مجمع الأفكار ومطرح الأنظار - ج4

- محمد علي إسماعيل پور المزيد...
477 /
3

الجزء الرابع‏

[تتمة المقصد السابع في الأصول العملية]

[المقام الثاني في الاستصحاب‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و به نستعين‏ و صلى اللَّه على محمد و آله الطاهرين و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر أقول تذكرة لنفسي و لمن أراد التذكر انه لا يخفى على أهل البصيرة ان أفضل ما بأيدينا بعد القرآن الكريم من الكلام كلمات النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) و كلمات الأوصياء العظام الأئمة الاثني عشر روحي لهم الفداء و (عليهم السلام) و يعبر عنها بالسنة و حيث انهم كلمات اللَّه التامات و أسماؤه الحسني بوجودهم يكون كلامهم اللفظي أيضا أتم الكلمات و أمتنها و في المثل كلام الملوك ملوك الكلام فيجب التدبر جدا فيما صدر عنهم (عليهم السلام) فان كلامهم نور و أمرهم رشد و هو المتن و ساير الكلمات في الحاشية ان أخذ من معاني كلماتهم و إلّا فلا وقع لها و لا اعتماد عليها و أي باحث كان في أي امر من الأمور الدينية التي فيها نظام المجتمع و يكون أهم ما بعث له الأنبياء (صلوات اللّه عليهم أجمعين) لا بد له من النّظر إلى ما صدر عنهم لأنهم معصومون من الزلل في القول و الفعل و التقرير.

و من هذا الوجه يكون الاخبار روح الفقه و روح الأصول و روح الاعتقادات بعد القرآن الشريف فالحكماء و الفقهاء و الأصوليون و ساير العلماء لا بد لهم من النّظر في كلماتهم أولا ثم التعمق حقه ثم توضيحها كما هو أدب العلماء الشامخين على ما ترى في كتبهم و مؤلفاتهم.

4

و لنا ان نقول كل من كان في صدد إبداع ما لم يوجد فيها لفظا أو معنى و لم يكن مذاقه مذاقهم يفتضح في مدة قصيرة من مؤلف أو ناطق أو باحث أعاذنا اللَّه تعالى من هذا السبيل الّذي فيه هلاك من سلكه و من تبع سالكه و نسأل اللَّه التوفيق لفهم كلماتهم و التدبر فيها بعد التدبر التام حسب الوسع في القرآن العظيم فإن ما لا يصدر عن الشهوات و الميول النفسانيّة و لم يتصرف فيه أيدي الظلم و الجاهلية و لم يتغيره جو عالم التزاحم و المشحون بالنكبات حقيق بأن نتدبر فيه.

و من هذا السبيل أي سبيل التفكر و التدبر قد مضى عمر جميع كثير من العلماء (رضوان اللَّه تعالى عليهم) و شكر اللَّه مساعيهم في تأليف الكتب في الفقه و الأصول و التفسير و الاعتقادات و سائر العلوم و هذا الأمر صار سببا لأن يصير ما ذكرنا في المتن من قوله (عليه السلام) لا تنقض اليقين بالشك و أمثاله في عدد من الروايات كتابا قطورا في الاستصحاب و قوله (عليه السلام) رفع ما لا يعلمون في حديث كتابا قطورا في البراءة و هكذا ساير كلماتهم (عليهم السلام) صار كل واحد منه سببا لتأليف رسالة و رسالة في القواعد الفقهية و الأصولية و غيرها و لا محيص بعد عدم التصريح بمواردها في كلماتهم و عدم وصولنا إليهم (عليهم السلام) إلّا أن نبحث و نلاحظ هذا الكلام و ذاك ثم نستفيد من جمعهما شيئا ليسعنا ان نقول فهمنا هذا الكلام و ذاك فإن أحاديثهم صعب مستصعب من هذه الجهة و من هذا الوجه لا بد من التنبيهات في الاستصحاب و ملاحظته مع ساير القواعد كقاعدة التجاوز و الفراغ و اليد و أصالة الصحة و القرعة و غيرها و لا يسمع القائل ان يقول فهمت معنى لا تنقض اليقين بالشك إلّا ان يبين مورده و يجيب عما ظاهره المناقضة أو المضادة معه و لا يكفى اجتهاد الماضين و فهمهم لمن يكون في صدد الفهم نفسه ففي كل زمان و دورة يجب الفحص و البحث و لا ينتهى أمده ما دام البشر يكون تحت لواء النبوة و الإمامة إلى يوم القيامة فليس لقائل ان يقول يكفى ما فهموه و ما كتبوه فإن الزحمات التي توجهت إليهم في طول حياتهم لفهم هذه الكلمات و أبرزوها بالكتابة يجب ان تتوجه إلينا لا محالة على العادة حتى نصير مثلهم فكما ان الشيخ الأعظم الأنصاري‏

5

قده و صاحب الجواهر (قده) و غيرهما من المتأخرين و الشيخ المفيد و الطوسي و السيد المرتضى و أمثالهم (قدس اللّه أسرارهم) من المتقدمين قد أتعبوا أنفسهم طول حياتهم في ذلك حتى بلغوا إلى ما بلغوا يجب ان يكون من يريد أن يكون مثلهم أيضا فضلا عن كونه أفضل منهم طول حياته في تعب كذلك ليفهم ما فهموه فإن العلم حسب العادة تدريجي الحصول.

ثم ان الكتب في شتى العلوم كثيرة و لا مجال لمطالعة بعضها المعتنى به فضلا عن جميعها في طول العمر و الأفكار متشتتة و الآراء مختلفة و الخطايا كثيرة في غير ما هو صادر عن المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) فلا بد لمن هو سالك طريق العلم ان يأخذ العلم أولا من الكتاب المحكم ثم السنة ثم من المؤيدين بهما من العلماء الشامخين الذين هم أهل هذا الفن ممن هو معروف بصفاء الباطن و سلامة الفكر عن الوساوس الشيطانية أعاذنا اللَّه منها.

ثم ان العلم الّذي نريد أخذه من الاخبار المنسوبة إليهم (عليهم السلام) في غير قليل من الكتب مشوب بالجهل الّذي حصل بدس الدساسين في الاخبار كما لا يخفى و هو امر مشكل جدا مع غيبة الإمام صاحب الزمان روحي له الفداء بل لو فرض الحضور أيضا يحتاج فهم معاني كلماته (عليه السلام) مثل كلمات آبائه الكرام إلى حسن القريحة و لطافة الذهن الّذي لا يحصل إلا بتزكية النّفس و تحصيل الصفاء بالرياضات المشروعة و من هذه الجهة ورد في الأثر عنهم (عليهم السلام) أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا (في الوسائل باب 9 من أبواب صفات القاضي ج 18 ح 27).

و الحاصل الوصول إلى مبلغ من العلم لا بد له من توجه تام إلى مبدأ العلم بالتضرع إليه و الالتفات إلى ان الفقير بالذات فقير دائما و الغنى بالذات غنى دائما و عدم التكبر بما وجد من قليل من العلم أو الاصطلاح الّذي هو مربوط بالعالم بالذات الّذي يخاطب رسوله الأمين بقول تعالى «سنقرئك فلا تنسى الا ما شاء اللَّه انه يعلم الجهر و ما يخفى» ليكون غيره (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) مع غاية ضعفه و فقره في مقابله (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) على بصيرة

6

من الأمر و انه تعالى متى شاء يأخذ ما أعطاه و ان لم يكن الاستثناء في الآية بالنسبة إلى نبيه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) الا من باب بيان ربط علمه (صلى اللَّه عليه و آله) مع عظم شأنه بخالقه الواجب بالذات و الواجب في الصفات في مقابل الممكن بالذات و الصفات و هذا الاستعداد هو ما يحصل بمناجاة اللَّه تعالى في الأوقات المناسبة من الليل و النهار و من الإتيان بالنوافل خصوصا في الليل لأن المقام المحمود يحصل بنوافل الليل الّذي يكون شواغل النهار فيه أقل كما قال اللَّه تعالى و من الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا).

ثم لا يخفى ان فهم كلام واحد ربما يئول إلى إطالة البحث في جوانبه لصعوبة طريق فهمه و بعض المعاني بحيث كلما أريد فيه الاختصار يبدو بوجه آخر مفصلا بحيث لو لا التفصيل لم يحصل الوصول إلى معنى ما هو المختصر و في ظني ان المحقق الخراسانيّ (قده) أراد بتأليف الكفاية في الأصول تحصيل الاختصار في المطالب الأصولية بعد شيخه الأستاذ العلامة الأنصاري (قده) دفعا لبعض ما يرد على التطويل ثم ترى الكتب عن الاعلام من المجتهدين العظام لتوضيح ما اختصره الّذي لا بد منه في مقام التفهيم و التفهم فشأن بعض المطالب هو التوضيح و التشريح لصعوبته.

لا أقول ان ما بأيدينا من الكتب الأصولية في غاية النظام بل يمكن تنقيح المطالب و تحريره بوجه أحسن و حذف بعض المطالب الّذي الا ثمرة له الأعلمية و صرف الفكر في وجه عملي له ثمرة أخرى غير العلمية و ان لم يختص أمثال ذلك بعلم الأصول فقط بل ساير العلوم أيضا لا يخلو عنه و لكن مع عدم المجال و كثرة الاشتغال لا يحصل التوفيق غالبا للإحاطة بالكلمات و تأسيس تنظيم خاص الا للأوحدي من العلماء.

ثم ان التأليف الّذي بين أيديكم في الاستصحاب يكون التفصيل فيه في بعض المطالب بوجه لم يوجد في كتب الأصول كالقرعة من القواعد المبحوثة عنها بالمناسبة مع الاستصحاب و هو مجمع الأفكار كما سميته به و أشكر اللَّه فيما هداني و وفقني و ما

7

كنت لأهتدي لو لا ان هداني اللَّه تعالى و أرجو من المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) سيما الإمام الثاني عشر روحي له الفداء و (عليه السلام) ان يقبلوا هذا القليل بمنهم و كرمهم فلو لا رضاهم و قبولهم لكنا من الهالكين و أهدي هذا الكتاب إليهم (عليهم السلام) و أعوذ باللّه تعالى من حبط العمل و سوء العاقبة و السلام على الأعاظم من العلماء سيما الأستاذ العلامة مد ظله و على إخواني المحصلين الطلاب و العظام و أرجوهم ان لا ينسوني من الدعاء و طلب المغفرة و الحمد لله كما هو أهله المؤلف‏

8

بسم اللَّه الرحمن الرحيم و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

اما بعد فهذه تقريرات بحث شيخنا العلامة الفهامة آية اللَّه العظمى الحاج ميرزا هاشم الآملي أطال اللَّه بقاء وجوده الشريف أبا للعلم و التحقيق مع ما بلغ إليه النّظر بعد البحث و الفحص بقدر الوسع و المجال في تذييلاتها من مؤلفه محمد علي الإسماعيل‏پور الشهرضائي القمي و نسأل اللَّه التوفيق فانه خير رفيق و هو حسبي و نعم الوكيل.

فصل في الاستصحاب و البحث فيه يستدعى تقديم أمور:

الأمر الأول في معناه‏

في نظر الشرع و تعريفه و أن لم يكن له فائدة لعدم الاحتياج إليه بعد ما كان المراد معلوما و لا وجه للنقض و الإبرام فيه سواء كان من الأمارات أو من الأصول التعبدية أو الأصول المحرزة و لا نحتاج إلى بيان تعريف جامع ينطبق على جميع المباني في سند حجيته مثل كونه هو الاخبار أو بناء العقلاء أو حكم العقل و لكن لا بأس بالإشارة إليه كما فعله الشيخ (قده) و قال أنه إبقاء ما كان و قد تعرض لهذا التعريف شيخنا العراقي (قده) و قال كما قال الشيخ بأن هذا التعريف أسد و أخصر اما أخصريته فواضحة و أما أسديته فلانطباقه على جميع الإسناد في الاستصحاب لأنه لو كان حجة مثل حجية الخبر الواحد فيكون معناه الحكم بالبقاء لقوله (عليه السلام) لا تنقض اليقين بالشك فإن معناه هو ذا و لو كان السند بناء العقلاء فهم أيضا يحكمون بالبقاء على ما كان فزيد محكوم مثلا بالرجوع إلى داره و عدم الحكم بخرابه إذا شك فيه و هكذا لو كان السند هو العقل فانه يدرك ان ما كان يكون باقيا على ما كان للملازمة بين‏

9

الحدوث أو البقاء فعلى هذا لا يرد عليه الإشكال مطلقا لا نحافظ معنى البقاء في الجميع و لكن [1] يرد عليه أن المراد بالاستصحاب أن كان هو فعل الآمر فيكون هو الحكم بالبقاء أو الإبقاء لا نفسه فإن فعله ليس إلّا النهي عن نقض اليقين بالشك و أن كان المراد به فعل المأمور فهو ليس إلّا الجري العملي على البقاء لا نفسه هذا لو كان السند الاخبار و لو كان السند بناء العقلاء فهو ليس إلّا الجري العملي على البقاء و لا يكون لهم حكم به ضرورة أنا نرى عملهم في الخارج و رجوعهم إلى منازلهم و لا نرى منهم الحكم بالإبقاء و أفضح من ذلك إذا كان سنده العقل فانه لا وظيفة له الا الدرك و هو ليس البقاء و الإبقاء.

و ثانيا أن الاستصحاب يطلق عليه الحجة فإن كان هو فعل المأمور فليس هو الحجة لأنه ليس إلّا الجري العملي و أن كان فعل الآمر فهو مدلول الحجة لا نفسه و لا يصدق على مفهوم الإبقاء الحجة و هكذا لو كان الحاكم هو العقل أو العقلاء فلا ينطبق هذا التعريف على جميع الأسباب للحجية من الاخبار و بناء العقلاء و العقل و لا على فعل المأمور و لا على فعل الآمر.

____________

[1] أقول يمكن رفع الإشكال بأن معنى الإبقاء على أي تقدير يكون منحفظا بيانه أن الاستصحاب لا يكون فعل الأمر لأن فعله ليس إلّا النهي عن النقض و لا يقول به العراقي (قده) أيضا فهو فعل المأمور و هو الجري العملي و يصدق عليه أنه إبقاء يعنى بلحاظ الأثر و إلّا فالوجود التكويني في النّفس هو الشك فهو نفس الإبقاء و هكذا و لو كان السند بناء العقلاء و العقل و للعقلاء الحكم كما ان للعقل أيضا حكم عقلي مع الجري العملي أيضا فإنكار الحكم العقلائي أيضا فيه خفاء ثم إطلاق الحجة على الجري العملي يكون بلحاظ سنده كما أنه إذا قيل خبر الواحد حجة معناه أن سنده الحجة و إلّا فالخبر خبر و الاستصحاب استصحاب فإطلاق الحجة بهذا اللحاظ مما لا إشكال فيه و بلحاظ نفس الإبقاء و أن لم يطلق عليه الحجة و لكن باعتبار سنده تطلق عليه و هذا هو مراده (قده) و الأستاذ مد ظله أيضا اعترف بعد الدرس بإمكان الدفع كذلك و كلامه هنا يكون جريا على البحث في المطلب لا على ما هو الحق.

10

و لذا عرفه النائيني (قده) بتعريف آخر حيث رأى ورود الإشكال على هذا التعريف بأنه حكم شرعي ببقاء الإحراز السابق من حيث اثره و هو الجري العملي على طبقه [1] فبين (قده) مائزه من ساير الأصول بأنه حكم ببقاء الإحراز فإن البراءة حكم تعبدي لا يكون فيها جهة الإحراز و مائزه من الأمارات هو أن الموضوع فيه الشك و فيها يكون المورد هو الشك و فيه أن مبناه (قده) على أن سند الحجية هو الاخبار فقط و يكون اليقين في قوله (عليه السلام) لا تنقض اليقين بالشك مرآتا عن المتيقن و معناه ترتيب آثار المتيقن على المشكوك تبعا للشيخ (قده) و على هذا لا ينطبق هذا التعريف لأنه يكون عليه هو الحكم الشرعي بالمحرز و هو المتيقن لا الحكم الشرعي بالإحراز.

نعم ينطبق على مسلكنا في ذلك عملا بظهور الرواية و هو أن اليقين لا ينقض بالشك فكل أثر يكون على اليقين نفسه و على المتيقن الّذي يكون اليقين مرآتا بالنسبة إليه يترتب عليه فإن بعض الآثار يكون لخصوص اليقين فانه إذا كان جزء الموضوع يكون اليقين الّذي استصحب مقامه لأن المفروض أنه باق و هذا لا يترتب على القول بتنزيل الأثر في المتيقن فقط لأن لازمه هو بقاء المتيقن بحكمه على ما هو عليه لا اليقين و من مفاسد مبناه هو عدم حكومته على البراءة أيضا لأن الإحراز الّذي هو الفارق لا يكون ثابتا به و منه عدم جواز الصلاة مع استصحاب الطهارة لأن شرطها هو الطهارة الواقعية و هي لا تثبت بواسطة تنزيل المشكوك منزلة المتيقن.

و ثانيا أنه لو كان هو الحكم ببقاء الإحراز لا ينطبق على ما هو فعل المأمور و هو

____________

[1] هذه العبارات من كتاب أجود التقريرات للعلامة الخوئي مد ظله ص 343 و لكن تعبيره في فوائد الأصول (تقرير الشيخ محمد علي الكاظمي قده) بنحو آخر و هو قوله فالأولى في تعريفه أن يقال أن الاستصحاب عبارة عن عدم انتقاض اليقين السابق المتعلق بالحكم أو الموضوع من حيث الأثر و الجري العملي بالشك في بقاء متعلق اليقين و هذا المعنى ينطبق على ما هو مفاد الاخبار إلخ و قد رأيت أن اشكاله مد ظله يكون على التعبير في الأجود و تعبيره في الفوائد خال عنه.

11

الجري العملي لأنه ليس هو الحكم.

و ثالثا على فرض عدم إثبات الإحراز لا يكون له الفرق مع ساير الأصول فهو مثل قاعدة الطهارة و الحلية من الأصول الغير المحرزة و لكن على ما هو التحقيق من تنزيل اليقين ينطبق التعريف بوجه.

ثم أن بعض الأعيان (قده) قال بأن دليل الاستصحاب أن كان الاخبار فهو من الأصول العملية المحرزة و أن كان بناء العقلاء فهو ليس إلّا الجري العملي فقط و أن كان العقل فيمكن إطلاق الحجة عليه لأنه مما يحتج به.

و فيه أن المستفاد من الاخبار بناء على تنزيل الشك منزلة اليقين هو حجية الاستصحاب و اما بناء على تنزيل المتيقن منزلة المشكوك فهو أصل عملي لأن المراد به ترتيب الآثار للمتيقن و لا يكون مثل اليقين التنزيلي حجة و اما على فرض كون الدليل بناء العقلاء فهو و أن لم يكن الا الجري العملي و لكن كيف لا يطلق عليه الحجة كما يطلق على الخبر الواحد فإن سنده و لو كان بنائهم أيضا و لكن إطلاق الحجة عليه مما لا كلام فيه و الاستصحاب على الفرض أيضا يكون كذلك و الحاصل إطلاق الحجة عليه على التقادير و على مذهب التحقيق من تنزيل اليقين فيه لا إشكال فيه.

الأمر الثاني‏

[1] في أن الاستصحاب يكون من المسائل الأصولية أو الفقهية أو من المبادي أو يكون التفصيل بين الأحكام و الموضوعات بالقول بكونه أصولا في الأول فقط فيه خلاف و المراد بالمسألة الأصولية هو ما يقع نتيجته كبرى للصغريات الفقهية من الأحكام كما هو مفاد الأمارات أو يكون منتهيا إلى العمل و تعيين الوظيفة كما في الأصول فانها تكون في مقام بيان وظيفة المتحير عند الشك، و التحقيق عندنا هو أن البحث إذا كان عن حجية شي‏ء يكون أصوليا و ان كان في تطبيق ما هو الحجة على الموارد فيكون فقهيا و لا شبهة في أن البحث عن حجية الاستصحاب من المسائل‏

____________

[1] أقول و لا يخفى عدم وجود الثمرة لهذا البحث في الفقه و لا فائدة له الا تقوية الفكر.

12

الأصولية كما أن البحث عن حجية الخبر الواحد أيضا يكون أصوليا انما الفرق بينهما في أن ما يستفاد من الخبر الواحد يكون حكما من الأحكام لأنه أمارة و لكن ما يستفاد من الاستصحاب و غيره من الأصول يكون بيان وظيفة الشاك فيقال في الأول هذا مما أخبر بوجوبه الثقة و كل ما أخبر بوجوبه الثقة يكون واجبا فهذا واجب و في الاستصحاب أيضا يقال هذا مما له حالة سابقة يقينية و كل ما كان كذلك يجب عدم نقضه بالشك فهذا يجب عدم نقضه بالشك و لا يخفى أن دخل الاستصحاب في الفقه يكون قريبا و دخل الصرف و النحو و المنطق يكون بعيدا و لهذا يكون البحث فيه من الأصول و البحث فيما ذكر من المبادي و هذا هو الفارق بينه و بين ساير العلوم.

و توهم أن المسألة الأصولية هي التي تكون في الأحكام الكلية و يكون مهارها بيد المجتهد و ما يكون مهاره بيد المقلد فليس من الأصول بدليل أن الفحص عن المعارض و عن الدليل في الاستصحاب و غيره يكون من شأن الفقيه و لا حظّ للمقلد فيه بخلاف مثل استصحاب طهارة الشخص لثوب نفسه أو استصحاب حياة زيد فانه يكون شأن المقلد أيضا.

مندفع لأن البحث عن دليلية الدليل هو الأصول و التطبيق تارة يكون بيد المجتهد مثل تطبيق الدليل على الموارد الخاصة و قوله بجريان الاستصحاب مثلا في هذه الواقعة من جهة الحكم و تارة يكون بيد المقلد مثل استصحاب الحياة بعد أخذ حجيته عن المجتهد و هذا هو الوجه لرد هذا التوهم.

و لا يرد عليه ما يقال من أن الاستصحاب في الأحكام بيد المجتهد كيف يصير أصولا و في الموارد الخاصة كيف يصير فقها مع أن الدليل واحد و هو لا تنقض اليقين بالشك.

لأنه يقول ان الحكم الكلي انحلالي ففي بعض الموارد فقه و في بعضها أصول.

ثم أنه لا يقال عليه أيضا بأن الأمر لو كان كما ذكرت فما هو مفاد الأمارات أيضا كذلك لأن البحث عن معارضها و سائر ما له دخل في إثبات الحكم مثل الوجوب‏

13

أو التحريم يكون بيد المجتهد فهي أيضا أصول.

لأنه يقول لا أبالي و يلتزم بأن كل مورد يكون البحث في الحكم الكلي فهو أصول و في الموارد الجزئية فهو فقه.

فتحصل أن الإشكال عليه هو ما ذكرنا من أن كل مورد يكون البحث عن الحجية يكون من الأصول و كل مورد يكون البحث عن التطبيق فهو فقه و من هنا يظهر أن البحث عن دليل قاعدة ما لا يضمن و قاعدة لا ضرر و قاعدة الفراغ أصول و لو ذكر في الفقه و لم يكن محررا في الأصول و البحث عن تطبيق القواعد على الموارد فقه و لا فرق بين يجب الصلاة و يجب الصلاة و يجب تصديق العادل أو يجب عدم نقض اليقين بالشك بعد إحراز الدليلية و الحجية غاية الأمر في مثل يجب الصلاة يكون الحكم نفسيا و في مثل يجب تصديق العادل و أمثاله يكون الحكم طريقيا و هذا لا يوجب الفرق.

و لا فرق بين أن يكون السند لحجية الاستصحاب هو الاخبار أو بناء العقلاء أو العقل فجزء الأخير من العلة التامة و للاستنباط هو الأصول و بقية ما هو دخيل مثل الصرف و النحو و المنطق من المقدمات و المبادي من أي دليل كان مع حفظ كونه بحثا عن دليلية الدليل.

ثم أن البحث عن حقيقة الاستصحاب و أنه هل هو الجري العملي أو غيره يكون من المباحث الفلسفية لأنها يكون البحث فيها عن حقيقة الأشياء كما هي فالقول بأنه إبقاء ما كان عملا أو بناء يكون من مسائلها و لا ربط له بالفقه و لا الأصول فظهر من جميع ما تقدم ما هو الحق في معنى المسألة الأصولية.

الأمر الثالث في فرق الاستصحاب مع قاعدة المقتضى و المانع و مع قاعدة اليقين‏

و هذا البحث يفيد بالنسبة إلى الدليل الدال على أن اليقين لا ينقض بالشك من جهة التطبيق على أي معنى من المعاني و الحق عدم شموله لقاعدة المقتضى و المانع و أن توهم الشيخ هادي الطهراني (قده) أن الاستصحاب يرجع إليها و يكون دليله دليلها.

و حاصل الفرق هو أن المقتضى لا يكون وجود مقتضاه في الخارج فعليا فان‏

14

اليقين قد تعلق بأصل المقتضى و يكون الشك في وجود المانع فان كان المانع موجودا لم يؤثر اثره و أن لم يكن لأثر الأثر مثل النار المقتضى للإحراق لو لا رطوبة الثوب في التكوين فإن اليقين إذا كان بوجود النار المقتضى للإحراق لا يكون من اليقين بالإحراق و كما أن الملاقاة مقتضية للنجاسة في الشرعيات و الكرية مانعة.

و هذا بخلاف قاعدة اليقين فإن المتيقن قد أحرز وجوده في الخارج مثل عدالة زيد يوم الجمعة ثم حصل الشك في عدالته في يوم الجمعة بعدها فقد أحرزت العدالة في زمان من الأزمنة و في المقتضى يكون الشك في أصل الوجود.

و اما الفرق بين قاعدة اليقين و الاستصحاب فهو أن الشك في الثاني يكون في طول اليقين و لا يكون متعلقا بالمتيقن في ظرف اليقين بخلاف القاعدة فانا إذا شككنا في عدالة زيد يوم الجمعة مع الشك يوم الخميس في زوالها لا يكون الشك متعلقا بما حصل اليقين بالنسبة إليه في يوم الجمعة.

و اما إذا حصل الشك في العدالة في نفس يوم الجمعة يكون هو من قاعدة اليقين فالشك يكون في اليقين السابق و لذا يسمى شكا ساريا فلا جامع بين الثلاث ليمكن تطبيق دليل الاستصحاب عليه بل كل واحد يكون له معنى غير المعنى الآخر.

وهم و دفع‏

اما الوهم فهو أنه قد توهم أن الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) حيث يقول بعدم جريان الاستصحاب في الشك في المقتضى يكون مراده هذا المعنى من قاعدة المقتضى و المانع و في مقابله قوله بجريانه في الشك في الرافع.

و اما الدفع فهو أن المقتضى في لسان الأصولي يكون له ثلاث إطلاقات و في لسان الفيلسوف له إطلاق واحد الأول أن يكون المراد منه هو ما يترشح منه المعلول تكوينا كالنار و الإحراق و هو اصطلاح الفلسفي أيضا.

و الثاني أن يكون المراد منه ما يقتضى الأثر الشرعي كاقتضاء الملاقاة مع‏

15

النجس للنجاسة و مانعية الكرية عن التأثير.

الثالث أن يكون المراد ما هو ملاك وجود الحكم مثل كون العلم مقتضيا في نظر الشرع للحكم بوجوب الإكرام لو لا المانع و هو الفسق و كل ذلك لا يكون مراد الشيخ (قده) لأن الكل يكون الشك في وجود مقتضاه و لا يكون الشك في بقائه.

و اما مراد الشيخ (قده) فهو صورة كون الشك في البقاء فان الدار على ساحل البحر يكون له اقتضاء البقاء لو لا طغيان البحر بمائه و خرابه الدار و هذا بخلاف البيت من الحجر و غيره مما لا يؤثر فيه الماء فإن الشك يكون في الرافع لا في بقاء اقتضاء المقتضى.

و الحاصل مراده هو الشك في بقاء ما ثبت لا في أصل رشح المعلول عن العلة.

الأمر الرابع‏

- في اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة في الاستصحاب و هذا مما لا بد منه و قد ظهر من الأمر الثالث الفرق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين و المقتضى و المانع و قلنا أن ما تعليق به الشك فيه هو الّذي تعلق به اليقين لكن مع اختلاف الرتبة فإذا كان اليقين السابق متعلقا بعدالة زيد يوم الجمعة يجب أن يكون الشك في عدالة زيد يوم السبت فان القضية هي عدالة زيد في صورة الشك و اليقين و هذا في الموضوعات الخارجية واضح لا شبهة و لا ريب فيه لأن الاتحاد في الخارج معلوم.

و لكن الاتحاد في الذات لا يكفى ففي الكلي القسم الثالث إذا كان اليقين بوجود زيد في الدار ثم علمنا بخروجه عنه و لكن لا نعلم دخول عمر و أولا بعده لا يمكن أن يقال هما إنسان لاتحاد ذاتهما من هذه الجهة فكان اليقين بوجود الإنسان في الدار و الشك في زواله لعدم الاتحاد من جهة الخصوصيات.

و من هنا قد أشكل في استصحاب الأحكام‏ (1) لأن الحكم يكون على الطبيعة

____________

(1) قد تعرض لهذا البحث الشيخ الأنصاري (قده) في الأمر السادس في الرسائل عند قوله الثاني و هو في الرسائل الحاضر عندي في ص 304.

16

لا على الشخص فإذا كان حكم الماء المتغير بإحدى الأوصاف الثلاث النجاسة ثم زال التغير بنفسه لا يمكن أن يقال ان الماء مشكوك الطهارة و كان في السابق معلوم النجاسة فهكذا الآن لعدم اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة و الحكم على الطبيعي لا يثبت حكم الشخص و هو الماء الموجود في حوض زيد.

و الجواب عنه أن الطبيعي يكون عليه الحكم بلحاظ الشخص لا بلحاظ الوجود الذهني و بعبارة أخرى منشأ انتزاعه هو الخارج و لا يكون اللحاظ بالنسبة إلى الذهن فيمكن أن يقال الماء المتغير الّذي يكون فرد منه ما في حوض زيد حكمه النجاسة فيما سبق و بعد زوال تغييره بنفسه يكون حكمه كما كان فلا فرق بين استصحاب الحكم و الموضوع.

و قد أشكل على الأحكام الشرعية الاستصحاب في الأحكام بإشكال آخر و هو أن من المسلم أن بقاء الموضوع شرط في جريان الاستصحاب و هذا لا يمكن تحققه في صورة الشك في قيد من قيود الحكم كما عن الخراسانيّ قده.

بيانه أن شيخنا النائيني (قده) ممن قوى أن كل قيد في الحكم يرجع إلى الموضوع و كل قيد الموضوع يرجع إلى الحكم فإذا قلنا أن جاءك زيد فأكرمه يرجع إلى قولنا زيد الجائي أكرمه لأن الإكرام إذا كان وجوبه مشروطا بالمجي‏ء لا يخلو الموضوع من حالات ثلاثة فانه اما أن يكون مطلقا عن القيد بأن يقال زيد سواء كان جائيا أو لا فأكره و هذا محال لأن اللازم منه لغوية الشرط في الحكم و اما أن يكون مهملا ثبوتا و هو محال لأن المتكلم يكون في صدد بيان الحكم و الإهمال منه قبيح و اما ان يكون مقيدا بالمجي‏ء و هذا هو المتعين لأن الأولين لم يكن الالتزام بهما و عليه فيكون قيد الحكم قيد الموضوع.

و على فإذا شك في وجود القيد لم يكن الموضوع محرزا ليمكن استصحابه فإذا قيل الماء إذا تغير أحد أوصافه الثلاث و وجدنا ماء قد زال تغييره بنفسه يكون المتغير غير الّذي قد زال تغييره فلا وجه لجريان الاستصحاب بعد عدم صدق الموضوع‏

17

و عدم اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة.

و الجواب هو أن هذا المبنى يكون روحه إنكار الواجب المعلق.

و العجب عن المحقق الخراسانيّ (قده) الّذي تصور الواجب المعلق خلافا للأنصاري (قده) و مع ذلك قد أجاب باتحاد القضيتين عرفا.

و الحق عندنا أن الواجب المشروط و المعلق [1] و المطلق لكل واحد منه مائز ماهوي ثبوتا و لا يمكن القول بالاتحاد بين المشروط و المعلق كما عن الشيخ و عن النائيني (قده) فإن المطلق لا يكون له شرط أصلا و اما المشروط فيكون القيد في رتبة ملاك الحكم و المعلق يكون القيد فيه بعد تمامية الملاك فمثل الاستطاعة قيد لوجوب الحج بحيث لو لم تكن لم يكن للحج ملاك الوجوب و مثل المرض بالنسبة إلى شرب المسهل فانه لا ملاك لشربه بدون المرض.

و لا يمكن ان نفس الحكم قيدا لموضوعه فضلا عما يكون متقدما على الموضوع برتبتين رتبة الحكم و رتبة ملاكه.

و اما الواجب المعلق فمثاله الموسم بالنسبة إلى الحج فان الحج قد تم ملاكه بواسطة وجود الاستطاعة و لكن ظرف تحققه هو الموسم و مثل شرب المنضج قبل المسهل مقدمة له بعد إحراز المرض فان شرب المسهل مما تم ملاكه و يفيد في ظرف المنضج فيكون هذا قيد الموضوع لا قيد الحكم و هذا هو الفرق الواضح بين المعلق و المشروط و لا يمكن إنكاره و عليه فإذا شك في قيد من قيود الحكم يمكن استصحابه لبقاء الموضوع و الشك يكون في الحكم لاحتمال دخل شي‏ء فيه و هذا في القيود التي يكون للحكم و إثبات ذلك يكون بحسب لسان الدليل و البحث هنا كان في أن الشك في قيد الحكم لا يرجع إلى الشك في بقاء الموضوع.

____________

[1] أقول و قد مر في مباحث أقسام الواجب في الجلد الأول ان المعلق يرجع إلى المشروط تبعا للعلامة النائيني لأن ما علق عليه الحكم كالشرط فانه لو لم يكن لم يكن الحكم و حيث قد مر الشرح في التذييلات في أقسام الواجب فلا نطيله هنا.

18

و اما الجواب عن مقالة شيخنا النائيني (قده) فهو ان لنا الواسطة بين المطلق و المقيد و ليس هو الإهمال بل بنحو القضية الحينية في المنطق يعنى الموضوع لا يكون مقيدا و لا مطلقا عن القيد بل في حين وجود القيد يكون الحكم عليه فان كان خفاء عندك فانظر إلى قولنا زيد قائم في حمل الصفة على الموصوف فهل زيد بشرط القيام قائم أو بشرط عدمه أو بنحو الحينية لا سبيل إلى الأولين لأن الموضوع بشرط المحمول يكون المحمول ضروريا بالنسبة إليه و لا معنى للحمل و بشرط عدمه يكون من المستحيل حمله عليه فلا بد أن يقال زيد في حال كونه قائما قائم لا بشرط عدمه و لا بشرط وجوده ليصير قيدا.

فإذا قلنا الماء إذا تغير يكون نجسا يكون معناه أنه حين التغيير يكون كذلك لا بشرطه بحيث إذا فقد يكون موجبا لفقد ان الموضوع فالموضوع هو ذات الماء بدون الإطلاق و التقييد.

و الجواب الثاني عن أصل الإشكال هو ما ذكره الخراسانيّ (قده) و هو أن الموضوع في الاستصحاب يكون بقائه بنظر العرف لا بالدقة العقلية و لا ما في لسان الدليل كما ذكره الشيخ الأعظم (قده) أيضا و لكن يجب الالتفات إلى أن الموضوع يؤخذ من لسان الدليل و لكن العرف يتصرف فيما يتلقى من الخطاب ضرورة أنه ليس مشرعا و هكذا العقل و لذا ربما يكون متصرفا فيما في لسان الدليل و ربما لا يكون متصرفا و يتحد نظره مع ما في الدليل دقة.

ففي المقام نقول ان الموضوع في قوله الماء إذا تغير يكون هو ذات الماء و خصوصية التغيير يكون خارجا عن ذات الموضوع فاستصحاب الأحكام الكلية لا إشكال فيه إذا شك في قيد من قيود الحكم إذا لم يكن القيد جزء الموضوع.

و الجواب الثالث هو أن هذا الإشكال يكون على مبنى الشيخ و النائيني (قدهما) القائلان بأن استصحاب الحكم مع الشك في الموضوع لا يجري و اما على ما هو التحقيق من جريان الاستصحاب في بعض صور الشك في الموضوع فربما يكون جاريا بالنسبة

19

إلى الحكم فإن الأثر إذا كان على الاستصحاب لا على المستصحب يمكن جريان الأصل في الحكم فإذا نذر أحد أنه لو كان زيد مستصحب العدالة يعطى عمراً درهما فاستصحاب العدالة مع الشك فيها جارية و لو لم يكن حياة زيد محرزة فمع الشك في الحياة لا إشكال في جريان الأصل بخلاف صورة كون الأثر على المستصحب فإن استصحاب عدالة زيد لجواز الاقتداء به لا يمكن مع الشك في الموضوع و هو زيد الحي ضرورة انه لا يمكن ترتيب أثر المستصحب مع الشك في وجوده.

فتحصل من جميع ما تقدم أن الإشكال في جريان الاستصحاب في الأحكام لا يكون إلّا على فرض كون القيد في الحكم راجعا إلى الموضوع و على فرض عدم كون الموضوع فيه عرفيا و على فرض عدم جريان الأصل مع الشك في الموضوع و قد عرفت أن الكل لا دليل عليه.

و من العجب أن الآخوند (قده) ممن لم يرجع قيد الحكم إلى الموضوع و مع ذلك تمسك في دفع الإشكال بعرفية الموضوع فيه و له أن يدفع الإشكال بعدم رجوع قيد الحكم إلى الموضوع.

و من العجب أن الآخوند (قده) ممن لم يرجع قيد الحكم إلى الموضوع و مع ذلك تمسك في دفع الإشكال بعرفية الموضوع فيه و له أن يدفع الإشكال بعدم رجوع قيد الحكم إلى الموضوع.

و من العجب عن شيخنا النائيني (قده) هو أنه التزم بالإشكال و يقول بأن البحث في الاستصحاب بحث عن مسألة أصولية مع ان لازم هذا القول هو عدم جريانه إلا في الموضوعات و هي بيده المقلد و ما يكون كذلك يكون من المسائل الفقهية [1].

____________

[1] أقول ان النائيني (قده) يظهر منه من المباحث التالية لهذا البحث في فوائد الأصول انه ممن اعترف بأن الموضوع في الاستصحاب عرفي كما في قوله فيه فكما إلخ في ص 114 من الأمر الخامس.

و لا أظنه ان لا يجري استصحاب الحكم فقها على ما في ذهني من مباحثه الفقهية فيكون مبناه إرجاع القيد إلى الموضوع و الإشكال في المقام من جهته و لكن العرفية في الموضوع عنده تام فله ان يقول بان الاستصحاب مسألة أصولية نعم لو كان المدار على إشكال إرجاع قيد الحكم إلى الموضوع لا يكون له ذلك.

20

الأمر الخامس‏

في بيان ان الشك و اليقين فيه يجب أن يكونا فعليين و لا اعتبار بالتقديري منهما و الدليل عليه.

أولا ان كل عنوان من العناوين إذا أخذ في لسان دليل يكون ظاهرا في دخله فعليا فإذا امر المولى بإكرام العالم يكون عنوان العالمية مما يجب ان يكون فعليا ليترتب الحكم عليه فانه دخيل فيه فإذا ورد لا تنقض اليقين بالشك يكون معناه عدم جوازه نقض اليقين الفعلي بالشك الفعلي فمن لم يكن عالما بشي‏ء في زمان و شاكا في زمان آخر أو في طول اليقين لا يكون أركان استصحابه تاما.

و ثانيا يمكن إقامة البرهان على ما ذكر مضافا إلى ظهور لسان الدليل و هو ان الفرق بين الأحكام الظاهرية و الواقعية هو ان الثانية يكون الحكم على الواقع فيها و لا دخل لعلم المكلف و جهله بالحكم حتى انها تشمل النائم و الساهي.

و اما الأولى و هي الأحكام الظاهرية فلا شأن لها الا التنجيز و بيان وظيفة الشاك و هي لا تحصل الا مع الالتفات بما هو موضوع الحكم من الشك و اليقين فإذا لم يكن المكلف شاكا لا يكون الحكم في حقه فعليا و منجزا و التقدير بأنه لو التفت لشك لا يفيد.

و لا فرق فيما ذكر بين كون مفاد الدليل هو تنزيل المتيقن منزلة المشكوك كما هو رأى شيخنا النائيني (قده) أو تنزيل اليقين منزلة الشك كما هو رأينا لأن إحراز العنوان لازم على ما هو ظاهر الدليل غاية الأمر على المبنى الأول و أن كان لا شأن للشك و اليقين من حيث ذاتهما و لكن في مقام ترتيب أثر المتيقن على المشكوك لا بد من إحراز عنوان الشك و اليقين ليتصور المشكوك و المتيقن و من هنا يتم البرهان أيضا على كلا المسلكين بعدم الموضوع للحكم الظاهري قبل تعلق الشك الفعلي بالمشكوك الفعلي و قبل تعلق اليقين فعليا بالمتيقن.

21

فتحصل أنه لا شبهة في وجوب كون ركني الاستصحاب و هما الشك و اليقين فعليين و لا يكفى التقديري.

و تظهر ثمرة البحث على ما ذكره الشيخ الأنصاري (قده) في موارد منها هو (1) أنه من كان محدثا و لم يلتفت إلى حاله ثم صلى و بعد الفراغ منها شك في أنه هل صار متطهرا أم لا.

فعلى فرض القول بأن الشك و اليقين الفعليين مناط الاستصحاب لا يجري في المقام لعدم حصول الشك الا في زمان يحكم بصحة الصلاة بواسطة قاعدة الفراغ و لا يكون العلم بعدم الطهارة حينها و مجرى القاعدة هو الشك في الصحة بعد الفراغ و اما على فرض كفاية الشك التقديري فلا مجرى لجريان القاعدة لأنه لو التفت إلى حاله قبل الصلاة لكان شاكا فيكون له استصحاب الحدث في الواقع و هو يمنع عن جريان قاعدة الفراغ.

نعم لو التفت إلى حاله قبلها ثم غفل و دخل في الصلاة لا يكون له إجراء قاعدة الفراغ لجريان الاستصحاب في حقه قبل جريانها هذا بالنسبة إلى الصلاة التي صلاها و اما بالنسبة إلى غيرها فيجب تحصيل الطهارة للشك فيها هذا ما قيل.

أقول في الصورة المذكورة ثمرة للبحث و هي أنه في صورة الشك بعد الصلاة لا فرق في جريان قاعدة الفراغ بين كون المناط في الاستصحاب الشك التقديري أو الفعلي لأنه الأول أيضا و لو فرض وجود استصحاب في ما قبل الصلاة و لكن حيث لا يكون في ظرف الفراغ مؤثرا لمضي أمده لا يمكن أن يكون مانعا من جريان قاعدة الفراغ.

نعم لو كان شرط جريان القاعدة عدم محكوميتها في آن من الآنات بالاستصحاب لكان وجوده في الزمن السابق مضرا و لكن دليلها مطلق و موضوعها الشك و هو حاصل فليس ما ذكر من الثمرة تاما.

____________

(1) قد ذكرها (قده) في ذيل الأمر الخامس في الرسائل الحاضر عندي ص 302

22

نعم لو كان الشك في الطهارة في وسط الصلاة تظهر الثمرة لأن قاعدة الفراغ لا موضوع لها لعدم الفراغ فلو كان الاستصحاب في حقه بالشك التقديري من أول الصلاة يكون ما بقي باطلا لبطلان ما سبق اما لو لم يكن فلا وجه للقول ببطلان ما سبق من الاجزاء بعد التجاوز عنه.

لا يقال في هذه الصورة أيضا يمكن أن يكون الاستصحاب محكوم قاعدة الفراغ بعد حصول الفراغ منها لأنا نقول الشك في قاعدة الفراغ يكون مجرى قاعدته إذا كان بعد الفراغ و اما إذا كان قبل الفراغ لا يكفى و الشك في الوسط قبل الفراغ لا يكون مجرى للقاعدة و لقد أجاد الشيخ الأنصاري (قده) فيما أفاد في المقام و إشكال الهمدانيّ (قده) في حاشيته غير وارد عليه.

الأمر السادس في تقسيمات الاستصحاب‏

ينقسم الاستصحاب باعتبار اختلاف المستصحب من كونه امرا وجوديا أو أمرا عدميا أو غير ذلك و باعتبار الدليل الدال عليه من كونه عقلا أو بناء العقلاء أو النص و باعتبار الشك المأخوذ فيه من كونه الشك في المقتضى أو في الرافع و على الثاني اما ان يكون الشك في رافعية الموجود أو في أصل وجود الرافع و الصور كثيرة قد تعرض لها الشيخ (قده) و عد الأقوال و لا وجه لإحصائها هنا.

و الحق عندنا هو جريانه في جميع الصور المتصورة حتى في الشك في المقتضى كما سيجي‏ء في طي الأقوال و المباحث فنقول في المقام مما اختلف فيه من جهة كون الاختلاف في دليله هو التفصيل عن الشيخ (قده) فانه فصل بين كون الدليل الدال عليه هو الشرع أو العقل فقال بجريانه في الأول دون الثاني و حاصل دليله هو أن العقل لا شبهة له في حكمه و لا في موضوع حكمه فكل ما أحرز علله و شرائطه يحكم بحكمه و مع عدم إحرازه لا يكون له حكم أصلا و لا يشك حتى يستصحب حكمه السابق و شكه في وجود القيد لموضوعه مساو لقطعه بعدم الحكم فإذا كان الكذب الضار

23

موضوعا لحكمه بالحرمة و القبح لم يكن له حكم بالنسبة إلى الكذب الغير الضار لفقدان القيد و فقدان الموضوع و حاصله ان القيود في الأحكام العقلية كلها راجعة إلى الموضوع.

و حاصل الجواب عن هذا الاستدلال هو أن الكلام.

اما ان يكون في استصحاب حكم العقل أو في استصحاب حكم الشرع المستكشف من حكم العقل اما على الثاني فجريان الأصل مما لا إشكال فيه لأن الحرمة الشرعية إذا استفيدت من حكم العقل بحرمة الكذب الضار بالملازمة فمن الممكن الشك في بقاء الحكم الشرعي و ان لم يكن للعقل حكم حينئذ لاحتمال توسعة الحكم في نظر الشرع فيمكن استصحاب الحرمة على الكذب الغير الضار أيضا و التبعية لحكم العقل يكون في مقام الثبوت لا الإثبات فمع عدم حكم العقل يمكن إثبات حكم الشرع مضافا بان الموضوع في الاستصحاب عرفي و لو كان المناط بالدقة العقلية لا يجري في الشرعيات أيضا.

و اما ما يكون المستصحب حكم العقل لا الشرع.

فنقول أولا نمنع أن كل قيد في الحكم يرجع إلى الموضوع لأنه من الممكن أن يكون القيد من الجهات التعليلية للحكم لا التقييدية فيكون موضوع الحرمة هو ذات الكذب و الضارية جهة تعليلية فيصير العقل شاكا في الحكم من جهة كونه علة فيمكن أن يكون الكذب الموجب للقتل و الهرج و المرج قبيحا و حراما عنده من باب أنه هو الفرد المتيقن و اما فيما دون ذلك يمكن الشك فكيف يقال لا يكون للعقل شك في حكمه فركن الاستصحاب و هو الشك موجود على أي تقدير و لا فرق في ذلك أي عدم دخل قيد الحكم في الموضوع بين استصحاب حكم العقل أو الشرع.

ثم أنه ربما يقال ان الملازمة بين الحكمين يعنى العقلي و الشرعي المستكشف منه من اللوازم العقلية لأن إثبات أحد المتلازمين يوجبه إثبات اللازم الآخر و من‏

24

المعلوم أن الأصل المثبت غير جار فاستصحاب حكم العقل لإثبات الحكم الشرع غير مفيد و لا يكون الحكم الشرعي أثر الاستصحاب بل من لوازمه فلا يكون مثل استصحاب الموضوع لترتب أثر شرعي لأنه لا إشكال فيه.

ثم ان شيخنا النائيني (قده) قال بأن الأحكام العقلية على قسمين قسم يكون ملاكه واضحا عند العقل مثل الظلم و الإحسان إلى اليتيم و قسم لا يكون كذلك بل يحتاج إلى التدبر و التفكر مثل حكمه بملازمة المقدمة مع ذيها و بمحالية تكليف غير القادر و ما لا يكون للعقل فيه الشك و لا يجري فيه الاستصحاب هو القسم الأول و اما ما يكون فيه الشك و لا يجري فيه الاستصحاب هو القسم الأول و أما ما يكون فيه الشك و هو القسم الثاني فكيف يقال بأنه واضح و العقل لا يشك في حكمه.

و الحاصل إشكال عدم جريان الاستصحاب في القسم الأول من باب كونه مثبتا غير الإشكال من باب كونه مما لا يجي‏ء فيه الشك.

و فيه ان كلامه (قده) غير تام لأن البحث يكون فيما يجي‏ء فيه الشك لا ما لا يكون كذلك و إشكال عدم جريان الاستصحاب فيه يكون من باب كونه مثبتا فقط لا من باب عدم الشك.

فتحصل أن استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي على فرض كون دليله العقل لا إشكال فيه و اما استصحاب الحكم العقلي لإثبات الحكم الشرعي لا يجري لأنه مثبت لا من باب أن العقل لا يشك في حكم نفسه أبدا.

ثم ان استصحاب الموضوع الّذي حكم العقل بحسنه أو قبحه و الشرع بحرمته أو وجوبه لا يجري علي التحقيق و ان نقل عن صاحب الجواهر (قده) جريانه لأن الموضوع ان كان القيد دخيلا فيه على وجه القيدية لا يبقى بعد انتفائه قطعا و ان كان لا على هذا الوجه فهو باق قطعا فيكون من الفرد المردد المعروف عدم جريان الاستصحاب فيه كما في صورة الشك في الرضاع المحرم من جهة أن المحرم هو ثلاث عشرة رضعة أو خمسة عشر و اما استصحاب الموضوع بوصف موضوعيته للحكم فهو من استصحاب‏

25

نفس الحكم فذات الموضوع لا يمكن جريان الاستصحاب فيها في المقام.

فالتحقيق هو جريان الاستصحاب الحكم الشرعي المستكشف من العقلي و عدمه في الحكم العقلي و الموضوع لحكمه.

و اما التفصيل من ناحية المستصحب فمنه ما نقل عن أستاذ أستاذ الشيخ الأنصاري (قده) (شريف العلماء) يعنى صاحب الرياض.

و حاصله ان استصحاب العدم في العدميات مما لا شبهة في جريانه و اما الاستصحاب في الأمور الوجودية فلا يجري [1] و الشاهد له هو جريان أصالة عدم القرينة و أصالة عدم المعارض و المزاحم و أصالة عدم النقل و أصالة عدم الحائل و المانع عند الجميع و اما غير ذلك من الوجوديات فيكون فيه الإشكال فلا يجري.

و لكن لا وجه لما ذكره من التفصيل لأن كل ما ذكره من الأصول لا يكون جريانه من باب الاستصحاب بل الأصول العقلائية هي الحاكمة و لا مجال لجريان الاستصحاب أصلا الا على فرض القول بحجية أصل المثبت أو عد الاستصحاب من الأمارات و كلاهما باطلان.

اما أصالة عدم القرينة لإثبات كون استعمال اللفظ في الموضوع له أو لإثبات عدم التخصيص و التقييد فهي من الأصول العقلائية و لا شبهة لأحد فيها و لذا ترى أن من لا اعتقاد له بالشرع أيضا يجريها عملا و هذه جارية سواء كانت في القرينة المتصلة أو المنفصلة و سواء كان المدار على الظهور الصادر أو على الظهور الواصل فإذا شك في أن‏

____________

[1] عدم الجريان في الوجوديات كلام و القول بأن مورد النزاع مختص بالوجوديات كلام آخر و ما يظهر من تقريرات الشيخ محمد تقي البروجردي لدرس أستاذه العراقي (قده) هو التعبير الثاني و هذا أولى بالاعتبار لا ان النص في خصوص الوضوء وارد و هو امر وجودي فكيف يمكن القول بعدم الجريان أصلا و كما يظهر من رسائل الأنصاري (قده) فانه بين ان العدميات أيضا داخلة في محل النزاع و هذا هو مراده مد ظله أيضا و ان كان تعبيره بهذا النحو و قد كتبناه حفظا لكلامه.

26

المراد بلفظ زيد في جاءني زيد هل هو الرّجل الشجاع أو الأسد تجري أصالة عدم القرينة لإثبات الاستعمال في معناه الحقيقي و إذا شك في ان العلماء في جملة أكرم العلماء هل المراد منه العدول فقط أو عام للفساق أيضا يجري أصالة عدم القرينة.

و اما الاستصحاب فلا يجري لأن من اللوازم العادية بعد جريان الأصل هو كون هذا اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي و هو من الأصل المثبت و لا أثر شرعي له و لا خصيصة في المقام حتى نقول بأن الأصل كذلك لا يجري في غير هذه الموارد و في المورد يكون جاريا.

و اما أصالة عدم المعارض و المزاحم أيضا جارية من باب أن المدار عند العقلاء على الظهورات و لا تعبد عندهم فيها و على فرض كون الأصل تعبديا يمكن جريان الاستصحاب و هكذا أصالة عدم النقل قبل استعمال اللفظ في لسان المتكلم أو بعده على فرض كون المدار على الظهور و علي فرض التعبد عندهم فالمدار على الاستصحاب و اما أصالة عدم الحائل مثل من يحتمل أن يكون في بعض أعضائه في الوضوء مانعا و حائلا فهي أيضا أصل عقلائي و عدم الاعتناء بأن وصول الماء إلى البشرة من اللوازم العادية لهذا الأصل و كونه مثبتا شاهد عدم كونه منه نعم لا يجري عندهم هذا الأصل بالنسبة إلى من كان جصاصا فيحتمل وجود الجص في أعضائه و هذا أيضا يكون من جهة احتمال كون سنده الغلبة في الخارج بكون العدم عقلائيا في غير الجصاص و هو فيه عقلائي فلا يكون من باب الاستصحاب.

نعم أصل سندية الغلبة محل الكلام فينحصر سنده بين كونه بناء العقلاء فيكون من الأصول العقلائية و بين الاستصحاب و الحق هو الأول لأنهم يفرقون بين الشك في أصل وجود المانع و مانعية الموجود بالقول بعدم الجريان في الثاني مع أن الاستصحاب لا يفرق فيه كذلك.

ثم في خصوص المقام يمكن جريان استصحاب وجودي فنقول أن المتوضئ أو المغتسل إذا صب الماء على بشرته و علم بحدوث الصب و الجري على البشرة يستصحب‏

27

بعد الشك هذا العنوان و كونه من التدريجات لا يضر كما أنه لا إشكال في استصحاب بقاء الليل و بقاء النهار من التدريجيات و هذا كما ترى استصحاب وجودي لا ربط له بما ذكره صاحب الرياض فتحصل أن كلامه (قده) لا يتم في هذا التفصيل.

و من التفاصيل ما هو عكس صاحب الرياض و هو القول بجريان الاستصحاب في الأمور الوجودية فقط لا العدمية.

و وجهه هو أن التعبد لا بد أن يكون بالنسبة إلى الأثر الشرعي و العدم نفى محض لا أثر له حتى يستصحب بخلاف الأمر الوجوديّ فان الأثر مترتب عليه.

و الجواب عنه ان العدم بحدوثه و ان كان لا علة له إلا عدم العلة و لكن بقائه يكون له الأثر و امر دفعه و استمراره بيد الشرع فيمكن التعبد بالنسبة إليه بأن يقول تعبد على عدم الوجوب أو تعبد بالوجوب.

في الاستدلال على حجية الاستصحاب‏

و قد استدل على حجيته بوجوه.

الوجه الأول الإجماع‏

المحكي في كلام جماعة كالمبادي و النهاية و هو الوجه الثالث في كلام المحقق الخراسانيّ (قده) في الكفاية و قد أشكل (قده) عليه كما عن شيخنا الأستاذ العراقي (قده) بأن الإجماع في هذه المسألة منقوله لا يفيد و محصله غير حاصل لاختلاف العلماء الذين تقدم ذكرهم فكيف يمكن أن يكون سندا له و لو فرض يكون سنديا و سنده النص أو بناء العقلاء كما سيجي‏ء مع أنه دليل لبي و القدر المتيقن منه هو الحجية في الشك في الرافع لا في صورة الشك في المقتضى.

و فيه ان مخالفة من تقدم ممن هو معلوم الحال و معروف الاسم من العلماء لا يضر به لأنه لا يضر بكشفه عن قول المعصوم (عليه السلام) فالإشكال بأنه غير حاصل غير تام نعم بقية إشكالاتهم من سنديته و عدم وجود الإطلاق له في محله.

الوجه الثاني‏

لحجيته بناء العقلاء و ديدنهم في مراسلاتهم في تجاراتهم و سائر

28

شئونهم الاجتماعية فانهم لا يعتنون بالشك في حياة من إليه المراسلة و من يرسل إليه البضاعة في البلاد البعيدة و هذا البناء في الحيوانات أيضا أ لا ترى أن الطيور يرجعون إلى عشهم و لا يعتنون باحتمال الخراب و حيث لا يكون ردع عن الشارع فهو حجة هذا.

و لكن فيه بحث و هو أن فطرة العقلاء و الحيوانات تكون بدون الالتفات إلى الشك و لا يكون لهم جرى عملي بعد الشك في البقاء بل كل إنسان يرجع إلى داره بدون الالتفات إلى الشك و لو فرض الشك و الالتفات يكون غالبا اما لاطمئنانهم بالبقاء و هو علم عادي متبع و اما للاحتياط رجاء و بحثنا في التعبد الإلزامي منهم على ذلك فبناؤهم مجمل لا يتعين في خصوص ما هو البحث فيه مضافا بأن كلا منا في أمور الدين و إثبات حكم الشرع أو الموضوع الذي يترتب عليه الحكم و هم من حيث هم عقلاء لا يكون عندهم استصحاب الحكم الشرعي و لا كلام عندهم من الدين، و أقول يمكن أن يقال ان الرجاء و الاطمئنان في أكثر الموارد غير حاصل و يكون لهم بناء على البقاء عند الشك فيه و هم بما هم عقلاء أيضا لهم أمور اجتماعية نظامية و هي مثل الدين عند المتدينين و جريان الاستصحاب فيها أيضا يكون عندهم.

ثم ان المقصود من بنائهم ان كان سيرة [1] المسلمين فهي بنفسها حجة لا تحتاج إلى الإمضاء و ما يحتاج إليه يكون بنائهم بما هم عقلاء لا بما هم متدينون.

ثم انه قد توهم ان كلام المحقق الخراسانيّ (قده) من أن السيرة أو بنا العقلاء يكون الرادع عنها الآيات الناهية عن ترتيب الأثر على غير العلم مثل قوله تعالى لا تقف ما ليس لك به علم مخالف لما مر عنه في الكفاية في باب حجية الخبر الواحد ببيان أنه كيف لا يسلم الردع في ذلك الباب و يقول به هنا فلو كان بناء العقلاء مخصصا

____________

[1] أقول السيرة العملية أيضا تحتاج إلى كشف رأى المعصوم بأن يقال كان هذا العمل بمرآهم و منظرهم (عليهم السلام) و لم يردعوا عنه كما يقال في بناء العقلاء فهما مشتركان في كفاية عدم الردع و هو نحو إمضاء و ان كانت سيرة المسلمين أقوى من حيث الكشف.

29

للعموم فيكون في المقامين و ان كان الاتباع من باب الخروج بالتخصص بأن يقال ما قام عليه بنائهم علم ففي المقامين أيضا.

و قد أجاب عن التوهم شيخنا العراقي (قده) بالفرق بين المقامين و هو ان خروج مورد الخبر الواحد عن العموم بالتخصيص أو التخصيص يكون من جهة ان العقلاء يرون ما قام عليه الخبر مصداقا من مصاديق الكاشف عن الواقع و يكون متابعتهم إياه من باب كونه علما على مسلك تتميم الكشف في الأمارات بخلاف المقام فان متابعتهم لا يكون من هذا الباب بل من باب أنه أصل من الأصول و عدم نقض اليقين بالشك فهنا يكون بعكس الاخبار الآحاد فالآيات حاكمة عليه من باب انه لا يكون من اتباع العلم.

و لا أقول ان السيرة لا تكون أمارة و كذلك البناء العقلائي فانهما أمارتان و لكن تكون سندا للأصل و لا ريب في أمارية سنده انما الكلام في مفاد هذه الأمارة التي يكون هو الأصل التعبدي فالحق مع المحقق الخراسانيّ (قده) كما في الكفاية و حاشيته على الرسائل.

لا يقال ان بناء العقلاء يحتاج إلى الإمضاء و عدم وصول الردع عنه يكفى لحجيته فهو حجة يعارض مع الآيات في مفادها.

لأنا نقول بنائهم يكون من باب اللااقتضاء في الحجية و عدمها و لكن الآيات فيها اقتضاء الحجية و حيث انه أصل لا يمكن ان يعارض مع الآيات نعم لو فرض أماريته يمكن المعارضة و لكنه ليس كذلك فتحصل أن بناء العقلاء غير حجة في المقام لردع الآيات عنه.

الوجه الثالث للاستدلال على حجية الاستصحاب و هو العمدة الروايات‏

فمنها صحيحة زرارة

و هي و ان كانت مضمرة و لكن لا يضر الإضمار بصحتها لأن السند إلى زرارة صحيح و في رواته من كان من أصحاب الإجماع و هو لا ينقل إلا عن الإمام (عليه السلام)

30

و مثله لا ينقل عن غيره (عليه السلام)(1).

(محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد بن حماد عن حريز عن زرارة قال قلت له الرّجل ينام و هو على وضوء أ يوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء قال (عليه السلام) يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن فإذا نامت العين و الاذن و القلب فقد وجب الوضوء قلت فان حرك على جنبه شي‏ء و هو لا يعلم قال (عليه السلام) لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك امر بين و إلا فإنه على يقين من وضوئه و لا تنقض اليقين أبدا بالشك و انما تنقضه بيقين آخر [1].

و تقريب الاستدلال حاصله هو أن هذه الرواية تكون بيانا للكبرى الارتكازية من عدم نقض اليقين بالشك و لا خصيصة للوضوء و يفهم أن ارتكاز زرارة أيضا كان هذا يعني الاستصحاب على ما هو الظاهر من تقرير الإمام (عليه السلام) و كانت الشبهة في مفهوم النوم و الألف و اللام في قوله (عليه السلام) و لا تنقض اليقين أبدا بالشك يكون للجنس لا للعهد حتى يقال يكون المعهود هو الوضوء فقط و لكن لا بأس بالبحث عن فقه الحديث فانه نور و كذا لا بأس بنقل ما يرد عليه في مقام البحث.

فنقول قد أشكل عليه أو لا بأن السائل يسأل عن الرّجل الذي ينام و لا شبهة في أن النوم مبطل للوضوء و شأن مثل الزرارة أجل من أن لا يفهم المضادة بينه و بين الوضوء في الشرع الأنور فقيل في مقام الجواب هو أن المراد الاشراف علي النوم لا النوم واقعا و لكن الحق هو أن يقال حيث أن للنوم مراتب مرتبة: ضعيفة و مرتبة قوية عبر هنا عن المرتبة الضعيفة بالنوم و يكون سؤاله عن النوم الذي هو ناقض لوجود الشبهة في المفهوم و حد النوم الذي هو مبطل للوضوء فأجاب (عليه السلام) بأن النوم الذي يكون‏

____________

[1] هذا المتن من الوسائل كما مر و في الكفاية و بعض التقارير يكون النقل باختلاف في العبارة لا يوافق الوسائل فاحفظه.

____________

(1) و هي في باب 1 من أبواب نواقض الوضوء ص 174 في الوسائل الطبع الجديد ح 1

31

مبطلا هو نوم القلب لا نوم العين الذي يحصل بالخفقة و الخفقتين بقوله (عليه السلام) لا حتى يستيقن.

ثم يكون السؤال الثاني عن الشبهة الموضوعية بقوله فان حرك في جنبه شي‏ء فأسقط (عليه السلام) أمارية الحركة للنوم المبطل بل جعل المدار على اليقين الذي هو امر قلبي لا شك فيه و قد يتوهم أن السؤال الثاني أيضا يكون عن الشبهة المفهومية من جهة أن السائل احتمل ان لا يكون نوم الاذن أمارة لنوم القلب بل يكون له موضوعية و لو لم يحصل نوم القلب فسئل ثانيا عن حد المفهوم في النوم الناقض نظير سؤاله الأول و لكن الجواب عنه هو أن الأمر لو كان كذلك يلزم أن يكون الجواب بيانا للحكم الواقعي بأن يقول ان هذا ليس من النوم الناقض فحيث بين حكم صورة الشك بقوله لا حتى يستيقن انه قد نام يفهم أن المراد يكون بيان حكم ظرف الشك لا بيان الحد المفهوم كما تعرض له شيخنا العراقي (قده) توهما و جوابا فدلالتها من هذه الجهة على المطلوب مما لا شبهة فيه.

و قد أشكل عليها ثانيا بأن اللازم هو جريان الأصل في سبب الشك في الوضوء و هو الشك في تحقق النوم لأنه من المعلوم أن الاستصحاب في السبب يكون مقدما على الاستصحاب في المسبب فلزم أن يقال بأنه يكون شاكا في نومه فيبنى على عدم النوم حتى يستيقن النوم لا أن يقال فانه على يقين من وضوئه إلخ و جعل شيخنا (قده) هذا الاحتمال من مبعدات كون الشبهة في السؤال الثاني مصداقية لأنها لو كانت مصداقية للنوم يجب الجواب عن حال النوم لا حال الوضوء و اما على فرض كون الشبهة مفهومية فلا يرد هذا الأشكال لأن عدم جريان الاستصحاب في السبب يكون من جهة الشبهة في الفرد المردد فانه لو كان النوم متحققا بعدم الالتفات إلى الحركة على جنبه لا شبهة في بطلان الوضوء و على فرض عدم تحققه لا شبهة في عدم البطلان فيكون مثل استصحاب الحرمة في صورة الشك في تحقق الرضاع بأربعة عشر رضعة أو خمسة عشر و لا شبهة في عدم جريان الأصل في الفرد المردد

32

فعلى هذا يكون استصحاب الوضوء جاريا هكذا قال شيخنا قده.

و لكن كنا نورد عليه بأن الشبهة في السؤال الثاني مصداقية كما مر و عدم جريان الاستصحاب في النوم يكون من جهة عدم كونه منشأ أثر لأن استصحابه بالنسبة إلى الوضوء يكون من الأصل المثبت لأنه لا يثبت أن الوضوء باق الا من باب ترتب الآثار العقلية على المستصحب و جوابه (عليه السلام) يكون بيانا للشبهة الحكمية و الموضوعية كلتيهما فإن اليقين السابق معتبر سواء كان في الحكم أو الموضوع لأنه يبين كبرى كلية في أن المدار على اليقين السابق و الشك اللاحق.

ثم ان قوله (عليه السلام) و إلّا فانه على يقين من وضوئه يكون جملة شرطية و معناها أن لم يستيقن انه قد نام و جزاء الشرط محذوف و هو جملة فلا يجب عليه الوضوء و في هذا المقام وجوه الأول عن الشيخ (قده) و تبعه المحقق الخراسانيّ (قده) من أن المحذوف هو الجزاء و لكن أقيمت العلة للجزاء مقامه يعنى علة عدم وجوب الوضوء هي وجود اليقين السابق و الشك اللاحق مع عدم نقضه بالشك فما هو مقام الجزاء قوله (عليه السلام) و لا تنقض اليقين بالشك و قد ذكر في الرسائل موارد كثيرة أقيمت العلة مقام المعلول في القرآن الشريف مثل قوله تعالى و ان تجهر بالقول فانه يعلم السر و الخفي إلى آخر ما قال من الموارد.

الوجه الثاني أن يكون قوله فانه على يقين من وضوئه توطئة للجزاء بان يقال حيث أنه يكون على يقين من وضوئه فلا ينقض اليقين بالشك مع كون الألف و اللام في اليقين للجنس لا للعهد ليمكن استفادة كبرى كلية منه و إلّا فيكون لخصوص الوضوء و لا يجري في غيره.

و فيه ان اللام إذا كان للجنس أيضا يحتمل أن يكون المراد باليقين الجنس الذي يكون في الوضوء فهذا لا يفيد لاستفادة الكلية لو لا ساير الوجوه من الارتكاز على عدم الخصيصة و التأييد بورود مثل هذا العبارة في الصوم و الصلاة أيضا.

الثالث أن يكون الجزاء قوله فانه على يقين من وضوئه و لكن تكون الجملة

33

الخبرية في مقام الإنشاء و نفهم بقائه على الحالة السابقة و معناه انه حيث يكون على يقين من وضوئه يكون وضوئه بحاله و لم يتغير عما هو عليه فآثار اليقين مترتب و قد أتعب المحقق الخراسانيّ (قده) نفسه الشريفة برد هذا الوجه من جهة أن لازمه العمل على طبق اليقين و جعله أبعد و لكن على مبنى التحقيق من ترتيب آثار اليقين و المتيقن لا إشكال فيه و مع ذلك فأحسن الوجوه مختار العلمين و غيره أضعف لقضاء الفطرة بذلك و جواب السائل و ان كان فيه التكرار حيث أنه (عليه السلام) نفى الوضوء بقوله اللفظي و بالتقدير أيضا يكون معناه البناء على الوضوء و عدم وجوبه و لكن حيث يكون (عليه السلام) في مقام جعل الكبرى و الصغرى و بيان قاعدة كلية في جميع الموارد لا يضر هذا التكرار.

و بهذا الوجه يعنى جعل الجزاء قوله فانه علي يقين قد أشكل على الشيخ (قده) بأن التقدير لا يلزم و هذه الجملة الخبرية تكون مقام الجملة الإنشائية فان قوله (عليه السلام) هذا يكون مقام قوله فليبن علي وضوئه و هي مثل قوله (عليه السلام) لا يعيد الصلاة في مقام الأمر بالإعادة.

و فيه ان هذا و ان كان المشهور و لكن لا يتم عندنا فان استعمال الخبر في مقام الإنشاء غير صحيح لأن الحكم هو الإرادة الواصلة فكونه و أصلا متوقف على هذا الخبر و هذا الخبر يكون متوقفا على الوصول و هو دور [1].

____________

[1] أقول هذا الكلام صدر منه مد ظله في جميع الموارد و لكن الجواب عنه هو أن الوصول لو كان شرط كون الحكم حكما يلزم ان لا يكون الأمر أيضا موجبا لإثبات الحكم لأنه قبله لم يصل و به يصير واصلا فالحكم هو الإرادة و تصير فعلية في مقام الإبراز و هو يحتاج إلى كاشف و الكاشف تارة يكون بصيغة الأمر و تارة بالخبر المحفوف بالقرينة و هذا النحو من الخبر كاشف عند العرف و أهل المحاورة و في بعض المقامات جعل الدور بين الإرادة و الوصول و قلنا في جوابه ان الإرادة غير متوقفة على الوصول و الوصول متوقف عليها من جهة انه لا معنى له بدونها و الدليل على صحة هذا الاستعمال وقوعه في الشرع أيضا.

34

الوجه الرابع أن يكون الجزاء هو قوله (عليه السلام) فانه على يقين و لكن يكون معناه بدلالة الاقتضاء هو عدم وجوب الوضوء و البناء على الحالة السابقة و معنى دلالة الاقتضاء هو أن هذا الكلام لغو بدون هذا المعنى في مقابل جواب السائل و هذا غير كونه خبرا في مقام الإنشاء بأن يكون معناه فليبن علي وضوئه.

في عدم اختصاص الاستصحاب بالوضوء

ثم ان هذه الوجوه في مقام الاستدلال بالحديث الشريف لا يفيد إلقاء خصوصية الوضوء و لذا ذكروا للتعميم وجوها الأول انه لا شبهة و لا ريب في أن حد الوسط في القضية الصحيحة يجب تكراره بأي معنى كان فانه إذا قلنا العالم متغير و كل متغير حادث يكون التغير هو حد الوسط فان كان المراد منه التغير في عالم الناسوت فيجب التكرار بهذا المعنى و ان كان الأعم و منه و من ساير العوالم فائضا كذلك و عليه فيجب أن يكون اليقين في الصغرى و هي قوله فانه علي يقين من وضوئه هو اليقين في الكبرى و هي قوله لا تنقض اليقين بالشك و من المعلوم أن اليقين بالوضوء هو المراد في الصغرى فكذلك في الكبرى و لكن في المقام خصيصة لإلقاء القيد و هو الوضوء و هي الارتكاز العرفي بأن اليقين لاستحكامه يجب البقاء عليه و هو لا يختص بالوضوء و لأن علماء الإسلام ما فرقوا بين الاستصحاب في الوضوء و غيره مضافا إلى ورود هذه الصغرى و الكبرى في الصوم و الصلاة أيضا فمن الجميع يستفاد عدم الخصوصية للوضوء في جريان الاستصحاب.

الوجه الثاني ما عن شيخنا النائيني (قده) و هو أن اليقين لا شبهة في أنه يحتاج إلى متعلق و هو المتيقن و هو اما ان يكون الوضوء أو يكون غيره من الصلاة و الصوم و الحج و غيره فهو لا بد أن يكون مضافا إلى شي‏ء و ذكر الوضوء هنا لا يكون لخصيصة فيه بل لاحتياج اليقين إلى المتعلق.

و فيه ان شخص اليقين يحتاج إلى متعلق و لكن الطبيعي لا يحتاج إليه فانه‏

35

يمكن النّظر إليه بالنظر الاستقلالي كما يقال اليقين خير من الشك و اليقين لا ينقض يكون مثل قولنا انه خير من الشك.

و الوجه الثالث لعدم الاختصاص ما ذكره المحقق الخراسانيّ (قده) في الكافية بأنه بعد غمض العين عن الفطرة و الارتكاز على عدم اختصاص اليقين بالوضوء يمكن أن يكون قوله (عليه السلام) من وضوئه متعلقا بالظرف لا باليقين و معناه انه من طرف يقينه على وضوء فالأصغر يكون مطلق اليقين و ينطبق عليه الأكبر بالعموم.

و قد أشكل عليه شيخنا الأستاذ العراقي (قده) بأن هذا احتمال فقط و هو لا يوجب الظهور في هذا الوجه و لا يمكن إطلاق المعلول مع عدم الطلاق علته فان المعلول هو البناء على الوضوء و عدم وجوب إعادته و علته، قوله (عليه السلام) فانه على يقين من وضوئه مع احتمال دخل خصوصيته فإذا قيل لا تأكل الرمان لأنه حامض لا يمكننا إلقاء خصوصية الرمان و الأخذ بإطلاق قوله لأنه حامض لاحتمال دخل كونه رمانا في ذلك و الحاصل ان مفاد كلام الخراسانيّ (قده) هو إرجاع الجهة التقييدية في الوضوء إلى الجهة التعليلية يعنى علة البناء عليه هو اليقين لا أن الوضوء المقيد باليقين لا ينقض و هذا لا يتم مع عدم الطلاق العلة لو سلم الظهور و إطلاقها مع وجود ما يحتمل القرينية في الكلام مشكل و هو ذكر الوضوء فما هو المتيقن في مقام التخاطب يكون هو الوضوء فقط.

و يمكن الجواب عنه (قده) بأن القدر المتيقن في مقام التخاطب هنا لا يكون قابلا للقرينية لأن الارتكاز على خلافه و هو أن اليقين بما هو يقين يكون مما لا يمكن نقضه إلّا باليقين و لا دخل للوضوء في ذلك فإطلاق العلة مما لا كلام فيه فتحصل ان الوجه للتعميم اما الارتكاز بضميمة ما ورد من الاخبار في الصوم و الصلاة كما قال به الشيخ (قده) أو الإطلاق في العلة بضميمة الارتكاز أيضا.

36

في إشكالات دلالة الرواية

ثم انه بعد تمامية دلالة الرواية بوجه قد أشكل عليها بأن غاية ما يستفاد منها سلب العموم لا عموم السلب بمعنى أن قوله لا تنقض اليقين يكون معناه أن مجموع الافراد من حيث المجموع منهي عن نقضه و اما نقض بعض افراد اليقين فلا يكون كذلك فلا يدل على ان الاستصحاب يكون في كل أبواب الفقه و قد أجيب عن هذا الإشكال كما في حاشية المحقق الخراسانيّ (قده) علي الرسائل بأنه لو لم يكن لعموم السلب لا ينطبق على مورده أيضا لأن الوضوء أحد الافراد فلو لا عدم جواز نقض اليقين بالشك في جميع الموارد من أين يستفاد أن الوضوء من الافراد الذي لا يجوز نقض يقينه بالشك و فيه ان مورده مما لا كلام فيه و لعل في الوضوء أو الطهارات الثلاث خصيصة فهذا الجواب غير تام.

و قد أجاب عنه شيخنا النائيني (قده) بأن مدار سلب العموم هو أن يرد حرف النفي على ما يكون دالا على العموم بالمعنى الاسمي مثل لا تكرم كل عالم و اما إذا لم يكن كذلك فلا يكون من سلب العموم في شي‏ء كما في قولنا لا رجل في الدار أو قولنا في المقام لا تنقض اليقين فان المفرد المحلى باللام قبل النفي لا يدل علي العموم حتى يكون النفي واردا عليه بل من النفي يستفاد العموم فكيف يكون واردا عليه فان العموم متأخر عن السلب فكيف يكون متقدما عليه فيكون المقام و أمثاله لعموم السلب و لا يرد الإشكال نعم يمكن ان يقال في النفي الوارد على الجمع المحلى بالألف و اللام بسلب العموم لو قلنا بأنه لسلب العموم على بعض الأقوال و لكنه خلاف ظاهره فانه لو لا القرينة لا يدل إلّا على عموم السلب و اما على التقدير الآخر و هو الحق فحيث يكون العموم مرآة للافراد لا يمكن أن يلاحظ مستقلا ليتوجه النهي إليه استقلالا فما هو قابل لسلب العموم يكون هو الألفاظ الموضوعة له مثل لفظ كل و أجمع إذا ورد النفي عليه و هذا الكلام منه (قده) قد أخذ بعضه عن الشيخ قده.

37

و لكن يرد عليه أو لا ان ما اختاره من عموم السلب في مثل لا رجل في الدار و لا تنقض اليقين و ان كان هو المشهور و لكن لا يصح عندنا لأن النهي المتوجه إلى الافراد اما ان يكون للطبيعة السارية و اما يكون لصرف الوجود كالأمر فربما يكون الغرض صرف وجود العدم لا عدم جميع الافراد كما يكون في الأمر كذلك فالفرق بين الأمر و النهي بان الصرف في الثاني لا يصدق إلا بترك جميع الافراد و في الأول بفرد واحد الوجه له فإذا قال القائل لا تأكل الثوم لحصول الرائحة الكريهة لا نقول بأن ساير الافراد أيضا يجب تركها لحصول الرائحة و لا ثاني لها إذا لم يكن الأكل الثاني سببا للاشتداد.

و ثانيا فلان مرآتية العموم في الجمع المحلى باللام من جهة كونها من المعاني الحرفية لا يضر باللحاظ فان المعاني الحرفية كالمعاني الاسمية قابلة للحاظ مستقلا كما في النسب و الإضافات و لو لا ذلك لعطل الكلام لأن النسبة من المعاني الحرفية و لا زال تكون مورد النّظر في مثل زيد قائم و عمرو قاعد و أمثال الجملات.

فتحصل أن سلب العموم في جميع الموارد يكون بالقرينة كما قال به الشيخ (قده) و ما قاله شيخنا النائيني (قده) غير تام و العبارة تدل على عموم السلب خصوصا مع ملاحظة قوله أبدا في آخر الرواية.

الإشكال الثاني في الرواية بعد دلالتها على الاستصحاب إجمالا هو انه لا شبهة في أن النقض يسند إلى ما يكون له نحو دوام و استمرار و اما ما لا استمرار له فلا يستند النقض إليه ففي المقام الوضوء يكون من الأفعال المنصرمة و هو الغسلتان و المسحتان و لا يبقى من هذه الأفعال شي‏ء حتى يقال لا تنقضه و لو كان المراد اسناد النقض إلى اليقين فهو يكون من باب قاعدة اليقين و هو صورة سريان الشك إلى اليقين السابق و يعبر عنه بالشك الساري فلا تدل على الاستصحاب في شي‏ء.

و قد أجيب عنه بأن اسناد النقض يكون بلحاظ الأثر الباقي منه و هو الطهارة

38

الحاصلة و هي امر باق غاية الأمر في النجاسة الخبثية يكون حصولها من الظاهر عند العرف فإن النظافة شي‏ء يفهمه كل أحد بخلاف الطهارة الباطنية و لهذا النكتة أسند النقض إلى الوضوء الذي يكون سببا و هو الغسلتان و المسحتان الظاهرتان عند العرف.

و التحقيق عندنا هو أن الوضوء يكون مثل البيع و العقد في حصول الوجود الاعتباري له فكما أن أوفوا بالعقود و أحل اللَّه البيع يشمل العقد الذي انقضى و كذلك البيع الذي انقضى و يكون الخطاب بلحاظ نوع دوام عند العقلاء بالوجود الاعتباري فكذلك الوضوء يكون له نوع دوام في هذا الوعاء و هو يكفى في اسناد النقض إليه فما هو غير باق هو المعنى المصدري و ما هو باق يكون هو الاسم المصدر (و بالفارسية گره زدن و گره و فروختن و فروش و وضوء گرفتن و وضوء فرق دارد) فتحصل أن دلالة هذه الرواية على الاستصحاب مما لا إشكال فيه و ما قيل فيها غير تام.

و منها صحيحة أخرى لزرارة [1]

قال قلت أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‏ء من المني فعلمت اثره إلى أن أصب الماء فحضرت الصلاة و نسيت ان بثوبي شيئا و صليت ثم انى ذكرت بعد ذلك قال (عليه السلام) تعيد الصلاة و تغسله قلت فان لم أكن رأيت موضعه و علمت أنه اصابه فطلبته و لم أقدر عليه فلما صليت وجدته قال (عليه السلام) تغسله و تعيد قلت فان ظنت أنه اصابه و لم أتيقن فنظرت و لم أر شيئا فصليت فرأيت فيه قال (عليه السلام) تغسله و لا تعيد قلت لم ذلك قال (عليه السلام) لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت و ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا قلت فانى قد علمت أنه اصابه و لم أدر أين هو فأغسله قال (عليه السلام) تغسل من.

____________

[1] أقول هذا الحديث الشريف بهذا المقدار في الوسائل تأليف العلامة البروجردي (قده) في باب 23 من أبواب النجاسات ح 5 نقلا عن التهذيب و الاستبصار و العلل و في الوسائل للشيخ حر العاملي (قده) في باب 37 من أبواب النجاسات نقل قطعة منه‏

39

ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك فقلت فهل على ان شككت أنه اصابه شي‏ء أن انظر؟ قال لا و لكنك انما تريد أن تذهب بالشك الّذي وقع قلت ان رأيته في ثوبي و أنا في الصلاة قال (عليه السلام) تنقض الصلاة و تعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته و ان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شي‏ء أوقع عليك فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك الخبر.

و تقريب الاستدلال بفقرتين من الرواية فانها متعرضة لأحكام نفسي و حكم طريقي و هو الاستصحاب الفقرة الأولى قوله (عليه السلام) لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت و ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا فان عدم إعادة الصلاة يكون من باب أن دخوله فيها كان على القاعدة فانه لم يكن له اليقين بالنجاسة بل كان حالته السابقة اليقين بالطهارة و هو لا ينقض بالشك و اما غسل الثوب فلأنه يكون على يقين من نجاسته في هذا الآن و على هذا يكون المراد باليقين اليقين الّذي كان قبل الظن بالإصابة و هذا الفقرة دليل على أن الاستصحاب أصل محرز و اما على فرض حمله على اليقين بعد الظن فهو يكون من باب قاعدة اليقين و الشك الساري لأنه فعلا يشك في ان يقينه السابق هل كان حقا أم لا فتدل على هذا على حجية قاعدة اليقين و لكنه خلاف الظاهر فيحمل على حجية الاستصحاب. و الفقرة الثانية أيضا كذلك فدلالة الرواية صدرا و ذيلا تامة.

و قد أشكل على هذا التقريب بأن إعادة الصلاة بعد العلم بالنجاسة ليس من نقض اليقين بالشك بل من نقض اليقين باليقين فكيف يصح أن يعلل عدم الإعادة بأنها من نقض اليقين بالشك نعم يصح أن يعلل عدم الإعادة بجواز الدخول في الصلاة لعدم إحراز النجاسة و عليه تكون الرواية دليلا على اجزاء الأمر الظاهري و هو خلاف القاعدة لأنها تقتضي عدم الاجزاء لعدم مطابقة المأتي به مع المأمور به.

و لا يكون الظاهر من الدليل لأن التعليل بعدم نقض اليقين بالشك لا يناسب‏

40

هذا الاحتمال.

و لا يخفى أن مناط الإشكال في المقام يكون على فرض كون النجاسة التي وجدها السائل هي ما احتمله و ظن به قبل ذلك و اما على فرض كون نجاسة جديدة فلا يكون وجدانها من نقض باليقين بل الشك بالنسبة إلى النجاسة في حال وجدان الجديدة باقية و الشيخ (قده) جعل هذا الاحتمال خلاف الظاهر بل الظاهر هو ان ما وجده يكون هو الّذي ظن به و كيف كان فقد أجيب عن الإشكال بوجوه و هي تدور مدار كيفية شرطية الطهارة للصلاة من كونها شرطا واقعيا أو ظاهريا أو إحرازيا و غير و يكون في كلماتهم التعرض لها.

الوجه الأول ان يكون الشرط هو الجامع بين الطهارة الواقعية و الطهارة المحرزة بالاستصحاب و عليه فعند كشف عدم الطهارة في الواقع لا يكشف خلاف الواقع بالنسبة إلى ما هو الشرط ضرورة وجود الشرط الإحرازي بالاستصحاب فان الإحراز السابق لا يكون له كشف خلاف و ان كان الواقع له كشف الخلاف لأن الإحراز لا واقع له الا نفسه و هو كان حاصلا و لم يظهر خلافه.

و الجواب عنه بالنقض هو ان الغافل الّذي لم يتوجه إلى النجاسة أصلا تكون صلاته صحيحة مع أنه لم يكن محرزا للشرط و لا للواقع فلو كان الشرط منحصرا بهما يلزم ان يقال ببطلان هذه الصلاة لعدم الواقع و إحرازه و اما حلا فلان الظاهر من دليل الشرطية مثل لا صلاة إلّا بطهور هو شرطية واقع الطهارة لا إحرازها فمع كشف الخلاف يجب ان يقال ببطلان الصلاة لأن الاستصحاب حكم طريقي محض و لا موضوعية له و من هذا الرواية لا يستفاد شرطية الطهارة الأعم من الواقعي و الإحرازي لأنه خلاف ظاهره مضافا بأن عدم الإعادة أثر الاستصحاب على هذا التقدير بعد كشف الخلاف لا أثر المستصحب و على مسلك مثل شيخنا النائيني (قده) من ان الاستصحاب هو تنزيل المشكوك منزلة المتيقن يكون الأثر على الواقع لا على إحرازه فمع كشف الخلاف يجب الإعادة و اما على ما هو التحقيق من انه تنزيل المشكوك منزلة اليقين‏

41

و المتيقن كليهما فيمكن ترتيب آثار الإحراز و أثر اليقين و لو لم يكن للمتيقن واقع في البين فان هذا الأثر أثر اليقين فلا يتم هذا الوجه في رد الإشكال في الجملة.

الوجه الثاني هو أن يكون الإحراز الوجداني شرطا واقعيا و الإحراز التعبدي شرطا ظاهريا فيما هو الشرط للصلاة هو الأعم من الإحرازين و عليه فلا كشف خلاف في المقام لأن الواقع و ان لم يكن و لكن الإحراز بالتعبد كان حين الدخول في الصلاة و الجواب عنه ان الإحراز الواقعي قد انكشف خلافه و الإحراز بالاستصحاب للظاهر يكون بالوجدان لا بالتعبد فان الإحراز الوجداني بالنسبة إلى الشرط الظاهري حاصل بالوجدان و عليه لو كان الاستصحاب تنزيل المشكوك منزلة المتيقن لا أثر لهذا الإحراز لأن عدم الإعادة أثر الاستصحاب لا المستصحب و اما لو كان الأعم منه و من تنزيل الشك منزلة اليقين يمكن أن يكون له الأثر.

الوجه الثالث ان يكون المانع للصلاة النجاسة المعلومة و حيث لم يكن العلم بالنجاسة حاصلا حين الصلاة و قد انكشفت النجاسة بعدها فلا إعادة لحصول الشرط حينها و ما انكشف خلافه بالوجدان فعدم الإعادة على القاعدة و عليه لا تكون الرواية حجة على الاستصحاب و لا يناسب التعليل بعدم نقض اليقين بالشك بل المانع ليس له المانعية على هذا الفرض ففي الواقع لم يكن الشرط شرطا ليجب إحرازه بالاستصحاب.

الوجه الرابع ان يكون المانع هو ما لم يقم عليه حجة على العدم و اما ما قام عليه الحجة فلا يكون مانعا و هنا قام الاستصحاب على عدم النجاسة فلا مانع و لا كشف خلاف له لأنه لا يكون الشرط الا بهذا النحو.

الوجه الخامس ان يكون الشرط و هو الأعم من الطهارة الواقعية و الظاهرية فيكون الشرط هو الطهارة لا إحرازها و ان كان الإحراز طريقا إلى إثباتها ظاهرا و هذا أيضا لا كشف خلاف له لأنه و ان ظهر خلاف الواقع و لكن الظاهر باق على ظاهره.

و يرد عليه بان لازمه انه لو كان الطهارة غير محرزة و لا تكون حاصلة واقعا و لكن وقع‏

42

الصلاة مع الغفلة ان لا تكون صحيحة و هذا خلاف الإجماع مع كون الظاهر من الدليل مثل لا صلاة إلّا بطهور شرطية الطهارة الواقعية ثم هنا احتمال ان يكون تلك الصحيحة دليلا على كفاية الطهارة التي كشف خلافها لوجود الاستصحاب فيكون الاجزاء من هذا الوجه فيقال حيث كان محرزا للطهارة بواسطة وجود الاستصحاب له لا إعادة عليه و هذا الوجه خلاف الظاهر لأن فهم الاستصحاب من قوله لا تنقض إلخ ثم فهم الاجزاء بواسطته يكون من البعيد و يحتاج إلى تقدير كثير.

إذا عرفت هذه الوجوه في كيفية شرطية الطهارة عن الخبث في الصلاة فلنرجع إلى أصل الإشكال في المقام و لا يخفى انه من جهتين الأولى من جهة التطبيق للكبرى على عدم وجوب الإعادة و الثانية أصل التعليل بعدم نقض اليقين بالشك فيجب بيان صدق نقض اليقين بالشك ثم التطبيق في المورد على عدم الإعادة اما صدق النقض في الإعادة فلان أصل الإعادة نقض عملي لليقين و عدمها عدم نقض عملي سواء كان الشرط هو الطهارة الواقعية أو الظاهرية و هذا سهل انما الإشكال في ان عدم النقض يكون مستندا إلى ما قبل الصلاة فانه كان على يقين من طهارته قبل ذلك و ظاهر الرواية عدم النقض فعلا يعنى بعد الفراغ من الصلاة مع أنه بعدها يكون من نقض اليقين باليقين لا من نقض اليقين بالشك ليكون دليلا على حجية الاستصحاب.

و قد أجاب عن الإشكال المحقق الخراسانيّ (قده) بان حسن التعليل يكون من جهة ان الشرط في باب الطهارة الخبثية هو إحراز الطهارة و لو بالأصل لا نفسها فالحكم بصحة الصلاة و عدم وجوب إعادتها يكون من جهة كون الراوي محرزا للطهارة باستصحابها حال الإتيان بالصلاة و واجد لما هو شرط صحتها واقعا و هو لم ينقلب عما هو عليه حتى بعد العلم بالنجاسة.

و فيه ان استفادة كون الشرط للأعم من الظاهري الإحرازي و الواقعي مما لا كلام فيه فانه يستفاد من الرواية و انما الكلام في التعليل و لا يناسب التعليل على هذا بالكون على الطهارة بل اللازم ان يقال في هذا الفرض لأنك كنت على يقين بإحراز

43

طهارتك بالأصل لا أن يقال انك كنت على يقين من طهارتك مضافا بأن الاستصحاب عنده يكون من تنزيل المشكوك منزلة المتيقن لا الشك منزلة اليقين و الإحراز هو أثر اليقين لا المتيقن و هو لا يحصل بتنزيل المشكوك مثل الطهارة منزلة المتيقن هذا مع انه لو التزم بمبناه من تنزيل المشكوك منزلة المتيقن يكون لازمه هو القول بطريقة اليقين إلى الطهارة و هي قد انكشف خلافها و اللازم منه هو بقاء الإشكال لأن الطهارة قد انتقضت باليقين بالنجاسة لا بالشك فيها.

و يرد عليه النقض أيضا بأنه علي فرض تسليم كون الشرط هو الإحراز يلزم بطلان صلاة من لا إحراز له مع كونه طاهرا واقعا و لم يقل به أحد [1] و يرد عليه أيضا بان المستصحب يجب ان يكون حكما أو موضوعا ذي حكم شرعي و على فرض عدم شرطية واقع الطهارة للصلاة فلا أثر لاستصحابها لعدم الأثر له بل للإحراز فقط و هو (قده) كان متوجها لهذا الإشكال و لذا أجاب عنه في الكفاية بقوله فانه يقال ان الطهارة و ان لم تكن شرطا فعلا إلّا انها غير منعزلة عن الشرطية رأسا بل هي شرط واقعي اقتضائي و معنى الاقتضائي هو أنه لو لا المانع يكون هذا هو الشرط و لكن مع مثل الجهل به فالإحراز يكون كافيا.

ثم ان كان مقصوده من هذا هو أن الشرط يكون هو الجامع بين الظاهر و الواقع ففي صورة وجود الواقع فهو الشرط و في صورة عدمه يكون الشرط هو الإحراز فهذا خلاف ظاهر عبارته لانفسها فان نفى نفس الطهارة عن الشرطية لا يناسب القول بشرطيتها على وجه و ان كان المراد هو شرطية الواقع فهو أيضا لا يناسب لدفع الإشكال‏

____________

[1] أقول هذا الإشكال غير وارد عليه لأنه فرض الشرط كذلك في صورة الالتفات لا صورة الغفلة فان عبارته في الكفاية شاهدة فانه قال لا يكاد يمكن التفصي عن الإشكال إلّا بأن يقال ان الشرط في الصلاة فعلا حين الالتفات إلى الطهارة هو إحرازها فان قوله حين الالتفات إلى الطهارة يكون شاهدا على ان مراده غير صورة الغفلة و ليس الإحراز شرطا فيها ليرد النقض فنفس الطهارة أيضا غير شرط في غير هذه الصورة لا فيها.

44

لظهور خلافه بالوجدان و هو أيضا لا يريده و ان كان المراد كون الطهارة قيد الإحراز فما هو الشرط يكون إحراز الطهارة لا إحراز غيرها فهو أيضا لا يتم لأن الطهارة الواقعية يكون المفروض عدمها بعد كشف الخلاف و الطهارة الزعمية التصورية لا أثر لها لتستصحب و المفروض أن المستصحب يجب أن يكون حكما أو موضوعا ذي حكم و يكون هذا الأثر قبل الاستصحاب لا من قبله و هذا أثر الاستصحاب يعنى زعم الطهارة يكون اثره لا أثر المستصحب ضرورة انه يحصل بعد جريانه فقوله (قده) هذا مع كفاية [1] كونها من قيود الشرط حيث انه كان إحرازها بخصوصها لا غيرها شرطا غير تام أيضا اما لو كان الشرط هو الجامع بين الطهارة الواقعية و الظاهرية فائضا لا يندفع الإشكال في المقام.

اما أو لا فلان لنا احتمال ثالث و هو حال الغفلة فانه لا يكون الشرط الواقع و لا إحرازه فان الصلاة مع النجاسة الواقعية الغير الملتفتة إليها صحيحة فلا يكون الشرط دائرا بين الاثنين فقط [2].

و اما ثانيا فلان الكلام لا يكون في عدم وجوب الإعادة فقط حتى يقال ان الشرط كان ظاهريا بل الكلام في تطبيق عدم نقض اليقين بالشك و هو غير منطبق‏

____________

[1] أقول من كلامه (قده) هذا يظهر أن مراده بإحراز الطهارة لا يكون هو دخل صفة الإحراز من حيث هي في النّفس بل مراده اعتبار المحرز و ان لم يكن لنا محرز بدون الإحراز فيرجع قوله (قده) إلى أن يكون الشرط هو الأعم من الطهارة الظاهرية أو الواقعية و يتعرض له مد ظله بعد هذا الاحتمال كما ترى في كلامه و على أي تقدير فالإشكال من أصله لا يندفع بهذا الكلام بل هو صعب العلاج واقعا.

[2] أقول في صورة الغفلة يمكن أن يقال الطهارة عن النجاسة لا تكون شرطا و لا إشكال فيه فان البحث في صورة الالتفات اما صورة الغفلة أصلا لا تكون الطهارة شرطا و في صورة النسيان تكون شرطا و لو لم يكن حين العمل الالتفات إليه و الحاكم به النص في غيره هذه الفقرة فان الإحراز الظاهري فيه لا يكفى بل المدار على الواقع.

45

لأنه بالنسبة إلى الواقع قد انتقض و بالنسبة إلى الظاهر لا يكون له كشف خلاف لأن الظاهر لم ينقلب عما هو عليه من كونه حكما ظاهريا فكيف يقال بحجية الاستصحاب.

بهذا البيان.

ثم انه قد أشكل شيخنا العراقي (قده) في المقام بإشكال دقيق و هو ان الجامع لو كان شرطا لا يكون للاستصحاب مجرى أصلا بالنسبة إلى الجامع و لا بالنسبة إلى الحصة المقارنة مع الواقع و لا بالنسبة إلى الحصة المقارنة مع الظاهر اما بالنسبة إلى الجامع فلأنه لا أثر له شرعا بل ما هو منشأ الأثر هو الحصة و لو فرض له الأثر لا يكون في الحصتين مجرى للاستصحاب فان الخصوصية في باب الكفارة على فرض كون الجامع بين الصوم و الطعام و العتق هو الواجب لا يجوز قصدها لأنها بدعة و لا تكون منشأ أثر و في المقام أيضا كذلك مضافا بأن الجامع بين الطوليتين لا يتصور فان استصحاب الطهارة في طول واقعها فيلزم أو لا جريان الاستصحاب ثم حصول الظاهرية بالتعبد فكيف يمكن ان يكون لنا جامع بينهما فان المتأخر رتبة لا يمكن ان يكون في عرض المتقدم كذلك.

و اما جريان الاستصحاب في الحصة المقرونة إلى الواقع فلا يكاد يؤثر في المقام و ان كان في نفسه ممكنا لأنه بعد كشف الخلاف يكون من نقض اليقين باليقين لا بالشك ضرورة العلم بالنجاسة و على فرض عدم الأثر للواقع فلا يكون الأثر للحصة الظاهرية لأن الاستصحاب يكون طريقا إلى الواقع فإذا فرضتم عدم الأثر للواقع حتى يقال بعد كشف خلافها بعدم إعادة الصلاة و فرضتم ان الاستصحاب يكون متوجها إلى الواقع و لا موضوعية له فيكون جريانه غير موجه بعده و لا يكون الكلام في استصحاب الطهارة التعبدية بل في الطهارة الواقعية فان قلت الطهارة التعبدية تستصحب قلت يكون هذا خارجا عن الفرض لأن المستصحب نفس الطهارة لا الطهارة المستصحبة.

46

ثم استدرك (قده) بأنه لو كان النجاسات أحكاما جعلية بدون الواقعية فيمكن ان يكون الأثر على الاستصحاب لا الواقع بخلاف ما لو فرض أنها واقعيات كشف عنها الشرع كما التزم به الشيخ الأعظم (قده) فانه لا أثر الا للواقع و هذا هو التحقيق فالقول بان ما هو المستصحب هو الحكم و ان ظهر خلافه خلاف الواقع [1].

ثم أن شيخنا النائيني (قده) قد ذب عن الإشكال بالوجوه السابقة غاية الأمر أضاف وجها آخر و هو أن كبرى عدم نقض اليقين بالشك كان مغروسا في ذهن السائل و يكون المورد من باب التطبيق كما يقال الخمر حرام لسكره فعلة عدم الإعادة يكون وجوده هذه الكبرى و يرد عليه أولا ان غاية ما يستفاد هو حمل اليقين و الشك على ما قبل العلم بالنجاسة و هو خلاف الظاهر مع ان الكبرى أيضا لم تكن مغروسة في ذهن السائل و إلّا فلأي جهة سئل في المقام عن التفكيك بين الإعادة و تحصيل الطهارة فان الوحشة عن التفكيك كان دليلا على عدم المغروسية.

فتحصل من جميع ما تقدم ان الحمل على ما قبل كشف الخلاف و ان كان فيه دفع الإشكال عن تعليل الإعادة بعدم نقض اليقين بالشك و لكن يكون خلاف الظاهر على جميع الأقوال و لا محيص عنه.

فيمكن أن يقال أن النجاسة التي وجدت تكون من الحادثة بعد الصلاة فاليقين و الشك بالنسبة إلى قبل الصلاة يكونان باقيين حتى بعدها و يمكن الاستشهاد عليه‏

____________

[1] أقول ان كان مراده استصحاب الحكم و لو بعد كشف الخلاف فهو غير ممكن لأن الطهارة و النجاسة على فرض كونهما جعليتين أيضا يكون الجعل على الموضوع المنحفظ ففي ظرف الملاقاة مع الدم مثلا يحدث الحكم بالاجتناب و لا حكم عند كشف الخلاف فإذا ظهر نجاسة ما كان طاهرا لا يكون للحكم بالطهارة وجه و قبل كشف الخلاف فلا فرق بين الطهارة الواقعية و الظاهرية و لو لم يكن أثر على الواقع الّذي كشف خلافه و كان هذا كاشفا عن عدم الأثر في صورة التعبد أيضا يأتي فيه الإشكال السابق منه (قده) في الطهارة إذا كانت واقعية و كذلك النجاسة

47

بأنه لم يذكر ضمير في قوله رأيت و اما في الفرع السابق منه فيكون الضمير بقوله فوجدته فلا تكون النجاسة في هذه الفقرة هي ما ظنه أولا و لكن الإنصاف أن هذا الاحتمال و الاستشهاد أيضا موهونان لأن وحشة الانفكاك بين المقامين تكون شاهدة على ان ما وجده كان هو ما ظنه أولا فهذا أيضا خلاف الظاهر و الحمل على ما قبل الصلاة أيضا خلافه فنقول يكون التطبيق على المورد مجملا و لكن لا يضر بالكبرى في نفسها فانها قاعدة كلية و ليس الاستصحاب إلا عدم نقض اليقين بالشك.

تذييل تنبيهي‏

أقول و في هذا التذييل يكون البحث عن امر غير مربوط ببحث الاستصحاب و لكن حيث كان الكلام في شرطية الطهارة الخبثية للصلاة في الرواية السابقة و كان البحث في استصحابها لا بأس بالجمع بين الاخبار في نحو الشرطية و لا يكون تكرارا لما سبق من احتمالات الشرطية لأن البحث في أصل الاحتمالات غير البحث في مقام الجمع بين الروايات.

اما الروايات فهي على ثلاث طوائف الطائفة الأولى ما دل على شرطية الطهارة مثل قوله (عليه السلام) لا صلاة إلّا بطهور و غيره و هي بظاهرها تدل على أن واقع الطهارة هو الشرط كما أن هذا ظاهر لسان كل دليل بالنسبة إلى كل عنوان أخذ في لسان الدليل فان الظاهر هو كاشفيته عن الواقع.

الثانية ما دل على كفاية الطهارة الاستصحابية أيضا كهذه الصحيحة التي تكون مورد الاستدلال في الاستصحاب.

و الثالثة ما دل على صحة الصلاة في حال الغفلة و لو بدون الطهارة عن الخبث كما في بعض فقرات الصحيحة و لم يذكروه في مقام الجمع و يكون اللازم و التوجه إليه أيضا.

ففي مقام الجمع يذكر وجوه الأول أن يكون ما هو الشرط في الصلاة هو العلم‏

48

بالنجاسة و اما في غير هذا الصورة فلا يكون لنا شرط و لازم هذا هو صحة الصلاة في حال الغفلة لعدم العلم بالنجاسة و هكذا صحتها في صورة الشك أيضا بدون الاستصحاب و فيه ان هذا الاحتمال مخالف للإجماع لأنه في صورة الشك لا بد من الإحراز بالاستصحاب و لازمه سقوطه عن الاعتبار مضافا بمخالفته لظاهر دليل الشرطية و هو شرطية الواقع لا العلم به فقط فهذا في الواقع يكون موجبا لسقوط الطائفة الأولى من الروايات و هكذا ما دل على وجوب الإحراز بالاستصحاب.

الوجه الثاني ان يكون الشرط هو الأعم من الواقع و إحرازه و فرقه مع الأول هو أن إحراز الطهارة شرط لا إحراز النجاسة و لازمه هو تثبيت حجية الاستصحاب في صورة الشك و فيه أن هذا ليس جمعا بين الروايات بل لازمه سقوط ما دل بظاهره على أن الشرط هو واقع الطهارة فقط و هكذا يوجب سقوط ما دل على صحة الصلاة في حال الغفلة لعدم الإحراز و عدم الواقع و لو كان المراد ان الجامع هو الشرط يرد عليه إشكال شيخنا العراقي (قده) من عدم تصويره الاستصحاب بوجه من الوجوه لا بالنسبة إلى الجامع و لا الحصة فهذا الوجه لا يكاد يفيد للجمع.

الوجه الثالث ان يكون الشرط هو واقع الطهارة [1] و لكن في صورة إتيان الصلاة

____________

[1] أقول هذا امتن الوجوه كما عن التحرير النائيني (قده) و لا يرد عليه الإشكال بوجه حتى إشكال العلامة العراقي (قده) فان مرجع هذا القول لا يكون الالتزام بان الشرط هو الأعم من الواقعي و الظاهري بل الشرط هو الواقع و غيره يكون بدلا عنه كما في تقريراته (الفوائد) و هكذا لا يرد عليه إشكال عدم السنخية في المصلحة كما في طي كلمات الأستاذ مد ظله و بيان ذلك هو أن الكلام اما يكون في الاجزاء في مرحلة الفراغ أو الاجزاء من جهة الجعل اما الأول فلا إشكال فيه من جهة صيرورة الشرط الأعم من الظاهر و الواقع بل يكون الشرط شرطا بحاله و واقعيته و تكون غفلة المكلف أو إحرازه بالاستصحاب موجدة لمصلحة تفيد تمامية الصلاة فالشرط هو الواقع و الاجزاء كذلك لا يضره و لا يرد الإشكال من‏

49

مع الطهارة الإحرازية بالاستصحاب يكون الاجزاء عن الوقاع اما بملاك التفويت لمصلحة الواقع و عدم موقع لها أو بملاك الوفاء بمرتبة من مصلحة الواقع في مقام الامتثال أو من باب الاجزاء في مقام الجعل على فرض كون صحة الصلاة من باب تمامية الصلاة لا من باب العفو عن الشرط.

و الحاصل اما ان يكون الاجزاء لمضادة مصلحة الظاهر مع الواقع و اما من بال الوفاء بمرتبة منها أو من باب العفو عن الواقع و لازم هذا الاحتمال هو حفظ ظاهر ما دل على أن الشرط هو الواقع على فرض عدم كون الاجزاء بملاك العفو و هكذا ظاهر ما دل على كفاية الطهارة الإحرازية و لكن لازمه هو ان يقال بان الغفلة أيضا

____________

حيث السنخية بين الواقع و ما وقع كذلك في صورة الاجزاء بملاك المضادة لأن الغرض هو الضدية لا السنخية و في صورة الاجزاء بملاك الوفاء أيضا لا نحرز عدم السنخية لأنا لا نعلم حقيقة المصلحة لنقول لا يكون غير الواجد له مصلحة الواجد فربما يكون للمولى غرض يكون تحصله اما بالصلاة مع الطهارة أو هي مع إحرازها و لو زعما أو يكون تحصله بنفس غفلة العبد فمن أين ثبت عدم سنخية المصلحتين هذا كله في الاجزاء في مقام الفراغ و الامتثال كما يكون في كلام النائيني (قده) في تقريراته و اما لو كان الاجزاء من باب كون الشرط في مقام الجعل كذلك فلا إشكال فيه أصلا لأنه (قده) لا يقول بان الشرط هو الأعم بل يقول الشرط هو الطهارة في صورة عدم الشك و في صورة الشك يكفى الإحراز الزعمي أيضا و في صورة الغفلة لا يكون شرطا أصلا فان الغفلة توجب عدم الشرطية فالأخيران في طول الأول و مع الطولية يندفع إشكال الجامع لعدم الجامع بين الافراد الطولية كما اعترف به العراقي (قده) عند بيان الإشكال ففي صورة الاستصحاب ان حصل الوصول إلى الواقع فهو و ان لم يحصل لا يكون الطهارة شرطا و لا إشكال فيه و عمدة كلامه (قده) في مقام الامتثال و دفع الإشكال عنه أسهل من مقام الجعل و الأستاذ مد ظله قنع ببيان الإشكال فقط و لم يبين وجها يكون هو موجبا للجمع الصحيح عنده في هذه الدورة و ان مال في الدورة الأولى إلى الاجزاء بمصلحة المضادة فكلام التحرير النائيني (قده) امتن و انه دقيق جدا و لذا قال في آخر كلامه فتأمل في أطراف ما ذكرناه شكر اللَّه سعيه‏

50

توجب حفظ مرتبة من مصلحة الواقع أو تكون موجبة للاجزاء من باب المضادة فلو التزمنا بهذا يكون الجمع بين الروايات كذلك له وجه فصحة الصلاة اما ان تكون من باب الوفاء بمصلحة الواقع أو من باب المضادة مع مصلحة الواقع أو من باب العفو عن الشرط ترخيصا أو عزما.

فحاصل مرام شيخنا النائيني (قده) هو قناعة الشرع بالعمل بأحد الوجوه فلو كانت الطهارة واقعية فهي الشرط و إلّا فالطهارة الزعمية كافية لا أنها غير شرط من أصلها حتى يكون الواجد و الفاقد متساويين بل التسلك بزعم الواقع بأصل محرز و لو لم يكن موافقا للواقع يكون فيه المصلحة و كذلك الغفلة و لا يقال عليه بان الطهارة تكون شرطيتها في الواقع مشروطة بعدم الغفلة فإذا تحققت الغفلة لا يكون الواقع شرطا أصلا فلا يكون البحث عن وفائه بمصلحة الواقع له وجه مضافا بان شرطية الشرط في حال الالتفات و عدم شرطيته في حال الغفلة فيه إشكال تقييد الأحكام بالعلم به و يأتي فيه إشكال الدور عن العلامة قده.

لأنه يقول ان التقيد هنا يكون في مرحلة الفراغ لا مرحلة الجعل و بعبارة واضحة لا يكون تقييد الحكم بالعلم بالموضوع فيه إشكال الدور فانه يمكن أن يقال إذا علمت ببولية شي‏ء يجب الاجتناب عنه فيمكن أن يقال بأنه إذا علمت بنجاسة شي‏ء يجب أن لا يكون في اللباس و البدن في الصلاة فيكون التقييد بنحو نتيجة التقييد التي تحصل بواسطة تقييد الموضوع و من هنا ظهر عدم ورود الإشكال عليه (قده) بأنه لو كان غير الواقع وافيا بمصلحته يجب ان يكون الخطاب التخييري بين الواقع و الظاهر يعنى يجب اما تحصيل الطهارة واقعا أو زعما لأنه (قده) لا يرى العرضية في المصلحة بل مصلحة الظاهر في طول الواقع فلا يمكن الخطاب التخييري فلا يرد عليه هذا الإشكال.

و انما يرد عليه إشكال شيخنا العراقي (قده) الّذي مر في السابق من أن الجامع بين الطهارة الواقعية و الظاهرية لا أثر له و حصة الواقع أيضا غير مؤثر بعد ظهور

51

الواقع و لا يجري الاستصحاب بالنسبة إلى الظاهرية أيضا لعدم كونه الا طريقا إلى الواقع و بعد ظهور الخلاف لا يبقى له الأثر فيرجع هذا الوجه منه (قده) إلى الوجه الثاني من الجمع و هو كون الشرط الأعم من الظاهري و الواقعي و هو لا يقبله لمخالفته لظهور روايات الاشتراط.

و من الروايات صحيحة ثالثة لزرارة

(قده) [1] و هي قوله (عليه السلام) إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع و قد أحرز الثلاث قام و أضاف إليها أخرى و لا شي‏ء عليه و لا ينقض اليقين بالشك و لا يدخل الشك في اليقين و لا يخلط أحدهما بالآخر و لا ينقض الشك باليقين و يتم على اليقين فيبنى عليه و لا يعتد بالشك في حال من الحالات.

و لا إشكال في سند هذه الرواية في الجملة فان محمد بن إسماعيل و ان كان مرددا بين التسعة أو العشرة من الرّجال و لكن العلامة و المامقاني قد ذكروا أنه من تلامذة فضل بن شاذان و هو موثق و لكن الإشكال في هذه الرواية يكون من جهة الدلالة و التطبيق على المورد.

و للرواية احتمالات يجب ذكرها و ذكر ما ورد من الإشكال في كل احتمال الأول ان يكون المراد بقوله (عليه السلام) لا ينقض اليقين بالشك هو اليقين بالثلاث و الشك في الرابع و الإشكال عليه عن الشيخ (قده) هو أن المراد بإتيان الركعة ان كان الإتيان‏

____________

[1] هذه الرواية في تهذيب الشيخ (قده) باب أحكام السهو في الصلاة و ما يجب منه طبع القديم ص 188 ج 1 و لا يخفى أن له باب في أحكام السهو في ص 323 أيضا فلا تغفل هذا بذلك و صدر الرواية و عنه عن علي بن إبراهيم عن أبيه و محمد بن إسماعيل عن فضل بن شاذان جميعا عن حماد بن عيسى عن حريز عن أحدهما (عليهما السلام) قال إذا لم يدر في أربع هو أو في ثنتين و قد أحرز الثنتين قال يركع ركعتين و أربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهد و لا شي‏ء عليه إلخ‏

52

متصلا يفيد الاستصحاب و لكن يخالف مذهب الشيعة في باب الشك في الركعات لأنه يجب أن يكون منفصلا و على هذا مع كونه خلاف الظاهر من الرواية لا يفيد للاستصحاب و القول بالتقية في التطبيق أيضا خلاف الظاهر.

و قد أجاب عن هذا الإشكال تلامذة الشيخ (قده) مثل المحقق الخراسانيّ و الحاج آقا رضا الهمدانيّ (قدس سرهما) بأن الظاهر من هذا الحديث هو حجية الاستصحاب فقط و لكن التطبيق يكون بيانه في عهدة الأدلة البيانية للاجزاء و الشرائط في الصلاة فلا ربط لوجوب انفصال الركعة بحجيته فلو استفدنا الظهور من هذه الرواية في الاتصال يصير مقيدا بنص أدلة وجوب الانفصال للحكومة على أدلة وجوب الصلاة لأنه حاكم و شارح لما هو الواجب و منه هذا النحو من الامتثال.

أقول و يرد على هذا الجواب إشكال و هو أن فعل الاستصحاب هو التوسعة في الواقع فإذا أحرزنا عدالة زيد في الواقع فهي شرط واقعي لجواز الاقتداء فإذا شك فيها و استصحبت بعد وجود الحالة السابقة لها يكون هذا توسعة في الواقع و يحصل فرد من العدالة بهذا الأصل لطرد الشك بجريانه و هذا لا يستقيم في المقام لأن موضوع أدلة ركعات الاحتياط هو الشك بين الأقل و الأكثر فلازم طرد الشك بواسطة الأصل هو عدم جريان الاستصحاب فان الموضوع لا يكون واقع الركعات بل نفس الشك فجريان هذا الأصل يوجب أن يوجب الأصل عدم نفسه لأن جريه يوجب فناء الأثر العملي له و لا شبهة في أنه يحتاج إلى أثر شرعي لأن موضوع دليل الاحتياط في الركعات هو نفس الشك لا الواقع فإذا جرى الأصل فلازمه البناء على عدم الشك و تصحيح أدلة الاحتياط في الركعات يكون على فرض بقاء الشك فكيف يمكن القول بالجريان مع عدم أثر عملي له و هو حفظ أدلة الاحتياط و البناء على الأكثر.

و من هنا ظهر ما في كلام شيخنا النائيني (قده) في هذا الوجه حيث أنه تبع تلامذة الشيخ (قده) في ذلك من أن إتيان الركعات مفصولة ينافى إطلاق الاستصحاب‏