محاضرات في أصول الفقه / تقريرات - ج5

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
388 /
3

الجزء الخامس‏

تتمة مبحث النواهي‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

(النهي في العبادات)

يقع البحث فيه عن عدة جهات:

الأولى: ما تقدم من أن نقطة الامتياز بين هذه المسألة و المسألة المتقدمة- و هي مسألة اجتماع الأمر و النهي- هي ان النزاع في هذه المسألة كبروي فان المبحوث عنه فيها انما هو ثبوت الملازمة بين النهي عن عبادة و فسادها و عدم ثبوت هذه الملازمة بعد الفراغ عن ثبوت الصغرى- و هي تعلق النهي بالعبادة- و في تلك المسألة صغروي حيث ان المبحوث عنه فيها انما هو سراية النهي في مورد الاجتماع و التطابق عن متعلقه إلى ما ينطبق عليه متعلق الأمر و عدم سرايته.

و على ضوء ذلك فالبحث في تلك المسألة في الحقيقة بحث عن إثبات الصغرى لهذه المسألة، حيث- انها على القول بالامتناع و سراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه متعلق الأمر- تكون من إحدى صغريات هذه المسألة و مصاديقها، فهذه هي النقطة الرئيسية للفرق بين المسألتين.

الثانية: ان مسألتنا هذه من المسائل الأصولية العقلية، فلنا دعويان:

(الأولى) انها من المسائل الأصولية (الثانية) انها من المسائل العقلية.

أما الدعوى الأولى فلما ذكرناه في أول بحث الأصول من أن المسألة الأصولية ترتكز على ركيزتين: (إحداهما) ان تقع في طريق استنباط

4

الحكم الكلي الإلهي (و ثانيتهما) ان يكون ذلك بنفسها أي بلا ضم مسألة أصولية أخرى، و حيث ان في مسألتنا هذه تتوفر كلتا هاتين الركيزتين فهي من المسائل الأصولية، فانها على القول بثبوت الملازمة تقع في طريق استنباط الحكم الفرعي الكلي بلا واسطة ضم مسألة أصولية أخرى.

و أما الدعوى الثانية فلأن الحاكم بثبوت الملازمة بين حرمة عبادة و فسادها و عدمه انما هو العقل، و لا صلة له بباب الألفاظ أبداً، و من هنا لا يختص النزاع بما إذا كانت الحرمة مدلولا لدليل لفظي، ضرورة انه لا يفرق في إدراك العقل الملازمة أو عدمها بين كون الحرمة مستفادة من اللفظ أو من غيره.

و بكلمة أخرى: ان القضايا العقلية على شكلين: (أحدهما) القضايا المستقلة العقلية بمعنى ان في ترتب النتيجة على تلك القضايا لا نحتاج إلى ضم مقدمة خارجية، بل هي تتكفل لإثبات النتيجة بنفسها، و هذا معنى استقلالها و هي كمباحث التحسين و التقبيح العقليين (و ثانيهما) القضايا العقلية غير المستقلة بمعنى ان في ترتب النتيجة عليها نحتاج إلى ضم مقدمة خارجية و هذا هو معنى عدم استقلالها و هي كمباحث الاستلزامات العقلية كمبحث مقدمة الواجب، و مبحث الضد، و ما شاكلهما، فان الحاكم في هذه المسائل هو العقل لا غيره، ضرورة انه يدرك وجود الملازمة بين إيجاب شي‏ء و إيجاب مقدمته، و بين وجوب شي‏ء و حرمة ضده، و هكذا، و مسألتنا هذه من هذا القبيل (الثالثة) ان محل النزاع في المسألة انما هو في النواهي المولوية المتعلقة بالعبادات و المعاملات و أما النواهي الإرشادية المتعلقة بهما التي تدل على مانعية شي‏ء لهما كالنهي عن المعاملة الغررية مثلا و كالنهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه و ما شاكل ذلك فهي خارجة عن محل النزاع جزماً و السبب فيه ظاهر و هو انه لا إشكال و لا خلاف في‏

5

دلالة تلك النواهي على الفساد بداهة انه إذا أخذ عدم شي‏ء في عبادة أو معاملة فبطبيعة الحال تقع تلك العبادة أو المعاملة فاسدة عند اقترانها بهذا الشي‏ء لفرض انها توجب تقييد إطلاق أدلة العبادات و المعاملات بغير هذه الحصة فلا تشملها.

و على الجملة فحال هذه النواهي حال الأوامر المتعلقة بالاجزاء و الشرائط في أبواب العبادات و المعاملات، و قد ذكرناه في أول بحث النواهي بصورة موسعة، و قلنا هناك ان الأمر و النهي في نفسهما و ان كانا ظاهرين في المولوية فلا يمكن حملهما على الإرشاد من دون قرينة الا ان هذا الظهور ينقلب في هذه النواهي و الأوامر و عليه فلا محالة يكون مثل هذا النهي إذا تعلق بعبادة أو معاملة مقيداً لإطلاق أدلتهما بغير هذه الحصة المنهي عنها و من هنا لم يقع خلاف فيما نعلم في دلالته على الفساد فيهما أما في الأولى فلفرض انها لا تنطبق على تلك الحصة و مع عدم الانطباق لا يمكن الحكم بالصحّة حيث انها تنتزع من انطباق المأمور به على الفرد المأتي به خارجاً و أما في الثانية فلفرض عدم شمول دليل الإمضاء لها و بدونه لا يمكن الحكم بالصحّة.

الرابعة: انه لا إشكال و لا كلام في أن النهي النفسيّ التحريمي داخل في محل النزاع و انما الإشكال و الكلام في موردين: (الأول) في النهي التنزيهي و هل هو داخل فيه أم لا؟ (الثاني) في النهي الغيري.

أما الأول فالصحيح في المقام أن يقال ان النهي التنزيهي المتعلق بالعبادة تارة ينشأ من حزازة و منقصة في تطبيق الطبيعي الواجب على حصة خاصة منه من دون أية حزازة و منقصة في نفس تلك الحصة، و لذا يكون حالها حال سائر حصصه و أفراده في الوفاء بالغرض، و ذلك كالنهي المتعلق بالعبادة الفعلية كالصلاة في الحمام مثلا، و الصلاة في مواضع‏

6

التهمة و ما شاكل ذلك. و أخرى ينشأ من حزازة و منقصة في ذات العبادة.

و بعد ذلك نقول: ان النهي التنزيهي على التفسير الأول خارج عن مورد النزاع، بداهة انه لا يدل على الفساد بل هو يدل على الصحة. و على التفسير الثاني داخل فيه، ضرورة ان الشي‏ء إذا كان مكروهاً في نفسه و مرجوحا في ذاته لم يمكن التقرب به فلا فرق عندئذ بينه و بين النهي التحريمي من هذه الناحية أصلا. و بكلمة أخرى ان النهي التنزيهي إذا كان متعلقاً بالعبادة الفعلية كالصلاة في الحمام مثلا يدل على صحتها دون فسادها نظراً إلى أن مدلوله الالتزامي هو ترخيص المكلف في الإتيان بمتعلقه و معنى ذلك جواز الامتثال به و عدم تقييد الواجب بغيره، و لا نعني بالصحّة الا ذلك، و هذا بخلاف ما إذا كان متعلقاً بذات العبادة، فانه يدل على كراهيتها و مبغوضيتها، و من المعلوم انه لا يمكن التقرب بالمبغوض و ان كانت مبغوضيته ناقصة. فالنتيجة في نهاية الشوط هي أن النهي التنزيهي على التفسير الأول خارج عن محل النزاع، و على التفسير الثاني داخل فيه.

و أما الثاني و هو النهي الغيري كالنهي عن الصلاة التي تتوقف على تركها إزالة النجاسة عن المسجد بناء على ثبوت الملازمة بين الأمر بشي‏ء و النهي عن ضده فهو خارج عن مورد الكلام، و لا يدل على الفساد بوجه، و السبب في ذلك ما عرفت بشكل موسع في مبحث الضد من أن هذا النهي على تقدير القول به لا يكشف عن كون متعلقه مبغوضاً كي لا يمكن التقرب به، فان غاية ما يترتب على هذا النهي انما هو منعه عن تعلق الأمر بمتعلقه فعلا و من الطبيعي ان صحة العبادة لا تتوقف على وجود الأمر بها بل يكفي في صحتها وجود الملاك و المحبوبية.

نعم مع فرض عدم الأمر بها لا يمكن كشف الملاك فيها الا انه مع‏

7

ذلك قلنا بصحتها من ناحية الترتب على ما أوضحناه هناك نعم لو لم نقل به فلا مناص من الالتزام بالفساد. و قد تحصل من ذلك ان الداخل في محل النزاع في مسألتنا هذه انما هو النهي النفسيّ التحريمي و النهي التنزيهي المتعلق بذات العبادة و اما بقية أقسام النواهي فهي خارجة عنه.

الخامسة: لا شبهة في ان المراد من العبادة في عنوان المسألة ليس العبادة الفعلية، ضرورة استحالة اجتماعها مع الحرمة كذلك، كيف فان معنى حرمتها فعلا هو كونها مبغوضة المولى فلا يمكن التقرب بها، و معنى كونها عبادة فعلا هو كونها محبوبة له و يمكن التقرب بها، و من المعلوم استحالة اجتماعهما كذلك في شي‏ء واحد، بل المراد منها العبادة الشأنية بمعنى انه إذا افترضنا تعلق الأمر بها لكانت عبادة. و ان شئت قلت: ان المراد منها كل عمل لو امر به لكان عباديا فمثل هذا العمل لو وقع في حيز النهي صار مورداً للكلام و النزاع و ان هذا النهي هل يستلزم فساده أم لا، و المراد من المعاملات هو كل امر اعتباري قصدي يتوقف ترتيب الأثر عليه شرعاً أو عرفاً على قصد اعتباره و إنشائه من ناحية، و إبرازه في الخارج بمبرز ما من ناحية أخرى، و من الطبيعي انها بهذا المعنى تشمل العقود و الإيقاعات فلا موجب عندئذ لاختصاصها بالمعاملات المتوقفة على الإيجاب و القبول. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان كل مالا يتوقف ترتيب الأثر على قصده و إنشائه بل يكفي فيه مطلق وجوده في الخارج كتطهير البدن و الثياب و ما شاكلهما فهو خارج عن محل الكلام و لا صلة له به.

السادسة: ان الصحة و الفساد في العبادات و المعاملات هل هما مجعولان شرعاً كسائر الأحكام الشرعية أو واقعيان أو تفصيل بين العبادات و المعاملات فهما مجعولان شرعاً في المعاملات دون العبادات أو تفصيل في خصوص‏

8

المعاملات بين المعاملات الكلية و المعاملات الشخصية، فهما في الأولى مجعولان شرعاً دون الثانية أو تفصيل بين الصحة الواقعية و الصحة الظاهرية فالثانية مجعولة دون الأولى فيه وجوه بل أقوال: قد اختار المحقق صاحب الكفاية (قده) التفصيل في خصوص المعاملات و اختار شيخنا الأستاذ (قده) التفصيل الأخير و الصحيح هو التفصيل الأول.

و بعد ذلك نقول: انه لا شك في أن الصحة و الفساد من الأوصاف الطارئة على الموجودات الخارجية، فالشي‏ء الموجود يتصف بالصحّة مرة و بالفساد أخرى و اما الماهيات فهي مع قطع النّظر عن طرو الوجود عليها لا يعقل اتصافها بالصحّة أو الفساد أبداً، و السبب في ذلك ان الصحة لا تخلو من أن تكون من الأمور الانتزاعية أو الأمور المجعولة، فعلى كلا التقديرين لا يعقل عروضها على الماهية المعدومة في الخارج أما على الأول فظاهر حيث انها في العبادات انما تنتزع من انطباق الطبيعة المأمور بها على العمل المأتي به في الخارج، كما ان الفساد فيها ينتزع من عدم انطباقها عليه، و كذا المعاملات، فان الصحة فيها تنتزع من انطباق الطبيعة المعاملة الممضاة شرعاً على الفرد الموجود في الخارج، كما ان الفساد فيها ينتزع من عدم انطباقها عليه، فمورد عروض الصحة و الفساد انما هو الفرد الخارجي باعتبار الانطباق و عدمه. و اما على الثاني فكذلك، فان حكم الشارع بالصحّة أو الفساد انما هو للعمل الصادر من المكلف في الخارج، و أما العمل الّذي لم يصدر منه فلا يعقل ان يحكم الشارع بصحته تارة و بفساده تارة أخرى. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان الصحة و الفساد انما تعرضان على الشي‏ء المركب ذا أثر في الخارج دون البسيط فيه و الوجه في هذا واضح و هو أن الشي‏ء إذا كان مركباً و كان ذا أثر فبطبيعة الحال إذا وجد في الخارج‏

9

جامعاً لجميع الأجزاء و الشرائط اتصف بالصحّة باعتبار ترتب اثره (المترقب منه) و إذا وجد فاقداً لبعض الأجزاء أو الشرائط اتصف بالفساد باعتبار عدم ترتب اثره على الفاقد. و اما إذا كان بسيطا فهو لا يخلو من أن يكون موجوداً في الخارج أو معدوما فيه و لا ثالث لهما، و معه كيف يعقل اتصافه بالصحّة مرة و بالفساد مرة أخرى. و من ناحية ثالثة ان الصحة و الفساد وصفان إضافيان فيكون شي‏ء واحد يتصف تارة بالصحّة و أخرى بالفساد، و قد تقدم الكلام من هذه الناحية في مبحث الصحيح و الأعم بشكل موسع.

ثم اننا قد قوينا في الدورات السابقة ما اختاره شيخنا الأستاذ (قده) من التفصيل في المسألة، بيان ذلك انا قد ذكرنا في تلك الدورات ان ملاك الصحة و الفساد في العبادات و المعاملات انما هو بالانطباق على الموجود الخارجي و عدم الانطباق عليه.

أما في العبادات فظاهر حيث انها لا تتصف بالصحّة أو الفساد في مقام الجعل و التشريع، و انما تتصف بهما في مقام الامتثال و الانطباق، مثلا إذا جاء المكلف بالصلاة في الخارج، فان انطبقت عليها الصلاة المأمور بها انتزعت الصحة لها و الا انتزع الفساد، و من البديهي ان انطباق الطبيعي على فرده في الخارج و عدم انطباقه عليه أمران تكوينيان و غير قابلين للجعل تشريعاً من دون فرق في ذلك بين الماهيات الجعلية و غيرها فانطباق المأمور به الواقعي الأولي أو الثانوي أو الظاهري على الموجود الخارجي و عدم انطباقه عليه كانطباق الماهيات المتأصلة علي فردها الموجود في الخارج و عدمه، فكما ان الانطباق على ما في الخارج أو عدمه في الماهيات المتأصلة أمر قهري تكويني غير قابل للجعل شرعاً، فكذلك الانطباق و عدمه في الماهيات المخترعة، و هذا معنى قولنا ان الصحة و الفساد فيها

10

امران واقعيان و ليسا بمجعولين أصلا لا أصالة و لا تبعاً.

و اما في المعاملات فكذلك حيث انها لا تتصف بالصحّة أو الفساد في مقام الجعل و الإمضاء و انما تتصف بهما في مقام الانطباق و الخارج، مثلا البيع ما لم يوجد في الخارج لا يعقل اتصافه بالصحّة أو الفساد، فإذا وجد فيه فان انطبق عليه البيع الممضى شرعاً اتصف بالصحّة و الا فبالفساد و كذا الحال في الإجارة و النكاح و الصلح و ما شاكل ذلك.

و بكلمة أخرى ان الممضاة شرعاً انما هي المعاملات الكلية بمقتضى أدلة الإمضاء كقوله تعالى «أحل اللَّه البيع» و أوفوا بالعقود «و تجارة عن تراض» و قوله (صلى الله عليه و آله) (النكاح سنتي) و قوله (عليه السلام) (الصلح جائز بين المسلمين) و نحو ذلك دون افرادها الخارجية، و انما تتصف تلك الافراد بالصحّة تارة و بالفساد أخرى باعتبار انطباق تلك المعاملات عليها و عدم انطباقها فإذا وقع بيع في الخارج، فان انطبق عليه البيع الكلي الممضى شرعاً حكم بصحته و الا فلا. هذا من ناحية و من ناحية أخرى قد عرفت ان الانطباق و عدمه امران تكوينيان غير قابلين للجعل تشريعاً. فالنتيجة على ضوئهما ان حال الصحة و الفساد في المعاملات حالهما في العبادات فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا، هذا كله في الصحة الواقعية.

و أما الصحة الظاهرية فالصحيح انها مجعولة شرعاً في العبادات و المعاملات. أما في الأولى فكالصحة في موارد قاعدتي التجاوز و الفراغ فانه لو لا حكم الشارع بانطباق المأمور به على المشكوك فيه تعبداً، لكانت العبادة محكومة بالفساد لا محالة و أما في الثانية فكالصحة في موارد الشك في بطلان الطلاق أو نحوه فانه لو لا حكم الشارع بالصحّة في هذه الموارد لكان الطلاق مثلاً محكوماً بالفساد لا محالة.

هذا و الصحيح ما اخترناه و هو التفصيل بين كون الصحة و الفساد

11

في العبادات غير مجعولين شرعاً و في المعاملات مجعولين كذلك. أما في العبادات فقد عرفت انهما منتزعان من انطباقها على الموجود الخارجي و عدم انطباقها عليه فلا تنالهما يد الجعل أصلا.

و أما في المعاملات فالامر فيها ليس كذلك، و السبب فيه هو انها تمتاز عن العبادات في نقطة واحدة و تلك النقطة هي الموجبة لافتراقها عن العبادات من هذه الناحية، و هي: ان نسبة المعاملات إلى الإمضاء الشرعي في إطار أدلته الخاصة نسبة الموضوع إلى الحكم لا نسبة المتعلق إليه، و هذا بخلاف العبادات كالصلاة و نحوها، فان نسبتها إلى الحكم الشرعي نسبة المتعلق لا الموضوع، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى اننا قد حققنا في محله ان موضوع الحكم في القضايا الحقيقية قد أخذ مفروض الوجود في مقام التشريع و الجعل دون متعلقه، و لذا تدور فعلية الحكم مدار فعلية موضوعه فيستحيل أن يكون الحكم فعلياً فيها بدون فعلية موضوعه، فلا حكم قبل فعليته الا على نحو الفرض و التقدير.

و من ناحية ثالثة ان الحكم ينحل بانحلال افراد موضوعه في الخارج فيثبت لكل فرد منه حكم على حده. و من ناحية رابعة ان معنى اتصاف المعاملات بالصحّة أو الفساد انما هو بترتب الأثر الشرعي عليها و عدم ترتبه و من الواضح ان الأثر الشرعي انما يترتب على المعاملة الموجودة في الخارج دون الطبيعي غير الموجود فيه.

فالنتيجة على ضوء هذه النواحي هي: ان المعاملات بما انها أخذت مفروضة الوجود في لسان أدلتها فبطبيعة الحال تتوقف فعلية الإمضاء على فعليتها في الخارج فما لم تتحقق المعاملة فيه لم يعقل تحقق الإمضاء لاستحالة فعلية الحكم بدون فعلية موضوعه. و على ذلك فإذا تحقق بيع مثلا في الخارج تحقق الإمضاء الشرعي و الا فلا إمضاء أصلا، لما عرفت من ان الإمضاء

12

الشرعي في باب المعاملات لم يجعل لها على نحو صرف الوجود، لتكون صحتها منتزعة من انطباقها على الفرد الموجود و فسادها من عدم انطباقها عليه.

و قد تحصل من ذلك ان المعاملات بما انها موضوعات للإمضاء الشرعي فبطبيعة الحال يتعدد الإمضاء بتعدد افرادها فيثبت لكل فرد منها إمضاء مستقل مثلا الحلية في قوله تعالى «أحل اللَّه البيع» تنحل بانحلال افراد البيع فتثبت لكل فرد منه حلية مستقلة غير مربوطة بالحلية الثابتة لفرد آخر منه، و هكذا هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انا لا نعقل للصحة و الفساد في باب المعاملات معنى الا إمضاء الشارع لها و عدم إمضائه من جهة شمول الإطلاقات و العمومات لها و عدم شمولها، فكل معاملة واقعة في الخارج من البيع أو نحوه فان كانت مشمولة لإطلاقات أدلة الإمضاء و عموماتها فهي محكومة بالصحّة و الا فبالفساد، و على هذا الضوء لا يمكن تفسير الصحة فيها إلا بحكم الشارع بترتيب الأثر عليها، كما انه لا يمكن تفسير الفساد فيها إلا بعدم حكم الشارع بذلك. و على الجملة فمعنى ان هذا البيع الواقع في الخارج صحيح شرعاً ليس الا حكم الشارع بترتيب الأثر عليه و هو النقل و الانتقال و حصول الملكية، كما انه لا معنى لفساده شرعاً إلا عدم حكمه بذلك.

إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة و هي: ان الصحة و الفساد في العبادات امران واقعيان و في المعاملات امران مجعولان شرعاً.

و على ضوء هذه النتيجة قد تبين بطلان نظرية شيخنا الأستاذ (قده) من أن الصحة و الفساد في المعاملات كالصحة و الفساد في العبادات غير مجعولين شرعاً لا أصالة و لا تبعاً، و وجه التبين ما عرفت من ان هذه النظرية تبتنى على نقطة واحدة و هي كون المعاملات كالعبادات متعلقات للإمضاءات الشرعية لا موضوعات لها، و عليه فبطبيعة الحال تكون صحتها

13

منتزعة من انطباقها على ما في الخارج، و فسادها من عدم انطباقها، و لكن من المعلوم ان هذه النقطة خاطئة حتى عنده (قده) فلا واقع موضوعي لها حيث انه قد صرح في غير مورد ان نسبة المعاملات إلى الأحكام الوضعيّة نسبة الموضوع إلى الحكم لا نسبة المتعلق إليه، و على ذلك فالجمع بين كون الصحة و الفساد في المعاملات امرين منتزعين واقعاً و بين كون نسبة المعاملات إلى آثارها الوضعيّة نسبة الموضوع إلى الحكم جمع بين المتناقضين، ضرورة ان لازم كون نسبتها إليها نسبة الموضوع إلى الحكم هو كونهما أمرين مجعولين شرعاً كما انه ظهر بذلك فساد ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من التفصيل بين المعاملات الكلية كالبيع و الإجارة و الصلح و النكاح و ما شاكل ذلك و بين المعاملات الشخصية الواقعة في الخارج فبنى (قده) على أن الصحة و الفساد في الأولى مجعولان شرعاً، و في الثانية منتزعان واقعاً بدعوى ان المعاملات الشخصية غير مأخوذة في موضوع أدلة الإمضاء حيث أن المأخوذ فيها هو المعاملات بعناوينها الكلية و عندئذ فان انطبقت هذه المعاملات عليها في الخارج اتصفت بالصحّة و الا فبالفساد. و وجه الظهور هو ان أخذ تلك العناوين الكلية في موضوع أدلة الإمضاء انما هو للإشارة إلى افرادها الواقعة في الخارج حيث قد تقدم انها أخذت مفروضة الوجود فيه و عليه فبطبيعة الحال يكون الموضوع هو نفس تلك الافراد فيثبت لكل فرد منها حكم مستقل و إمضاء على حده كما مر ذلك آنفاً بشكل موسع. فما أفاده (قده) من التفصيل خاطئ جداً و لا واقع موضوعي له أصلا.

السابعة: ان النهي المتعلق بالعبادة يتصور على أقسام: (الأول) ما يتعلق بذات العبادة كالنهي عن صلاة الحائض و صوم يومي العيدين و هكذا (الثاني) ما يتعلق بجزء منها. (الثالث) ما يتعلق بشرط منها. (الرابع)

14

ما يتعلق بوصفها الملازم لها كالجهر و الخفت في القراءة. الخامس ما يتعلق بوصفها المفارق و غير الملازم لها كالتصرف في مال الغير الملازم لأكوان الصلاة في مورد الالتقاء و الاجتماع و هو الأرض المغصوبة- لا مطلقاً. و من هنا يكون هذا التلازم بينهما اتفاقياً لا دائمياً. هذا مجمل الأقسام و إليكم تفصيلها:

أما القسم الأول: و هو النهي المتعلق بذات العبادة فلا شبهة في دلالته على الفساد و ثبوت الملازمة بين حرمتها و بطلانها و السبب في ذلك واضح و هو ان العبادة كصلاة الحائض مثلا و صومي العيدين و ما شاكلهما إذا كانت محرمة و مبغوضة المولى لم يمكن التقرب بها لاستحالة التقرب بما هو مبغوض له فعلا كيف فانه مبعد و المبعد لا يعقل أن يكون مقربا و معه لا تنطبق الطبيعة المأمور بها عليه لا محالة، و هذا معنى فساده.

و لا فرق في ذلك بين أن تكون حرمتها ذاتية أو تشريعية نعم فرق بين الصنفين من الحرمة في نقطة أخرى و هي أن صلاة الحائض لو كانت حرمتها ذاتية فمعناها انها محرمة مطلقاً و لو كان الإتيان بها بقصد التمرين فحالها من هذه الناحية حال سائر المحرمات. و ان كانت حرمتها تشريعية فمعناها أنها لا تكون محرمة مطلقاً بل المحرم انما هو حصة خاصة منها و هي الحصة المقترنة بقصد القربة. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انا قد ذكرنا غير مرة ان التشريع العملي عبارة عن الإتيان بالعمل مضافاً إلى المولى سبحانه فيكون عنواناً له و من هنا قلنا اله افتراء عملي. و على ذلك بما ان هذه الحصة الخاصة من الصلاة و هي الصلاة مع قصد القربة محرمة على الحائض و مبغوضة للمولى يستحيل ان تنطبق الطبيعة المأمور بها عليها لاستحالة كون المحرم مصداقاً للواجب، فاذن لا محالة تقع فاسدة.

فالنتيجة هي أنه لا فرق في استلزام حرمة العبادة فسادها بين كونها

15

ذاتية أو تشريعية. فهما من هذه الناحية على صعيد واحد. هذا من جهة. و من جهة أخرى انه لا يمكن تصحيح هذه العبادة المنهي عنها بالملاك بتخيل ان الساقط انما هو امرها نظراً إلى عدم إمكان اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد و اما الملاك فلا موجب لسقوطه أصلا، و ذلك لعدم الطريق إلى إحراز كونها واجدة للملاك في هذا الحال، فان الطريق إلى إحراز ذلك أحد أمرين: (الأول) وجود الأمر بها، فانه يكشف عن كونها واجدة له. الثاني انطباق طبيعة المأمور بها عليها و المفروض هنا انتفاء كلا الأمرين كما عرفت، هذا مضافاً إلى انها لو كانت واجدة للملاك لم يكن ذلك الملاك مؤثراً في صحتها قطعاً، ضرورة انها مع كونها محرمة فعلا و مبغوضة كذلك كيف يكون ملاكها مؤثراً في محبوبيتها و صالحاً للتقرب بها، و هذا واضح.

و قد تحصل من مجموع ما ذكرناه انه لا شبهة في فساد العبادة المنهي عنها بلا فرق بين أن يكون النهي عنها نهياً ذاتياً أو تشريعياً. هذا كله في النهي المتعلق بذات العبادة. و أما القسم الثاني و هو النهي المتعلق بجزء العبادة فقد ذكر المحقق صاحب الكفاية (قده) انه لا إشكال في استلزامه فساد الجزء، و لكنه لا يوجب فساد العبادة الا إذا اقتصر المكلف عليه في مقام الامتثال، و أما إذا لم يقتصر عليه و أتى بعده بالجزء غير المنهي عنه تقع العبادة صحيحة لعدم المقتضي لفسادها عندئذ الا ان يستلزم ذلك موجباً آخر للفساد كالزيادة العمدية أو نحوها، و هذا أمر آخر أجنبي عما هو محل الكلام هنا. فالنتيجة ان النهي عن الجزء بما هو نهى عنه لا يوجب الا فساده دون فساد أصل العبادة.

و لكن أورد على ذلك شيخنا الأستاذ (قده) و إليك نصه: و اما النهي عن جزء العبادة فالتحقيق انه يدل أيضا على فسادها، و توضيح الحال فيه هو أن جزء العبادة أما ان يؤخذ فيه عدد خاص كالوحدة

16

المعتبرة في السورة بناء على حرمة القرآن، أما ان لا يؤخذ فيه ذلك.

أما الأول أعني به جزء العبادة المعتبر فيه عدد خاص فالنهي المتعلق به يقتضي فساد العبادة لا محالة، لأن الآتي به في ضمن العبادة اما ان يقتصر عليه فيها أو يأتي بعده بما هو عير منهي عنه، و على كلا التقديرين لا ينبغي الإشكال في بطلان العبادة المشتملة عليه، فان الجزء المنهي عنه لا محالة يكون خارجاً عن إطلاق دليل الجزئية أو عمومه فيكون وجوده كعدمه، فان اقتصر المكلف عليه في مقام الامتثال بطلت العبادة لفقدها جزئها، و ان لم يقتصر عليه بطلت من جهة الإخلال بالوحدة المعتبرة في الجزء كما هو الفرض. و من هنا تبطل صلاة من قراء إحدى العزائم في الفريضة سواء اقتصر عليها أم لم يقتصر، لأن قراءتها تستلزم الإخلال بالفريضة من جهة ترك السورة أو من جهة لزوم القرآن، بل لو بنينا على جواز القرآن لفسدت الصلاة في الفرض أيضا، لأن دليل الحرمة قد خصص دليل الجواز بغير الفرد المنهي عنه فيحرم القرآن بالإضافة إليه لا محالة، هذا مضافاً إلى أن تحريم الجزء يستلزم أخذ العبادة بالإضافة إليه بشرط لا سواء أتي به في محله المناسب له كقراءة العزيمة بعد الحمد أم أتى به في غير محله كقراءتها بين السجدتين.

و يترتب على ذلك أمور كلها موجبة لبطلان العبادة المشتملة عليه:

(الأول) كون العبادة مقيدة بعدم ذلك الجزء المنهي عنه فيكون وجوده مانعاً عن صحتها، و ذلك يستلزم بطلانها عند اقترانها بوجوده. (الثاني) كونه زيادة في الفريضة فتبطل الصلاة بسبب الزيادة العمدية المعتبر عدمها في صحتها، و لا يعتبر في تحقق الزيادة قصد الجزئية إذا كان المأتي به من جنس أحد أجزاء العمل. نعم يعتبر قصد الجزئية في صدقها إذا كان المأتي به من غير جنسه. الثالث خروجه عن أدلة جواز مطلق الذّكر

17

في الصلاة، فان دليل الحرمة لا محالة يوجب تخصيصها بغير الفرد المحرم فيندرج الفرد المحرم في عموم أدلة بطلان الصلاة بالتكلم العمدي، إذ الخارج عن عمومها انما هو الذّكر غير المحرم. و ما ذكرناه هو الوجه في بطلان الصلاة بالذكر المنهي عنه. و اما ما يتوهم من أن الوجه في ذلك هو دخوله في كلام الآدميين فهو فاسد، لأن المفروض انه ذكر محرم.

و من الواضح انه لا يخرج بسبب النهي عنه عن كونه ذكراً ليدخل في كلام الآدميين.

و أما الثاني- و هو ما لم يؤخذ فيه عدد خاص- فقد اتضح الحال فيه مما تقدم، لأن جميع الوجوه المذكورة المقتضية لفساد العبادة المشتملة على الجزء المنهي عنه جارية في هذا القسم أيضا و انما يختص القسم الأول بالوجه الأول منها انتهى».

نحلل ما أفاده (قده) من البيان إلى عدة نقاط: (الأولى) بطلان العبادة في صورة اقتصار المكلف على الجزء المنهي عنه في مقام الامتثال (الثانية) ان حرمة الجزء توجب تخصيص دليل جواز القرآن بغير الفرد المنهي عنه لا محالة فيحرم القرآن بالإضافة إلى هذا الفرد في ظرف الامتثال (الثالثة) ان النهي عن جزء لا محالة يوجب تقييد العبادة بغيره (الرابعة) انه لا يعتبر في تحقق الزيادة قصد الجزئية إذا كان المأتي به من سنخ أجزاء العمل (الخامسة) ان الجزء المنهي عنه خارج عن عموم ما دل على جواز مطلق الذّكر في الصلاة.

و لنأخذ بالنظر إلى هذه النقاط:

أما النقطة الأولى: فالامر كما أفاده (قده) من ان المكلف إذا اقتصر عليه في مقام الامتثال بطلت العبادة من جهة فقدانها الجزء، و لا

18

فرق في ذلك بين أن يكون الجزء مأخوذاً بشرط لا أو لا بشرط كما هو واضح.

و أما النقطة الثانية: فيردها انه بناء على القول بجواز القرآن في العبادة و عدم كونه مانعاً عن صحتها كما هو المفروض لم تكن حرمة الجزء في نفسها موجبة لبطلانها ما لم يكن هناك موجب آخر له، و الوجه في ذلك واضح و هو ان حرمة الجزء في نفسها لا توجب اعتبار عدم القرآن في صحة العبادة ليكون القرآن مانعا عنها، كيف فان حرمة القرآن في العبادة عبارة عن اعتبار عدم اقتران جزء بمثله في صحة تلك العبادة، و من المعلوم ان حرمة جزء لا تستلزم ذلك، ضرورة ان اعتباره يحتاج إلى مئونة زائدة فلا يكفي في اعتباره مجرد حرمته و مبغوضيته، فاذن لا يترتب عليها إلا بطلان نفسه و عدم جواز الاقتصار به في مقام الامتثال دون بطلان أصل العبادة، الا إذا كان هناك موجب آخر له كالنقيصة أو الزيادة.

و اما النقطة الثالثة: فيرد عليها ان حرمة جزء العبادة لو كانت موجبة لتقييد العبادة بغيره من الأجزاء لكانت حرمة كل شي‏ء موجبة لذلك، ضرورة انه لا فرق في ذلك بين كون المحرم من سنخ اجزاء العبادة و بين كونه من غير سنخها من هذه الناحية أصلا. و على هذا فلا بد من الالتزام ببطلان كل عبادة قد أتى المكلف في أثنائها بفعل محرم كالنظر إلى الأجنبية مثلا في الصلاة، مع ان هذا واضح البطلان، فاذن الصحيح في المقام أن يقال ان حرمة شي‏ء تكليفاً لا تستلزم تقييد العبادة بالإضافة إليه بشرط لا، بداهة انه لا تنافي بين صحة العبادة في الخارج و حرمة ذلك الشي‏ء المأتي به في أثنائها.

فالنتيجة أن حال الجزء المنهي عنه حال غيره من المحرمات فكما ان الإتيان بها في أثناء العبادة لا يوجب فسادها، فكذلك الإتيان بهذا الجزء

19

المنهي عنه فلا فرق بينهما من تلك الناحية أبداً.

و على الجملة فحرمة الجزء في نفسها لا تستلزم فساد العبادة الا إذا كان هناك موجب آخر له كالزيادة العمدية أو النقيصة أو نحو ذلك لوضوح انه لا منشأ لتخيل اقتضاء حرمته الفساد الا تخيل استلزامها تقييد العبادة بالإضافة إليه بشرط لا، و لكن من المعلوم ان هذا مجرد خيال لا واقع موضوعي له أصلا و ذلك لأن ما دل على حرمته لا يدل على تقييد العبادة بغيره لوضوح ان تقييدها كذلك يحتاج إلى مئونة زائدة فلا يكفي فيه مجرد حرمة شي‏ء تكليفاً و إلا لدل عليه كل دليل قام على حرمة شي‏ء كالنظر إلى الأجنبية أو إلى عورة شخص أو نحو ذلك، مع ان هذا واضح البطلان.

و بكلمة أخرى ان التقييد بعدم شي‏ء على نحوين (أحدهما) شرعي و هو تقييد الصلاة بعدم القهقهة و التكلم بكلام الآدميين و ما شاكلهما، فان مرد هذا التقييد إلى أن وجود هذه الأشياء مانع عنها شرعا و عدمها معتبر فيها (و ثانيهما) عقلي و هو عدم انطباق الصلاة المأمور بها على المقيد بذلك الشي‏ء أي لا يكون المقيد به مصداقاً لها، فان هذا التقييد لا يرجع إلى ان وجود هذا الشي‏ء مانع عنها شرعاً و عدمه معتبر فيها كذلك، بل مرده إلى ان المأمور به هو حصة خاصة من الصلاة و هي لا تنطبق على المقيد به، و ما نحن فيه من قبيل الثاني، فان ما دل على حرمة جزء لا محالة يقيد إطلاق الأمر المتعلق بهذا الجزء بغير هذه الحصة فلا ينطبق الجزء المأمور به عليها، لاستحالة انطباق المأمور به على الفرد المنهي عنه، مثلا ما دل على حرمة قراءة سور العزائم في الصلاة بطبيعة الحال تقيد إطلاق ما دل على جزئية السورة بغيرها و من المعلوم ان مرد ذلك إلى ان الواجب هو الصلاة المقيدة بحصة خاصة من السورة فلا تنطبق على الصلاة الفاقدة لتلك الحصة، و عليه فان اقتصر المكلف على الجزء المنهي عنه في مقام‏

20

الامتثال بطلت الصلاة من ناحية عدم انطباق الصلاة المأمور بها على الفرد المأتي به في الخارج و ان لم يقتصر عليه بل أتى بعده بالفرد غير المنهي عنه أيضا فلا موجب لبطلانها أصلا، غاية الأمر انه قد ارتكب في أثناء الصلاة امراً محرماً و قد عرفت انه لا يوجب البطلان.

و أما النقطة الرابعة: فمضافاً إلى انها لو تمت لكانت خاصة بالصلاة و لا تعم غيرها من العبادات يرد عليها ان صدق عنوان الزيادة في الجزء على ما بيناه في محله يتوقف على قصد جزئية ما يؤتى به في الخارج و الا فلا تصدق الزيادة من دون فرق في ذلك بين أن يكون ما أتى به من جنس أجزاء العمل أو من غير جنسها. نعم لا يتوقف صدق الزيادة على القصد في خصوص الركوع و السجود، بل لو أتى بهما من دون قصد ذلك لكان مبطلا للصلاة، الا ان ذلك من ناحية النص الخاصّ الوارد في المنع عن قراءة العزيمة في الصلاة معللا بأنها زيادة في المكتوبة و هذا النص و إن ورد في السجود خاصة إلا انا نقطع بعدم الفرق بينه و بين الركوع و تمام الكلام في محله. فالنتيجة انه لا يصدق على الإتيان بالجزء المنهي عنه بدون قصد الجزئية عنوان الزيادة لتكون مبطلة للصلاة.

و أما النقطة الخامسة: فمضافاً إلى اختصاص تلك النقطة بالصلاة و لا نعم غيرها من العبادات انه لا دليل على بطلان الصلاة بالذكر المحرم فان الدليل انما يدل على بطلانها بكلام الآدميين و من المعلوم ان الذّكر المحرم ليس من كلامهم على الفرض.

و اما القسم الثالث- و هو النهي المتعلق بالشرط- فقد ذكر المحقق صاحب الكفاية ان حرمة الشرط كما لا تستلزم فساده لا تستلزم فساد العبادة المشروطة به أيضا الا إذا كان الشرط عبادة. و بكلمة أخرى ان الشرط إذا كان توصلياً كما هو الغالب في شرائط العبادات فالنهي عنه لا يوجب فساده فضلا عن فساد العبادة

21

المشروطة به، فان الغرض منه يحصل بصرف إيجاده في الخارج و لو كان إيجاده في ضمن فعل محرم. و اما إذا كان عبادياً كالوضوء أو الغسل أو نحو ذلك فالنهي عنه لا محالة يوجب فساده ضرورة استحالة التقرب بما هو مبغوض للمولى و من المعلوم ان فساده يستلزم فساد العبادة المشروطة به هذا.

و لشيخنا الأستاذ (قده) في المقام كلام و ملخصه: هو أن شرط العبادة الّذي عبر عنه باسم المصدر ليس متعلقاً للنهي، ضرورة ان النهي تعلق بالفعل الصادر عن المكلف باختياره و إرادته، لا بما هو نتيجته و اثره، و ما هو متعلق للنهي الّذي عبر عنه بالمصدر ليس شرطاً لها، فاذن ما هو شرط للعبادة ليس متعلقاً للنهي، و ما هو متعلق له ليس شرطاً لها، مثلا الصلاة مشروطة بالستر فإذا افترضنا ان الشارع نهى عن لبس ثوب خاص فيها فعندئذ ان كان مرد هذا النهي إلى النهي عن الصلاة فيه فهو لا محالة يوجب بطلانها، و ان لم يكن مرده إلى ذلك كما هو المفروض حيث قد عرفت ان متعلق النهي غير ما هو شرط فعندئذ لا وجه لبطلانها أصلا و يكون حاله حال النّظر إلى الأجنبية في أثناء الصلاة هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان شرائط الصلاة بأجمعها توصلية فيحصل الغرض منها و لو بإيجادها في ضمن فعل محرم.

و من هنا يظهر بطلان تقسيم الشرط إلى كونه عبادياً كالطهارات الثلاث و غير عبادي كالتستر و نحوه، فان ما هو شرط للصلاة هو الطهارة بمعنى اسم المصدر المقارنة لها زماناً. و اما الأفعال الخاصة كالوضوء و الغسل و التيمم فهي بأنفسها ليست بشرط و انما تكون محصلة للشرط، فاذن ما هو شرط لها- و هو الطهارة بالمعنى المزبور- ليس بعبادة، و ما هو عبادة- و هو تلك الأفعال الخاصة- ليس بشرط و لذا لا يعتبر فيها قصد القربة و انما يعتبر قصد القربة في تلك الأفعال فحسب، فحال الطهارة من هذه‏

22

الناحية حال بقية الشرائط. فالنتيجة ان النهي عن الشرط ان رجع إلى النهي عن العبادة المتقيدة به فهو يوجب بطلانها لا محالة و الا فلا أثر له أصلا.

و نحلل ما أفاده (قده) إلى عدة نقاط: (الأولى) ان النهي المتعلق بالشرط يرجع في الحقيقة إلى النهي عما هو مفاد المصدر و المفروض انه ليس بشرط، و ما هو شرط- و هو المعنى الّذي يكون مفاد اسم المصدر- ليس بمنهي عنه (الثانية) ان الشرط في مثل الوضوء و الغسل و التيمم انما هو الطهارة المتحصلة من تلك الأفعال لا نفس هذه الأفعال: (الثالثة) ان شرائط الصلاة بأجمعها توصلية:

و لنأخذ بالمناقشة على هذه النقاط:

أما النقطة الأولى: فيرد عليها انه (قده) ان أراد من المصدر و اسم المصدر المقدمة و ما يتولد منها بدعوى ان النهي المتعلق بالمقدمة لا يوجب فساد ما يتولد منها و يترتب عليها كالنهي عن غسل الثوب مثلا أو البدن بالماء المغصوب، فانه لا يوجب فساد الطهارة الحاصلة منه فلا يمكن المساعدة عليه أصلا. و الوجه في ذلك هو ما ذكرناه غير مرة من أن ما عبر عنه باسم المصدر لا يغاير المعنى الّذي عبر عنه بالمصدر الا بالاعتبار فالمصدر باعتبار إضافته إلى الفاعل، و اسم المصدر باعتبار إضافته إلى نفسه كالإيجاد و الوجود فانهما واحد ذاتاً و حقيقة و الاختلاف بينهما بالاعتبار حيث ان الإيجاد باعتبار إضافته إلى الفاعل و الوجود باعتبار إضافته إلى نفسه، و ليس المصدر و اسم المصدر من قبيل المثال المذكور، ضرورة ان المثال من السبب و المسبب و العلة و المعلول. و من الواضح جداً ان المصدر ليس علة و سبباً لاسم المصدر، بداهة ان العلية و السببية تقتضي الاثنينية و التعدد بحسب الوجود الخارجي، و المفروض انه لا اثنينية و لا تعدد بين المصدر و اسم المصدر أصلا، بل هما أمر واحد وجوداً و ماهية. نعم في مثل المثال‏

23

المزبور لا مانع من أن تكون المقدمة محرمة و ما يتولد منها واجباً إذا لم تكن المقدمة منحصرة و إلا فتقع المزاحمة بينهما كما تقدم في بحث مقدمة الواجب مفصلا إلا انك عرفت انه خارج عن محل الكلام هنا حيث انه في المصدر و اسم المصدر و قد عرفت انهما أمر واحد وجوداً و خارجاً فلا يعقل أن يكون أحدهما مأمورا به الآخر منهياً عنه، لاستحالة أن يكون المحرم مصداقاً للواجب و المبغوض مصداقاً للمحبوب، و عليه فلا محالة يكون النهي عن شرط يوجب تقييد العبادة المشروطة به بغير هذا الفرد المنهي عنه، مثلا إذا نهى المولى عن التستر في الصلاة بثوب خاص فلا محالة يوجب تقييد الصلاة المشروطة بالستر بغير هذا الفرد و لا تنطبق طبيعة الصلاة المأمور بها على هذه الحصة المقترنة به.

و ان أراد(قده)من المصدر و اسم المصدر واقعهما الموضوعي فيرد عليه ما عرفت الآن من أنهما متحدان حقيقة و ذاتاً و مختلفان بالاعتبار، و معه لا يعقل أن يكون أحدهما مأموراً به و الآخر منهياً عنه. و دعوى- ان النهي تعلق به باعتبار إضافته إلى الفاعل- و هو المعبر عنه بالمصدر- و الأمر تعلق به باعتبار إضافته إلى نفسه فلا تنافي بينهما عندئذ- خاطئة جداً و غير مطابقة للواقع قطعاً، و ذلك ضرورة أن الشي‏ء الواحد لا يتعدد بتعدد الإضافة، و معه كيف يعقل أن يكون مأموراً به و المنهي عنه معاً و محبوباً و مبغوضاً في زمان واحد، و على هذا فإذا افترضنا ان المولى نهي عن التستر حال الصلاة بثوب خاص أو نهى عن الوضوء أو الغسل بماء مخصوص فلا محالة يكون مرد هذا النهي إلى مبغوضية تقيد الصلاة بهذا الفرد الخاصّ و عليه فطبيعة الحال لا تكون الصلاة المقترنة به مأموراً بها لاستحالة اتحاد المأمور به مع المنهي عنه خارجاً.

و يكلمه أخرى ان النهي عن الشرط و القيد لا محالة يرجع إلى تقييد

24

إطلاق دليل العبادة بغير هذه الحصة المنهي عنها، و لازم ذلك ان الواجب هو الصلاة المقيدة بغير تلك الحصة فلا ينطبق عليها، و مع عدم الانطباق لا محالة تقع فاسدة. فالنتيجة: ان حال النهي عن الشرط من هذه الناحية حال النهي عن الجزء فلا فرق بينهما. نعم فرق بينهما من ناحية أخرى و هي ان الاجزاء بأنفسها متعلقة للأمر و عبادة فلا تسقط بدون قصد القربة، و هذا بخلاف الشرائط، فان ذواتها ليست متعلقة للأمر و المتعلق له انما هو تقيد العبادات بها. و من هنا تكون الشرائط خارجة عن مقام ذات العبادة و غير داخلة فيها، و لذا لا يعتبر في سقوطها قصد القربة فلو أتى بالصلاة غافلا عن كونها واجدة للشرائط كالستر و الاستقبال إلى القبلة و نحوهما صحت، و كيف كان فلا فرق بين الجزء و الشرط فيما نحن فيه فكما أن النهي عن الجزء يوجب تقييد العبادة كالصلاة مثلا بغير الحصة المشتملة على هذا الجزء فلا يعقل أن تكون تلك الحصة مصداقاً للمأمور به و فرداً له لاستحالة كون المبغوض مصداقاً للمحبوب فكذلك النهي عن الشرط فانه يوجب تقييد إطلاق العبادة بغير الحصة المقترنة به بعين الملاك المزبور.

و قد تحصل مما ذكرناه: أنه بناء على ثبوت الملازمة بين حرمة عبادة و فسادها لا يفرق في ذلك بين أن تكون الحرمة متعلقة بذاتها أو بجزئها أو شرطها، فعلى جميع التقادير تقع فاسدة بملاك واحد و هو عدم وقوعها مصداقاً للعبادة المأمور بها فما ذكره شيخنا الأستاذ (قده) من أن النهي متعلق بالشرط بالمعنى المصدري و ما هو شرط في الواقع و الحقيقة هو المعنى الاسم المصدري فلا يوجب الفساد لا يرجع إلى معنى محصل أصلا، لما عرفت من انهما متحدان ذاتاً و خارجاً و مختلفان اعتباراً، و قد عبر عنهما في لغة العرب بلفظ واحد، و يفرق بينهما بقرائن الحال أو المقال، نعم عبر في لغة الفرس عن كل منهما بلفظ خاص، و كيف كان فلا يمكن أن‏

25

يكون أحدهما متعلقاً للأمر و الآخر متعلقا للنهي:

و أما النقطة الثانية:- و هي- أن الطهارة الحاصلة من الأفعال الخاصة شرط للصلاة دون نفس هذه الأفعال فيردها أن ذلك خلاف ظواهر الأدلة من الآية و الروايات فان الظاهر منها هو أن الشرط لها لنفس تلك الأفعال و الطهارة اسم لها و ليست أمراً آخر مسبباً عنها. و على الجملة فما ذكره (قده) من كون الطهارة مسببة عنها و إن كان مشهوراً بين الأصحاب الا أنه لا يمكن إتمامه بدليل. و من هنا قلنا: ان ما ورد في الروايات من أن الوضوء على الوضوء نور على نور و انه طهور و نحو ذلك ظاهر في أن الطهور اسم لنفس تلك الأفعال دون ما يكون مسبباً عنها على ما فصلنا الكلام فيه في محله.

و من هنا يظهر حال النقطة الثالثة أيضا- و هي أن شرائط الصلاة بأجمعها توصلية- و وجه الظهور ما عرفت من أن نفس هذه الأفعال شرائط لها و هي تعبدية لا توصلية و عليه صح تقسيم شرائط الصلاة إلى تعبدية و توصلية.

فما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من عدم صحة هذا التقسيم خاطئ جداً و لا واقع موضوعي له أصلا.

و أما القسم الرابع- و هو النهي عن الوصف الملازم للعبادة- فحاله حال النهي عن العبادة بأحد العناوين السالفة. و الوجه في ذلك هو أن النهي عن مثل هذا الوصف لا محالة يكون مساوقاً للنهي عن موصوفه باعتبار ان هذا الوصف متحد معه خارجاً و لا يكون له وجود بدون وجوده، و عليه فلا يعقل أن يكون أحدهما منهياً عنه و الآخر مأموراً به، لاستحالة كون شي‏ء واحد مصداقاً لهما معاً و مثال ذلك الجهر و الخفت بالقراءة فان النهي عن الجهر بالقراءة مثلا لا محالة يكون نهياً حقيقة عن القراءة الجهرية أي عن هذه الحصة الخاصة، ضرورة انه لا وجود للجهر بدون القراءة، كما أنه لا

26

وجود للقراءة بدون الجهر أو الخفت في الخارج فلا يعقل أن يكون الجهر بالقراءة منهياً عنه دون نفس القراءة، بداهة انها حصة خاصة من مطلق القراءة فالنهي عن الجهر بها نهى عن تلك الحصة لا محالة. فالنتيجة: ان النهي عن الجهر أو الخفت يرجع إلى النهي عن العبادة غاية الأمر ان القراءة لو كانت بنفسها عبادة دخل ذلك في النهي عن نفس العبادة، و ان كانت جزءاً لها دخل في النهي عن جزئها، و ان كانت شرطاً لها دخل في النهي عن شرطها و على هذا الضوء فلا يكون هذا القسم نوعاً آخر في مقابل الأقسام المتقدمة بل هو يرجع إلى أحد تلك الأقسام لا محالة كما هو واضح.

و أما القسم الخامس:- و هو النهي عن الوصف المفارق للموصوف- فهو خارج عن مسألتنا هذه و داخل في مسألة اجتماع الأمر و النهي المتقدمة و ذلك لأن هذا الوصف إن كان متحداً مع موصوفه في مورد الالتقاء و الاجتماع فلا مناص من القول بالامتناع، و عندئذ يدخل في كبرى مسألتنا هذه. و إن كان غير متحد معه وجوداً فيه و لم نقل بسراية الحكم من أحدهما إلى الآخر فلا مناص من القول بالجواز. و عندئذ لا يكون داخلا فيها. فالنتيجة ان هذا القسم داخل في المسألة المتقدمة لا في مسألتنا هذه كما لا يخفى.

الثامنة: انه لا أصل في المسألة الأصولية ليعول عليه عند الشك في ثبوتها و السبب في ذلك ما ذكرناه غير مرة من أن الملازمة المزبورة و ان لم تكن داخلة تحت إحدى المقولات كالجواهر و الاعراض الا انها مع ذلك أمر واقعي أزلي أي ثابت من الأزل و ليست لها حالة سابقة فان كانت موجودة فهي من الأزل و ان كانت غير موجودة فكذلك فلا معنى لأن يشك في بقائها لا وجوداً و لا عدماً بل الشك فيها دائماً انما هو في أصل ثبوتها من الأزل و عدم ثبوتها كذلك و من المعلوم أنه لا أصل هنا

27

ليعتمد عليه في إثباتها من الأزل أو عدم إثباتها كذلك. و من هنا يظهر الحال فيما لو كان المبحوث عنه في هذه المسألة دلالة النهي على الفساد و عدم دلالته عليه حيث انه لا أصل على هذا الفرض أيضا، ليعول عليه في إثبات هذه الدلالة أو نفيها هذا كله في المسألة الأصولية.

و أما في المسألة الفرعية فيجري الأصل فيها- و هو أصالة الفساد- و انما الكلام في انه هل يقتضي الفساد في العبادات و المعاملات مطلقاً أو في المعاملات فحسب دون العبادات فيه قولان: فاختار شيخنا الأستاذ (قدس سره) القول الثاني. و قد أفاد في وجه ذلك: ان الأصل في جميع موارد الشك في صحة المعاملة يقتضي الفساد، لأصالة عدم ترتب الأثر على المعاملة الخارجية المشكوك صحتها، و بقاء متعلقها على ما كان قبل تحققها من دون فرق في ذلك بين أن يكون الشك لأجل شبهة حكمية أو موضوعية. و أما العبادة فان كان الشك في صحتها و فسادها لأجل شبهة موضوعية فمقتضى قاعدة الاشتغال فيها هو الحكم بفساد المأتي به و عدم سقوط أمرها. و أما إذا كان لأجل شبهة حكمية فالحكم بالصحّة و الفساد عند الشك فيهما يبتنى على الخلاف في جريان أصالة البراءة أو الاشتغال في كبرى مسألة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين. هذا حسب ما تقتضيه القاعدة الأولية. و أما بالنظر إلى القواعد الثانوية الحاكمة على على القواعد الأولية فربما يحكم بصحة العبادة أو المعاملة عند الشك فيها بقاعدة الفراغ أو التجاوز أو الصحة أو نحو ذلك.

و أما صاحب الكفاية (قده) ففي بعض نسخ كتابه و ان كان هذا التفصيل موجوداً الا انه ضرب الخطّ المحو عليه و اختار القول الأول- و هو الفساد مطلقاً- و قال: نعم كان الأصل في المسألة الفرعية الفساد لو لم يكن هناك إطلاق أو عموم يقتضي الصحة في المعاملة و أما العبادة فكذلك لعدم الأمر بها مع النهي عنها كما لا يخفى.

28

و الصحيح هو ما اختاره صاحب الكفاية (قده) من النظرية في المسألة بيان ذلك: أما في العبادات فلان محل الكلام هنا ليس في مطلق الشك في صحة العبادة و فسادها سواء أ كانت متعلقة للنهي أم لم تكن و كانت الشبهة موضوعية أم كانت حكمية، بل محل الكلام انما هو في خصوص عبادة شك في صحتها و فسادها من ناحية كونها متعلقة للنهي و محرمة فعلا و أما ما لا تكون كذلك فليس من محل الكلام في شي‏ء سواءً كان الشك في صحتها و فسادها من ناحية الشك في انطباق المأمور به عليها أو من الشك في أصل مشروعيتها أو في اعتبار شي‏ء فيها جزءاً أو شرطاً مع عدم الشك في أصل مشروعيتها، فان كل ذلك خارج عن مفروض الكلام في المسألة، و عليه فما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من الأصل في هذه الموارد و ان كان تاماً في الجملة إلا انه أجنبي عن محل الكلام فمحل الكلام في المسألة ما ذكرناه. و على هذا فلا محالة يكون مقتضى الأصل في العبادة هو الفساد.

و السبب فيه واضح: و هو ان العبادة إذا كانت محرمة و مبغوضة فعلا للمولى فطبيعة الحال هي توجب تقييد إطلاق دليلها بغيرها (الحصة المنهي عنها) بداهة ان المحرم لا يعقل أن يقع مصداقاً للواجب و المبغوض مصداقاً للمحبوب، فاذن كيف يمكن الحكم بصحتها.

و ان شئت قلت: ان صحتها ترتكز على أحد أمرين: (الأول) ان تكون مصداقاً للطبيعة المأمور بها. (الثاني) ان تكون مشتملة على الملاك في هذا الحال، و لكن شيئاً من الأمرين غير موجود أما الأول فلما عرفت من استحالة كون العبادة المنهي عنها مصداقاً للمأمور به. و أما الثاني:

فما ذكرناه غير مرة من أنه لا يمكن إحراز اشتماله على الملاك الا بأحد طريقين: وجود الأمر به. و انطباق الطبيعة المأمور بها عليه، و أما إذا

29

افترضنا انه لا أمر و لا انطباق فلا يمكن إحراز اشتمالها على الملاك، و المفروض فيما نحن فيه هو انتفاء كلا الطريقين معا، و معه كيف يمكن إحراز اشتمالها على الملاك، فان سقوط الأمر كما يمكن أن يكون لأجل وجود مانع مع ثبوت المقتضي له يمكن أن يكون لأجل عدم المقتضي له في هذا الحال فالنتيجة في نهاية الشوط هي: ان مقتضى الأصل في العبادة هو الفساد مطلقاً.

و أما في المعاملات فان كان هناك عموم أو إطلاق و كان الشك في صحة المعاملة المنهي عنها و فسادها من جهة الشبهة الحكمية فلا مانع من التمسك به لإثبات صحتها، ضرورة انه لا تنافي بين كون معاملة محرمة و وقوعها صحيحة في الخارج إلا ان هذا الفرض خارج عن محل الكلام، حيث انه فيما إذا لم يكن دليل اجتهادي من عموم أو إطلاق في البين يقتضي صحتها أو كان و لكن الشبهة كانت موضوعية فلا يمكن التمسك بالعموم فيها، فعندئذ بطبيعة الحال المرجع هو الأصل العملي، و مقتضاه الفساد مثلا لو شككنا في صحة نكاح الشغار أو فساده و لم يكن دليل من الخارج على صحته أو فساده لا عموماً و لا خصوصاً فالمرجع هو الأصل و هو يقتضي فساده و عدم حصول العلقة الزوجية بين الرّجل و المرأة، و كذا الحال فيما إذا شككنا في صحة معاملة و فسادها من ناحية الشبهة الموضوعية و قد تحصل من ذلك ان مقتضى الأصل في المعاملات أيضا هو الفساد مطلقاً فلا فرق بينها و بين العبادات من هذه الناحية. نعم فرق بينهما من ناحية أخرى و هي انه لا تنافي بين حرمة المعاملة تكليفاً و صحتها وضعاً كما ستأتي الإشارة إلى ذلك بشكل موسع، و هذا بخلاف العبادة، فان حرمتها لا تجتمع مع صحتها كما عرفت.

و بكلمة واضحة: ان النهي المتعلق بالمعاملة إذا كان إرشادياً و مسوقاً لبيان مانعية شي‏ء عنها كالنهي عن بيع الغرر أو بيع ما ليس عندك و ما

30

شاكل ذلك فلا إشكال في دلالته على الفساد، و من هنا قلنا بخروج هذا القسم من النهي عن محل الكلام في المسألة، و قد أشرنا إلى ذلك في ضمن البحوث المتقدمة بشكل موسع، فالكلام هنا انما هو في دلالة النهي النفسيّ المولوي على الفساد و عدم دلالته عليه بمعنى ثبوت الملازمة بين حرمة معاملة و فسادها و عدم ثبوتها، و قد اختلفت كلمات الأصحاب حول ذلك و نسب إلى أبي حنيفة و الشيباني دلالة النهي على الصحة، و نسب إلى آخر دلالته على الفساد، و فصل ثالث بين ما إذا تعلق النهي بالمسبب أو التسبيب و ما إذا تعلق بالسبب فعلى الأول يدل على الصحة دون الثاني و اختار هذا التفصيل المحقق صاحب الكفاية (قده) حيث قال: بعد ما نسب إلى أبي حنيفة و الشيباني دلالة النهي على الصحة «و التحقيق انه في المعاملات كذلك إذا كان عن المسبب أو التسبيب لاعتبار القدرة في متعلق النهي كالأمر و لا يكاد يقدر عليهما إلا فيما إذا كانت المعاملة مؤثرة صحيحة، و إليك توضيح ما أفاده و هو ان النهي إذا افترض تعلقه بالتسبيب أي إيجاد الملكية من سبب خاص دون آخر كالنهي عن بيع الكلب مثلا فبطبيعة الحال يدل على صحة هذا السبب و نفوذه في الشريعة و حصول الملكية به، ضرورة انه لو لم يكن هذا السبب نافذاً شرعاً و لم تحصل الملكية به لكان النهي عن إيجادها به لغواً محضاً و كان نهيا عن غير مقدور لفرض انها لا تحصل بإنشائها به (السبب الخاصّ) مع قطع النّظر عن النهي، فاذن لا محالة يكون النهي عنه نهياً عن أمر غير مقدور و هو مستحيل. و من هنا يظهر الحال فيما إذا تعلق النهي بالمسبب كالنهي عن بيع المصحف من كافر، فانه يدل على صحة هذه المعاملة- و هي البيع- لوضوح انها لو لم تكن صحيحة و ممضاة شرعاً لم تكن سبباً لحصول الملكية و بدون ذلك لا معنى للنهي عن الملكية المسببة عن هذا السبب الخاصّ،

31

لفرض انه لا يقدر على إيجادها بإيجاد سببها، و معه لا محالة يكون النهي عنه نهياً عن غير مقدور و هو محال، لاعتبار القدرة في متعلقه كالأمر.

و قد اختار شيخنا الأستاذ (قده) تفصيلا ثانياً في المقام: و هو ان النهي إذا تعلق بالمسبب دل على الفساد و إذا تعلق بالسبب لم يدل عليه هذه هي:

الأقوال في المسألة. و الصحيح في المقام أن يقال ان النهي عن المعاملة لا يدل على فسادها و انه لا ملازمة بين حرمة معاملة و بطلانها أصلا بيان ذلك يحتاج إلى مقدمة و هي اننا قد ذكرنا غير مرة ان الأحكام الشرعية بشتى اشكالها و ألوانها: التكليفية و الوضعيّة أمور اعتبارية لا واقع موضوعي لها ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى قد تقدم منا في أول بحث النواهي بصورة موسعة ان حقيقة النهي و واقعه الموضوعي هو اعتبار الشارع محرومية المكلف عن الفعل و بعده عنه، و إبرازه في الخارج بمبرز من قول أو فعل. كما ان حقيقة الأمر و واقعه الموضوعي هو اعتبار الشارع الفعل على ذمة المكلف، و إبرازه في الخارج بمبرز ما من قول أو فعل أو نحو ذلك، و هذا هو واقع الأمر و النهي.

و اما الوجوب و الحرمة و البعث و الزجر و ما شاكل ذلك فليس شي‏ء منها مدلولا للأمر و النهي بل الجميع منتزع من إبراز ذلك، الأمر الاعتباري في الخارج و لا واقع موضوعي لها ما عدا ذلك فان الأمر و النهي لا يدلان إلا على إبراز ذلك الأمر الاعتباري في الخارج دون غيره و من ناحية ثالثة ان لهذا الأمر الاعتباري متعلق و موضوع، و متعلقه هو فعل المكلف كالصلاة و الصوم و الزكاة و الحج و ما شاكل ذلك، و موضوعه العقل و البلوغ و دخول الوقت و الاستطاعة و الدم و الخمر و الخنزير و غير ذلك من الجواهر و الاعراض.

أما الأول- و هو المتعلق- فلا ينبغي الشك في عدم دخله في الحكم الشرعي أصلا، و لا يؤثر فيه أبداً، لا في مرحلة التشريع و الاعتبار و لا

32

في مرحلة الفعلية و الامتثال. اما عدم دخله في مرحلة التشريع فواضح حيث انه فعل اختياري للشارع فلا يتوقف على أي شي‏ء ما عدا اختياره و أعمال قدرته. نعم نظراً إلى أن صدور اللغو من الشارع الحكيم مستحيل فبطبيعة الحال يتوقف اعتباره و صدوره منه على وجود داع و مرجح له، و الداعي له انما هو المصالح و الحكم الكامنة في نفس الأفعال و المتعلقات بناء على ما هو المشهور بين العدلية، أو في نفس الاعتبار و التشريع بناء على ما ذهب إليه بعض العدلية و الأشاعرة. و من الواضح أن دخل تلك المصالح فيه على نحو دخل الداعي في المدعو لا على نحو دخل العلة في المعلول و إلا لزم خروج الحكم الشرعي عن كونه امراً اعتبارياً بقانون التناسب و السنخية بينهما من ناحية، و عن كونه فعلا اختيارياً للشارع من ناحية أخرى.

و أما عدم دخله في مرحلة الفعلية فأيضاً واضح، و ذلك لأن فعلية الأحكام انما هي بفعلية موضوعاتها و تدور مدارها وجوداً و عدماً، و لا تتوقف على فعلية متعلقاتها، كيف فان فعليتها توجب سقوطها خارجاً.

و أما الثاني- و هو الموضوع- فأيضاً لا دخل له في الحكم الشرعي أبداً، و ذلك لما عرفت من أنه فعل اختياري للشارع فلا يتوقف على شي‏ء ما عدا إرادته و اختياره. نعم جعله حيث كان غالباً على نحو القضايا الحقيقية فبطبيعة الحال يكون مجعولا للموضوع المفروض الوجود خارجاً، فإذا كان الأمر كذلك فلا محالة تتوقف فعليته على فعلية موضوعه و الا لزم الخلف أي ما فرض موضوع له ليس بموضوع، و لأجل ذلك يطلق عليه السبب تارة، و الشرط تارة أخرى فيقال: ان الاستطاعة شرط لوجوب الحج، و السفر بقدر المسافة شرط لوجوب القصر، و البلوغ شرط للتكليف و البيع سبب للملكية و هكذا، مع انه عند التحليل لا شرطية و لا سببية في البين أصلا.

و بكلمة أخرى: ان الموجودات الخارجية لا تؤثر في الأحكام الشرعية

33

و إلا لكانت تلك الأحكام من الأمور التكوينية بقانون التناسب و السنخية المعتبر في تأثير العلة في المعلول من ناحية، و لخرجت عن كونها أفعالا اختيارية من ناحية أخرى، و على ضوء ذلك فبطبيعة الحال يكون إطلاق الشرط على موضوعاتها مبني على ضرب من المسامحة نظراً إلى انها حيث أخذت مفروضة الوجود في مقام الجعل و الاعتبار فيستحيل انفكاكها عنها في مرحلة الفعلية فتكون من هذه الناحية كالسبب و الشرط، مثلا إذا جعل الشارع وجوب الحج للمستطيع على نحو القضية الحقيقية انتزع عنوان الشرطية للاستطاعة باعتبار أن فعلية وجوبه تدور مدار فعليتها خارجا و استحالة انفكاكها عنها.

و من هدى هذا البيان يظهر حال الأحكام الوضعيّة أيضا، تفصيل ذلك أن الأحكام الوضعيّة على طائفتين: (إحداهما) منتزعة من الأحكام التكليفية و ذلك كالجزئية و الشرطية و المانعية و ما شاكل ذلك. (و ثانيتهما) مجعولة على نحو الاستقلال كالاحكام التكليفية و ذلك كالملكية و الزوجية و الرقية الولاية و ما شابه ذلك. أما الطائفة الأولى: فهي خارجة عن محل كلامنا في المسألة، لما عرفت من أن محل الكلام فيها انما هو في المعاملات بالمعنى الأعم الشامل للعقود و الإيقاعات، و بعد ذلك نقول: انا قد حققنا في محله ان ما هو المشهور بين الأصحاب من أن صيغ العقود و الإيقاعات أسباب للمسببات خاطئ جداً و لا واقع موضوعي له أصلا، كما انا ذكرنا أنه لا أصل لما ذكره شيخنا الأستاذ (قده) من أن نسبتها إليها نسبة الآلة إلى ذيها.

و السبب في ذلك: ما بيناه في مبحث الإنشاء و الاخبار بشكل موسع ملخصه: أن ما هو المعروف و المشهور بين الأصحاب قديماً و حديثاً من أن الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ لا واقع له أصلا، و ذلك لأنهم ان أرادوا به‏

34

الإيجاد التكويني الخارجي فهو غير معقول، بداهة ان اللفظ لا يعقل أن يكون واقعاً في سلسلة علل وجوده. و ان أرادوا به الإيجاد الاعتباري فيرد عليه أنه يوجد بنفس اعتبار المعتبر سواء أ كان هناك لفظ يتلفظ به أم لم يكن، لوضوح أن اللفظ لا يكون سبباً لإيجاده الاعتباري و لا آلة له كيف فان الأمر الاعتباري كما ذكرناه غير مرة لا واقع موضوعي له ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار في أفق النّفس، و لا يتوقف وجوده على أي شي‏ء آخر غيره. نعم إبرازه في الخارج يحتاج إلى مبرز، و المبرز قد يكون لفظاً كما هو الغالب، و قد يكون كتابة أو إشارة خارجة، و قد يكون فعلا كذلك.

هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى انا إذا حللنا واقع المعاملات تحليلا موضوعياً لم نجد فيها إلا أمرين: (الأول) الاعتبار القائم بنفس المعتبر بالمباشرة (الثاني) إبرازه في الخارج بمبرز ما من قول أو فعل أو نحو ذلك فالمعاملات أسام للمركب من هذين الأمرين أي الأمر الاعتباري النفسانيّ، و إبرازه في الخارج بمبرز ما مثلا عنوان البيع و الإجارة و الصلح و النكاح لا يصدق على مجرد الأمر الاعتباري النفسانيّ بدون إبرازه في الخارج فلو اعتبر شخص في أفق نفسه ملكية داره ليزيد مثلا من دون ان يبرزه في الخارج لم يصدق عليه أنه باع داره أو وهب فرسه مثلا كما انه لا يصدق تلك العناوين على مجرد الإبراز الخارجي من دون اعتبار نفساني كما إذا كان في مقام تعداد صيغ العقود أو الإيقاعات، أو كان التكلم بها بداع آخر لا بقصد إبراز ما في أفق النّفس من الأمر الاعتباري.

فالنتيجة في نهاية الشوط هي: ان المعاملات بشتى ألوانها مركبة من الأمر الاعتباري النفسانيّ و إبرازه في الخارج بمبرز ما و أسام لهما و كلاهما امر مباشري و لا يعقل التسبيب بالإضافة إلى ذاك الأمر الاعتباري.

35

و على ضوء هذه النتيجة: قد اتضح انه ليس في باب المعاملات سبب و لا مسبب و لا آلة و لا ذيها ليقال أن النهي قد يتعلق بالسبب و قد يتعلق بالمسبب. هذا من جانب. و من جانب آخر ان المعاملات بعناوينها الخاصة كالبيع و الإجارة و النكاح و الصلح و ما شاكل ذلك قد أخذت مفروضة الوجود في لسان أدلة الإمضاء و الجعل كقوله تعالى «أحل اللَّه البيع» «و تجارة عن تراض» و قوله (صلى الله عليه و آله) (النكاح سنتي) (و الصلح جائز بين المسلمين) و نحو ذلك، كما انها مأخوذة كذلك في موضوع إمضاء العقلاء و على هذا فبطبيعة الحال تتوقف فعلية الإمضاء الشرعي على فعلية هذه المعاملات و تحققها في الخارج فمرجع قوله تعالى «أحل اللَّه البيع» مثلا إلى قولنا إذا وجد شي‏ء في الخارج و صدق عليه أنه بيع فهو ممضى شرعاً، و من هنا قلنا فيما تقدم ان الصحة في المعاملات مجعولة شرعاً.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة و هي ان نسبة صيغ العقود أو الإيقاعات إلى المعاملات ليست نسبة الأسباب إلى المسببات، و لا نسبة الآلة إلى ذيها، بل نسبة المبرز بالكسر إلى المبرز بالفتح. كما ان نسبتها إلى الإمضاء الشرعي ليست نسبة الأسباب إلى المسببات، كيف فان المعاملات بهذه العناوين الخاصة مأخوذة في موضوعه، و من المعلوم ان الموضوع ليس سبباً لحكمه و علة له. و من هنا يظهر ان نسبة هذه المعاملات كما تكون إلى الإمضاء الشرعي نسبة الموضوع إلى الحكم كذلك تكون نسبتها إلى الإمضاء العقلائي.

و على أساس هذا البيان يظهر انه لا فرق بين الأحكام الوضعيّة و التكليفية من هذه الناحية أصلا فكما أنه لا سببية و لا مسببية في باب الأحكام التكليفية حيث ان نسبتها إلى موضوعاتها كالاستطاعة و البلوغ و العقل و دخول الوقت و ما شاكل ذلك ليست نسبة المعلول إلى العلة فلا تأثير و لا ارتباط

36

بينهما ذاتاً فكذلك الحال في الأحكام الوضعيّة. و عليه فلم يظهر لنا لحد الآن وجه ما اصطلحوا عليه الفقهاء من التعبير عن موضوعات الأحكام التكليفية بالشرائط و عن موضوعات الأحكام الوضعيّة بالأسباب، مع انهما من واد واحد فلا فرق بينهما من هذه الناحية أبداً، و كيف كان فلا يقوم هذا الاصطلاح على واقع موضوعي، حيث قد عرفت انه ليس في كلا البابين معاً إلا جعل الحكم على الموضوع المقدر وجوده في الخارج من دون أي تأثير له في ثبوت الحكم تكويناً. نعم لا بأس بالتعبير عن الموضوع بالشرط نظراً إلى رجوع القضية الحقيقية إلى القضية الشرطية: مقدمها وجود الموضوع و تاليها ثبوت الحكم له. و لكن هذا الشرط بمعنى آخر غير الشرط الّذي هو من أجزاء العلة التامة.

و قد تحصل من مجموع ما حققناه: ان الموجود في مورد المعاملة عدة أمور: (الأول) الاعتبار النفسانيّ القائم بنفس المعتبر بالمباشرة.

(الثاني) إبرازه في الخارج بمبرز ما من قول أو فعل أو نحو ذلك.

(الثالث) الإمضاء العقلائي و هو فعل اختياري للعقلاء و خارج عن اختيار المتعاملين (الرابع) الإمضاء الشرعي و هو فعل اختياري للشارع و خارج عن قدرة المتعامل و اختياره، و قد تقدم أن موضوعه هو المعاملة بعناوينها الخاصة كالبيع أو نحوه.

و بعد ذلك نقول: ان النهي المتعلق بالمعاملة لا يخلو من أن يكون متعلقاً بالإمضاء الشرعي المعبر عنه في لسان الفقهاء بالملكية الشرعية، أو متعلقاً بالإمضاء العقلائي، أو بالأمر الاعتباري النفسانيّ، أو بالمبرز الخارجي أو بالمجموع المركب منهما فلا سادس في البين.

أما الأول- و هو الإمضاء الشرعي فلا معنى للنهي عنه، بداهة انه فعل اختياري للشارع و خارج عن قدرة المتعامل و اختياره، و من الطبيعي‏

37

أنه لا معنى لنهي الشارع عن فعل نفسه غاية الأمر إذا كانت فيه مفسدة ملزمة لم يصدر منه، كما هو الحال في مثل بيع الكلب و الخنزير و الخمر و البيع الربوي و ما شاكل ذلك، فان عدم إمضاء الشارع هذه المعاملات و عدم اعتباره الملكية فيها من جهة وجود مفسدة ملزمة في تلك المعاملات فانها تكون مانعة منه، لا انها موجبة للنهي عنه.

و توهم- ان هذه الدعوى لا تلائم مع نهي الشارع عن هذه المعاملات من ناحية و كون النهي عنها متوجهاً إلى المتعاملين من ناحية أخرى- فاسد جداً، و ذلك لأن هذا النهي ليس نهياً تكليفياً ليقال أنه غير معقول، بل هو نهي إرشادي فيرشد إلى عدم إمضاء الشارع تلك المعاملات. و قد ذكرنا غير مرة ان شأن النهي الإرشادي شأن الأخبار فكأن المولى أخبر عن فساد هذه المعاملات و عدم إمضائها. نعم بعض هذه المعاملات- و هو المعاملة الربوية- و إن كان محرماً تكليفاً أيضا إلا أن الحرمة متعلقة بفعل المتعاملين لا بالإمضاء الشرعي و الملكية الشرعية. و قد عرفت ان المعاملات أسام للافعال الصادرة عن آحاد الناس فلا مانع من تعلق الحرمة بها. فالنتيجة هي: أنه لا معنى لتعلق النهي بالملكية الشرعية. و من هنا يظهر الحال في الأمر الثاني- و هو الإمضاء العقلائي- فانه حيث كان خارجاً عن اختيار المتعاملين فلا معنى للنهي عنه و لا يعقل تعلق النهي في باب المعاملات به.

و أما الثالث- و هو فرض تعلق النهي بالأمر الاعتباري النفسانيّ فحسب- فهو و إن كان شيئاً معقولا في نفسه إلا أنه لا يستلزم فساد المعاملة لأن النهي عنه لا يكون نهياً عن المعاملة حتى يستلزم فسادها، لما عرفت من أن المعاملات من العقود و الإيقاعات أسام للمركب من ذلك الأمر الاعتباري النفسانيّ و إبرازه في الخارج بمبرز ما فلا تصدق على الاعتبار النفسانيّ فحسب، و لا على المبرز الخارجي كذلك. و على هذا الضوء فما يتعلق به‏

38

النهي ليس بمعاملة و ما هو معاملة ليس بمنهي عنه.

و ان شئت قلت: ان تعلق النهي بذلك الأمر الاعتباري النفسانيّ مع قطع النّظر عن إبرازه في الخارج غير محتمل في نفسه و على تقدير تعلقه به فهو لا يدل على صحة المعاملة و لا على فسادها.

و أما الرابع- و هو فرض تعلق النهي بالمبرز بالكسر فحسب- فقد ظهر أنه لا يستلزم فساد المعاملة أيضا حيث أن النهي عنه لا يكون نهياً عنها حتى يدل على فسادها، و مثال ذلك ما إذا افترضنا أن أحداً تكلم أثناء الصلاة بقوله بعت داري أو زوجتي طالق أو ما شاكل ذلك، فان التكلم بهذا القول بما هو قول آدمي أثناء الصلاة و إن كان محرماً بناء على نظرية المشهور، بل ادعى الإجماع على ذلك، إلا أن هذه الحرمة لا تدل على فساد هذا العقد أو الإيقاع، لوضوح أن المحرم انما هو التكلم بهذه الصيغة بما هي كلام آدمي، لا بما هي بيع أو إجارة أو طلاق أو نحو ذلك، فاذن لا يكون نهي عن المعاملة ليقال باستلزامه فسادها.

نتيجة ما ذكرناه لحد الآن هي أن النهي عن الأمر الأول و الثاني غير معقول في نفسه. و أما النهي عن الأمر الثالث و الرابع و ان كان معقولا إلا أنه ليس نهياً عن المعاملة بما هي معاملة ليقع البحث عن أنه هل يدل على فسادها أم لا.

و من ضوء هذا البيان يظهر أن ما نسب إلى أبي حنيفة و الشيباني و هو الّذي اختاره المحقق صاحب الكفاية (قده) أيضا من أن النهي إذا تعلق بالمسبب أو التسبيب يدل على الصحة خاطئ جداً و لا واقع موضوعي له أبدا أما (أولا):

فلما عرفت في ضمن البحوث السالفة بشكل موسع من أنه لا سببية و لا مسببة في باب المعاملات أصلا كي يفرض تارة تعلق النهي بالسبب و أخرى بالمسبب و ثالثاً بالتسبيب. و أما (ثانياً): فلما تقدم من أنهم فسروا المسبب فيها

39

بالملكية الشرعية، و قد عرفت أنه لا معنى للنهي عنها ليقال أنه يدل على الصحة. و أما (ثالثاً): فعلى تقدير تسليم أنهم أرادوا بالمسبب فيها الاعتبار النفسانيّ و لكن قد عرفت أن النهي عنه في إطاره الخاصّ لا يكون نهياً عن المعاملة ليقال أنه يدل على صحتها، و على الجملة فصحة المعاملة تابعة لإمضاء الشارع إياها و لا صلة لها بالنهي عن الأمر الاعتباري النفسانيّ أصلا، و أما الخامس- و هو فرض تعلق النهي بالمعاملة من العقود أو الإيقاعات و لو باعتبار جزئها الداخليّ أو الخارجي- فقد ذكر شيخنا الأستاذ (قده) أن الحق في المقام هو التفصيل بين تعلق النهي بالسبب على نحو يساوق معنى المصدر و تعلقه بالمسبب على نحو يساوق معنى اسم المصدر فالتزم (قده) انه على الأول لا يدل على الفساد و على الثاني يدل عليه بيان ذلك:

أما وجه عدم دلالة الأول على الفساد فلان الإنشاء في المعاملة بما أنه فعل من أفعال المكلف فالنهي عنه انما يدل على مبغوضيته فحسب، و من الطبيعي ان مبغوضيته لا تستلزم فساد المعاملة و عدم ترتب أثر شرعي عليها، ضرورة أنه لا منافاة بين حرمة إنشاء المعاملة تكليفاً و صحتها وضعاً، و أما وجه دلالة الثاني على الفساد فلما ذكره (قده) من ان صحة المعاملة ترتكز على ركائز ثلاث: (الأولى) أن يكون كل من المتعاملين مالكاً للعين أو ما بحكمه كالوكيل أو الولي أو ما شاكل ذلك. (الثانية) ان لا يكون ممنوعاً عن التصرف بأحد أسباب المنع كالسفه أو الفلس أو الحجر لتكون له سلطنة فعلية على التصرف فيها. (الثالثة) أن يكون إيجاد المعاملة بسبب خاص و آلة خاصة. و على ذلك فإذا فرض تعلق النهي بالمسبب و هو الملكية المنشأة بالصيغة أو بغيرها كما هو الحال في النهي عن بيع المصحف و العبد المسلم من الكافر فلا محالة يكون النهي عنه معجزاً مولوياً للمكلف عن الفعل و رافعاً لسلطنته عليه و بذلك تختل الركيزة الثانية

40

المعتبرة في صحة المعاملة- و هي سلطنة المكلف عليها في حكم الشارع و عدم كونه ممنوعاً عن التصرف فيها- و يترتب على هذا فساد المعاملة لا محالة.

و على ضوء ذلك يظهر وجه تسالم الفقهاء على فساد الإجارة على الأعمال الواجبة على المكلف مجانا، فان العمل بما أنه مملوك للَّه تعالى و خارج عن سلطان المكلف فلا يمكنه تمليكه من غيره بإجارة أو نحوها و كذا وجه تسالمهم على بطلان بيع منذور الصدقة، فان نذره أوجب حجره عن التصرف بكل ما ينافي الوفاء بنذره فلا تنفذ تصرفاته المنافية له، و كذا وجه تسالمهم على فساد معاملة شي‏ء إذا اشترط في ضمنها عدم معاملته من شخص آخر كما إذا فرض أنه باع داره من زيد مثلا و اشترط عليه عدم بيعها من عمرو فان وجوب الوفاء بهذا الشرط يجعل المشتري محجوراً من البيع فلو خالف و باع الدار من عمرو لم يكن نافذاً. و غير ذلك من الموارد.

و لكن من ضوء ما حققناه في ضمن البحوث السالفة قد تبين نقد ما أفاده (قده) ملخص ما ذكرناه هناك هو أنه لا سببية و لا مسببية في باب المعاملات أصلا لكي يفرض تعلق النهي مرة بالسبب و أخرى بالمسبب كما انا ذكرنا هناك أن نسبة صيغ العقود إلى الملكية الاعتبارية القائمة بنفس المعتبر بالمباشرة و ليست من قبيل نسبة السبب إلى المسبب، و لا المصدر إلى اسم المصدر و اما نسبتها إلى الملكية الشرعية أو العقلائية فهي من قبيل نسبة الموضوع إلى الحكم لا السبب إلى المسبب كما عرفت و لا المصدر إلى اسم المصدر بداهة أن المصدر و اسم المصدر كما مر متحدان ذاتاً و وجوداً و مختلفان اعتباراً كالإيجاد و الوجود، و من المعلوم ان صيغ العقود أو الإيقاعات تباين الملكية الإنشائية وجوداً و ذاتاً فلا صلة بينهما إلا صلة الإبراز أي كونها مبرزة لها، كما انه لا صلة بينها و بين الملكية الشرعية أو العقلائية إلا صلة الموضوع و الحكم.

و على ذلك فان أراد شيخنا الأستاذ (قده) من المسبب الملكية

41

الشرعية فقد تقدم مضافاً إلى انها ليست مسببة عن شي‏ء أن النهي عنها غير معقول و ان أراد به الملكية الاعتبارية القائمة بنفس المعتبر بالمباشرة المبرزة في الخارج بالصيغ المزبورة أو نحوها فقد عرفت أن النهي عنها لا يوجب فساد المعاملة و ان فرض تعلقه بها بوصف كونها مبرزة في الخارج بمبرز ما كما هو مفروض الكلام هنا، ضرورة أنه لا ملازمة بين حرمة معاملة تكليفاً و فسادها وضعاً فلا مانع من أن تكون المعاملة محرمة شرعاً كما إذا أوقعها أثناء الصلاة مثلا، فانها محرمة على المشهور، و مع ذلك يترتب عليها أثرها.

و من هنا لو أوقع شخص طلاق زوجته أثناء الصلاة لم يشك أحد في صحته إذا كان واجداً لسائر شرائط الصحة، و كذا لو باع داره أثناءها مع أنه منهي عنه على المشهور و محرم.

و على الجملة فالنهي المولوي عن الأمر الاعتباري بوصف كونه مبرزاً في الخارج، و كذا النهي عن المبرز بالكسر بوصف كونه كذلك لا يدلان بوجه على فساد المعاملة لعدم التنافي بين حرمتها و صحتها أصلا و انما يدل النهي على فساد العبادة من ناحية التنافي بينهما و عدم إمكان الجمع كما عرفت.

و بكلمة أخرى أن النهي عن المسبب بالمعنى المتقدم في باب المعاملات لا يوجب تقييد إطلاق دليل الإمضاء بغير الفرد المنهي عنه إذا كان له إطلاق يشمله بنفسه، و ذلك لما عرفت من عدم التنافي بين حرمته تكليفاً و إمضاء الشارع إياه وضعاً حيث ان كلا منهما في إطاره الخاصّ تابع لملاك كذلك و لا تنافي بين الملاكين أصلا.

و السر فيه واضح و هو أنه إذا كان لدليل الإمضاء كقوله تعالى:

«أحل اللَّه البيع» أو نحوه إطلاق أو عموم فالنهي تكليفاً عن معاملة في مورد لا يوجب تقييد إطلاقه أو تخصيص عمومه بغيرها لعدم كونه مانعاً

42

عن شموله لها كيف حيث انه لا تنافي بين كون معاملة محكومة بالحرمة تكليفاً و كونها محكومة بالصحّة وضعاً، و لذا صح تصريح المولى بذلك فإذا لم تكن منافاة بينهما فلا مانع من التمسك بإطلاقه أو عمومه لإثبات صحتها.

و من هنا يظهر أن مثل هذا النهي لا يوجب حجر المكلف و منعه عن إيجاده و عدم إمضاء الشارع إياه عند تحققه فان ما يوجب ذلك انما هو النهي الوضعي دون التكليفي.

و من ضوء هذا البيان يظهر أن قياس المقام بموارد ثبوت الحجر الوضعي خاطئ جداً و أنه قياس مع الفارق، و ذلك لأن النهي عن المعاملة في تلك الموارد إرشاد إلى فسادها حيث ان المكلف ممنوع من التصرف فيها وضعاً. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان ما رتبه (قده) من الفروع على ما ذكره من الضابط أيضا قابل للنقد بيان ذلك:

أما الفرع الأول- و هو تسالم الفقهاء على بطلان الإجارة على الواجبات المجانية- فانه و إن كان صحيحاً إلا أن البطلان غير مستند إلى ما أفاده (قده) من كون تلك الواجبات مملوكة له سبحانه و تعالى، بل هو مستند إلى نقطة أخرى، فلنا دعويان: (الأولى) ان بطلان الإجارة غير مستند إلى ما ذكره (الثانية) أنه مستند إلى نقطة أخرى.

أما الدعوى الأولى: فلأن نحو ملكه تعالى لشي‏ء يغاير نحو الملك الاعتباري فلا يوجب بطلان العقد عليه، فان معنى كون هذه الواجبات مملوكة له تعالى هو إضافتها إليه سبحانه، و من البديهي ان مجرد هذه الإضافة لا يقتضي بطلان الإجارة عليها و الا لزم بطلانها في كل مورد يتصف متعلقها بالوجوب و لو كان الوجوب كفائياً كما في الصناعات الواجبة كذلك، و هذا مما لا نظن أن يلتزم به أحد حتى هو (قده).

فالنتيجة: ان مقتضى القاعدة صحة الإجارة على الواجبات فالوجوب‏

43

بما هو لا يقتضي سلب المالية عنها و لا يوجب خروجها عن قابلية التمليك.

و أما الدعوى الثانية: فلأن المانع من صحة الإجارة عليها انما هو إلزام الشارع بالإتيان بها مجاناً، و من الطبيعي أن هذا العنوان لا يجتمع مع عنوان الإجارة عليها.

و يكلمه أخرى قد عرفت أن مقتضى القاعدة الأولية جواز الإجارة على كل واجب الا ما قامت القرينة من الخارج على لزوم الإتيان به مجاناً و بلا عوض. و على هذا فبما اننا علمنا من الخارج بوجوب الإتيان بتلك الواجبات مجاناً و من دون عوض فبطبيعة الحال لا تصح الإجارة عليها، فالنتيجة أن البطلان مستند إلى هذه النقطة دون ما أفاده (قده).

و أما الفرع الثاني- و هو بيع منذور الصدقة- فان النذر إذا لم يكن نذر النتيجة فلا يكون بطلان بيع المنذور مما تسالم عليه الفقهاء، بل هو محل خلاف بينهم، فاذن كيف يجوز الاستشهاد به على بطلان المعاملة فيما نحن فيه. و بقول آخر ان النذر المتعلق بشي‏ء على قسمين: (أحدهما) نذر النتيجة (و ثانيهما) نذر الفعل أما الأول فعلى تقدير تسليم صحته فهو و إن كان يوجب بطلان البيع نظراً إلى ان المال المنذور قد انتقل من ملك الناذر إلى ملك المنذور له، و عليه فلا محالة يكون بيع الناذر إياه بيع لغير ملكه فيلحقه حكمه إلا أن هذا الفرض خارج عن مورد كلامه (قده) حيث ان كلامه ناظر إلى أن المانع عن صحة بيعه هو وجوب الوفاء به، لا صيرورة المال المنذور ملكاً للمنذور له هذا.

و الصحيح ان وجوب الوفاء به غير مانع عنها، و السبب في ذلك هو أن وجوب الوفاء بالنذر لا ينافي إمضاء البيع حيث أنه لا منافاة بين لزوم إبقاء المال على الناذر تكليفاً بمقتضى التزامه به و صحة البيع وضعاً على تقدير تحققه في الخارج، غاية الأمر انه يترتب على البيع المزبور استحقاق‏

44

العقاب على المخالفة و لزوم الكفارة، و من الطبيعي ان شيئاً منهما لا يستلزم بطلان البيع بل إذا افترضنا ان المال المنذور قد انتقل إليه ثانياً بعد بيعه و في ظرف الوفاء بالنذر لم يلزم الحنث أيضا من هذه الناحية أي من ناحية بيعه إياه.

و على الجملة حيث انه كان وجوب الوفاء بالنذر وجوباً تكليفياً محضاً فبطبيعة الحال أنه لا يستلزم بطلان البيع أصلا. فما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من أن الناذر من جهة لزومه الوفاء بنذره يكون محجوراً عن التصرف في المال المنذور خاطئ جداً و لا واقع موضوعي له.

و من هنا يظهر حال الفرع الثالث- و هو ما إذا اشترط البائع على المشتري أن لا يبيع المال المشتري من غيره- فان غاية ما يترتب على هذا وجوب الوفاء به. و قد عرفت أنه لا ينافي صحة البيع و إمضائه على تقدير تحققه في الخارج فلا بد في الحكم بفساده من التماس دليل آخر و إلا لكان مقتضى الإطلاق صحته و ترتب الأثر عليه.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة و هي: أن النهي المتعلق بالمعاملة إذا كان إرشاداً إلى مانعية شي‏ء عنها فلا إشكال في دلالته على فسادها من دون فرق في ذلك بين أن يكون النهي متعلقاً بنفس العقد أو الإيقاع كالنهي عن بيع الوقف و ما لا يملك و بيع المجهول و النكاح في العدة و الطلاق في طهر المواقعة و ما شاكل ذلك و أن يكون متعلقاً بآثاره كقوله (عليه السلام) (ثمن العذرة سحت، و ثمن الكلب سحت) و نحو ذلك، فهذه الطائفة من النواهي بكلا نوعها تدل على فساد المعاملة جزما و بلا خلاف و إشكال.

و من هنا قلنا بخروجها عن محل الكلام. و أما إذا كان النهي نهياً مولوياً و دالا على حرمتها و مبغوضيتها فقد عرفت أنه لا يدل على فسادها بوجه سواء أ كان متعلقاً بأحد جزئي المعاملة أو بكلا جزأيها ثم لا يخفى ان هذا القسم من‏

45

النهي في باب المعاملات من العقود و الإيقاعات قليل جداً و الغالب فيه انما هو القسم الأول.

بقي الكلام حول الروايات الواردة في عدم نفوذ نكاح العبد بدون اذن سيده.

قد يتوهم ان تلك الروايات تدل على عدم الملازمة بين حرمة المعاملة و فسادها ببيان ان مفادها هو ان عصيان السيد لا يستلزم بطلان نكاح العبد رأساً و انما يوجب ذلك أن تتوقف صحته على إجازته و اذنه. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان عصيان السيد بما أنه يستلزم عصيانه تعالى فبطبيعة الحال تدل تلك الروايات من جهة هذه الملازمة على عدم استلزام عصيانه سبحانه و تعالى بطلان النكاح. و من ناحية ثالثة ان ما دل على ان عصيانه تعالى مستلزم- لفساده و هو مفهوم قوله (عليه السلام) انه لم يعص اللَّه و انما عصى سيده إلخ- فلا بد أن يراد به العصيان الوضعي بمعنى ان العبد لم يأت بالنكاح غير المشروع في نفسه كالنكاح في العدة على ما مثل الإمام (عليه السلام) له بذلك لئلا يكون قابلا للصحة، بل جاء بأمر مشروع في نفسه و قابل للصحة بإجازة المولى. فالنتيجة على ضوء هذه النواحي ان هذه الروايات تدل على أن النهي التكليفي لا يدل على فساد المعاملة بوجه و اما النهي الوضعي فانه يدل على فسادها جزماً.

تفصيل الكلام حول هذه المسألة فنقول: ان الأقوال فيها ثلاثة:

(الأول) ان صحة نكاح العبد تتوقف على إجازة السيد فإذا أجاز جاز (الثاني) انه فاسد مطلقاً أي سواء أجاز سيده أم لا و إليه ذهب كثير من العامة. (الثالث) التفصيل بين ما إذا أوقع العبد العقد لنفسه و ما إذا أوقع فضولة و من قبل غيره فانه على الأول فاسد مطلقاً دون الثاني هذه هي الأقوال في المسألة.

46

أما القول الأول: فانه في غاية الصحة و المتانة و لا مناص عن الالتزام به، و ذلك لأنه مضافاً إلى أن صحته بالإجازة على طبق القاعدة قد دلت عليها روايات الباب بالصراحة، و سيأتي توضيح ذلك في ضمن البحوث الآتية إن شاء اللَّه تعالى.

و أما القول الثاني: فهو واضح البطلان فانه مضافاً إلى أن الالتزام به بلا موجب خلاف صريح الروايات المشار إليها.

و أما القول الثالث فقد اختاره شيخنا العلامة الأنصاري (قده) و نسبه إلى الشيخ التستري (ره)، و نسبه شيخنا الأستاذ (قده) إلى المحقق القمي (قده) و كيف كان فقد ذكر في وجهه ان العقد الصادر منه لنفسه لا يمكن تصحيحه بإجازة المولى المتأخرة، لفرض أنه من حين صدوره يقع فاسداً. و من الطبيعي ان الشي‏ء لا ينقلب عما هو عليه، فاذن كيف يعقل انقلابه من الفساد إلى الصحة بالإجازة المتأخرة، و هذا بخلاف العقد الصادر منه لغيره فانه و إن كان فضولياً حيث أنه بدون اذن سيده الا ان السيد إذا أجازه جاز نظراً إلى استناده إلى من له العقد من هذا الحين أي من حين الإجازة فتشمله الإطلاقات و العمومات. و السر في ذلك هو ان هذا العقد لم يقع من الأول فاسداً، بل فساده كان مراعى بعدم إجازة المولى، نظير بقية العقود الفضولية، فإذا أجاز صح.

و بتعبير آخر: ان النكاح الصادر من العبد لنفسه بدون اذن مولاه كالنكاح الصادر من الصبي أو المجنون أو السفيه لنفسه بدون اذن وليه فكما انه غير قابل للتصحيح بإجازته نظراً إلى أنه فاسد من حين صدوره فكذلك نكاح العبد و هذا بخلاف ما إذا كان لغيره فان من له العقد بما انه غيره فصحته تتوقف على استناده إليه و المفروض ان الإجازة المتأخرة مصححة له هذا.

47

و لنأخذ بالمناقشة على هذا التفصيل ملخصها أمران:

الأول: أنه لا فرق بين هذه الموارد و سائر موارد الفضولي، فان صحته بالإجازة على القاعدة في جميع الموارد بلا فرق بين مورد دون مورد بل لا يبعد أن يكون الحكم بالصحّة في هذه الموارد أولى من غيرها، و ذلك لأن الاستناد هنا إلى مالك العقد موجود و لا قصور فيه إلا من ناحية ان صحته و ترتب الأثر عليه شرعاً تتوقف على إجازة السيد أو الولي و على الجملة فلا فرق في صحة عقد الفضولي بالإجازة المتأخرة بين أن يكون عدم صحته من ناحية عدم استناده إلى المالك أو من هو في حكمه أو من ناحية عدم إجازة من يكون لإجازته دخل في صحته، ففي جميع هذه الموارد يكون حكم الشارع بفساد العقد معلقاً على عدم الإجازة، فإذا أجاز من له الإجازة جاز و صح. و من الطبيعي أن هذا ليس من انقلاب الشي‏ء عما وقع عليه فان الحكم بالفساد انما هو من جهة عدم تحقق شرط الصحة و هو الإجازة فإذا تحقق حكم بها لا محالة و هذا ليس من الانقلاب في شي‏ء على ان إشكال لزوم الانقلاب لو تم لا يختص بمورد دون مورد بل يعم تمام موارد العقد الفضولي كما هو ظاهر.

الثاني: لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان مقتضى القاعدة عدم صحة العقد الفضولي و الصحة تحتاج في كل مورد إلى دليل خاص إلا أن روايات الباب تكفينا دليلا على الصحة في المقام فان هذه الروايات و ان وردت في خصوص نكاح العبد بغير اذن سيده إلا أنه يستفاد منها الكبرى الكلية و هي ان المعاملات إذا كانت في أنفسها ممضاة شرعاً لم يضر عصيان السيد بصحتها أصلا سواء أ كانت نكاحاً أم كانت غيره. ضرورة أنه لا خصوصية النكاح في ذلك هذا من ناحية. و من ناحية أخرى أنه لا خصوصية لعصيان السيد بما هو سيد إلا من جهة أن صحة المعاملة تتوقف على إجازته و اذنه فإذا

48

أجاز جازت. و على ذلك فكل من كانت إجازته دخيلة في صحة معاملة فعصيانه لا يضر بها فإذا أجاز المعاملة جازت.

و على الجملة فهذه الروايات في مقام بيان الفرق بين المعاملات الممضاة شرعاً في أنفسها و المعاملات غير ممضاة كذلك، كالنكاح في العدة و نحوه و تدل على أن الطائفة الأولى إذا وقعت في الخارج فضولة و بدون إجازة من له الإجازة صحت بإجازته المتأخرة دون الثانية، مثلا لو باع شخص مال غيره فضولة أو تزوج بامرأة كذلك فعندئذ ان أجازه المالك صح العقد.

فالنتيجة في نهاية الشوط هي: ان المراد من العصيان في تلك الروايات هو العصيان الوضعي لا العصيان التكليفي كما سيأتي بيانه بشكل موسع.

فاذن تلك الروايات أجنبية عن محل الكلام في المسألة بالكلية فانها كما لا تدل على أن النهي عن المعاملة يدل على الصحة كذلك لا تدل على أن النهي عنها يدل على الفساد.

و لكن شيخنا الأستاذ (قده) قد استدل بهذه الروايات على دلالة النهي على الفساد ببيان ان المراد من عصيان اللَّه تعالى فيها المستلزم للفساد بمقتضى مفهومها هو العصيان التكليفي. و أما ما ذكر من تحقق عصيانه سبحانه و تعالى في المقام نظراً إلى أن عصيان السيد يستلزم عصيانه تعالى فانه و ان كان صحيحاً إلا ان المنفي في روايات الباب ليس مطلق عصيانه و لو كان مع الواسطة، بل خصوص عصيانه المتحقق بمخالفة نهيه الراجع إلى حقه تعالى على عبيده مع قطع النّظر عن حقوق الناس بعضهم على بعض، فيكون المتحصل من الروايات هو أن عصيان العبد بنكاحه لسيده من دون اذنه لو كان ناشئاً من مخالفة نهي متعلق بذلك النكاح من حيث هو في نفسه لما فيه من المفسدة المقتضية لذلك لا وجب ذلك فساده لا محالة كالنهي عن النكاح في العدة أو عن النكاح الخامس، و هكذا، و ذلك لأن متعلق هذا النهي مبغوض للشارع حدوثاً و بقاء، لفرض استمرار مفسدته‏

49

المقتضية للنهي عنه، و هذا بخلاف عصيان العبد الناشئ من مخالفة النهي عن التمرد على سيده فانه بطبيعة الحال يدور مدار تمرده عليه حدوثاً و بقاء، فإذا افترضنا أن سيده رضى بما عصاه ارتفع النهي عنه بقاء، و عليه فلا يبقى موجب لفساده أصلا و لا مانع من الحكم بصحته.

فالنتيجة ان المستفاد من الروايات هو: أن الفساد يدور مدار النهي الإلهي حدوثاً و بقاء، غاية الأمر أنه إذا كان ناشئاً من تفويت حق الغير فهو انما يوجب فساد المعاملة فيما إذا كان النهي باقياً ببقاء ملاكه و موضوعه و أما إذا ارتفع حق الغير بارتفاع موضوعه بإجازة من له الحق تلك المعاملة ارتفع النهي عنها أيضا.

و قد تحصل من ذلك ان هذه الروايات تدل على أن النهي عن المعاملة ذاتاً يوجب فسادها و ان صحتها لا تجتمع مع عصيانه تعالى. نعم إذا كان العصيان ناشئاً من تفويت حق من له الحق توقفت صحة المعاملة على إجازته كما عرفت.

و من ضوء هذا البيان يظهر حال التعليل الوارد فيها و هو قوله (عليه السلام) (انه لم يعص اللَّه و انما عصى سيده فإذا أجاز جاز) فان المراد من انه لم يعص اللَّه يعني أنه لم يأت بما هو منهي عنه بالذات و مبغوض له تعالى من ناحية اشتماله على مفسدة ملزمة و انما أتى بما هو مبغوض لسيده فحسب من جهة تفويت حقه فلا يكون مبغوضاً له تعالى إلا بالتبع. و من هنا يرتفع ذلك برضا سيده بما فعله و عصاه فيه.

أو فقل: ان نكاح العبد بما أنه ليس من أحد المحرمات الإلهية في الشريعة المقدسة، بل هو أمر سائغ في نفسه و مشروع كذلك و انما هو منهي عنه من ناحية إيقاعه خارجاً بدون اذن سيده، و عليه فبطبيعة الحال يرتفع النهي عنه بإذن سيده و إجازته، و مع الارتفاع لا موجب للفساد أصلا.

50

و لنأخذ بالنقد على ما أفاده (قده) و هو: انه لا يمكن أن يراد من العصيان في الروايات العصيان التكليفي، بل المراد منه العصيان الوضعي في كلا الموردين و السبب في ذلك هو ان النكاح المزبور بما أنه مشروع في نفسه في الشريعة المقدسة لا يكون مانع من صحته و نفوذه بمقتضى العمومات الا عدم رضا السيد به و عدم إجازته له فإذا ارتفع المانع بحصول الإجازة جاز النكاح هذا من ناحية. و من ناحية أخرى قد تقدم منا في ضمن البحوث السالفة ان حقيقة المعاملات عبارة عن الاعتبارات النفسانيّة المبرزة في الخارج بمبرز ما من قول أو فعل أو كتابة أو نحو ذلك، و من الطبيعي ان إبراز ذلك الأمر الاعتباري النفسانيّ في الخارج بمبرز ما ليس من التصرفات الخارجية ليقال انه حيث كان بدون اذن السيد فهو محكوم بالحرمة بداهة أنه لا يحتمل إناطة جواز تكلم العبد بإذن سيده. و من هنا لو عقد العبد لغيره لم يحتج نفوذه إلى اذن سيده جزماً فلو كان مجرد صدور العقد منه بدون اذنه معصية له فبطبيعة الحال كان نفوذه يحتاج إلى اذنه بمقتضى روايات الباب مع ان الأمر ليس كذلك.

و على الجملة فلا نحتمل أن يكون تكلم العبد بصيغة النكاح بدون اذن سيده محرماً شرعاً، كما انا لا نحتمل ان اعتباره الزوجية في أفق النّفس بدون اذنه من أحد المحرمات في الشريعة و من هنا تكون النسبة بين توقف نفوذ العقد على إجازة السيد و بين صدور العقد من العبد عموماً من وجه، فانه قد يصدر العقد من العبد و مع ذلك لا يتوقف نفوذه على إجازة سيده كما إذا أوقعه لغيره، و قد يصدر العقد من غيره و لكن مع ذلك يتوقف نفوذه على إجازته كما إذا أوقعه للعبد مع أنه لا عصيان هنا من أحد و قد يجتمع الأمران كما إذا أوقع العبد العقد لنفسه.

فالنتيجة في نهاية المطاف هي: انه لا مناص من القول بأن المراد

51

من العصيان في الروايات العصيان الوضعي و على هذا الضوء فحاصل معنى الروايات هو ان النكاح لو كان غير مشروع في نفسه كما إذا كان العقد في العدة أو ما شاكل ذلك لكان باطلا و غير قابل للصحة أصلا، و أما إذا كان مشروعاً في نفسه، غاية الأمر يتوقف نفوذه خارجاً و ترتب الأثر عليه على رضا السيد به فهو بطبيعة الحال يدور فساده مدار عدم رضاه به حدوثاً و بقاء فإذا رضى صح و نفذ.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النقطة و هي: ان هذه الروايات كما لا تدل على أن النهي عن المعاملات يقتضي الفساد كذلك لا تدل على أنه يقتضي الصحة فهي ساكتة عن ذلك بالكلية. فالصحيح هو ما حققناه من عدم الملازمة بين حرمة المعاملة شرعاً و فسادها. و مما يؤكد ذلك اننا إذا افترضنا حرمة المعاملة بعنوان ثانوي كما إذا أوقع العقد قاصداً به وقوع الضرر على غيره أو نحو ذلك لم يحكم بفساده جزماً مع انه محرم شرعاً.

نتائج البحوث السالفة عدة نقاط:

الأولى: ان الجهة البحوث عنها في مسألتنا هذه تغاير الجهة المبحوث عنها في مسألة اجتماع الأمر و النهي المتقدمة حيث انها في تلك المسألة في الحقيقة عن إثبات الصغرى لمسألتنا هذه.

الثانية: ان مسألتنا هذه من المسائل الأصولية العقلية أما كونها أصولية فلتوفر ركائز المسألة الأصولية فيها، و أما كونها عقلية فلان الحاكم بها هو العقل و لا صلة لها باللفظ.

الثالثة: ان القضايا العقلية على شكلين: المستقلة و غير المستقلة، و تقدم ما هو ملاك الاستقلال و عدمه.

الرابعة: ان محل النزاع في المسألة انما هو في النواهي المولوية المتعلقة بالعبادات و المعاملات. و اما النواهي الإرشادية فهي خارجة عن‏

52

محل النزاع حيث لا نزاع بين الأصحاب في دلالتها على الفساد.

الخامسة: لا شبهة في أن النهي التحريمي المتعلق بالعبادة داخل في محل النزاع، و كذا النهي التنزيهي المتعلق بها إذا كان ناشئاً عن حزازة و منقصة في ذاتها. نعم إذا كان ناشئاً عن حزازة و منقصة في تطبيقها على حصة خاصة منها فهو خارج عن محل الكلام. و أما النهي الغيري فهو أيضا خارج عنه و لا يوجب الفساد.

السادسة: ان المراد من العبادة في محل الكلام هو العبادة الشأنية لا الفعلية، لاستحالة اجتماعها مع النهي الفعلي. و المراد من المعاملات كل أمر اعتباري قصدي بحيث يتوقف ترتب الأثر عليه شرعاً أو عرفاً على قصد إنشائه و اعتباره، فما لا يتوقف ترتيب الأثر عليه على ذلك فهو خارج عن محل الكلام.

السابعة: ان الصحة و الفساد أمران منتزعان في العبادات و مجعولان شرعاً في المعاملات و على كلا التقديرين فهما صفتان عارضتان على الموجود المركب في الخارج باعتبار ما يترتب عليه من الأثر و عدمه فالماهية لا تتصف بهما كالبسيط.

الثامنة: ان النهي تارة يتعلق بذات العبادة، و أخرى بجزئها، و ثالثة بشرطها، و رابعة بوصفها الملازم لها، و خامسة بوصفها المفارق. أما الأول فلا شبهة في استلزامه الفساد من دون فرق بين كونه ذاتياً أو تشريعياً، لاستحالة التقرب بما هو مبغوض للمولى. و أما الثاني فالصحيح انه لا يدل على فساد العبادة. نعم لو اقتصر المكلف عليه في مقام الامتثال بطلت العبادة من جهة كونها فاقدة للجزء. و أما ما ذكره شيخنا الأستاذ (قده) من أن النهي عنه يدل على فساد العبادة فقد تقدم نقده بشكل موسع.

و أما الثالث فحاله حال النهي عن الجزء من ناحية عدم انطباق الطبيعة