محاضرات في أصول الفقه / تقريرات - ج3

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
356 /
3

-

4

الجزء الثالث‏

تتمة بحث الأوامر

5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

مسألة الضد

هل الأمر بالشي‏ء يقتضى النهي عن ضده؟! يقع الكلام في هذه المسألة من جهات:

الأولى- قد تقدم منا في بحث مقدمة الواجب ان البحث عن ثبوت الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته لا يختص بما إذا كان الوجوب مدلولا لفظياً، فان ملاك البحث يعم مطلق الوجوب سواء أ كان مستفاداً من اللفظ أو الإجماع أو العقل، و لذلك قلنا انها من المسائل الأصولية العقلية، لا من مباحث الألفاظ.

و هكذا الشأن في مسألتنا هذه فان جهة البحث فيها- في الحقيقة- ثبوت الملازمة بين وجوب شي‏ء و حرمة ضده.

و من الواضح ان البحث عن تلك الجهة لا يختص بما إذا كان الوجوب مدلولا لدليل لفظي، بل يعم الجميع، ضرورة ان ما هو المهم في المقام هو البحث عن ثبوت تلك الملازمة و عدمه، و لا يفرق فيه بين أن يكون الوجوب مستفاداً من اللفظ أو من غيره، و ان كان عنوان البحث في المسألة- قديماً و حديثاً- يوهم اختصاص محل النزاع بما إذا كان الوجوب مدلولاً لفظياً، إلا ان ذلك من جهة الغلبة، و ان الوجوب في الغالب يستفاد من دليل لفظي، لا من جهة اختصاص محل النزاع بذلك، كما هو واضح.

6

و لأجل ذلك تكون المسألة من المسائل الأصولية العقلية لا من مباحث الألفاظ، لعدم صلتها بتلك المباحث أصلا، كما انه لا صلة لغيرها من المسائل العقلية بها.

الثانية- هل هذه المسألة من المسائل الأصولية أو الفقهية أو المبادئ الأحكامية؟ قالوا في ذلك وجوه:

1- انها من المسائل الفقهية، بدعوى ان البحث فيها عن ثبوت الحرمة لضد الواجب، و عدم ثبوت الحرمة له، و هذا بحث فقهي لا أصولي.

و يدفعه: ما ذكرناه- في أول بحث الأصول- من ان هذا التوهم قد ابتنى على كون البحث بحثاً عن حرمة الضد ابتداء، لتكون المسألة فقهية، إلا ان الأمر ليس كذلك، فان البحث فيها عن ثبوت الملازمة بين وجوب شي‏ء و حرمة ضده، و عدم ثبوتها، و من الواضح ان البحث عن هذه الناحية ليس بحثاً فقهياً له صلة بأحوال فعل المكلف و عوارضه بلا واسطة.

2- انها من المبادئ الأحكامية:

و يدفعه: أيضا ما ذكرناه في بحث مقدمة الواجب من أن المبادئ لا تخلو من التصورية و التصديقية و لا ثالث لهما، و المبادئ التصورية هي لحاظ ذات الموضوع أو المحمول و ذاتياته. و من الواضح أن البحث عن مسألة الضد لا يرجع إلى ذلك. و المبادئ التصديقية هي المقدمة التي يتوقف عليها تشكيل القياس، و منها المسائل الأصولية، فانها مبادئ تصديقية بالإضافة إلى المسائل الفقهية، لوقوعها في كبرى قياساتها التي تستنتج منها تلك المسائل و الأحكام. و لا نعقل المبادئ الأحكامية في مقابل المبادئ التصورية و التصديقية.

3- و الصحيح: انها من المسائل الأصولية العقلية.

أما كونها من المسائل الأصولية: فلما قدمناه في أول بحث الأصول من أن المسائل الأصولية ترتكز على ركيزتين:

7

الأولى- ان تكون استفادة الأحكام الشرعية من الأدلة من باب الاستنباط و التوسيط، لا من باب التطبيق، أي تطبيق مضامينها بأنفسها على مصاديقها، كتطبيق الطبيعي على افراده، و الكلي على مصاديقه.

الثانية- أن يكون وقوعها في طريق الحكم بنفسها من دون حاجة إلى ضم كبرى أصولية أخرى، فكل مسألة إذا ارتكزت على هاتين الركيزتين فهي من المسائل الأصولية، و إلا فلا.

و على هذا الأساس نميز كل مسألة ترد علينا انها أصولية، أو فقهية، أو غيرها، و حيث أن هاتين الركيزتين قد توفرتا في مسألتنا هذه فهي من المسائل الأصولية لا محالة، إذ انها واقعة في طريق استفادة الحكم الشرعي من باب الاستنباط و التوسيط بنفسها، بلا توسط كبرى أصولية أخرى.

و توهم خروج هذه المسألة عن علم الأصول، لعدم توفر الركيزة الثانية فيها، إذ لا يترتب أثر شرعي على نفس ثبوت الملازمة بين وجوب شي‏ء و حرمة ضده، لتكون المسألة أصولية، و اما حرمة الضد فهي و ان ثبتت من ناحية ثبوت تلك الملازمة، إلا انها حرمة غيرية فلا تصلح لأن تكون ثمرة للمسألة الأصولية.

نعم هذا التوهم مندفع:

بما ذكرناه- في أول علم الأصول- من انه يكفي لكون المسألة أصولية ترتب نتيجة فقهية على أحد طرفيها، و ان لم تترتب على طرفها الآخر، بداهة ان ذلك لو لم يكن كافياً في اتصاف المسألة بكونها أصولية، للزم خروج كثير من المسائل الأصولية عن علم الأصول، حتى مسألة حجية خبر الواحد، فانه على القول بعدم حجيته لا يترتب عليها أثر شرعي أصلاً، و مسألتنا هذه تكون كذلك، فانه تترتب عليها نتيجة فقهية على القول بعدم ثبوت الملازمة، و هي صحة الضد العبادي، و اما الحكم بفساده على القول الآخر فهو يتوقف على استلزام النهي‏

8

الغيري، كما يستلزمه النهي النفسيّ، و سنتعرض إلى ذلك إن شاء اللَّه تعالى بشكل واضح.

فالنتيجة الكلية هي: أن الملاك في كون المسألة أصولية وقوعها في طريق الاستنباط بنفسها، و لو باعتبار أحد طرفيها، في مقابل ما ليس له هذا الشأن، و هذه الخاصة كمسائل سائر العلوم.

و اما كونها عقلية: فلان الحاكم بالملازمة المزبورة إنما هو العقل، و لا صلة لها بدلالة اللفظ أبداً.

الثالثة- ان المراد من الاقتضاء في عنوان المسألة ليس ما هو ظاهره، بل الأعم منه و من الاقتضاء بنحو الجزئية و العينية، ليعم جميع الأقوال، فان منها قول بان الأمر بالشي‏ء عين النهي عن ضده. و منها: قول بان النهي عن الضد جزء من الأمر بشي‏ء. و منها: قول بان الأمر بالشي‏ء يستلزم النهي عن ضده كما هو ظاهر لفظ الاقتضاء، فالتعميم لأجل أن لا يتوهم اختصاص النزاع بالقول الأخير.

الرابعة- ان المراد بالضد في محل البحث مطلق ما يعاند الشي‏ء و ينافيه، سواء أ كان أمراً وجودياً كالأضداد الخاصة، أو الجامع بينها، و قد يعبر عن هذا الجامع بالضد العام أيضاً، أم كان أمراً عدمياً، كالترك الّذي هو المسمى عندهم بالضد العام، فان من الأقوال في المسألة قول بان الأمر بالشي‏ء يقتضى النهي عن ضده العام و هو الترك.

و بعد بيان ذلك نقول:

ان الكلام يقع في مقامين:

الأول: في الضد الخاصّ.

و الثاني: في الضد العام.

اما الكلام في المقام الأول: فقد استدل جماعة على اقتضاء الأمر بالشي‏ء

9

النهي عن ضده، سواء أ كان المراد به أحد الأضداد الخاصة أو الجامع بينها بوجهين:

الأول- ان ترك أحد الضدين مقدمة للضد الآخر، و مقدمة الواجب واجبة، فإذا كان الترك واجباً فالفعل لا محالة يكون محرماً، و هذا معنى النهي عنه أقول: هذا الدليل مركب من مقدمتين: إحداهما صغرى القياس و الثانية كبراه، فلا بد من درس كل واحدة واحدة منهما.

اما المقدمة الأولى فبيانها: ان العلة التامة مركبة من أجزاء ثلاثة: (1) المقتضى و هو الّذي بذاته يقتضى التأثير في مقتضاه. (2) الشرط و هو الّذي يصحح فاعلية المقتضى. (3) عدم المانع و هو الّذي له دخل في فعلية تأثير المقتضى. و من الواضح ان العلة التامة لا تتحقق بدون شي‏ء من هذه المواد الثلاث، فبانتفاء واحدة منها تنتفي العلة التامة لا محالة.

و نتيجة ذلك: هي ان عدم المانع من المقدمات التي لها دخل في وجود المعلول، و يستحيل تحققه بدون انتفائه. و يترتب على ذلك ان ترك أحد الضدين مقدمة لوجود الضد الآخر، لأن كلا منهما مانع عن الآخر، و إلا لم يكن بينهما تمانع و تضاد، فإذا كان كل منهما مانع عن الآخر فلا محالة يكون عدمه مقدمة له، إذ كون عدم المانع من المقدمات مما لا يحتاج إلى مئونة بيان، و إقامة برهان.

و اما المقدمة الثانية: فهي أن مقدمة الواجب واجبة، و قد تقدم الكلام فيها.

فالنتيجة- من ضم المقدمة الأولى إلى هذه المقدمة- هي: ان ترك الضد بما انه مقدمة للضد الواجب- كما هو المفروض في المقام- يكون واجباً، و إذا كان تركه واجباً ففعله حرام لا محالة- مثلا- ترك الصلاة بما انه مقدمة للإزالة الواجبة فيكون واجباً، و إذا كان واجباً ففعلها- الّذي هو ضد الإزالة- يكون حراماً. و هذا معنى ان الأمر بالشي‏ء يقتضى النهي عن الضد.

و لكن كلتا المقدمتين قابلة المناقشة:

10

أما المقدمة الأولى: فقد أنكرها جماعة من المحققين منهم شيخنا الأستاذ (قدس سره) و قال: باستحالة المقدمية، و أفاد في وجهها أمرين:

الأول: ان المعلول و ان كان مترتباً على تمام اجزاء علته التامة، إلا ان تأثير كل واحد منها فيه يغاير تأثير الآخر فيه، فان تأثير المقتضى فيه بمعنى ترشحه منه، و يكون منه الأثر و الوجود، كالنار بالإضافة إلى الإحراق، فان الإحراق يترشح من النار، و انها فاعل ما منه الوجود و الأثر، لا المحاذاة- مثلا- أو بقية الشرائط. و اما تأثير الشرط فيه بمعنى انه مصحح لفاعلية المقتضى و تأثيره أثره، فان النار لا تؤثر في الإحراق بدون المماسة و المحاذاة و ما شاكلهما، فتلك الشرائط مصححة لفاعلية النار، و تأثيرها فيه. لا ان الشرط بنفسه مؤثر فيه.

و من هنا إذا انتفى الشرط لم يؤثر المقتضى.

أو فقل: ان الشرط في طرف القابل متمم قابليته، و في طرف الفاعل مصحح فاعليته، فلا شأن له ما عدا ذلك. و اما عدم المانع فدخله باعتبار ان وجوده يزاحم المقتضى في تأثيره، كالرطوبة الموجودة في الحطب، فان دخل عدمها في الاحتراق باعتبار ان وجودها مانع عن تأثير النار في الإحراق. و هذا معنى دخل عدم المانع في وجود المعلول، و إلا فلا يعقل أن يكون العدم بما هو من اجزاء العلة التامة، بداهة استحالة أن يكون العدم دخيلا في الوجود و مؤثراً فيه.

و من ذلك البيان يظهر طولية اجزاء العلة التامة، فان مانعية المانع متأخرة رتبة عن وجود المقتضى، و عن وجود جميع الشرائط، كما ان شرطية الشرط متأخرة رتبة عن وجود المقتضى، فان دخل الشرط في المعلول إنما هو في مرتبة وجود مقتضية، ليكون مصححاً لفاعليته، لما عرفت- آنفاً- من أن الشرط في نفسه لا يكون مؤثراً فيه. و دخل عدم المانع إنما يكون في ظرف تحقق المقتضى مع بقية الشرائط، ليكون وجوده مزاحماً له في تأثيره، و يمنعه عن ذلك.

و على ضوء ذلك قد اتضح استحالة اتصاف المانع بالمانعية إلا في ظرف‏

11

وجود المقتضى مع سائر الشرائط، كما انه يستحيل اتصاف الشرط بالشرطية إلا فيما إذا كان المقتضى موجوداً.- مثلا- الرطوبة في الجسم القابل للاحتراق لا تتصف بالمانعية إلا في ظرف وجود النار و مماستها مع ذلك الجسم، ليكون عدم الاحتراق مستنداً إلى وجود المانع، و اما إذا لم تكن النار موجودة، أو كانت و لم تكن مماسة مع ذلك الجسم فلا يمكن أن يستند عدم الاحتراق إلى وجود المانع.

و لنأخذ مثالا لتوضيح ذلك: إذا فرضنا ان النار موجودة و الجسم القابل للاحتراق مماس لها، و مع ذلك لم يحترق، إذاً نفتش عن سبب ذلك و ما هو، و بعد الفحص يتبين لنا ان سببه الرطوبة الموجودة في ذلك الجسم و هي التي توجب عدم قابليته للاحتراق، و تأثير النار فيه، فيكون عدمه مستنداً إلى وجود المانع.

و كذا إذا فرض ان اليد الضاربة قوية و السيف حاد، و مع ذلك لا أثر للقطع في الخارج، فلا محالة عدم قبول الجسم للانقطاع و التأثر بالسيف من جهة المانع، و هو صلابة ذلك الجسم لوجود المقتضى المقارن مع شرطه.

و أما إذا فرض ان النار موجودة، و لكن الجسم القابل للاحتراق لم يكن مماساً لها، أو ان اليد الضاربة كانت قوية و لكن السيف لم يكن حاداً، فعدم المعلول عندئذ لا محالة يستند إلى عدم الشرط، لا إلى وجود المانع، فالمانع في هذه اللحظة يستحيل ان يتصف بالمانعية فعلا، فان أثره المنع عن فعلية تأثير المقتضى، و لا أثر له في ظرف عدم تحقق الشرط.

و كذلك إذا لم تكن النار موجودة، أو كانت اليد الضاربة ضعيفة جداً أو مشلولة، فعدم المعلول عندئذ لا محالة يستند إلى عدم مقتضية، لا إلى عدم المماسة، أو الرطوبة، أو إلى عدم حدة السيف، أو صلابة الجسم كل ذلك لم يكن.

و هذا من الواضحات خصوصاً عند المراجعة إلى الوجدان، فان الإنسان إذا لم يشته أكل طعام فعدم تحققه يستند إلى عدم المقتضى، و إذا اشتهاه و لكن‏

12

لم يجد الطعام فعدم الأكل يستند إلى عدم الشرط، و إذا كانت الشروط متوفرة و لكنه منع عن الأكل مانع، فعدمه يستند إلى وجود المانع، و هكذا.

و بعد بيان ذلك نقول: انه يستحيل أن يكون وجود أحد الضدين مانعاً عن وجود الضد الآخر، لما سبق من أن المانع إنما يتصف بالمانعية في لحظة تحقق المقتضى مع بقية الشرائط.

و من الواضح البين ان عند وجود أحد الضدين يستحيل ثبوت المقتضى للضد الآخر، ليكون عدمه مستنداً إلى وجود ضده، لا إلى عدم مقتضية.

و الوجه في ذلك هو ان المضادة و المنافرة بين الضدين و المعلولين تستلزم المضادة و المنافرة بين مقتضييهما، فكما يستحيل اجتماع الضدين في الخارج، فكذلك يستحيل اجتماع مقتضييهما فيه، لأن اقتضاء المحال محال.

أو فقل: ان عدم الضد إنما يستند إلى وجود الضد الآخر في فرض ثبوت المقتضى له، و هذا غير معقول كيف فان لازم ذلك هو أن يمكن وجوده في عرض وجود ذلك الضد، و المفروض انه محال، فالمقتضى له أيضاً محال، بداهة ان استحالة اقتضاء المحال من الواضحات الأولية، و إلا فما فرض انه محال لم يكن محالا. و هذا خلف.

و لنأخذ مثالاً لذلك: ان وجود السواد مثلا في موضوع لو كان مانعاً عن تحقق البياض فيه فلا بد أن يكون ذلك في ظرف ثبوت المقتضى له، ليكون عدمه (البياض) مستنداً إلى وجود المانع، و هو وجود السواد، لا إلى عدم مقتضية.

و ثبوت المقتضى له محال و إلا لكان وجوده (البياض) في عرض وجود الضد الآخر (السواد) ممكناً، و حيث انه محال فيستحيل ثبوت المقتضى له، لأن اقتضاء المحال محال.

و عليه فإذا كان المقتضى لأحدهما موجوداً فلا محالة يكون المقتضى للآخر معدوماً، إذاً يكون عدمه دائماً مستنداً إلى عدم مقتضية، لا إلى وجود المانع.

13

هذا بالإضافة إلى إرادة شخص واحد في غاية الوضوح، بداهة استحالة تحقق إرادة كل من الضدين في آن واحد من شخص واحد، فلا يمكن تحقق إرادة كل من الصلاة و الإزالة في نفس المكلف، فان أراد الإزالة لم يمكن تحقق إرادة الصلاة، و ان أراد الصلاة لم يمكن تحقق إرادة الإزالة فترك كل واحدة منهما عند الاشتغال بالأخرى مستند إلى عدم المقتضى له، لا إلى وجود المانع مع ثبوت المقتضى.

و اما بالإضافة إلى إرادة شخصين للضدين فالأمر أيضاً كذلك، لأن إحدى الإرادتين لا محالة تكون مغلوبة للإرادة الأخرى، لاستحالة تأثير كلتيهما معاً، و عندئذ تسقط الإرادة المغلوبة عن صفة الاقتضاء، لاستحالة اقتضاء المحال و غير المقدور، لفرض ان متعلقها خارج عن القدرة فلا تكون متصفة بهذه الصفة، فيكون وجودها و عدمها سيان.

و قد تحصل من ذلك: ان المانع بالمعنى الّذي ذكرناه- و هو ما يتوقف على عدمه وجود المعلول في الخارج- ما كان مزاحماً للمقتضى في تأثيره أثره، و مانعاً عنه عند وجدانه الشرائط، و هذا المعنى مفقود في الضدين كما مر.

فالنتيجة اذن: انه لا وجه لدعوى توقف أحد الضدين على عدم الآخر إلا تخيل ان المنافاة و المعاندة بينهما تقتضي التوقف المزبور. و لكنه خيال فاسد، ضرورة ان ذلك لو تم لكان تحقق كل من النقيضين متوقفاً على عدم الآخر أيضاً لوجود الملاك فيه، و هو المعاندة و المنافاة، مع ان بطلان ذلك من الواضحات فلا يحتاج إلى مئونة بيان و إقامة برهان.

و نلخص ما أفاده(قده) في عدة نقاط:

الأولى- ان مانعية المانع في مرتبة متأخرة عن مرتبة وجود المقتضى و وجود الشرط، فيكون استناد عدم المعلول إلى وجود المانع في ظرف ثبوت المقتضى مع بقية الشرائط، و إلا فالمانع لا يكون مانعاً كما سبق.

14

الثانية- ان وجود كل من الضدين بما انه يستحيل في عرض الآخر و يمتنع تحققه في الخارج، فثبوت المقتضى له في عرض ثبوت المقتضى للآخر أيضاً محال، لأن اقتضاء المحال محال كما عرفت.

الثالثة- ان المعاندة و المنافاة بين الضدين لو كانت مقتضية للتوقف المذكور لكانت مقتضية له بالإضافة إلى النقيضين أيضا، و بطلانه غني عن البيان.

و لنأخذ الآن بدرس هذه النقاط:

اما النقطة الأولى فهي في غاية الصحة و المتانة على البيان المتقدم.

و اما النقطة الثانية: فللمناقشة فيها مجال واسع و ذلك: لأنه لا مانع من ثبوت المقتضى لكل من الضدين في نفسه، مع قطع النّظر عن الآخر، و لا استحالة فيه أصلا.

و الوجه في ذلك هو: ان كلا من المقتضيين إنما يقتضى أثره في نفسه مع عدم ملاحظة الآخر، فمقتضى البياض مثلا إنما يقتضيه في نفسه سواء أ كان هناك مقتض للسواد أم لم يكن، كما ان مقتضى السواد إنما يقتضيه كذلك، و إمكان هذا واضح، و لا نرى فيه استحالة، فان المستحيل انما هو ثبوت المقتضى لكل من الضدين بقيد التقارن و الاجتماع لا في نفسه، أو اقتضاء شي‏ء واحد بذاته لأمرين متنافيين في الوجود، و هذا مصداق قولنا اقتضاء المحال محال، لا فيما إذا كان هناك مقتضيان كان كل واحد منهما يقتضى في نفسه شيئاً مخصوصاً و أثراً خاصاً مع قطع النّظر عن ملاحظة الآخر.

و البرهان على ذلك انه لو لا ما ذكرناه من إمكان ثبوت المقتضى لكل منهما في نفسه لم يمكن استناد عدم المعلول إلى وجود مانعه أصلا، لأن أثر المانع كالرطوبة- مثلا- لا يخلو من أن يكون مضاداً للمعلول- و هو الإحراق- و ان لا يكون مضاداً له، فعلى الفرض الأول يستحيل ثبوت المقتضى للمعلول و الممنوع ليكون عدمه مستنداً إلى وجود مانعه، لفرض وجود ضده و هو أثر المانع، و قد

15

سبق ان عند وجود أحد الضدين يستحيل ثبوت المقتضى للآخر، فيكون عدمه من جهة عدم المقتضى، لا من جهة وجود المانع مع ثبوت المقتضى له. و على الفرض الثاني فلا مقتضى لكونه مانعاً منه، بداهة ان مانعية المانع من جهة مضادة أثره للممنوع، فإذا فرض عدم مضادته له فلا موجب لكونه مانعاً أصلا.

و قد تبين لحد الآن انه لا مانع من أن يكون أحد الضدين مانعاً عن الآخر ليستند عدمه إليه، لا إلى عدم مقتضية، لفرض إمكان ثبوته في نفسه، بحيث لو لا وجود الضد الآخر لكان يؤثر أثره، و لكن وجوده يزاحمه في تأثيره و يمنعه عن ذلك، مثلا إذا فرض وجود مقتض لحركة شي‏ء إلى طرف المشرق و وجد مقتض لحركته إلى طرف المغرب فكل من المقتضيين انما يقتضى الحركة في نفسه إلى كل من الجانبين، مع عدم ملاحظة الآخر، فعندئذ كان تأثير كل واحد منهما في الحركة إلى الجانب الخاصّ متوقفاً على عدم المانع منه، فإذا وجدت إحدى الحركتين دون الأخرى فلا محالة يكون عدم هذه مستنداً إلى وجود الحركة الأولى لا إلى عدم مقتضيها، فان المقتضى لها موجود على الفرض، و لو لا المانع لكان يؤثر أثره و لكن المانع هو «وجود تلك الحركة» يزاحمه في تأثيره.

على الجملة فلا ريب في إمكان ثبوت المقتضيين في حد ذاتهما، حتى إذا كانا في موضوع واحد أو محل واحد، كإرادتين من شخص واحد، أو سببين في موضوع واحد، فضلا عما إذا كان في موضوعين أو محلين، كإرادتين من شخصين، أو سببين في موضوعين إذ لا مانع من ان يكون في شخص واحد مقتض للقيام من جهة، و مقتض للجلوس من جهة أخرى، و كلا المقتضيين موجود في حد ذاتهما، مع الغض عن الآخر، فعندئذ إذا وجد أحد الفعلين دون الآخر فعدم هذا لا محالة يكون مستنداً إلى وجود ذاك، لا إلى عدم مقتضية، لفرض ان المقتضى له موجود، و هو يؤثر أثره لو لا مزاحمة المانع له.

و نتيجة ما ذكرناه هي: ان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من أن أحد

16

الضدين إذا كان موجوداً يستحيل ثبوت المقتضى له- لا يتم، و منشأ ذلك غفلنه(قده) عن نقطة واحدة هي تخيل ان المقام من موارد الكبرى المتسالم عليها و هي ان اقتضاء المحال محال، مع ان الأمر ليس كذلك، فان المقام أجنبي عنه فان اقتضاء المحال إنما يتحقق في أحد موردين:

الأول- ما إذا كان هناك شي‏ء واحد يقتضى بذاته امرين متنافيين في الوجود.

الثاني- ما إذا فرض هناك ثبوت المقتضى لكل من الضدين بقيد الاجتماع و التقارن، و من الواضح انه لا صلة لكلا الموردين بالمقام، و هو ما إذا كان هناك مقتضيان كان كل واحد منهما يقتضى شيئاً مخصوصاً، و أثراً خاصاً في نفسه، بلا ربط له بالآخر. و هذا هو مراد القائلين ب «ان الأمر بالشي‏ء يقتضى النهي عن ضده» فانهم بعد ما تسالموا على الكبرى- و هي وجوب مقدمة الواجب- قد نقحوا الصغرى- و هي- كون عدم أحد الضدين مقدمة للضد الآخر- بالشكل الّذي بيناه ثم أخذوا النتيجة بضم الصغرى إلى الكبرى و هي حرمة الضد.

و اما النقطة الثالثة: فيرد عليها ان المعاندة و المنافرة بين الضدين لو سلم اقتضاؤها للتوقف المزبور فلا يسلم اقتضاؤها له بين النقيضين إذ لا يعقل التوقف بين النقيض و عدم نقيضه بداهة أن عدم الوجود عين العدم البديل له فكيف يعقل توقف ذلك العدم على عدم الوجود، لأنه من توقف الشي‏ء على نفسه و هو محال،- مثلا- عدم الإنسان عين العدم البديل له فلا يكاد يمكن توقف العدم البديل له على عدمه، بداهة ان توقف شي‏ء على شي‏ء يقتضى المغايرة و الاثنينية بينهما في الوجود، فضلا عن المغايرة في المفهوم. و من الظاهر انه لا مغايرة بين عدم الإنسان- مثلا- و العدم البديل له لا خارجاً و لا مفهوماً.

نعم المغايرة المفهومية بين عدم العدم و الوجود ثابتة لكنه لا تغاير بينهما في الخارج- مثلا- الإنسان مغاير مفهوماً مع عدم نقيضه و هو العدم البديل له‏

17

و لكنهما متحدان عيناً و خارجاً فان عدم عدم الإنسان عين الإنسان في الخارج، إذاً لا معنى لتوقف تحقق أحد النقيضين على عدم الآخر.

و هذا بخلاف الضدين، فانه لمكان المغايرة بينهما مفهوماً و خارجاً لا يكون توقف أحدهما على عدم الآخر من توقف الشي‏ء على نفسه.

فما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من ان المعاندة و المنافرة بين الضدين لو اقتضت توقف أحدهما على عدم الآخر لثبت ذلك في النقيضين أيضا- لا يرجع إلى معنى محصل أصلا.

الوجه الثاني- ان عدم أحد الضدين لو فرض ثبوت المقتضى له أيضا يستند عدمه إلى وجود مقتضى الآخر، لا إلى وجود نفسه:

بيان ذلك: ان الصور المتصورة في المقام ثلاثة لا رابع لها.

الأولى- ان يكون المقتضى لكل من الضدين موجوداً.

الثانية- ان لا يكون المقتضى لشي‏ء منهما موجوداً «عكس الأولى».

الثالثة- أن يكون المقتضى لأحدهما موجوداً دون المقتضى للآخر.

اما الصورتان الأخيرتان فالامر فيهما واضح، فان عدم ما لا مقتضى له مستند إلى عدم مقتضية، لا إلى وجود الضد الآخر.

و إنما الكلام في الصورة الأولى- فنقول: ان المقتضيين الموجودين في عرض واحد لا يخلو ان من أن يكونا متساويين في القوة، و ان يكون أحدهما أقوى من الآخر.

اما على الأول: فلا يوجد شي‏ء من الضدين لاستحالة تأثير كل منهما أثره معاً، و تأثير أحدهما المعين فيه دون الآخر ترجيح من دون مرجح، أو خلف أن فرض له مرجح. و من ذلك يعلم ان المانع من وجود الضد مع فرض ثبوت مقتضية إنما هو وجود المقتضى للضد الآخر، لا نفس وجود الضد. و في هذا الفرض بما ان كلا من المقتضيين يزاحم الآخر في تأثيره، و يمنعه عن ذلك، فان‏

18

تأثير كل منهما منوط بعدم المانع عنه، و وجود مقتضى الضد الآخر مانع، فلا محالة يكون عدم كل من الضدين مستنداً إلى وجود المقتضى للآخر لا إلى نفسه.

و اما على الثاني- فيؤثر القوى في مقتضاه، و يكون مانعاً عن تأثير المقتضى الضعيف، و الضعيف لا يمكن أن يكون مانعاً من القوى.

بيان ذلك ان القوى لمكان قوته يزاحم الضعيف و يمنعه من التأثير في مقتضاه، فنفس وجوده موجب لفقد شرط من شرائطه و هو عدم المزاحم، فانه شرط تأثيره و مصحح فاعليته، فيكون عدم القوى شرطاً لتأثير الضعيف، و وجوده مانعاً منه.

و على هدى ذلك يعلم ان عدم تمامية علية الضعيف مستند إلى تمامية علية القوى و وجوده، و بما ان الضعيف لا يمكن أن يزاحم القوى في تأثيره يكون تام الاقتضاء و الفاعلية، فهو بصفته كذلك يزاحم الضعيف و يمنعه عن تأثيره في معلوله، فعدم مزاحمة الضعيف- بالتالي- منته إلى ضعف في نفسه بالإضافة إلى المقتضى الآخر، إذ لو كان قوياً مثله لزاحمه في تأثيره لا محالة، فعدم قابليته لأن يزاحم الآخر و قابلية الآخر لأن يزاحمه لأجل عدم قوته بالإضافة إليه و ان كان قوياً في نفسه و تام الفاعلية و الاقتضاء مع قطع النّظر عن مزاحمة الآخر له، و لذا لو لم يكن القوى في البين لأثر الضعيف في مقتضاه، ففي هذا الفرض يستند عدم الضد إلى وجود المقتضى القوى للضد الآخر، لا إلى نفس وجوده، و لا إلى عدم مقتضى نفسه، فانه موجود على الفرض، و لكن المانع منعه عن تأثيره و هو وجود المقتضى القوى.

و على الجملة: ففي ما إذا كان المقتضيان متفاوتين بالقوة و الضعف، فيستحيل ان يؤثر الضعيف في مقتضاه، لأن تأثير كل مقتض مشروط بعدم المانع المزاحم له، و القوى لمكان قوته مزاحم له و مع ذلك لو أثر الضعيف دون القوى للزم انفكاك المعلول عن علته التامة، و صدوره عن علته الناقصة، فان علية القوى‏

19

- كما عرفت- تامة فلا حالة منتظرة فيه أصلا، إذ الضعيف لمكان ضعفه لا يمكن أن يزاحمه، و علية الضعيف ناقصة لوجود المانع المزاحم له، إذاً يستند عدم الضد الّذي يقتضيه السبب الضعيف إلى وجود السبب القوى، فانه مانع عن تأثير الضعيف و مزاحم له، و إلا فالمقتضى له موجود. و قد سبق ان عدم المعلول إنما يستند إلى وجود المانع في ظرف تحقق المقتضى و بقية الشرائط.

و لنأخذ لذلك مثالين:

الأول- ما إذا فرض ثبوت المقتضى لكل من الضدين في محل واحد، كإرادة الضدين من شخص واحد و كانت إرادته بالإضافة إلى أحدهما أقوى من إرادته بالإضافة إلى الآخر، كما لو كان هناك غريقان و قد تعلقت إرادته بإنقاذ كل واحد منهما في نفسه، و لكن إرادته بالإضافة إلى إنقاذ أحدهما أقوى من إرادته بالإضافة إلى إنقاذ الآخر، من جهة ان أحدهما عالم و الآخر جاهل أو كان أحدهما صديقه و الآخر أجنبياً عنه، و غير ذلك من الخصوصيات و العناوين الموجبة لكثرة الشفقة و المحبة بالإضافة إلى إنقاذ أحدهما دون الآخر، ففي مثل ذلك لا محالة يكون المؤثر هو الإرادة القوية دون الإرادة الضعيفة، فانها لمكان ضعفها تزاحمها الإرادة القوية، و تمنعها عن تأثيرها في مقتضاها، و تلك لمكان قوتها لا تزاحم بها، إذاً عدم تحقق مقتضى الإرادة الضعيفة غير مستند إلى وجود الضد الآخر، و لا إلى عدم مقتضية، فان مقتضية و هو الإرادة الضعيفة موجود على الفرض، بل هو مستند إلى وجود المانع و المزاحم له، و هو الإرادة القوية.

الثاني- ما إذا فرض ثبوت المقتضى لكل من الضدين في محلين و موضوعين، كما إذا كان كل منهما متعلقاً لإرادة شخص، و لكن كانت إرادة أحدهما أقوى من إرادة الآخر كما إذا أراد أحد الشخصين- مثلا- حركة جسم إلى جانب و أراد الآخر حركة ذلك الجسم إلى جانب آخر، و هكذا ففي مثل ذلك أيضا يكون المؤثر هو الإرادة الغالبة دون الإرادة المغلوبة، فعدم أثرها أيضاً غير مستند إلى‏

20

وجود أثر تلك الإرادة، بل هو مستند إلى مزاحمتها بها لمكان ضعفها و عدم مزاحمة تلك بها لمكان قوتها.

فالنتيجة- اذن- لا يمكن فرض وجود صورة يستند عدم الضد في تلك الصورة إلى وجود الضد الآخر، لا إلى وجود سببه، أو عدم مقتضى نفسه.

أقول: هذا الوجه في غاية المتانة و الاستقامة، و لا مناص من الالتزام به و لا سيما بذلك الشكل الّذي بيناه.

و ذكر المحقق صاحب الكفاية (قده) وجهاً ثالثاً لاستحالة مقدمية عدم الضد للضد الآخر. و إليك نصه:

«و ذلك لأن المعاندة و المنافرة بين الشيئين لا تقتضي إلا عدم اجتماعهما في التحقق، و حيث لا منافاة أصلا بين أحد العينين و ما هو نقيض الآخر و بديله، بل بينهما كمال الملاءمة كان أحد العينين مع نقيض الآخر و ما هو بديله في مرتبة واحدة، من دون أن يكون في البين ما يقتضى تقدم أحدهما على الآخر كما لا يخفى، فكما ان قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر كذلك في المتضادين».

أقول: توضيح ما أفاده(قده) ان المنافرة و المعاندة بين الضدين كما تقتضي استحالة اجتماعهما في التحقق و الوجود في زمن واحد كذلك تقتضي استحالة اجتماعهما في مرتبة واحدة، فإذا استحال اجتماعهما في مرتبة واحدة كان عدم أحدهما في تلك المرتبة ضرورياً و إلا فلا بد أن يكون وجوده فيها كذلك، لاستحالة ارتفاع النقيضين عن الرتبة- مثلا- البياض و السواد متضادان و قضية مضادة أحدهما مع الآخر و معاندتهما استحالة اجتماعهما في الوجود في موضوع، و في آن واحد، أو رتبة واحدة، فكما ان استحالة اجتماعهما في زمان واحد تستلزم ضرورة عدم أحدهما في ذلك الزمان، كذلك استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة تستلزم ضرورة عدم واحد منهما في تلك الرتبة لاستحالة ارتفاع النقيضين عن المرتبة

21

أيضاً بان لا يكون وجوده في تلك المرتبة و لا عدمه.

و من ذلك يعلم ان مراده(قده) من انه لا منافاة بين وجود أحد الضدين و عدم الآخر، بل بينهما كمال الملاءمة ما ذكرناه من ان المضادة بين شيئين لا تقتضي إلا استحالة اجتماعهما في التحقق و الوجود في آن واحد أو رتبة واحدة، و إذا استحال تحققهما في مرتبة فلا محالة يكون عدم أحدهما في تلك المرتبة واجباً- مثلا- عدم البياض في مرتبة وجود السواد و كذلك عدم السواد في مرتبة وجود البياض ضروري، كيف و لو لم يكن عدم البياض في تلك المرتبة يلزم أحد محذورين: اما ارتفاع النقيضين عن تلك المرتبة لو لم يكن وجود البياض أيضاً في تلك المرتبة، أو اجتماع الضدين فيها إذا كان البياض موجوداً فيها، و ليس غرضه من ذلك نفى المقدمية و التوقف بمجرد كمال الملاءمة بينهما ليرد عليه ما أورده شيخنا المحقق (قده) من أن كمال الملاءمة بينهما لا يدل عليه. فان بين العلة و المعلول كمال الملاءمة و مع ذلك لا يكونان متحدين في الرتبة.

كما ان غرضه (قده) من قوله: «كما ان قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر كذلك في المتضادين» هو ما ذكرناه، و ليس غرضه من ذلك الاستدلال على نفي التوقف و المقدمية بقياس المساواة، بدعوى:

ان عدم أحد الضدين في مرتبة وجوده لأنهما نقيضان و النقيضان في رتبة واحدة و بما ان وجود أحد الضدين في مرتبة وجود الآخر لأن ذلك مقتضى التضاد بينهما كان عدم أحد الضدين في مرتبة وجود الآخر.

و ذلك لما ذكرناه غير مرة من ان التقدم و التأخر و التقارن بين شيئين تارة تلاحظ بالإضافة إلى الزمان، و معنى ذلك ان الملاك في تقدم شي‏ء على شي‏ء آخر أو تأخره عنه أو تقارنه معه هو نفس الزمان لا غيره. و تارة أخرى تلاحظ بالإضافة إلى الرتبة مع تقارنهما بحسب الزمان، و حينئذ فالملاك فيه شي‏ء آخر غير الزمان.

22

اما إذا كان التقدم و التأخر بين شيئين أو التقارن بينهما بالزمان فكل ما هو متحد مع المتقدم في الزمان متقدم على المتأخر بعين الملاك الموجود في المتقدم، و هو كونه في الزمان المتقدم و كل ما هو متحد مع المتأخر في الزمان متأخر عن المتقدم بعين الملاك الموجود في المتأخر، و هو كونه في الزمان المتأخر. و كل ما هو متحد مع المقارن في الزمان مقارن لتحقق ملاك التقارن فيه، و هذا من الواضحات فلا يحتاج إلى مئونة بيان.

و اما إذا كان التقدم و التأخر بينهما بلحاظ الرتبة دون الزمان فالأمر ليس كذلك، فان ما هو متحد مع المتقدم في الرتبة لا يلزم أن يكون متقدماً على المتأخر و كذا ما هو متحد مع المتأخر فيها أو المقارن لا يلزم أن يكون متأخراً، أو مقارناً- مثلا- العلة متقدمة على المعلول رتبة، و ما هو متحد معها في الرتبة- و هو العدم البديل لها- لا يكون متقدماً عليه، و المعلول متأخر عن العلة رتبة- و ما هو متحد معه و هو عدمه البديل له- لا يكون متأخراً عنها.

و الوجه في ذلك هو: ان التقدم أو التأخر بالرتبة و الطبع لا يكون جزافاً، بل لا بد أن يكون ناشئاً من ملاك مقتض له، فكل ما كان فيه الملاك الموجب لتقدمه أو تأخره فهو، و إلا فلا يعقل فيه التقدم أو التأخر أصلا، فهذا الملاك تارة يختص بوجود الشي‏ء فلا يمكن الالتزام بالتقدم أو التأخر في عدمه، و تارة أخرى يختص بعدمه، فلا يعقل الالتزام به في وجوده، فانه تابع لوجود الملاك، ففي كل مورد لا يوجد فيه الملاك لا يمكن فيه التقدم أو التأخر، بل لا بد فيه من الالتزام بالاتحاد و المعية في الرتبة، فان ملاك المعية انتفاء ملاك التقدم و التأخر، لا انها ناشئة من ملاك وجودي.

و على ضوء ذلك نقول: ان تقدم العلة على المعلول بملاك ترشح وجود المعلول من وجود العلة، كما ان تقدم الشرط على المشروط بملاك توقف وجوده على وجوده، و تقدم عدم المانع على الممنوع بملاك توقف وجوده عليه، و اما عدم‏

23

العلة فلا يكون متقدماً على وجود المعلول، لعدم ملاك التقدم فيه، كما ان عدم المعلول لا يكون متأخراً عن وجود العلة مع انه في مرتبة وجود المعلول، لعدم تحقق ملاك التأخر فيه، و كذا لا يكون عدم الشرط متقدماً على المشروط، و لا عدم المشروط متأخراً عن وجود الشرط، لاختصاص ملاك التقدم و التأخر بوجود الشرط و وجود المشروط دون وجود أحدهما و عدم الآخر.

و على الجملة: فما كان مع المتقدم في الرتبة كالعلة و الشرط ليس له تقدم على المعلول و المشروط، إذ التقدم بالعلية شأن العلة دون غيرها، و التقدم بالشرطية شأن الشرط دون غيره، فان التقدم بالعلية أو الشرطية أو نحوها الثابت لشي‏ء لا يسرى إلى نقيضه المتحد معه في الرتبة. و لذا قلنا انه لا تقدم لعدم العلة على المعلول و لا للعلة على عدم المعلول، مع انه لا شبهة في تقدم العلة على المعلول. و السر فيه- ما عرفت- من ان التقدم و التأخر الرتبيين تابعان للملاك، فكل ما لا يكون فيه الملاك لا يعقل فيه التقدم و التأخر أصلا، بل لا مناص فيه من الحكم بالمعية و الاتحاد في الرتبة.

و من ذلك يظهر الحال في الضدين، إذ يمكن أن يكون عدم أحدهما متقدماً على وجود الآخر بملاك موجب له، و لا يكون ما هو متحد معه في الرتبة متقدماً عليه، فمجرد اتحاد الضدين و النقيضين في الرتبة لا يأبى ان يكون عدم الضد متقدماً على الضد الآخر، مع عدم تقدم ما هو في مرتبته عليه، لاختصاص ملاك التقدم بعدم كل منهما بالإضافة إلى وجود الآخر، دون عدم كل منهما بالإضافة إلى وجوده، و دون وجود كل منهما بالإضافة إلى وجود الآخر.

و لأجل ذلك كان ما هو متحد مع العلة في الرتبة- و هو عدمها- متحداً مع المعلول في الرتبة، و كان ما هو متحد مع المعلول في الرتبة و هو عدمه متحداً مع العلة في الرتبة، مع ان العلة متقدمة على المعلول رتبة.

ثم ان ما ذكره في النقيضين- من أن قضية المنافاة بينهما لا تقتضي تقدم‏

24

أحدهما في ثبوت الآخر- لا بد من فرضه في طرف واحد منهما، و هو طرف الوجود دون كلا الطرفين، و ذلك لأن وجود الشي‏ء يغاير عدم نقيضه- أعني به عدم العدم- مفهوماً، و اما عدم الشي‏ء فهو بنفسه نقيض الشي‏ء، و لا يغايره بوجه كي يقال ان ارتفاع الوجود يلائم نقيضه من دون أن يكون بينهما تأخر و تقدم. مثلا وجود الإنسان يغاير عدم نقيضه (عدم الإنسان) مفهوماً، فان مفهوم عدم العدم غير مفهوم الوجود، و ان كان في الخارج عينه. فإذاً يمكن ان يقال: ان الشي‏ء كالإنسان متحد في الرتبة مع عدم نقيضه. و اما عدم الإنسان فلا يغاير عدم نقيضه (وجود الإنسان) حتى مفهوماً، فان نقيضه هو الإنسان، و عدم نقيضه هو عدم الإنسان. إذاً فلا معنى لأن يقال: ان عدم الإنسان متحد في الرتبة مع عدم الإنسان.

فالنتيجة لحد الآن قد أصبحت ان التمسك بقياس المساواة إنما يصح في التقدم الزماني، فان ما هو مع المتقدم بالزمان متقدم لا محالة دون ما إذا كان التقدم في الرتبة.

و قد عرفت ان غرض المحقق- صاحب الكفاية (قده)- ليس التمسك بقياس المساواة لإثبات نفي المقدمية و التقدم لعدم أحد الضدين للضد الآخر ليرد عليه ما بيناه، بل غرضه ما ذكرناه سابقاً. هذا غاية توجيه لما أفاده (قده) في المقام.

و قد ظهر من ضوء بياننا هذا امران:

الأول- بطلان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من التمسك لإثبات كون عدم أحد الضدين في مرتبة الضد الآخر، بقياس المساواة. و قد تقدم بيانه مع جوابه مفصلا فلا حاجة إلى الإعادة.

الثاني- بطلان ما أفاده شيخنا المحقق (قده) من أن المعية في الرتبة كالتقدم أو التأخر الرتبي لا بد أن تكون ناشئة من ملاك وجودي، فلا يكفي فيها انتفاء ملاك‏

25

التقدم أو التأخر.

و الوجه في ذلك ما عرفت من أن التقدم أو التأخر لا بد ان يكون ناشئاً من ملاك وجودي موجب له، و اما المعية في الرتبة فلا.

و السر في ذلك ان كل شي‏ء إذا قيس على غيره و لم يكن بينهما ملاك التقدم و التأخر فهو في رتبته لا محالة، إذ لا نعنى بالمعية في الرتبة إلا عدم تحقق موجب التقدم و التأخر بينهما، ضرورة انها لا تحتاج إلى ملاك آخر غير عدم وجود ملاك التقدم و التأخر، فكل ما لم يكن متقدماً على شي‏ء و لا متأخراً عنه في الرتبة، كان متحداً معه في الرتبة لا محالة.

و بعد بيان هذا نقول: انه يمكن المناقشة فيما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) أيضا و الوجه في ذلك هو ان ما أفاده (قده) مبتن على أصل فاسد و هو ان استحالة اجتماع الضدين أو النقيضين إنما تكون مع وحدة الرتبة، و اما مع تعددها فلا استحالة أبداً، أو فقل: انه كما يعتبر في التناقض أو التضاد وحدة الزمان، كذلك يعتبر فيه وحدة الرتبة، و مع اختلافها فلا تناقض و لا تضاد.

و لكن هذا الأصل بمكان من الفساد و ذلك لأن التضاد من صفات الوجود الخارجي فالمضادة و المعاندة بين السواد و البياض أو بين الحركة و السكون- مثلا- إنما هي في ظرف الخارج بداهة انه مع قطع النّظر عن وجودهما في الخارج لا مضادة و لا معاندة بينهما أبداً.

و على الجملة: فالمضادة و المماثلة و المناقضة جميعاً من الصفات التي تعرض الموجودات الخارجية، لا الرتب العقلية، ضرورة ان الوجود و العدم انما يستحيل اجتماعهما في الخارج، و كذا السواد و البياض، و الحركة و السكون، و كل ما يكون من هذا القبيل، و لذا لو فرضنا ان الضدين كانا مختلفين في الرتبة عقلا كان اجتماعهما خارجا في موضوع واحد محالا، فالاستحالة تدور مدار اجتماعهما في الوجود الخارجي في آن واحد و في موضوع فارد، سواء أ كانا مختلفين بحسب الرتبة أم‏

26

كانا متحدين فيها، إذ العبرة إنما هي بالمقارنة الزمانية، و من المعلوم ان المختلفين بحسب الرتبة قد يقترنان بحسب الزمان كالعلة و المعلول.

و عليه فلا يتم ما في الكفاية من ان المعاندة و المنافرة بين الضدين تقتضي استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة أيضا، فإذا استحال اجتماعهما فيها فلا محالة يكون عدم أحدهما في تلك المرتبة ضرورياً، و إلا لزم اما ارتفاع الضدين أو اجتماعهما، و كلاهما محال.

و الوجه فيه ما عرفت من ان المعاندة و المنافرة بين الضدين إنما هي بلحاظ وجوديهما في الخارج و إلا فلا معاندة و لا مضادة بينهما أبداً، فإذاً لا مانع من أن يكون عدم أحدهما متقدماً على الآخر بالرتبة، و لا يلزم عليه المحذور المذكور أصلا، و اما عدم تقدم أحد الضدين على الآخر فليس من ناحية المضادة بينهما، ليقال ان قضيتها اتحادهما في الرتبة، بل من ناحية انتفاء ملاك التقدم و التأخر.

و من هنا لم يعدوا من الوحدات المعتبرة في التناقض أو التضاد وحدة الرتبة و هذا منهم شاهد على عدم اعتبارها فيه.

و ذكر المحقق صاحب الكفاية (قده) وجهاً رابعاً لاستحالة كون عدم أحد الضدين مقدمة للضد الآخر بأنه مستلزم للدور، فان التمانع بينهما لو كان موجباً لتوقف وجود كل منهما على عدم الآخر من باب توقف المعلول على عدم مانعه لاقتضى ذلك توقف عدم كل منهما على وجود الضد الآخر من باب توقف عدم الشي‏ء على وجود مانعه، فيلزم حينئذ توقف وجود كل منهما على عدم الآخر و توقف عدم كل منهما على وجود الآخر. و هذا محال.

و قد أورد عليه كما في الكفاية بان توقف وجود أحد الضدين على عدم الآخر فعلى، فان وجود السواد في محل متوقف فعلا على عدم تحقق البياض فيه و اما توقف عدم الضد على وجود الآخر فهو شأني، لا فعلى فلا دور.

و الوجه في ذلك هو ان وجود الضد في الخارج لا محالة يكون بوجود علته‏

27

التامة من المقتضى و الشرط و عدم المانع، و من الواضح ان توقف وجود المعلول على جميع اجزاء علته و منها عدم المانع فعلى، لأن للجميع دخلا فعلا في تحققه و وجوده في الخارج، و هذا معنى ان توقف وجود الضد على عدم الآخر فعلى، فانه من توقف وجود المعلول على عدم مانعه في ظرف تحقق المقتضى و الشرط.

و اما عدم الضد فلا يتوقف على وجود الضد الآخر فعلا، لأن عدمه يستند إلى عدم المقتضى له لا إلى وجود المانع في ظرف تحقق المقتضى مع بقية الشرائط، ليكون توقفه عليه فعلياً، بل يحتمل استحالة تحقق المقتضى له أصلا، لأجل احتمال ان يكون وقوع أحد الضدين في الخارج و عدم وقوع الآخر فيه منتهياً إلى تعلق الإرادة الأزلية بالأول و عدم تعلقها بالثاني، فانها علة العلل و جميع الأسباب الممكنة لا بد أن تنتهي إلى سبب واجب و هو الإرادة الأزلية فيكون عدم الضد عندئذ دائماً مستنداً إلى عدم المقتضى، لا إلى وجود المانع، ليلزم الدور.

و ما قيل:- من أن هذا إنما يتم فيما إذا كان الضدان منتهيين إلى إرادة شخص واحد فان إرادة الضدين من شخص واحد محال سواء أ كانت الإرادتان منتهيتين إلى الإرادة الأزلية أم لم تنتهيا إليها، فإذا أراد أحدهما فلا محالة يكون عدم الآخر مستنداً إلى عدم الإرادة و المقتضى لا إلى وجود المانع. و اما إذا كان كل منهما متعلقاً لإرادة شخص فلا محالة يكون عدم أحدهما مستنداً إلى وجود المانع، لا إلى عدم ثبوت المقتضى له، لفرض ان المقتضى له موجود و هو الإرادة، فان إرادة الضدين من شخصين ليست بمحال- مدفوع بان عدم الضد هنا أيضا مستند إلى قصور في المقتضى، لا إلى وجود الضد الآخر مع تماميته، فان الإرادة الضعيفة مع مزاحمتها بالإرادة القوية لا تؤثر. لخروج متعلقها عن تحت القدرة، فلا يكون المغلوب منهما في إرادته قادراً على إيجاد متعلقها.

و ان شئت فقل: ان الفعلين المتضادين اما ان يلاحظا بالإضافة إلى شخص واحد أو بالإضافة إلى شخصين، فعلى الأول كان عدم ما لم يوجد منهما مستنداً إلى‏

28

عدم تعلق الإرادة به فعدمه لعدم مقتضية لا لوجود المانع، و على الثاني يستند عدمه إلى عدم الشرط أعني به عدم القدرة على الإيجاد مع تعلق الإرادة القوية بخلافه. و هذا التقريب ألخص و امتن، فانه لا يتوقف على انتهاء أفعال العباد إلى الإرادة الأزلية حتى يرد عليه ان افعال العباد غير منتهية إلى إرادة اللَّه تعالى أولاً، و ليست إرادته سبحانه أزلية ثانياً، كما تقدم الكلام فيه مفصلا في بحث الطلب و الإرادة.

و حاصل الاعتراض على ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده)- من أن وجود أحد الضدين إذا توقف على عدم الآخر لزم الدور، فان عدم الآخر أيضاً متوقف على وجود الأول توقف عدم الشي‏ء على وجود مانعه- هو ان عدم أحد الضدين لا يستند إلى وجود الآخر أبداً بل يستند إلى عدم المقتضى أو عدم الشرط فالتوقف من طرف الوجود فعلى و اما من طرف العدم فلا توقف إلا على فرض محال و هو ان يفرض وجود المقتضى للوجود مع جميع شرائطه، هذا غاية ما يمكن ان يقال في دفع غائلة استلزام الدور.

و لكنه يرد عليه ما أفاده في الكفاية و حاصله ان المورد إذا سلم إمكان استناد عدم أحد الضدين إلى وجود الآخر و ان لم يتحقق ذلك خارجاً فمحذور الدور يبقى على حاله لا محالة إذ كيف يمكن ان يكون ما هو من اجزاء العلة لشي‏ء معلولاً له بعينه. و اما إذا لم يسلم ذلك و ذهب إلى استحالة استناد عدم أحد الضدين إلى وجود الآخر كما هو مقتضى التقريب المتقدم فمعناه إنكار توقف أحد الضدين على عدم الآخر، فانه إذا استحال ان يكون شي‏ء مانعاً عن ضده فكيف يمكن أن يقال ان ضده يتوقف على عدمه توقف الشي‏ء على عدم مانعه.

و بعبارة واضحة ان المدعى انما هو توقف أحد الضدين على عدم الآخر توقف الشي‏ء على عدم مانعه، فإذا فرض انه لا يمكن أن يكون مانعاً فكيف يمكن ان يكون عدمه موقوفاً عليه.

29

ثم ان المحقق الخوانساري (قده) قد فصل بين الضد الموجود و الضد المعدوم و ربما نسب هذا التفصيل إلى شيخنا العلامة الأنصاري (قده) أيضاً بدعوى ان وجود الضد إنما يتوقف على عدم الضد الآخر إذا كان موجوداً، لا مطلقاً بمعنى ان المحل إذا كان مشغولا بأحد الضدين فوجود الضد الآخر في هذا المحل يتوقف على ارتفاع ذلك الضد، و اما إذا لم يكن مشغولا به فلا يتوقف وجوده على عدمه و نتيجة ذلك هي ان عدم الضد الموجود مقدمة لوجود الضد الآخر دون عدم الضد المعدوم.

بيان ذلك: ان المحل اما أن يكون خالياً من كل من الضدين، و اما أن يكون مشغولا بأحدهما دون الآخر، فعلى الأولى: فالمحل قابل لكل منهما بما هو مع قطع النّظر عن الآخر، و قابلية المحل لذلك فعلية فلا تتوقف على شي‏ء، فعندئذ إذا وجد المقتضى لأحدهما فلا محالة يكون موجوداً من دون توقفه على عدم وجود الآخر- مثلا- إذا كان الجسم خالياً من كل من السواد و البياض فقابليته لعروض كل منهما عليه عندئذ فعلية، فإذا وجد مقتضى السواد فيه فلا محالة يكون السواد موجوداً، من دون أن يكون لعدم البياض دخل في وجوده أصلا ..

فالنتيجة: ان وجود الضد في هذا الفرض لا يتوقف على عدم الضد الآخر و على الثاني- فالمحل المشغول بالضد لا يقبل ضداً آخر في عرضه، بداهة ان المحل غير قابل بالذات لعروض كلا الضدين معاً. نعم يقبل الضد الآخر بدلا عنه، و عليه فلا محالة يتوقف وجود الضد الآخر على ارتفاع الضد الموجود، ضرورة ان الجسم الأسود لا يقبل البياض كما ان الجسم الأبيض لا يقبل السواد، فوجود البياض لا محالة- يتوقف على خلو الجسم من السواد ليقبل البياض، و كذا وجود السواد يتوقف على خلوه من البياض، ليكون قابلا لعروض السواد، و هذا بخلاف الضد الموجود فانه لا يتوقف على شي‏ء عدا ثبوت مقتضية.

30

أقول: ان مرد هذا التفصيل إلى ان الأشياء محتاجة إلى العلة و السبب في حدوثها لا في بقائها، فهي في بقائها مستغنية.

بيان ذلك ان الحادث إذا كان في بقائه غير محتاج إلى المؤثر كان وجود الحادث المستغني عن العلة مانعاً عن حدوث ضده فلا محالة يتوقف حدوث ضده على ارتفاعه. و اما إذا كان الحادث محتاجاً في بقائه إلى المؤثر فان لم يكن لضده مقتض فعدمه يستند إلى عدم مقتضية، و ان كان له مقتض و لم يكن شرطه متحققاً فعدمه يستند إلى عدم شرطه، و ان كان شرطه أيضا موجوداً و مع ذلك كان معدوماً فهو مستند إلى وجود مقتضى البقاء المانع من تأثير مقتضى ضده، اذن لا فرق بين الضد الموجود و غير الموجود في أن وجود الشي‏ء لا يتوقف على عدم ضده، بل يتوقف على عدم مقتضى ضده إذا كان مقتضى الشي‏ء و شرطه موجوداً في الخارج.

إذا عرفت ذلك فلنأخذ بدرس هذه النقطة (استغناء البقاء عن المؤثر) مرة في الأفعال الاختيارية، و مرة أخرى في الموجودات التكوينية.

اما في الأفعال الاختيارية التي هي محل الخلاف في المسألة فهي بديهية البطلان و لو سلمنا انها صحيحة في الموجودات التكوينية. و الوجه في ذلك ما ذكرناه في بحث الطلب و الإرادة من ان الفعل الاختياري مسبوق باعمال القدرة و الاختيار و هو- فعل اختياري للنفس- و ليس من مقولة الصفات، و واسطة بين الإرادة و الأفعال الخارجية، فالفعل في كل آن يحتاج إليه، و يستحيل بقاؤه بعد انعدامه و انتفائه.

أو فقل: ان الفعل إذا كان تابعاً لاعمال قدرة الفاعل فلا محالة كان الفاعل إذا أعمل قدرته فيه تحقق في الخارج، و ان لم يعملها فيه استحال تحققه، و كذا ان استمر على إعمال القدرة فيه استمر وجوده، و ان لم يستمر عليه استحال استمراره، و هذا واضح.

و على الجملة لا فرق بين حدوث الفعل الاختياري و بقائه في الحاجة إلى السبب و العلة (و هو إعمال القدرة) فان سر الحاجة و هو إمكانه الوجوديّ و فقره الذاتي‏

31

كامن في صميم ذاته و وجوده، مع ان البقاء هو الحدوث، غاية الأمر انه حدوث ثان و وجود آخر في مقابل الوجود الأول، و الحدوث هو الوجود الأول غير مسبوق بمثله، و عليه فإذا تحقق فعل في الخارج من الفاعل المختار كالتكلم- مثلا- الّذي هو مضاد للسكوت، أو الحركة التي هي مضادة للسكون، أو الصلاة التي هي منافية للإزالة، فهذا الفعل كما انه في الآن الأول بحاجة إلى إعمال القدرة فيه و الاختيار، كذلك بحاجة إليه في الآن الثاني و الثالث و هكذا، فلا يمكن ان نتصور استغناءه في بقائه عن الفاعل بالاختيار.

و على هذا الضوء لا فرق بين الضد الموجود و المعدوم، إذ كما ان تحقق كل منهما في الزمان الأول كان متوقفاً على وجود مقتضية (الاختيار و إعمال القدرة) كذلك تحققه في الزمان الثاني كان متوقفاً عليه. و قد أشرنا آنفاً ان نسبة بقاء الضد الموجود في الآن الثاني كنسبة حدوث الضد المعدوم فيه في الحاجة إلى المقتضى و فاعل ما منه الوجود، فكما ان الأول لا يتوقف على عدم الثاني فكذلك الثاني لا يتوقف على عدم الأول.

أو فقل: ان كل فعل اختياري ينحل إلى أفعال متعددة بتعدد الآنات و الأزمان فيكون في كل آن فعل صادر بالإرادة و الاختيار، فلو انتفى الاختيار في زمان يستحيل بقاء الفعل فيه، و لذلك لا فرق بين الدفع و الرفع عقلا إلا بالاعتبار هو ان الدفع مانع عن الوجود الأول و الرفع مانع عن الوجود الثاني، فكلاهما في الحقيقة دفع، و مثال ذلك ما إذا أراد المكلف فعل الإزالة دون الصلاة، فكما ان تحقق كل واحدة منهما في الزمن الأول كان منوطاً باختياره و إعمال القدرة فيه، فكذلك تحقق كل منهما في الزمن الثاني كان منوطاً باختياره و إعمال القدرة فيه، فهما من هذه الناحية على نسبة واحدة.

فالنتيجة: ان احتياج الأفعال الاختيارية إلى الإرادة و الاختيار من الواضحات الأولية فلا يحتاج إلى مئونة بيان و إقامة برهان.

32

و أما في الموجودات التكوينية فالامر أيضاً كذلك، إذ لا شبهة في حاجة الأشياء إلى علل و أسباب فيستحيل ان توجد بدونها.

و سر حاجة تلك الأشياء بصورة عامة إلى العلة و خضوعها لها هو ان الحاجة كامنة في ذوات تلك الأشياء، لا في أمر خارج عنها، فان كل ممكن في ذاته مفتقر إلى الغير و متعلق به، سواء أ كان موجوداً في الخارج أم لم يكن، ضرورة ان فقرها كامن في نفس وجوده، و إذا كان الأمر كذلك فلا فرق بين الحدوث و البقاء في الحاجة إلى العلة، فان سر الحاجة و هو إمكان الوجود لا ينفك عنه، كيف فان ذاته عين الفقر و الإمكان، لا انه ذات لها الفقر.

و على أساس ذلك فكما ان الأشياء في حدوثها في أمس الحاجة إلى سبب و علة، فكذلك في بقائها، فلا يمكن أن نتصور وجوداً متحرراً عن تلك الحاجة أو فقل: ان النقطة التي تنبثق منها حاجة الأشياء إلى مبدأ الإيجاد ليست هي حدوثها، لأن هذه النظرية تستلزم تحديد حاجة الممكن إلى العلة من ناحيتين:

المبدأ و المنتهى.

اما من ناحية المبدأ فلأنها توجب اختصاص الحاجة بالحوادث و هي الأشياء الحادثة بعد العدم، و اما إذا فرض ان للممكن وجوداً مستمراً بصورة أزلية لم تكن فيه حاجة إلى المبدأ، و هذا لا يطابق مع الواقع، إذ الممكن يستحيل وجوده من دون علة و سبب، و إلا انقلب الممكن واجباً و هذا خلف. و اما من ناحية المنتهى فلأن الأشياء على ضوء هذه النظرية تستغني في بقائها عن المؤثر، و من الواضح انها نظرية خاطئة لا تطابق الواقع، كيف فان حاجة الأشياء إلى ذلك المبدأ كامنة في صميم وجودها كما عرفت.

تلخص ان هذه النظرية بما انها تستلزم هذين الخطأين في المبدأ، و توجب تحديده في نطاق خاص و إطار مخصوص فلا يمكن الالتزام بها.

و الصحيح أن منشأ حاجة الأشياء إلى المبدأ و خضوعها له خضوعاً ذاتياً

33

هو إمكانها الوجوديّ و فقرها الواقعي.

و على ضوء هذا البيان قد اتضح انه لا فرق بين الضد الموجود و الضد المعدوم فكما ان الضد المعدوم يحتاج في حدوثه إلى سبب و علة، كذلك الضد الموجود يحتاج في وجوده في الآن الثاني و الثالث، و هكذا إلى سبب و علة و لا يستغنى عنه في لحظة من لحظات وجوده، و نسبة حاجة الضد الموجود في بقائه إلى السبب و العلة، و الضد المعدوم في حدوثه إلى ذلك على حد سواء.

أو فقل: ان المحل كما انه في نفسه قابل لكل من الضدين حدوثاً، فان قابليته لذلك ذاتية، كما ان عدم قابليته لقبول كليهما من ذاتياته، فوجود كل منهما و عروضه لذلك المحل منوط بتحقق علته، فعلة أي منهما وجدت كان موجوداً لا محالة. كذلك حال المحل في الآن الثاني، فانه قابل لكل منهما بعين تلك النسبة فان بقاء الضد الموجود أو حدوث الضد الثاني منوط بوجود علته، فكما ان وجود الضد المعدوم في هذا الآن منوط بتحقق علته كذلك بقاء الضد الموجود فنسبة تحقق علة وجود ذلك الضد، و تحقق علة وجود الضد الموجود في ذلك الآن على حد سواء، و عليه فعلة وجود أي منهما وجدت في تلك الحال كان موجوداً لا محالة بلا فرق بين الضد الموجود و المعدوم.

و قد تبين مما مر: ان المعلول يرتبط بالعلة ارتباطاً ذاتياً و يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر، فلا يعقل بقاء المعلول بعد ارتفاع العلة، كما لا يمكن أن تبقى العلة و المعلول غير باق. و قد عبر عن ذلك بالتعاصر بين العلة و المعلول زماناً.

و قد يناقش في ذلك الارتباط: بأنه مخالف لظواهر عدة من الموجودات الكونية التي هي باقية بعد انتفاء علتها، فهي تكشف عن عدم صحة قانون التعاصر، و انه لا مانع من بقاء المعلول و استمرار وجوده بعد انتفاء علته.

و ذلك كالعمارات التي بناها البناءون و آلاف من العمال فانها بعد انتهاء عملية العمارة و البناء تبقى سنين متطاولة. و كالجسور و الطرق و وسائل النقل المادية و المكائن‏

34

و المصانع و ما شاكلها مما شاده المهندسون و الفنانون في شتى ميادين العلم، فانها بعد أن انتهت عمليتها بيد هؤلاء الفنانين و العمال تبقى إلى أمد بعيد من دون علة مباشرة لها.

و كالجبال و الأحجار و الأشجار و نحوها من الموجودات الطبيعية على سطح الأرض فانها باقية و لم تكن في بقائها بحاجة إلى علة مباشرة لها.

و الخلاصة: ان المناقش قد عارض قانون التعاصر بظواهر تلك الأمثلة التي تكشف بظاهرها عن ان المعلول لا يحتاج في استمرار وجوده و بقائه إلى علة، بل هو باق مع انتفاء علته.

و الجواب عن تلك المناقشة: انها قد نشأت عن عدم فهم معنى العلية فهما صحيحاً كاملا. و قد تقدم بيان ذلك، و قلنا هناك ان حاجة الأشياء إلى مبدأ و سبب كامنة في صميم ذاتها و لا يمكن أن تملك حريتها بعد حدوثها.

و الوجه في ذلك هو: ان علة تلك الأشياء و الظواهر حدوثاً غير علتها بقاء. و بما ان المناقش لم ينظر إلى علة تلك الظواهر لا حدوثاً و لا بقاء نظرة عميقة صحيحة وقع في هذا الخطأ، لأن ما هو معلول للمهندسين و البناءين و آلاف العمال في بناء العمارات و الدور و صنع الطرق و الجسور و الوسائل المادية الأخرى من المكائن و السيارات و غيرها إنما هو نفس عملية صنعها و تصميمها نتيجة عدة من الحركات و الجهود التي يقوم بها العمال و نتيجة تجميع المواد الخام من الحديد و الخشب و الآجر و غيرها من المواد لتصنيع السيارات و تعمير العمارات و تركيب سائر الآلات، و هذه الحركات هي المعلولة للعمال و الصادرة عنهم و لذا تنقطع تلك الحركات بمجرد اضراب العمال عن العمل و كف أيديهم عنها.

و اما بقاء تلك الظواهر و الأشياء على وضعها الخاصّ فهو معلول لخصائص تلك المواد الطبيعية و حيويتها، و قوة الجاذبية العامة التي تفرض عليها المحافظة على وضعها. نظير اتصال الحديد بما فيه القوة الكهربائية فانها تجذب الحديد بقوة

35

جاذبية طبيعية تجره إليها آناً فآناً بحيث لو سلبت منه تلك القوة لا نقطع منه الجذب لا محالة.

و من ذلك تظهر حال بقية الأمثلة، فان بقاء الجبال على وضعها الخاصّ و موضعها المخصوص، و كذا الأحجار و الأشجار و المياه و ما شاكلها لخصائص طبيعية كامنة في صميم موادها، و القوة الجاذبية العامة التي تفرض على جميع الأشياء الكونية. و قد صارت عمومية تلك القوة في يومنا هذا من الواضحات. و قد أودعها اللّه سبحانه و تعالى في صميم هذه الكرة الأرضية للتحفظ على الكرة و ما عليها على وضعها و نظامها الخاصّ في حين انها تتحرك في هذا الفضاء الكوني بسرعة هائلة.

و على الجملة: فبقاء تلك الظواهر، و الموجودات الممكنة و استمرار وجودها في الخارج معلول لخصائص تلك المواد الطبيعية المحافظة على هذه الظاهرة من ناحية، و القوة الجاذبة من ناحية أخرى.

فبالنتيجة المحافظ على الموجودات الطبيعية على وضعها الخاصّ و موضعها المخصوص هي خصائصها و الجاذبية التي تخضع تلك الظواهر لها، و لا تملك حريتها حدوثاً و بقاء، إذاً فلا وجه لتوهم ان تلك الظواهر في بقائها و استمرار وجودها مالكة لحريتها و لا تخضع لمبدإ و سبب.

و نتيجة ذلك نقطتان متقابلتان:

الأولى- بطلان نظرية ان سر الحاجة إلى العلة هو الحدوث لأن تلك النظرية مبنية على أساس على عدم فهم معنى العلية فهما صحيحاً و تحديد حاجة الأشياء إلى العلة في إطار خاص و نطاق مخصوص لا يطابق مع الواقع.

الثانية- صحة نظرية ان سر الحاجة إلى العلة هو إمكان الوجود، فان تلك النظرية قد ارتكزت على أساس فهم معنى العلية فهما صحيحاً مطابقاً للواقع و ان حاجة الأشياء إلى المبدأ كامنة في صميم وجودها فلا يمكن أن نتصور وجوداً متحرراً عن ذلك المبدأ.

36

و قد تلخص: ان الأشياء- بشتى ألوانها و اشكالها- خاضعة للمبدإ الأول خضوعاً ذاتياً. و هذا لا ينافي ان يكون تكوينها و إيجادها بمشيئة اللّه تعالى و إعمال قدرته كما فصلنا الحديث- من هذه الناحية- في بحث الطلب و الإرادة. و قد وضعنا هناك الحجر الأساسي للفرق بين زاوية الأفعال الاختيارية و زاوية المعاليل الطبيعية.

ثم انا لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا صحة نظرية ان منشأ الحاجة هو الحدوث في الموجودات التكوينية و انها تملك حريتها في البقاء و لا تخضع لمبدإ، إلا انها بديهية البطلان في الأفعال الاختيارية التي هي محل الكلام في المسألة، ضرورة ان الفعل الاختياري يستحيل بقاؤه بعد ارتفاع الإرادة و الاختيار إذاً لا وجه للتفصيل بين الضد الموجود و المعدوم.

و يجدر بنا ان نختم الحديث عن مقدمية عدم الضد للضد الآخر و عدم مقدميته و قد عرفت استحالة مقدميته. هذا بحسب الصغرى.

و اما الكبرى و هي وجوب مقدمة الواجب. فقد تقدم الكلام فيها، و قلنا هناك انه لا دليل على ثبوت الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته، و ما ذكروه من الأدلة على ذلك قد ناقشناها واحداً بعد واحد، بل ذكرنا هناك- مضافاً إلى ان الوجدان حاكم بعدم ثبوت الملازمة بينهما- ان إيجاب المقدمة شرعاً لغو محض فلا يترتب عليه أثر أصلا.

الوجه الثاني- قد استدل بعضهم على ان الأمر بشي‏ء يقتضى النهي عن ضده بان وجود الضد ملازم لترك الضد الآخر، و المتلازمان لا يمكن اختلافهما في الحكم بان يكون أحدهما واجباً و الآخر محرماً، و عليه فإذا كان أحد الضدين واجباً فلا محالة يكون ترك الآخر أيضا واجباً، و إلا لكان المتلازمان مختلفين في الحكم و هو غير جائز.

أقول: هذا الدليل أيضا مركب من مقدمتين:

الأولى- صغرى القياس، و هي ثبوت الملازمة بين وجود شي‏ء و عدم ضده.

37

الثانية- كبراه و هي عدم جواز اختلاف المتلازمين في الحكم.

اما المقدمة الأولى فلا إشكال فيها.

و اما المقدمة الثانية فقد ذكروا ان المتلازمين لا بد ان يكونا متوافقين في الحكم فإذا كانت الإزالة- مثلا- واجبة فترك الصلاة الّذي هو ملازم لفعل الإزالة لا محالة يكون واجباً لأنه يمتنع أن يكون محرماً لاستلزامه التكليف بالمحال، و لا فرق في ذلك بين الضدين اللذين لا ثالث لهما كالحركة و السكون و ما شاكلهما، و الضدين الذين لهما ثالث كالسواد و البياض و القيام و الجلوس و نحوهما، غاية الأمر انه على الفرض الأول كان الاستلزام من الطرفين، فكما ان وجود كل منهما يستلزم عدم الآخر كذلك عدم كل منهما يستلزم وجود الآخر. و اما على الفرض الثاني فوجود كل واحد منهما يستلزم عدم الآخر دون العكس إذ يمكن انتفاؤهما معاً. و ذلك لأن ملاك دلالة الأمر بالشي‏ء على النهي عن ضده هو استلزام وجود ذلك الشي‏ء لعدم ضده، و هو أمر يشترك فيه جميع الأضداد. و اما استلزام عدم الشي‏ء لوجود ضده فهو و ان كان مختصاً بالضدين الذين لا ثالث لهما إلا انه أجنبي عن ملاك الدلالة تماماً.

و على ذلك يظهر انه لا وجه لما يراه شيخنا الأستاذ (قده) من التفرقة بين ما إذا لم يكن للضدين ثالث، و ما إذا كان لهما ثالث فسلم الدلالة في الفرض الأول دون الثاني، فان ملاك الدلالة- كما عرفت- واحد، إذاً فالتفصيل في غير موضعه كما سنتعرض إلى ذلك إن شاء اللّه تعالى.

و الجواب عن ذلك ان الّذي لا يمكن الالتزام به هو كون المتلازمين مختلفين في الحكم، بان يكون أحدهما متعلقاً للأمر، و الآخر متعلقاً للنهي، لاستلزام ذلك التكليف بما لا يطاق، فلا يمكن أن يأمر الشارع باستقبال القبلة- مثلا- في بلدنا هذا أو ما يقربه من البلاد في الطول و العرض، و ينهى عن استدبار الجدي، لأن هذا تكليف بغير المقدور، بل لا يمكن النهي التنزيهي عنه لكونه لغواً فلا

38

يترتب عليه أي أثر بعد فرض وجوب الاستقبال. و اما لزوم كونهما محكومين بحكم واحد و متوافقين فيه فلا موجب له أصلا فان المحذور المتقدم- و هو: لزوم التكليف بما لا يطاق- كما يندفع بالالتزام بكونهما متوافقين في الحكم كذلك يندفع بكون أحدهما غير محكوم بحكم من الأحكام. و عليه فلا مقتضى لدفع المحذور بالفرض الأول دون الفرض الثاني، فان الالتزام بالتوافق في الحكم يحتاج إلى دليل يدل عليه، و لا دليل في المقام، بل قام الدليل على خلافه، و ذلك لأن الشارع إذا أمر بأحد المتلازمين فالامر بالملازم الآخر لغو فإذا أمر باستقبال القبلة- مثلا- فالامر باستدبار الجدي. أو كون اليمين على طرف المغرب و اليسار على طرف المشرق بلا فائدة، فان تلك الأمور من ملازمات وجود المأمور به في الخارج، سواء أ كانت متعلقة للأمر أم لم تكن، و ما كان كذلك فلا يمكن تعلق الأمر به.

نعم لو توقف ترك الحرام خارجاً على الإتيان بفعل ما للملازمة بين ترك هذا الفعل و الوقوع في الحرام وجب الإتيان به عقلا. و اما شرعاً فلا، لعدم الدليل على سراية الحكم من متعلقه إلى ملازماته الخارجية. و نظير ذلك ما تقدم في بحث مقدمة الواجب من ان الإتيان بالمقدمة إذا كان علة تامة للوقوع في الحرام من دون أن يتوسط بين المقدمة و ذيها إرادة و اختيار للفاعل، وجب تركها عقلا لا شرعاً لعدم الدليل على حرمة تلك المقدمة لا حرمة نفسية و لا حرمة غيرية.

اما الحرمة النفسيّة فلان المتصف بها إنما هو المسبب، لأنه مقدور للمكلف بواسطة القدرة على مقدمته، و من الظاهر انه لا فرق في المقدور بين كونه بلا واسطة أو معها. و وجوب وجوده و ضرورته من قبل الإتيان بمقدمته لا يضر بتعلق التكليف به لأنه وجوب بالاختيار، فلا ينافي الاختيار. إذاً لا وجه لصرف النهي المتعلق بالمعلول إلى علته كما عن شيخنا الأستاذ (قده) بدعوى ان العلة مقدورة دون المعلول، ضرورة ان المقدور بالواسطة مقدور و المعلول و ان‏

39

لم يكن مقدوراً ابتداء، إلا انه مقدور بواسطة القدرة على علته و هذا يكفي في صحة تعلق النهي به.

و أما الحرمة الغيرية فقد تقدم انه لا دليل عليها لأن ثبوتها يبتنى على ثبوت الملازمة. و قد سبق ان الملازمة لم تثبت.

و بتعبير آخر: لا شبهة في ان مراد القائل بان المتلازمين لا بد أن يكونا متوافقين في الحكم: ليس توافقهما في الإرادة بمعنى الشوق المؤكد، و لا بمعنى إعمال القدرة، فان الإرادة بالمعنى الأول من الصفات النفسانيّة، و ليست من سنخ الأحكام في شي‏ء. و بالمعنى الثاني و هو إعمال القدرة في شي‏ء يستحيل أن يتعلق بفعل الغير لأنه ليس واقعاً تحت اختيار المولى و إرادته، بل مراده من ذلك ان اعتبار المولى أحد المتلازمين في ذمة المكلف و إبرازه في الخارج بمبرز يستلزم اعتبار الآخر في ذمته أيضاً.

و لكن من الواضح جداً: انه لا ملازمة بين الاعتبارين أصلا مضافاً إلى ما عرفت من ان الاعتبار الثاني لغو.

و على ضوء هذا البيان قد ظهر ان الأمر كذلك في النقيضين، و المتقابلين بتقابل العدم و الملكة، كالتكلم و السكوت، فان اعتبار الشارع الفعل على ذمة المكلف لا يستلزم النهي عن نقيضه، و اعتبار عدمه، كما ان اعتبار الملكة في ذمة المكلف لا يستلزم النهي عن عدمها، فالامر بالإزالة- مثلا- كما لا يستلزم النهي عن الصلاة المضادة لها، كذلك لا يستلزم النهي عن نقيضها و هو العدم البديل لها، ضرورة ان المتفاهم منه عرفاً ليس إلا وجوب الإزالة في الخارج، لا حرمة تركها و لذلك قلنا ان كل حكم شرعي متعلق بشي‏ء لا ينحل إلى حكمين: أحدهما متعلق به، و الآخر بنقيضه.

أو فقل: ان النهي عن أحد النقيضين مع الأمر بالنقيض الآخر لغو فلا يترتب عليه أثر.

40

و بذلك يظهر فساد ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من الالتزام بان الأمر بأحد النقيضين يستلزم النهي عن الآخر باللزوم البين بالمعنى الأخص. و الأمر بأحد المتقابلين بتقابل العدم و الملكة كالتكلم و السكوت- مثلا- يستلزم النهي عن الآخر باللزوم البين بالمعنى الأخص أيضاً، بل الأمر بأحد الضدين الذين لا ثالث لهما كالحركة و السكون يستلزم النهي عن الضد الآخر و لكن باللزوم البين بالمعنى الأعم.

و وجه الظهور هو، ما قد سبق من انه لا دلالة على الملازمة في شي‏ء من تلك الموارد حتى باللزوم البين بالمعنى الأعم، فضلا عن البين بالمعنى الأخص، و ان الأمر لا يدل إلا على اعتبار متعلقه في ذمة المكلف، و لا يدل على النهي عن تركه، بل قد عرفت ان النهي عنه لغو.

أضف إلى ذلك ما ذكرناه- سابقاً- من ان ملاك الدلالة في المقام هو استلزام فعل الضد لترك الضد الآخر، و هو امر مشترك فيه بين الجميع، فلا يختص بالنقيضين و لا بالمتقابلين بتقابل العدم و الملكة و لا بالضدين الذين لا ثالث لهما، بل يعم الضدين الذين لهما ثالث أيضاً، لأن فعل أحدهما يستلزم ترك الآخر لا محالة. و اما استلزام ترك الشي‏ء لفعل ضده فهو أجنبي عن ملاك الدلالة تماماً.

فالنتيجة ان ما هو ملاك الدلالة على تقدير تسليمه يشترك فيه الجميع، و لا يختص بغير الضدين الذين لهما ثالث فما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من التفرقة لا يرجع إلى معنى محصل.

شبهة الكعبي بانتفاء المباح‏

و هذه الشبهة ترتكز على ركيزتين:

الأولى- ان ترك الحرام في الخارج يتوقف على فعل من الأفعال الوجودية لاستحالة خلو المكلف من فعل ما، و كون من الأكوان الاختيارية، و عليه فإذا

41

لم يشتغل بغير الحرام وقع في الحرام لا محالة إذا كان الاشتغال بغير الحرام واجباً مقدمة لترك الحرام.

الثانية- ان الفعل الاختياري يحتاج في حدوثه و بقائه إلى المؤثر، فلا يستغنى الحادث في بقائه عن المؤثر كما لا يستغنى عنه في حدوثه، فالنتيجة على ضوء هاتين الركيزتين هي أن ترك الحرام حدوثاً و بقاء متوقف على إيجاد غيره من الأفعال الاختيارية في الخارج. و بما ان إيجاده مقدمة لترك الحرام فيكون واجباً بوجوب مقدمي، إذاً لا يمكن فرض مباح في الخارج. و هذا معنى القول بانتفاء المباح و انحصار الأفعال بالواجب و الحرام.

و يرد عليه: ان الركيزة الثانية و إن كانت في غاية الصحة و المتانة كما سبق إلا ان الأولى منهما واضحة البطلان. و الوجه في ذلك هو: ان ما ذكره الكعبي في هذه الركيزة اما مبتن على مانعية وجود أحد الضدين عن الضد الآخر بدعوى ان فعل الحرام بما انه مضاد لغيره من الأفعال الوجودية فلا محالة يتوقف تركه على فعل ما من تلك الأفعال من باب توقف عدم الشي‏ء على وجود مانعه. و اما مبتن على دعوى الملازمة بين حرمة شي‏ء و وجوب ضده.

و لكن كلا الأمرين واضح الفساد.

اما الأمر الأول فقد تقدمت استحالة مانعية وجود أحد الضدين عن الضد الآخر بصورة مفصلة، فلا يكون عدم الضد مستنداً إلى وجود ضده، بل هو اما مستند إلى عدم مقتضية، أو إلى وجود المقتضى للضد الآخر. و على هذا فلا يكون ترك الحرام متوقفاً على فعل ما غير الحرام من الأفعال الوجودية، بل يكفي في عدمه عدم إرادته و عدم الداعي إليه، أو إرادة إيجاد فعل آخر. و كيف كان فلا يتوقف ترك الحرام على أحد تلك الأفعال، على ان الكبرى أيضا غير ثابتة، و هي وجوب مقدمة الواجب كما سبق.

و اما الأمر الثاني- فلما عرفت من انه لا دليل على سراية الحكم من أحد

42

المتلازمين إلى الملازم الآخر.

نعم ربما يمكن أن يعلم المكلف بأنه لو لم يأت بفعل ما غير الحرام لوقع في الحرام باختياره و إرادته، فحينئذ و ان وجب الإتيان به فراراً عن الوقوع في الحرام إلا ان وجوبه عقلي لا شرعي كما تقدم، اذن فما أفاده الكعبي من انحصار الأفعال الاختيارية بالواجب و الحرام لا يرجع إلى معنى محصل. هذا تمام كلامنا في الضد الخاصّ.

و نتيجة جميع ما ذكرناه عدة نقاط:

الأولى- ان هذه المسألة من المسائل الأصولية العقلية و ليست من المسائل الفقهية، و لا من المبادئ كما تقدم.

الثانية- ان العلة التامة مركبة من أجزاء ثلاثة و هذه الأجزاء تختلف من ناحية استناد وجود المعلول إليها و استناد عدمه إلى تلك الاجزاء، فان وجوده مستند إلى الجميع في مرتبة واحدة فلا يمكن أن يستند إلى بعضها دون بعضها الآخر، و هذا بخلاف عدمه، فانه عند عدم المقتضى أو الشرط لا يستند إلى وجود المانع كما عرفت.

الثالثة- ان كبرى كون عدم المانع من المقدمات مسلمة إلا أن عدم أحد الضدين ليس مقدمة لوجود الضد الآخر، لما تقدم من استحالة مانعية وجود أحد الضدين للضد الآخر بالوجهين السابقين» الدور و التفتيش عن حال المقتضيات و عدم إمكان فرض صورة يستند عدم الضد في تلك الصورة إلى وجود الضد الآخر» الرابعة- ان المانع إنما يكون متصفاً بالمانعية عند ثبوت المقتضى مع بقية الشرائط، ليزاحم المقتضى في تأثيره. و هذا معنى دخل عدمه في وجود المعلول.

الخامسة- إمكان ثبوت المقتضى لكل من الضدين في نفسه مع قطع النّظر عن الآخر و قد عرفت ان هذا غير داخل في الكبرى المتسالم عليها، و هي ان اقتضاء المحال محال خلافاً لشيخنا الأستاذ (قده) حيث انه قد أصر على استحالة

43

ثبوت المقتضى لكل منهما، و ان ذلك من مصاديق تلك الكبرى، و لكن قد سبق ان الأمر ليس كذلك فان تلك الكبرى إنما تتحقق في أحد موردين:

1- (اقتضاء شي‏ء واحد بذاته امرين متنافيين في الوجود). 2- (فرض ثبوت المقتضى لكل من الضدين بقيد الاجتماع و التقارن) و المقام ليس منهما في شي‏ء.

السادسة- ان التقدم أو التأخر الرتبي يحتاج إلى ملاك وجودي كامن في صميم ذات الشي‏ء لا في أمر خارج عنه، دون المعية في الرتبة، فانه يكفي في تحققها عدم تحقق ملاك التقدم أو التأخر خلافاً لشيخنا المحقق (قده) حيث قال: ان المعية في الرتبة أيضا تحتاج إلى ملاك وجودي. و قد تقدم فساده فلاحظ.

السابعة- انه لا مقتضى لكون المتلازمين متوافقين في الحكم، بل قد سبق ان ذلك لغو فلا يترتب عليه أثر شرعي أصلا. نعم الّذي لا يمكن هو اختلافهما في الحكم كما مر.

الثامنة- ان قياس المساواة إنما ينتج في المتقدم و المتأخر بالزمان، فان ما كان متحداً مع المتقدم أو المتأخر زماناً متقدم أو متأخر لا محالة، لا في المتقدم و المتأخر بالرتبة و الطبع. و سر ذلك ان ملاك التقدم و التأخر في الأولين أمر خارج عن مقتضى ذاتهما و هو وقوعهما في الزمان المتقدم و المتأخر، و مع قطع النّظر عن ذلك فلا يقتضى أحدهما بذاته التقدم على شي‏ء آخر و لا الآخر التأخر، فان المتقدم و المتأخر بالذات نفس اجزاء الزمان و ما يشبهها كالحركة و نحوها، و الحوادث الأخر إنما تتصف بهما بالعرض لا بالذات. و نتيجة ذلك هي ان كل ما كان واقعاً في الزمان المتقدم واجد لملاك التقدم، و كل ما كان واقعاً في الزمان المتأخر واجد لملاك التأخر، و كل ما كان واقعاً في الزمان المقارن واجد لملاك التقارن من دون اختصاص بحادث دون آخر. و ملاك التقدم و التأخر في الأخيرين أمر راجع إلى مقتضى ذاتهما فكل ما كان في صميم ذاته من الوجود أو العدم اقتضاء التقدم على شي‏ء أو التأخر متقدم عليه أو متأخر لا محالة، و كل ما لم يكن فيه اقتضاء كذلك‏

44

فلا يعقل فيه التقدم أو التأخر و لو كان في رتبة ما فيه الاقتضاء.

التاسعة- بطلان التفصيل بين الضد المعدوم و الضد الموجود بتوقف وجود الأول على ارتفاع الثاني دون العكس. و قد عرفت ان منشأ هذا التفصيل توهم استغناء الباقي عن المؤثر. و قد تقدم الكلام فيه مفصلا فراجع.

العاشرة- بطلان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من تسليم الدلالة على الملازمة بين الأمر بشي‏ء و النهي عن ضده في النقيضين، و المتقابلين بتقابل العدم و الملكة، بل في الضدين الذين لا ثالث لهما. و قد عرفت عدم الدلالة في الجميع.

الحادية عشرة- قد تقدم انه على تقدير تسليم الملازمة فيما إذا لم يكن للضدين ثالث فلا بد من تسليمها فيما إذا كان لهما ثالث أيضاً، لأن ملاك الدلالة كما مر هو (استلزام فعل الشي‏ء لترك ضده) أمر يشترك فيه جميع الأضداد، فلا وجه للتفصيل بينهما، كما عن شيخنا الأستاذ (قده).

الثانية عشرة- ان، ذهب إليه الكعبي من القول بانتفاء المباح لا يرجع إلى معنى محصل كما سبق.

الضد العام‏

و اما الكلام في المقام الثاني و هو الضد العام فقد اختلفت كلماتهم في كيفية دلالة الأمر بالشي‏ء على النهي عنه بعد الفراغ عن أصل الدلالة- إلى ثلاثة أقوال:

الأول- ان الأمر بالشي‏ء عين النهي عن ضده العام فالامر بالصلاة- مثلا- عين النهي عن تركها، فقولنا صل عين قولنا: لا تترك الصلاة.

الثاني- ان الأمر بالشي‏ء يدل على النهي عنه بالتضمن بدعوى انه مركب من طلب الفعل و المنع من الترك، فالمنع من الترك مأخوذ في مفهوم الأمر فيكون دالا عليه بالتضمن.

الثالث- ان الأمر بالشي‏ء يقتضى النهي عنه بالدلالة الالتزامية باللزوم البين‏

45

بالمعنى الأخص، أو البين بالمعنى الأعم.

اما القول الأول: فان أريد من العينية في مقام الإثبات و الدلالة- أعني بها ان الأمر بشي‏ء و النهي عن تركه يدلان على معنى واحد و إنما الاختلاف بينهما في التعبير فقط- فهذا مما لا إشكال فيه إذ من الواضح انه لا مانع من أبرار معنى واحد بعبارات متعددة و ألفاظ مختلفة فيبرزه تارة بلفظ و أخرى بلفظ آخر، و هكذا- مثلا- يمكن إبراز كون الصلاة على ذمة المكلف مرة بكلمة «صل» و مرة أخرى بكلمة لا تترك الصلاة بان يكون المقصود من كلتا الكلمتين أبرار وجوبها و ثبوتها في ذمة المكلف، لا ان المقصود من الكلمة الأولى إبراز وجوب فعلها و من الكلمة الثانية إبراز حرمة تركها لئلا تكون إحدى الكلمتين عين الأخرى في الدلالة و الكشف. و هذا هو المقصود من الروايات الناهية عن ترك الصلاة. و ليس المراد من النهي فيها النهي الحقيقي الناشئ من مفسدة إلزامية في متعلقه، و لذلك لم يتوهم أحد حرمة ترك الصلاة و ان تاركها يستحق عقابين عقاباً لتركه الواجب، و عقاباً لارتكابه الحرام.

و هذا التعبير- أعني به التعبير عن طلب شي‏ء بالنهي عن تركه- امر متعارف في الروايات في باب الواجبات و المستحبات و في كلمات الفقهاء (رض) فترى انهم يعبرون عن الاحتياط الواجب بقولهم لا يترك الاحتياط. و عليه فمعنى ان الأمر بالشي‏ء عين النهي عن ضده هو انهما متحدان في جهة الدلالة و الحكاية عن المعنى، في مقابل ما إذا كانا متغايرين في تلك الجهة.

و على ضوء ذلك صح ان يقال: ان الأمر بالشي‏ء عين النهي عن ضده العام بحسب المعنى و الدلالة عليه. فان أريد من العينية: العينية بهذا المعنى فهي صحيحة، و لا بأس بها، و لكن الظاهر ان العينية بذلك المعنى ليست مراداً للقائل بها كما لا يخفى.

و ان أريد بها العينية في مقام الثبوت و الواقع- أعني بها كون الأمر بشي‏ء

46

عين النهي عن تركه في ذلك المقام و بالعكس- فيرد عليه انه ان أريد من النهي عن الترك طلب تركه المنطبق على الفعل إذ قد يراد من النهي عن الشي‏ء طلب تركه كما هو الحال في تروك الإحرام و الصوم، حيث يراد من النهي عن الأكل و الشرب و مجامعة النساء، و الارتماس في الماء، و لمس المرأة، و لبس المخيط للرجال. و التكحل و النّظر إلى المرأة، و المجادلة، و غيرها مما يعتبر عدمه في صحة الإحرام طلب ترك هذه الأمور فان هذا النهي لم ينشأ عن مبغوضية تلك الأمور. و قيام مفسدة إلزامية بها، بل نشأ عن محبوبية تركها، و قيام مصلحة إلزامية به. و عليه لم يكن مثل هذا النهي نهياً حقيقياً ناشئاً عن مفسدة ملزمة في متعلقه، بل هو في الواقع أمر، و لكن أبرز بصورة النهي في الخارج- ان أريد ذلك فلا معنى له أصلا، و ذلك: لأن ترك الترك و ان كان مغايراً للفعل مفهوماً إلا انه عينه مصداقاً و خارجاً، لأنه عنوان انتزاعي له، و ليس له ما بإزاء في الخارج ما عداه.

أو فقل: ان في عالم التحقق و الوجود أحد شيئين لا ثالث لهما، أحدهما الوجود، و الثاني العدم البديل له. و اما عدم العدم فهو لا يتجاوز حد الفرض و التقدير: و ليس له واقع في قبالهما و إلا لأمكن أن يكون في الواقع إعدام غير متناهية فان لكل شي‏ء عدما، و لعدمه عدم، و هكذا إلى أن يذهب إلى ما لا نهاية له. نعم انه عنوان انتزاعي منطبق على الوجود، و عليه فالقول بان الأمر بالشي‏ء يقتضى النهي عن ضده في قوة القول بان الأمر بالشي‏ء يقتضى الأمر بذلك الشي‏ء، و هو قول لا معنى له أصلا.

فالنتيجة: انه لا يمكن أن يراد من النهي عن الترك طلب تركه لاستلزام ذلك النزاع في أن الأمر بالشي‏ء يقتضى نفسه، و هذا النزاع لا محصل له أبداً.

و ان أريد بالنهي عن الترك النهي الحقيقي الناشئ عن مبغوضية متعلقه، و قيام مفسدة ملزمة به فالنهي بهذا المعنى و ان كان أمراً معقولا في نفسه إلا انه لا يمكن ان يراد فيما نحن فيه، و ذلك لاستحالة ان يكون بغض الترك متحداً مع‏

47

حب الفعل أو جزئه و ذلك لاستحالة اتحاد الصفتين المتضادتين في الخارج.

و بعبارة واضحة: انه لا شبهة في أن الأمر الحقيقي يباين النهي الحقيقي تبايناً ذاتياً، فلا اشتراك بينهما لا في ناحية المبدأ و لا في ناحية الاعتبار و لا في ناحية المنتهى. اما من ناحية المبدأ فلان الأمر تابع للمصلحة الإلزامية في متعلقه و النهي تابع للمفسدة الإلزامية فيه. و اما من ناحية الاعتبار فلما ذكرناه غير مرة من ان حقيقة الأمر ليست إلا اعتبار المولى الفعل على ذمة المكلف، و إبرازه في الخارج بمبرز كصيغة الأمر أو نحوها. و حقيقة النهي ليست إلا اعتبار المولى حرمة الفعل عليه، و جعله محروماً عنه، و إبرازه في الخارج بمبرز من صيغة النهي أو ما شاكلها. و من الواضح ان أحد الاعتبارين أجنبي عن الاعتبار الآخر بالكلية. و اما من ناحية المنتهى فلان الأمر يمتثل بإتيان متعلقه و النهي يمتثل بترك متعلقه.

و على هذا الضوء فكيف يمكن القول بان الأمر عين النهي فهل هو عينه في ناحية المبدأ أو في ناحية المنتهى أو في ناحية الاعتبار كل ذلك غير معقول.

فالنتيجة اذن هي ان القول بالعينية قول لا محصل له.

و من ذلك يظهر بطلان القول الثاني أيضا، و هو القول بان النهي جزء من الأمر فان القول بالجزئية أيضا غير معقول ضرورة انه كما لا يمكن أن يكون النهي متحداً مع الأمر في المراحل المتقدمة كذلك لا يمكن أن يكون جزؤه في تلك المراحل و ما قيل: في تعريف الوجوب من انه عبارة عن طلب الفعل مع المنع من الترك لا يخلو عن ضرب مسامحة و لعل الغرض منه الإشارة إلى مفهوم الوجوب في مقام تقريبه إلى الأذهان لا انه تعريف له على التحقيق و إلا فمن الواضح جداً ان المنع من الترك لم يؤخذ في حقيقة الوجوب بأي معنى من المعاني الّذي فرضناه سواء أ كان إرادة نفسانية، أم كان حكما عقلياً، أو مجعولا شرعياً فانه على الأول من الاعراض و هي من البسائط الخارجية، و على الثاني فهو من الأمور

48

الانتزاعية العقلية، بمعنى ان العقل يحكم باللزوم عند اعتبار المولى فعلا ما على ذمة المكلف مع عدم نصبه قرينة على الترخيص في تركه. و من الظاهر انه أشدّ بساطة من الاعراض فلا يعقل له جنس و لا فصل، و على الثالث فهو من المجعولات الشرعية. و من الواضح انها في غاية البساطة و لا يعقل لها جنس و فصل. نعم المنع من الترك لازم للوجوب لا انه جزؤه.

و على تقدير كون الوجوب مركباً فلا يعقل ان يكون مركباً من المنع من الترك لما عرفت من ان بغض الترك كما لا يمكن أن يكون عين حب الفعل كذلك لا يمكن أن يكون جزؤه.

و قد تحصل من ذلك ان النزاع في عينية أمر بشي‏ء للنهي عن ضده أو جزئيته له لا يرجع إلى النزاع في معنى معقول.

و اما القول الثالث: و هو القول بان الأمر بشي‏ء يستلزم النهي عن ضده العام فقد ذهب إليه جماعة و لكنهم اختلفوا في ان الاقتضاء هل هو على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص بان يكون نفس تصور الوجوب كافياً في تصور المنع من الترك، من دون حاجة إلى أمر زائد، أو انه على نحو اللزوم البين بالمعنى الأعم على قولين؟ فقد قرب شيخنا الأستاذ (قده) القول الأول، و قال: انه لا يبعد أن نكون دلالته على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص، و على تقدير التنزل عن ذلك فالدلالة الالتزامية بنحو اللزوم البين بالمعنى الأعم مما لا إشكال فيه و لا كلام.

و التحقيق هو: عدم الاقتضاء. و الوجه في ذلك هو ان دعوى استلزام الأمر بشي‏ء النهي عن تركه باللزوم البين بالمعنى الأخص واضحة الفساد، ضرورة ان الآمر ربما يأمر بشي‏ء و يغفل عن تركه و لا يلتفت إليه أصلا، ليكون كارهاً له فلو كانت الدلالة على نحو اللزوم البين بالمعنى الأخص لم يتصور غفلة الآمر عن الترك و عدم التفاته إليه في مورد من الموارد، و من هنا قد اعترف هو (قده) أيضاً ببداهة إمكان غفلة الآمر بشي‏ء عن ترك تركه فضلا عن ان يتعلق به طلبه، و هذا منه‏

49

يناقض ما أفاده من نفي البعد عن اللزوم البين بالمعنى الأخص.

و اما دعوى الدلالة الالتزامية باللزوم البين بالمعنى الأعم فهي أيضا لا يمكن تصديقها. و ذلك لعدم الدليل عليها لا من العقل و لا من الشرع.

اما من ناحية العقل فلأنه لا يحكم بالملازمة بين اعتبار الشارع وجوب شي‏ء و اعتباره حرمة تركه، فان كلا من الوجوب و الحرمة يحتاج إلى اعتبار مستقل و التفكيك بينهما في مقام الاعتبار بمكان من الإمكان، و كذا لا يحكم العقل بالملازمة بين إرادة شي‏ء و كراهة نقيضه، إذ قد يريد الإنسان شيئاً غافلا عن تركه و غير ملتفت إليه، فكيف يكون كارهاً له.

و ان شئت فقل: ان القائل باستلزام وجوب شي‏ء لحرمة تركه اما ان يدعى الحرمة النفسيّة، أو يدعى الحرمة الغيرية، و كلتا الدعويين فاسدة: اما الدعوى الأولى فلان الحرمة النفسيّة انما تنشأ من مفسدة إلزامية في متعلقها. و من الواضح انه لا مفسدة في ترك الواجب فتركه ترك ما فيه المصلحة، لا فعل ما فيه المفسدة.

فلو سلمنا وجود المفسدة في ترك الواجب أحياناً فلا كلية لذلك بالبداهة، إذن لا مجال لدعوى الملازمة بين وجوب شي‏ء و حرمة تركه، بل الوجدان حاكم بعدم ثبوتها. و اما الدعوى الثانية: فلعدم ملاك الحرمة الغيرية فيه أولا، لانتفاء المقدمية، و كونها لغواً ثانياً، لعدم ترتب أثر عليها من العقاب أو نحوه. و عليه فلا موضوع لدعوى الملازمة أصلا.

و اما من ناحية الشرع فلان ما دل على وجوب شي‏ء لا يدل على حرمة تركه.

بداهة ان الحكم الواحد و هو الوجوب في المقام لا ينحل إلى حكمين أحدهما يتعلق بالفعل و الآخر بالترك، ليكون تاركه مستحقاً لعقابين من جهة تركه الواجب و ارتكابه الحرام، و من هنا قلنا انه لا مفسدة في ترك الواجب ليكون تركه محرماً، كما انه لا مصلحة في ترك الحرام ليكون واجباً.

و على الجملة فمن الواضح جداً ان الأمر بشي‏ء لا يدل إلا على اعتباره في ذمة

50

المكلف بلا دلالة له على اعتبار حرمة تركه، فالأمر بالصلاة- مثلاً- لا يدل إلا على اعتبار فعلها في ذمة المكلف، دون حرمة تركها، و هكذا. و اما إطلاق المبغوض على ترك الواجب فهو بضرب من العناية و المسامحة، كما ان إطلاق المحبوب على ترك الحرام كذلك.

و قد تحصل من ذلك بشكل واضح انه لا ملازمة بين اعتبار شي‏ء في ذمة المكلف و اعتبار حرمة نقيضه لا عقلا و لا شرعاً.

و نتيجة مجموع ما ذكرناه نقطتان: الأولى- ان الأمر بشي‏ء لا يقتضى النهي عن ضده العام لا بنحو العينية أو الجزئية و لا بنحو اللزوم. الثانية- ان القولين الأولين لا يرجعان إلى معنى معقول، دون القول الأخير. هذا تمام كلامنا في الضد العام.

الكلام في ثمرة المسألة

قد اشتهر بين الأصحاب ان الثمرة تظهر فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجب موسع كالصلاة- مثلا- و واجب مضيق كالإزالة أو بين واجبين مضيقين أحدهما أهم من الآخر، فعلى القول بعدم اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده يقع الواجب الموسع أو غير الأهم صحيحاً، إذ لا مقتضى لفساده أصلا، فان المقتضى له إنما هو تعلق النهي به و لا نهى على الفرض، اذن يبقى الواجب على حاله من المحبوبية و الملاك. و اما على القول بالاقتضاء فيقع فاسداً إذا كان عبادة بضم كبرى المسألة الآتية و هي: ان النهي في العبادات يوجب الفساد.

و قد أورد على هذه الثمرة بإيرادين متقابلين:

أحدهما- ما عن الشيخ البهائي (قده) من بطلان العبادة مطلقاً حتى على القول بعدم الاقتضاء و ذلك لما يراه (قده) من اشتراط صحة العبادة بتعلق الأمر بها فعلا، و على هذا فلا محالة تفسد عند المزاحمة بالواجب الأهم أو المضيق، سواء

51

فيه القول بالاقتضاء و عدمه، ضرورة ان الأمر بشي‏ء لو لم يقتض النهي عن ضده فلا شبهة في انه يقتضى عدم الأمر به، لاستحالة تعلق الأمر بالضدين معاً، فإذا كانت العبادة المضادة غير مأمور بها فعلا فلا محالة تقع فاسدة، لفرض ان صحة العبادة مشروطة بكونها مأموراً بها، و بما انه لا أمر في المقام على الفرض فلا صحة لها لانتفائها بانتفاء شرطها.

ثانيهما- ما عن جماعة منهم شيخنا الأستاذ (قده) من صحة العبادة مطلقاً حتى على القول باقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده. و الوجه في ذلك هو ان صحتها على القول بعدم الاقتضاء واضحة، لعدم المقتضى للفساد أصلا بناء على ما هو الصحيح من عدم اشتراط صحة العبادة بقصد الأمر، بل المعتبر فيها هو إضافتها إلى المولى بنحو من أنحاء الإضافة. و اما على القول بالاقتضاء فالعبادة كالصلاة- مثلا- و ان كانت منهياً عنها إلا ان هذا النهي بما انه نهى غيري نشأ عن مقدمية تركها أو عن ملازمته لفعل المأمور به في الخارج و لم ينشأ عن مفسدة في متعلقه فلا يكون موجباً للفساد. و من هنا قالوا: ان مخالفة الأمر و النهي المقدميين لا توجب بعداً و سر ذلك ما سبق من أن النهي الغيري المقدمي لا يكشف عن وجود مفسدة في متعلقه و كونه مبغوضاً للمولى لئلا يمكن التقرب به، فان المبعد لا يمكن التقرب به.

و على ضوء ذلك فالعبادة باقية على ما كانت عليه من المصلحة و المحبوبية الذاتيّة الصالحة للتقرب بها، و النهي المتعلق بها- بما انه غيري- لا يمنع عن التقرب بها و على الجملة فبناء على ما هو الصحيح من عدم اشتراط صحة العبادة بقصد الأمر و كفاية قصد الملاك فصحتها عندئذ تدور مدار تحقق الملاك بلا فرق بين القول بالاقتضاء و القول بعدمه، و بما انها واجدة للملاك على كلا القولين فهي تقع صحيحة، اذن فلا ثمرة.

أقول: اما الإيراد الأول- فيردّه: ما ذكرناه في بحث التعبدي و التوصلي‏

52

مفصلا، و سنتعرض لذلك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى أيضاً من ان المعتبر في صحة العبادة هو قصد القربة بأي وجه تحقق لا خصوص قصد الأمر، لعدم دليل خاص يدل عليه، اذن لا فرق بنظر العقل في حصول التقرب بين وجود الأمر و عدمه إذا كان الفعل واجداً للملاك و قصد التقرب به.

و اما الإيراد الثاني- فيظهر حاله مما سنبينه إن شاء اللّه تعالى.

فنقول: تحقيق الحال في الثمرة المزبورة يستدعى الكلام في مقامين:

الأول- فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجب موسع كالصلاة- مثلا- و واجب مضيق كالإزالة. الثاني- فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجبين مضيقين أحدهما أهم من الآخر كما إذا وقعت المزاحمة بين الصلاة في آخر الوقت و الإزالة بحيث لو اشتغل بالإزالة فاتته الصلاة.

اما الكلام في المقام الأول- فقد اختار المحقق الثاني (قده) و تبعه جماعة من المحققين تحقق الثمرة فيه، فعلى القول بالاقتضاء تقع العبادة فاسدة و على القول بعدمه تقع صحيحة.

بيان ذلك انا قد ذكرنا في بحث تعلق الأوامر بالطبائع أو الافراد ان الصحيح هو تعلقها بالطبائع الملغاة عنها جميع الخصوصيات و التشخصات دون الافراد، و على هذا فالمأمور به هو الطبيعة المطلقة، و مقتضى إطلاق الأمر بها ترخيص المكلف في تطبيق تلك الطبيعة على أي فرد من افرادها شاء تطبيقها عليه من الافراد العرضية و الطولية، و لكن هذا إنما يكون فيما إذا لم يكن هناك مانع عن التطبيق، و اما إذا كان مانع عنه كما إذا كان بعض افرادها منهياً عنه فلا محالة يقيد إطلاق الأمر المتعلق بالطبيعة بغير هذا الفرد المنهي عنه، لاستحالة انطباق الواجب على الحرام.

و يترتب على ذلك انه بناء على القول باقتضاء الأمر بشي‏ء النهي عن ضده كان الفرد المزاحم من الواجب المطلق منهياً عنه فيقيد به إطلاق الأمر به، كما هو