا عن المولى لا قريبا إليه.

فتحصل ان التجري إذا كان قبيحا فعلا و فاعلا أو فاعلا فقط يمنع عن صحة العبادة المتجري بها.

الأمر الثاني في أقسام القطع‏

فانه على خمسة [2] أقسام الطريقي المحض و الطريقي الجزء الموضوعي و الوصفي الجزء الموضوعي و الوصفي التمام الموضوعي و الطريقي التمام الموضوعي كما حرر في كتب الأصول فانه إذا لم يكن المصلحة الا في متعلق القطع فلا يكون العناية إليه أصلا و اما إذا كان موضوعا أو جزئه فيكون إليه النّظر الاستقلالي كما أن جميع الموضوعات كذلك و لا إشكال في سائر الأقسام تصويرا.

و انما الإشكال عن شيخنا النائيني (قده) في الأخير و هو الطريقي الّذي يكون تمام الموضوع مثل ما يقال إذا قطعت بحرمة شي‏ء يجب عليك التصدق بدرهم و معناه ان القطع هو تمام المؤثر لكن إذا كان طريقا إلى حرمة الخمر لا ما إذا كان طريقا إلى حرمة الزنا مثلا و اشكاله (قده) اما ان يكون من جهة انه لا يمكن اجتماع اللحاظين أي الآلية و الاستقلالية ضرورة ان الطريقية لازمها كون القطع مما يرى به‏

____________

[1] أقول لو كان هذا هو الحق فيلزم ان يكون على مسلكه مد ظله أيضا كذلك بالأولوية و لا وجه لاستثنائه مسلك القائل بالجواز فانه على الجواز أيضا يلزم ان يقول انه لا صلاحية لكونه مقربا.

[2]: أقول لم يكن في كلماتهم شرح هذه الأقسام و امتياز بعضها عن بعض في ترتيب الآثار و اكتفوا بالتقسيم و لا يكون الفارق في الوضوح بحيث لا يحتاج إلى الشرح و الشيخ (قده) مثل لبعض الأقسام إجمالا نعم يظهر من مطاوي البحث بعض ما هو فارق و لكن لا يكفى.

53

الغير و الاستقلالية لازمها رؤية القطع نفسها و اما ان يكون من جهة ان المصلحة لا يمكن ان يكون في القطع فقط على هذا الفرض فانه يكون لذي الطريق أيضا دخلا ما.

اما ان كان اشكاله من ناحية عدم جمع اللحاظين فمندفع لأن النّفس لا يقهر بعد رؤيتها القطع طريقا حتى لا يكون لها في لحاظ آخر ان تراه موضوعا فان موطن اللحاظين في النّفس متغاير ضرورة.

و اما [1] ان كان من جهة المصلحة و انه لا يمكن ان يكون العلم الطريقي هو تمام الدخيل في الحكم و حيث ان متعلق العلم أيضا يكون له نحو دخل لا يمكن تمامية الموضوع فهو أيضا مندفع بأن العلم طريق بالنسبة إلى المعلوم و موضوع بالنسبة إلى الحكم الثاني و المتعلق يكون طرف إضافة فقط مثلا ان العلم بحرمة خمر يكون هو الدخيل في وجوب الصدقة و ليس حرمة الخمر الا طرفا للإضافة و هذا الجواب حلّي.

و اما الجواب النقضي فهو ان اشكاله (قده) حيث يكون عمدة توجهه إلى اجتماع اللحاظين الآلية و الاستقلالية فهو يكون في صورة كون العلم الطريقي جزء الموضوع فانه أيضا لا بد ان يكون بنظر الجزئية للموضوع مستقلا و بالنظر إلى ذي الطريق آليا و حيث لم يشكل في هذا الّذي يكون الإشكال مشترك الورود بالنسبة إليه أيضا يجب ان لا يشكل في صورة كون العلم الطريقي تمام الموضوع.

فتحصل ان تصوير الأقسام بأجمعه لا إشكال فيه نعم أكثر ما في الأدلة الشرعية يكون العلم الطريقي اما المحض أو بنحو جزء الموضوع أو تمام الموضوع و اما الوصفي بلحاظ انه صفة بين صفات النّفس فلا يكون منشأ أثر في الشرع أعني في لسان الأدلة.

الأمر الثالث: في قيام الأمارات و الأصول مقام القطع‏

و الأقوال هنا أربعة: الأول: قيام الأمارات و الأصول مطلقا محرزة أو غيرها

____________

[1] على ما فرض من المثال من ان القطع بحرمة خمر يكون موضوعا لوجوب التصديق لا القطع بحرمة الزنا مثلا فيكون لحرمة الخمر دخلا ما في الموضوع.

54

مقام القطع سواء كان طريقيا أو موضوعيا و الثاني: قيام الأمارات و الأصول مطلقا مقام القطع الطريقي فقط لا الوصفي و الثالث: قيام الأمارات مقام القطع مطلقا موضوعيا أو طريقيا دون الأصول محرزة كانت أو غيرها و الرابع: قيام الأمارات و الأصول المحرزة مقام القطع الطريقي دون الأصول الغير المحرزة.

فمثل الاستصحاب و قاعدة التجاوز و الفراغ و أصالة الصحة يقوم مقامه دون البراءة و التخيير و اختلاف الأقوال كذلك يكون لاختلاف المباني في باب جعل الأمارات و الأصول فيجب بيان مقدمات لتوضيح المقام.

الأولى في وجه منجزية الأمارات فنقول هنا مسالك أربعة: الأول: مسلك شيخنا النائيني (قده) و هو ان لسان أدلة حجية الظن مثل الخبر الواحد يكون لتتميم الكشف و جعل الظن منزلة العلم و لكن يكون التنزيل بالنسبة إلى آثار المقطوع كما يميل إليه بعض الميل فإذا قامت الأمارة على حرمة شي‏ء تكون مثل القطع بحرمته لكن بالنسبة إلى آثار الحرام الكذائي لا بالنسبة إلى أنه قطع ليترتب عليه آثار القطع و صيرورته مقام القطع الجزء الموضوعي.

و يرده ان التكوين لا ينقلب عما هو عليه بواسطة الدليل فلا يصير الظن علما بل يكون التنزيل بلحاظ الآثار الشرعية و هو أعم من كونه للقطع أو للمقطوع.

و الثاني: مسلك الأنصاري (قده) و هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع فيكون مرامه ان ما قامت الأمارة عليه يترتب عليه آثاره كما لو كان مقطوعا به لا انه مقطوع به و عليه أيضا و ان كان المبنى فاسدا لا يمكن ان تصير الأمارة مقام القطع لأنها لا يكون النّظر إليها من هذه الجهة أصلا.

و الثالث: مسلك المحقق الخراسانيّ (قده) و هو ان مفاد الأمارات هو جعل الحجة أو الحجية أو جعل المماثل كما في الاستصحاب و عليه أيضا لا يكون النّظر إلى القطع بل يكون حجة فقط لترتيب آثار الواقع فلا يمكن ان يصير مقام جزء الموضوع أو تمام الموضوع من القطع و لكن المبنى فاسد.

و الرابع: و هو التحقيق هو ان لسان أدلة الأمارات هو إلقاء احتمال الخلاف‏