مجمع الأفكار ومطرح الأنظار - ج5

- محمد علي إسماعيل پور المزيد...
162 /
3

الجزء الخامس‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطيبين الطاهرين و اللعن على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

اما بعد فيقول العبد الفاني محمد علي الإسماعيل‏پور الأصفهاني القمشئي القمي ابن نصر اللّه غفر اللّه تعالى ذنوبهما ان ما بين يديك من الكتاب هو المجلد الخامس من كتاب مجمع الأفكار و مطرح الأنظار تقريرات بحث شيخنا العلامة المحقق المدقق آية اللّه العظمى الحاج ميرزا هاشم الآملي النجفي أدام اللّه تعالى ظله الشريف مرجعا و ملاذا للعلم و أهله و للإسلام و المسلمين مع تنظيم و تنقيح منّي بعد بيان ما ادى إليه النّظر في تذييلاته بقدر المجال.

و فيه يبحث عن قاعدة نفى الضرر و الضرار في الإسلام و عن الاجتهاد و التقليد و هذان البحثان من المباحث المهمة المفيدة سواء كانا من مباحث علم الفقه أو من مباحث علم الأصول و قد دون ذلك بعض الأعاظم مثل المحقق الخراسانيّ في الأصول في كتابه المسمى بالكفاية في حد من الاختصار خصوصا في قاعدة اللاضرر.

و لا بد من الدقة فيهما فان قاعدة نفى الضرر قاعدة ربما تزل القدم في تطبيقها على الموارد و ملاحظة نسبتها مع غيرها من الأدلة الأولية أو الثانوية فإذا فرض‏

4

كون الفقر مثلا ضرريا لا ينفى بها و لا يتبع ما يتوهم انه لازمه و هو أخذ المال عينا أو منفعة من الغنى لأن مفادها النفي لا الإثبات و لأنها قاعدة امتنانية للنوع لا للشخص فقط كما ان قاعدة نفى الحرج أيضا كذلك و لم يعهد في هذا الباب من الإسلام إلّا جعل حق للفقراء بجميع شئون فقرهم في مسكنهم و ملبسهم و مأكلهم من الخمس و الزكاة و الكفارات و أمثال ذلك و غاية أمرهم بيد ولى المسلمين كما ان بحث الاجتهاد و التقليد فيه مسائل دقيقة لطيفة كما لا يخفى عن أهل الفن و لا يكون البحث في الأصول عنه الا في كلياته و كيف كان فلنشرع في أصل المطلب.

خاتمة في الاجتهاد و التقليد و البحث فيه في فصول‏

الفصل الأول في معنى الاجتهاد

فقد اختلف التعابير في معناه فقيل انه في اللغة عبارة عن تحمل المشقة و اصطلاحا هو استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي و قيل انه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي و أساتيذنا قالوا انه استفراغ الوسع لتحصيل الحجة الشرعية.

و أقول انه لا يخفى عليكم ان المراد بالمجتهد في اصطلاح الفقهاء و الأصوليين ليس من يصدق عليه في اللغة انه اجتهد و سعى فهو مجتهد و إلّا لزم ان يشمل عنوان المجتهد لمن هو كذلك في مبادئ استنباط الأحكام مثل من اجتهد في علم النحو فقط أو الصرف أو المنطق و صار صاحب رأى و نظر.

بل المراد بالمجتهد هو من عرف الحلال و الحرام عن الأدلة الشرعية و هو الموضوع لجواز تقليده كما يكون التعبير كذلك في الروايات بأنه من عرف حلالنا و حرامنا فليرضوا به حكما و هذا المعنى الّذي هو موضوع جميع الآثار لا ينطبق عليه التعاريف المتقدمة في الاصطلاح.

5

لأن من يكون و أصلا إلى درجة الاجتهاد و حصل له القوة أو الملكة و لم يستنبط الأحكام بمقدار معتنى به لا يصدق عليه العارف بالاحكام لأن صرف القوة لا يكفى لكونه من أهل الذّكر الّذي يكون الأمر بالرجوع إليه و هكذا من استفرغ الوسع في بعض غير معتنى به لا يصدق عليه العارف كذلك فالتعبير بأنه استفراغ الوسع لتحصيل الظن أو لتحصيل الحجة غير تام لأن تحصيل الوظيفة أيضا يكون كافيا فمن كان له ملكة الاجتهاد و استنبط مقدارا معتنى به من الأحكام بحيث يصدق عليه انه عارف بالحلال و الحرام عن الأدلة التفصيلية فهو المجتهد الّذي يكون له الفتوى و الحكم بين الناس و الكلام في ان العرفان بجميع الأحكام هل يحصل لشخص أم لا سيأتي في البحث عن الاجتهاد المطلق و التجزّي.

و على ما ذكرناه لا فرق بين ان يكون السند له الآية أو الرواية أو أصل من الأصول المحرزة كالاستصحاب أو أصل غير محرز كالبراءة فانه و ان لم يكن له علم بالحكم في صورة إجرائه البراءة لكنه عارف بالحكم و الوظيفة من هذا الوجه و لا يخفى ان النزاع بين الأخباريّ الّذي يقول لا معنى للاجتهاد و السند هو الرواية و الأصولي الّذي يقول لا بد من الاجتهاد لا يرجع إلى محصل لأن فهم الحكم من الاخبار أيضا اجتهاد و تحصيل لعرفان الحلال و الحرام و تحصيل للوظيفة المقررة في الشرع الأنور فلا بدّ من تحصيل الوظيفة من الاخبار و من الأصول العملية.

و في هذا الطريق ربما يوافق نظر بعض الأصوليين مع الاخباري كما ان بعض الأصوليين لا يقول بجريان البراءة في الشبهات الحكمية استنباطا من الدليل وفاقا للأخباري فتحصيل الحجة من أي طريق شرعي كان يوجب العرفان بالحلال و الحرام حتى إذا كان سند المجتهد حجية الظن المطلق لكونه انسداديا على الحكومة في باب الانسداد فانه حينئذ يكون حاكما بالحكم على طبق الانسداد من سبيل العقل فقط و هو انه إذا رأى عدم كون الإنسان كالبهائم و انه مكلف بتكاليف من الشرع‏

6

و لا بد له اتباعه فيحكم بحجية الظن بعد كون الاحتياط عسريا.

فحكم العقل أيضا من هذا الباب أو من باب آخر متبع عن المجتهد و انه الرسول الباطني و اما الانسداد على الكشف فهو ينتج كشف حكم الشرع بدليله و ليس من الحكم العقلي المحض.

و الحاصل سواء كان الدليل العقل أو الشرع يكون رأي المجتهد حجة لنفسه و لمقلديه و هو خبرة الدين فلا بدّ من الرجوع إليه من حيث هو الخبرة و لا يسأل المقلد عن دليله تفصيلا كما ان ساير الخبراء أيضا كذلك.

الفصل الثاني في الإطلاق و التجزي في الاجتهاد

و لكل منهما جهات من البحث‏

[في جهات البحث في المطلق‏]

الجهة الأولى‏

في البحث عن إمكان حصول الاجتهاد المطلق و عدمه فانه ربما قيل ان الاجتهاد المطلق لا يمكن تحصيله لكثرة الأحكام الشرعية في جميع أبواب الفقه مضافا بأنه ربما يتوقف على علوم لا يعلمه المجتهد كمعرفة أول الشهر في الصوم مثلا و معرفة القبلة في الصلاة فان المجتهد محتاج إلى الهيئة و النجوم و ليس عارفا بذلك.

و لكن يمكن ان يقال في الجواب عنه ان المراد بالمجتهد ليس من استنبط جميع الأحكام بالفعل حتى يقال لم يتفق ذلك لأحد لكثرة الفروع بحيث لا تحصى بل المراد به من استنبط مقدارا معتنى به مع وجود القوة على استنباط حكم كل مسألة احتاج إلى استنباطه و اما عدم علم بعض المجتهدين بالهيئة و النجوم فلا يضر بإطلاق الاجتهاد لأن المجتهد في رد الفروع على الأصول يرجع إلى الخبرة في تطبيق الحكم على الموضوع فهو يستنبط ان القبلة حسب الدليل الشرعي في مكان كذا يكون كذا مثل كون الجدي خلف المنكب في بعض الأمكنة و عدمه في بعض آخر أو يجب الصلاة بعد الزوال أو يجب الصوم في أول شهر رمضان إلى آخره و في تعيين القبلة الزوال و أول الشهر و آخره يرجع إلى الخبرة في ذلك في مقام التطبيق‏

7

و الحاصل ان الفقيه يكون شأنه بيان الأحكام و كل علم يكون دخيلا في فهم الحكم كعلم الأصول و غيره لا بد من الاجتهاد فيه و اما ما لا دخل له فيه مثل الهيئة و النجوم فيرجع إلى الخبرة في هذا الفن كما يرجع في فهم ان العصير بعد الغليان هل حصل التثليث فيه ليصير حلالا أم لا ليكون حراما إلى الخبرة في هذا الفن و هكذا غيره من الموضوعات.

مضافا بأن بعض العلماء مثل العلامة و الشهيدين و البهائي و المحقق من العلماء بالهيئة أيضا فأمثالهم لا يكون الإشكال في إطلاق اجتهادهم نعم من كان قاصرا في مقدمات الاستنباط مثل عدم كون المجتهد خبرة في المسائل الأصولية الدقيقة فهو امر آخر فان بعضهم يفتى بجواز البقاء على تقليد الميت و لكن لا يمس ذهنه إلى ان تنجيز رأي المجتهد لمقلديه جهة تعليلية أو تقييدية و يأتي الكلام في جواز تقليده و عدمه مع عدم علمه بما هو من مقدمات استنباطه.

و اما ما يرجع إلى التطبيقات فيرجع إلى الخبراء كما في ساير الموارد فتحصل من جميع ما تقدم ان الإطلاق في الاجتهاد ممكن و لا إشكال فيه.

الجهة الثانية

في ان المجتهد المطلق هل يجوز له تقليد غيره بأن لا يستنبط الأحكام أو يجب عليه الاستنباط فيه خلاف و الحق عندنا هو انه إذا كان مقدمات الاجتهاد من الكتب الموضوعة لهذا الفن في يده و لا يكون له اشتغال بما هو أهم يجب عليه الاستنباط لأن دليل جواز التقليد سواء كان الفطرة العقلائية أو العقل أو الروايات يكون موضوعه الجاهل بالحكم و من لا يكون جاهلا و له طريق العلم لا يكون موضوعا لهذا الدليل و الأصل يقتضى عدم حجية رأى أحد على أحد.

لا يقال هذا في المجتهد الّذي يكون رأيه انفتاح باب العلم أو العلمي يصح و اما المجتهد الانسدادي فهو مثل الجاهل لأن عقيدته عدم طريق له للعلم بالاحكام فلا إشكال في رجوعه إلى من يكون انفتاحيا.

لأنا نقول ان المجتهد إذا كان انسداديا أيضا يكون عالما بالوظيفة مثل‏

8

الانفتاحي الّذي لا سند له إلّا أصالة البراءة من الأصول الغير المحرزة فكما انه عالم بالوظيفة و ان كان جاهلا بالحكم كذلك الانسدادي في المقام مضافا بان الانسدادي يرى الانفتاحي جاهلا فكيف يرجع إليه و العلم بالواقع ربما لا يحصل لمن قامت عنده الأمارة لخطاء الراوي في الواقع في روايته.

و لذا نقول انه لا يكون للمجتهد الّذي أفتى بالاحتياط ان يرجع مقلديه إلى غيره لأنه بعقيدته رأى وجوب الاحتياط من باب العلم الإجمالي و يرى رأى غيره و فتواه في ذلك مخدوشا و ان أفتى جزما فكيف يمكن ان يرجع مقلده إلى من هو جاهل عنده و هذا الكلام يعنى إرجاع الاحتياط إلى الغير و ان كان مشهورا عند الفقهاء و لكن لا أصل له بهذا الدليل.

نعم إذا كان احتياط المجتهد الأعلم من باب عدم استنباطه الحكم لكثرة اشتغاله أو لوجوه أخر فله ان يرجع مقلده إلى من حصل العلم في ذلك فالانسدادي و الاحتياطي يلزمه العمل برأيه لا رأى غيره.

الجهة الثالثة في ان المجتهد الانسدادي يجوز تقليده أم لا؟ [1]

____________

[1] أقول ان الّذي يلزم التوجه إليه في المقام هو ان المجتهد الانسدادي يكون نظره بعد العلم الإجمالي بالاحكام و عدم إمكان كوننا كالبهائم و عدم الاحتياط لكونه عسريا إلى ان ما بأيدينا من الآيات و الروايات متواترة كانت أو آحادا و موارد الإجماعات لا يفي لانحلال العلم الإجمالي فما لم يصل فيه دليل خاص يكون الظن المطلق حجة فيه على فرض كون نتيجة مقدمات الانسداد الحكومة لا الكشف.

و لكن الانفتاحي يقول ان ما بأيدينا مما ذكر واف لانحلال العلم الإجمالي و فيما لم يصل إلينا فيه دليل خاص فالأصل يقتضى البراءة فالفرق بين الانسدادي و الانفتاحي يحصل بان سند أحدهما البراءة و سند أحدهما الظن و الانسدادي عارف بكل ما علمه الانفتاحي فكيف يقول المحقق الخراسانيّ (قده) و غيره ان الانسدادي جاهل و لا رجوع إلى الجاهل و يقول بالرجوع إلى البراءتي مع انه أيضا جاهل بهذا المعنى فكما ان البراءتي يخطأ الانسدادي في رأيه فكذلك الانسدادي يخطئ‏

9

قال المحقق الخراسانيّ (قده) بما حاصله هو عدم جواز تقليد الانسدادي لأن دليل جواز التقليد هو ان الجاهل يرجع إلى العالم بحكم العقل و العقلاء و الروايات و الانسدادي حيث يكون جاهلا يكون رجوع الغير إليه من رجوع الجاهل إلى الجاهل.

بل كان سيدنا الأستاذ الأصفهاني (قده) يقول لا يرجع إلى المجتهد الّذي سنده البراءة لأنه أيضا جاهل و مقدمات الانسداد توجب حجية الظن لنفس الانسدادي و لا توجب تعيين وظيفة البشر.

مضافا بان الانسدادي يكون باب العلم منسدا عنده و لكن المقلد لا يكون كذلك مع وجود الانفتاحي فانه يرجع إليه و ربما [1] لا يحصل له العلم الإجمالي بالاحكام و التحير الّذي يكون من مقدمات الانسداد.

قال (قده) فان قلت رجوعه إلى المجتهد الّذي يكون سنده الأصل أيضا يكون من رجوع الجاهل إلى الجاهل قلت حيث لا يمكن للمقلد ان يفهم عدم الدليل الا الأصل و هو عاجز عنه يبين المجتهد مورد جريان الأصل فيكون هذا من رجوع الجاهل إلى العالم في هذا القدر من العلم هذا كلامه فقها و أصولا فأقول ان التحقيق خلاف ما ذكره و بيانه هو ان الموضوع لجواز التقليد كما مر يكون المجتهد الّذي يكون عارفا بالاحكام و العارف بالحكم يصدق بالنسبة إلى من استنبطه من الروايات لما ورد من قولهم (عليهم السلام) أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا [2] و قوله‏

____________

البراءتي في رأيه.

فكل ما قيل في الرجوع إلى البراءتي يقال في الرجوع إلى الانسدادي فلا يكون في الرجوع إلى الثاني كثير إشكال و لا في تقليده غرابة و امتناع فاحفظ هذا فانه مفيد للمقام في دفع الإشكال.

[1] أقول مع الغمض عن ساير الإشكالات لا يرد هذا الإشكال لأن العلم الإجمالي للمقلد لا يلزم ان يحصل فلو قلنا بجواز تقليده يجب عليه العمل بفتوى الانسدادي و لو لم يحصل له علم إجمالي و سيجي‏ء الجواب عن ساير الإشكالات منه مد ظله.

[2] في الوسائل ج 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 27

10

في رواية عبد الأعلى مولى آل سام يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه بعد قوله (عليه السلام) امسح على المرارة (1) و تقريب الاستدلال هو ان عرفان معاني كلماتهم يوجب الأفقهية و العلم يحصل بملاحظة كتاب اللّه تعالى و من المعلوم ان الاخبار عنهم (عليهم السلام) الا ما شذ كالمتواتر يكون ظني السند و الدلالة و هكذا الكتاب قطعي السند كالمتواتر و لكنه ظني الدلالة فلا يوجب أحدهما القطع و العلم الوجداني الا قليلا.

و بعبارة أخرى ان حجية الأمارات اما ان تكون من باب تتميم الكشف كما هو التحقيق أو من باب تنزيل مؤداها منزلة الواقع كما هو رأى الشيخ الأعظم أو من باب جعل الحجية كما عن المحقق الخراسانيّ (قده) و على أي تقدير لا توجب العلم الوجداني بل لنا العلم بوجود الحكم الطريقي إلى الواقع و انه ربما يوصل إلى الواقع و ربما لا يوصل إليه.

فإذا عرفت ذلك فنقول العلم بالحجة و الوظيفة أيضا علم لأن العرفان إذا صدق على ما لا يكون عرفانا في الواقع فنقول بتوسعة صدقه على غيره فعلى هذا المجتهد الانسدادي و الّذي يكون سنده البراءة يكون عالما و ليس الرجوع إليه من رجوع الجاهل إلى الجاهل بل من رجوع الجاهل إلى العالم و ما فهمه الانسدادي يكون وظيفته و وظيفة البشر فمع كونه اعلم لا بد من الرجوع إليه لا إلى غيره و ليس لأحد ان يقول لا يرجع إلى المجتهد الأعلم.

فعلى هذا يكون باب العلم منسدا للمقلد أيضا لأنه لا بد من الرجوع إلى الانسدادي نعم إذا كان الانفتاحي و الانسدادي متساويين فيكون له الرجوع إلى الانفتاحي فما ذكره المحقق الخراسانيّ (قده) من ان ما ادى إليه حجته يكون وظيفة لنفسه لا للبشر لا يخلو عن الإشكال.

ثم من هذا الوجه قال (قده) بما حاصله هو انه ان أشكل على هذا و قيل بأن‏

____________

(1) في الوسائل ج 1 باب 39 من أبواب الوضوء ح 5

11

من كان سنده الأصل أيضا يكون جاهلا مثل الانسدادي قلنا بأن المجتهد مبين لموارد جريان الأصول و عارف بعدم الدليل في المقام و المقلد عاجز عن ذلك فيكون من رجوع الجاهل إلى العالم.

و أقول نحن كما مر نقول ان العرفان في الروايات الدالة على ان الرجوع إلى من عرف حلالهم و حرامهم جائز يكون أعم من العرفان بالحكم بواسطة القطع أو الظن المعتبر أو الوظيفة و موارد الأصول المحرزة و غيرها عرفان لحكم اللّه تعالى في المورد.

و لذلك ترى ان الأصول المحرزة مثل الاستصحاب يكون مقدما على الأصل غير المحرز مثل البراءة و السر في ذلك صدق العرفان الّذي هو غاية في لسان دليل البراءة مثل قوله (عليه السلام) كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه فالعرفان يكون أعم من العرفان الوجداني بالواقع الواقعي أو الواقع التعبدي أو العلم التعبدي بالواقع الواقعي كما ان التحقيق في الاستصحاب هو ان لسان الدليل يفهم منه تنزيل الشك منزلة العلم فكأنه يقال أيها الشاك أنت عالم.

كما ان مبنى الشيخ الأعظم هو العكس بتنزيل المشكوك منزلة المتيقن فالعلم الوجداني يكون عنده حاصلا بالواقع التعبدي كما ان رأيه كذلك في باب الأمارات في قوله بتنزيل مؤداها منزلة الواقع خلافا لما نقول من تتميم الكشف و هذا شأن كل دليل أوّلي مع الدليل الثانوي فان الاقتداء بمن هو عادل واقعا هو الظاهر من الدليل و لكن لسان دليل الاستصحاب يوسع الواقع فان جوازه يكون بالنسبة إلى مستصحب العدالة أيضا فتحصل من جميع ما تقدم ان الأمارات و الأصول المحرزة تكون نازلة منزلة العلم على ما فهمنا من الأدلة.

و الأصول الغير المحرزة أيضا حيث يوجب بيان وظيفة المتحير يمكن ان يكون العارف به عارفا بالحجة و الوظيفة و يكون مصداق من عرف حلالهم و حرامهم فلا إشكال في الرجوع إلى المجتهد الانسدادي و من يكون سنده البراءة خلافا

12

لسيدنا الأستاذ الأصفهاني (قده) في خصوص الرجوع إلى المجتهد الّذي سنده البراءة أو الّذي يكون انسداديا.

بقي في المقام إشكال و هو ان المقلد الّذي يريد الرجوع إلى الأصل الّذي نقّحه المجتهد و هو البراءة لا يكون شاكا في بعض الأوقات لغفلته فكيف يصير الحكم شاملا له و الجواب عنه بالنقض و الحل اما النقض فهو ان المقلد في باب الأمارات أيضا لا يكون شاكا مع كون موردها الشك فكيف تشمله و اما حلا فنقول في الموضوعات يكون الشك الفعلي هو اللازم للمقلد في كونه مصداق الحكم و اما في الأحكام فالشك التقديري كاف بمعنى كفاية انه لو التفت لشك فيها.

و المجتهد وكيل عن قبل المقلد بمقتضى ما دل على الرجوع إلى العارف بالاحكام و قبول قوله من دون فحص فالمجتهد المطلق مرجع في الفتوى مطلقا.

الجهة الرابعة

في نفوذ حكم المجتهد المطلق و قضائه فنقول لا شبهة و لا ريب في عدم نفوذ حكم المقلد بين الناس لأن منصب القضاوة حسب الروايات يكون لمن هو منصوب من قبلهم (عليهم السلام) و يكون عارفا بأحكامهم و اما المجتهد المطلق فلا شبهة في جواز حكمه كجواز تقليده إذا كان ممن يرى انفتاح باب العلم و اما إذا كان انسداديا ففيه الكلام.

و الدليل عليه ما ورد من الروايات كرواية أبي خديجة [1] و المجتهد المطلق هو الّذي يصدق عليه انه ممن روى حديثهم (عليهم السلام) و نظر في حلالهم و حرامهم (عليهم السلام) و عرف أحكامهم عرفا.

و كمقبولة عمر بن حنظلة ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا و نظر

____________

[1] في الوسائل ج 18 في باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 6 عن أبي خديجة قال: بعثني أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارؤ في شي‏ء من الأخذ و العطاء ان تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا فانى قد جعلته عليكم قاضيا و إياكم أن يخاصم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر.

13

في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم اللّه و علينا رد و الراد علينا الراد على اللّه و هو على حد الشرك باللَّه الحديث‏ (1) فان قلت ان الفقرة في هذه الرواية و هي قوله (عليه السلام) فإذا حكم بحكمنا كيف تصدق مع كون القضية فيها فتوى المجتهد و الفتوى ليست من حكمهم (عليهم السلام) قلت حيث يكون غالب موارد قضاء الفقيه في الموضوعات الخارجية مثل الحكم بان الدار لزيد دون عمرو و الفرس لبكر دون خالد و لم يكن مما ورد فيه النص نفهم ان المراد ان المنصوب من قبلهم يكون فتواه في حكم أيضا حكمهم (عليهم السلام).

هذا في الانفتاحي و اما المجتهد الانسدادي فيكون فيه الإشكال كما كان في حجية فتواه عن محقق الخراسانيّ (قده) و غيره من جهة انه جاهل و لا رجوع إلى الجاهل و جوابنا ما مر من انه أيضا عالم بالوظيفة و على فرض كونه انفتاحيا في باب القضاء فيقولون ليس لنا القول بالفصل إذا كان انسداديا في ساير الأبواب.

و حيث يكون الحق هو جواز قضائه و فتواه على فرض الانسداد فلا إشكال أصلا عندنا.

ثم ان الاجتهاد في خصوص القضاء هل يكفى لقضائه أم يجب الاجتهاد في جميع الأحكام فيه خلاف و حيث ان الحق هو ان الاجتهاد عندنا ليس إلّا وجود الملكة للاستنباط مع الاستنباط لمقدار معتد به من الأحكام فيكفى استنباطه لجملة من الأحكام و لو لم يكن الاستنباط بالنسبة إلى الجميع لعدم إمكانه.

فتحصل ان المجتهد أعم من كونه انسداديا أو انفتاحيا يجوز قضائه و يصدق عليهما العارف بالاحكام و ان كان صدقه من جهة ما عرفه الانسدادي من موارد الإجماعات و المتواترات و الضروريات [1]

____________

[1] أقول قد مر ان المجتهد الانسدادي لا ينقص عن القائل بأصالة البراءة في موارد الشبهات من جهة علمه بما ورد من الاخبار الآحاد و الحجج الخاصة

____________

(1) في ج 18 من الوسائل باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 1.

14

في جهات البحث في المتجزي‏

الجهة الأولى في إمكانه‏

و الحق عندنا إمكانه لأن المسائل بعضها مبتن على مبادئ صعبة و بعضها على مبادئ سهلة فربما يكون الشخص مجتهدا في مسألة أو مسائل يكون سندها الروايات الظاهرة دلالة و ظاهرة الجمع على فرض التعارض و ربما لا يكون مجتهدا في مسائل مبتنية على البحث في التعبدي و التوصلي في الأصول و كذلك المبتنية على البحث عن الأقل و الأكثر و التعيين و التخيير و المتباينين و تحقيق الفرق بين الثلاث فإن أمثال هذه الموارد صعب جدا لا بد من التحقيق البليغ فيه فلا يكون الشخص مجتهدا في المسألة التي يكون مبناها ما ذكر و ليس الاجتهاد الا الفحص عن دليل الحكم تفصيلا ففي أي مورد حصل العلم بالدليل يكون الشخص مجتهدا فيه.

مضافا بأنه لو لم يكن التجزي متحققا يلزم الطفرة في الاجتهاد المطلق ضرورة انه تدريجي الحصول فبواسطة الاجتهاد في هذه المسألة و تلك بنحو التجزي يحصل الاجتهاد المطلق و لا يمكن تحصيله دفعة.

و قد أشكل في المقام بأن الاجتهاد عبارة عن الملكة و هي امر بسيط و البسيط لا يتجزى فكيف يحصل التجزي و الجواب عنه ان غاية ما يقال في المقام هي ان العلم من الوجود و مساوق معه و لكن لا شبهة في وجود المراتب للوجود أيضا و هكذا الاشتداد و التضعف فالمجتهد المطلق يكون قويا في هذه القوة و المتجزي يكون ضعيفا فيها و لا إشكال في ان يكون القوة للنفس ذات مراتب شديدة و ضعيفة و ان كان مجردة و بسيطة من حيث ذاتها.

____________

فيكون صدق العرفان عليه أيضا مثله.

و انما الفارق عدم كفاية ما بأيدينا لبيان الأحكام و عدم إيجابه انحلال العلم الإجمالي بها في نظر الانسدادي فيقول بحجية الظن المطلق و الانفتاحي يقول بكفايته للانحلال و في موارد الشبهة الأصل هو البراءة عنده.

15

و أجاب الاعلام عن هذه الشبهة بجواب عرفي و هو ان عدم قبول القوة للتجزية من جهة البساطة لا يمنع عن حصولها بالنسبة إلى بعض المسائل دون بعض فما حصل منها بسيطة.

و قد أشكل ثانيا بأن أبواب الفقه مرتبطة بعضها ببعض من حيث الدليل فان الخلوة مع الأجنبية دليل حرمتها روايتان إحداهما في الإجارة و الأخرى في الطلاق فلا يحصل التجزي للمجتهد مع عدم الإحاطة بجميع أبواب الفقه لإمكان وجود الدليل بخلاف ما فهمه في زاوية من زوايا الكتب المدونة لم يعثر عليه.

و الجواب عنه هو ان الأمر و ان كان كذلك في مقام الثبوت و لكن في مقام الإثبات حيث ان أبواب الفقه صارت منضبطة في القرون المتأخرة و جعل الفقهاء و المحدثون للفقه و الاخبار أبوابا يذكر فيها جميع ما يتعلق بالمسألة المناسبة لذلك الباب غالبا فإذا تفحص المجتهد و لم يجد شيئا يطمئن بعدم وجود شي‏ء آخر و إلّا لذكروه و احتمال وجود رواية أو دليل آخر يصير بعيدا.

فلو لا جهد الماضين من العلماء (رضوان اللّه عليهم) لكان للإشكال وجه لكنهم شكر اللّه مساعيهم جعلوا طريق الاستنباط واضحا.

فان قلت ان المبادي التي هي دخيلة في حصول قوة الاستنباط كثيرا ما لا تكون بيد المتجزي فكيف يمكنه الاستنباط بدون الإحاطة بعلم الأصول و ساير العلوم الّذي يتوقف عليه ذلك.

قلت بعض المبادي الّذي يصعب الاجتهاد فيه مثل مسألة ان الأمر بالشي‏ء هل يقتضى النهي عن الضد أم لا أو أن إطلاق الأمر هل يقتضى التعبدية أو التوصلية أم لا ربما لا يحتاج إليه في مسألة من المسائل فإذا كان طريق المسألة سهل التناول فلا إشكال في حصول العلم بالحكم من الدليل التفصيلي و اما ما يتوقف على ما ذكر فلا يحصل الاجتهاد فيه لعدم ما هو من مباديه و كيف كان فلا إشكال في إمكان التجزي في الاجتهاد.

الجهة الثانية في ان المتجزي هل له ان يعمل برأيه أم يجب عليه التقليد

حتى‏

16

يصير مجتهدا مطلقا فيه بحث و الحق هو ان له ان يعمل برأيه لأنه صار عالما بفحصه و دليل التقليد و هو رجوع الجاهل إلى العالم لا يشمله لأنه عالم بالنسبة إلى ما علمه فلا إشكال في عمله برأي نفسه.

ثم انه ربما يقال بأن المتجزي لو كان انسداديا لا يكون له العمل برأيه لأن الانسدادي جاهل فلا بد له إلّا ان يرجع إلى العالم.

و الجواب عنه ان المتجزي ربما لا يحصل له الظن حسب مقدمات الانسداد حتى يكون حجة عليه مثل من رأي خلاف مثل العلامة الحلي (قده) و سائر الاعلام من الفقهاء و لا يحصل له من مقدماته الظن فهذا خارج عن محل الكلام لأن البحث في صورة حصول الظن الّذي هو حجة على فرض كون نتيجة مقدمات الانسداد حجية الظن على الحكومة.

و ربما يحصل له الظن من جهة تمامية مقدماته فان حصل الظن فلا شبهة في حجيته لنفسه حسب ما ادى إليه اجتهاده فله العمل على وفق ما علمه و ليس له الرجوع إلى غيره فتحصل ان المتجزي مطلقا له ان يعمل على طبق رأيه.

الجهة الثالثة

في ان المتجزي هل يجوز تقليده فيما استنبطه أم لا و لنفرض كونه اعلم فيما تجزى فيه مثل من كان أعلميته في خصوص باب المعاملات أو في خصوص العبادات كما نسب إلى بعض الاعلام من الفقهاء انه كان أعلم في باب المعاملات في مقابل من كان أعلم في باب العبادات و فيه خلاف.

فقال المحقق الخراسانيّ (قده) جواز تقليده مشكل للإشكال في صدق العارف بأحكامهم (عليهم السلام) بالنسبة إليه فان العارف هو المجتهد المطلق الّذي استنبط جملة من الأحكام.

و الحق ان يقال ان السند لجواز التقليد ان كانت الفطرة و السيرة العقلائية من رجوع الجاهل إلى العالم و هكذا العلم الإجمالي بالاحكام مع عدم الطريق إليها فلا فرق بين المتجزي و المطلق في جواز الرجوع لأن المتجزي إذا كان عندهم اعلم بالمسألة الفلانية فلا شبهة لهم في وجوب الرجوع إليه لا إلى غيره.

17

و اما إذا كان الدليل الرواية مثل رواية أبي خديجة و مقبولة عمر بن حنظلة التي مرت آنفا فحيث ان العارف بالاحكام و الحلال و الحرام لا يصدق بالنسبة إلى المتجزي فيشكل جواز تقليده فعمله برأيه امر و تقليد غيره إياه امر آخر فهو عالم فلا يرجع إلى غيره و يعمل برأيه و لا يصدق عليه العارف بالاحكام فلا يجوز تقليد غيره إياه و كذلك لا يجوز حكمه و قضاؤه لأن دليل الحكم و التقليد واحد و هو الروايات.

فلا يقال عمله بفتواه لأنه عالم لازمه جواز تقليده لأنه عالم فيرجع إليه الجاهل لأنا نقول ان له الحجة لنفسه و لا يصدق عليه العارف بالاحكام ليكون له هذا المنصب و لا يقال أيضا ان الاجتهاد ملكة و هي تحصل بكثرة الاستنباط و ليس للمتجزي كثرة الاستنباط لأنا نقول هذا الإشكال يكون في أصل اجتهاده و قد أجبنا عنه في الجهة الأولى في مقام تصوير إمكانه بأن مبادئ الحكم تختلف صعوبة و سهولة و ربما يحصل العلم به لسهولة مبدئه.

الجهة الرابعة

في جواز حكمه و قضائه بين الناس و عدمه فان المحقق الخراسانيّ (قده) قال بأنه أشكل من جواز تقليده و لم يبين سره و الظاهر ان سره هو ان دليل التقليد يمكن ان يكون الفطرة و السيرة العقلائية من رجوع الجاهل إلى العالم و هو منطبق في حقه و اما منصب القضاوة فهو جعلي و لم يكن للفطرة فيه دخل [1] فلا بد من أخذه من الروايات و هي يكون الحكم فيها بنفوذ حكمه في صورة كونه عارفا بالحلال و الحرام و هو غير صادق في حق المتجزي فلا ينفذ حكمه.

فان قلت ان السند ليس المقبولة عن عمر بن حنظلة فقط بل مشهورة

____________

[1] أقول ليس الرجوع إلى الحكام أيضا خارجا عن الفطرة فان الناس في عيشتهم الاجتماعية يرون بفطرتهم احتياجهم إلى من يرفع النزاع عنهم و لذا تراهم ينقادون في بعض الأوقات لرأي بعض مشايخهم أو من يقضى بينهم لأنه أهل لحل النزاع عندهم فضلا عن الرجوع إلى رئيس الاجتماع في فصل الخصومة و الشرع أمضى هذه الفطرة مع التحديد بحدود عنده فهذا الوجه للإشكالية غير تام.

18

أبي خديجة تكون في المقام و هي دالة على ان عرفان شي‏ء من القضاء أو قضاياهم كاف في الرجوع إليه فلا نحتاج إلى صدق كون المجتهد عارفا بجملة معتدة بها من الأحكام فانه قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) إياكم ان يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا (و في طريق من قضائنا) فاجعلوه بينكم فانى قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه‏ (1). و لا تعارض بين المقبولة و المشهورة و لا يحمل إحداهما على الأخرى لأنهما مثبتتين.

قلت الظاهر من قوله (عليه السلام) يعلم شيئا من قضائنا أو قضايانا أيضا هو العلم بجملة معتدة بها من الأحكام و لا يكون صادقا في حق من فهم مسألة من المسائل عن دليلها فانه غير عالم بقضائهم أو قضاياهم من غير فرق بين كون لفظة من في قوله (عليه السلام) من قضايانا بيانية أو تبعيضية فان البعض أيضا يكون المراد به البعض المعتد به.

فتحصل ان المتجزي لا يكون مرجعا في القضاء بين الناس.

فصل في مبادئ الاجتهاد

لا شبهة في ان الاستنباط للحكم الفقهي يحتاج إلى العلوم التي هي من مباديه و هي النحو و الصرف و المعاني و البيان و اللغة و التفسير و علم أصول الفقه و هو العمدة و المنطق و علم الرّجال و لا بد من الاجتهاد في جميع ما ذكر و لا يصدق العارف على المقلد للغير في تلك العلوم فصرف قول صرفي أو نحوي أو لغوي أو أصولي أو منطقي أو مفسر أو رجالي لا يكفى في إحراز ما نحن بصدده في كل باب من الأبواب و من هنا يجي‏ء في الذهن شي‏ء و هو ان المجتهد في الفقه لا يكون مجتهدا في بعض ما ذكر من العلوم فكيف يفتى و لكن الّذي يوجب رفع الإشكال هو ان علم الأصول الّذي يكون دارجا بنحو أضبط من غيره في زماننا هذا يكون متكفلا للبحث عن جملة من العلوم و تنقيح الكبريات فيها كما ان بحث المشتق يكون‏

____________

(1) في الوسائل ج 18 من باب 1 من أبواب صفات القاضي ح 5.

19

متكفلا لفهم تركيبات الجملة بنحو لا يجي‏ء في ذهن كبراء النحويين بتحليل المشتق إلى مادة و هيئة مثل البحث في مادة هيئة فاعل أعم من كونها في مثل الضارب أو الناصر أو غيره.

و كما ان البحث في العام و الخاصّ من مباحث الألفاظ يكون بنحو لا يجي‏ء في ذهن العالم بالمعاني و البيان من الحقيقة و المجاز و الاستعارة و الكناية و بعض ما ذكر من العلوم يبحث عنه في الفقه بنحو أضبط من الكتب المدونة لذلك فان آيات الأحكام يفسر في الفقه بنحو لا يجي‏ء في ذهن المفسر أ لا ترى بحثهم في آية التيمم في الطهارة فهل ترى من مفسر هذا النحو من الإطالة و الرد و الإيراد و مثلها ساير الآيات في الأحكام و اما آيات غير الأحكام فهي غير منوطة بالفقه و هكذا اللغة كلما احتاج إليها الفقيه يبحث عنها بنحو لا يجي‏ء في ذهن اللغوي و اما علم الرّجال فان قلنا بان الوثوق بالخبر كاف فكثيرا ما يحصل الوثوق بواسطة موافقته مع الشهرة و على فرض عدم قبول بعض أقسام الشهرة مثل الشهرة الفتوائية لحصول ذلك فنحتاج إلى علم الرّجال.

و معه أيضا يكون امر الاجتهاد فيه سهل لأن بعض الرّجال لا نحتاج في شأنهم إلى الفحص مثل زرارة و محمد بن مسلم و أمثالهما ممن هو كالشمس في رابعة النهار من علو الشأن و من تكون محتاجا إلى الفحص عن حاله أيضا رجال معدودون لأن لكل امام (عليه السلام) رواة و رجال فنتفحص عن حالهم بحيث يحصل الوثوق هذا مضافا إلى ان الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) في كل مورد كان الكلام في الراوي يبحثون عنه بحيث يحصل الوثوق بمدحه أو قدحه.

فتحصل ان ما لا محيص عنه من العلوم هو علم الأصول الّذي لا بد منه في الفقه بحيث إذا لم يكن لم يحصل الاجتهاد من وجه آخر.

و من العجب عن بعض الأخباريين حيث قالوا بان الأصول بهذا النحو بدعة فان أرادوا بكونه بدعة هو ان ترتيب الأبواب و المباحث لم يكن بهذا النحو في‏

20

زمن الأئمة (عليهم السلام) فنقول ان التفسير و كثير من العلوم لم يكن بهذا النحو الّذي هو دارج في الكتب في زمانهم (عليهم السلام) فكما ان هذا ليس من البدعة في شي‏ء فكذلك علم الأصول فان سند الأصولي أيضا روايات الأئمة (عليهم السلام) و الاخباري أيضا يبحث عنه.

فانه يقول يكون حديث الرفع منصرفا عن الشبهات الحكمية و الأصولي يقول يشمل الشبهة الحكمية و الموضوعية مضافا بان بعض المسائل مما لا بد من الأصول في فهمها مثل كون الخمس مثلا تعبديا أو توصليا فانه لا يتضح الا بواسطة البحث في التعبدي و التوصلي من مباحث الألفاظ و فهم ان إطلاق الخطاب هل يقتضى التعبدية أو التوصلية و كيف كان فلا شبهة في لزوم علم الأصول و دخالته في الاستنباط أشد الدخل.

فصل في التخطئة و التصويب‏

هذا البحث كلامي ذكر في الأصول استطرادا اعلم ان الاجتهاد اما ان يكون في الأحكام العقلية و اما ان يكون في الأحكام الشرعية فقيل بان نظر المجتهد في العقليات ربما لا يكون مصيبا إلى الواقع فهو خطاء و اما في الشرعيات فقد نسب إلى العامة التصويب فيها خلافا للخاصة فانهم قائلون بالتخطئة لأن الرّأي فيها أيضا ربما لا يوافق الواقع.

و لكن ليس الأمر في العقليات كما ذكر من القول بالتخطئة فيها مطلقا بل هي على قسمين قسم يكون حكم العقل طريقا فيه إلى الواقع الّذي يكون في الخارج ففيه يمكن القول بالتخطئة لأنه ربما يوافق الواقع و ربما يخالفه و قسم لا يكون [1]

____________

[1] أقول هذا حاصل ما استفدناه منه مد ظله في الدرس و في بحث على حدة و لكن بعد في الذهن شي‏ء يرد عليه و هو ان الكلام في التخطئة و التصويب يكون في ما يكون له خارج وراء ما أدركه العقل حتى يقاس الدرك إليه فمع الموافقة يكون الرأي صوابا و إلّا فهو خطاء و اما ما لا واقع له الا نفس الدرك و لا يلاحظ بالنسبة إلى‏

21

له واقع في الخارج بل واقعه هو درك العقل مثل درك الحسن و القبح و الملائم و المنافر فان العقل مما يدرك الحسن بالنسبة إلى شي‏ء و القبح بالنسبة إلى شي‏ء آخر كما ان بعض الأشياء يكون في طبع شخص قبيحا أو حسنا و لو لم يكن في الخارج كذلك فليس في الخارج شي‏ء حتى يقال ان حكم العقل لم يوافقه أو وافقه فلا يتصور التخطئة في هذا القسم من العقليات فلا يتم القول بالتخطئة مطلقا في العقليات فما قال الأصولي بأنه اتفقت الكلمة على التخطئة فيها غير وجيه.

ثم ان التصويب الّذي نسب إلى العامة في الشرعيات قد يستند بطلانه إلى الإجماع و قد يستند إلى حكم العقل.

فإذا عرفت ذلك فنقول التصويب على ثلاثة معان الأول ان يكون المراد هو ان ما ادى إليه ظن المجتهد هو حكم اللّه الواقعي فيكون حكمه تعالى تابعا لآراء المجتهدين و هذا على معنيين الأول ان يكون مراد العامة ان اللّه ليس له حكم أصلا.

و هذا مع قطع النّظر عن الدور مما لا يعقل فانه لو لم يكن الحكم للّه تعالى‏

____________

الخارج فلا بحث فيه أصلا.

فان الظلم في ذائقة بعض الافراد الخارجة عن طبع الإنسان حسن و إكرام اليتيم في ذائقة بعضهم قبيح و بعض الافراد يحب اللحم و بعضهم يبغضه و هكذا و هذا مما لا ينكر انه في نفسه هو هو و لا تخطئة بحسب هذا اللحاظ و انما التخطئة بلحاظ الخارج.

و بعبارة أخرى مع فرض عدم ملاحظة الخارج فبعض الأشياء يكون في عالم الذهن و الفرض مما لا خطاء فيه و هو ما في قوة الخيال من تصور أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد فان هذا الفرض من دون ملاحظة الخارج لا تخطئة فيه مما هو مخلوق النفس مخلوق لها و لا كلام فيه أصلا.

و اما بالنسبة إلى الخارج فالأحكام العقلية و الخيالية ربما تكون موافقة مع الواقع فالحكم صواب و ربما تكون مخالفة معه فهو خطاء و حيث لا أثر عملي للحكم العقلي حتى يجي‏ء فيه بحث الاجزاء في الامتثال قالوا بالتخطئة مطلقا يعنى لا وجه لحكمه من حيث هو في مقابل ما توهم في الشرعيات.

22

فلأيّ وجه يتفحص المجتهد فهل يكون طالبا للمعدوم فمن له أدنى مهجة يفهم بطلان هذا و لا يقول به و من نسب إليه القول يكون له هذا القدر من العقل لئلا يقول بأمثال هذا النحو من الكلام.

الثاني ان يكون المراد هو ان الحكم يكون للّه تعالى و لكن من مقتضيات جعله يكون ظن المجتهد ففي المثل يظن ان النار مما يوجب اضمحلال المضرات في ماء العنب فيظن انه لا ينجس بالغليان و يرى ان حكم اللّه تعالى أيضا موافق لهذا الظن الفاسد كما يرى ان كشف المرأة وجهها مما هو مقوّ للنظام الاجتماعي فيظن انه جائز أو يرى ان المقعد يطهر بزوال العين فيظن ان كل نجس زالت عينه يطهر فيحكم بطهارته بزوالها.

و يرى ان الشارع يحكم بذلك حسب الاستحسانات العقلية عنده كما ان بعض القاصرين من غير العامة يظن ان المصلحة تقتضي ان يكون ذبح عيد الأضحى في البلاد لينتفع الناس باللحوم لا ان يضيع بمنى فيظن ان اللّه يحكم بذلك لأنه حصل له الظن كما انه يكون نظير ذلك ما إذا جعل الشارع القطع جزء الموضوع لحكمه مثل ان يقول إذا علمت بنجاسة شي‏ء فالصلاة فيه باطلة فحكم الشرع يكون بعد علم المكلف فعلمه جزء من مقتضيات الحكم.

و هذا يكون له وجه و ان كان هذا الزعم فاسدا في نفسه فما قيل [1] من انه‏

____________

[1] أقول ان الكلام في التصويب غير الكلام في بطلان القياس و الاستحسان الّذي هو لازم مقالته مد ظله على الظاهر بل الظاهر من العامة هو ان المجتهد إذا اجتهد في امر يكون معذورا و هذا و ان كان قول الخاصة أيضا و لكنهم جرّوه في حق مثل خالد بن وليد الّذي فعل ما هو خلاف النص و الكتاب و هذا امر ينكره الشيعة مع ما يرد على أصل اجتهاد مثل خالد و أمرائه. فالشيعة بعد الفحص التام يقول بمعذورية المجتهد إذا أخطأ و العامة بعضهم تمسكوا بعنوان الاجتهاد في كل ما فعله المجتهد فان شئت توضيحا للحال فارجع إلى كتاب الغدير ج 7 تأليف العلامة المجاهد

23

يلزم من القول بالتصويب في هذا القسم الدور يلزم ان يكون في هذه الصورة.

و لكن لا يتم الإشكال بالدور فيه أيضا لأن تقريب الدور هو ان يقال ان حكم اللّه تابع لرأي المجتهد و رأيه تابع لحكم اللّه تعالى و هو دور و وجه الرد هو ان ظن المجتهد لا يتوقف على الحكم الواقعي بل يدور مدار مقدماته التي توجب الظن من صقع نفسه كما ان زعم وجود الحية يوجب الفرار عما تصوره حية و لو لم يكن في الخارج الا حبل ممدود فلا يلزم من هذا النحو من التصويب الدور المحال فلا إشكال عقلا فيه.

و لكن لا دليل على حجية هذا الظن فان الظن لا يغنى من الحق شيئا الا الظنون الخاصة التي قام الدليل على حجيتها كالظن الحاصل من الأمارات فانه إذا أخذ بنحو جزء الموضوع مثل العلم الّذي يكون جزء الموضوع في قولنا إذا علمت بغصبية شي‏ء فهو حرام لا دليل عليه كما مر و ان أخذ بنحو الطريقية إلى الواقع فهذا مع انه لا دليل عليه ربما يصيب في الواقع إلى الواقع و ربما لا يصيب و هذا هو معنى التخطئة.

القسم الثاني من التصويب هو ان يكون المراد منه الالتزام بإنشاء أحكام في الواقع بعدد آراء المجتهدين فيكون ما ادى إليه الاجتهاد في الظاهر هو الحكم في الواقع بمعنى إيجاد مصلحة لحكم الشارع على طبق المظنون حين ظن المجتهد فيكون بنحو القضية الحينية و من توارد الحكمين على موضوع واحد الواقعي و الظاهري و هذا لا يلزم منه الدور على فرض تسليمه في القسم الأول ان الواقع لا يتوقف على هذا الحكم و لا يتوقف هذا على الواقع و ان كان الحق عدم لزوم الدور

____________

في هذا الطريق الأميني (قده) في شرح حال خالد و غيره.

و اما الإشكال على الدور فيكون من الخروج عن الفرض لأن الفرض عدم وجود واقع الا هذا الظن فكيف يمكن ان يكون الظن و المظنون و العلة و المعلول واحدا و ما ينفك عنه الظن و لا يلزم الدور منه هو الواقع النّفس الأمري فتدبر فيه فان التذييل لا يناسب أزيد من هذا البيان.

24

في القسمين كما مر.

و اما إشكال الفحص عن المعدوم فائضا غير وارد لأن المتفحص يكون فحصه عن مقتضيات الحكم الظاهري الّذي يلزم منه حكم الشرع واقعا.

و لكن الإشكال فيه هو كونه خلاف الإجماع لعدم الدليل على ان الحكم الواقعي في مقام حكم المجتهد هو ما حكم به فان الظن بالحكم ببعض الملاكات لا يلزم منه وجود حكم اللّه في الواقع.

و القسم الثالث من التصويب هو ما ذكره المحقق الخراسانيّ (قده) و تبعه بعض تلامذته و هو انه (قده) يكون مبناه في جعل الأحكام هو وجود المراتب له: مرتبة المصلحة و مرتبة الإنشاء و مرتبة الفعلية و مرتبة التنجيز فعلى هذا القول الحكم الّذي يشترك فيه العالم و الجاهل هو الإنشائي و اما في مقام الفعلية فليس الحكم الا ما ادى إليه رأي المجتهد ففي هذا المقام يكون التصويب و ليس الحكم الا هذا و في مقام الإنشاء ربما يحصل الخطاء للمجتهد فلا يطابق رأيه مع الواقع.

و هذا مما لا محذور فيه بل على فرض حجية الأمارات من باب السببية و الموضوعية لا بد من الالتزام به فهذا في الواقع يكون القول بالفصل و هو التخطئة من جهة و التصويب من جهة، التخطئة في الإنشاء و التصويب في الفعلية هذا حاصل كلامه رفع مقامه.

و لكن يرد عليه ان المبنى في جعل الأحكام فاسد بل للحكم مرتبة واحدة و هي مرتبة الفعلية كما حررناه في محله و اما حجية الأمارات فتكون من باب الطريقية أيضا كما حرر في محله فان أصابت الواقع فهو و إلّا فالمكلف معذور لسلوكه ما جعله الشارع طريقا إلى الواقع و لم يصل إليه.

و اما ما صار سببا لمقالته (قده) من ان للحكم مراتب فهو امران الأول هو ان فعلية الحكم بفعلية الموضوع في الخارج كما عليه شيخنا النائيني أيضا و الثاني ان الحكم الفعلي هو الّذي يوجب البعث و التحريك فما لا بعث فيه لا يكون حكما فعليا و من الشواهد

25

على وجود الأحكام الإنشائية في الشرع الأنور هو انه جعل البراءة بالنسبة إلى من لا يعلم الحكم فلو كان للحكم مرتبة واحدة فلا بد ان يكون المجعول هو الاحتياط فمن جعل البراءة نفهم ان وجود الحكم في مرتبة الإنشاء و الجعل غير وجوده في مرتبة الفعلية و هي مرتبة وصوله بالطرق المجعولة إلى المكلف الّذي يكون في الخارج و لا يكون الحكم فعليا إلّا بصيرورته مكلفا و خروجه عن حالة الصباوة إلى حالة البلوغ.

فان قلت عليه ان هذا لا يوجب القول بالتصويب لأن ظن المجتهد بالاخرة يكون طريقا إلى الحكم الإنشائي من الشرع قلت له (قده) ان يقول ان ظن المجتهد يكون تمام الموضوع لفعلية الحكم و ان كان طريقا بحيث لو لم يحصل هذا الظن بالحكم الإنشائي لا تحصل الفعلية هذا حاصل مرامه قده.

و لكن يمكن الجواب عنه بان فعلية الحكم ليس بفعلية الموضوع بل الحكم فعلى من أول الأمر بالنسبة إلى الموضوع على فرض وجوده مثل ما إذا قال المولى ان رزقت ولدا فاختنه فان الختان محبوب عنده على فرض وجود الولد و لا حالة منتظرة له و اما جعل البراءة فليس كاشفا عن إنشائية الحكم بل الشارع بمقدار حبه لحفظ واقعه يحفظه.

فربما لا يكون حبه إليه إلّا بان يبينه بواسطة إنزال الكتب و إرسال الرسل و على فرض عدم المشافهة بواسطة جعل الحكم لقبول خبر العادل و ان كان الدسّ في الاخبار أيضا ربما يوجب عدم وصوله واقعا إلى المكلف و على فرض عدم الوصول بأي طريق كان يجعل البراءة بقوله رفع ما لا يعلمون و ليس له عشق بالنسبة إلى المطلوب أزيد من هذا المقدار.

و ربما يكون حبه إلى الواقع بمقدار لا يحب فوته بأيّ وجه كان فيجعل الاحتياط إذا لم يصل الحكم بالطرق المجعولة كما في جعله في باب الفروج و الدماء فليست البراءة كاشفة عن وجود الحكم الإنشائي و اما التحريك و البعث فهو لا يكون‏

26

لازم الحكم بحيث لا ينفك عنه بل الحكم مع العلم به و تهية مقدمات امتثاله يوجب التحريك.

أ لا ترى ان الصلاة بعد دخول الوقت يكون فعليا على مبناه (قده) أيضا و لا يحصل التحريك الا بعد تحصيل الطهارة عن الحدث و الخبث و غيرها من المقدمات فالتحريك خارج عن حاق فعلية الحكم و من المقدمات هو العلم بالحكم فانه لو لم يحصل العلم لا يحصل التحريك.

ثم على فرض تسليم جميع ما ذكر لا يكون لازم هذا القول الحكم بالتصويب لعدم كون حكم اللّه تابعا لرأي المجتهد و إلّا يلزم ان لا يحتاج العمل إلى الإعادة بعد ظهور الخلاف في الأمارات هذا كله على مسلك الطريقية في الأمارات.

و اما على الموضوعية فلا بد من ملاحظة أنحاء الموضوعية في الأمارات ليلاحظ مع المقام فان الموضوعية على أنحاء ثلاثة الأول ما عليه الأشاعرة من انه لا مصلحة للواقع أصلا و لكن عند قيام الأمارة يحصل مصلحة في مؤداها فيجب العمل بها و هذا هو التصويب المحال في المقام إلّا انه مختص بباب الأمارات.

الثاني هو ان يكون للواقع مصلحة أيضا في مقابل مؤدى الأمارة و لكن تكون مصلحة العمل بالأمارة غالبة و هذا لا يلزم منه محذور الدور كما في القسم الأول على ما قيل لعدم كون الواقع دائرا مدار قيام هذه الأمارة و لكن يكون خلاف ظاهر دليل حجية الأمارة لأن الظاهر منه هو حجيتها من باب الطريقية.

الثالث ان تكون المصلحة في التسلك بالأمارة بدون حصول مصلحة في مؤداها أصلا ففي تصديق قول العادل مصلحة لا في مؤدى قوله و هذا القسم لا محذور فيه أصلا لا عقلا و لا نقلا و لا يكون هو قول المتكلم بل يكون قول بعض علمائنا في باب الأمارات.

فصل في تبدل رأي المجتهد

أقول تبدل رأي المجتهد اما ان يكون بصرف احتمال تبدله و اما ان يكون‏

27

بواسطة القطع بالخطإ أو وجدان أمارة مخالفة لاجتهاده السابق كوجدان الخاصّ بعد العام و المقيد بعد المطلق.

فعلى الأول فيكون البحث في انه هل يجوز البقاء على الاجتهاد السابق أم لا بد من الاجتهاد ثانيا فان من اجتهد في أيام شبابه ثم صار كلامه في القواعد الممهدة في الفقه و الأصول ثم احتمل انه ان اجتهد في المسائل الماضية يتبدل رأيه فهل يجب عليه أم لا؟ فربما نسب إلى الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) انه لا بد في كل مسألة من استحضار الدليل و هذا امر صعب جدا و تكون السيرة على خلافه.

ثم على فرض الشك في صحة العمل بالرأي و عدمها فهل له استصحاب الرّأي السابق كما ان المقلد إذا شك في بقاء رأي مجتهده يستصحبه أم لا؟ فيه خلاف و الحق عندنا عدم جريان الاستصحاب [1] لا في صورة شك المقلد في بقاء رأي مجتهده و لا في صورة شك المجتهد في بقاء رأيه بل لا بد من الفحص.

و السر في ذلك هو ان الاستصحاب لا بد له من أثر شرعي ليصح التعبد به‏

____________

[1] لا يبعد صحة الاستصحاب في المقام لأن وجوب اتباع الرّأي ممن له الرأي مما قد تصرف فيه الشارع في الجملة و ليس حكما عقليا عقلائيا محضا و لذا يشترط العدالة في المجتهد الّذي يجوز تقليده و هكذا الذكورة و غيرها من الشروط.

كما ان استصحاب اجتهاد المجتهد أيضا كذلك فان الشارع قد تصرف فيه بحيث يكون قابلا لأن يكون الحكم بجواز الرجوع من الأحكام الشرعية فيكون رأي المجتهد و اجتهاده من الموضوعات التي يكون حكمها الشرعي هو جواز الرجوع إليه كما ان استصحاب العدالة يترتب عليه جواز الاقتداء فللشارع ان يتعبد ببقاء الرأي و الاجتهاد لترتيب هذا الأثر و ان كان هذا الحكم منه موافقا لما هو دأب العقلاء و الحاصل لو لم يكن بيان الشرع من أين يصل عقل العرف بان تقليد المجتهد واجب بل بعد حكم الشرع ربما يعصى و لا يرجع و ليس امر الدين عنده مثل ما يعقله من امر الدنيا و الرجوع إلى الخبراء فيما هو صلاح هذا العالم الجسماني الّذي يدرك نواقصه حسب طبعه الحيواني.

28

و ترتب جواز التقليد لمن له الرّأي يكون من الآثار العقلية لوجوده و كذا العمل بما فهمه المجتهد و استنبطه من الدليل و صار رأيا له يكون من الآثار العقلية لوجوده فان العالم بالحكم لا يرجع إلى الجاهل عقلا فلا يصح التعبد بما يحكم العقل به بعد جواز العمل بالرأي و بعد جواز تقليد من له الرّأي حسب أدلة التقليد بعد كونها إرشادا إلى ما حكم به العقل و العقلاء هذا في استصحاب الرّأي.

و اما استصحاب الحكم مثل وجوب شي‏ء و حرمة آخر فانه أيضا غير جار على فرض كون وجود الرّأي جهة تقييدية لجواز العمل به أو لجواز التقليد أي يكون جوازهما في الحكم الفلاني مقيدا بوجود الرّأي فعلا فحيث لا يكون الرّأي محرزا لا يكون الحكم المقيد بالرأي محرزا بعد عدم إحراز جزئه الآخر.

نعم على فرض كون الرّأي طريقا لنفوذ الحكم إذا نشأ عنه و جهة تعليلية لا تقييدية يمكن استصحاب الحكم و لو لم يحرز الرّأي فعلا فان علة نفوذ الحكم هي كونه عن رأي مجتهد و لو لم يحرز فعلا و الحاصل حيث نحتمل ان يكون الواقع منجزا من قبل الرأي و كونه قيدا له فيكون من الشبهة المصداقية لقوله (عليه السلام) لا تنقض اليقين بالشك بل انقضه بيقين آخر و على هذا فالبقاء على تقليد الميت مشكل لعدم فعلية رأيه.

و لا بد من القول بالتساقط على فرض التعارض بين رأيي المجتهدين إذا كان كالأمارة طريقا إلى تنجيز الواقع مع عدم قولهم به فانهم يقولون بالتخيير بين العمل بأحدهما و كيف كان فالحكم بعدم وجوب الاجتهاد ثانيا مشكل و لكن السيرة على خلافه و ما نسب إلى الشيخ الأعظم من وجوب تجديد الاستنباط يكون من باب الاحتياط هذا حكم احتمال التبدل.

و اما إذا علم التبدل فالبحث فيه في جهات‏

الجهة الأولى‏

فيما إذا كان ظهور الخلاف بالعلم الوجداني و حصول القطع به و عليه لا شبهة في وجوب إعادة العمل السابق بمقتضى القاعدة الأولية و سيجي‏ء البحث عن القاعدة الثانوية لأن المأمور به لم يؤت به على وجهه فلا يجزى و على فرض الشك في الاجزاء فاستصحاب التكليف جار بلا كلام.

29

و هكذا قاعدة الاشتغال حاكمة بذلك من غير فرق بين كون المستصحب هو الحكم الفعلي أو الحكم الإنشائي فان قلت الحكم الإنشائي في السابق لم يكن له الأثر على فرض تسليمه فكيف يؤثر في الحين قلت الاستصحاب جار بلحاظ الأثر بقاء فانه و ان لم يكن له أثر بالنسبة إلى السابق و لكن بالنسبة إلى القضاء أو الإعادة يكون له الأثر.

و الحاصل بعد كشف الملاك بواسطة الخطاب و عدم الخروج عن عهدته يلزم الخروج عنها بالقضاء أو الإعادة هذا بالنسبة إلى الأعمال السابقة و اما الأعمال اللاحقة فلا كلام في وجوب كونها على طبق الدليل اللاحق.

الجهة الثانية

فيما إذا كان كشف الخلاف بواسطة وجدان أمارة على خلاف ما وجده من الأمارة السابقة و هو اما ان يكون بتبدل الظهور مثل تبدل رأى من لا يرى البئر من العواصم إلى كونه عاصما بواسطة ملاحظته رواية إسماعيل بن بزيع من قوله (عليه السلام) ماء البئر واسع لا يفسده شي‏ء لأن له المادة بعد عدم استظهاره كذلك قبله لما رأى من استظهار العلامة ذلك من الرواية خلافا لمن سبقه و اما ان يكون بوجدان الخاصّ بعد العام و اما ان يكون بوجدان معارض أقوى و الحق عدم الاجزاء و وجوب إعادة العمل أو قضائه مطلقا.

اما في انقلاب الظهور فلان المتبع عند العقلاء هو الظهور الفعلي للكلام و عدم حجية ما سقط عن الظهور عندهم فعليه تكون الذّمّة مشغولة بما هو الواقع و هكذا الجمع بين العام و الخاصّ و المطلق و المقيد و تقديم ما هو الأقوى عند التعارض فان ذلك كله يكون هو المتفاهم العرفي من الكلمات فالعمل على غير هذا الوجه عن جهل و اشتباه لا يوجب الاجزاء لعدم مطابقة المأتي به مع المأمور به فالاشتغال بالتكليف السابق حاكم بعد كشف الخلاف.

فان قلت الأمارة التي كانت حجة و قد ظهر خلافها لا تخلو اما ان يكون المبنى فيها الطريقية أو الموضوعية أو يقال بالمصلحة السلوكية فعلى فرض الطريقية فمصلحة التسهيل كانت مانعة عن جعل الشارع الاحتياط في ظرفها و على الموضوعية

30

فتكون المصلحة في نفس المؤدى و على المصلحة السلوكية تكون المصلحة في السلوك.

فعلى جميع التقادير نحتمل تكافؤ تلك المصلحة مع مصلحة الواقع الّذي ظهر خلافه فكيف يحكم بالاشتغال بعد ظهور الخلاف قلت المصلحة على الطريقية لا تكون في المؤدى لظهور خلافه على ما هو المفروض و مصلحة التسهيل يكون الأصل هو عدم تكافئها مع الواقع و اما المصلحة على الموضوعية أو على نحو السلوكية فيمكن الالتزام بها ما دام عدم سقوط الأمارة و اما مع سقوطها عن الحجية فمن أين يثبت مكافئتها مع مصلحة الواقع و الحاصل كل تلك المصالح لا يكافئ مصلحة الواقع فلا بد من القول بعدم الاجزاء.

فان قلت ان كشف الخلاف بالأمارة لا يوجب القطع بمخالفة الأمارة السابقة مع الواقع و هكذا الأمارة المخالفة مع السابقة لا تكون موافقتها مع الواقع محرزة فلا فرق بين الأمارتين في الحجية و ترتيب الأثر فأثر الأمارة السابقة اجزاء العمل السابق و أثر هذه الأمارة اجزاء موافقة العمل معها فعلا.

قلت بناء العقلاء على اتباع الظهورات مع كون الأمارة كاشفة عن الواقع فإذا ثبت سقوط أصالة الصدور أو الجهة أو الدلالة في الأمارة السابقة لا حجية لظهورها و لا كاشفية لها عن الواقع و الأمارة المخالفة معها اللاحقة تكون واجبة الاتباع فعلا و كاشفة عن الواقع فإذا كان كذلك فلا فرق عندهم في ذلك بين هذا الزمان و الزمان السابق فهي فعلا تحكم بعدم مطابقة المأتي به مع المأمور به فيجب القضاء أو الإعادة.

فان قلت إطلاق حجية الأمارة هو كونها حجة بالنسبة إلى صورة ظهور الخلاف أيضا و ليست حجيتها مختصة بزمان دون زمان فالعمل على طبقها مجز اما بملاك تفويت مصلحة الواقع على فرض كون الموافق معه الثانية أو بملاك الوفاء بمصلحة الواقع إذا لم يكن كذلك واقعا فلا إعادة و لا قضاء.

31

قلت ان الأمارة مفادها حجية ما أدت إليه و ليس مفادها عدم حجية غيرها من الأمارات فمع كون الأحكام الواقعية مشتركة بين العالم و الجاهل و ظهور خلاف الأمارة السابقة و حجية هذه الأمارة فعلا لا وجه للقول بإطلاق حجية السابقة لعدم نفيها مفاد ما هو الحجية فعلا حتى بالنسبة إلى السابق و تنجيز مفاد السابقة قبل كشف الخلاف لا ينافى القول بوجوب القضاء أو الإعادة.

الجهة الثالثة

في كشف خلاف الحكم الموافق للأصل المحرز كالاستصحاب أو غيره كالبراءة بواسطة وجدان أمارة مخالفة معه و الحق هو وجوب القضاء أو الإعادة أيضا لأن الأصل وظيفة قررت للشاك و العمل على طبقه لا ينافى وجوب الإتيان ثانيا بعد كون التكليف مشتركا بين العالم و الجاهل و عدم إتيان المأمور به على نحو ما أدت إليه الأمارة.

هذا حاصل ما اقتضته القاعدة الأولية في كشف خلاف الاجتهاد السابق و هو وجوب القضاء أو الإعادة.

في مقتضى القاعدة الثانوية في تبدل الرّأي‏

ثم ان بعض الأحكام مثل الصلاة يكون له قاعدة ثانوية لعدم وجوب الإعادة كما ورد من قوله (عليه السلام) لا تعاد الصلاة الا من خمسة (1) الحديث و الخمس المستثنى مما لا خلاف فيه و اما غيره فيكون مشمولا للحديث الشريف بعد ظهور الخلاف فان الحديث يشمل الجاهل بالموضوع و الناسي للحكم و الموضوع و الجاهل البسيط بالحكم إذا كان جهله مع السند كما في المقام فان الشروع في الصلاة مع إحراز الاجزاء و الشرائط تعبدا بالطرق المعتبرة لازمه عدم وجوب الإعادة و ان كان المكلف جاهلا في الواقع ببعض الاجزاء و اما الجاهل بالجهل البسيط إذا لم يكن عمله على طبق الطرق المعتبرة فيكون الحديث منصرفا عنه و كيف كان فلا إشكال في شمول الحديث للمقام.

و قد ادعى الإجماع على الاجزاء في العبادات مطلقا و قد يتمسك بالبراءة في‏

____________

(1) في الوسائل باب 10 من أبواب الركوع ح 5.

32

مورد عدم جريان استصحاب التكليف فانها حاكمة على الاشتغال و ان كانت محكومة للاستصحاب.

و قد يستدل على عدم وجوب الإعادة بنفي الحرج و العسر في الشريعة المقدسة فإعادة المجتهد عمل نفسه حرج عليه و الفتوى بها أيضا حرج على المقلدين و فيه أولا ان القضاء و الإعادة ربما لا يلزم منهما الحرج و العسر لأن الأمارة السابقة أو غيرها ربما كان مفادها في السابق جزئية شي‏ء أو شرطيته و يكون مفاد ما وجدناه من الدليل عدمها فلا يوجب وجدان المخالف القضاء أو الإعادة كما انه إذا كان الرّأي المسابق عدم كفاية العقد بالفارسية و رأيه الجديد هو الكفاية فان هذا النحو من كشف الخلاف لا يوجبهما فيما هو كذلك أو كان رأيه السابق وجوب الاحتياط و رأيه اللاحق عدم وجوبه و هكذا.

و ثانيا ان موارد الابتلاء بالإعادة أو القضاء قليلة فان جميع الأحكام المستنبطة لا يكون مورد الابتلاء في العمل ليلزم العسر و الحرج بها.

و ثالثا ان الحرج الشخصي ربما يكون بالنسبة إلى شخص و لا يكون بالنسبة إلى شخص آخر فيدور مدار مورده و لا يمكن ان يقال بعدم وجوب الإعادة لكل مكلف و في كل مورد من الموارد فان إعادة مقدار من الصلاة ربما لا يكون حرجا بالنسبة إلى بعض الأشخاص و ربما يكون حرجا بالنسبة إلى البعض الآخر.

نعم في بعض الموارد يكون الحرج النوعيّ ملاكا لرفع الحكم في نظر الشرع مثل حكمه بطهارة الحديد من باب لزوم العسر و الحرج للنوع من الحكم بنجاسته.

و رابعا ان تبدل رأي المجتهد في مثل الصلاة في الوقت نادر جدا فبالنسبة إلى الإعادة لا يلزم العسر و الحرج و اما القضاء فيمكن ان يقال مقتضى الدليل الدال عليه و هو ما ورد من قوله (عليه السلام) فاقضه كما هو أو الدليل الاصطيادي اقض ما فات كما فات فيمكن ادعاء عدم شموله لمثل صورة وجود الدليل للمكلف و تطبيق العمل‏

33

على وفقه لعدم صدق الفوت فلا يجب القضاء خارج الوقت.

في التفصيل في حكم تبدل الرّأي‏

ثم هنا تفصيلات منها ما هو الشهور من الفرق بين كون السند في الاجتهاد السابق الأمارة على الموضوعية أو هي على الطريقية فعلى الموضوعية يجزى العمل السابق و لا إعادة و لا قضاء و على الطريقية فيجب القضاء و الإعادة و هذا من جهة زعم ان المصلحة في الأمارة على الموضوعية تكافي مصلحة الواقع و اما على الطريقية فلا مصلحة الا في الواقع و حيث لم تصب الأمارة معه فلا يجزى.

و لكنه مر ما فيه من عدم إحراز التكافؤ في المصلحة و على فرض الشك في ذلك فالأصل هو بقاء التكليف و الاشتغال به.

و منها ما عن المحقق الخراسانيّ (قده) و هو مؤسسه من ان السند للاجتهاد السابق ان كان الأمارة فحيث ظهر خلافها فلا يجزى العمل على طبقها و اما ان كان السند هو الأصل مثل الاستصحاب أو البراءة فيجزي العمل السابق و لا إعادة و لذا يقول بعدم وجوب إعادة الصلاة التي ورد فيها تمسكا بقاعدة الطهارة أو استصحابها بعد ظهور خلافها خلافا للقوم.

و السر في ذلك هو ان الاستصحاب عنده يكون معناه جعل حكم مماثل للواقع في ظرفه فكأنّ فردا من الطهارة مجعول في ظرف استصحابها و هذا لا كشف خلاف له لأن الواقع كشف خلافه و اما الفرد الجعلي الّذي هو مثله فلا كشف خلاف له أصلا فكما ان أمد الحكم بالتيمم ينتهى بواسطة رفع العذر كذلك ينتهى أمد هذه الطهارة بوجدان ما يخالفها.

و اما القاعدة و البراءة الشرعية فهي وظيفة قررت للشاك و الوظيفة لا كشف خلاف لها بل ينتهى أمدها بواسطة وجدان الحاكم عليها و اما البراءة العقلية فليس حكمها ذلك من جهة عدم كون العقل مشرعا و ما حكم به من جهة قبح العقاب بلا بيان‏

34

قد ظهر خلافه بالبيان من الشرع على الفرض و لما ذكرنا يكون المجوز لدخول الصلاة هو استصحاب الطهارة أو البراءة في الشبهات البدوية مثل الشبهة في طهارة البدن أو اللباس أو نجاسته فلو لم تكن الطهارة المماثلة للواقع أو ما هو الوظيفة حاصلة فلما ذا يدخل في الصلاة: هذا حاصل كلامه في التفصيل.

و يرد عليه أولا ان المبنى في الاستصحاب باطل لأن جعل المماثل لا معنى له بل الحق هو تنزيل الشك فيه منزلة اليقين فالشاك في الواقع يكون كالمتيقن و يكون المدار على الواقع فهو مثل العلم فربما يكشف خلافه و ربما يقوم مقام العلم الجزء الموضوعي من جهة كونه علما تعبديا و إلّا فلما ذا يقدم على البراءة.

فانه ان كان في مقام بيان الوظيفة فقط يلزم ان لا يقدم عليها لأنهما وظيفتان قررتا للشاك على فرضه (قده) و هكذا البراءة ليس معناها جعل حكم في مقابل الواقع بل هي حكم الشاك فان وافقت الواقع فهو و إلّا فلا بد من إتيان الواقع قضاء أو إعادة.

و لا يتوهم ان رفع الجزء أو الشرط بواسطة شمول حديث الرفع يكون معناه وجوب البقية لا هذا الجزء أو الشرط بواسطة شمول الرفع له بل معنى البراءة هو ان هذا الجزء أو الشرط غير واجب ظاهرا و اما البقية فهي واجبة بنفس التكليف المنبسط على الاجزاء و الشرائط فإذا ظهر ان الواقع لم يكن كذلك فلا بد من إتيان ما لم يوافقه فيكون معنى الرفع هو ان غير المرفوع واجب كما إذا قال المسافر للحمال احمل غير هذا الصندوق، يعنى هذا لا يجب رفعه و حمله و غيره واجب بنفس هذا الأمر.

و مثلها قاعدة الطهارة و الحلية فان الخلاف إذا كشف يجب القضاء أو الإعادة إذا كان الدخول في الصلاة بواسطة جريانهما في الثوب و البدن.

فان قلت انهما ليستا محرزتين بل هما وظيفتا الشاك قلت ليس كذلك بل هما أيضا جعلتا لحفظ الواقع و لهما أيضا نحو طريقية لحفظه فتحصل انه لا وجه لتفصيل المحقق الخراسانيّ (قده) بين ما كان سند الرّأي السابق أصلا أو أمارة.

35

و من التفاصيل تفصيل صاحب الفصول (قده) بين الموضوعات و الأحكام بقوله بالاجزاء في الأولى دون الثانية بتوهم ان الموضوع الواحد لا يتحمل اجتهادين فمن رأي حرمة العصير العنبي و نجاسته إذا غلى بالنار ثم تبدل رأيه إلى ان مطلق الغليان بالنار أو بالهواء أو بالشمس موجب لذلك يجب عليه العمل على طبق الرّأي الثاني.

و من بنى على طهارة العرق من الجنب بالحرام ثم تبدل رأيه فرأى نجاسته فان هذا و أمثاله من الموضوعات التي قد تبدل رأيه في حكمها و اما الأحكام فيمكن تعدد الحكم بلحاظ الحالتين.

و لكن يرد عليه بان الحق واحد فيهما فإذا اشتبه في طريق الوصول إليه فلا بد من القول بعدم الاجزاء.

في وجوب إعلام المجتهد اضمحلال رأيه لمقلده‏

ثم ان المجتهد إذا اضمحل رأيه بالنسيان فهل يجب عليه إعلام مقلديه أو يكفى عمل المقلد على طبق الرّأي السابق له ما لم يظهر خلافه فيه خلاف فربما يقال انه مثل البقاء على تقليد الميت فكما انه جائز فكذلك هذا فان موت المجتهد يكون مثل اضمحلال رأيه.

و لكن يرد عليه ان البقاء على فرض جواز تقليد الميت يكون من باب ان الاجتهاد و الرّأي قائمان بنفس المجتهد و هي لا تفنى بفناء البدن بل هي باقية و رأيها كذلك.

و اما اضمحلال الرّأي فليس كذلك فالمجتهد الحي الناسي لما علمه أسوأ حالا من الميت من هذه الجهة و لذا نسب إلى بعض الاعلام من المجتهدين انه ارجع مقلديه إلى غيره لعروض النسيان له في أواخر عمره.

و التحقيق في المقام هو ان وجوب الاعلام و عدمه يدور مدار كون المقام من‏

36

الشبهات [1] الموضوعية فلا يجب الاعلام كما لا يجب الفحص فيها أو من الشبهات الحكمية فيجب الاعلام كما يجب الفحص فيها.

و وجه كون الشبهة موضوعية هو ان المقلد إذا كان مقلدا لمجتهد يرى جواز استصحاب بقاء الرّأي لمقلده إذا شك في بقائه ففي المقام كلما شك المقلد في بقائه يستصحبه و حيث ان الاستصحاب حجة في حقه و يكون عمله مطابقا له و لا يكون عمله باطلا في نظره و ان كان باطلا بنظر المجتهد فلا يجب عليه إعلامه كما ان مستصحب الطهارة إذا كان مشغولا بالصلاة مع علمنا بنجاسة ثوبه أو عدم صحة وضوئه لا يجب علينا الاعلام لأن عمله صحيح عنده و عدم كونه صحيحا عندنا لا يضر به و المقام كذلك فلا يجب على المجتهد الاعلام.

و اما وجه كون الشبهة حكمية فهو ان المقلد إذا كان رأي مجتهده عدم جواز استصحاب الرّأي لما مر من شبهة كونه من الأصل المثبت فلا يكون له الاستصحاب فيكون المقلد جاهلا بالحكم فيجب على مجتهده إعلامه لأنه حينئذ لا حجة له بنظر المجتهد و حيث ان استصحاب بقاء الرأي لا يجري عندنا لما مر فيجب على المجتهد الاعلام.

ثم انه لا فرق بين المجتهد و المقلد من جهة الحكم بالإعادة أو القضاء و عدمه إذا تبدل رأي المجتهد و سره واضح لأن المجتهد كما ظهر له عدم صحة فتواه لنفسه و لمقلده يظهر للمقلد أيضا عدم السند لعلمه و عدم مطابقته للحكم في‏

____________

[1] أقول ان استصحاب الرّأي سواء جرى في حق المقلد كما هو الحق أو لم يجر لا يكون هذا الحكم دائرا مداره لأن المقلد جاهل بالحكم في نظر المجتهد لأنه لا يعلم الحكم في الواقع و قد توهم وجود الحكم في حقه و هذا التوهم فاسد بنظر مجتهده.

فكما ان المقلد عند الشك في شي‏ء لا يكون جريان البراءة في حقه و يجب على المجتهد إعلامه بالحكم من باب وجوب بيان الأحكام فكذلك في المقام يجب عليه بيان الحكم و نظيره ما يقال بوجوب إعلام من نقل المسألة اشتباها للعامي لرفع الاشتباه.

37

الواقع نعم التفصيل الّذي أبدعه المحقق الخراسانيّ (قده) من ان سند الحكم ان كان أصلا من الأصول فلا تجب الإعادة و القضاء و ان كان أمارة من الأمارات فتجب يأتي بالنسبة إلى المقلد أيضا على فرض صحته لأن وظيفته لم تتغير إذا كان سنده الأصل و ما يكون له الخلاف على هذا التفصيل هو الأمارة.

و لا وجه لما قيل من ان رأي المجتهد أمارة دائما لمقلده لأن الرّأي طريق تارة إلى ما أدت إليه الأمارة و تارة إلى ما ادى إليه الأصل الّذي هو وظيفة للشاك هذا تمام الكلام في مباحث الاجتهاد.

فصل في مباحث التقليد

و البحث فيه في فصول: الفصل الأول في معناه لغة و اصطلاحا اما في اللغة فهو جعل القلادة على العنق و المقلد حيث يجعل قلادة إطاعة المجتهد على عنقه يسمى بالمقلد.

و لا يخفى ان البحث عن معناه لغة و اصطلاحا يكون لما ورد في بعض الروايات من التعبير به كما ورد من قوله (عليه السلام) اما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه‏ (1): فالبحث يكون عن هذا المعنى و هكذا نحتاج إلى إحراز معناه في مثل البقاء على تقليد الميت و العدول عن الحي إلى الحي بعد تحقق تقليد الأول و هكذا ساير الموارد و اما معناه اصطلاحا و هو العمدة ففيه خلاف ففي الكفاية قال المحقق الخراسانيّ (قده) انه أخذ قول الغير و رأيه للعمل به في الفرعيات أو للالتزام به في الاعتقاديات بلا مطالبة دليل على رأيه.

و قال سيدنا الأستاذ الأصفهاني في الوسيلة انه الالتزام بالعمل بفتوى مجتهد معين و يتحقق بأخذ المسائل منه للعمل بها و ان لم يعمل بعد بها في غير مسألة جواز

____________

(1) في الوسائل ج 18 باب 10 من أبواب صفات القاضي ح 20

38

البقاء على تقليد الميت و مسألة عدم جواز العدول من الحي إلى الحي فان العمل شرط فيهما و هكذا يقول الشيخ الأعظم في رسالته بأنه التزام بالعمل على رأي مجتهد معين و عليه السيد (قده) في العروة الوثقى فانه اكتفى بأخذ رسالته للعمل و ان لم يعمل.

و لكن الحق عندنا هو ان التقليد لا يكون إلّا العمل المستند إلى فتوى المجتهد و لا يكفى الالتزام بدون العمل و لا أخذ الرسالة و ليس مثل الاجتهاد الّذي هو سابق على العمل فان الشخص يقلد مجتهده لا انه يقلده ثم يعمل على طبق التقليد كما في ذهن الاعلام.

و لتوضيح المرام لا بد من الكلام في مقتضى الأدلة الواردة في وجوب التقليد ليتضح من جهة الحكم ان الموضوع له ما هو إذا لم يتضح من الخارج فان تناسب الحكم و الموضوع يوجب زيادة الوضوح إذا لم يكن الموضوع محرزا من لسان الدليل كما في الأدلة اللبية التي لا لسان لها.

فنقول قال المحقق الخراسانيّ (قده) ان جواز التقليد و رجوع الجاهل إلى العالم يكون بديهيا جبليا فطريا و هو (قده) كما ترى ضم الجميع كدليل واحد و لكن الحق ان كل واحدة من الفطرة و الجبلة و العقل و بناء العقلاء و السيرة يكون دليلا على حدة فنبحث عنه بالتفصيل فنقول ان كان الدليل عليه الفطرة فربما قيل ان فطرة الناس تقتضي بواسطة عشق ذاتي لهم ان يصيروا عالمين بما هم جهال بالنسبة إليه فيكون رجوعهم إلى العالم لتحصيل العلم و هو غير مربوط بالعمل بقول المجتهد تعبدا.

و لكن يرد عليه ان مرادهم من الفطرة هنا ليس هو العشق الغريزي في طلب العلم بل المراد هو الانسداد الصغير الّذي يكون مقدماته تامة عند المقلد فانه إذا رأى ان الشارع جعل له أحكاما و لا بد له اما من الاجتهاد فيها أو الاحتياط فيما لا يكون من الضروريات و لا يكون في وسعه الاجتهاد و يكون الاحتياط عسريا فيرى بالفطرة ان حكمه الرجوع إلى من يتبع رأيه و معنى الاتباع هو العمل على طبقه مستندا

39

إليه و لا يكون معناه تعلم الأحكام و الالتزام به فقط فالعلم مقدمة هنا للعمل.

كما ان وجوب تصديق العادل في الأوامر الطرقية يكون معناه الجري العملي على طبق ما ادى إليه قول العادل و ليس معناه الالتزام بقول العادل فانه لا ثمرة فيه مع قطع النّظر عن العمل فتصديق المجتهد في رأيه يكون مثل تصديق العادل في خبره و ليس التقليد بحسب هذا الدليل الا العمل.

و اما ان كان السند السيرة و بناء العقلاء فهو يقتضى أيضا ان يكون التقليد هو العمل لأن العقلاء و المتشرعين في أمور معاشهم يرجعون إلى الخبراء في الأمور التي هي خبروية بتطبيق عملهم على طبق رأى الخبرة كما نرى في رجوعهم إلى الطبيب و البنّاء و في الأمور الخبري يعتمدون على اخبار المخبر في التطبيق العملي أيضا و لا وقع عندهم في الالتزام فقط و الفقهاء خبرة فن الأحكام و يكون رجوع الناس إليهم في امر معادهم.

و اما ان كان السند العقل أو الغريزة فكذلك لأن العقل بعد ما رأى الاشتغال اليقينيّ بالاحكام و لا بديته من الفراغ اليقينيّ منها و لا طريق له لتحصيل الفراغ إلّا الاحتياط إذا أمكنه فهم مورده و لم يكن عسريا أو التقليد بعد عدم إمكان الاجتهاد على المفروض فيختار رأي المجتهد للعمل و يأخذه حجة بينه و بين اللّه في إتيان العمل و معنى أخذه هو العمل على طبق رأيه لا الالتزام فقط و هو الّذي يوجب الفراغ لا أخذ الرسالة أو الالتزام.

فالتحقيق عندنا هو ان التقليد ليس إلّا العمل المستند هذا كله في صورة كون المجتهد واحدا و اما إذا كان متعددا مع التساوي في العلم فعلى فرض اتحادهم في الرّأي فلا شبهة في كون التقليد هو العمل مستندا إلى رأى أحدهما و اما إذا كان الاختلاف في الآراء ففيه بحث.

و هو انه على فرض كون رأيي المجتهدين مثل الخبرين المتعارضين فالقاعدة الأولية تقتضي التساقط و لكن القاعدة الثانوية تقتضي التخيير فحينئذ يكون المقلد

40

مخيرا في أخذ الرّأي من أيهما أراد و لكن لا بد له من الأخذ بأحدهما ثم العمل على طبقه فان الأخذ هنا مقدمة الحجية كما قلنا في الخبرين في باب التعادل و الترجيح و ليس التقليد هنا صرف العمل بل هو العمل بعد الأخذ و الالتزام [1] هذا كله في الدليل الغير النقليّ.

اما الدليل النقليّ لوجوب التقليد فمنها آية النفر و هي قوله تعالى فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (التوبة 122) و منها آية السؤال و هي قوله تعالى فاسألوا أهل الذّكر ان كنتم لا تعلمون (النحل 43) و من السنة ما ورد من قوله (عليه السلام) اما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه إلى قوله فللعوام ان يقلدوه و ما ورد من قوله (عليه السلام) بالنسبة إلى بعض الرّواة بقوله (عليه السلام) خذ معالم دينك منه و غير ذلك مما يجده المتفحص‏ (1).

و لا يخفى قبل تقريب الاستدلال ان العامي لا يمكنه الاستدلال بما ذكر بل من له درجة من الاجتهاد و لو في هذه المسألة يجتهد فيها و لكن ليس البحث بلا فائدة بل العامي بحسب الفطرة إذا شك في جواز التقليد و عدمه يرجع إلى المجتهد كما انه يرجع إليه إذا شك في حلية العصير العنبي و حرمته بالنش فهو يفتى بوجوب التقليد و يبين حدوده و قيوده من وجوب تقليد الأعلم أو جواز تقليد غيره و من وجوب‏

____________

[1] أقول مر منا فيما سبق ان الأخذ لا تأثير له في الحجية بل بعد العلم الإجمالي بحجية أحد الخبرين يؤخذ به لأنه حجة لا انه ليس بحجة و بالاخذ يصير حجة.

و لذا لا يكون في وسع المكلف عدم الأخذ به لئلا يصير حجة و فتوى المجتهدين أيضا كذلك على فرض شمول أدلة التخيير لغير الخبرين أو من باب الإجماع على عدم كون المكلف مهملا و فارغا عن الرجوع إلى أحدهما و عليه فإذا كان التقليد هو العمل المستند يكون في المقام أيضا كذلك و لا احتياج إلى الأخذ و على فرض كون المدار على الالتزام فهو لازم قبل العمل.

____________

(1) الروايات في الوسائل ج 18 في أبواب صفات القاضي في باب 10 و 11

41

تقليد الحي أو جواز البقاء على تقليد الميت فلا يكون البحث عن الأدلة النقليّة بدون الثمرة.

فرجوع العامي إلى المجتهد في أصل التقليد بالفطرة و في شئونه لا بد له من تقليده حتى بالنسبة إلى نفس وجوب التقليد أو جوازه في الأحكام و اما أصل وجوب التقليد فلا يكاد يمكن ان يكون بالتقليد لأنه يلزم منه الدور أو التسلسل ثم تقريب الاستدلال بآية النفر هو ان الحذر بقبول قول الفقيه واجب سواء حصل القطع أم لا فيجب على العامي قبول قوله تعبدا و لا يكون له إجراء البراءة عما لا يعلمه مستندا إلى قبح العقاب بلا بيان فان هذا الدليل حاكم عليها و المراد بالتفقه هو الرّأي و النّظر فإذا بلغ المتفقه إلى هذه الدرجة يجب قبول قوله و لكن عن بعض الأعيان (الشيخ العلامة محمد حسين الأصفهاني) في رسالته المؤلفة في الاجتهاد و التقليد ص 13 خلاف ذلك فانه يقول و من الواضح صدق التفقه في الصدر الأول بتحصيل العلم بالاحكام بالسماع من النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أو الإمام (عليه السلام) فلا دلالة لها حينئذ الأعلى حجية الخبر فقط و الإنذار بحكاية ما سمعوه من المعصوم من ترتب العقاب على شي‏ء فعلا أو تركا لا ينبغي الريب فيه بل الإفتاء و القضاء أيضا كان في الصدر الأول بنقل الخبر فتدبر انتهى و حاصل مراده (قده) كما ترى هو عدم دلالة الآية على وجوب الرجوع إلى المجتهد بل دالة على حجية خبر الواحد و لكن يرد عليه ان الناقل للخبر في صدر الإسلام أيضا لم يكن بحيث لا يفهم معناه بل كان يفهم ما أراد النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أو الإمام (عليه السلام) فيخبر و لم يكن صرف النقل فقط على ان مثل زرارة و محمد بن مسلم و أبان أيضا كانوا في صدر الإسلام من الرّواة و من الفقهاء و لا يمكن ان يقال ان المجرى للأحكام يكون الناقل للخبر فقط بل من فهم الخبر مع تعمل و نظر و رأى فدلالة الآية على وجوب التقليد تامة و اما آية السؤال فمعناها ان السؤال‏

42

يجب العمل بجوابه إذا كان عن أهل الخبرة و ليس معناها هو السؤال لحصول العلم فقط و المراد بأهل الذّكر هو الفقيه لا العرب الّذي لا يفهم معنى الرواية و قد سمعها من المعصوم (عليه السلام) و ينقلها و هكذا معنى التقليد في رواية التقليد هو العمل برأيه لا التعلم منه و المراد بأخذ معالم الدين ليس التعلم فقط بل العمل فتحصل ان الأدلة النقليّة لوجوب التقليد أيضا تامة.

تذييل‏

في ان وجوب التقليد على أي تقدير هل يكون مقدميا أو نفسيا أو طريقيا أو شرطيا شرعيا نظير وجوب الوضوء للصلاة و المنسوب إلى الشيخ الأنصاري (قده) هو الأول لأنه مقدمة للامتثال الظاهري للأحكام الواقعية و لا ينوط الواقع به ان كان حصوله بالاحتياط ممكنا فيكون مقدميته للامتثال فقط بحيث يسقط التكليف لا بحيث يحصل الواقع و يؤيد هذا الوجه ما هو المعروف من بطلان عمل تاركي طريق الاجتهاد و التقليد بعد كون التقليد هو العمل لعدم حصول الامتثال ما لم يكن العمل مستندا إلى المجتهد و لكن يرد عليه بان العمل صحيح و لو لم يكن مستندا إلى الفتوى إذا طابق الواقع أو رأى من يجب عليه تقليده في الواقع إذا جاء له قصد القربة مثل ما أتى به رجاء للوصول إلى الواقع و وجه كون الوجوب نفسيا لا مقدميا فهو ان التقليد بعد كونه هو العمل مثل الصلاة و الصوم فيكون ملاكه هو ملاك نفس العمل لأن الأمارات على الطريقية لا تكون الا لحفظ الواقع و هو تارة يحفظ بالعلم الوجداني به و العمل على طبقه و تارة يحفظ بالأمارة و التقليد يكون لحفظ الواقع و هو أمارة عليه فوجوب التقليد يكون معناه وجوب الصلاة و وجوب الركوع و وجوب السجود و الصلاة تقليد بعنوان و صلاة بعنوان خاص و هو الصلاتية فكما ان وجوب‏

43

الصلاة نفسي فكذلك وجوب التقليد.

و لكن يرد عليه ان وجوب تصديق العادل و وجوب التقليد الّذي هو مثله يكون للمصلحة الطريقية إلى الواقع فان أصاب فهو و إلّا فهو معذور و يشترك مع الوجوب النفسيّ من جهة كون المصلحة و الملاك لحفظ الواقع و لكن المصلحة في إتيان الصلاة تكون لذاتها محضا و مصلحة تصديق العادل أو تقليد المجتهد يكون لحفظ الواقع في الدرجة الثانية.

و من هنا ظهر عدم كون الوجوب في التقليد نفسيا و لا مقدميا بل وجوبه وجوب طريقي لحفظ الواقع و اما الوجوب الشرطي الشرعي مثل وجوب الوضوء للصلاة فلم يثبت من دليل.

نعم الفرق بين الفتوى و بين الأمارة مثل الخبر هو ان الأمارة تكون طريقا للواقع بنفسه و لكن الفتوى تكون طريقا إلى الطريق الّذي هو رأي المجتهد فان رأيه طريق الواقع لا فتواه و لذا يكون رأيه حجة و لو لم يكن له الفتوى فمن علم من دأب مجتهد ان مسلكه ان الأمر بالشي‏ء يقتضى النهي عن ضده خلافا لمن يقول بان الأمر بالشي‏ء لا يقتضى النهي عن ضده فمر بمسألة تتوقف على هذا المبنى يمكنه العمل على طبق هذا المبنى لأنه أحرز رأيه و ان لم يفت في المسألة الفلانية [1]

مسألة

هل يجوز لمن له قوة الاستنباط و الاجتهاد التقليد أو يجب عليه الاستنباط فيما هو مبتلى به من الأحكام فيه خلاف و المشهور هو وجوب الاستنباط و عدم جواز

____________

[1] أقول هذا مشكل جدا لأنه من المحتمل هو كون فتواه في خصوص المسألة مستندا إلى دليل آخر لا يعلمه منه فلا بد من أخذ فتواه و لو فرض انه يعلم انه لا دليل له الا المبنى في الباب الفلاني فهو علم بفتواه من هذا الطريق و لا بحث فيه و اما كشف رأيه بالطرق الغير المعتبرة شرعا نظير الرمل فخارج عن محل الكلام.

44

التقليد و خالفهم السيد في المناهل على ما نسب إليه لعدم فعلية الحكم عليه قبل الاستنباط.

و لكن الحق مع المشهور كما مرت الإشارة إليه فيما سبق فان مقتضى دليل التقليد هو ان الجاهل و من ليس له الحجة يرجع إلى العالم و من له الحجة و من له قوة الاستنباط لا يكون جاهلا و له الحجة إذا رجع إليها و ليس المراد هو الجهل بالفعل كذلك حتى يقال يصدق بالنسبة إليه الجاهل فعلا لأن العقل بعد تحيره في الحكم يحكم بالرجوع إلى الغير و من له القوة لا يكون متحيرا.

و هكذا الأدلة اللفظية فان من هو متفقه في الدين و يكون من أهل الذّكر لا يكون مشمولا لدليل الرجوع إلى الفقيه و أهل الذّكر لأن هذا الدليل يكون لمن لا يعلم و لا يتفقه لا لمن يكون فقيها و عالما فيجب الاستنباط لمن له القوة فيما هو مبتلى به.

مسألة في تقليد الأعلم‏

و فيها صور: الصورة الأولى تقليد الأعلم مع العلم بالأعلمية و مع اختلاف فتواه مع فتوى غيره و المتعين هو وجوبه و هو المشهور بل المجمع عليه و عليه القدماء و عن بعض متأخري المتأخرين جواز تقليد المفضول أيضا.

و كيف كان فلا بد لنا من البحث في مرحلتين المرحلة الأولى في مقتضى الأصل و المرحلة الثانية في مقتضى الدليل الاجتهادي: و الأصل يكون البحث فيه في مقامين المقام الأول في حكمه بالنسبة إلى العامي الّذي ليس له دليل الا الفطرة و الثاني في حكمه بالنسبة إلى المجتهد الّذي يريد استنباط هذا الحكم من الأصل.

فنقول اما المقام الأول فالحق فيه هو أن العامي إذا رجع إلى فطرته يرى بالفطرة أن الأمر يدور بين التعيين و التخيير لأن العمل بفتوى الأعلم يكون هو الواقع إن أصاب و عذر عند الخطأ قطعا و أما غيره فلا يكون كذلك قطعا للشك في حجية فتواه و إن كان احتمال التخيير فيه أيضا و لكن الاحتمال لا يفيد كما أن‏

45

المريض يرجع إلى الطبيب الّذي يرى فيه اجتماع جميع الصفات التي لها دخل في علاج المرض و هكذا غيره من أصناف الخبراء و أنواعهم إذا أمكنه ذلك.

فان قلت ان وجوب تقليد الأعلم بواسطة الحكم بالتعيين في المقام مرفوع بالأصل لأن التعيين كلفة زائدة فهو مخير في الرجوع إلى الأفضل و المفضول سيما في صورة العسر في الرجوع إلى الأفضل قلت القول بالتعيين لا يكون من جهة كون الأفضل له الموضوعية حتى ينفى بالأصل بل من باب ان المكلف اشتغال ذمته بالتكليف في البين مسلم و لا بد له من تحصيل البراءة عن الواقع الّذي هو مكلف بإتيانه و امتثاله.

و هو لا يمكن إلّا في صورة الرجوع إلى الأعلم لأنه ان تبع غير الأعلم و لم يصب فتواه إلى الواقع يكون مذموما عند العقلاء بخلاف متابعة الأفضل فانه معذور و ان لم يصب فتواه إلى الواقع.

و بعبارة أخرى يطلب الشارع من المكلف الواقع ان علم به و على فرض عدم العلم به يتنزل بإتيانه على طبق رأي المجتهد الأعلم فما في ذمته هو الواقع و لا يكون مجرى للبراءة بعد اشتغال ذمته به و ليس الرجوع إلى الأفضل من باب الموضوعية حتى يكون وجوبه مشكوكا فيه ابتداء لتجري البراءة العقلية بالنسبة إلى العامي.

فتحصل ان العامي دليله على أصل التقليد و على الرجوع إلى الأعلم هو الفطرة ثم الظاهر ان الفطرة حاكمة بالرجوع إلى الأعلم في جميع الفروع لا في أصل التقليد و ان كان من الممكن بعد رجوعه إليه إرجاعه في غير هذه المسألة إلى المفضول أيضا هذا كله في حكم الأصل للعامي.

المقام الثاني في مقتضى الأصل عند المجتهد حسب الأدلة الشرعية و ثمرة البحث في هذا الأصل بعد كون الأصل عند العامي الرجوع إلى الأعلم هي تنقيح الحكم للمقلد الّذي يرجع إلى الأعلم و الفتوى بوجوب تقليده فقط أو كفاية تقليد المفضول أيضا.

46

فنقول يختلف الحكم حسب اختلاف المباني في رأي المجتهد فان رأيه اما ان يكون طريقا محضا للواقع و جهة تعليلية فقط بمعنى كونه عذرا عند الخطاء و هو حجة لكونه طريقا إلى الواقع فلا موضوعية له.

و اما ان يكون حجة من باب جعل مماثل الواقع في ظرفه بحيث يكون وجوده موجد مصلحة فيه تقتضي العمل على طبقه و لذلك يقال بالتخيير عند التعارض و إلّا فالأصل هو التساقط حينئذ كما ان الأصل الأولى في الاخبار عند التعارض هو التساقط و اما ان تكون الحجية من باب الطريقي الجزء الموضوعي و معناه هو ان الواقع منجز عليه لكونه مطابقا لرأي المجتهد بحيث ان الطريق لا بد ان يكون هذا لا غيره.

و لتوضيحه نقول ان أخبر مخبر في السوق بان دهن الزيت يفيد لمن هو مبتلى بمرض الكلية و يضره الدهن الحيواني و أخبر الطبيب أيضا بذلك و لكن لا من باب الاخبار فقط بل بعنوان الدستور العلاجي و الرّأي بالعمل على طبقه فنرى أن رأي الطبيب يكون له موضوعية عند العقلاء للعمل على طبقه و لو كان طريقا إلى الواقع الكذائي و لا يكون كذلك عندهم اخبار المخبر مع انه طريق إلى الواقع أيضا [1] فإذا عرفت ذلك فندعي مثله في رأي المجتهد و نقول ان الطريق الّذي هو هكذا يكون حجة لا غيره فتحصل ان حجية الرّأي على ثلاثة أنحاء الطريقية المحضة و الموضوعية المحضة و الطريقي الجزء الموضوعي.

فإذا عرفت المباني فنقول على مبنى الطريقية فيدور الأمر بين التعيين التخيير

____________

[1] أقول عدم اعتمادهم على اخبار المخبر يكون من باب عدم خبرويته فان الخبروية تكون في تطبيق الكبرى على المصداق بحسب حال كل مريض فرأيه يكون طريقا إلى الواقع و لا مصلحة في رأيه أيضا لو لم يصبه فرأي الطبيب يكون في الواقع اخبارا عن خاصية الدواء و عن كونه مفيدا بحال هذا المريض الخاصّ و لا موضوعية له.

47

في المقام لأن المدار على الواقع و الأخذ برأي الأعلم في كونه مصابا أو عذرا لا إشكال فيه عند العقلاء بالنسبة إلى الواقع المنجز في البين بخلاف رأي المفضول فالعقل حاكم بالتعيين و ان لم نقل في دوران الأمر بين التعيين و التخيير في الفروع الفقهية بوجوب الأخذ بالمعين و قلنا بأنه كلفة زائدة تجري البراءة بالنسبة إليها لأن المقام من الدوران بين التعيين و التخيير في مسألة أصولية فان الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها لأن الحجة هي التي يمكن ان يحتج بها و ما هو مشكوك لا يمكن الاحتجاج به فلا بد من الأخذ بفتوى الأعلم لذلك فان قلت على فرض إطلاق الأدلة اللفظية في التقليد يصير هذا الأصل محكوما قلت ليس لنا دليل لفظي ليمكن أخذ الإطلاق منه كما سيجي‏ء في البحث عن الدليل الاجتهادي لوجوب تقليد الأعلم.

و اما على مبنى الموضوعية فحيث يكون الرّأي له الملاك في نفسه و يكون ذلك في رأي الأفضل و المفضول ففي دوران الأمر بين كونه من باب التعيين و التخيير أو من باب المتزاحمين أو الدوران بين المحذورين في بعض الأحيان كما إذا كان اختلاف الفتوى من جهة وجوب شي‏ء و حرمته وجوه و أقوال على ما ذكره بعض الأعيان في حاشيته على الكفاية المسماة بنهاية الدراية في هذا المقام في ص 211 و اختار الثاني أي كونه من باب التزاحم من جهة ان احتمال التعيين و التخيير غير وجيه لكونه في صورة العلم بوجود المصلحة في أحدهما و احتمالها في الآخر و المفروض على الموضوعية هو العلم بوجودها فيهما فلا بد من ملاحظة ما هو أقوى ملاكا للتزاحم [1] و هو الأهم مع عدم لزوم الجمع بينهما إذا كانا متضادين مثل‏

____________

[1] أقول و لا يخفى ان الملاك في باب التزاحم هو ان يكون المانع في ناحية الامتثال من جهة عدم قدرة العبد عليه كما في إنقاذ الغريقين اما في صورة عدم التكليف بهما فيكون من باب التعارض للعلم الإجمالي بحجية أحد الرأيين و وجوب العمل على وفقه فيدور الأمر بين تعيين العمل بهذا أو التخيير بينه و بين غيره‏

48

كون رأي أحدهما وجوب هذا و رأي الآخر وجوب غيره و مع عدم احتمال الأهمية فلا بد من القول بالتخيير برأي من شاء منهما.

و أقول ان المبنى فاسد و على فرض صحته فلا بد من القول بالتخيير للتضاد أو لعدم إمكان الجمع كما في دوران الأمر بين المحذورين.

و اما على الطريقي الجزء الموضوعي فيكون من دوران الأمر بين التعيين و التخيير لأن إتيان الواقع على هذا الفرض أيضا هو الملاك و الاشتغال يكون به كما في الطريقية المحضة فلا بد من الأخذ برأي الأعلم ليحصل الفراغ اليقينيّ فتحصل ان الأعلم هو المعين على الطريقية المحضة و على الطريقي الجزء الموضوعي و يكون الحكم هو التخيير على الموضوعية المحضة.

فالحق ان المقلد يجب ان يقلد الأعلم بعد عدم الأساس للموضوعية في الرّأي و الإنصاف ان حجية رأيه يكون من القسم الثالث و هو الطريقي الجزء الموضوعي فالواقع بقيد كونه عن رأي المجتهد الأعلم هو المكلف به كما مر.

فتحصل ان مقتضى الأصل عند المقلد و المجتهد هو الرجوع إلى الأعلم لا غير و لكن يجب التنبيه في المقام على ان الحق عندنا هو التعيين لا من جهة دوران الأمر بين التعيين و التخيير على ما هو ظاهر ما مر من كلماتهم و ظاهر بياننا لها لأن هذا الكلام يكون في المسألة الفرعية و اما مقامنا هذا فلا يكون من دوران الأمر بينهما بل فتوى الأعلم بالاخذ تصير حجة كما في الخبرين المتعارضين و لا حجية لفتوى غيره من بدو الأمر فلا يكون الباب من دوران الأمر بين التعيين و التخيير في الحجة كما توهم لأن الفتويين المتعارضتين كالخبرين المتعارضين في كون‏

____________

فيكون من باب التعيين و التخيير في باب الحجة فلا بد من القول بالتعيين فيه. و وجود المصلحة في الرّأي لا يرفع هذه الغائلة لأن الكلام ليس في وجود المصلحة و عدمها بل في تعيين أحدهما على المكلف فالأعلم هو المتعين على جميع المباني و على فرض هذا الباب باب التزاحم أيضا لأنه أهم أو محتمل الأهمية.

49

مقتضى الأصل الأولى هو التساقط فيها لتكذيب كل واحد منهما الآخر بمدلوله الالتزامي و التعيين و التخيير المصطلح يكون في صورة إحراز إطلاق أحد الدليلين دون الآخر بعد إحراز حجيتهما و في المقام لا حجية لأحدهما قبل الأخذ و لكن يكون حكم العقل المستقل بأخذ رأي الأعلم و عدم الأخذ بما هو مشكوك الحجية و هو رأي المفضول فان كان في كلامنا ما يظهر منه كون تعيين الأعلم من باب دوران الأمر بين الحجة و اللاحجة أو بين التعيين و التخيير فهو ليس بمراد لنا بل يكون مشيا على طبق ما مشى إليه القائل بكون المقام من هذا الباب و الحاصل دليلنا ان الاشتغال اليقينيّ لا بد فيه من الفراغ يقينا و هو لا يحصل إلّا بما ذكر هذا كله بيان الأصل في الرجوع إلى الأعلم [1]

____________

[1] أقول اما على فرض القول بان الأخذ لا تأثير له في الحجية بل ما هو الحجة بطبعه يؤخذ به لأنه حجة فيكون المقام من دوران الأمر بين التعيين و التخيير في الحجة و لا يرد الإشكال بان ما لا حجية له لا نأخذ به ليصير حجة على هذا المعنى و على فرض دخل الأخذ في الحجية أيضا لا بد من دليل على وجوب الأخذ بالأعلم.

فلا بد من القول بان العلم الإجمالي بحجية أحد الرأيين مع العلم باشتغال الذّمّة بأحد التكليفين يكون لازمه الأخذ بما يحصل العلم بالفراغ منه و هو فتوى الأعلم و هذا روحه يرجع إلى ان الأخذ لا دخل له في الحجية.

و الظاهر من الدليل في الخبرين المتعارضين هو ان الأخذ بأحدهما على التخيير يكون من باب الأخذ بما هو حجة لو لا غيره فما أفاده مد ظله لا يخلو عن النّظر فإدخال المقام في دوران الأمر بين التعيين و التخيير أو بين الحجة و اللاحجة كما يكون في طي مباحثه أوفق بالقبول.

50

المرحلة الثانية في الدليل الاجتهادي على الرجوع إلى الأعلم‏

فنقول قد استدل لوجوب تقليد الأعلم بوجهين الأول الأقربية إلى الواقع و الثاني الروايات اما تقريب الوجه الأول فهو ان الأعلم لكونه أعرف و أبصر بكيفية الاستنباط يكون رأيه اقرب إلى الواقع و العقل مستقل بوجوب الأخذ بما هو الأقرب و قد أشكل على هذا بان الصغرى و الكبرى لا تتمان اما الصغرى فلمنع كون رأيه اقرب إلى الواقع فربما يكون رأي المفضول موافقا لرأي الاعلام ممن سبق كالشيخ الطوسي و المفيد و الأنصاري (رضوان اللَّه تعالى عليهم) فانهم مهرة الفن فإذا كان رأي المفضول موافقا معهم يحصل الظن القوى بالواقع كما حصل الظن من فتوى الأعلم فالأقربية غير مسلمة أو يكون رأيه موافقا لرأي جملة من المجتهدين غير الأعلم فهذا أيضا يوجب القرب إلى الواقع.

و فيه ان هذا غير تام لأن المدار على الظن النوعيّ الحاصل من نفس الأمارة لا على الظن الحاصل من الخارج [1] و ما ذكر يكون من الظن الحاصل من الخارج‏

____________

[1] أقول هذا مما لا شاهد له بل يمكن الشاهد على خلافه لأن الخبرين المتعارضين يكون من مرجحات أحدهما الشهرة التي هي من المرجحات الخارجية التي توجب الظن كما هو المحرر في باب التعادل و الترجيح لقوله (عليه السلام) خذ بما اشتهر بين أصحابك.

و الواقع بعد عدم كونه معلوما بالوجدان يكون الأقربية إليه بجميع ما يوجب قوة الظن كما أشار إليه المحقق الخراسانيّ (قده) في الكفاية بل السيرة بين الفقهاء هي استناد ما أفتوا به إلى علم من الاعلام مثل المفيد و الطوسي و الأنصاري تقوية لحجية فتواهم و قربهم إلى الواقع و هذا مما لا ينكر حتى انه مد ظله يكون كذلك عملا و عدم حجية فتوى الميت للحي لا ربط له بتقوية الحجة به فانهم حيث كانوا مهرة الفن يوجب رأيهم قوة الظن بالواقع.

51

مضافا بان المجتهد الأعلم الميت لو فرض كذلك و جوزنا تقليد الميت ابتداء يجب الرجوع إليه لا إلى الحي و على فرض عدم الجواز فليس حجة و ضم غير الحجة بفتوى المفضول لا يوجب تقوية فتواه و صيرورته اقرب إلى الواقع و هكذا إذا كان فتواه موافقا لرأي المجتهدين الذين هم في رتبته فان ضم الضعيف بالضعيف لا يوجب القوة في مقابل الأعلم الّذي يكون فتواه اقرب إلى الواقع بالنسبة أي كل واحد منهم فلا وجه للإشكال الصغروي.

و اما الكبرى فقد أشكل فيها من جهة ان الرجوع إلى الأعلم لا يتم من جهة الأقربية إلى الواقع بل يمكن ان يكون لجهة أخرى لأن غير الأعلم اما ان يكون في الاستدلال مثله بان يجيب عن كل كلام يكون لغيره من الإشكال على رأيه و اما ان يتوقف بإشكالات الأعلم عليه فعلى الثاني ليس رأيه حجة أصلا فيكون من دوران الأمر بين الحجة و اللاحجة فيؤخذ برأي الأعلم لأنه حجة و لا يؤخذ برأي غيره لأنه ليس بحجة لا من باب عدم كونه اعلم.

و اما غير قوة الاستدلال في الحكم من العناوين الطارية على المجتهد الأعلم مثل كبر السن فيكون كالحجر بجنب الإنسان و لا ربط له بالواقع و كون الفتوى اقرب إليه ففي الواقع يدور الأمر بين الرجوع إلى الجاهل و هو المفضول على فرض عدم تمامية دليله و العالم و هو الأعلم الّذي يتم دليله و ليس مثل البصر في القاضي الّذي لا دخل له في القضاء و ان كان البصير أعرف بوجوه الموضوع دون الأعمي.

و يمكن الجواب عنه بان المراد بالأعلم هو الّذي يكون له مهارة تامة في استنباط الحكم و غيره هو من لم يكن كذلك و دخل الأعلمية يكون من جهة التقليد لا من جهة حجية رأيه لنفسه كما ان الأعلم [1] في ساير الأصناف من البناء و النجار

____________

[1] أقول هذا يفيد على فرض كون المدار على الأعلمية من حيث المجموع لا في كل مسألة فان إثبات ذلك مشكل جدا لأن الأعلم في مجموع المسائل من حيث المجموع يكون معلوما في الجملة و لكن إثباته في كل فرد من المسائل فهو غير ثابت‏

52

و الحدّاد و الخطّاط معلوم عند العرف فمن له شدة قوة الاجتهاد هو الأعلم و غيره ليس بأعلم لا ان فتواه ليس بحجة نعم يختلف الأعلمية في المجتهدين في بعض الأوقات فان بعض المجتهدين يكون اعلم في تنقيح الكبريات كما نسب ذلك إلى المحقق الخراسانيّ (قده) و بعضهم في تطبيقها على الفروع كما نسب إلى السيد صاحب العروة الوثقى (قده) و ربما يحصل الأعلمية بكثرة استنباط الفروع لحصول العرفان بما هو دخيل في حكم هذه المسألة من استنباط ساير المسائل كما ان سيدنا الأستاذ الأصفهاني (قده) كان كذلك فانه أجاب باعترافه خمسة ملايين من الاستفتاءات نعم كثرة الاستنباط مع قصور الباع في الكبريات بحيث يسقط فروع كثيرة من استنباطاته بإشكال من هو أعلم فيها لا تفيد فتحصل ان الإشكال كبرويا أيضا غير وارد فان رأي الأعلم اقرب إلى الواقع و العقل مستقل بوجوب متابعته الوجه الثاني من الدليل الاجتهادي و هو الروايات فمنها مقبولة عمر بن حنظلة (1) و فيها الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما في الحديث و أورعهما و ما عن داود بن الحصين و فيه ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و ما عن موسى بن أكيل و فيه ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين اللّه فيمضى حكمه و هذه الروايات و ان كانت في صورة المنازعة في الحكم و القضاء و لكن القدماء بتنقيح المناط قد استدلوا بها لوجوب الأعلمية في بيان الأحكام و لا تختص بالموضوعات لأن السر في الرجوع إلى الأعلم في ذلك الباب هو كون نظره اقرب إلى الواقع لأنه أفقه خصوصا بملاحظة الإرجاع إلى سنده في الرواية كما ترى تفصيله في مقبولة ابن حنظلة فان الإرجاع إلى سند الحاكم يكون من جهة دخل الأفقهية فلا فرق بين الفتوى و الحكم في ذلك.

____________

(1) أقول ان الروايات الثلاثة في باب 9 من أبواب صفات القاضي في الوسائل ج 18 ح 1 و 20 و 45.