محاضرات في أصول الفقه (شرح الحلقة الثانية) - ج2

- عبد الجبار الرفاعي‏ المزيد...
442 /
5

[الجزء الثانى‏]

الأدلة المحرزة 2

الدليل العقلي‏

1- اثبات القضايا العقلية 2- حجية الدليل العقلي‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تمهيد

تنقسم الأدلة المحرزة الى:

1- الدليل الشرعي: و قد تقدم الكلام حوله.

2- الدليل العقلي: و المقصود به كل قضية يدركها العقل، و يمكن ان يستنبط منها حكما شرعيا.

و البحث في الدليل العقلي يقع في مقامين:

الأول: في اثبات القضايا العقلية، أو في صغرى الدليل العقلي، أو مصاديق الدليل العقلي، مثل قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور، و وجوب الشي‏ء يستلزم وجوب مقدمته، و غيرها.

الثاني: في حجيّة الدليل العقلي، أو في كبرى الدليل العقلي، فهل الدليل العقلي حجّة أو ليس بحجة؟؛ اذا حكم العقل بان وجوب الشي‏ء يستلزم وجوب مقدمته، فهل حكم العقل هذا حجّة أو ليس بحجة؟؛ هذا بحث في الكبرى.

تعريف الدليل العقلي:

الدليل العقلي في قبال الدليل الشرعي، الذي يمثل الواجبات و المحرمات الواردة في الآيات و الروايات، بينما في الدليل العقلي العقل هو الذي يدرك و يستكشف الحكم، يدرك مثلا ان كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، و ان كل ما حكم العقل بقبحه حكم الشرع بحرمته. هذه القضية العقلية يمكن للعقل ان يستنبط منها حكما شرعيا، و هو حرمة الكذب مثلا لانه قبيح عقلا، حتى و ان لم يكن هناك دليل صادر من الشارع على حرمة الكذب؛ لأن العقل يحكم (ان‏

8

الكذب قبيح) هذه صغرى، (و كل ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته) و هذه كبرى، فيتشكل قياس استنباط و تكون النتيجة (ان الكذب حرام).

أنحاء البحث في الدليل العقلي:

البحث في الدليل العقلي تارة يكون بحثا صغرويا، و أخرى يكون بحثا كبرويا، و المقصود بالبحث الصغروي هو البحث في صحة هذه القضية و في أصل ادراكها، فيما يكون البحث الكبروي في حجيّة ادراك العقل. فحكم العقل، بان كل ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته، يكون صغرويا، بينما البحث في حجيّة الادراك العقلي، اي ان الادراك العقلي إذا كان قطعيا يكون حجّة، يكون كبرويا.

اقسام القضية العقلية:

القضايا العقلية تنقسم الى قسمين:

1- قضايا تشكل عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، كقضية الملازمة بين حسن و قبح الشي‏ء عقلا و بين وجوبه و حرمته شرعا، فهذه القضية تعتبر عنصرا مشتركا في عملية الاستنباط؛ لأنه يمكن تطبيقها في جميع الابواب و الموارد التي يتناولها الاستنباط.

2- القضايا العقلية التي ترتبط بحكم شرعي معين، كما لو حكم العقل بحرمة المخدرات؛ قياسا على حرمة الخمر، فكما ان الخمر يذهب الشعور كذلك المخدر، و لذلك فقد يقال بأن المخدر محرم، او يحكم العقل بحرمة الكذب لانه قبيح، او يحكم العقل بوجوب الصدق؛ لأنه حسن، فهذه القضايا تكون خاصة، اي‏

9

أنها ترتبط باحكام شرعية محددة، و ليست عناصر مشتركة و عامة.

و البحث الاصولي يدور حول العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، اثباتا او نفيا، فالبحث الصغروي هنا ليس اصوليا و لكن البحث الكبروي يكون أصوليا.

انواع الادراك العقلي:

الادراك العقلي على نوعين: فتارة يكون قطعيا، و أخرى يكون ظنيا، أي ان العقل عند ما يحكم بحكم معين، و يدرك قضية معينة، فمرة يكون ادراكه بدرجة القطع، و أخرى لا يبلغ القطع. فان كان الادراك قطعيا، فهو حجّة، بسبب حجيّة القطع، أي كلما اورث الدليل القطع، سواء كان شرعيا أو عقليا، فانه يكون حجّة، لحجية القطع. و اما إذا كان الدليل العقلي ظنيا، كالقياس، فانه لا يكون حجّة، كما سوف يأتي عند الكلام حول حجيّة الدليل العقلي.

10

1- اثبات القضايا العقلية

تقسيمات للقضايا العقلية

القضايا العقلية التي يمكن ان تكون ادلة على الحكم الشرعي، يمكن تقسيمها عدّة تقسيمات:

الأول: ينقسم الدليل العقلي الى:

1- الدليل العقلي المستقل.

2- الدليل العقلي غير المستقل.

المقصود بالاستقلال و عدم الاستقلال، هو انه تارة تكون القضية في صغراها و في كبراها قضية عقلية، فعند الاستنباط يتشكل قياس يتألف من صغرى و كبرى، فان كانت الصغرى عقلية، و الكبرى عقلية ايضا، هنا يستقل العقل عن الشرع في استنباط الحكم الشرعي.

و أخرى تكون احدى المقدمتين عقلية، بينما تكون الاخرى شرعية، فتكون النتيجة الحاصلة من قياس الاستنباط قد اشترك في توليدها العقل و الشرع.

و لذلك نسمي النوع الاول، الذي تكون فيه الصغرى و الكبرى عقليتين، بالمستقلات العقلية أو الدليل العقلي المستقل، أي مستقل عن الشرع، فيما نسمي النوع الثاني الذي تكون فيه إحدى المقدمتين عقلية و الاخرى شرعية، بالدليل العقلي غير المستقل.

مثال المستقلات العقلية، كل ما حكم العقل بحسنه حكم الشرع بوجوبه،

11

فمثلا الصدق يحكم العقل بحسنه، إذا الصدق يحكم الشارع بوجوبه. او تقول:

كل ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته، و الكذب يحكم العقل بقبحه، فتكون النتيجة ان الكذب يحكم الشارع بحرمته.

ففي هذا القياس لدينا صغرى (حكم العقل بقبح الكذب) و كبرى (كلما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته) و النتيجة (حكم الشارع بحرمة الكذب)، فاذا لاحظنا الصغرى، وجدناها حكما عقليا، و وجدنا الكبرى ايضا حكما عقليا.

اما مثال المستقلات غير العقلية، كما لو الفنا قياس استنباط، من (ان وجوب شي‏ء يستلزم وجوب مقدمته) و نطبق هذه القاعدة على واجب ما ك (الصلاة واجبة)، فتكون النتيجة (ان مقدمة الصلاة واجبة)، اي ان الوضوء الذي هو مقدمة للصلاة واجب.

و بعبارة أخرى: ألّفنا قياس استنباط فيه صغرى (وجوب الصلاة)، و كبرى (وجوب الشي‏ء يستلزم وجوب مقدمته)، و الصغرى حكم شرعي، بينما الكبرى حكم عقلي، و لذلك نسمي هذا الدليل بالدليل العقلي غير المستقل.

الثاني: تقسيم القضية العقلية الى:

1- القضية العقلية التحليلية: و المراد بالتحليلية القضية التفسيرية، أي ان العقل يتولى تفسير حالة أو ظاهرة معينة، كما في تفسير حقيقة الوجوب التخييري، كحقيقة الكفارة المخيرة للافطار في شهر رمضان عمدا، و التي هي وجوب احد الخصال الثلاثة: (الصوم أو الاطعام أو العتق)، فهل الوجوب متعلق بالجامع، أو بالافراد على نحو البدل، أو ان الوجوب يسري من الجامع الى الافراد؟ حيث توجد نظريات متعددة في تفسير حقيقة هذا الوجوب.

12

إذا القضية العقلية التحليلية هي التي يراد منها تفسير ظاهرة معينة.

2- القضية العقلية التركيبية: و هي التي يدور البحث فيها حول الاستحالة و الامكان. فمثلا، هل يمكن التكليف بغير المقدور؟ كأن يكلف الانسان بالطيران في السماء بدون طائرة مثلا، فهذا تكليف بغير المقدور، فهل هذا ممكن أو مستحيل؟ العقل عند ما يحكم بالاستحالة، هنا يكون البحث في قضية عقلية تركيبية، و هكذا عند ما يحكم العقل بضرورة الشي‏ء، كما في وجوب الشي‏ء يستلزم وجوب مقدمته، فان البحث فيها يكون في قضية عقلية تركيبية.

الثالث: تقسيم القضايا العقلية التركيبية المستقلة الى:

1- سالبة.

2- موجبة.

و المقصود بذلك: أن حكم العقل تارة يكون منفيا، و أخرى يكون مثبتا، فتارة يكون الحكم من قبيل استحالة التكليف بغير المقدور، فهو دليل عقلي مستقل تركيبي سالب؛ لأنه ينفي الحكم الشرعي (لا يجب الطيران في السماء) (لا يجب الصوم على غير القادر).

و اما المقصود بالقضية العقلية التركيبية الموجبة، فهي التي يثبت فيها العقل حكما شرعيا، مثلا، كلما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته، فهنا يثبت الحرمة لما حكم العقل بقبحه، أي حرمة الكذب و الخيانة و الظلم.

و أخيرا، فان القضايا العقلية التي سنذكرها في صغريات الدليل العقلي مترابطة و متفاعلة فيما بينها، أي أنها تمثل منظومة واحدة، و لذلك كثيرا ما نستعين بنتيجة معينة قد انتهينا اليها في بحث آخر متقدم.

13

قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور

يقصد باستحالة التكليف بغير المقدور أحد معنيين:

1- استحالة ان يدين المولى المكلف بفعل أو ترك لا يكون المكلف قادرا عليه، أي ان المولى لا يمكن ان يدين المكلف على عدم ترك فعل، كحركة الدم في الاوردة و الشرايين في الجسم مثلا؛ لأن هذا الفعل لا يكون المكلف قادرا على تركه، كما لا يمكن ان يدين المولى المكلف على ترك أمر يكون المكلف غير قادر على فعله، كالطيران في السماء بنفسه، من دون وسيلة للطيران.

و هذا من الامور الواضحة، ذلك ان العقل يحكم في مثل هذه الموارد بقبح الادانة من قبل المولى؛ لأن حكم العقل بحق الطاعة لا يشمل في دائرته هذا المورد، أي ان حدود حق الطاعة و دائرته ما يقع في اطار قدرة المكلف، و أما ما يكون خارجا عن قدرة المكلف فلا يكون مشمولا لحق الطاعة.

هذا هو المعنى الاول لاستحالة التكليف بغير المقدور، أي استحالة الادانة على فعل أو ترك لا يكون المكلف قادرا عليه.

2- استحالة صدور تشريع و تكليف من المولى غير مقدور للمكلف، أو قل:

استحالة صدور تشريع أو جعل من المولى في عالم الجعل بالنسبة الى غير القادر، و لو لم تترتب ادانة على مثل هذا التشريع.

إذا المعنى الثاني ان التشريع و التكليف مشروط بالقدرة، بينما المعنى الاول يعني ان الادانة مشروطة بالقدرة، فحيث لا قدرة لا ادانة و لا عقاب، و بالتالي حيث لا قدرة لا تكليف و لا تشريع.

14

اشتراط القدرة في مبادئ الحكم:

لكي يتضح هذا الامر ينبغي ان نستعير مطلب مبادئ الحكم، الذي تحدثنا عنه فيما سبق في بداية الكتاب. حيث قلنا: إنه في مقام الثبوت للحكم يشتمل الحكم على ثلاثة عناصر:

الأول: الملاك.

الثاني: الارادة.

الثالث: الاعتبار.

و المقصود بالملاك هو ما يشتمل عليه الفعل من مصلحة تقتضي الامر به، أو مفسدة تقتضي المنع عنه. اما الارادة فهي ما ينبثق من هذه المصلحة من محبوبية و شوق، أو ما ينبثق من المفسدة من مبغوضية و كراهية. ثم بعد ذلك يصوغ المولى الحكم و يعتبره على المكلف، و هذه هي مرحلة الاعتبار.

اشتراط القدرة في الملاك و الارادة:

هل يشترط ان تكون القدرة قيدا في الملاك و الارادة؟ و بعبارة أخرى: هل يشترط ان يكون الفعل المتصف بالمصلحة في دائرة قدرة المكلف؟

الجواب: ان القدرة ليست شرطا في الملاك؛ لأنه قد تتعلق المصلحة بشي‏ء و لا يكون الانسان قادرا عليه، فقد تتعلق مصلحتك بالوصول الى القمر أو الى كوكب فيه كنوز، لتأتي بها الى الارض، و لكن هذه المصلحة انت عاجز عن تحقيقها. كما ان الارادة لا تقيد بالقدرة؛ لأنه قد تتعلق ارادة و محبوبية شخص بشي‏ء معين، بينما لا يكون قادرا على الاتيان بذلك الشي‏ء.

15

و على هذا يمكن تعلق الارادة بامر غير مقدور، كما ان بالامكان تعلق الملاك بأمر غير مقدور.

من هنا يتضح بانه يمكن تعلق ارادة المولى بأمر غير مقدور للمكلف، كما ان بالامكان ان تتعلق المصلحة بأمر غير مقدور للمكلف. بل يمكن افتراض تعلق الارادة بغير المقدور أو بالمستحيل ذاتا، كاجتماع النقيضين، فضلا عن المستحيل بالعرض، و هو غير المقدور لأمر آخر، كالوصول الى القمر أو الى كوكب آخر، لا يستطيع ان يصل اليه هذا الشخص، و ذلك لعدم تهيؤ الوسائل لديه، ليصنع مركبة فضائية خاصة توصله الى ذلك الكوكب، فهو لا يستطيع بالعرض.

و يتلخص من ذلك: ان القدرة ليست شرطا في الملاك و الارادة، بل يمكن تعلق الارادة و الملاك بفعل لا يكون مقدورا للمكلف.

اشتراط القدرة في الاعتبار:

يمكن ملاحظة الاعتبار بلحاظين:

1- نلاحظ الاعتبار بما هو كاشف عن الملاك و الارادة، اي من حيث هو كاشف عن المبادئ، فحينئذ لا مانع من وجود اعتبار بالنسبة للعاجز، حيث يكون الاعتبار كاشفا عن وجود ملاك و مصلحة في الفعل، و عن وجود ارادة و محبوبية شديدة. فاذا لوحظ الاعتبار بما هو كاشف عن الملاك و الارادة، فلا مانع من ثبوت الاعتبار بالنسبة للانسان العاجز و بهذا لا تكون القدرة شرطا في الاعتبار.

2- نلاحظ الاعتبار بما هو ناشئ من داعي البعث و التحريك، فاذا لاحظنا وجوب فعل معين، نقول: ان هذا الوجوب ناشئ بداعي بعث المكلف و تحريكه نحو الفعل، كالصلاة الواجبة مثلا. و في مثل هذه الحالة تكون القدرة شرطا في‏

16

الاعتبار؛ لأن الانسان العاجز (غير القادر) كالمغمى عليه من طلوع الفجر حتى طلوع الشمس، لا يستطيع ان يتحرك، و لا يستطيع ان يأتي بالصلاة، و لذلك من المحال توجيه الخطاب اليه؛ لأن الهدف من الخطاب تحريك المكلف، فاذا كان المكلف عاجزا عن الحركة، فلا يمكن توجيه الخطاب اليه بهدف تحريكه.

تلخيص لما سبق:

يتلخص مما سبق: ان القدرة يمكن ان تكون شرطا في الملاك و الارادة، اما في الاعتبار، فهو أمر سهل المئونة، فان لاحظناه بما هو كاشف عن الملاك و الارادة، يمكن توجيه التكليف و الخطاب الى العاجز، لا لتحريكه بل للكشف عن وجود الملاك و الارادة، أي للكشف عن وجود مبادئ للحكم بالنسبة الى هذا الانسان العاجز، و بذلك لا يكون الاعتبار لغوا في مثل هذا المورد؛ لأنه يكون كاشفا عن الملاك و الارادة.

و اذا لاحظنا الاعتبار من حيث انه ناشئ من داعي البعث و التحريك، ففي مثل هذه الحالة لا يمكن ان يثبت الاعتبار بالنسبة للانسان العاجز، لان العاجز غير قادر على الحركة؛ لذلك من المحال ان يوجه اليه المولى خطابا بداعي التحريك و البعث.

إن الاعتبار الذي يكشف عنه الخطاب الشرعي انما هو بداعي البعث و التحريك مثل‏ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏ البقرة/ 183 و وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا آل عمران/ 97 و غير ذلك، فهذا الخطاب الشرعي الذي يكشف عن اعتبار معين، هو بداعي البعث و التحريك.

و بغية توضيح هذه المسألة يمكن القول: ان الظهور التصديقي يقتضي أن‏

17

يكون الخطاب دائما بداعي البعث و التحريك، فقد ذكرنا فيما سبق أن للكلام ظهورا تصوريا، و ظهورا تصديقيا، و المدلول التصديقي او الظهور التصديقي يكشف عن قصد اخطار المعنى بالنسبة للمدلول التصديقي الاول، و قصد المراد الجدي (ارادة الاخبار او السؤال او الأمر او غير ذلك) بالنسبة للمدلول التصديقي الثاني.

و الكلام هنا حول المدلول التصديقي الثاني، فعند ما يأتينا خطاب شرعي «اقم الصلاة»، «آتوا الزكاة»، فالمدلول التصديقي له يكشف عن المراد الجدي للمتكلم، و أنه بداعي البعث و التحريك، لا أنه بداعي الكشف عن وجود المبادئ (الملاك و الارادة) لهذا الحكم.

فاذا كان الاعتبار الذي يكشف عنه الظهور التصديقي دائما بداعي البعث و التحريك، فلا بد من أن يكون الاعتبار مختصا بحالة القادر، اما الانسان العاجز، كالمغمى عليه، فلا يوجد خطاب بحقه، و ليس مكلفا بالصلاة، و ان كان هذا التكليف ليس بداعي التحريك؛ لأن التكليف دائما لا يكون إلّا بداعي التحريك، كما ينبئ عن ذلك الظهور التصديقي، فكلما وجدنا تكليفا فان الهدف منه هو تحريك المكلف، و المكلف العاجز عن التحرك لا يعقل ان يوجه اليه بعث و تحريك.

و بذلك يكون الاعتبار مشروطا بالقدرة، و في حالة العجز يسقط الاعتبار و التكليف عن العاجز.

18

التكليف مشروط بالقدرة على متعلقه:

ان كل تكليف مشروط بالقدرة على متعلقه، فالتكليف بالصلاة مشروط بالقدرة على الصلاة، بلا فرق بين التكاليف الالزامية و الترخيصية؛ لأن التكليف تارة يكون الزاميا، كالوجوب و الحرمة، و أخرى يكون ترخيصيا، كالاستحباب و الكراهة، ففي حقل التكليف الطلبي (الوجوب و الاستحباب) تشترط القدرة على الفعل، كذلك في حقل التكليف الامساكي و الزجري (الحرمة و الكراهة) تشترط القدرة على الترك.

فان غير القادر على الفعل من المحال تكليفه، باعتبار دائرة حق الطاعة اخص من ذلك، فهي لا تشمل حالات عدم القدرة على الامتثال.

كذلك الحال في التكاليف الزجرية، فلا يقال للمكلف مثلا: لا تطر في السماء؛ لأنه أساسا غير قادر على الطيران في السماء، و لا يقال له: اوقف حركة الدم في اوعية جسمك؛ لأن مثل هذا الترك غير مقدور للمكلف، و لا بد من ان يكون متعلق الزجر مقدورا كمتعلق الطلب، و إلّا لو لم يكن مقدورا للمكلف فلا يكون مشمولا بدائرة حق الطاعة.

القدرة ليست شرطا في الملاك:

إذا تبين ان القدرة شرط ضروري في التكليف، و لكنها ليست كذلك في الملاك و الارادة، إذ قد يكون المكلف عاجزا و مع ذلك يوجد ملاك بالنسبة اليه، و لا يعني ذلك ان القدرة ليست شرطا دائما، و انما هذا المكلف العاجز يمكن ان يوجد ملاك بالنسبة اليه و يمكن ان لا يوجد.

19

و بكلمة أخرى: ان الانسان المغمى عليه، يمكن ان يوجد ملاك للصلاة بالنسبة اليه، و يمكن ان لا يوجد، اي ان مبادئ الحكم يمكن ان تكون فعلية و ثابتة في حالة القدرة على الفعل، و في حالة العجز عن الفعل، و يمكن ان تكون مختصة بحالة القدرة على الفعل، فلا تكون موجودة في حالة العجز عن الفعل.

القدرة الشرعية و القدرة العقلية:

عند ما ينتفي التكليف بالنسبة للعاجز، لعدم وجود الملاك، و يكون الملاك مختصا بحالة القدرة، في مثل هذه الحالة تسمى القدرة بالقدرة الشرعية.

و بكلمة بديلة: في صورة كون ملاك الحكم و مبادئه مختصة بالقادر على الفعل، اما الانسان العاجز، كالمغمى عليه غير القادر على الصلاة، فلا يوجد ملاك بالنسبة اليه، ففي مثل هذه الحالة تسمى القدرة بالشرعية.

اما إذا كانت مبادئ الحكم ثابتة و فعلية في حالة العجز و القدرة، اي ان العاجز عن الصلاة يوجد ملاك للصلاة بالنسبة اليه، كما ان الانسان القادر يوجد ملاك للصلاة بالنسبة اليه، فالقدرة في هذه الحالة نعبر عنها بالقدرة العقلية.

بمعنى ان المقصود بالقدرة العقلية ان تكون مبادئ الحكم موجودة و فعلية بالنسبة للقادر و العاجز، بينما في القدرة الشرعية تكون مبادئ الحكم مختصة بالقادر على الحكم فقط، اما العاجز فلا يوجد ملاك للحكم بالنسبة اليه.

و لا يكون اختصاص الملاك بالقادر في القدرة الشرعية ناشئا من مانع عقلي عن شموله للعاجز، بل لأن حدود الملاك في نفسه فرضت اختصاصه بالقادر، و إلا فقد مرّ أن العقل لا يحكم باستحالة وجود ملاك في مورد العجز.

و في حالة القدرة العقلية لا يكون اختصاص الحكم الشرعي بالقادر لأجل‏

20

اختصاص الملاك و المبادئ في نفسها بالقادر، بل لوجود مانع عقلي من شمول الحكم للعاجز.

لا فرق في استحالة التكليف بغير المقدور بين كونه مطلقا أو مقيدا:

لا يوجد فرق في استحالة التكليف بغير المقدور، بين ما إذا كان التكليف مطلقا، أو كان مشروطا بأمر مقدور، فكلاهما محال؛ لأن العقل كما يحكم بقبح التكليف بالنسبة للاول (المطلق) كذلك يحكم بقبح التكليف بالنسبة للثاني (المقيد)، و لو كان معلقا على أمر مقدور.

و مثال التكليف المطلق (طر الى السماء) فهو غير مقدور مطلقا، و مثال التكليف المقيد، كما لو قال: (ان صعدت الى السطح طر الى السماء) فهنا التكليف يكون معلقا على أمر مقدور للمكلف (الصعود الى السطح)، و في كلتا الحالتين يحكم العقل باستحالة التكليف بغير المقدور، أي سواء كان التكليف مطلقا أو مقيّدا بأمر مقدور، فهو مستحيل في كليهما.

الثمرة في استحالة التكليف بغير المقدور:

تتفرع الثمرة في بحث استحالة التكليف بغير المقدور الى:

1- ثمرة للمعنى الاول لهذه القاعدة، و الذي هو استحالة العقاب و الادانة على تكليف غير مقدور، فبالنسبة لهذا المعنى تكون الثمرة واضحة؛ لأنه إذا كانت القدرة شرطا في الادانة، فعند عدم القدرة لا ادانة، بمعنى ان الانسان العاجز (المغمى عليه) لا يعاقب.

2- ثمرة للمعنى الثاني، فبالنسبة لاشتراط القدرة في الجعل و الاعتبار، ربما

21

يقال: ان ثمرة اشتراط القدرة في الجعل أمر غير واضح؛ لأنه طالما ان العاجز لا يعاقب، فحينئذ سواء كانت القدرة شرطا في التكليف أو لم تكن شرطا فيه، فان العاجز (المغمى عليه) لا يعاقب.

لكن الثمرة تتضح فيما يلي: صحيح ان الانسان العاجز (المغمى عليه) لا يعاقب و لا يدان على ترك الصلاة، و لكن إذا كان هناك ملاك للصلاة بالنسبة اليه (القدرة ليست شرطا في الملاك و الارادة) ففي مثل هذه الحالة توجد ثمرة، و هي انه من خلال وجود الملاك يمكن ان نحكم بوجوب القضاء؛ لأن العاجز توجد مصلحة للصلاة بالنسبة اليه، و لكن في حالة الاغماء لم يستطع ان يستوفي هذه المصلحة، باعتباره كان مغمى عليه، فلا بد من ان يستوفي هذه المصلحة عند ما يفيق من اغمائه، و ذلك بعد أن نفترض ان وجوب القضاء منوط ببقاء الملاك بعد ارتفاع العجز، و ان بقاء الملاك يستدعي قضاء الفائت.

إذا يمكن ان نفترض انه في صورة وجود مبادئ للحكم في حق الانسان العاجز، يمكن ان نحكم بوجوب القضاء بالنسبة للانسان خارج فترة العجز.

و لكن إذا لم يكن هناك ملاك بالنسبة لهذا الانسان العاجز، اي كانت القدرة شرطا في ثبوت الملاك بالنسبة الى المكلف، فاذا كان عاجزا لا يوجد ملاك بالنسبة اليه، هنا لا نستطيع ان نحكم بوجوب القضاء، بعد توفر القدرة و انتفاء العجز؛ لأن الانسان المغمى عليه لا توجد بحقه مصلحة، و لا يوجد ملاك بالنسبة له.

و بعبارة أخرى: لم يكن هناك ملاك قد فاته، لكي يجب عليه ان يستوفيه، و بالتالي ليجب عليه القضاء.

و إذا قلنا: بان القدرة ليست شرطا في التكليف، فحينئذ يكون الملاك ثابتا في‏

22

حق الانسان العاجز، لذلك يجب عليه القضاء.

و لو قلنا باشتراط القدرة في التكليف فلا سبيل لمعرفة ثبوت الملاك بالنسبة للعاجز؛ لأن الطريق لاثبات الملاك هو الخطاب، باعتبار الخطاب الشرعي يدل على الحكم مطابقة، و يدل على الملاك التزاما، فاذا كان الخطاب مختصا بالقادر و غير شامل للعاجز، لا يوجد طريق لاثبات الملاك بالنسبة للعاجز؛ لأنه متى ما انتفت الدلالة المطابقية انتفت الدلالة الالتزامية تبعا لها، و الدلالة المطابقية منتفية عن العاجز، اذ المغمى عليه لا يوجد وجوب للصلاة عليه، فاذا انتفت الدلالة المطابقية تنتفي الدلالة الالتزامية تبعا لها، و بذلك لا يوجد ملاك للصلاة في حقه، و إذا لم نستطيع ان نثبت الملاك لا نستطيع اثبات وجوب القضاء.

و اما إذا قلنا: بان القدرة ليست شرطا في التكليف، فيكون المدلول المطابقي مطلقا، اي انه شامل للقادر و العاجز، فكما ان القادر على الصلاة يجب عليه ان يصلي، كذلك العاجز (المغمى عليه) يجب عليه ان يصلي، لكنه معذور لو لم يصلّ، و تبعا للمدلول المطابقي يكون المدلول الالتزامي- و هو وجود الملاك- ايضا مطلقا، فكما ان القادر على الصلاة يوجد ملاك في حقه، كذلك العاجز عنها يوجد ملاك في حقه، و لذلك يجب على هذا الانسان ان يقضي الصلاة، إذا توفرت لديه القدرة خارج الوقت.

23

قاعدة امكان التكليف المشروط

هذه القاعدة كما يوحي عنوانها تشير الى امكان التكليف المشروط، حيث اعتقد البعض بأن التكليف المشروط غير معقول، و لذلك فالبحث هنا هو بحث في قضية عقلية تركيبية؛ لأنه يرتبط في مسألة الامكان و الاستحالة، فقد ذهب البعض الى الاستحالة، بينما برهن المصنف و آخرون على امكان التكليف المشروط، و انه تكليف معقول.

ابتداء نشير الى أن مقام الثبوت في الحكم الشرعي يشتمل على ثلاثة عناصر (الملاك و الارادة و الاعتبار) و غرضنا في هذا البحث يرتبط بالاعتبار، فعند ما يعتبر المولى الحكم الشرعي على المكلف، و يصوغه بصياغة تشريعية، كالصياغة التشريعية التي اعتاد ان يمارسها العقلاء عند تشريعهم لحكم من الاحكام، فالمولى هنا يبرز ارادته بصياغة تشريعية، و يجعل الحكم على المكلفين على نهج القضية الحقيقية، و الحكم المجعول على نهج القضية الحقيقية يختلف عن الحكم المجعول على نهج القضية الخارجية؛ لأن الموضوع في القضية الخارجية يكون متحققا في احد الازمنة الثلاثة (الحاضر أو المستقبل أو الماضي)، اما الموضوع في القضية الحقيقية فيكون مقدرا و مفترضا، أي يقدر الحاكم الموضوع و يفترضه، ثم بعد ذلك يصب الحكم على هذا الموضوع المقدّر.

و الموضوع يساوي مجموعة الشرائط و الخصوصيات و الاحوال و القيود المأخوذة في الحكم. مثلا عند ما يريد المولى ان يحكم بوجوب الحج، فلا بد من ان يتصور سائر الشرائط المأخوذة في وجوب الحج، و من هذه الشرائط

24

الاستطاعة و البلوغ و العقل.

إذا هناك مجموعة شروط يأخذها المولى عند ما يجعل الحكم بوجوب الحج، و هذه الشروط انما يأخذها تصورا، أي يتصور الشروط أولا، ثم يصب عليها الحكم، فيصوغ الحكم هكذا: (ان الانسان إذا استطاع و كان صحيح البدن، مخلى السرب، مكلفا، يجب عليه الحج). و هذا الحكم يكون مجعولا على نهج القضية الحقيقية لا على نهج القضية الخارجية؛ لأن موضوع الحكم انما قدر و افترض، و ليس الموضوع ناجزا و محققا، فيقال هكذا: (كلما وجد مكلف مستطيع صحيح البدن مخلى السرب يجب عليه الحج).

ما يتحقق هو الجعل لا المجعول:

إذا لاحظنا جعل الحكم، فإنّ الجعل متوقف على تحقق قيود الحكم و شروطه، لكن في عالم اللحاظ و في عالم الذهن، لا في الواقع و الخارج، أي ان وجوب الحج متوقف على تصور الاستطاعة و بقية الشروط، لا على وجود هذه الشروط في الخارج.

إذا ما تحقق فعلا هو نفس عملية الجعل، بيد ان هناك شيئا لم يتحقق و هو فعلية التكليف على المكلف (وجوب الحج الفعلي في ذمة المكلف) لان الوجوب الفعلي (المجعول) يتحقق عند ما تتحقق سائر الشروط و القيود المأخوذة في الحكم في الخارج.

و بعبارة أخرى: أن ما تحقق بالفعل هو الجعل؛ لأن الجعل موقوف على توفر الشروط و القيود في عالم اللحاظ (على تصورها)، و ما لم يتحقق فعلا هو

25

المجعول؛ لأن المجعول لا يوجد لحظة جعل الحكم و تشريعه، لتوقفه على وجود مجموعة من القيود و الشروط المأخوذة في الحكم في الخارج، كالاستطاعة و العقل و صحة البدن، فمتى ما توفر المكلف على هذه الشروط يكون الحج فعليا عليه.

و بذلك تكون هذه القضية شرطية، شرطها تحقق القيود في الخارج (كلما وجد مكلف مستطيع صحيح البدن مخلى السرب) و الجزاء هو الحكم (يجب عليه الحج).

و من هنا يقال: ان فعلية الجزاء تتوقف على فعلية الشرط، فاذا لم تكن الشروط و القيود المأخوذة في الحكم فعلية (متحققة في الخارج)، لا يكون الحكم فعليا، ففعلية الحكم و تحققه متوقفة على فعلية الشرائط و تحققها في الخارج.

الفرق بين الجعل و المجعول:

ان الجعل يتحقق بمجرد عملية التشريع؛ لأنه موقوف على تصور الشرائط، أي بمجرد ان يعمل المولى مولويته و يشرع الحكم يتحقق الجعل.

اما المجعول (فعلية الحكم على المكلف) فلا يتحقق و لا يوجد إلّا بعد وجود قيود الحكم في الخارج، فوجوب الحج على المكلف لا يثبت و لا تشتغل به ذمته إلّا إذا تحققت الاستطاعة و سائر الشروط و القيود الاخرى.

و على هذا الاساس، تكون القيود بالنسبة للمجعول بمثابة العلة، حيث يدور المجعول مدار وجود القيود خارجا اثباتا و نفيا، فان وجدت القيود وجد

26

المجعول، و ان انتفت القيود ينتفي المجعول.

اما الجعل فانه موجود قبل وجود هذه القيود في الخارج، فلو فرضنا عدم تحقق شي‏ء من القيود في الخارج فان الجعل ثابت في الشريعة، و لا يتوقف ثبوت الجعل في الشريعة على ثبوت و وجود القيود في الخارج. نعم يتوقف وجود الجعل على تصور هذه القيود في عالم اللحاظ، ثم يضع المولى بعد ذلك الحكم على نهج القضية الحقيقية، و التي تعود الى قضية شرطية.

و يتلخص من ذلك: أن الجعل متوقف على وجود القيود ذهنيا، بينما المجعول متوقف على وجود القيود خارجيا، و ان العلاقة بين المجعول و القيد بمثابة العلاقة بين العلة و المعلول، فكلما انتفت العلة ينتفي المعلول، و كلما وجدت العلة يوجد المعلول، و كلما وجدت القيود يوجد الحكم المجعول، و كلما انتفت القيود ينتفي الحكم المجعول.

الحكم المشروط ممكن:

ان من الممكن ان يكون الحكم المجعول مشروطا؛ لأن وجود الحكم المجعول خارجا انما يكون معلقا على وجود القيود و الشروط في الخارج، فوجوب الحج متوقف على تحقق الاستطاعة و سائر الشروط في الخارج، فلا وجود للوجوب الفعلي قبل وجود هذه الشرائط، و لذلك يمكن ان يكون الحكم بمعنى المجعول مشروطا، بمعنى يكون متوقفا على وجود الشروط في الخارج، سواء كان هذا الحكم تكليفيا، كالوجوب و الحرمة، أو كان الحكم وضعيا، كالملكية و الزوجية، فالزواج متوقف على العقد، و الملكية على العمل أو الهبة أو

27

الميراث و ما الى ذلك.

و على هذا الاساس يتضح عدم صحة الاشكال الذي يقول: ان الحكم المشروط محال، بناء على ان الحكم اساسا هو فعل للمولى، و فعل المولى يتحقق بمجرد ان يعمل المولى مولويته، فاللّه تعالى فعله لا يكون معلقا، و انما ارادته فعله، و لا يمكن ان يتوقف فعله على أمر آخر.

و بعبارة أخرى: لما كان الحكم فعل المولى، فيعني ذلك ان فعل المولى سيكون موقوفا على أمر آخر، لو قلنا بأن حكمه مشروط.

غير ان الصحيح هو ان الحكم الذي يكون فعل المولى هو الجعل، و الجعل لا يتوقف إلّا على إعمال المولى لمولويته، و وجود القيود في علم اللحاظ.

اما المجعول (الحكم الفعلي) الذي يثبت على المكلف، فالمولى جعله معلقا على تحقق الشروط خارجا، فوجوب الحج الفعلي متوقف على وجود الاستطاعة و سائر الشروط في الخارج، و هذه الشروط كالعلة، و الحكم المجعول كالمعلول لها.

بينما الجعل لا يتوقف على وجود الشروط خارجا بل على وجودها في عالم اللحاظ. و بهذا يتضح ان الحكم المشروط ممكن و ليس مستحيلا.

28

قاعدة تنوع القيود و احكامها

تنوع القيود

عند ما نعبر بمصطلح القيود أو المقدمات في هذا المبحث فنعني بها نفس المعنى، و لذلك تارة نقول قيود و أخرى نقول مقدمات، و نشير الى المعنى ذاته.

تنقسم المقدمات الى:

1- مقدمة شرعية كالوضوء.

2- مقدمة عقلية، كالسفر الى الحج.

و تنقسم الى:

1- مقدمة وجوبية.

2- مقدمة وجودية، و هذا ما يرتبط بالمقام.

قيد الوجوب و قيد الواجب و مقدمة الوجوب و مقدمة الواجب:

المقصود بالمقدمة الوجودية هي مقدمة الواجب، و المقدمة الوجوبية هي مقدمة الوجوب، فعند ما يدل دليل على أمر معين، يقول مثلا: صلّ، ففي المقام يوجد مدلول لصيغة الامر (افعل) و هو الحكم (الوجوب) و يوجد واجب و هو المتعلق (الصلاة).

و مقدمات الوجوب هي مقدمات الحكم، بينما مقدمات الواجب هي مقدمات المتعلق، أو قل مقدمات الواجب هي المقدمات الوجودية؛ لأن وجود الواجب يتوقف عليها، و مقدمات الوجوب هي المقدمات الوجوبية؛ لأن‏

29

الوجوب يتوقف عليها.

و هنا نذكر مثالا، و نحاول تطبيق ما تقدم عليه، فلو جاءنا دليل يقول: (إذا زالت الشمس صلّ متطهرا)، فانه بمجرد هذا الانشاء يتحقق الجعل، اما المجعول و هو فعلية وجوب الصلاة على المكلف، فيتحقق عند ما يتحقق قيده؛ لأن صلاة الظهر مقيدة بزوال الشمس، الزوال قيد للوجوب الفعلي (للمجعول). أو قل هو قيد للحكم أو مقدمة وجوبية؛ لأن وجوب الصلاة على المكلف مشروط بالزوال، فقبل تحقق الزوال لا وجوب.

و أما القيد الآخر في المثال (صلّ متطهرا) قيد التطهر (تقيد الصلاة بالطهارة)، فانه ليس قيدا للحكم (الوجوب) و إنما هو قيد للمتعلق (الصلاة)، و لذلك نسمي هذه المقدمة وجودية و ليست وجوبية.

فلو فرضنا ان الشمس قد زالت، و لكن المكلف لم يكن متطهرا، فحينئذ يخاطب بوجوب الصلاة؛ لأن الوجوب موقوف على مقدمة قد تحققت بالفعل (زوال الشمس). و ليس موقوفا على ايجاد الطهارة خارجا.

و بذلك يتبين ان معنى كون قيد من القيود قيدا للواجب، ان المولى يأمر بذات الواجب مع التقيد بهذا القيد، أي ان قيد الواجب لا تتوقف عليه فعلية الوجوب؛ لأن الوجوب يتحقق عند ما يتحقق قيده، اما قيد الواجب فمعناه ان المولى يريد من المكلف عند امتثال الواجب ايقاع الواجب مقيدا بهذا القيد.

و بعبارة أخرى: أن الصلاة لها اكثر من حصة، فواحدة مقيدة بالطهارة، و أخرى غير مقيدة بالطهارة، و المولى يريد من المكلف الصلاة المقيدة بالطهارة، الصلاة المقيدة بالطهارة هي المتعلق، و ليست الحصة الاخرى (الصلاة بلا

30

طهارة).

و لو لاحظنا الحصة التي تمثل المتعلق بدقة سنجدها تتألف من أمرين:

الأول: الصلاة.

الثاني: تقيد هذه الصلاة بالطهارة.

فالامر (صلّ) متعلق بالحصة، و الحصة تساوي (الصلاة زائدا التقيد).

و على هذا إذا اخذ الشارع قيدا في الواجب، فمعنى ذلك انه قيّد الواجب، اي ان هناك حصة مقيدة، و أخرى غير مقيدة، و هو يريد دائما الحصة المقيدة، فعند ما يأمر فهو لا يأمر بالمتعلق (الصلاة) فقط، و انما يأمر بالمتعلق (الصلاة) زائدا التقيد.

العلاقة بين القيد و المقيد:

بناء على ان المطلوب هو المقيد (الصلاة) زائدا التقيد، ينبغي ان يتضح انه لا علاقة بين نفس القيد و المقيد، لا علاقة بين نفس الطهارة و نفس الصلاة؛ لأن الطهارة ليست علة للصلاة، و لا جزء علة لها، و انما هناك علاقة بين القيد و التقيد.

و بعبارة أخرى توجد في المقام ثلاثة امور، و هي:

1- القيد، كالطهارة.

2- المقيد، كالصلاة.

3- التقيد، و هو تقيد الصلاة بالطهارة.

و المولى يريد الحصة، و هي تساوي الصلاة زائدا تقيدها بالطهارة.

و مع انه لا علاقة بين نفس الصلاة و الطهارة، فليست الطهارة علة للصلاة و لا

31

جزء العلة، و لكن هناك علاقة بين القيد (الطهارة) و التقيد (تقيد الصلاة بالطهارة)، فالطهارة علة لتقيد الصلاة بالطهارة، ذلك انه لو لا الطهارة (القيد) لم يتحقق التقيد (صلاة مقيدة بالطهارة).

إذا الطهارة علة لهذا التقيد، و لو لا الطهارة لما تحققت هذه الحصة (الصلاة المقيدة بالطهارة).

معنى أخذ الشارع قيدا في الواجب:

و يتلخص مما سبق: أن الشارع إذا أخذ قيدا في الواجب، فيعني ذلك ما يلي:

1- ان الشارع يحصص الواجب بهذا القيد، أي تصبح للواجب اكثر من حصة، (حصة مقيدة و أخرى غير مقيدة) و المولى يأمر بالحصة المقيدة.

2- ان الأمر بالحصة يتعلق بذات الواجب، و يتعلق بحالة التقيد بذلك القيد، أي الحصة تساوي المقيد زائدا التقيد، الحصة تساوي الصلاة زائدا تقيدها بالطهارة، اما نفس القيد (الطهارة) فغير داخل في الحصة؛ لأن المطلوب صلاة مقترنة و مقيدة بالطهارة، بمعنى ان المطلوب هو الاقتران و التقيد (صلاة مقيدة بالطهارة).

3- النسبة بين القيد و التقيّد هي نسبة العلة الى المعلول؛ لأن تقيد الصلاة بالطهارة يتحقق بالطهارة، فالطهارة تسبب و توجب التقيد، لا أنها تسبب و توجد الصلاة، و حينئذ تتحقق الحصة؛ لأن المطلوب هو الحصة (صلاة مقيدة بالطهارة).

أما النسبة بين القيد و المقيد، أي بين الطهارة و الصلاة، فليست نسبة العلة و المعلول.

32

قيد الوجوب و الواجب معا:

احيانا يكون القيد مزدوجا، مثل زوال الشمس، فهو قيد للوجوب، و قيد للواجب. أما انه قيد للوجوب، فلانه لا وجوب للصلاة قبل زوال الشمس، و أما انه قيد للواجب، فلان المطلوب ان تكون الصلاة مقيدة بالزوال.

كذلك شهر رمضان، هو قيد للوجوب، و الواجب، فقبل رؤية الهلال لا وجوب للصوم بذمة المكلف، كما ان الحصة المطلوبة من المكلف هي ايقاع الصوم في شهر رمضان، أي ان المطلوب من المكلف هو الصوم المقترن بشهر رمضان، فيكون هذا الزمان (شهر رمضان الكريم) قيدا للوجوب، و قيدا للواجب معا.

أحكام القيود المتنوعة

إن الواجبات تشتمل على ثلاثة انواع من القيود، و هي:

1- قيد الوجوب.

2- قيد الواجب.

3- قيود مشتركة بين الوجوب و الواجب.

اما مسئولية المكلف تجاه هذه القيود فتختلف باختلاف نوع القيود، إذ ان قسما من القيود يجب على المكلف تحصيلها، و لو لم يحصّلها لا يستطيع تحقيق الامتثال، كالطهارة بالنسبة للصلاة، فالطهارة من القيود التي يجب على المكلف ان يحصّلها. صحيح ان المطلوب من المكلف ليس القيد (الطهارة) بل التقيد بالطهارة؛ لأن المطلوب هو الحصة الخاصة، و لكن التقيد علته هي الطهارة، فلا بد من الاتيان بالعلة لكي يتحقق المعلول، و هو التقيد.

33

و قسم آخر من القيود لا يكون المكلف مسئولا عن تحصيلها، فلو لم يأت بها المكلف لا يعتبر عاصيا، كالاستطاعة بالنسبة للحج، فالمكلف غير مسئول عن توفير الاستطاعة؛ لأنه لا وجوب للحج قبل تحقق الاستطاعة.

الفرق بين قيود الواجب و الوجوب:

ما الفرق بين النوعين من القيود؟ و لما ذا يكون المكلف مسئولا عن قيود الواجب دون قيود الوجوب؟ أو ما هو الضابط الذي يجعل المكلف مسئولا عن قيد معين فيجب عليه تحصيله، فيما لا يكون المكلف مسئولا عن قيد آخر، و لا يجب عليه تحصيله؟

الجواب: الضابط في ذلك، انه دائما قيود الوجوب، كالاستطاعة بالنسبة للحج، لا يجب على المكلف تحصيلها؛ لأنه قبل الاستطاعة و امثالها من قيود الوجوب لا يكون المكلف مخاطبا بالوجوب. فوجوب الحج ليس فعليا قبل الاستطاعة على المكلف، أي ليس المكلف مخاطبا بوجوب الحج قبل الاستطاعة، باعتبار أن المحركية للمكلف انما تأتي من جهة الوجوب، فاذا لم يكن هناك وجوب على المكلف فلا يكون المكلف مسئولا عن ايجاد هذه المقدمة.

أما إذا كان القيد قيدا للواجب (متعلق الوجوب) فالمكلف يكون مأمورا بحصة خاصة، و هي الصلاة مع التقيد بالطهارة، و لكي يمتثل المكلف لا بد من أن يأتي بالحصة الخاصة، و هذه الحصة لا يمكن ان تتحقق من دون أن يأتي المكلف بالطهارة، لكي يحصل المكلف التقيد (اقتران الصلاة بالطهارة) لان الذي يحقق التقيد هو القيد (الطهارة) باعتباره علة التقيد.

34

إذا المكلف يكون مسئولا عن مقدمات الواجب دون مقدمات الوجوب، و المسئولية عن هذه المقدمات مسئولية عقلية.

مسئولية المكلف تجاه قيود الوجوب و الواجب:

إذا كان القيد قيدا مشتركا للوجوب و للواجب، كشهر رمضان الذي هو قيد لوجوب الصوم في رمضان، و قيد للواجب و هو الصوم في رمضان، فهل يكون المكلف مسئولا عن تحصيل ذلك؟

إذا كان القيد قيدا للوجوب و للواجب معا، فان المكلف لا يكون مسئولا عن تحصيله؛ لأنه قبل وجود هذا القيد (شهر رمضان مثلا) لا وجود للوجوب، أي ان وجوب الصوم ليس فعليا على المكلف، و حينئذ لا يكون المكلف مسئولا عن هكذا قيد؛ باعتبار أنه قبل الوجوب لا محركية للمكلف، فالذي يحرك المكلف هو الوجوب، و قبل القيد لا وجوب، فلا يكون المكلف مسئولا عن مثل هذا القيد.

تلخيص لما سبق:

1- إذا كان القيد قيدا للوجوب فقط، فلا يكون المكلف مسئولا عن ايجاد هذا القيد، كالاستطاعة بالنسبة للحج؛ لأنه قبل تحقق هذا القيد لا وجوب اصلا، و المكلف انما يحركه الوجوب، فلا يكون المكلف مسئولا عن قيود الوجوب.

2- إذا كان القيد قيدا للواجب فقط، كالطهارة بالنسبة للصلاة، فان المكلف مسئول عن ايجاد هذا القيد؛ لأن المأمور به هو الحصة، و هي تساوي ذات الطبيعة (الصلاة) زائدا التقيد بالطهارة، و التقيد لا يحققه إلّا القيد، فالقيد هو علة

35

تحقيق التقيد، لذلك يكون المكلف مسئولا عن الاتيان بالقيد، لكي يتحقق الامتثال.

3- اذا كان القيد قيدا للوجوب و للواجب معا، كما في شهر رمضان، فالمكلف غير مسئول عن ايجاد مثل هذا القيد، و لكنه يكون مسئولا عن ايجاد التقيد بهذا القيد، عند ما يكون القيد موجودا، أي ان المكلف ليس مسئولا عن ايجاد نفس القيد (شهر رمضان) و لكن إذا وقع القيد (شهر رمضان)، فان المكلف يكون مسئولا عن ايجاد الواجب (الصوم) مقيدا بهذا القيد.

قيود الواجب اختيارية:

في ضوء هذه النتائج التي انتهينا اليها، مع الاستفادة من النتائج السابقة و المتعلقة بقاعدة استحالة التكليف بغير المقدور، نخلص الى ان القضايا العقلية متفاعلة فيما بينها، حيث قلنا فيما سبق:

أولا: أنّ غير القادر (العاجز) لا يدان؛ لأن القدرة شرط في الادانة.

ثانيا: ان القدرة شرط في التكليف، فالعاجز لا يكلف اساسا.

و بضم تلك النتائج مع بعضها، يمكن ان نستنتج القاعدة التالية، و هي: ان كل القيود التي تؤخذ في الواجب فقط دون الوجوب، كالطهارة بالنسبة للصلاة، لا بد من ان تكون اختيارية، أي تكون مقدورة للمكلف؛ لان المكلف يكون مسئولا عن مثل هذه القيود، و كل ما يكون المكلف مسئولا عنه يقع في دائرة قدرته، باعتبار انه من المحال تكليف العاجز أو ادانته.

اما القيود التي تكون قيودا للوجوب، أو تكون قيودا للوجوب و للواجب‏

36

معا، فان مثل هذه القيود قد تكون مقدورة، كالاستطاعة مثلا، و قد لا تكون مقدورة للمكلف، كشهر رمضان؛ لأن وقوع شهر رمضان يرتبط بتعاقب الشهور، و بالتالي بالنظام الفلكي الذي يجري على اساسه القمر.

إذا فقيود الوجوب، و قيود الوجوب و الواجب معا، قد تكون مقدورة، و قد لا تكون مقدورة، بينما قيود الواجب لا بد من أن تكون قيودا مقدورة للمكلف (اختيارية)، أي تقع في دائرة استطاعة المكلف؛ لأن المكلف مسئول عنها، و لو كانت غير مقدورة، فانه يستحيل التكليف بها، لاستحالة التكليف بغير المقدور.

37

قيود الواجب على قسمين‏

تنقسم المقدمات بتقسيمات متعددة، منها تقسيمها الى: مقدمة واجب، و مقدمة وجوب، و هو ما تقدم، و تنقسم المقدمة بتقسيم آخر الى: مقدمة شرعية، و أخرى عقلية، و سواء عبرنا بالمقدمة او بالقيد فلا فرق.

1- القيود أو المقدمات الشرعية:

و فيما تقدم تبين ان القيد الذي يأخذه المولى في الواجب يعني تحصيص الواجب، اي انه يلاحظ الحصة المقيدة بهذا القيد فيأمر بها.

و مثل هذا القيد يعبر عنه بالقيد الشرعي؛ لأن هذا القيد أخذه الشارع، و حصص به الصلاة، فهذا القيد (الطهارة بالنسبة للصلاة) يكون قيدا شرعيا، أو نقول: ان الطهارة بالنسبة للصلاة مقدمة شرعية.

2- القيود أو المقدمات العقلية:

هناك نوع آخر من قيود الواجب، لا يأخذه الشارع في الواجب، و لكن امتثال و تحقق الواجب يتوقف على وجودها، و هي مقدمات ليست شرعية؛ لأن الشارع لم يأخذها، و انما هي مقدمات تكوينية، كالسفر بالنسبة للحج، فالحج كواجب يتوقف على هذه المقدمة (السفر)، اذ ان المكلف لكي يؤدي الحج لا بد من أن يكون في مكة المكرمة وقت المناسك، و وجوده هناك يتوقف على سفره، و السفر يحتاج الى واسطة و وسيلة (طائرة أو سيارة).

فهذه المقدمة مقدمة تكوينية لم يأمر بها الشارع، و لذلك تسمى بالمقدمة

38

العقلية؛ لأن العقل هو الذي يحكم بها.

و بعبارة أخرى: أن الشارع لم يحصص الواجب الى حصتين، و يأمر بحصة خاصة، و هي الحصة مع هذه المقدمة، و انما العقل يحكم بعدم امكان تحقيق الواجب (الحج) إلّا مع الاتيان بهذه المقدمة (السفر الى مكة المكرمة).

المكلف مسئول عن المقدمات العقلية:

و كما ان المكلف مسئول عن المقدمات الشرعية، كذلك هو مسئول عن المقدمات العقلية. و اذا لاحظنا المقدمات العقلية، ان كانت المقدمة العقلية للواجب فقط، يكون المكلف مسئولا عنها، و العقل هو الذي يحكم بهذه المسئولية، لعدم امكان تحقق الواجب بدون هذه المقدمة، أي ان امتثال الحج بدون الحضور في مكة المكرمة لا يتحقق.

و امّا إذا كانت المقدمة العقلية للوجوب و للواجب معا، فلا يكون المكلف مسئولا عنها، كما في المقدمة الشرعية التي هي للوجوب و للواجب.

كذلك لو كانت المقدمة العقلية للوجوب فقط، فلا يكون المكلف مسئولا عنها.

و بعبارة أخرى: أن نفس الكلام الذي تقدم في المقدمات الشرعية، من حيث مسئولية المكلف، نقوله هنا في المقدمات العقلية.

المسئولية تجاه قيود الواجب تبدأ بعد الوجوب الفعلي:

ان مسئولية المكلف تجاه مقدمات الواجب، سواء كانت شرعية أو عقلية،

39

كما في مسئوليته تجاه الطهارة بالنسبة للصلاة و التي هي مقدمة شرعية، أو مسئولية المكلف تجاه السفر بالنسبة للحج الذي هو مقدمة عقلية للحج، انما تبدأ بعد وجود و فعلية الوجوب.

و بكلمة أخرى: أن المكلف قبل فعلية الوجوب لا يكون مسئولا عن المقدمات؛ لأنه قبل الزوال لا وجوب لصلاة الظهر، ليكون المكلف ملزما بامتثاله، و لكن بعد تحقق الزوال يكون (وجوب صلاة الظهر) فعليا عليه، فلا بد من توفير جميع مقدمات الواجب بعد وجود الوجوب المجعول (الفعلي)، سواء كانت شرعية، كالطهارة بالنسبة للصلاة، أو عقلية كالسفر بالنسبة للحج.

40

المسئولية قبل الوجوب‏

معنى المقدمات المفوتة:

هذا المبحث يذكر في كتب الاصول عادة بعنوان (المقدمات المفوتة)، و المقصود بذلك، انه احيانا تكون للواجب مقدمة معينة، سواء كانت مقدمة عقلية أو شرعية، و يكون الواجب مرتبطا بزمان معين، أي ليس مطلقا من ناحية الزمان، كالصلاة أو الحج أو الصوم، و نفترض ان هذه المقدمة لا يستطيع ان يأتي بها المكلف في زمان الواجب، فحينئذ هل يجب على المكلف ان يأتي بهذه المقدمة قبل زمان الواجب؟ اي لو ان المكلف كان مستطيعا ان يأتي بالمقدمة قبل الوقت، فهل يكون مسئولا عن ذلك؟ و هل يحكم العقل بمسئولية المكلف عن توفير و ايجاد المقدمات قبل زمان الواجب؟

مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة:

لو علم المكلف ان هذه المقدمة سوف لا يكون قادرا على ايجادها و توفيرها في وقت الواجب، و بذلك سوف يفوت الواجب في وقته. و مثال ذلك: ان المكلف يعلم انه إذا تحقق وقت الظهر سوف لا يكون قادرا على الطهارة المائية أو الترابية، أي لا يستطيع ان يتوضأ و لا يستطيع ان يتيمم، كما لو كان في مكان، لا يوجد فيه ماء او تراب وقت الصلاة، و لكنه قبل وقت الصلاة بساعة مثلا كان بامكانه ان يتوضأ فيه أو يتيمم، فهل يجب عليه قبل وقت الوجوب ان يتوضأ لكي لا يفوت الواجب (الصلاة) في وقته؟

يقال: انه في مثل هذه الحالة لا يجب عليه ان يحصّل الطهارة للصلاة قبل‏

41

وقتها، اي لا يجب عليه ان يأتي بمقدمة الواجب قبل زمان الوجوب؛ لأن المكلف يكون مسئولا عن مقدمات الواجب بعد تحقق الوجوب و فعليته، فالمكلف قبل تحقق وجوب صلاة الظهر ليس مسئولا عن الطهارة، و وجوب صلاة الظهر انما يتحقق بعد تحقق القيد (الزوال)، و قبل الزوال لم يتحقق الوجوب، فلا يكون المكلف مسئولا عن الطهارة، و ان كان بعد الزوال غير قادر على تحقيق الطهارة، و لذا لا يكون مكلفا بالصلاة المأمور بها؛ لأن الصلاة المكلف بها هي حصة خاصة من الصلاة، و هي الصلاة المقيدة بالطهارة، و لكي يتحقق الامتثال لا بد من أن يأتي بالحصة الخاصة (الصلاة المقيدة بالطهارة). و هذه الحصة لا بد من أن يكون المكلف قادرا عليها، حسب قاعدة (استحالة التكليف بغير المقدور) التي مفادها:

من المحال ان يدان المكلف على تكليف غير قادر عليه، فاذا كان المكلف غير قادر على الاتيان بالمتعلق (الصلاة المقيدة بالطهارة) فحينئذ لا يكون مدانا و لا يستحق العقاب؛ لأنه من المحال ان يدان العاجز (غير القادر)، و هو هنا عاجز عن الاتيان بالصلاة المقترنة بالطهارة، (الحصة الخاصة من الصلاة)، فاذا كان عاجزا فانه لا يكون مكلفا.

و هذا النوع من المقدمات تسمى بالمقدمات المفوتة؛ لأنها تفوت الواجب في وقته، لو لم يأت بها المكلف، و المكلف غير مسئول طبقا لهذه القاعدة عن المقدمات المفوتة.

ما تكون مقدماته دائما مفوتة:

القاعدة التي أسسناها قبل قليل كانت تقول: ان المكلف ليس مسئولا عن‏

42

المقدمات المفوتة، و لكن لو كان هناك واجب مقدمته دائما مفوتة، أي لو لم يأت بها المكلف فانه لا يستطيع ان يأتي بالواجب دائما، ففي مثل هذه الحالة يتقرر فقهيا انه لا بد للمكلف من أن يأتي بها، و إلّا لما استطاع ان يمتثل الواجب.

غير ان السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف نبرر و نفسر مسئولية المكلف تجاه هذا النوع من المقدمات، مع انه يمثل خرقا للقاعدة التي تقول: ان المكلف ليس مسئولا عن المقدمات قبل زمان الفعلية؟

و مثال ذلك الوقوف بعرفات، فان المكلف المستطيع للحج يجب عليه الوقوف بعرفات في اليوم التاسع من ذي الحجة من بعد الظهر الى الغروب، و هذا الوقوف يعتبر من الاركان الاساسية في الحج، و الوقوف بعرفات يتوقف على السفر الى مكة المكرمة، فلا بد من أن يسافر حتى يحقق الواجب في وقته، و السفر للوقوف بعرفات يكون مقدمة مفوتة؛ لأن المكلف لو لم يسافر لفات عليه الوقوف بعرفات في وقته، فلكي يمتثل الواجب يجب عليه السفر، و هذا السفر لا بد من أن يتحقق قبل تحقق الوجوب؛ لأن وجوب الوقوف بعرفات يكون في اليوم التاسع، و لو لم يسافر لما أدرك الواجب في اليوم التاسع.

لذا وقع البحث بين الاصوليين في تفسير مسئولية المكلف تجاه مثل هذه المقدمات المتعلقة بوجوب لم يأت بعد، اي كيف يكون المكلف مسئولا عن السفر في ذي القعدة لامتثال وجوب يتحقق في اليوم التاسع من ذي الحجة؟

و القاعدة السابقة تقول: إنّ مسئولية المكلف تجاه مقدمات الواجب تكون بعد ثبوت الوجوب، مسئولية المكلف عن الطهارة تبدأ بعد الزوال أو قل بعد فعلية وجوب الصلاة، و هنا ايضا المفروض ان لا تبدأ مسئولية المكلف تجاه السفر إلّا

43

بعد تحقق فعلية وجوب الوقوف بعرفات، الذي يبدأ في ظهر اليوم التاسع من ذي الحجة، فكيف نبرر مسئولية المكلف قبل اليوم التاسع تجاه السفر؟

الواجب المعلق:

ذكرت عدة نظريات لحل مسألة المقدمات المفوتة، اشهرها نظرية الواجب المعلق، و هي التي ابتكرها صاحب الفصول، و هو كتاب اصولي مهم، ألّف قبل رسائل الشيخ الانصاري، و هذه النظرية تبتني على اساس ان الوجوب هنا يكون مطلقا و الواجب هو المقيد و المعلق.

و بعبارة أخرى: أن اليوم التاسع هو قيد للوقوف بعرفة (قيد للواجب) اما الوجوب نفسه فيكون مطلقا، و يبدأ الوجوب (وجوب الوقوف بعرفة) منذ تحقق الاستطاعة، فلو تحققت الاستطاعة في شهر رجب، فان الوجوب يتحقق منذ ذلك الحين، و يصبح الوجوب فعليا منذ شهر رجب، و بالتالي يحرك نحو مقدمات الواجب، و ان كان الواجب (الوقوف في عرفة) يتأخر، فاليوم التاسع يكون قيدا للواجب، و ليس قيدا للوجوب، بمعنى ان الوجوب يكون مطلقا أما الواجب فيكون مقيدا.

و بذلك نفسر مسئولية المكلف تجاه مقدمات الواجب؛ لأنه بمجرد ان يتحقق الوجوب تبدأ مسئولية المكلف تجاه مقدمات الواجب. و سيأتي الكلام عليه تفصيلا.

44

الشرط المتأخر:

و هناك تفسير آخر يبتني على اساس الشرط المتأخر الذي سيأتي بحثه مفصلا، فان قيل بامكان الشرط المتأخر، يكون هذا الوقت نفسه (يوم عرفة) شرطا متأخرا أو مقدمة متأخرة بالنسبة للوجوب، فان وجوب الوقوف بعرفة الذي يبدأ من شهر رجب مثلا، له شرط متأخر و هو مجي‏ء اليوم التاسع من ذي الحجة على المكلّف و هو حيّ.

و سيتجلى هذا المطلب اكثر عند ما نتحدث عن الشرط المتأخر في المطلب التالي.

45

القيود المتأخرة زمانا عن المقيّد

يدخل المصنف في هذا البحث في تقسيم آخر للمقدمات، فقد قسمنا المقدمات فيما سبق الى: مقدمة وجوب، و مقدمة واجب، و بتقسيم آخر الى:

مقدمة شرعية، و أخرى عقلية، و هنا يقسم المصنف المقدمات الى:

1- مقارنة.

2- متقدمة.

3- متأخرة.

و سواء كان القيد أو المقدمة، قيدا للوجوب الفعلي، أو للمتعلق اي للواجب الذي تعلق به الحكم، ففي الغالب اما ان يكون القيد قيدا مقارنا أو قيدا متقدما، و المقارن هو كالاستقبال بالنسبة للصلاة، فان استقبال القبلة، شرط و قيد مقارن للصلاة، اما القيد المتقدم فهو كالطهارة بالنسبة للصلاة، و في حالات قليلة يكون القيد متأخرا، و هذا القيد او الشرط المتأخر، تارة يكون قيدا للحكم، و أخرى يكون قيدا للمتعلق، و الحكم هنا اعم من الحكم التكليفي و الوضعي.

الشرط المتأخر للواجب:

ان قيد الواجب المتأخر مثاله هو غسل المستحاضة في ليلة الاحد لصحة الصوم في يوم السبت المتقدم على ليلة الاحد؛ لأن المستحاضة بالاستحاضة الكبيرة تغتسل بثلاثة اغسال، و الغسل الثالث هو ما يقع بالليل، و هذا الغسل قيل بانه شرط لصحة صوم اليوم السابق، فيكون شرطا متأخرا؛ لأن نهار السبت‏

46

متقدم على ليلة الاحد، و الصوم انما وقع في يوم السبت، و الغسل لا بد من أن يقع في ليلة الأحد. و هذا هو مثال الشرط المتأخر للمتعلق (للواجب).

الشرط المتأخر للحكم:

اما بالنسبة لشرط الحكم المتأخر، فنذكر لذلك مثال الاجازة بالنسبة لعقد الفضولي، فان عقد الفضولي، الذي يبيع شيئا من دون اذن صاحبه مثلا، فصحة هذا البيع موقوفة على اجازة المالك، فاذا اذن المالك يكون البيع صحيحا، و إلّا فلا يكون البيع صحيحا. و هذا الاذن من المالك أو الاجازة توجد فيها نظريتان في تفسير نفوذ المعاملة:

الاولى: ان الاجازة كاشفة، و ان المعاملة تعتبر نافذة من حين العقد؛ لأن اجازة المالك التي تقع متأخرة كاشفة عن نفوذ المعاملة من حين وقوعها.

الثانية: ان الاجازة ناقلة، و ان المعاملة لا تكون نافذة من حين وقوعها، و انما تنفذ من حين الاجازة.

و بتعبير آخر: لو فرضنا ان الفضولي باع كتابا في يوم الاحد، و لكن المالك لم يأذن إلّا في يوم الخميس. فهنا توجد نظريتان:

أ- ان اجازة المالك تكون كاشفة عن ثبوت الملكية، و نفوذ المعاملة و صحة البيع، منذ لحظة وقوع العقد يوم الاحد، و يعتبر المثمن ملكا للمشتري، و يكون الثمن ملكا للبائع، فالاجازة كاشفة عن نفوذ المعاملة حين العقد يوم الاحد.

ب- ان الاجازة ناقلة، فالمعاملة التي وقعت في يوم الاحد لا تكون نافذة، و انما تكون نافذة حين وقوع الاجازة يوم الخميس، فاذا وقعت الاجازة، ينتقل‏

47

الثمن الى البائع، و المثمن الى المشتري.

بناء على القول: بان الاجازة كاشفة، تكون الاجازة شرطا متأخرا بالنسبة الى نفوذ المعاملة، و ملكية الثمن للبائع و المثمن للمشتري. و هنا تكون الاجازة شرطا متأخرا للحكم بنفوذ المعاملة، و ما يترتب عليها من حكم وضعي، و هو الملكية (ملكية الثمن و ملكية المثمن) و الملكية حكم وضعي، و هو معلق هنا على شرط متأخر.

امكان الشرط المتأخر:

وقع بحث بين الاصوليين في امكان الشرط المتأخر و استحالته، سواء كان شرطا للواجب أو شرطا للحكم. فهل يمكن تقييد الواجب أو الحكم بشرط متأخر أو لا يمكن؟

قيل: ان ذلك غير ممكن؛ لأن العلاقة بين الشرط و المتعلق (الواجب)، و بين الشرط و الحكم، كالعلاقة بين العلة و المعلول، فان الشرط بمثابة العلة، و الحكم المعلق بمثابة المعلول، و من المعلوم ان العلة لا بد من أن تكون متقدمة على معلولها، و لا يمكن ان تكون العلة متأخرة عن معلولها. و لذلك لا يمكن ان يناط الواجب (المتعلّق) بقيد متأخر، كما لا يمكن ان يناط الحكم بشرط متأخر.

الشرط المتأخر للواجب ممكن:

الصحيح هو امكان الشرط المتأخر للواجب، حيث يمكن ان يكون الحكم و المتعلق (الواجب) معلقا على شرط متأخر، و لا تلزم من ذلك استحالة؛ و البرهان المتقدم غير تام.

48

اما بالنسبة للشرط المتأخر للمتعلق (للواجب) فان معنى أخذ قيد في الواجب (الصلاة مثلا) تحصيص الواجب الى حصتين، واحدة مقيدة (صلاة مقيدة بالطهارة)، و أخرى غير مقيدة، و ما يأمر به المولى و يتحقق به الامتثال هو الحصة المقيدة، و هي تساوي ذات الطبيعة زائدا التقيد (تقيد الصلاة بالطهارة).

و من المعلوم- كما تقدم- ان العلاقة بين الطهارة و الصلاة ليست علاقة علة و معلول، و انما العلاقة بين القيد (الطهارة) و التقيد بالطهارة هي علاقة عليّة، و اما نفس القيد (الطهارة) و المقيد (الصلاة) فلا علاقة عليّة بينهما.

و ما دام منشأ أخذ قيد في الواجب هو تحصيص الواجب، فإن التحصيص كما يمكن ان يتحقق بقيد متقدم، كالطهارة بالنسبة الى الصلاة، أو قيد مقارن، كالاستقبال بالنسبة الى الصلاة، يمكن ان يتحقق بقيد متأخر كالغسل بالنسبة لصوم المستحاضة، فيمكن ان يقال: ان المولى يريد من المستحاضة حصة الصوم المقيدة باغتسال يقع بعده، و لا مانع من ذلك.

و بتعبير آخر: لا مانع من ان يكون القيد المحصص متقدما كالطهارة، أو مقارنا كالاستقبال، أو متأخرا كغسل المستحاضة. إذا الشرط المتأخر للواجب لا استحالة فيه.

الشرط المتأخر للحكم ممكن:

ان قيود الحكم في مرتبة الجعل تكون متحققة بوجودها التقديري، كما تقدم، و لا معنى لأن يكون احدها معلقا لأنها متحققة تصورا، و هذا كاف في تحقق الجعل، اما في مرتبة المجعول فإن الحكم و ان توقف على وجود قيوده و شروطه خارجيا، و لكن هذا الحكم على أي حال مفهوم اعتباري قانوني لا تسري عليه‏

49

قوانين عالم التكوين الحقيقي و نواميس الوجود.

و بعبارة أخرى: أن الاحكام امور جعلية اعتبارية، سواء في رتبة الجعل أو المجعول، فما دام الحكم أمرا اعتباريا، إذا العلاقة بينه و بين قيوده ليست علاقة العلة و المعلول؛ لأن قانون العلية انما يجري في العالم الواقعي، و ليس في عالم الاعتبارات.

و بعبارة فلسفية: أن أحكام العلية هي من احكام الموجود من حيث هو موجود، و هذه الاحكام لا تتجاوز دائرة الموجود من حيث هو موجود الى دائرة الامور الاعتبارية و الجعلية.

إن قانون العلية من القوانين الحاكمة في عالم الوجود من حيث هو موجود، و ما دام الحكم بنفوذ معاملة الفضولي و الحكم بالملكية أمرا اعتباريا، فيمكن ان تناط الملكية بأمر متأخر و هو الاجازة، التي هي أمر اعتباري ايضا، حيث يتعلق امر اعتباري بآخر اعتباري. نعم لو كانت الملكية أمرا واقعيا فلا يمكن ان تناط بشرط متأخر، و هو الاجازة. و على هذا فلا مانع من الشرط المتأخر بالنسبة للحكم و الواجب.

و يتلخص مما سبق انه بالنسبة الى الشرط المتأخر في الحكم فإمكانه واضح، و ذلك لأن الحكم اما ان يراد به الجعل أو المجعول، اما قيود الجعل فيكفي فيها وجودها الذهني (اللحاظي) و لا يشترط وجودها الفعلي، لذا فمن الممكن تصور لحاظ قيد متأخر إذ لا محذور فيه، و أما قيود المجعول (الحكم الفعلي) فهي و إن كانت قيودا حقيقة إلّا ان نفس المجعول أمر اعتباري و مجرد افتراض لا وجود له حقيقة.

50

زمان الوجوب و الواجب‏

هذا البحث هو بحث الواجب المعلق، و هو من النظريات التي ابتكرها صاحب الفصول. و قبل بيان ذلك نشير الى مقدمة، و هي ان لكل من الوجوب و الواجب زمانا، و الزمانان متطابقان عادة، فمثلا صلاة الصبح، زمان وجوبها يبدأ من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، كما ان زمان الواجب (الصلاة) هو ايضا من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، حيث يتطابق فيها زمان الوجوب و زمان الواجب.

قد يقال: هل يمكن ان يكون زمان الوجوب متقدما بكامله على زمان الواجب؟

الجواب: لا يمكن ذلك؛ لأن المحرك نحو الواجب (المتعلق) هو الوجوب، فاذا لم يكن هناك وجوب، فلا يتحرك المكلف؛ لأنه لا محرك له، باعتبار المحركية انما تأتي من جهة الوجوب، و لا وجوب لصلاة الصبح بعد طلوع الشمس.

معنى الواجب المعلق:

و الحالة الثالثة و التي هي محل البحث، و هي ان جزءا من زمان الوجوب يكون متقدما على زمان الواجب، ثم بعد ذلك يتطابقان. إذ نفترض ان لزمان الوجوب من الوقت خمس ساعات، و أن لزمان الواجب ساعتين فقط، ففي الساعة الاولى و الثانية و الثالثة يكون الزمان للوجوب فقط، اما في الساعة الرابعة

51

و الخامسة فيكون الزمان متحدا للوجوب و للواجب معا.

و مثاله وجوب الوقوف يوم عرفة، بالنسبة لمن وجب عليه الحج، فانه يجب الحج عند الاستطاعة، فلو استطاع المكلف في شهر رجب، وجب عليه الوقوف بعرفات من حين الاستطاعة، فهنا زمان الوجوب (شهر رجب) متقدم، و زمان الواجب (يوم عرفة) متأخر، و لكنهما في يوم عرفة يتطابقان.

لقد قال صاحب الفصول و من تبعه: يمكن ان تتقدم بداية زمان الوجوب على زمان الواجب، ثم بعد ذلك يتطابق الزمانان، و هذا ما اصطلح عليه بالواجب المعلق، و هو كل واجب تتقدم بداية زمان وجوبه على زمان الواجب.

حل اشكال المقدمات المفوتة:

يمكن الاستناد الى نظرية الواجب المعلق في حل اشكال المقدمات المفوتة. فقد ذكرنا فيما سبق، ان المكلف يكون مسئولا عن تهيئة المقدمات من حين الوجوب، و ان كان زمان الواجب متأخرا؛ لأن مسئولية المكلف تجاه المقدمات تبدأ من ناحية الوجوب بعد تحقق الوجوب، فاذا لم يتحقق الوجوب فلا يكون المكلف مسئولا عن تهيئة مقدمات الواجب.

و بالنسبة للوقوف بعرفة دائما تكون مقدماته مفوتة؛ لأنه لو لم يسافر المكلف المستطيع الى مكة المكرمة، فسوف يفوت الواجب (وقوف عرفة) في ظرفه، و لكن يمكن حل هذا الاشكال في ضوء نظرية الواجب المعلق، فان زمان الوجوب يبدأ منذ الاستطاعة (من شهر رجب مثلا) و يمتد هذا الزمان الى غروب الشمس في اليوم التاسع من ذي الحجة، بينما زمان الواجب (الوقوف بعرفة) يبدأ

52

من ظهر اليوم التاسع (يوم عرفة) الى الغروب، فيتطابقان في المقطع الاخير.

و بعبارة أخرى: ان الوجوب استقر على المكلف من حين الاستطاعة (شهر رجب)، و لذلك يجب على المكلف ان يأتي بالمقدمات من حين الاستطاعة، و ان كان زمان الواجب (وقوف عرفة) متأخرا. و بذلك ينتفي اشكال المقدمات المفوتة.

الواجب المعلق غير ممكن:

تقدم أن شروط الواجب يكون المكلف مسئولا عن الاتيان بها، بينما شروط الوجوب لا يكون المكلف مسئولا عن الاتيان بها، و كذلك الشروط المشتركة بين الوجوب و الواجب معا. و على هذا لا بد من أن تكون شروط الواجب اختيارية للمكلف؛ لأن المكلف مسئول عنها، و من المستحيل التكليف بغير المقدور. و بما ان شرط الواجب هنا هو الزمان؛ لأن الوقوف بعرفة (الواجب) مقيد بالزمان، و الزمان أمر غير اختياري و غير مقدور للمكلف، لذلك لا بد من أن يكون الزمان، شرطا للواجب و للوجوب ايضا، و ليس شرطا للواجب فقط؛ لأن شروط الواجب لا بد من أن تكون بتمامها مقدورة للمكلف (اختيارية). اما إذا وجدنا شرطا للواجب غير اختياري فلا بد من أن يكون شرطا للواجب و للوجوب معا (شرطا مزدوجا) و لذلك يلزم أن يكون الزمان هنا شرطا للواجب و للوجوب ايضا.

و في هذه الحالة، ان كنا من القائلين باستحالة الشرط المتأخر للحكم، فنقول هنا: ان الوجوب (الوقوف بعرفة) ما دام مشروطا بزمان الواجب (ظهر اليوم‏

53

التاسع الى الغروب) فانه يكون مشروطا بأمر متأخر، و من المحال ان يكون الحكم مشروطا بشرط متأخر. إذا لا بد من أن يكون الوجوب حادثا بحدوث هذا الشرط المتأخر، و ليس متقدما عليه، أي لا بد من أن يحدث وجوب الوقوف في نفس يوم عرفة، و لا يتقدم الوجوب على الواجب؛ لأن الشرط المتأخر محال.

و بذلك يكون الواجب المعلق مستحيلا؛ لأنه لا يمكن ان يتقدم زمان الوجوب على زمان الواجب، بل لا بد من تطابق الزمانين، فرارا من محذور الشرط المتأخر.

و ان كنا من القائلين بامكان الشرط المتأخر، كما هو الصحيح، فالشرط المتأخر سواء كان شرطا للواجب أو للوجوب يكون ممكنا و ليس مستحيلا.

و بذلك يكون زمان الواجب شرطا متأخرا للوجوب، أي يكون اليوم التاسع من ذي الحجة شرطا متأخرا لوجوب الوقوف بعرفة، حيث ان هذا الوجوب يبدأ من حين الاستطاعة في رجب مثلا.

و بعبارة أخرى: أن وجوب الوقوف بعرفة له شرطان، و هما:

1- شرط مقارن، بمجرد ان يحدث هذا الشرط يحدث الوجوب، و هو الاستطاعة، فمتى ما تحققت الاستطاعة يكون وجوب الحج فعليا، و بالتالي يكون وجوب الوقوف بعرفة فعليا منذ تحقق الاستطاعة.

2- شرط متأخر، و هو مجي‏ء يوم عرفة على المكلف المستطيع و هو حي.

إذا وجوب الوقوف بعرفة له شرطان، شرط مقارن و هو الاستطاعة، حيث يحدث الوجوب بمجرد ان تحدث الاستطاعة، حتى لو حدثت في شهر رجب،

54

فيكون وجوب الوقوف بعرفة فعليا من حين حدوث الاستطاعة، كما ان لوجوب الوقوف بعرفة شرطا متأخرا، و هو مجي‏ء يوم عرفة على المكلف المستطيع و هو حي.

و بذلك تحل مسئولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة، فيكون المكلف مسئولا عن توفير سائر مقدمات السفر للحج؛ لأن وجوب الوقوف بعرفة يكون فعليا عليه من حين الاستطاعة.