محاضرات في أصول الفقه / تقريرات - ج2

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
440 /
3

الجزء الثاني‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

(بحث الأوامر)

الكلام فيها يقع في مقامين: (الأول) في مادة الأمر (أ م ر) (الثاني) في هيئة (افعل) و ما شاكلها من الهيئات، كهيئة فعل الماضي و المضارع، و نحوهما.

اما الأول فالكلام فيه من جهات:

(الأولى)- ذكر جماعة ان مادة الأمر موضوعة لعدة معان: الطلب.

الشي‏ء. الحادثة. الشأن. الغرض. الفعل. و غير ذلك، و قد أنهاها بعضهم إلى خمسة عشر معنى.

و اختار صاحب الفصول (قده) انها موضوعة لمعنيين من هذه المعاني أي الطلب و الشأن.

و ذكر صاحب الكفاية (قده) ان عد بعض هذه المعاني من معاني الأمر من اشتباه المصداق بالمفهوم فان الأمر لم يستعمل في نفس هذه المعاني، و انما استعمل في معناه، و لكنه قد يكون مصداقاً لها ثم قال: و لا يبعد دعوى كونه حقيقة في الطلب في الجملة و الشي‏ء.

و ذهب شيخنا الأستاذ (قده) إلى ان لفظ الأمر موضوع لمعنى واحد و هو الواقعة التي لها أهمية في الجملة، و جميع ما ذكر من المعاني يرجع إلى هذا المعنى الواحد حتى الطلب المنشأ بإحدى الصيغ الموضوعة له، و هذا المعنى قد ينطبق على الحادثة، و قد ينطبق على الشأن، و قد ينطبق على الغرض، و هكذا. نعم لا بد أن يكون المستعمل فيه من قبيل الأفعال و الصفات، فلا يطلق على الجوامد

6

بل يمكن أن يقال ان الأمر بمعنى الطلب أيضا من مصاديق هذا المعنى الواحد، فانه أيضا من الأمور التي لها أهمية، فلا يكون للفظ الأمر الا معنى واحد يندرج الكل فيه، و تصور الجامع القريب بين الجميع و ان كان صعباً الا انا نرى وجداناً ان استعمال الأمر في جميع الموارد بمعنى واحد و عليه فالقول بالاشتراك اللفظي بعيد.

ما أفاده (قده) يحتوي على نقطتين: (الأولى) ان لفظ الأمر موضوع لمعنى واحد يندرج فيه جميع المعاني المزبورة حتى الطلب المنشأ بالصيغة.

(الثانية) ان الأهمية في الجملة مأخوذة في معناه.

و لنأخذ بالنقد على كلتا النقطتين:

اما الأولى فلان الجامع الذاتي بين الطلب و غيره من المعاني المذكورة غير معقول. و السبب في ذلك ان معنى الطلب معنى حدثي قابل للتصريف و الاشتقاق، دون غيره من المعاني، فانها من الجوامد، و هي غير قابلة لذلك، و من الواضح ان الجامع الذاتي بين المعنى الحدثي و المعنى الجامد غير متصور.

و بكلمة أخرى ان الجامع بينهما لا يخلو من ان يكون معنى حدثياً أو جامداً، و لا ثالث لهما، و على كلا التقديرين لا يكون الجامع المزبور جامعاً ذاتياً إذ على الأول لا ينطبق على الجوامد، و على الثاني لا ينطبق على المعنى الحدثي و هذا معنى عدم تصور جامع ذاتي بينهما.

و مما يشهد على ذلك اختلافهما (أي الأمر بمعنى الطلب و الأمر بمعنى غيره) في الجمع، فان الأول يجمع على أوامر، و الثاني على أمور، و هذا شاهد صدق على اختلافهما في المعنى، و لهذا لا يصح استعمال أحدهما في موضع الآخر، فلا يقال بقي أوامر، أو ينبغي التنبيه على أوامر، و هكذا. فالنتيجة بطلان هذه النقطة،

7

و أما الثانية فلأنه لا دليل على أخذ الأهمية في معنى الأمر بحيث يكون استعماله فيما لا أهمية له مجازاً، و ذلك لوضوح ان استعماله فيه كاستعماله فيما له أهمية في الجملة من دون فرق بينهما من هذه الناحية أصلا.

و ان شئت قلت ان الأهمية لو كانت مأخوذة في معناه لكانت متبادرة منه عرفاً عند إطلاقه، و عدم نصب قرينة على الخلاف، مع انها غير متبادرة منه كذلك، و من هنا صح توصيفه بما لا أهمية له، و بطبيعة الحال انها لو كانت داخلة في معناه لكان هذا تناقضاً ظاهراً، فالنتيجة ان نظرية المحقق النائيني (قده) في موضوع بحثنا نظرية خاطئة و لا واقع موضوعي لها.

و يمكن أن نقول: ان مادة الأمر موضوعة لغة لمعنيين، على سبيل الاشتراك اللفظي:

أحدهما- الطلب في إطار خاص، و هو الطلب المتعلق بفعل الغير، لا الطلب المطلق الجامع بين ما يتعلق بفعل غيره و ما يتعلق بفعل نفسه، كطالب العلم، و طالب الضالة، و طالب الحق، و ما شاكل ذلك. و السبب فيه ان مادة الأمر- بما لها من معنى- لا تصدق على الحصة الثانية و هي المتعلقة بفعل نفس الإنسان، و هذا قرينة قاطعة على انها لم توضع للجامع بينهما.

و من هنا يظهر ان النسبة بين الأمر و الطلب عموم مطلق.

و ثانيهما- الشي‏ء الخاصّ و هو الّذي يتقوم بالشخص من الفعل أو الصفة أو نحوهما في مقابل الجواهر و بعض أقسام الاعراض و هي بهذا المعنى قد تنطبق على الحادثة، و قد تنطبق على الشأن، و قد تنطبق على الغرض و هكذا.

الدليل على ما ذكرناه امران: أحدهما- ان لفظ الأمر بمعناه الأول قابل للتصريف و الاشتقاق، فتشتق منه الهيئات و الأوزان المختلفة، كهيئة

8

الماضي، و المضارع، و الفاعل، و المفعول، و ما شاكلها، و هذا بخلاف الأمر بمعناه الثاني حيث انه جامد فلا يكون قابلاً لذلك.

و ثانيهما- ان الأمر بمعناه الأول يجمع على أوامر، و بمعناه الثاني يجمع على أمور، و من الطبيعي ان اختلافهما في ذلك شاهد صدق على اختلافهما في المعنى.

و على ضوء هذا قد اتضح فساد كلا القولين السابقين: (الاشتراك اللفظي) (الاشتراك المعنوي) (اما الأول) فقد عرفت ان جميع المعاني المشار إليها آنفاً ليست من معاني الأمر على سبيل الاشتراك اللفظي، كيف فان استعماله فيها غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم، فضلا عن كونه موضوعاً بإزائها، و من هنا لا يكون المتبادر منه عند الإطلاق، و عدم نصب قرينة على إرادة الخلاف الا أحد المعنيين السابقين لا غير. و أما (الثاني) فلعدم تصور جامع ماهوي بينها ليكون موضوعاً له. فالنتيجة انه موضوع بإزاء المعنيين الماضيين على نحو الاشتراك اللفظي: (الحصة الخاصة من الطلب) (الحصة الخاصة من مفهوم الشي‏ء) و هي ما يتقوم بالشخص في قبال الجواهر و بعض أقسام الاعراض، و لأجل ذلك لا يصح ان يقال رأيت امراً عجيباً إذا رأى فرساً عجيباً، أو إنسانا كذلك، و لكن يصح ان يقال رأيت شيئاً عجيباً إذا رأى فرساً أو إنسانا كذلك. و السبب في هذا ظاهر و هو ان الشي‏ء بمفهومه العام ينطبق على الأفعال و الأعيان و الصفات بشتى ألوانها و اشكالها، و لذلك قالوا انه عرض عام لجميع الأشياء.

و على أثر هذا البيان يظهر نقد ما أفاده شيخنا المحقق (قده) من ان الأمر وضع لمعنى جامع وحداني على نحو الاشتراك المعنوي، و هو الجامع بين ما يصح ان يتعلق الطلب به تكويناً و ما يتعلق الطلب به تشريعاً مع عدم ملاحظة شي‏ء من الخصوصيّتين في المعنى الموضوع له، و الأصل فيه‏

9

ان يجمع على أوامر.

وجه الظهور ما عرفت من انه لا جامع ذاتي بين المعنى الحدثي و المعنى الجامد ليكون الأمر موضوعاً بإزائه، و اما الجامع الانتزاعي فهو و ان كان امراً ممكنا و قابلاً للتصوير، الا أنه لم يوضع بإزائه يقيناً، على انه خلاف مفروض كلامه (قده): و اما الوضع العام و الموضوع له الخاصّ يرده- مضافاً إلى ذلك- ما حققناه في مبحث الصحيح و الأعم من ان نتيجة الوضع العام و الموضوع له الخاصّ كنتيجة الاشتراك اللفظي، فلاحظ. هذا من ناحية، و من ناحية أخرى ان اختلاف لفظ الأمر في الجمع قرينة قطعية على اختلافه في المعنى، ضرورة ان معناه لو كان واحداً لن يعقل اختلافه في الجمع.

هذا على ما بيناه في الدورات السابقة.

و لكن الصحيح في المقام ان يقال ان مادة الأمر لم توضع للدلالة على حصة خاصة من الطلب، و هي الحصة المتعلقة بفعل الغير، بل وضعت للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفسانيّ في الخارج. و السبب في ذلك ما حققناه في بحث الإنشاء من أنه عبارة عن اعتبار الأمر النفسانيّ، و إبرازه في الخارج بمبرز من قول أو فعل أو ما شاكله. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ما ذكرناه في بحث الوضع من انه عبارة عن التعهد و الالتزام النفسانيّ. فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي وضع مادة الأمر أو ما شاكلها بطبيعة الحال لما ذكرناه أي للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفسانيّ، لا للطلب و التصدي، و لا للبعث و التحريك. نعم انها كصيغتها مصداق للطلب و التصدي، و البعث و التحريك، لا انها معناها.

و بكلمة أخرى اننا إذا حللنا الأمر المتعلق بشي‏ء تحليلاً موضوعياً فلا نعقل فيه سوى شيئين: أحدهما- اعتبار المولى ذلك الشي‏ء في ذمة

10

المكلف من جهة اشتماله على مصلحة داعية إلى ذلك. و ثانيهما- إبراز ذلك الأمر الاعتباري في الخارج بمبرز كمادة الأمر أو نحوها، فالمادة أو ما شاكلها وضعت للدلالة على إبراز ذلك الأمر الاعتباري النفسانيّ، لا للطلب، و لا للبعث و التحريك.

نعم قد عرفت ان المادة أو ما شاكلها مصداق للطلب و البعث، و نحو قصد إلى الفعل، فان الطلب و البعث قد يكونان خارجيين، و قد يكونان اعتباريين، فمادة الأمر أو ما شابهها مصداق للطلب و البعث الاعتباري، لا الخارجي، لوضوح انها تصد في اعتبار المولى إلى إيجاد المادة في الخارج، و بعث نحوه، لا تكويناً و خارجاً، كما هو ظاهر.

و نتيجة ما ذكرناه امران: (الأول)- ان مادة الأمر، أو ما شاكلها موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفسانيّ في الخارج، و هو اعتبار المولى الفعل على ذمة المكلف، و لا تدل على أمر آخر ما عدا ذلك الثاني انها مصداق للطلب و البعث، لا انهما معناها.

إلى هنا قد تبين ان القول بالاشتراك اللفظي بين جميع المعاني المتقدمة باطل، لا واقع موضوعي له، و كذلك القول بالاشتراك المعنوي، فالصحيح هو القول بالاشتراك اللفظي بين المعنيين المتقدمين.

ثم لا يخفى انه لا ثمرة عملية لذلك البحث أصلا، و السبب فيه ان الثمرة هنا ترتكز على ما إذا لم يكن المراد الاستعمالي من الأوامر الواردة في الكتاب و السنة معلوماً، و حيث ان المراد الاستعمالي منها معلوم، فاذن لا أثر له.

11

المعنى الاصطلاحي للأمر

حكى المحقق صاحب الكفاية (قده) ان الأمر قد نقل عن معناه الأصلي إلى القول المخصوص، و هو هيئة (افعل).

و يرد عليه أنه ان كان هذا مجرد اصطلاح، فلا مشاحة فيه، و الا فلا وجه له أصلا، و ذلك لأن الظاهر ان الاشتقاق منه بحسب معناه الاصطلاحي، و عليه فلو كان معناه الاصطلاحي القول المخصوص لم يمكن الاشتقاق منه لأنه جامد، و من الطبيعي ان مبدأ المشتقات لا بد ان يكون معنى حدثياً قابلاً للتصريف و التغيير، هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان يكون المبدأ خالياً عن جميع الخصوصيات، ليقبل كل خصوصية ترد عليه، و من ثمة قلنا في بحث المشتق ان المصدر لا يصلح ان يكون مبدأ له، لعدم توفر الشرط الأساسي للمبدإ فيه، و هو خلوه عن جميع الإشكال و الصور المعنوية، و اللفظية، حتى يقبل أيّة صورة ترد عليه، نظير الهيولى في الأجسام، حيث انها فاقدة لكل صورة افترضت، و لذا تقبل كل صورة ترد عليها بشتى أنواعها و اشكالها، و بطبيعة الحال انها لو لم تكن فاقدة لها فلا تقبل صورة أخرى، لوضوح إباء كل صورة عن صورة أخرى، و كل فعلية عن فعلية ثانية.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين: هي ان القول المخصوص لا يصلح ان يكون مبدأ للمشتقات، و ان يجعله شقة شقة، لاستحالة تصريفه و ورود هيئة أخرى عليه، فيكون نظير الجملة، و المفرد، و الكلمة، و الكلام، و ما شاكل ذلك مما هو اسم لنفس اللفظ، فانها غير قابلة لأن تشتق منها المشتقات، لعدم توفر الركيزتين الأساسيتين للمبدإ فيها (المعنى الحدثي) (الخلو من الخصوصيات)

12

نعم التلفظ بالقول المخصوص قابل لأن تشتق منه المشتقات، و تر- عليه الهيئات و الصور، و ذلك لأن التلفظ ان لوحظ بنفسه. مع عدم ملاحظة شي‏ء معه من الخصوصيات الخارجة عن حدود ذاته، فهو مبدأ و ان لو حظ قائماً بغيره فحسب، فهو مصدر. و ان لو حظ زائداً على هذا و ذاك وجوده و تحققه في الخارج قبل زمان التكلم فهو ماض، و في زمانه و ما بعده فمضارع، و هكذا. و لكن من المعلوم انه لا صلة لذلك بما ذكرناه أصلا.

و لكن لشيخنا المحقق (قده) في هذا الموضوع كلام، و هو ان الأمر بهذا المعنى أيضاً قابل للاشتقاق و التصريف. و قد أفاد في وجه ذلك ما إليك نصه: «و ان كان وجه الإشكال ما هو المعروف من عدم كونه معنى حدثياً ففيه ان لفظ اضرب صنف من أصناف طبيعة الكيف المسموع، و هو من الاعراض القائمة بالمتلفظ به، فقد يلاحظ نفسه، من دون لحاظ قيامه و صدوره عن الغير، فهو المبدأ الحقيقي الساري في جميع مراتب الاشتقاق و قد يلاحظ قيامه فقط، فهو المعنى المصدري المشتمل على نسبة ناقصة.

و قد يلاحظ قيامه و صدوره في الحال، أو الاستقبال، فهو المعنى المضارعي و هكذا، فليس هيئة اضرب كالأعيان الخارجية، و الأمور غير القائمة بشي‏ء، حتى لا يمكن لحاظ قيامه فقط، أو في أحد الأزمنة، و عليه فالامر موضوع لنفس الصيغة الدالة على الطلب مثلا أو للصيغة القائمة بالشخص و أمر موضوع للصيغة الملحوظة من حيث الصدور في المضي و يأمر موضوع للصيغة الملحوظة من حيث الصدور في الحال، أو الاستقبال».

و لنأخذ بالنقد على ما أفاده (قده) و حاصله. ان ما ذكره في إطاره و ان كان في غاية الصحة و المتانة، إلا انه لا صلة له بما ذكرناه.

و السبب في ذلك ان لكل لفظ حيثيتين موضوعيتين:

13

(الأولى)- حيثية صدوره من اللافظ خارجاً و قيامه به، كصدور غيره من الأفعال كذلك.

(الثانية)- حيثية تحققه و وجوده في الخارج، فاللفظ من الحيثية الأولى و ان كان قابلا للتصريف و الاشتقاق، الا ان لفظ الأمر لم يوضع بإزاء القول المخصوص من هذه الحيثية، و الا لم يكن مجال لتوهم عدم إمكان الاشتقاق و الصرف منه، بل هو موضوع بإزائه من الحيثية الثانية، و من الطبيعي انه بهذه الحيثية غير قابل لذلك، كما عرفت. فما أفاده (قده) مبنى على الخلط بين هاتين الحيثيتين.

(الجهة الثانية)- هل ان العلو معتبر في معنى الأمر أم لا؟ الظاهر اعتباره إذ لا يصدق الأمر عرفاً على الطلب الصادر من غير العالي، و ان كان بنحو الاستعلاء و إظهار العلو.

و على الجملة فصدوره من العالي منشأ لانتزاع عنوان الأمر و البعث و التحريك و التكليف و ما شاكل ذلك، دون صدوره عن غيره، بل ربما يوجب توبيخه باستعماله الأمر. و يدلنا على ذلك- مضافاً إلى مطابقة هذا للوجدان- صحة سلب الأمر عن الطلب الصادر من غير العالي، بل يستحق التوبيخ عليه بقوله أ تأمر الأمير مثلاً و من المعلوم ان التوبيخ لا يكون على امره بعد استعلائه، و انما يكون على استعلائه و استعماله الأمر.

(الجهة الثالثة)- لا إشكال في تبادر الوجوب عرفاً من لفظ الأمر عند الإطلاق، و انما الإشكال و الكلام في منشأ هذا التبادر، هل هو وضعه للدلالة عليه أو الإطلاق و مقدمات الحكمة أو حكم العقل به؟ وجوه بل أقوال:

المعروف و المشهور بين الأصحاب قديماً و حديثاً هو القول الأول.

و اختار جماعة القول الثاني، و لكن الصحيح هو الثالث، فلنا دعويان:

(الأولى)- بطلان القول الأول و الثاني. (الثانية) صحة القول الثالث‏

14

اما الدعوى الأولى فلأنها تبتني على ركيزتين: إحداهما ما حققناه في بحث الوضع من انه عبارة عن التعهد و الالتزام النفسانيّ. و ثانيتهما ما حققناه في بحث الإنشاء من انه عبارة عن اعتبار الأمر النفسانيّ، و إبرازه في الخارج بمبرز من قول أو فعل أو ما شاكله.

و على ضوء هاتين الركيزتين يظهر أن مادة الأمر وضعت للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفسانيّ في الخارج، فلا تدل على الوجوب لا وضعاً و لا إطلاقاً. اما الأول فظاهر. و اما الثاني فلأنه يرتكز على كونها موضوعة للجامع بين الوجوب و الندب، ليكون إطلاقها معيناً للوجوب، دون الندب باعتبار ان بيان الندب يحتاج إلى مئونة زائدة و الإطلاق غير وافٍ به. و لكن قد عرفت انها كما لم توضع لخصوص الوجوب أو الندب، كذلك لم توضع للجامع بينهما، بل وضعت لما ذكرناه هذا مضافاً إلى عدم الفرق بين الوجوب و الندب من هذه الناحية، و اذن فلا يكون الإطلاق معيناً للأول، دون الثاني، فحاله حال الوجوب من هذه الناحية من دون فرق بينهما أصلا.

و أما الدعوى الثانية: فلان العقل يدرك- بمقتضى قضية العبودية و الرقية- لزوم الخروج عن عهدة ما أمر به المولى، ما لم ينصب قرينة على الترخيص في تركه، فلو أمر بشي‏ء و لم ينصب قرينة على جواز تركه فهو يحكم بوجوب إتيانه في الخارج، قضاء لحق العبودية، و أداء لوظيفة المولوية، و تحصيلا للأمن من العقوبة، و لا نعني بالوجوب الا إدراك العقل لا بدية الخروج عن عهدته فيما إذا لم يحرز من الداخل أو من الخارج ما يدل على جواز تركه (الجهة الرابعة)- في الطلب و الإرادة. قد سبق منا في الجهة الثالثة ان الأمر موضوع للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفسانيّ في الخارج، فلا يدل على شي‏ء ما عداه. هذا من ناحية.

15

و من ناحية أخرى تعرض المحقق صاحب الكفاية (قده) في المقام للبحث عن جهة أخرى، و هي ان الطلب هل يتحد مع الإرادة أولا فيه وجوه و أقوال: قد اختار (قده) القول بالاتحاد، و إليك نصّ مقولته.

«فاعلم ان الحق كما عليه أهله، وفاقاً للمعتزلة، و خلافاً للأشاعرة هو اتحاد الطلب و الإرادة بمعنى ان لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد، و ما بإزاء أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر، و الطلب المنشأ بلفظه أو بغيره عين الإرادة الإنشائية. و بالجملة هما متحدان مفهوماً و إنشاءً و خارجاً، لا ان الطلب الإنشائي الّذي هو المنصرف إليه إطلاقه، كما عرفت متحد مع الإرادة الحقيقية التي ينصرف إليها إطلاقها أيضا، ضرورة ان المغايرة بينهما أظهر من الشمس، و أبين من الأمس، فإذا عرفت المراد من حديث العينية و الاتحاد، ففي مراجعة الوجدان عند طلب شي‏ء و الأمر به حقيقة كفاية، فلا يحتاج إلى مزيد بيان و إقامة برهان، فان الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة أخرى قائمة بها يكون هو الطلب غيرها، سوى ما هو مقدمة تحققها عند خطور الشي‏ء، و الميل، و هيجان الرغبة إليه، و التصديق لفائدته، و الجزم بدفع ما يوجب توقفه عن طلبه لأجلها، و بالجملة لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة، و الإرادة هناك صفة أخرى قائمة بها يكون هو الطلب، فلا محيص الا عن اتحاد الإرادة و الطلب، و ان يكون ذاك الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة، أو المستتبع لأمر عبيده به فيما لو اراده، لا كذلك مسمى بالطلب و الإرادة، كما يعبر به تارة، و بها أخرى كما لا يخفى».

ما أفاده (قده) يحتوي على عدة نقاط: 1- اتحاد الإرادة الحقيقية مع الطلب الحقيقي. 2- اتحاد الإرادة الإنشائية مع الطلب الإنشائي.

3- مغايرة الطلب الإنشائي للطلب الحقيقي، و الإرادة الإنشائية للإرادة

16

الحقيقة و لم يبرهن (قده) على هذه النقاط، بل أحالها إلى الوجدان. و لنأخذ بالنظر في هذه النقاط:

أما الأولى فهي خاطئة جداً و السبب في ذلك ان الإرادة بواقعها الموضوعي من الصفات النفسانيّة، و من مقولة الكيف القائم بالأنفس.

و أما الطلب فقد سبق أنه من الأفعال الاختيارية الصادرة عن الإنسان بالإرادة و الاختيار، حيث أنه عبارة عن التصدي نحو تحصيل شي‏ء في الخارج. و من هنا لا يقال طالب الضالة، أو طالب العلم الا لمن تصدى خارجاً لتحصيلهما، و أما من اشتاق إليهما فحسب و أراد فلا يصدق عليه ذلك، و لذا لا يقال طالب المال أو طالب الدنيا لمن اشتاق و أرادهما في أفق النّفس، ما لم يظهر في الخارج بقول أو فعل.

و بكلمة أخرى ان الطلب عنوان للفعل سواء أ كان الفعل نفسانياً أم خارجياً، فلا يصدق على مجرد الشوق و الإرادة النفسانيّة، و يظهر ذلك بوضوح من مثل قولنا طلبت زيداً، فما وجدته، أو طلبت من فلان كتاباً مثلا، فلم يعطني، و هكذا، ضرورة أن الطلب في أمثال ذلك عنوان للفعل الخارجي، و ليس إخباراً عن الإرادة و الشوق النفسانيّ فحسب، و لا فرق في ذلك بين ان يكون الطلب متعلقاً بفعل نفس الإنسان و عنواناً له كطالب الضالة و طالب العلم و ما شاكلها و ان يكون متعلقاً بفعل غيره و على كلا التقديرين فلا يصدق على مجرد الإرادة. و قد تحصل من ذلك أن الطلب مباين للإرادة مفهوماً و مصداقاً، فما أفاده (قده) من أن الوجدان يشهد باتحادها خطأ جداً.

و أما النقطة الثانية فقد ظهر نقدها مما أوردناه على النقطة الأولى، و ذلك لما عرفت من أن الطلب عنوان للفعل الخارجي أو الذهني، و ليس منشأ بمادة الأمر، أو بصيغتها، أو ما شاكلها. فاذن لا موضوع لما

17

أفاده (قده) من ان الطلب الإنشائي عين الإرادة الإنشائية.

و من هنا يظهر حال النقطة الثالثة، فانها انما تتم إذا كانت متوفرة لأمرين: (الأول) القول بان الطلب منشأ بالصيغة، أو نحوها. (الثاني) القول بالإرادة الإنشائية في مقابل الإرادة الحقيقية، و لكن كلا القولين خاطئ جداً.

و اما النقطة الرابعة فالامر و ان كان كما أفاده (قده)، الا ان عدم تحقق الطلب حقيقة ليس بملاك عدم تحقق الإرادة كذلك في أمثال الموارد بل بملاك ما عرفت من ان الطلب عنوان لمبرز الإرادة، و مظهرها من قول أو فعل، و حيث لا إرادة هاهنا فلا مظهر لها، حتى يتصف بعنوان الطلب.

و على ضوء هذا البيان يظهر فساد ما قيل: من ان الطلب و الإرادة متباينان مفهوماً، و متحدان مصداقاً و خارجاً، و وجه الظهور ما عرفت من تباينهما مفهوماً و مصداقاً، فلا يمكن صدقهما في الخارج على شي‏ء واحد كما مر بشكل واضح.

ثم لا يخفى ان غرض صاحب الكفاية (قده) من هذه المحاولة نفى الكلام النفسيّ الّذي يقول به الأشاعرة، بتخيل ان القول بتغاير الطلب و الإرادة يستلزم القول بثبوت صفة أخرى غير الصفات المعروفة المشهورة و بطبيعة الحال ان مرد ذلك هو التصديق بما يقوله الأشاعرة من الكلام النفسيّ.

و لكن قد عرفت ان هذه المحاولة غير ناجحة. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى انا سنذكره بعد قليل ان نفي الكلام النفسيّ لا يرتكز على القول باتحاد الطلب و الإرادة، حيث انا نقول بتغايرهما، فمع ذلك نبرهن بصورة قاطعة بطلان محاولة الأشاعرة لإثبات ان كلامه تعالى نفسي لا لفظي.

18

بحث و نقد حول عدة نقاط

(الأولى)- نظرية الأشاعرة: الكلام النفسيّ، و نقدها.

(الثانية)- نظرية الفلاسفة: إرادته تعالى من الصفات الذاتيّة و نقدها.

(الثالثة)- نظرية الأشاعرة: مسألة الجبر، و نقدها.

(الرابعة)- نظرية المعتزلة: مسألة التفويض، و نقدها.

(الخامسة)- نظرية الإمامية: مسألة الأمر بين الأمرين.

(السادسة)- نظرية العلماء: مسألة العقاب.

(1) نظرية الأشاعرة الكلام النفسيّ و نقدها

ذهب الأشاعرة إلى ان كلامه تعالى من الصفات الذاتيّة العليا، و هو قائم بذاته الواجبة، قديم كبقية صفاته العليا، من العلم، و القدرة، و الحياة، و ليس من صفاته الفعلية كالخلق، و الرزق، و الرحمة، و ما شاكلها و لأجل ذلك قد اضطروا إلى الالتزام بان كلامه تعالى نفسي، ما وراء الكلام اللفظي، و هو قديم قائم بذاته تعالى، فان الكلام اللفظي حادث فلا يعقل قدمه، و قد صرحوا (1) به في ضمن محاولتهم، و استدلالهم على الكلام النفسيّ، و إليكم نصّ مقولتهم.

و هذا الّذي قالته المعتزلة لا ننكره نحن، بل نقوله، و نسميه كلاماً لفظياً، و نعترف بحدوثه، و عدم قيامه بذاته تعالى، و لكنا نثبت أمراً وراء ذلك، و هو المعنى القائم بالنفس، الّذي يعبر عنه بالألفاظ، و نقول‏

____________

(1) شرح المواقف مبحث الإلهيات ص 77.

19

هو الكلام حقيقة، و هو قديم قائم بذاته تعالى، و نزعم انه غير العبارات إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة، و الأمكنة، و الأقوام، و لا يختلف ذلك المعنى النفسيّ، بل نقول ليس ينحصر الدلالة عليه في الألفاظ، إذ قد يدل عليه بالإشارة و الكتابة، كما يدل عليه بالعبارة، و الطلب الّذي هو معنى قائم بالنفس واحد لا يتغير مع تغير العبارات، و لا يختلف باختلاف الدلالات، و غير المتغير أي ما ليس متغيراً و هو المعنى مغاير للمتغير الّذي هو العبارات، و نزعم انه أي المعنى النفسيّ الّذي هو الخبر غير العلم، إذ قد يخبر الرّجل عما لا يعلمه، بل يعلم خلافه أو يشك فيه و ان المعنى النفسيّ الّذي هو الأمر غير الإرادة، لأنه يأمر الرّجل بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا؟ فان مقصوده مجرد الاختبار، دون الإتيان بالمأمور به و كالمتعذر من ضرب عبده بعصيانه، فانه قد يأمره، و هو يريد ان لا يفعل المأمور به، ليظهر عذره عند من يلومه. و اعترض عليه بان الموجود في هاتين الصورتين صيغة الأمر، لا حقيقته، إذ لا طلب فيهما أصلاً، كما لا إرادة قطعاً، فإذاً هو أي المعنى النفسيّ الّذي يعبر عنه بصيغة الخبر و الأمر صفة ثالثة مغايرة للعلم و الإرادة، قائمة بالنفس، ثم نزعم انه قديم لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى».

و من الغريب جداً ما نسب إلى الحنابلة في شرح المواقف‏ (1) و هذا نصه: «قال الحنابلة: كلامه حرف و صوت يقومان بذاته تعالى و انه قديم و قد بالغوا فيه حتى قال بعض جهلاً الجلد و الغلاف قديمان فضلاً عن المصحف».

تتضمن هذا النص عدة خطوط: 1- ان للَّه تعالى سنخين من الكلام:

النفسيّ و اللفظي، و الأول من صفاته تعالى، و هو قديم قائم بذاته الواجبة

____________

(1) الموقف الخامس من الإلهيات ص 76.

20

دون الثاني. 2- ان الكلام النفسيّ عبارة عن المعنى القائم بالنفس، و يبرزه في الخارج بالألفاظ و العبارات بشتى ألوانها و اشكالها، و لا يختلف ذلك المعنى باختلافها، كما لا يختلف باختلاف الأزمنة و الأمكنة. 3- انهم عبروا عن ذلك المعنى تارة بالطلب، و أخرى بالأمر، و ثالثاً بالخبر، و رابعاً بصيغة الخبر. 4- ان هذا المعنى غير العلم إذ قد يخبر الإنسان عما لا يعلمه، أو يعلم خلافه، و غير الإرادة، إذ قد يأمر الرّجل بما لا يريده كالمختبر لعبده، فان مقصوده الامتحان و الاختبار، و الإتيان بالمأمور به في الخارج.

و لنأخذ بالنقد على هذه الخطوط جميعاً.

اما الأول فسنبينه بشكل واضح في وقت قريب إن شاء اللَّه تعالى ان كلامه منحصر بالكلام اللفظي، و ان القرآن المنزل على النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله) هو كلامه تعالى، بتمام سوره و آياته و كلماته، لا انه حاك عن كلامه، لوضوح ان ما يحكي القرآن عنه ليس من سنخ الكلام، كما سيأتي بيانه.

هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان السبب الّذي دعا الأشاعرة إلى الالتزام بالكلام النفسيّ هو تخيل ان التكلم من صفاته الذاتيّة، و لكن هذا الخيال خاطئ جداً، و ذلك لما سيجي‏ء إن شاء اللَّه تعالى بصورة واضحة ان التكلم ليس من الصفات الذاتيّة، بل هو من الصفات الفعلية.

و اما الثاني فيتوقف نقده على تحقيق حال الجمل الخبرية و الإنشائية.

اما الأولى فقد حققنا في بحث الإنشاء و الاخبار ان الجمل الخبرية موضوعة للدلالة على قصد المتكلم الحكاية و الاخبار عن الثبوت، أو النفي في الواقع، هذا بناء على نظريتنا. و اما بناءً على نظرية المشهور، فلأنها موضوعة للدلالة على ثبوت النسبة في الواقع، أو نفيها عنه. و من الطبيعي ان مدلولها على ضوء كلتا النظريتين ليس من سنخ الكلام، ليقال إنه‏

21

كلام نفسي، ضرورة ان الكلام النفسيّ عند القائلين به و ان كان موجوداً نفسانياً إلا أن كل موجود نفساني ليس بكلام نفسي، بل لا بد ان يكون سنخ وجوده سنخ وجود الكلام، لفرض أنه ليس من سنخ وجود الصفات المعروفة الموجودة في النّفس. و من المعلوم ان قصد الحكاية على رأينا و ثبوت النسبة على رأي المشهور ليس من ذلك.

و بكلمة واضحة: إذا حللنا الجمل الخبرية تحليلاً موضوعياً و فحصنا مداليلها في إطاراتها الخاصة فلا نجد فيها سوى عدة أمور: (الأول) تصور معاني مفرداتها بموادها و هيئاتها. (الثاني) تصور معاني هيئاتها التركيبية.

(الثالث) تصور مفردات الجملة. (الرابع) تصور هيئاتها. (الخامس) تصور مجموع الجملة. (السادس) تصور معنى الجملة. (السابع) التصديق بمطابقتها للواقع أو بعدم مطابقتها له. (الثامن) إرادة إيجادها في الخارج. (التاسع) الشك في ذلك. و بعد ذلك نقول ان شيئاً من هذه الأمور ليس من سنخ الكلام النفسيّ عند القائلين به.

اما الأول فواضح، إذ الكلام النفسيّ عند القائلين به ليس من سنخ المعنى أولاً على ما سيأتي بيانه. و ليس من سنخ المعنى المفرد ثانياً.

و اما الثاني فلان الكلام النفسيّ- كما ذكروه- صفة قائمة بالنفس كسائر الصفات النفسانيّة، و من الطبيعي ان المعنى ليس كذلك، فانه مع قطع النّظر عن وجوده و تحققه في الذهن ليس قائماً بها، و مع لحاظ وجوده و تحققه فيه و ان كان قائماً بها، إلا انه بهذا اللحاظ علم، و ليس بكلام نفسي على الفرض.

و على ضوء هذا البيان يظهر حال جميع الأمور الباقية، فان الثالث، و الرابع، و الخامس، و السادس، و التاسع من مقولة العلم التصوري، و السابع من مقولة العلم التصديقي، و الثامن من مقولة الإرادة. فالنتيجة ان الكلام‏

22

النفسيّ بهذا الإطار الخاصّ عند القائلين به غير متصور في موارد الجمل الخبرية، و حينئذٍ فلا يخرج عن مجرد افتراض، و لقلقة اللسان، بلا واقع موضوعي له.

و اما الجمل الإنشائية فقد سبق الكلام فيها بشكل مفصل، و قلنا هناك ان نظريتنا فيها تختلف عن نظرية المشهور، حيث ان المشهور قد فسروا الإنشاء بإيجاد المعنى باللفظ.

و لكن قد حققنا هناك انا لا نعقل لذلك معنى صحيحاً معقولاً.

و السبب في ذلك هو انهم لو أرادوا بالإيجاد الإيجاد التكويني، كإيجاد الجوهر و العرض فبطلانه من البديهيات التي لا تقبل الشك، ضرورة ان الموجودات الخارجية- بشتى اشكالها و أنواعها- ليست مما توجد بالألفاظ، كيف و الألفاظ ليست واقعة في سلسلة عللها و أسبابها كي توجد بها. و ان أرادوا به الإيجاد الاعتباري كإيجاد الوجوب و الحرمة أو الملكية و الزوجية و غير ذلك فيرده أنه يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفسانيّ، من دون حاجة إلى اللفظ و التكلم به، ضرورة ان اللفظ في الجملة الإنشائية لا يكون علة لإيجاد الأمر الاعتباري، و لا واقعا في سلسلة علته، لوضوح أنه يتحقق بنفس اعتبار المعتبر في أفق النّفس، سواء أ كان هناك لفظ يتلفظ به أم لم يكن.

و دعوى- أن مرادهم بذلك: الإيجاد التنزيلي، ببيان ان وجود اللفظ في الخارج وجود للمعنى فيه تنزيلاً، و من هنا يسري إليه قبح المعنى و حسنه، و على هذا صح ان يفسروا الإنشاء بإيجاد المعنى- خاطئة جداً، و ذلك لأن تمامية هذه الدعوى ترتكز على نظرية من يرى كون الوضع عبارة عن الهوهويّة، و جعل وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، و لكن قد ذكرنا في محله ان هذه النظرية باطلة، و قلنا هناك ان حقيقة الوضع‏

23

عبارة عن التعهد و الالتزام النفسانيّ، و عليه فلا اتحاد بينهما لا حقيقة و واقعاً و لا عناية و مجازاً، ليكون وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً له، و اما مسألة سراية القبح و الحسن فهي لا ترتكز على النظرية المزبورة، بل هي من ناحية كون اللفظ كاشفاً عنه و دالاً عليه، و من الطبيعي أنه يكفي لذلك وجود العلاقة الكاشفية بينهما، و لا فرق في وجود هذه العلاقة بين نظرية دون أخرى في مسألة الوضع.

و بعد ذلك نقول: ان مدلول الجمل الإنشائية على كلتا النظريتين ليس من سنخ الكلام النفسيّ عند القائلين به. اما على نظرية المشهور فواضح، لما عرفت من ان الكلام النفسيّ عندهم عبارة عن صفة قائمة بالنفس في مقابل سائر الصفات النفسانيّة، و قديم كغيرها من الصفات الأزلية و بطبيعة الحال ان إيجاد المعنى باللفظ فاقد لهاتين الركيزتين معاً: اما الركيزة الأولى فلأنه ليس من الأمور النفسانيّة، ليكون قائماً بها. و اما الثانية فلفرض انه حادث بحدوث اللفظ، و ليس بقديم. و اما على نظريتنا فائضا الأمر كذلك، فان إبراز الأمر الاعتباري ليس من الأمور النفسانيّة أيضا.

فالنتيجة لحد الآن أنه لا يعقل في موارد الجمل الخبرية، و الإنشائية ما يصلح ان يكون من سنخ الكلام النفسيّ، و من هنا قلنا أنه لا يخرج عن مجرد وهم و خيال، فلا واقع موضوعي له.

ثم أنه قد يتوهم ان صورة الكلام اللفظي التمثلة في أفق النّفس هي كلام نفسي، و لكن هذا التوهم خاطئ، لسببين: (الأول) ان هذه الصورة و ان كانت موجودة في أفق النّفس، و متمثلة فيه، إلا أنها ليست بكلام نفسي، ضرورة ان الكلام النفسيّ عند القائلين به مدلول للكلام اللفظي، و المفروض ان تلك الصورة بهذا الإطار الخاصّ ليست كذلك، لما عرفت من ان مدلول الكلام سواء أ كان إخبارياً أم إنشائياً أجنبي عنها

24

أضف إلى ذلك ما ذكرناه في محله من ان الموجود بما هو موجود لا يعقل ان يكون مدلولاً للفظ، من دون فرق في ذلك بين الموجود الخارجي و الذهني، فاذن لا يمكن ان تكون تلك الصورة مدلولا له، لتكون كلاما نفسياً. على أنها لا تختص بخصوص الكلام الصادر عن المتكلم بالاختيار، بل تعم جميع الأفعال الاختيارية بشتى أنواعها و اشكالها، حيث ان صورة كل فعل اختياري متمثلة في أفق النّفس قبل وجوده الخارجي.

(الثاني): ان هذه الصورة نوع من العلم و التصور، و هو التصور الساذج و قد تقدم ان الكلام النفسيّ عندهم صفة أخرى في مقابل صفة العلم، و الإرادة، و نحوهما.

و قد تخيل بعضهم ان الكلام النفسيّ عبارة عن الطلب المدلول عليه بصيغة الأمر. و لكن هذا الخيال فاسد جداً. و السبب في ذلك ما حققناه سابقاً من ان الطلب و إن كان غير الإرادة مفهوماً و مصداقاً، إلا أنه ليس بكلام نفسي، لما عرفت من أنه عبارة عن التصدي نحو المقصود خارجاً و هو من الأفعال الخارجية، و ليس من المفاهيم اللفظية في شي‏ء حتى يدعي أنه كلام نفسي و من هنا قلنا ان الصيغة مصداق للطلب، لا انها وضعت بإزائه.

فالنتيجة على ضوء هذا البيان امران: (الأول) فساد توهم كون الطلب منشأ بالصيغة أو ما شاكلها. (الثاني) ان الأشاعرة قد أخطئوا هنا في نقطة و أصابوا في نقطة أخرى. اما النقطة الخاطئة فهي أنهم جعلوا الطلب من الصفات النفسانيّة، و قد عرفت خطأ ذلك. و اما النقطة الثانية فهي أنهم جعلوا الطلب مغايراً للإرادة ذاتاً و عيناً و قد سبق صحة ذلك.

و اما الثالث فنفس اختلاف كلماتهم في تفسيره يعني مرّة بالطلب، و أخرى بالخبر، و ثالثة بالأمر، و رابعة بصيغة الأمر شاهد صدق على أنهم أيضا لم يتصوروا له معنى محصلاً، إلا ان يقال ان ذلك منهم مجرد

25

اختلاف في التعبير و اللفظ و المقصود واحد، و لكن ننقل الكلام إلى ذلك المقصود الواحد و قد عرفت أنه لا واقع موضوعي له أصلاً، و لا يخرج عن حد الفرض و الخيال.

و اما الرابع فقد ظهر جوابه مما ذكرناه بصورة مفصلة من أنه ليس في الجمل الخبرية، و الإنشائية شي‏ء يصلح أن يكون كلاماً نفسياً.

و قد استدل على الكلام النفسيّ بعدة وجوه أخر:

الأول- ان اللَّه تعالى قد وصف نفسه بالتكلم في الكتاب الكريم بقوله (و كلم اللَّه موسى تكليما) و من المعلوم ان التكلم صفة له كالعلم و القدرة و الحياة و ما شاكلها. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان صفاته تعالى قديمة قائمة بذاته، و لا يمكن ان تكون حادثة، لاستحالة قيام الحادث بذاته تعالى كقيام الحال بالمحل، و الصفة بالموصوف. نعم يجوز قيام الحادث بها كقيام الفعل بالفاعل. و من ناحية ثالثة ان الكلام اللفظي حيث أنه مؤلف من حروف و اجزاء متدرجة متصرمة في الوجود لا يعقل ان يكون قديماً، و عليه فلا يمكن ان يكون المراد من الكلام في الآية الكريمة الكلام اللفظي، ضرورة استحالة كون ذاته المقدسة محلاً للحادث.

و من ناحية رابعة ان الكلام النفسيّ حيث أنه ليس من مقولة الألفاظ فلا يلزم من قيامه بذاته تعالى قيام الحادث بالقديم.

فالنتيجة على ضوء هذه النواحي هي ان كلامه تعالى نفسي، لا لفظي.

و لنأخذ بالنقد على هذا الدليل: ان صفاته تعالى على نوعين:

(الأول) الصفات الذاتيّة: كالعلم، و القدرة، و الحياة، و ما يؤل إليها، فان هذه الصفات عين ذاته تعالى في الخارج، فلا اثنينية فيه و لا مغايرة، و ان قيامها بها قيام عيني، و هو من أعلى مراتب القيام و أظهر مصاديقه، لا قيام صفة بموصوفها، أو قيام الحال بمحله. و من هنا ورد

26

في الروايات ان اللَّه تعالى وجود كله، و علم كله، و قدرة كله. و حياة كله، و إلى هذا المعنى يرجع قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة كمال الإخلاص به نفي الصفات عنه بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف.

(الثاني) الصفات الفعلية كالخلق، و الرزق، و الرحمة، و ما شاكلها فان هذه الصفات ليست عين ذاته تعالى، حيث ان قيامها بها ليس قياما عينياً كالصفات الذاتيّة. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان قيام هذه الصفات بذاته تعالى ليس من قيام الحال بمحله، و الوجه في ذلك ان هذه الصفات لا تخلو من ان تكون حادثة، أو تكون قديمة، و لا ثالث لهما، فعلى الأول لزم قيام الحادث بذاته تعالى، و هو مستحيل، و على الثاني لزم تعدد القدماء و قد يرهن في محله استحالة ذلك.

فالنتيجة على ضوئهما امران: (الأول) ان مبادئ هذه الصفات أفعاله تعالى الاختيارية. (الثاني) انها تمتاز عن الصفات الذاتيّة في نقطة واحدة و هي ان الصفات الذاتيّة عين ذاته تعالى، فيستحيل اتصاف ذاته بعدمها بان لا يكون ذاته في مرتبة ذاته عالماً، و لا قادراً، و لا حياً، و هذا بخلاف تلك الصفات، حيث انها أفعاله تعالى الاختيارية فتنفك عن ذاته، و تتصف ذاته بعدمها يعني يصح ان يقال: أنه تعالى لم يكن خالقاً للأرض مثلا ثم خلقها، و لم يكن رازقاً لزيد- مثلا- ثم رزقه، و هكذا و من ثمة تدخل عليها أدوات الشرط، و ما شاكلها، و لم تدخل على الصفات العليا الذاتيّة. و ان شئتم قلتم: ان القدرة تتعلق بالصفات الفعلية وجوداً و عدماً، فان له تعالى ان يخلق شيئاً، و له ان لا يخلق، و له ان يرزق، و له ان لا يرزق، و هكذا، و لم تتعلق بالصفات الذاتيّة أبداً.

و على ضوء هذا البيان قد ظهر ان التكلم من الصفات الفعلية دون الصفات الذاتيّة، و ذلك لوجود ملاك الصفات الفعلية فيه، حيث يصح‏

27

ان يقال: أنه تعالى كلم موسى (عليه السلام) و لم يكلم غيره، أو كلم في الوقت الفلاني، و لم يكلم في وقت آخر، و هكذا. و لا يصح ان يقال أنه تعالى ليس عالماً بالشي‏ء فلاني، أو في الوقت الفلاني. فما ذكره الأشاعرة من ان التكلم صفة له تعالى، و كل صفة له قديم نشأ من الخلط بين الصفات الذاتيّة و الصفات الفعلية. (الثاني) ان كل كلام صادر من المتكلم بإرادته و اختياره مسبوق بتصوره في أفق النّفس على الشكل الصادر منه، و لا سيما إذا كان للمتكلم عناية خاصة به، كما إذا كان في مقام إلقاء خطابه، أو شعر، أو نحو ذلك، و هذا المرتب الموجود في أفق النّفس هو الكلام النفسيّ، و قد دل عليه الكلام اللفظي، و إلى ذلك أشار قول الشاعر، ان الكلام لفي الفؤاد و انما جعل اللسان على الفؤاد دليلا».

و يردّه: أولاً أن هذه الدلالة ليست دلالة لفظية، و انما هي دلالة عقلية كدلالة وجود المعلول على وجود علته، و من هنا لا تختص بخصوص الألفاظ، بل تعم كافة الأفعال الاختيارية.

و بكلمة أخرى بعد ما ذكرنا- في بحث الحروف ان الألفاظ لم توضع للموجودات الخارجية، و لا للموجودات الذهنية- فلا يعقل ان تكون تلك الصورة معنى لها، لتكون دلالتها عليها دلالة وضعية، بل هي من ناحية ان صدور الألفاظ عن لافظها حيث كان بالاختيار و الإرادة فبطبيعة الحال تدل على تصورها في أفق النّفس دلالة المعلول على علته، بقانون ان كل فعل صادر عن الإنسان بالاختيار لا بد ان يكون مسبوقاً بالتصور و الالتفات، و إلا فلا يكون اختيارياً، و على هذا فكل فعل اختياري ينقسم إلى نوعين: (الأول) الفعل النفسيّ (الثاني) الفعل الخارجي فلا يختص ذلك بالكلام فحسب و لا أظن أن الأشاعرة يلتزمون بذلك. و ثانياً- ان تلك‏

28

الصورة نوع من العلم، و قد عرفت ان الأشاعرة قد اعترفت بان الكلام النفسيّ صفة أخرى، في مقابل صفة العلم.

(الثالث) لا ريب في ان اللَّه تعالى متكلم، و قد دلت على ذلك عدة من الآيات، و لازم ذلك قيام المبدأ على ذاته قياماً وصفياً، لا قيام الفعل بالفاعل، و إلا لم يصح إطلاق المتكلم عليه، و من هنا لا يصح إطلاق النائم و القائم، و المتحرك، و الساكن، و الذائق، و ما شاكل ذلك عليه تعالى مع ان مبادئ هذه الأوصاف قائمة بذاته قيام الفعل بالفاعل.

و ان شئت قلت: إن هذه الهيئات و ما شاكلها لا تصدق على من قام عليه المبدأ قيام الفعل بالفاعل، و إنما تصدق على من قام عليه المبدأ قيام الصفة بالموصوف. هذا من جهة. و من جهة أخرى أن الّذي دعا الأشاعرة إلى الالتزام بالكلام النفسيّ هو تصحيح متكلميته تعالى في مقابل بقية صفاته، فان الكلام اللفظي حيث انه حادث لا يعقل قيامه بذاته تعالى قيام الصفة بالموصوف. لاستحالة كون ذاته تعالى محلاً للحوادث.

فالنتيجة على ضوئهما هي أن كلامه تعالى نفسي، لا لفظي.

و لنأخذ بالمناقشة في هذا الدليل نقضاً و حلاً.

اما الأول: فلا ريب في أن اللَّه تعالى متكلم بكلام لفظي و قد دلت على ذلك عدة من الآيات و الروايات منها قوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) فان قوله كن فيكون كلامه تعالى. و من هنا لا نظن أن الأشاعرة ينكرون ذلك، بل قد تقدم أنهم معترفون به.

و عليه فما هو المبرر لهم في إطلاق المتكلم بالكلام اللفظي عليه تعالى هو المبرر لنا.

و اما الثاني: فلان المتكلم ليس مشتقاً اصطلاحياً. لفرض عدم المبدأ له، بل هو نظير هيئة اللابن، و التامر، و المتقمص، و المتنعل، و البقال‏

29

و ما شاكل ذلك، فان المبدأ فيها من أسماء الأعيان، و الذوات، و هو اللبن، و التمر، و القميص، و النعل، و البقل، و لكن باعتبار اتخاذ الشخص هذه الأمور حرفة و شغلا و لازماً له صارت مربوطة به، و لأجل هذا الارتباط صح إطلاق هذه الهيئات عليه. نعم أنها مشتقات جعلية باعتبار جعلية مبادئها و مصادرها. و السبب في ذلك أن الكلم ليس مصدراً للمتكلم، لفرض أن معناه الجرح لا الكلام، و كلم ليس فعلاً ثلاثياً مجرداً له، ليزاد عليه حرف فيصبح مزيداً فيه. و عليه فبطبيعة الحال يكون التكلم مصدراً جعلياً، و الكلام اسم مصدر كذلك. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى أن المبدأ الجعلي للمتكلم في هذا الحال لا يخلو من أحد امرين: إما التكلم أو الكلام، و لا ثالث لهما.

أما على الأول فلا يرد عليه النقض بعدم صدق النائم، و القائم، و المتحرك، و ما شابه ذلك عليه تعالى، مع أنه موجد لمبادئها، و ذلك لأن التكلم من قبيل الأفعال دون الأوصاف. و المبادئ في الهيئات المذكورة من قبيل الأوصاف دون الأفعال، و لأجل الاختلاف في هذه النقطة تمتاز هيئة المتكلم عن هذه الهيئات، حيث انها لا تصدق إلا على من تقوم به مبادئها قيام الصفة بالموصوف، و الحال بالمحل، و من ثمة لا تصدق عليه تعالى، و هذا بخلاف هيئة المتكلم، فانها تصدق على من يقوم به التكلم قيام الفعل بالفاعل، و لا يعتبر في صدقها الاتصاف و الحلول، و لذلك صح إطلاقها عليه تعالى من دون محذور.

و أما على الثاني: فالامر أيضا كذلك. و الوجه فيه أن الكلام عبارة عن الكيف المسموع الحاصل من تموج الهواء، و اصطكاكه، و من الطبيعي أن المتكيف بالكلام و المتصف به انما هو الهواء، دون غيره، فلا يعقل قيامه بغيره قيام الصفة بالموصوف، و الحال بالمحل، و لا فرق في ذلك بين‏

30

ذاته تعالى و غيره، و نتيجة ذلك ان إطلاق المتكلم عليه تعالى، كإطلاقه على غيره باعتبار إيجاده الكلام، بل الأمر كذلك في بعض المشتقات المصطلحة أيضا، كالقابض، و الباسط، و ما شاكلهما، فان صدقه عليه تعالى بملاك أنه موجد للقبض، و البسط و نحوهما، لا بملاك قيامها به قيام وصف، أو حلول. و أما عدم صحة إطلاق النائم، و القائم، و الساكن، و ما شاكل ذلك عليه تعالى، مع أنه موجد لمبادئها فيمكن تبريره بأحد وجهين:

(الأول) أن ذلك ليس امراً قياسياً، بحيث إذا صح الإطلاق بهذا الاعتبار في مورد صح إطلاقه في غيره من الموارد أيضا بذلك الاعتبار و ليس لذلك ضابط كلي، بل هو تابع للاستعمال و الإطلاق، و هو يختلف باختلاف الموارد، فيصح في بعض الموارد، دون بعض كما عرفت.

و دعوى أن هيئة الفاعل موضوعة لإفادة قيام المبدأ بالذات قيام حلول خاطئة جداً، و ذلك لما ذكرناه في بحث المشتق من ان الهيئة موضوعة للدلالة على قيام المبدأ بالذات بنحو من أنحاء القيام، و اما خصوصية كون القيام بنحو الحلول، أو الإيجاد، أو الوقوع، أو غير ذلك فهي خارجة عن مفاد الهيئة.

و قد تحصل من ذلك أنه ليس لما ذكرناه ضابط كلي، بل يختلف باختلاف الموارد. و من هنا لا يصح إطلاق المشتق في بعض الموارد على من يقوم به المبدأ قيام حلول. كإطلاق المتكلم على الهواء فانه لا يصح، و كذا إطلاق الضارب على من وقع عليه الضرب، و هكذا. مع ان قيام المبدأ فيها قيام الحال بالمحل.

(الثاني) يمكن أن يكون منشأ ذلك اختلاف نوعي الفعل: أعني المتعدي، و اللازم.

31

بيان ذلك: ان الفعل إذا كان متعدياً كفى في اتصاف فاعله به قيامه به قيام صدور و إيجاد، و أما الزائد على هذا فغير معتبر فيه، و ذلك كالقابض و الباسط، و الخالق، و الرازق، و المتكلم، و الضارب، و ما شاكلها، و أما إذا كان لازماً فلا يكفي في اتصافه به صدوره منه، بل لا بد في ذلك من قيام المبدأ به، قيام الصفة بالموصوف، و الحال بالمحل، و ذلك كالعالم و النائم، و القائم، و ما شاكله.

و على ضوء هذا الضابط يظهر وجه عدم صحة إطلاق النائم، و القائم عليه تعالى، كما يظهر وجه صحة إطلاق- العالم، و الخالق، و القابض.

و الباسط، و المتكلم، و ما شابه ذلك- عليه سبحانه و تعالى هذا من ناحية و من ناحية أخرى يظهر وجه عدم صحة إطلاق المتكلم على الهواء، و إطلاق الضارب على من وقع عليه الضرب، و هكذا.

(الرابع) ان الكلام كما يصح إطلاقه على الكلام اللفظي الموجود في الخارج، كذلك يصح إطلاقه على الكلام النفسيّ الموجود في الذهن، من دون لحاظ عناية في البين. و من هنا يصح ان يقول القائل: إن في نفسي كلاماً لا أريد أن أبديه. و شهد على ذلك قوله تعالى: (و أسروا قولكم أو جهروا به إنه عليم بذات الصدور) و قوله تعالى (و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللَّه) و نحوهما مما يدلنا على ذلك، و هذا الموجود المرتب في النّفس هو الكلام النفسيّ، و يدل عليه الكلام اللفظي.

و جوابه يظهر مما ذكرناه آنفاً من أن هذا الموجود المرتب في النّفس ليس من سنخ الكلام ليكون كلاماً نفسياً عند القائلين به، بل هو صورة للكلام اللفظي. و من هنا قلنا ان ذلك لا يختص بالكلام، بل يعم كافة أنواع الأفعال الاختيارية.

و بكلمة واضحة ان أرادوا به أن يكون لكل فعل فردان: فرد

32

خارجي، و فرد ذهني، و منه الكلام فهو غير معقول، و ذلك لأن قيام الأشياء بالنفس إنما هو بصورها- قياماً علمياً- لا بواقعها الموضوعي، و إلا لتداخلت المقولات بعضها في بعض، و هو مستحيل. نعم الكيفيات النفسانيّة كالعلم، و الإرادة، و نحوهما قائمة بها بأنفسها، و بواقعها الموضوعي و إلا لذهب إلى ما لا نهاية له. و عليه فلا يكون ما هو الموجود في النّفس كلاماً حقيقة، بل هو صورة و وجود علمي له. و إن أرادوا به صورة الكلام اللفظي فقد عرفت أنها من مقولة العلم، و ليست بكلام نفسي في شي‏ء، على انك عرفت أن الكلام النفسيّ عندهم مدلول للكلام اللفظي و تلك الصورة ليست مدلولة له، كما تقدم.

و من هنا يظهر أن إطلاق الكلام على هذا المرتب الموجود في النّفس مجاز، إما بعلاقة الأول، أو بعلاقة المشابهة في الصورة.

و أما الآيتان الكريمتان فلا تدلان بوجه على أن هذا الموجود في النّفس كلام نفسي. أما الآية الأولى فيحتمل أن يكون المراد فيها من القول السر هو القول الموجود في النّفس، فالآية تكون عندئذٍ في مقام بيان أن اللَّه تعالى عالم به سواء أ أظهروه في الخارج أم لم يظهروه، و إطلاق القول عليه بكون بالعناية، و يحتمل أن يكون المراد منه القول السّري، و هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، فاذن الآية أجنبية عن الدلالة على الكلام النفسيّ بالكلية و اما الآية الثانية فيحتمل أن يكون المراد مما في الأنفس صورة الكلام، و يحتمل أن يكون المراد منه نية السوء و هذا الاحتمال هو الظاهر منها، و كيف كان فلا صلة للآية بالكلام النفسيّ أصلاً.

نتائج البحث لحد الآن عدة نقاط:

(الأولى) أن ما ذكر من المعاني المتعددة لمادة الأمر لا واقع موضوعي له و قد عرفت أنها موضوعة لمعنيين: إبراز الأمر الاعتبار النفسانيّ في الخارج‏

33

و حصة خاصة من الشي‏ء. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى أن ما ذكره شيخنا الأستاذ (قده) من أن الأهمية في الجملة مأخوذة في معنى الأمر لا أصل له. و من هنا قلنا بصحة توصيف الأمر بما لا أهمية له بدون عناية كما أنه لا أصل لجعل معناه واحداً، لما ذكرناه من ان اختلافه في الجمع شاهد على تعدد معناه. و من ناحية ثالثة أن ما أفاده شيخنا المحقق (قده) من أنه موضوع للمعنى الجامع بينهما خاطئ جداً، لما سبق من ان الجامع الذاتي بينهما غير معقول.

(الثانية) لا ثمرة للبحث عن أن معنى الأمر واحد أو متعدد.

(الثالثة) لا يمكن أن يكون القول المخصوص (هيئة افعل) معنى الأمر لعدم إمكان الاشتقاق منه باعتبار هذا المعنى و ما ذكره شيخنا المحقق (قده) في تصحيح ذلك قد عرفت فساده.

(الرابعة) ان العلو معتبر في معنى الأمر، و لا يكفي الاستعلاء.

(الخامسة) ان الوجوب ليس مفاد الأمر لا وضعاً، و لا إطلاقاً، بل هو بحكم العقل، فينتزعه عند عدم نصب قرينة على الترخيص.

(السادسة) ان الطلب مغاير للإرادة مفهوماً و واقعاً، حيث ان الطلب فعل اختياري للإنسان، و الإرادة من الصفات النفسانيّة الخارجة عن الاختيار و من ثمة ذكرنا أنه لا وجه لما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من اتحاده مع الإرادة مفهوماً و خارجاً.

(السابعة) أنه لا واقع موضوعي للكلام النفسيّ أصلا، و لا يخرج عن مجرد الفرض و الخيال.

(الثامنة) ان ما ذكره الأشاعرة من الأدلة لإثبات الكلام النفسيّ قد عرفت فسادها جميعا.

34

(2) نظرية الفلاسفة إرادته تعالى ذاتية، و نقدها

المعروف و المشهور بين الفلاسفة قديماً و حديثاً هو أن إرادته تعالى من الصفات العليا الذاتيّة كصفة العلم، و القدرة. و الحياة. و مال إلى ذلك جماعة من الأصوليين منهم المحقق صاحب الكفاية و شيخنا المحقق- قدهما- قال في الكفاية: ان إرادته التكوينية هو العلم بالنظام الكامل التام. و لكن أورد عليه شيخنا المحقق (قده) بان هذا التفسير غير صحيح. و قد أفاد في وجه ذلك بما إليك نصه:

«لا ريب في ان مفاهيم صفاته تعالى الذاتيّة متخالفة، لا متوافقة مترادفة، و ان كان مطابقها في الخارج واحداً بالذات، و من جميع الجهات مثلا مفهوم العلم غير مفهوم الذات. و مفهوم بقية الصفات، و ان كان مطابق الجميع ذاته بذاته، لا شي‏ء آخر منضماً إلى ذاته، فانه تعالى صرف الوجود، و صرف القدرة، و صرف العلم، و صرف الحياة، و صرف الإرادة و لذا قالوا وجود كله، و قدرة كله، و علم كله، و إرادة كله، مع أن مفهوم الإرادة مغاير لمفهوم العلم، و مفهوم الذات، و سائر الصفات، و ليس مفهوم الإرادة العلم بالنظام الأصلح الكامل التام كما فسرها بذلك المحقق صاحب الكفاية (قده) ضرورة أن رجوع صفة ذاتية إلى ذاته تعالى و تقدس و إلى صفة أخرى كذلك انما هو في المصداق، لا في المفهوم، لما عرفت من ان مفهوم كل واحد منها غير مفهوم الآخر. و من هنا قال الأكابر من الفلاسفة أن مفهوم الإرادة هو الابتهاج، و الرضا، أو ما يقاربهما معنى، لا العلم بالصلاح و النظام، و يعبر عنه بالشوق الأكيد فينا، و السّر في التعبير عن الإرادة فينا بالشوق المؤكد، و بصرف الابتهاج و الرضا

35

فيه تعالى، هو انا لمكان إمكاننا ناقصون في الفاعلية، و فاعليتنا لكل شي‏ء بالقوة، فلذا نحتاج في الخروج من القوة إلى الفعل إلى مقدمات زائدة على ذواتنا من تصور الفعل، و التصديق بفائدته، و الشوق الأكيد، فيكون الجميع محركاً للقوة الفاعلة المحركة للعضلات، و هذا بخلاف الواجب تعالى فانه لتقدسه عن شوائب الإمكان، و جهات القوة و النقصان فاعل بنفس ذاته العليمة المريدة، و حيث انه صرف الوجود، و صرف الخير مبتهج بذاته أتم الابتهاج، و ذاته مرضي لذاته أتم الرضا، و ينبعث من هذا الابتهاج الذاتي- و هو الإرادة الذاتيّة- ابتهاج في مرحلة الفعل، فان من أحب شيئاً أحب آثاره، و هذه المحبة الفعلية هي الإرادة في مرحلة الفعل، و هي التي وردت الاخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بحدوثها».

يحتوي ما أفاده (قده) على عدة نقاط:

(الأولى) ان مفهوم الإرادة غير مفهوم العلم، فان مفهوم الإرادة الابتهاج و الرضا، و مفهوم العلم الانكشاف، فلا يصح تفسير أحدهما بالآخر، و إن كان مطابقهما واحداً، و هو ذاته تعالى.

(الثانية) ان إرادته تعالى من الصفات الذاتيّة العليا كالعلم، و القدرة و ما شاكلها، و ليست من الصفات الفعلية.

(الثالثة) ان الإرادة فينا عبارة عن الشوق الأكيد المحرك للقوة العاملة المحركة للعضلات نحو المراد، و تحققها و وجودها في النّفس يتوقف على مقدمات كالتصور، و التصديق بالفائدة، و نحوهما، و من الواضح ان الإرادة بهذا المعنى لا تتصور في حقه سبحانه و تعالى، فان فاعليته تامة، لا نقصان فيها أبداً، و أنه فاعل بنفس ذاته العليمة المريدة، و لا تتوقف فاعليته على آية مقدمة خارجة عن ذاته تعالى.

(الرابعة) ان الابتهاج في مرحلة الفعل هو الإرادة الفعلية المنبعث‏

36

عن الابتهاج الذاتي الّذي هو الإرادة الذاتيّة، و الروايات الدالة على حدوث الإرادة انما يراد بها الإرادة الفعلية التي هي من آثار إرادته الذاتيّة. و لنأخذ بالنظر في هذه النقاط:

اما النقطة الأولى: فهي تامة من ناحية. و هي أن مفهوم الإرادة غير مفهوم العلم، و خاطئة من ناحية أخرى، و هي ان مفهوم الإرادة الابتهاج و الرضا.

اما تماميتها من الناحية الأولى، فلما ذكرناه في بحث المشتق من ان مفاهيم الصفات العليا الذاتيّة مختلفة و متباينة، فان مفهوم العلم غير مفهوم القدرة، و هكذا، و لا فرق في ذلك بين الواجب و الممكن. نعم يفترق الواجب عن الممكن في نقطة أخرى، و هي ان مطابق هذه الصفات في الواجب واحد عيناً و ذاتاً وجهة. و في الممكن متعدد كذلك.

و اما عدم تماميتها من الناحية الثانية فلان من الواضح ان مفهوم الإرادة ليس هو الابتهاج و الرضا، لا لغة، و لا عرفاً، و انما ذلك اصطلاح خاص من الفلاسفة، حيث أنهم فسروا الإرادة الأزلية بهذا التفسير. و لعل السبب فيه التزامهم بعدة عوامل تالية: (الأول) ان إرادته تعالى عين ذاته خارجاً و عيناً (الثاني) انها ليست بمعنى الشوق الأكيد المحرك للعضلات، كما عرفت (الثالث) انها مغايرة للعلم، و القدرة و الحياة، و ما شاكلها من الصفات العليا بحسب المفهوم (الرابع) أنه لم يوجد معنى مناسباً للإرادة غير المعنى المذكور، و بطبيعة الحال ان النتيجة على ضوء هذه العوامل هي ما عرفت.

و لكن هذا التفسير خاطئ جداً، و ذلك: لأن الإرادة لا تخلو من ان تكون بمعنى إعمال القدرة، أو بمعنى الشوق الأكيد، و لا ثالث لهما و حيث ان الإرادة بالمعنى الثاني لا تعقل لذاته تعالى تتعين الإرادة بالمعنى‏

37

الأول له سبحانه و هو المشيئة و إعمال القدرة.

و أضف إلى ذلك ان الرضا من الصفات الفعلية كسخطه تعالى، و ليس من الصفات الذاتيّة كالعلم، و القدرة، و نحوهما، و ذلك لصحة سلبه عن ذاته تعالى، فلو كان من الصفات العليا لم يصح السلب أبداً.

على انا لو فرضنا ان الرضا من الصفات الذاتيّة فما هو الدليل على ان إرادته أيضا كذلك، بعد ما عرفت من ان صفة الإرادة غير صفة الرضا، و كيف كان فما أفاده (قده) لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

و اما النقطة الثانية (إرادته تعالى صفة ذاتية له) فهي خاطئة جداً.

و السبب في ذلك: أولاً ما تقدم من أن الإرادة بمعنى الشوق المؤكد لا تعقل في ذاته تعالى. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى قد سبق ان تفسير الإرادة بصفة الرضا و الابتهاج تفسير خاطئ لا واقع له. و من ناحية ثالثة انا لا نتصور لإرادته تعالى معنى غير إعمال القدرة و السلطنة. و ثانياً قد دلت الروايات الكثيرة على ان إرادته تعالى فعله، كما نصّ به قوله:

سبحانه «إذا أراد شيئاً ان يقول له كن فيكون» و ليس في شي‏ء من هذه الروايات إيماء فضلاً عن الدلالة على ان له تعالى إرادة ذاتية أيضا بل فيها ما يدل على نفي كون إرادته سبحانه ذاتية كصحيحة عاصم بن حميد عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: قلت «لم يزل اللَّه مريداً قال ان المريد لا يكون إلا المراد معه لم يزل اللَّه عالماً قادراً ثم أراد» (1) و رواية الجعفري قال قال الرضا (عليه السلام): «المشيئة من صفات الأفعال فمن زعم ان اللَّه لم يزل مريداً شائياً فليس بموحد» فهاتان الروايتان تنصان على نفي الإرادة الذاتيّة عنه سبحانه.

ثم ان سلطنته تعالى حيث كانت تامة من كافة الجهات و النواحي و لا

____________

(1) أصول الكافي ج (1) باب الإرادة انها من صفات الفعل.

38

يتصور النقص فيها أبداً فبطبيعة الحال يتحقق الفعل في الخارج و يوجد بصرف إعمالها من دون توقفه على أية مقدمة أخرى خارجة عن ذاته تعالى كما هو مقتضى قوله سبحانه «إذا أراد شيئاً ان يقول له كن فيكون».

و قد عبّر عن هذا المعنى في الروايات تارة بالمشيئة، و تارة أخرى بالإحداث و الفعل. اما الأول كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: «المشيئة محدثة». و صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال:

«خلق اللَّه المشيئة بنفسها، ثم خلق الأشياء بالمشيئة» (1) و من الطبيعي ان المراد بالمشيئة هو إعمال القدرة و السلطنة، حيث انها مخلوقة بنفسها، لا باعمال قدرة أخرى، و إلا لذهب إلى ما لا نهاية له.

و اما الثاني كما في صحيحة صفوان بن يحيى قال (عليه السلام): «الإرادة من الخلق الضمير، و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، و اما من اللَّه تعالى، فإرادته إحداثه، لا غير ذلك، لأنه لا يروي، و لا يهم، و لا يتفكر، و هذه الصفات منفية عنه، و هي صفات الخلق، فإرادة اللَّه الفعل لا غير ذلك، يقول له كن فيكون، بلا لفظ، و لا نطق بلسان، و لا همة، و لا تفكر، و لا كيف، كما أنه لا كيف له» فهذه الصحيحة تنص على ان إرادته تعالى هي امره التكويني.

و اما النقطة الثالثة فهي تامة، لوضوح ان إرادتنا هي الشوق المؤكد الداعي إلى إعمال القدرة و السلطنة نحو إيجاد المراد، و سنبين إن شاء اللَّه تعالى ان ملاك كون الأفعال في إطار الاختيار هو صدورها باعمال القدرة و المشيئة لا كونها مسبوقة بالإرادة، بداهة ان الإرادة بكافة مقدماتها غير اختيارية فلا يعقل ان تكون ملاكاً لاختياريتها، على انا نرى وجداناً و بشكل قاطع ان الإرادة ليست علة تامة للافعال، و سيأتي توضيح هذه النقاط بصورة

____________

(1) أصول الكافي باب الإرادة انها من صفات الفعل.

39

مفصلة إن شاء اللَّه تعالى.

و اما النقطة الرابعة فيرد عليها ان الروايات قد دلت على ان إرادته تعالى ليست كعلمه و قدرته، و نحوهما من الصفات الذاتيّة العليا، بل هي فعله و إعمال قدرته كما عرفت. و ان شئتم قلتم لو كانت للَّه تعالى إرادتان: ذاتية و فعلية لأشارت الروايات بذلك لا محالة، مع انها تشير إلى خلاف ذلك.

ثم ان قوله (عليه السلام) في الصحيحة المتقدمة ان المريد لا يكون إلا المراد معه إشارة إلى ان الإرادة الإلهية لو كانت ذاتية لزم قدم العالم، و هو باطل و يؤيد هذا رواية الجعفري عن الرضا (عليه السلام) «فمن زعم ان اللَّه لم يزل مريداً شائياً فليس بموحد» فانه صريح في ان إرادته ليست عين ذاته كالعلم، و القدرة، و الحياة.

لحد الآن قد ظهر امران:

(الأول) انه لا مقتضى لما التزم به الفلاسفة و جماعة من الأصوليين منهم صاحب الكفاية و شيخنا المحقق (قدس سرهما) من كون إرادته تعالى صفة ذاتية له، بل قد تقدم عدم تعقل معنى محصل لذلك.

(الثاني) ان محاولتهم لحمل الروايات الواردة في هذا الموضوع على إرادته الفعلية، دون الذاتيّة خاطئة و لا واقع موضوعي لها، فانها في مقام بيان انحصار إرادته تعالى بها.

و لشيخنا المحقق الأصفهاني (قده) في المقام كلام، و حاصله: ان مشيئته تعالى على قسمين: مشيئة ذاتية، و هي عين ذاته المقدسة، كيفية صفاته الذاتيّة، فهو تعالى صرف المشيئة، و صرف القدرة، و صرف العلم، و صرف الوجود، و هكذا، فالمشيئة الواجبة عين الواجب تعالى. و مشيئة فعلية، و هي عين الوجود الإطلاقي المنبسط على الماهيات، و المراد من المشيئة الواردة في الروايات من انه تعالى خلق الأشياء بالمشيئة، و المشيئة بنفسها

40

هو المشيئة الفعلية التي هي عين الوجود المنبسط، و الوجود الإطلاقي، و المراد من الأشياء هو الموجودات المحدودة الخاصة، فموجودية هذه الأشياء بالوجود المنبسط، و موجودية الوجود المنبسط بنفسها، لا بوجود آخر، و هذا معنى قوله (عليه السلام) خلق اللَّه الأشياء بالمشيئة أي بالوجود المنبسط الّذي هو فعله الإطلاقي، و خلق المشيئة بنفسها، ضرورة انه ليس للوجود المنبسط ما به الوجود.

و لا يخفى انه (قده) قد تبع في ذلك نظرية الفلاسفة القائلة بتوحيد الفعل، و بطبيعة الحال ان هذه النظرية ترتكز على ضوء علية ذاته الأزلية للأشياء، و على هذا الضوء فلا محالة يكون الصادر الأول منه تعالى واحداً ذاتاً و وجوداً. لاقتضاء قانون السنخية و التناسب (بين العلة و المعلول) ذلك و هذا الصادر الواحد هو الوجود الإطلاقي المعبر عنه بالوجود المنبسط تارة و بالمشيئة الفعلية تارة أخرى، و هو الموجود بنفسه لا بوجود آخر يعنى انه لا واسطة بينه و بين وجوده الأزلي فهو معلوله الأول، و الأشياء معلوله بواسطته، و هذا المعنى هو مدلول صحيحة عمر بن أذينة المتقدمة.

و لنأخذ بالنقد عليه من وجهين:

(الأول) ان القول بالوجود المنبسط في إطاره الفلسفي يرتكز على نقطة واحدة و هي ان نسبة الأشياء بشتى أنواعها و اشكالها إلى ذاته تعالى نسبة المعلول إلى العلة التامة و يترتب على هذا امران: (الأول) التجانس و التسانخ بين ذاته تعالى و بين معلوله (الثاني) التعاصر بينهما، و عليه حيث انه لا تجانس بين موجودات عالم المادة بكافة أنواعها و بين ذاته تعالى فلا بد من الالتزام بالنظام الجملي السلسلي، و هو عبارة عن ترتب مسببات على أسباب متسلسلة، فالأسباب و المسببات جميعاً منتهيتان في نظامهما الخاصّ و إطارهما المعين بحسب الطولية و العرضية معاً إلى مبدأ واحد، و هو الحق سبحانه، و هو مبدأ الكل، فالكل ينال منه، و هو مسبب الأسباب على‏

41

الإطلاق. و نتيجة هذا ان الصادر الأول من اللَّه تعالى لا بد ان يكون مسانخاً لذاته و معاصراً معها، و إلا استحال صدوره منه. و من الطبيعي ان ذلك لا يكون إلا الوجود المنبسط في إطاره الخاصّ.

و غير خفي انه لا شبهة في بطلان النقطة المذكورة و انه لا واقع موضوعي لها أصلا. و السبب في ذلك واضح و هو ان سلطنته تعالى و ان كانت تامة من كافة الجهات و لا يتصور النقص فيها أبداً، إلا ان مردّ هذا ليس إلى وجوب صدور الفعل منه و استحالة انفكاكه عنه، كوجوب صدور المعلول عن العلة التامة، بل مردّه إلى ان الأشياء بكافة اشكالها و أنواعها تحت قدرته و سلطنته التامة، و انه تعالى متى شاء إيجاد شي‏ء أوجده بلا توقف على اية مقدمة خارجة عن ذاته و إعمال قدرته حتى يحتاج في إيجاده إلى تهيئة تلك المقدمة، و هذا معنى السلطنة المطلقة التي لا يشذ شي‏ء عن إطارها.

و من البديهي ان وجوب وجوده تعالى، و وجوب قدرته، و انه تعالى وجود كله، و وجوب كله، و قدرة كله لا يستدعي ضرورة صدور الفعل منه في الخارج، و ذلك لأن الضرورة ترتكز على ان يكون اسناد الفعل إليه تعالى كإسناد المعلول إلى العلة التامة، لا اسناد الفعل إلى الفاعل المختار فلنا دعويان: (الأولى) ان اسناد الفعل إليه ليس كإسناد المعلول إلى العلة التامة (الثانية) ان اسناده إليه كإسناد الفعل إلى الفاعل المختار.

اما الدعوى الأولى فهي خاطئة عقلاً و نقلاً.

اما الأول: فلان القول بذلك يستلزم في واقعه الموضوعي نفي القدرة و السلطنة عنه تعالى، فان مردّ هذا القول إلى ان الوجودات بكافة مراتبها الطولية و العرضية موجودة في وجوده تعالى بنحو أعلى و أتم، و تتولد منه على سلسلتها الطولية تولد المعلول عن علته التامة، فان المعلول من مراتب وجود العلة النازلة، و ليس شيئاً أجنبياً عنه- مثلا- الحرارة من مراتب‏

42

وجود النار و تتولد منها، و ليست أجنبية عنها، و هكذا. و على هذا الضوء فمعنى علية ذاته تعالى للأشياء ضرورة تولدها منها و تعاصرها معها، كضرورة تولد الحرارة من النار و تعاصرها معها، و يستحيل انفكاكها عنها غاية الأمر ان النار علة طبيعية غير شاعرة، و من الواضح ان الشعور و الالتفات لا يوجبان تفاوتاً في واقع العلية و حقيقتها الموضوعية، فإذا كانت الأشياء متولدةً من وجوده تعالى بنحو الحتم و الوجوب، و تكون من مراتب وجوده تعالى النازلة بحيث يمتنع انفكاكها عنه، فاذن ما هو معنى قدرته تعالى و سلطنته التامة. على ان لازم هذا القول انتفاء وجوده تعالى بانتفاء شي‏ء من هذه الأشياء في سلسلته الطولية، لاستحالة انتفاء المعلول بدون انتفاء علته.

و اما الثاني فقد تقدم ما يدل من الكتاب و السنة على ان صدور الفعل منه تعالى بإرادته و مشيئته.

و من هنا يظهر ان ما ذكر من الضابط للفعل الاختياري و هو ان يكون صدوره من الفاعل عن علم و شعور، و حيث انه تعالى عالم بالنظام الأصلح فالصادر منه فعل اختياري لا يرجع إلى معنى محصل، بداهة ان علم العلة بالمعلول و شعورها به لا يوجب تفاوتاً في واقع العلية و تأثيرها، فان العلة سواء أ كانت شاعرة أم كانت غير شاعرة فتأثيرها في معلولها بنحو الحتم و الوجوب، و مجرد الشعور و العلم بذلك لا يوجب التغيير في تأثيرها و الأمر بيدها، و إلا لزم الخلف. فما قيل من ان الفرق بين الفاعل الموجب و الفاعل المختار هو ان الأول غير شاعر و ملتفت إلى فعله دون الثاني، فلأجل ذلك قالوا ان ما صدر من الأول غير اختياري و ما صدر من الثاني اختياري لا واقع موضوعي له أصلا، لما عرفت من ان مجرد العلم و الالتفات لا يوجبان التغيير في واقع العلية بعد فرض ان نسبة الفعل إلى كليهما على حد نسبة

43

المعلول إلى العلة التامة.

و اما الدعوى الثانية فقد ظهر وجهها مما عرفت من ان إسناد الفعل إليه تعالى اسناد إلى الفاعل المختار، و قد تقدم ان صدوره باعمال القدرة و السلطنة، و بطبيعة الحال ان سلطنة الفاعل مهما تمت و كملت زاد استقلاله و استغناؤه عن الغير، و حيث ان سلطنة الباري عز و جل تامة من كافة الجهات و الحيثيات، و لا يتصور فيها النقص أبداً، فهو سلطان مطلق، و فاعل ما يشاء، و هذا بخلاف سلطنة العبد، حيث انها ناقصة بالذات فيستمدها في كل آن من الغير، فهو من هذه الناحية مضطر فلا اختيار و لا سلطنة له، و ان كان له اختيار و سلطنة من ناحية أخرى، و هي ناحية إعمال قدرته و سلطنته. و اما سلطنته تعالى فهي تامة و بالذات من كلتا الناحيتين لحد الآن قد تبين ان القول بالوجود المنبسط بإطارة الفلسفي الخاصّ و بواقعه الموضوعي يستلزم الجبر في فعله تعالى، و نفي القدرة و السلطنة عنه أعاذنا اللَّه من ذلك.

(الثاني) ان ما أفاده (قده) من المعنى للحديث المذكور خلاف الظاهر جداً، فان الظاهر منه بقرينة تعلق الخلق بكل من المشيئة و الأشياء تعدد المخلوق، غاية الأمر ان أحدهما مخلوق له تعالى بنفسه و هو المشيئة و الآخر مخلوق له بواسطتها.

و ان شئت قلت ان تعدد الخلق بطبيعة الحال يستلزم تعدد المخلوق، و المفروض انه لا تعدد على المعنى الّذي ذكره (قده) تبعاً لبعض الفلاسفة فان المخلوق على ضوء هذا المعني هو الوجود المنبسط فحسب دون غيره من الأشياء، لأن موجوديتها بنفس الوجود المنبسط لا بإيجاد آخر مع ان ظاهر الرواية بقرينة تعدد الخلق ان موجوديتها بإيجاد آخر.

و قد تحصل من ذلك ان ما أفاده (قده) لا يمكن الالتزام به ثبوتاً و لا إثباتاً.

44

(3) نظرية الأشاعرة مسألة الجبر و نقدها

استدلوا على الجبر بوجوه:

(الأول) ما إليكم نصه: «لو كان العبد موجداً لأفعاله بالاختيار و الاستقلال لوجب ان يعلم تفاصيلها و اللازم باطل، و أما الشرطية أي الملازمة فلان الأزيد و الأنقص مما أتى به ممكن، إذ كل فعل من أفعاله يمكن وقوعه منه على وجوه متفاوتة بالزيادة و النقصان، فوقوع ذلك المعين منه دونهما لأجل القصد إليه بخصوصه و الاختيار المتعلق به وحده مشروط بالعلم به كما تشهد به البداهة، فتفاصيل الأفعال الصادرة عنه باختياره لا بد أن تكون مقصودة معلومة، و أما بطلان اللازم فلان النائم و كذا الساهي قد يفعل باختياره كانقلابه من جنب إلى جنب آخر، و لا يشعر بكمية ذلك الفعل و كيفيته».

و الجواب عنه ان دخل العلم و الالتفات في صدور الفعل عن الفاعل بالاختيار أمر لا يعتريه شك و لم يختلف فيه اثنان، و بدون ذلك لا يكون اختيارياً هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان العلم المعتبر في ذلك انما هو العلم بعنوان الفعل و الالتفات إليه حين صدوره بان يعلم الإنسان ان ما يصدر منه في الخارج ينطبق عليه عنوان شرب الماء مثلا أو الصلاة أو الصوم أو الحج أو قراءة القرآن أو السفر إلى بلد أو التكلم أو ما شابه ذلك و من الواضح انه لا يعتبر في صدور هذه الأفعال بالاختيار أزيد من ذلك فإذا علم الإنسان بالصلاة بما لها من الاجزاء و الشرائط و أتى بها كذلك فقد

45

صدرت منه بالاختيار و ان كان لا يعلم حقيقة اجزائها و دخولها تحت اية مقولة من المقولات.

فالنتيجة ان ملاك صدور الفعل بالاختيار هو سبقه بالالتفات و التصور على نحو الإجمال في مقابل صدوره غفلة و سهواً.

و بعد ذلك نقول: ان أراد الأشعري من العلم بتفاصيل الأفعال العلم بكنهها و حقيقتها الموضوعية فيرده: أولا ان ذلك لا يتيسر لغير علام الغيوب فان حقائق الأشياء بكافة أنواعها و اشكالها مستورة عنا، و لا طريق لنا إليها، لأن أفكارنا لا تملك قوة إدراكها، و الوصول إلى واقعها و مغزاها و ثانياً- ان هذا العلم لا يكون ملاكا لاتصاف الفعل بالاختيار، كما عرفت، و ان أراد منه العلم بما يوجب تمييز الأفعال بعضها عن بعضها الآخر كأن يعلم بان ما يفعله خارجاً و يأتي به شرب ماء مثلا لا شرب خل، و هكذا و ان لم يعلم كنهه و حقيقته فهو صحيح، كما مر، إلا ان اللازم على هذا ليس بباطل، لفرض أن كل فاعل مختار يعلم أفعاله في إطار عناوينها الخاصة و ان أراد منه العلم بحدها التام المشهوري أو برسمها التام أو الناقص فيرد عليه: أولا- أن ذلك العلم لا يتيسر لأغلب الناس، بداهة ان العامي لا يعرف جنس الأشياء و لا فصلها و لا خواصها حتى يعرف حدها التام أو الناقص أو رسمها التام أو الناقص. و ثانياً- قد سبق ان هذا العلم لا يكون مناطاً لصدور الفعل بالاختيار.

و من هنا يظهر ان ما ذكره لبيان بطلان اللازم من ان النائم و كذا الساهي قد يفعله باختياره غريب جداً، بداهة ان ما يصدر منهما من الحركة كالتقلب من جنب إلى جنب آخر أو نحو ذلك غير اختياري، و لذا لا يستحقان عليه المدح و الذم و العقاب و الثواب. و قد تقدم ان الالتفات إلى الفعل على نحو الإجمال ركيزة أساسية لاختياريته، و بدونه لا يعقل صدوره بالاختيار.

46

(الثاني) ما إليك نصه: «ان العبد لو كان موجداً لفعله بقدرته و اختياره استقلالا فلا بد ان يتمكن من فعله و تركه، و الا لم يكن قادراً عليه مستقلا فيه، و ان يتوقف ترجيح فعله على تركه على مرجح، إذ لو لم يتوقف عليه كان صدور الفعل عنه مع جواز طرفيه و تساويهما اتفاقياً، لا اختيارياً، و يلزم أيضاً ان لا يحتاج وقوع أحد الجائزين إلى سبب، فينسد باب إثبات الصانع، و ذلك المرجح لا يكون من العبد باختياره، و الا لزم التسلسل، لأنا ننقل الكلام إلى صدور ذلك المرجح عنه و يكون الفعل عنده أي عند ذلك المرجح واجباً أي واجب الصدور عنه بحيث يمتنع تخلفه عنه و الا لم يكن الموجود أي ذلك المرجح المفروض تمام المرجح، لأنه إذا لم يجب منه الفعل حينئذ جاز ان يوجد معه الفعل تارة و يعدم أخرى، مع وجود ذلك المرجح فيهما، فتخصيص أحد الوقتين بوجوده يحتاج إلى مرجح لما عرفت، فلا يكون ما فرضناه مرجحاً تاماً، هذا خلف، و إذا كان الفعل مع المرجح الّذي ليس منه واجب الصدور عنه فيكون ذلك الفعل اضطراريا لازماً لا اختيارياً بطريق الاستقلال كما زعموه».

يتضمن هذا النص عدة نقاط:

(الأولى) ان العبد لو كان مستقلا في فعله و مختاراً فلازمه ان يكون متمكناً من تركه و فعله.

(الثانية) ان ترجيح وجود الفعل على عدمه في الخارج يتوقف على وجود مرجح، إذ لو وجد بدونه لكان اتفاقياً لا اختيارياً.

(الثالثة) ان وقوع أحد الجائزين (الوجود و العدم) في الخارج لو كان ممكناً من دون وجود مرجح و سبب لانسد باب إثبات الصانع و لا مكن وجود العالم بلا سبب و علة.

(الرابعة) ان المرجح لا يمكن ان يكون تحت اختيار العبد، و الا

47

لزم التسلسل.

(الخامسة) ان وجود الفعل واجب عند تحقق المرجح، و لنأخذ بالمناقشة في هذه النقاط.

اما النقطة الأولى فالصحيح على ما سيأتي بيانه بشكل واضح ان يقال:

ان ملاك صدور الفعل عن الإنسان بالاختيار هو ان يكون باعمال القدرة و السلطنة و يعبر عن هذا المعنى بقوله: له ان يفعل و له ان لا يفعل و لا ينافى ذلك ما سنحققه إن شاء اللَّه تعالى في المبحث الآتي و هو بحث الأمر بين الأمرين ان العبد لا يستقل في فعله تمام الاستقلال حيث ان كافة مبادئ الأفعال كالحياة و القدرة و العلم و الاختيار مفاضة من اللَّه تعالى آناً فآناً و خارجة عن اختياره بحيث لو انقطعت الإفاضة آنا ما لانتفت تلك المبادي بأسرها و على هذا الضوء فان أريد من استقلال العبد استقلاله من كافة النواحي فهو باطل، لا ما هو لازمه، فانه صحيح على تقدير ثبوته. و ان أريد منه استقلاله في فرض تحقق تلك المبادي و إفاضتها فهو صحيح، و كذا لازمه. و على كلا التقديرين فالتالي صادق.

و أما النقطة الثانية فهي خاطئة جداً، و ذلك لأنها ترتكز على ركيزة لا واقع لها، و هي استحالة ترجيح وجود الفعل على عدمه بدون وجود مرجح و السبب في ذلك ان المحال انما هو وجود الفعل في الخارج بلا سبب و فاعل، و اما صدور الفعل الاختياري عن الفاعل من دون وجود مرجح له ليس بمحال، لما عرفت من ان وجوده خارجاً يدور مدار اختياره و إعمال قدرته من دون توقفه على شي‏ء آخر كوجود المرجح أو نحوه. نعم بدونه يكون لغواً و عبثاً.

و قد تحصل من ذلك انه لا دخل لوجود المرجح في إمكان الفعل أصلاً و لا صلة لأحدهما بالآخر. على ان وجود المرجح لاختيار طبيعي الفعل كاف و ان كانت افراده‏

48

متساوية من دون ان يكون لبعضها مرجح بالإضافة إلى بعضها الآخر، و لا يلزم وجوده في كل فعل شخصي اختاره المكلف، و دعوى ان الاختيار هو المرجح في فرض التساوي ساقطة بان الاختيار لا يمكن ان يكون مرجحاً لوضوح ان المرجح ما يدعو الإنسان إلى اختيار أحد فردين متساويين أو افراد متساوية، فلا يعقل ان يكون هو المرجح، على انه لو كان مرجحاً لم يبق موضوع لما ذكر من ان ترجيح وجود الفعل على عدمه يتوقف على وجود مرجح، لفرض انه موجود و هو الاختيار، و من هنا يظهر بطلان ما ذكر من ان الفعل الصادر من دون وجود مرجح اتفاقي لا اختياري.

و أما النقطة الثالثة فقد ظهر فسادها مما أشرنا إليه في النقطة الثانية من ان المحال انما هو وجود الفعل بلا سبب و فاعل، لا وجوده بدون وجود مرجح. و قد وقع الخلط في كلامه بين هذا الأمرين، و ذلك لأن ما يوجب سد باب إثبات الصانع انما هو وجود الممكن بدونه حيث قد برهن في موطنه استحالة ترجح الممكن و وجوده من دون سبب و فاعل، لأن حاجة الممكن إليه داخلة في كمون ذاته و واقع مغزاه، لفرض انه عين الفقر و الحاجة لا ذات له الفقر و الحاجة، فلا يمكن تحققه و وجوده بدونه.

و أما وجوده بدون وجود مرجح كما هو محل الكلام فلا محذور فيه أصلا و أما النقطة الرابعة فقد عرفت ان الفعل الاختياري لا يتوقف على وجود مرجح له، و على تقدير توقفه عليه و افتراضه فلا يلزم ان يكون اختيارياً دائما، لوضوح ان المرجح قد يكون اختيارياً، و قد لا يكون اختيارياً. و على تقدير ان يكون اختيارياً فلا يلزم التسلسل، و ذلك لأن الفعل في وجوده يحتاج إلى وجود مرجح، و اما المرجح فلا يحتاج في وجوده إلى مرجح آخر، بل هو ذاتي له، فلا يحتاج إلى سبب، كما هو ظاهر.

و أما النقطة الخامسة فيظهر خطأها مما ذكرناه من انه لا دخل للمرجح‏

49

في صدور الفعل بالاختيار، فيمكن صدوره عن اختيار مع عدم وجود المرجح له أصلا، كما انه يظهر بذلك ان وجوده لا يوجب وجوب صدور الفعل و ضرورة وجوده في الخارج، و ذلك لأن الفعل الاختياري ما يصدر بالاختيار و إعمال القدرة، سواء أ كان هناك مرجح أم لم يكن، بداهة أن المرجح مهما كان نوعه لا يوجب خروج الفعل عن الاختيار، و لو كان ذلك المرجح هو الإرادة، لما سنشير إليه إن شاء اللَّه تعالى من ان الإرادة مهما بلغت ذروتها من القوة و الشدة لا توجب سلب الاختيار عن الإنسان.

(الثالث) ما إليكم لفظه: «ان فعل العبد ممكن في نفسه، و كل ممكن مقدور للَّه تعالى، لما مرّ من شمول قدرته للممكنات بأسرها، و قد مرّ مخالفة الناس من المعتزلة، و الفرق الخارجة عن الإسلام في ان كل ممكن مقدور للَّه تعالى على تفاصيل مذاهبهم و إبطالها في بحث قادرية اللَّه تعالى و لا شي‏ء مما هو مقدور للَّه بواقع بقدرة العبد، لامتناع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد» (1).

و الجواب عنه اما ما ذكره من الصغرى و الكبرى يعني ان فعل العبد ممكن، و كل ممكن مقدور للَّه تعالى و ان كان صحيحاً، ضرورة ان الممكنات بشتى أنواعها و اشكالها مقدورة له تعالى، فلا يمكن خروج شي‏ء منها عن تحت قدرته و سلطنته، إلا ان ما فرّعه على ذلك- من انه لا شي‏ء مما هو مقدور للَّه بواقع تحت قدرة العبد، لامتناع اجتماع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد- خاطئ جداً. و السبب في ذلك ما سيأتي بيانه بشكل واضح من ان افعال العباد رغم كونها مقدورة للَّه تعالى من ناحية ان مباديها بيده سبحانه مقدورة للعباد أيضا و واقعة تحت اختيارهم و سلطانهم، فلا منافاة بين الأمرين أصلاً.

____________

(1) شرح المواقف ص 515- المرصد السادس.

50

و بكلمة أخرى ان كل مقدور ليس واجب الوجود في الخارج لتقع المنافاة بينهما، بداهة انه لا مانع من كون فعل واحد مقدوراً لشخصين لعدم الملازمة بين كون شي‏ء مقدوراً لأحد و بين صدوره منه في الخارج، فالصدور يحتاج إلى امر زائد عليه و هو إعمال القدرة و المشيئة. و من ضوء هذا البيان يظهر وقوع الخلط في هذا الدليل بين كون افعال العباد مقدورة للَّه تعالى و بين وقوعها خارجا باعمال قدرته و عليه فما ذكره من الكبرى و هي استحالة اجتماع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد خاطئ جداً.

نعم لو أراد من القدرة المؤثرة إعمالها خارجاً فالكبرى المزبورة و ان كانت تامة إلا انها فاسدة من ناحية أخرى و هي ان افعال العباد لا تقع تحت مشيئة اللَّه و إعمال قدرته على ما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى، و انما تقع مباديها تحت مشيئته و إعمال قدرته لا نفسها، فاذن لا يلزم اجتماع قدرتين مؤثرتين على شي‏ء واحد.

لحد الآن قد تبين بطلان هذه الوجوه و عدم إمكان القول بشي‏ء منها.

ثم ان من الغريب ما نسب في شرح المواقف‏ (1) إلى أبي الحسن الأشعري و إليك نصه «ان افعال العباد واقعة بقدرة اللَّه تعالى وحدها، و ليس لقدرتهم تأثير فيها، بل اللَّه سبحانه أجرى عادته بان يوجد في العبد قدرة و اختيارا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما، فيكون فعل العبد مخلوقا للَّه إبداعاً و إحداثاً و مكسوباً للعبد، و المراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته و إرادته من غير ان يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له، و هذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري».

و وجه الغرابة اما أولا- فلا دليل على ثبوت هذه العادة للَّه تعالى.

و أما ثانياً- فقد قام البرهان القطعي على عدم واقع موضوعي لها أصلا،

____________

(1). 515 المرصد السادس.

51

توضيح ذلك ان الكلام من هذه الناحية تارة يقع في المعاليل الطبيعية المترتبة على عللها. و أخرى في الأفعال الاختيارية.

اما الأولى فلأنها تخضع لقوانين طبيعية و نظم خاصة التي أودعها اللَّه تعالى في كمون ذاتها و طبائعها ضمن إطار معين و هي مبدأ السنخية و التناسب. و السر في ذلك ان العلل تملك معاليلها في واقع ذواتها و كمون طبائعها بنحو الأتم و الأكمل، و ليست المعاليل موجودات أخر في قبال وجوداتها، بل هي تتولد منها و من مراتب وجودها النازلة، و عليه فبطبيعة الحال تتناسب معها مثلا معنى كون الحرارة معلولة للنار هو ان النار تملك الحرارة في صميم ذاتها و تتولد منها و تكون من مراتب وجودها، و هذا هو التفسير الصحيح لاعتبار السنخية و التناسب بينهما.

فالنتيجة ان الكائنات الطبيعية بعللها و معاليلها جميعاً خاضعة لقانون التناسب و التسانخ، و لا تتخلف عن السير على طبقه أبداً و على ضوء هذا فلا يمكن القول بان ترتب المعاليل على عللها بمجرد جريان عادة اللَّه تعالى بذلك من دون علاقة ارتباط و مناسبة بينهما رغم ان العادة لا تحصل الا بالتكرار، و عليه فما هو المبرر لصدور أول معلول عن علته مع عدم ثبوت العادة هناك، و ما هو الموجب لتأثيرها فيه و وجوده عقيب وجودها. و من الطبيعي انه ليس ذلك الا من ناحية ارتباطه معه ذاتاً و وجودا، فإذا كان المعلول الأول خاضعاً لقانون العلية، فكذلك المعلول الثاني، و هكذا بداهة عدم الفرق بينهما من هذه الناحية أبداً، و كيف يمكن ان يقال ان وجود الحرارة مثلا عقيب وجود النار في أول سلسلتهما الطولية مستند إلى مبدأ السنخية و المناسبة و خاضع له، و أما بعده فهو من جهة جريان عادة اللَّه تعالى بذلك، لا من جهة خضوعه لذلك المبدأ. فالنتيجة ان مرد هذه المقالة إلى إنكار واقع مبدأ العلية و هو لا يمكن.

52

و أما الثانية و هي الأفعال الاختيارية فقد تقدم انها تصدر بالاختيار و إعمال القدرة، فمتى شاء الفاعل إيجادها أوجدها في الخارج، و ليس الفاعل بمنزلة الآلة كما سيأتي بيانه بصورة مفصلة. على انه كيف يمكن ان يثبت العادة في أول فعل صادر عن العبد فاذن ما هو المؤثر في وجوده فلا مناص من أن يقول ان المؤثر فيه هو إعمال القدرة و السلطنة و من الطبيعي انه لا فرق بينه و بين غيره من هذه الناحية فالنتيجة ان ما نسب إلى أبي الحسن الأشعري لا يرجع إلى معنى محصل أصلا هذا تمام الكلام في هذه الوجوه و نقدها.

بقي هنا عدة وجوه أخر قد استدل بها على نظرية الأشعري أيضاً.

(الأول) المعروف و المشهور بين الفلاسفة قديماً و حديثاً ان الأفعال الاختيارية بشتى أنواعها مسبوقة بالإرادة هذا من ناحية و من ناحية أخرى انها إذا بلغت حدها التام تكون علة تامة لها، و تبعهم في ذلك جماعة من الأصوليين منهم المحقق صاحب الكفاية و شيخنا المحقق (قدس سرهما). فالنتيجة على ضوء ذلك هي وجوب صدور الفعل عند تحقق الإرادة و استحالة تخلفه عنها، بداهة استحالة تخلف المعلول عن العلة التامة. و إلى هذا أشار شيخنا المحقق (قده) بقوله: «الإرادة ما لم تبلغ حداً يستحيل تخلف المراد عنها لا يمكن وجود الفعل، لأن معناه صدور المعلول بلا علة تامة، و إذا بلغت ذلك الحد امتنع تخلفه عنها، و الا لزم تخلف المعلول عن علته التامة» و قال: صدر المتألهين «ان إرادتك ما دامت متساوية النسبة إلى وجود المراد و عدمه لم تكن صالحة لأحد ذينك الطرفين على الآخر، و اما إذا صارت حد الوجوب لزم منه وقوع الفعل» و مراده من التساوي بعض مراتب الإرادة كما صرح بصحة إطلاق الإرادة عليه، كما ان مراده من صيرورتها حدّ الوجوب بلوغها إلى حدها التام، فإذا بلغت ذلك الحد تحقق المراد في الخارج و قد صرح بذلك في غير واحد من الموارد، و كيف كان‏