مسائل من الاجتهاد والتقليد ومناصب الفقيه‏

- الشيخ حسين نوري الهمداني المزيد...
176 /
3

[الاجتهاد]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

[وجوب الاجتهاد و التقليد و الاحتياط فطرى و عقلى‏]

المسألة 1: يجب على كلّ مكلّف في عباداته و معاملاته أن يكون مجتهدا أو مقلّدا أو محتاطا.

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه و أشرف بريّته سيّدنا و نبيّنا أبي القاسم محمّد و أهل بيته الطيّبين الطّاهرين سيّما بقيّة اللّه في الأرضين، و اللعن على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدّين.

هذه أول مسألة من المسائل الفقهيّة المدوّنة في الرسائل العمليّة و هي متكفّلة لبيان وظائف المكلّفين بالنسبة إلى أحكام اللّه الواقعيّة المنجّزة عليهم بسبب علمهم بها إجمالا، و هي تتلخّص في أحد امور ثلاثة:

الاجتهاد و التقليد و الاحتياط

وجوب الامور المذكورة فطري و عقلي.

و أمّا كونه فطريّا فمن جهة ان مقتضى فطرة كلّ ذي حياة هو الفرار و التحرّز عن الضرر، و الإنسان أيضا من جهة كونه واجدا لأعلى درجة من الحياة يحترز من الضرر، و حيث انّ أحكام اللّه تعالى الواقعية قد تنجّزت عليه بسبب علمه بها- كما قلنا- فلذا يرى التعرّض لها و الخروج عن عهدتها لازما عليه دفعا للعقاب المحتمل، و هو لا يحصل إلّا بأحد الامور الثلاثة المتقدّمة.

و أمّا كونه عقليّا فمن أجل لزوم شكر المنعم عقلا، فإن الإنسان من‏

4

جهة كونه عاقلا و من جهة ايمانه بخالقه و صفات جلاله و جماله و انه تعالى بلطفه و منّه «قد بعث فيهم رسله و واتر إليهم أنبيائه ليستأدوهم ميثاق فطرته و يذكّروهم منسيّ نعمته، و يحتجّوا عليهم بالتبليغ، و يثيروا لهم دفائن العقول و يروهم الآيات المقدّرة من سقف فوقهم مرفوع، و مهاد تحتهم موضوع، و معايش تحييهم، و آجال تفنيهم، و أوصاب تهرمهم، و أحداث تتابع عليهم، و لم يخل سبحانه خلقه من نبيّ مرسل أو كتاب منزل أو حجّة لازمة أو محجّة قائمة». (1)

يحكم عقله حكما قاطعا بأنه يلزمه الشكر لنعمه المتوافرة، و هو لا يحصل إلّا بالعمل بأحكامه تعالى اجتهادا أو تقليدا أو احتياطا.

الاجتهاد هو الأصل الوحيد

و ليعلم انّ الاجتهاد و هو التصدّي لتحصيل العلم بالحجّة للاستناد إليها في مقام العمل هو الأصل الوحيد و الركن السديد من بين الامور الثلاثة المتقدّمة «الاجتهاد و التقليد و العمل بالاحتياط».

و أما التقليد: و هو العمل برأي من قامت عنده الحجّة على الحكم الشرعي، و يقتضيه ارتكاز العامي و فطرته الحاكمة برجوع الجاهل إلى العالم، و عليه أيضا جرى بناء العقلاء في حياتهم الاجتماعية، فهو انّما تصل إليه النّوبة بعد العجز عن الاجتهاد، و في ظرف عدم القدرة عليه، فهو في طول الاجتهاد بحسب المرتبة لا في عرضه.

____________

(1) نهج البلاغة: الخطبة الاولى.

5

و قد ظهر ممّا ذكرنا ان أصل لزوم التقليد عقلي، و لا يمكن أن يكون تعبّديا و تقليديّا لاستلزامه حينئذ الدّور أو التسلسل، لأنّ وجوب الرجوع إلى زيد «المجتهد مثلا» لو كان بتقليد عمرو «المجتهد» ننقل الكلام إلى قول عمرو، فبأيّ دليل صار حجّة، فإن كان بسبب قول بكر و هكذا يلزم التسلسل (و المراد من التسلسل في أمثال المقام هو عدم انتهائه إلى حدّ يقف فيه لا التسلسل الفلسفي) و إن رجع حجّية قول عمرو إلى قول زيد مثلا يلزم الدور، و سيأتي البحث في بعض الجوانب الأخر من التقليد.

و أمّا العمل بالاحتياط فهو: أوّلا: مما لا يمكن في جميع الموارد لاستلزامه اختلال النظام لكثرة المحتملات و كذا في أغلب الموارد لاستلزامه العسر و الحرج «و لذلك لم نر من يعمل به من بين المسلمين».

و ثانيا: انه لا يتمشّى فيما إذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة، و فيما إذا كان محتمل الوجوب عبادة و احتمل المكلّف عدم جواز الامتثال الإجمالي في العبادات عند التمكّن من امتثالها تفصيلا اجتهادا أو تقليدا، و كذا إذا احتمل دخالة قصد الوجه و التمييز و لو بالاجتهاد أو التقليد، فيلزم عليه حينئذ الاجتهاد و لو لم يمكن فالتقليد، فانقدح ان العمل بالاحتياط ليس في عرض الأوّلين بحسب المرتبة، بل في طولهما، فالاجتهاد هو الأصل الوحيد و الركن السديد كما ذكرنا.

الاجتهاد و أخصر ما قيل في تعريفه انه: تحصيل الحجّة على الحكم عن ملكة.

6

و يتوقّف الاجتهاد على امور:

1- معرفة اللغة العربية و قواعدها، فإن الكتاب المجيد و الأخبار الصادرة عن النبيّ الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة الطاهرين (عليهم السّلام) قد وردت باللغة العربية، فالاستفادة منهما و استيعاب مفاهيمهما بدون الاطّلاع على اللغة العربية غير ممكن.

2- معرفة الكتاب العزيز بالمراجعة إلى التفاسير خصوصا التفاسير المتكفّلة لتفسير الآيات بالأخبار الواردة عن المعصومين (عليهم السّلام) كتفسير البرهان و نور الثقلين و الصافي.

3- علم الاصول، و مسيس الحاجة إليه في الاجتهاد ممّا لا يخفى، فإن القواعد التي قد تكفّل هذا العلم لتشييدها و تنقيحها سواء أ كانت من المسائل المرتبطة بالألفاظ و هيآتها أم من القواعد العقلية المحضة، أم من القواعد المتعلقة بحجية الاصول و مجاريها و أحكام تعارضها و غيرها، أم من القواعد المبيّنة لكيفيّة الجمع بين المتعارضين من الأخبار العلاجية و غيرها ممّا لا يستغني عنه أيّ مجتهد.

فما ذهب إليه الأخباريّون من أصحابنا من إنكار شأن علم الاصول فممّا لا ريب في بطلانه، فهل يسوغ للأخباري أن يستغني عن مثل هذه المسائل مع ان أكثر مداركها مأخوذ من الكتاب العزيز و الأخبار الصادرة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام)، و هذا صاحب الحدائق و قد عدّ من رؤساء الأخباريين، هل كان يمكن له أن يستنبط الأحكام من الكتاب العزيز و أخبار الأئمّة الأطهار مع قطع النظر عن هذه القواعد؟ و إن شئت فارجع إلى الحدائق تجد صحّة ما ذكرنا.

7

4- التتبّع التامّ في الأخبار الصادرة عن أهل البيت (عليهم السّلام) و الانس و الإحاطة بها، إذ بها دارت رحى الاستنباط عند فقهاء الإماميّة في عامّة الأدوار و الأعصار و بالممارسة فيها تحصل القوّة القدسيّة التي بها يكون الفقيه فقيها.

قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا» (1) و قال (عليه السّلام) أيضا: «ممّن روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا (2)

5- علم الرجال و الدراية، و ذلك لأنّ غالب الأحكام الشرعية يستفاد من الأخبار المأثورة عن أهل البيت (عليهم السّلام) و ليس كل خبر حجّة، لأنهم (عليهم السّلام) قد قالوا إنّا لا نخلو عن كذّاب يكذب علينا، فلا بدّ من تمييز الغثّ عن السمين، و لا يحصل ذلك إلّا بالبحث و التنقيب عن أحوال الرواة الواقعين في سلسلة السند واحدا بعد واحد.

6- الاطلاع على فتاوى الأصحاب خصوصا قدمائهم الذين كان دأبهم الفتوى على أساس متون الروايات، و كذا الاطلاع على فتاوى العامّة الدارجة في أعصار الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) و ذلك لأنه يظهر من كثير من الأخبار ان الأئمة الأطهار (عليهم السّلام) كانوا ناظرين إلى ما في أيدي العامة و فقهائهم من الروايات و الفتاوى في تلك العصور المظلمة، و عليه فتمييز ما هو الصادر منهم (عليهم السّلام) تقية أو ردّا على ما هو الدارج في أيديهم يحتاج إلى الاطّلاع على فتاويهم و رواياتهم في تلك الأزمنة.

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 27 ج 18

(2) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 1 ج 18

8

معنى التقليد

و اللّازم في المقام هو البحث عن أمرين:

1- ما هو التقليد؟

2- ما هو الباعث للعامي على التقليد؟

أما الأول: فنقول:

التقليد لغة: من القلادة، و هي الّتي تجعل في العنق، في عنق نفسه أو في عنق غيره، و مناسبة معناه لبحث الاجتهاد و التقليد واضحة، لأنّها إمّا باعتبار ان العامي يجعل دينه و تبعات أعماله المرتبطة بدينه في عنق مفتيه، فمعنى تقليده للفقيه جعل دينه الّذي نزّل منزلة القلادة في عنق الفقيه، و إمّا باعتبار انه يجعل فتاوى الفقيه التي قد شبّهت بالقلادة في عنق نفسه، بمعنى انه يلتزم بها و لا يتحرّك و لا يسكن إلّا معها و باستنادها، فإطلاق لفظ التقليد في المقام مشتمل على تشبيه و تنزيل من باب تشبيه المعقول بالمحسوس.

و يشهد على صحّة الإطلاق بالاعتبار الأوّل ما رواه أبو بصير قال:

دخلت أمّ خالد العبديّة على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و أنا عنده فقالت: جعلت فداك يعتريني قراقر في بطني و قد وصف لي اجناد العراق النّبيذ بالسويق؟

فقال (عليه السّلام): ما يمنعك من شربه؟ فقالت: قد قلّدتك ديني، فقال (عليه السّلام): فلا تذوقي منه قطرة لا و اللّه لا آذن لك في قطرة منه، فإنّما تندمين إذا بلغت نفسك هاهنا، و أومأ بيده إلى حنجرته- يقولها ثلاثا- أ فهمت؟ فقالت:

نعم، ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): ما يبلّ الميل ينجس حبّا من ماء يقولها

9

ثلاثا. (1)

و شهادة العرف على صحّة الإطلاق بالاعتبار الثاني أيضا واضحة.

فالمكلّف العامي في مقام الامتثال لأحكام اللّه الواقعيّة التي قد صارت منجّزة عليه بسبب علمه بها اجمالا لا بدّ من أن يستند إلى الحجّة، و ليست هي- بعد عدم العمل بالاحتياط- إلّا قول المفتي- على ما سيجي‏ء- و حينئذ لا طريق له في الخروج عن عهدتها إلّا التقليد بالمعنى الّذي ذكرناه.

هذا بحسب معناه اللّغوي و أمّا المراد منه في عرف الفقهاء و الاصوليّين و كلماتهم، فقد اختلفوا فيه على أقوال شتّى، و فرّعوا على الخلاف فيه بعض المسائل الفقهيّة- كما سنذكره- و الأقوال كما يلي:

الأول: انّه الالتزام بقول الغير كما في تعريف السيّد الفقيه الطباطبائي في العروة.

الثاني: انّه قبول قول الغير من غير دليل كما عن الفخر.

الثالث: انّه الأخذ بقول الغير.

الرابع: انّه تعلّم الأحكام عن الغير.

الخامس: انّه نفس العمل بقول الغير كما عن النهاية و المعالم و شرح المختصر. (2)

و من جملة المسائل الّتي فرّعوها على الخلاف في المراد من التقليد بعض المسائل المرتبطة بالعدول عن مجتهد إلى آخر و مسألة البقاء على تقليد الميّت.

فمن الثاني: ما في رسالة الاجتهاد و التقليد لشيخنا الأعظم الأنصاري‏

____________

(1) الوسائل ج 17 ص 275 الحديث 2 من الباب 20 من أبواب الأشربة المحرّمة.

(2) و سيظهر لك ممّا نذكره انّ القول الخامس هو الأوجه.

10

فإنه ربّما يتوهّم منه انه لو قلنا بأن التقليد هو الالتزام لجاز البقاء على تقليد الميّت فيما إذا مات المجتهد بعد الالتزام بالعمل على فتواه و إن لم يعمل بها و إن قلنا بأنه العمل لم يجز البقاء ما لم يعمل به. (1)

كما انه من الأوّل ما في كلمات بعضهم في مسألة العدول عن الحيّ إلى الحيّ المساوي فإنه لا يجوز العدول إلى الثاني بعد الالتزام و إن لم يعمل لو قلنا بأن التقليد هو الالتزام و هذا بخلاف ما لو قلنا انه هو العمل بقول الغير فإنه يجوز العدول إلى الحيّ حينئذ و إن حصل التعلّم و الالتزام لعدم تحقّق التقليد على الفرض ما لم يعمل.

و فساد هذا التوهّم و أمثاله ممّا لا يخفى لأنّ حرمة العدول في الفرض و جواز البقاء على تقليد الميّت و عدمه لا تدور مدار انّ التقليد هو الالتزام أو التعلّم لا العمل بل المتّبع في ذلك هو ما تقتضيه القواعد، و اطلاقات أدلّة حجّية الفتوى من الآيات و الأخبار و السيرة و سيأتي ذكرها، إذ ليس عنوان البقاء على تقليد الميّت و كذا عنوان العدول عن التقليد بمالهما من المعنى واردين في لسان الدليل كي يلحظ تحقّق مفهوم البقاء على التقليد أو العدول عن التقليد في مورد و عدم تحقّقهما فيه.

و القائلون بكون التقليد عبارة عن الالتزام انّما قالوا به فرارا عن محذور سبق الشي‏ء على نفسه كما في الكفاية للمحقّق الخراساني فإنه بعد تعريفه بأنه أخذ قول الغير و رأيه للعمل به في الفرعيات قال: و لا يخفى انّه لا وجه لتفسيره بنفس العمل ضرورة سبقه عليه، و إلّا كان بلا تقليد، انتهى.

و مراده (رحمه اللّه) ان العمل مسبوق بالتقليد و متوقّف عليه، و حينئذ

____________

(1) رسالة الاجتهاد و التقليد للشيخ الأعظم الأنصاري ص 46

11

فلو كان العمل محقّقا للتقليد كان التقليد مسبوقا بالعمل فيلزم سبق الشي‏ء على نفسه.

و فيه ما لا يخفى من عدم صحّة المقدّمة الثانية، فإن التقليد حينئذ نفس العمل الكذائي لا انه مسبوق به و متوقّف عليه، و توضيحه: انّ العمل يكون على نحوين:

1- العمل المستقلّ.

2- العمل التابع للغير.

و الثاني هو التقليد، فالتقليد هو نفس العمل الكذائي- أي العمل الصادر عن الشخص تبعا للغير- لا انه متوقّف عليه و متأخّر عنه.

و التحقيق- كما ظهر ممّا ذكرنا آنفا-: انّه لا فائدة في البحث عن مفهوم التقليد لأنّه لا يثمر شيئا، إذ ليس في الأدلّة الدائرة في المقام شي‏ء مترتّب على لفظ «التقليد» حتّى يلزم علينا البحث عن معناه، فالمهمّ بيان ما هو وظيفة الجاهل في مقام الخروج عن عهدة التكاليف الشرعيّة.

و لا ريب ان وظيفته هي العمل على طبق فتوى المجتهد، كما انّ وظيفة المجتهد هي العمل على طبق ما استنبطه، كما ان المهم في بحث جواز البقاء على تقليد الميّت و عدمه- كما سيجي‏ء إن شاء اللّه تعالى- هو البحث عن انّ الأدلّة التي اقيمت على لزوم رجوع الجاهل إلى العالم تأسيسا أو امضاء هل تشمل الميّت أيضا ابتداء أو بقاء أم لا؟ و على تقدير الشمول هل المانع عنه موجود أم لا؟

و المهم في بحث جواز العدول عن المجتهد إلى المساوي هو البحث في ان التخيير المستفاد من الأدلّة هل له اطلاق يشمل جميع الأحوال حتى بعد

12

العمل على رأي المجتهد الأوّل أو هو بدويّ لا يشمل شيئا من ذلك.

و عليه ففي كلّ مورد من الموارد المذكورة و أمثالها لا بدّ أن يلاحظ الدليل الخاص في ذلك المورد و يعمل على مقتضاه، و لا يرتبط البحث و الثمرة بمفهوم لفظ التقليد حتّى يبحث فيه.

هذه خلاصة الكلام في المقام الأوّل.

ما يدعو العامي إلى التقليد

و أمّا المقام الثاني فهو: توضيح ما هو الباعث للعامي على التقليد، و هو يستدعى التنبيه على أمرين:

الأمر الأول: انّ العامي بعد ايمانه باللّه تعالى و انّه تعالى لم يتركه سدى و مهملا و أرسل لهدايته الرسل و أنزل الكتب و شرّع الشريعة يذعن بأن عدم التعرّض لامتثال أوامره و نواهيه المندرجة في الكتاب و السنّة خروج عن زيّ الرقّية و رسم العبودية و كفران لنعمه تعالى و موجب لاستحقاق الذم و العقاب من قبل المولى.

الأمر الثاني: انّ كيفيّة امتثال التكاليف لا تتحقّق إلّا بأحد أمرين:

إمّا بتحصيل العلم بها باستخراجها من مظانّها من الكتاب و السنّة و تحصيل الحجّة عليها منهما، و هو المسمّى ب «الاجتهاد».

و إمّا بإتيان جميع المحتملات الموجب للقطع بامتثالها، و هو المسمّى ب «العمل بالاحتياط»، و مع عدم التمكّن من تحصيل الحجّة على التكاليف لكونه عاميّا و عدم التمكّن من الاحتياط لمكان العسر و الحرج أو عدم معرفة

13

طريق الاحتياط يذعن العقل بنصب طريق آخر، و هو التقليد و الاستناد إلى من له الحجّة على الأحكام.

و هذا الذي نعبّر عنه ب «التقليد» و رجوع الجاهل إلى العالم ليس إلّا حكم العقل، و عليه جرى أيضا بناء العقلاء في حياتهم.

قال المحقّق الخراساني في الكفاية: ان جواز التقليد و رجوع الجاهل إلى العالم في الجملة (1) يكون بديهيّا جبليّا فطريّا، و إلّا لزم سدّ باب العلم به‏ (2) على العامي مطلقا (3) غالبا لعجزه عن معرفة ما دل عليه كتابا و سنّة، و لا يجوز التقليد فيه أيضا، و إلّا لدار (4) أو تسلسل.

و ناقش فيه المحقّق الاصفهاني في حاشيته على الكفاية في المقام بمنع كون جواز التقليد بديهيّا جبليا فطريّا و ذلك لوجهين:

الأوّل: ان المقصود بالفطري إمّا أن يكون القضية الفطرية المعدودة في كتاب البرهان من القضايا الستّ البديهية، و إما أن يكون الفطري بمعنى الجبلّة و الطبع، و على كل من المعنيين لا يكون جواز التقليد فطريّا.

أمّا على الأول: فلأن القضية الفطريّة هي التي تكون قياساتها معها،

____________

(1) و المراد بقوله في الجملة: اثبات فطرية جواز رجوع الجاهل إلى العالم في ظرف اجتماع الشرائط في المجتهد فلا يكون الرجوع إلى الفاسق أو المتجزّي أو الصبي فطريا بديهيا.

(2) أي بجواز التقليد.

(3) أي سواء أ كان العامي اميا لا حظّ له من العلم أصلا أم كان له نصيب من العلم لكن لم تكن له ملكة الاستنباط.

(4) إذ لو كان جواز التقليد بتقليد آخر فإن كان ذلك التقليد الآخر بهذا التقليد لزم الدور، و إن كان بتقليد آخر أيضا و هلم جرا لزم التسلسل.

14

كقولهم: الأربعة زوج، فإنها قضية فطرية لاستغنائها كسائر البديهيات عن الاستدلال، بل العقل يذعن بزوجيّة الأربعة بمجرد التفاته إلى انقسامها بمتساويين، و من المعلوم ان الفطري بهذا المعنى هو كون العلم نورا و كمالا للعاقلة، لا لزوم التقليد عند الشارع أو عند العقلاء.

و أمّا على الثاني: فلأن الفطري الجبلّي لكل انسان هو شوق النفس إلى رفع نقص الجهل و كمال ذاتها أو قواها لا لزوم التقليد شرعا أو عند العقلاء.

الثاني: أن الجمع بين البداهة و الفطرة و الجبلّة لإثبات جواز التقليد لا يخلو عن شي‏ء، إذ الظاهر من كون الشي‏ء بديهيّا انه من البديهيات مثل:

«النقيضان لا يجتمعان».

و من المعلوم ان جواز التقليد ليس كذلك لابتنائه على مقدمات كما ذكرنا (1)

و لكن يمكن أن يقال: ان مراد المصنف من الفطري ليس معناه المصطلح عند أهل الميزان، بل المراد انه من الفطرية الارتكازيّة، و مقصوده من قوله بديهيّا انه واضح بحيث لا يحتاج إلى اقامة برهان، و ذلك من جهة رسوخ مسألة لزوم رجوع الجاهل إلى العالم في النفوس بحيث لا يحتاج إلى امعان النظر، و لعلّه لأجل هذا الحكم الفطري الارتكازي أهمل المحقّق الخراساني هنا الاستدلال ببناء العقلاء على جواز التقليد مع انه جعله من جملة الأدلة على جواز تقليد المتجزّي.

و بالجملة: فالمستفاد من كلمات الاصوليّين و الفقهاء اقامة الدليلين‏

____________

(1) نهاية الدراية ج 6 ص 399

15

على جواز التقليد:

أحدهما: حكم العقل المستقل، و هو الذي عبّر عنه صاحب القوانين ب «بديهة العقل».

ثانيها: بناء العقلاء، إذ الرجوع إلى العارف و الخبير من الارتكازيّات المغروسة في نفوسهم، و عليه جروا في حياتهم الاجتماعية.

و لو قطع النظر عن الوجه الأول أمكن الاعتماد على السيرة العقلائية بضميمة تقرير الشارع لها، فإنه بما هو عاقل بل رئيس العقلاء متحد المسلك معهم في كيفية ايصال أحكامه إلى المكلّفين و عدم ابداع طريقة اخرى لذلك.

فرجوع العوام من المسلمين إلى المجتهدين المستنبطين لأحكام اللّه تعالى من منابعها الناظرين في حلال الأئمّة (عليهم السّلام) و حرامهم و العارفين لأحكامهم ممّا جرت عليه سيرة المسلمين من الصدر الأوّل و هي من جهة كونها بمرأى و مسمع من الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) مع عدم ردعهم (عليهم السّلام) عنها كانت مرضيّة عندهم و مجازة لديهم.

شبهة الأخباريّين‏

و انّ الاجتهاد بدعة و التقليد حرام‏ لكنه قد وقع ريب و شبهة من أصحابنا الأخباريّين في باب الاجتهاد و التقليد و هي ان بناء العقلاء على أمر انما يصير حجّة إذا أمضاه الشارع الأقدس، و امضاء الشارع و عدم ردعه عن شي‏ء لا يستكشف إلّا في عمل يكون بمرأى و منظر من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة (عليهم السّلام) كبنائهم على اصالة الصحّة

16

و العمل بقول الثقة و أمثالهما ممّا كان رائجا في عصر المعصومين (عليهم السّلام).

و أما إذا كان بنائهم على عمل مستحدث لم يتّصل بزمانهم (عليهم السّلام) فلا يمكن استكشاف امضاء الشارع لمثله، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّه و إن ورد لفظ «التفقّه في الدين» في الكتاب العزيز، و ألفاظ «الفقه» و «الفقيه» و «الفقهاء» و «الأفقه» و أمثالها في الروايات الصادرة عن الأئمّة (عليهم السّلام)، و لكنه وردت أيضا ألفاظ «رواية الحديث» و «راوي الحديث» و «رواة الحديث و الأحاديث» في موارد كثيرة منهم (عليهم السّلام)، و عليه فلم لا يكون المراد من لفظ «الفقه» و «الفقهاء» رواية الحديث و رواة الحديث؟

و قالوا: انّ الفقه لم يكن في عصر الأئمّة (عليهم السّلام) إلّا من العلوم الساذجة البسيطة، و كان عبارة عن نقل روايات من الأئمّة (عليهم السّلام) مع الإسناد أو مع حذف الأسناد كالمقنع و الهداية لرئيس المحدّثين الصدوق (رضوان اللّه عليه) و رسالة أبيه عليّ بن بابويه (رحمة اللّه عليه).

و بالجملة: لم يكن إلّا روايات سمعوا من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو من الأئمّة (عليهم السّلام) في الجواب عن أسئلتهم المختلفة التي كانت ترد على حسب الوقائع المختلفة أو روايات صدرت منهم (عليهم السّلام) ابتداء من غير سبق سؤال على حسب القضايا و الموارد المتفاوتة، و لم يكن التفقّه في تلك الأعصار إلّا تعلّم تلك الأحاديث و حفظها و نشرها، كما انّه لم يكن الرجوع إلى الفقيه في تلك العصور إلّا لاستماع ما سمعوا من النبيّ الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) من الروايات.

و لكنّ «الفقه» قد تطوّر و اتّسع و أصبح في أمثال عصرنا من العلوم النظريّة الوسيعة كالعلوم الفلسفية و الرياضية، و أصبح التفقّه معرفة الروايات‏

17

الصادرة عن أهل البيت (عليهم السّلام) مع معرفة القواعد الكثيرة، و معرفة مجاري الاصول في الشبهات الحكميّة و الموضوعية و اعمال الظنون و الأنظار في استنباط الأحكام، و صار الرجوع إلى الفقيه رجوعا إلى من عرف هذه الامور و استخرج الأحكام بالظنّ الاجتهادي أو بالرجوع إلى الاصول العمليّة.

و عليه فما جرى عليه الأمر من زمن الشيخ المفيد بل قبله من زمن القديمين الحسن بن أبي عقيل العمّاني و أحمد بن الجنيد الاسكافي إلى زماننا من الفقه و التفقّه و الرجوع إلى الفقيه هو أمر مستحدث لا يمتدّ إلى زمان المعصومين (عليهم السّلام).

و مجرّد ارتكاز رجوع الجاهل في كلّ صنعة أو حرفة إلى أصحاب الصنائع و الحرف و البناء عليه إذا لم يكن متصلا بزمن المعصومين (عليهم السّلام) حتى يستكشف منه الإمضاء منهم (عليهم السّلام) لا يجدي شيئا، فانقدح انّ ما هو المتداول في أمثال زماننا لا يتّصل إلى زمن الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) و ما كان هو المتداول في زمانهم (عليهم السّلام) ليس معمولا في عصرنا.

قالوا: فشأن الفقهاء و العلماء لا بدّ أن يكون مقصورا بنقل الرواية عن المعصوم (عليه السّلام) كما لم يكن شأن أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) أيضا إلّا ذلك، فالاجتهاد و الإفتاء مثل استعمال القياس حرام و رجوع العوام إليهم في ذلك و تقليدهم لهم من الامور المستحدثة فهو أيضا بدعة و حرام.

و الفرق بين الرواية و الفتوى ممّا لا يخفى فالأوّل ليس إلّا حكاية ما سمعه من المعصوم (عليه السّلام) بلا واسطة أو بواسطة بلفظه أو بلفظ آخر، و ليس فيه اعمال النظر من نفسه بالنسبة إلى حكم اللّه تعالى.

18

و أمّا الثاني: فهي عبارة عن الإخبار بأحكام اللّه تعالى بحسب اعتقاد المفتي و نظره.

فالمفتي على أساس الظنون الاجتهاديّة في الأحاديث الواصلة عنهم (عليهم السّلام) و حمل بعضها على بعض و ترجيح بعضها على بعض بحسب نظره يتّخذ رأيا و يظهر رأيه و نظره بسبب الفتوى، ثم إن لم يكن في البين بخصوصه حديث عنهم (عليهم السّلام) يرجع إلى الاصول و لكنّ تعيين مجاري الاصول و تقدم بعضها على بعض على أساس فنّ الاصول و ضوابطها ينتهي إلى نظره و اجتهاده أيضا.

قال الشيخ الأعظم الأنصاري: ان ما سوى نقل الحديث باللفظ أو بالمعنى فلا يجوّزه الأخباريّون و يلحقونه بالقول بالقياس و الاستحسان و يعتقدون انّ أرباب الفتاوى خرجوا بذلك عمّا هو المأخوذ عن الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) و زعموا انهم في ذلك تبعوا العامّة في العمل بالرأي و الاجتهاد المنهى و الاستحسان‏ (1)

و بالجملة: انّ الأخباريين ينادون بأعلى أصواتهم: ان الاجتهاد و استنباط الأحكام استنادا إلى فنّ اصول الفقه و سائر القواعد التي قد صارت معمولة و رائجة من زمن القديمين قرنا بعد قرن و جيلا بعد جيل في أعصار مثل الشيخ المفيد و السيّد المرتضى و الشيخ الطوسي و المحقّق الحلّي و العلّامة و فخر المحقّقين و الشهيدين و المحقّق الثاني و شيخنا البهائي و استاذ الكل في الكل المحقّق الخوانساري و الاستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني و الشيخ الكبير الشيخ جعفر الخضري و المحقّق النراقي و الفقيه الأكبر صاحب الجواهر و الشيخ‏

____________

(1) مطارح الأنظار ص 256

19

الأعظم الأنصاري و المحقّق النائيني و الآية العلّامة السيد حسين الطباطبائي البروجردي و صاحب الثورة الإسلامية الإمام الخميني (قدس اللّه أسرارهم) كلها أمر منكر شرعا و بدعة و حرام، و وجّهوا إلى الفقهاء و المجتهدين أنواع اللوم و الذمّ و عيّروا أساطين الفقه و حفاظ شريعة سيد المرسلين لذلك.

و قد ذكر في روضات الجنّات في ترجمة محمد أمين الاسترآبادي المتوفّى 1033 تسعة و عشرين فرقا بين جماعة المجتهدين و الأخباريّين و نحن نذكر بعضا منها:

منها: ان المجتهدين يوجبون الاجتهاد عينا أو تخييرا و الأخباريون يحرّمونه و يوجبون الأخذ بالرواية عن المعصوم (عليه السّلام).

منها: انهم يقولون ان الأدلّة عندنا أربعة: الكتاب و السنّة و الإجماع و دليل العقل، و الأخباريّون لا يقولون إلّا بالأوّلين بل بعضهم يقتصر على الثاني.

منها: انّ أغلبهم لا يجوّزون تقليد الميّت، و لكن الأخباريّين يجوّزونه.

منها: انهم يعملون بأصالة الإباحة أو البراءة فيما لا نص فيه، و الأخباريّون يأخذون بطريقة الاحتياط.

منها: انهم يقولون بوجوب اطاعة المجتهد مثل الإمام، و الأخباريّون لا يوجبونها.

منها: انهم يحصرون الرعيّة في صنفين: مجتهد و مقلّد، و الأخباريّون يقولون: الرعيّة كلّها مقلّدة للمعصوم. (1)

____________

(1) روضات الجنّات ج 1 ص 120- 126

20

و قد ورد في كلمات الأخباريّين التّشنيع الشديد و الافتراء الواضح على الجمّ الغفير من علمائنا امناء الدين و ورثة الأنبياء و المرسلين، و من أراد الاطّلاع على شطر من ذلك فليراجع الجواهر فإنّه (قدّس سره) قد أظهر تألّمه و تأسّفه البالغين من هذه المأساة المشجية في بحث صلاة الجمعة حيث انه بعد تزييفه لما في الرسالة التي ألّفها الشهيد الثاني لوجوب صلاة الجمعة تعيينا قال:

و لقد وقفت على جملة من الرسائل المصنفة في المسألة (1) نسجوا فيها على منوال هذه الرسالة، و قد أكثروا فيها من السبّ و الشتم خصوصا رسالة الكاشاني التي سمّاها بالشهاب الثاقب و رجوم الشياطين و لو لا انه آية في كتاب اللّه‏ (2) لقابلناه بمثله و لكن لا يبعد أن تكون هذه الرسالة و ما شابهها من كتب الضلال يجب اتلافها إلّا أن يرجح بقائها انّها أشنع شي‏ء على مصنّفها لما فيها من مخالفة الواقع في النقل و غيره، بل فيها ما يدلّ على انّهم ليسوا من أهل العلم كي يعتدّ بكلامهم و يعتنى بشأنهم ... (3)

و في روضات الجنّات: ان بعضا من الأخباريّين قد ألّف كتابا لتقوية طريقة الأخباريّين و تضعيف طريقة المجتهدين و خاطب في أوّل الكتاب ابنه و قال: يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ‏ (4)!!!

____________

(1) مراده من الرسائل المصنّفة في المسألة هي الرسائل الّتي صنّفت من قبل الأخباريّين لإثبات وجوب صلاة الجمعة تعيينا.

(2) الآية 127 من سورة النحل.

(3) الجواهر ج 11 ص 177

(4) روضات الجنّات ج 1 ص 126

21

الجواب عن شبهة الأخباريين‏

و الّذي يظهر من المراجعة إلى أخبار أهل البيت (عليهم السّلام) و آثارهم انّ الاجتهاد بالمعنى المتعارف في أعصارنا قد كان متعارفا في أعصار الأئمّة (عليهم السّلام) أيضا و انّهم (عليهم السّلام) مضافا إلى عدم ردعهم عن الاجتهادات التي كانت تقع على أساس كتاب اللّه تعالى و أخبارهم (عليهم السّلام) بمرأى و مسمع منهم (عليهم السّلام) كانوا يعلّمونهم طريق الاجتهاد و يرشدون إليه و يأمرون أصحابهم به و قد نشأ في تلك الأعصار ببركة تربيتهم و تعليمهم و ارشادهم (عليهم السّلام) مجتهدون من الرواة و المحدّثين.

و الروايات التي يستفاد منها هذا الأمر و فيها الصحاح و الموثقات كثيرة.

فطائفة منها: تدل على أمرهم (عليهم السّلام) بالتفريع على الاصول المسموعة منهم (عليهم السّلام) و على أمرهم بالإفتاء.

و اخرى منها: تدلّ على ان الإفتاء كان شائعا في زمانهم (عليهم السّلام) بمنظر و مسمع منهم و كان ممضى من جانبهم (عليهم السّلام).

و طائفة ثالثة: تدل على تعليمهم (عليهم السّلام) لأصحابهم كيفيّة الاستنباط من الألفاظ و لزوم حمل المجمل على المبيّن و الظّاهر على الأظهر و الأظهر على النص.

و طائفة رابعة: وردت في ارجاع الشيعة إلى فقهائهم في القضاء و الإفتاء، و في لزوم أخذ معالم الدين من أصحابهم (عليهم السّلام).

و خامسة منها: تدل على تعليمهم كيفية الجمع بين المتعارضين من‏

22

الأخبار، و قلّما يتّفق باب من أبواب الفقه يكون خاليا من تعارض الأخبار.

و سادسة منها: تدل على النهي عن الإفتاء بغير علم.

و أمّا الطائفة الأولى: و هي ما تدلّ على أمرهم (عليهم السّلام) بالتفريع على الاصول المسموعة منهم و على أمرهم بالإفتاء فمنها ما يلي:

محمد بن ادريس في آخر السرائر نقلا عن كتاب هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «انّما علينا أن نلقي اليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا». (1)

و عن كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السّلام) قال: «علينا القاء الأصول و عليكم التفريع». (2)

و لا ريب ان عمدة الاجتهاد هي تفريع الفروع على الاصول و ردّ الفروع إلى الاصول، و قد قال في الفصول في تعريف الاجتهاد بأنّه: «ردّ الفروع إلى الأصول».

مثلا قوله (عليه السّلام): «لا تنقض اليقين بالشك» أصل، و القاعدة التي يستنبط المجتهدون منه هي التفريع فيقول الشيخ الأعظم الأنصاري «ره»: «قد اريد من اليقين في هذا الحديث «المتيقّن» و هو باعتبار اسناد النقض إليه لا بد أن يكون شيئا قابلا للاستمرار في حدّ ذاته، فالحديث حينئذ لا يشمل الشك في المقتضى و لكن يشمل الشك في وجود الرفع أو رافعيّة الموجود، و كذا الشك في وجود المانع أو مانعية الموجود، فالاستصحاب في الشك في المقتضى ليس بحجة».

و لكن المحقق الخراساني «ره» يقول: «ان اليقين في الحديث قد استعمل‏

____________

(1 و 2) الحديث 51 و 52 من الباب 6 من أبواب صفات القاضي ص 40- 41 ج 18 الوسائل‏

23

في معناه عرفا و اسند إليه النقض كما يسند إلى العهد و الغزل، فحينئذ يشمل الحديث كل ما تعلق به اليقين و الشك سواء أ كان الشك في المقتضى أم الشك في الرافع فالاستصحاب في كليهما حجّة».

و الفرق بين تفريع الفروع على الأصول الذي هو الاجتهاد و بين استخراج الحكم من الأشباه و النظائر ممّا لا يخفى.

فالأوّل هو: استخراج المصاديق و المتفرّعات من الكبريات الكليّة.

و أما الثاني: فهو ممّا يبتنى عليه فقه العامة و إليه يرجع القياس و الاستحسان و فقهاؤنا بريئون منه.

و قد قال الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) في أول كتاب المبسوط: «أما بعد فإني لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقّهة و المنسوبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الإماميّة و يستنزرونه و ينسبونهم إلى قلّة الفروع و قلّة المسائل و يقولون انهم أهل حشو و مناقضة، و انّ من ينفي القياس و الاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل و لا التفريع على الأصول، لأنّ جلّ ذلك و جمهوره مأخوذ من هذين الطريقين. و هذا جهل منهم بمذاهبنا و قلّة تأمّل لاصولنا، و لو نظروا في أخبارنا و فقهنا لعلموا انّ جلّ ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا و منصوص عليه تلويحا عن أئمّتنا (عليهم السّلام) الذين قولهم في الحجة يجري مجرى قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إمّا خصوصا أو عموما أو تصريحا أو تلويحا. (1)

و عليه فكما ان قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) و أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (3)

____________

(1) المبسوط ج 1 ص 2.

(2) سورة المائدة، الآية 1.

(3) سورة البقرة، الآية 275

24

و حَرَّمَ الرِّبا (1) اصول يتفرّع عليها فروع كثيرة.

و قول النبيّ الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «انما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان» (2) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «البيّنة على من ادّعى و اليمين على من ادّعى عليه» (3) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و الصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا» (4)

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «المسلمون اخوة تتكافأ دماؤهم و يسعى بذمّتهم أدناهم، هم يد على من سواهم» (5) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه» (6) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم: «لا ضرر و لا ضرار» (7) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم: «المغرور يرجع إلى من غرّه» (8) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم: «الإسلام يجبّ ما قبله» (9) اصول يستخرج منها فروع كثيرة في أبواب السياسات و المعاملات و غيرها.

فكذلك أقوال الأئمّة الهداة (عليهم السّلام) من قبيل قول أبي جعفر (عليه السّلام): «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع و السجود.» (10) و قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء شكّ فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض‏

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 275.

(2) الحديث 1 من الباب 2 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدواعي ج 18 الوسائل ص 169.

(3) الحديث 1 من الباب 3 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدواعي ج 18 الوسائل ص 170.

(4) الحديث 5 من الباب 3 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدواعي ج 18 الوسائل ص 171.

(5) الحديث 1 من الباب 31 من أبواب القصاص في النفس ج 20 من الوسائل ص 55.

(6) المستدرك كتاب الغصب الباب 1 من أبواب الغصب.

(7) القواعد الفقهية للعلّامة البجنوردي ج 1 ص 176.

(8) المصدر السابق: ص 226.

(9) القواعد الفقهية للعلّامة البجنوردي ج 1 ص 371

(10) الحديث 1 من الباب 9 من أبواب القبلة ج 3 الوسائل ص 227.

25

عليه.» (1)

و قول الصادق (عليه السّلام) في الميتة: «لا تصلّ في شي‏ء منه و لا في شسع.» (2) و قوله (عليه السّلام): «لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة ان الصوف ليس فيه روح.» (3)

و قوله (عليه السّلام): «كل شي‏ء يضرّ بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه.» (4)

و قوله (عليه السّلام): «أيّما رجل فزع رجلا من الجدار أو نفر به عن دابّة فخرّ فمات ضامن لديته، و إن انكسر فهو ضامن لدية ما ينكسر منه.» (5)

و قوله (عليه السّلام): «كل ما كان في الإنسان اثنان ففيهما الدية، و في أحدهما نصف الدية، و ما كان فيه واحد ففيه الدية.» (6) اصول يستخرج منها فروع كثيرة.

و الأئمّة (عليهم السّلام) قد كانوا يأمرون أصحابهم بالإفتاء و قد كتب أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى قثم بن العبّاس: «و اجلس لهم العصرين فأفت المستفتي و علّم الجاهل و ذاكر العالم.» (7)

و قال الصادق (عليه السّلام) لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة وافت‏

____________

(1) القواعد الفقهية للعلّامة البجنوردي ج 1 ص 275.

(2) الحديث 2 من الباب 1 من أبواب لباس المصلّي ج 3 الوسائل ص 249.

(3) الحديث 1 من الباب 56 من أبواب لباس المصلّي ج 3 الوسائل ص 333.

(4) الحديث 1 من الباب 9 من أبواب موجبات الضمان ج 19 الوسائل ص 181.

(5) الحديث 2 من الباب 15 من أبواب موجبات الضمان ج 19 الوسائل ص 188.

(6) الحديث 12 من الباب 1 من أبواب ديات الأعضاء ج 19 الوسائل ص 217.

(7) نهج البلاغة: الكتاب 67، و نقله في المستدرك في الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 15.

26

الناس فإنّي احبّ أن يرى في شيعتي مثلك.» (1)

[تطور الفقه و مروره على مراحل‏]

و مما ينبغي أن يعلم ان تفريع الفروع و استنباط المصاديق من الاصول و الكليات و إن لم يكن في ذلك الزمان بهذه الكثرة التي بلغت إليها اليوم، و لكنه ممّا لا يضرّ فيما هو المهمّ، فإن العلوم من شأنها أن تتكامل و تتّسع تدريجا، فإن الفقه أيضا كسائر العلوم مرّ على مراحل و تطوّر خلالها و اتّسع:

المرحلة الاولى‏

كان يتمثّل الفقه في هذه المرحلة في ذكر الفتاوى و الفروع الفقهية غالبا في قالب الروايات و بالاختصار، و كتب ك: «المقنع» و «الهداية» للصدوق و «النهاية» للشيخ الطوسي تمثّل هذه المرحلة.

المرحلة الثانية

دور تفريع الفروع ك: «الشرائع» و «التحرير» و «السرائر» و هذا الدور قد اتّسع شيئا فشيئا حتّى بلغ مثل «جامع المقاصد» و «مجمع الفائدة» و «المستند» و «الجواهر».

المرحلة الثالثة

مرحلة الفقه المقارن، و هذه المرحلة تزامنت مع المرحلتين تاريخيّا، حيث ان تاريخه يرجع إلى عهد القدماء، و الكتب المعنية بهذا الاسلوب‏

____________

(1) فهرست النجاشي: ص 7.

27

كثيرة، منها: «الخلاف» و «التذكرة» و «المنتهى» و «المعتبر» فيذكر فيها المختارات من الفروع في المذاهب، ثم يستدلّ عليها على أساس مباني المذاهب، و يذكر في ضمنها مزيّة مباني مذهب الإماميّة من جهة الإتقان و الاستحكام، و قد سلك هذا المسلك فطاحل من فقهائنا العظام كشيخ الطائفة و العلّامة و المحقّق «شكر اللّه مساعيهم و جزاهم خيرا».

شيوع الإفتاء و الاستفتاء في زمانهم (عليهم السّلام)

و مما يدلّ على ان الإفتاء و الاستفتاء كانا شائعين في زمن الأئمّة (عليهم السّلام) ما يلي:

عن علي بن أسباط قال قلت للرضا (عليه السّلام) يحدث الأمر لا أجد بدّا من معرفته و ليس في البلد الذي أنا فيه احد أستفتيه من مواليك قال فقال: «ائت فقيه البلد فاستفته من امرك فإذا أفتاك بشي‏ء فخذ بخلافه فإن الحق فيه» (1)

و دلالته على إن الإفتاء كان شايعا في مواليه و محبّيه في ذلك الزمان ظاهرة اذ يدل على وجود الفقهاء في تلك الأعصار و كان بناء العوام على الرجوع اليهم و عدم ردعه (عليه السّلام) يكشف عن رضاه بما ارتكز في اذهانهم من المراجعة إلى الفقهاء.

و عن حسين بن معاذ عن ابيه معاذ بن مسلم النحوي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «بلغني انّك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟»

قلت: نعم و أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج إني اقعد في‏

____________

(1) الحديث 23 من الباب 9 من أبواب صفات القاضي ص 82 ج 18 الوسائل.

28

المسجد فيجي‏ء الرجل فيسألني عن الشي‏ء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون و يجي‏ء الرجل أعرفه بمودتكم و حبكم فأخبره بما جاء عنكم و يجي‏ء الرجل لا أعرفه و لا أدري من هو فأقول جاء عن فلان كذا و جاء عن فلان كذا فأدخل قولكم فيما بين ذلك. فقال لي: اصنع كذا فإني كذا أصنع. (1)

و عن حمران بن أعين قال: قالت امرأة محمد بن مسلم و كانت ولودا أقرئ أبا جعفر (عليه السّلام) السلام و قل له إني كنت اقعد في نفاسي أربعين يوما و إن أصحابنا ضيّقوا عليّ فجعلوها ثمانية عشر يوما. فقال أبو جعفر (عليه السّلام): «من أفتاها بثمانية عشر يوما؟» قال قلت: الرواية التي رووها في اسماء بنت عميس إنها نفست بمحمد بن أبي بكر بذي الحليفة فقالت: يا رسول اللّه كيف اصنع؟ فقال لها: «اغتسلي و احتشي و اهلّي بالحج فاغتسلت و احتشت و دخلت مكة و لم تطف و لم تسع حتى تقضى الحج فرجعت الى مكة فاتت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم فقالت يا رسول اللّه احرمت و لم اطف و لم اسع فقال لها رسول اللّه: «و كم لك اليوم؟» فقالت ثمانية عشر يوما فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اما الآن فاخرجي الساعة فاغتسلي و احتشي و طوفي و اسعي فاغتسلت و طافت وسعت و احلّت. فقال ابو جعفر (عليه السّلام): «إنها لو سألت رسول اللّه قبل ذلك و أخبرته لأمرها بما أمرها به قلت: فما حدّ النفساء؟ قال (عليه السّلام): «تقعد أيامها التي كانت تطمث فيهن أيام قرئها فان هي طهرت و الّا استطهرت بيومين او ثلاثة أيام ثم اغتسلت و احتشت فان كان انقطع الدم فقد طهرت و ان لم ينقطع الدم فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل لكل صلاتين و تصلي. (2)

و دلالتها على ان الاستفتاء من اصحاب الأئمة (عليهم السّلام) و افتائهم على‏

____________

(1) الحديث 36 من الباب 11 من أبواب صفات القاضي ص 108 ج 18 الوسائل.

(2) الحديث 11 من الباب 3 من أبواب القاضي ص 614 من ج 2 الوسائل.

29

اساس الروايات الواردة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليه السّلام) كانت رائجة مما لا يخفى و كذا دلالتها على عدم الردع.

و يستفاد من سؤال الحسين بن روح عن ابي محمد الحسن بن علي (عليهما السّلام) و مما أجاب به انه كانت لأصحاب الأئمة (عليهم السّلام) آراء و فتاوي في المسائل المختلفة كما إنه كانت لهم روايات حيث إنه (عليه السّلام) سئل عن كتب بني فضّال فقال (عليه السّلام) خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا (1) و لعلّ منعه (عليه السّلام) عن الأخذ بآراء بني فضال من جهة انه يعتبر ان يكون المفتي على مذهب الحق.

و ما يدل على تعليمهم (عليهم السّلام) لأصحابهم كيفية استنباط الحكم و لزوم حمل المجمل على المبيّن و الظاهر على الاظهر و النص ما يلي:

روى الصدوق باسناده الى زرارة قال قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): أ لا تخبرني من اين علمت و قلت ان المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟

فضحك و قال: «يا زرارة قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و نزل به الكتاب من اللّه عزّ و جلّ قال فاغسلوا وجوهكم فعرفنا ان الوجه كلّه ينبغي ان يغسل ثم قال و ايديكم الى المرافق فوصل اليدين الى المرفقين بالوجه، فعرفنا انه ينبغي ان يغسلا الى المرفقين ثم فصل بين الكلام و قال و امسحوا برءوسكم فعرفنا حين قال برءوسكم ان المسح ببعض الرأس لمكان الباء ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال و ارجلكم إلى الكعبين فعرفنا حين وصلها بالرأس ان المسح على بعضهما ثم فسّر ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فضيّعوه الحديث.

و رواه الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه و عن محمد بن اسماعيل‏

____________

(1) الحديث 79 من الباب 8 من أبواب صفات القاضي ص 74 ج 18 الوسائل.

30

عن الفضل بن شاذان جميعا عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة.

و رواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب مثله. (1)

و روى الشيخ باسناده عن ابن محبوب عن علي بن الحسن بن رباط عن عبد الأعلى مولى آل سام‏ (2) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟ قال: «يعرف هذا و اشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ قال اللّه تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (3) امسح عليه. (4)

تعليمهم (عليه السّلام) اصحابهم كيفية الاستنباط

و عن ابى حيون مولى الرضا (عليه السّلام) قال: «من ردّ متشابه القرآن الى محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم ثم قال (عليه السّلام) ان في اخبارنا محكما كمحكم القرآن و متشابها كمتشابه القرآن فردّوا متشابهها إلى محكمها و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا (5).

و عن داود بن فرقد قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: «انتم افقه الناس‏

____________

(1) الحديث من الباب 23 من أبواب الوضوء ص 291 ج 1 الوسائل. و الظاهر ان مراده (عليه السّلام) ان تعدية المسح بالباء يدلّ على التبعيض، و ليس المراد ان الباء للتبعيض و إن نقل في مجمع البحرين عن عدة من النحويين مجي‏ء الباء للتبعيض أيضا فإنكار سيبويه مجي‏ء الباء للتبعيض لا مورد له، و نقل المحقق الشيخ عباس القمي في هدية الأحباب عن البحار ان المجلسي عبّر عن سيبويه المعاند للحق و أهله و انه أنكر ذلك عليه (عليه السّلام).

(2) في معجم رجال الحديث ج 9 ص 258 و المتحصّل ان الرجل لم يثبت وثاقته و لا حسنه.

(3) سورة الحج، الآية: 78.

(4) الحديث 5 من الباب 39 من أبواب الوضوء ص 327 ج 1 الوسائل.

(5) الحديث 22 من الباب 9 من أبواب صفات القاضي ص 82 ج 18 الوسائل.

31

اذا عرفتم معاني كلامنا ان الكلمة لتنصرف على وجوه فلو شاء انسان لصرف كلامه كيف شاء و لا يكذب‏ (1).

ارجاعهم (عليهم السّلام) الشيعة الى فقهائهم‏

و أما الطائفة الدّالة على ارجاع الشيعة إلى فقهائهم في القضاء و الإفتاء و في لزوم اخذ معالم الدين من أصحابهم فمنها مقبولة عمر بن حنظلة عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) فإنّه قال (عليه السّلام) بعد النهي الشديد عن المراجعة إلى فقهاء العامة: ينظر ان من كان منكم ممن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما (2) فإنها تدل على ارجاعه (عليه السّلام) الشيعة إلى فقهائهم في القضاء و القضاء كما يكون في الشبهة الموضوعية يكون في الشبهة الحكمية ايضا مثل تقدم بيّنة الداخل على بيّنة الخارج او العكس فجعل الفقيه مرجعا و نصبه للحكم على نحو يكون اعمّ من الشبهات الحكمية و الموضوعية يلازم اعتبار فتواه ايضا.

و مثلها ما عن ابي خديجة في المشهورة قال بعثني ابو عبد اللّه (عليه السّلام) إلى اصحابنا فقال قل لهم اياكم اذا وقعت بينكم خصومة او تدارى في شي‏ء من الأخذ و العطاء أن تحاكموا إلى احد من هؤلاء الفسّاق اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضيا و اياكم أن يخاصم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر. (3)

____________

(1) الحديث 25 من الباب 9 من أبواب صفات القاضي ص 82 ج 18 الوسائل.

(2) الحديث 1 من الباب 11 من أبواب صفات القاضي ص 99 ج 18 الوسائل.

(3) الحديث 6 من الباب 11 من أبواب صفات القاضي ص 100 ج 18 الوسائل.

32

و أمّا ما يدل على ارجاع الشيعة لأخذ معالم الدين من اصحابهم فكثيرة و الظاهران المراد فيها اخذ الفتاوي عنهم فان التعبير الوارد في الإرجاع إلى اصحابهم قد وقع تارة بعنوان اخذ الحديث و الرواية كما في الخبر 4 و 5 و 8 و 19 من الباب 11 من أبواب صفات القاضي‏ (1) و اخرى بعنوان اخذ معالم الدين كما في الخبر 15 و 27 و 33 و 34 و 35 و 42 و 45 من الباب المذكور و الطائفة الثانية ظاهرة في اخذ الفتاوي كما ذكرنا.

و امّا دلالة الأخبار العلاجية الصادرة من الأئمة (عليهم السّلام) على تعليمهم و تصويبهم الاجتهاد بالمعنى المتعارف فمما لا يخفى فان عرض الأخبار المتعارضة على الكتاب و تعيين ما هو الموافق عما هو المخالف و الأخذ بالأوّل و طرح الثاني و كذا تعيين ما هو الموافق للشهرة عما هو المخالف لها.

و النظر الى الأخبار الموافقة للعامة و الأخبار المخالفة لهم و الأخذ بالثانية و طرح الأول و غير ذلك من الامور المذكورة في الأخبار العلاجية من أوضح مصاديق الاجتهاد و قلّما يتفق باب من ابواب الأخبار يكون خاليا من التعارض.

و من هذه الأخبار مقبولة عمر بن حنظلة و خبر السكوني و عبد الرحمن ابن ابي عبد اللّه و الحسين بن السري و محمد بن عبد اللّه و الحسن بن الجهم (الحديث 1 و 10 و 29 و 30 و 34 و 40 من الباب 9 من ابواب صفات القاضي).

____________

(1) ص 106- 110 من ج 18 من الوسائل.

33

النهي عن الإفتاء بغير علم‏

و أما الطائفة السادسة و هي الأخبار التي تدل على النهي عن الإفتاء بغير علم فهي على كثرتها (1) تدل على ان المنهي عندهم (عليهم السّلام) هو الإفتاء بغير علم لا مطلق الإفتاء.

فعن أبي عبيدة قال قال ابو جعفر (عليه السّلام): «من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه». (2)

و قريب منه الخبر 2 و 3 و 29 و 31 و 32 و 33 من الباب 4 من ابواب صفات القاضي و المستفاد منها ان مرادهم (عليهم السّلام) من النهي عن الإفتاء بغير علم ليس الّا الاستبداد بالافتاء بدون الاستفادة من علومهم الإلهيّة كما هو دأب مخالفيهم كما يوضح ذلك الأخبار الكثيرة منها ما عن حمزة بن حمران قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول «من استأكل بعلمه افتقر» قلت: ان في شيعتك قوما يتحمّلون علومكم و يبثّونها في شيعتكم فلا يعدمون منهم البرّ و الصلة و الإكرام. فقال: «ليس اولئك بمستأكلين انّما ذاك الذي يفتي بغير علم و لا

____________

(1) و قد عقد في الوسائل لها بابا على حدة و هو الباب 4 من أبواب صفات القاضي ج 18 ص 9 و في هذا الباب ثلاثة عشر حديثا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمير المؤمنين و الصادق (عليهما السّلام) بمضمون طلب العلم فريضة و في بعضها زيادة على كل مسلم و في اثنين منها زيادة إلا و ان اللّه يحب بغاة العلم و مضمون الخبر المتمّم للعشرين منها عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم اطلبوا العلم و لو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم، و في الخبر 24 عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «طلب العلم فريضة في كلّ حال».

(2) الخبر 1 من الباب المذكور.

34

هدى من اللّه ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدنيا. (1)

و عليه فالإفتاء اذا كان بهداية الهداة المهديّين (عليهم السّلام) التي هدايتهم هدى من اللّه لا يكون مشمولا لتلك الأخبار و مردوعا عنهم (عليهم السّلام) بل يكون مجازا و مرضيّا عندهم (عليهم السّلام) و حيث ان العلم الصحيح ليس الّا ما عندهم فالإفتاء الذي لم يكن مقتبسا من ضياء علومهم (عليه السّلام) كان افتاء بغير علم و قد قال ابو جعفر (عليه السّلام) لسلمة بن كهيل و الحكم بن عتيبة- و هما من فقهاء العامة- شرّقا و غرّبا فلا تجدان علما صحيحا الّا شيئا خرج من عندنا اهل البيت‏ (2).

المراد مما نهي عنه في الأخبار من الإفتاء بالرأي‏

و قد ورد في كثير من الروايات الصادرة عن اهل البيت (عليهم السّلام) النهي عن الإفتاء بالرأي و اتّباع الرأي و القول بالرأي و امثال ذلك من التعبيرات و لكنه بالتأمّل فيها و ضم البعض منها الى البعض الآخر يظهر ان المراد منها اتخاذ الرأي و إبداؤه في قبال الأحاديث الواردة عنهم (عليهم السّلام) و الاستبداد و الاجتهاد في قبالهم (عليهم السّلام).

لأن الاستبداد في قبال اهل البيت (عليهم السّلام) في ذلك الزمان و ترك الاستضاءة من انوار علومهم و المخالفة معهم استنادا إلى آرائهم و ظنونهم و استعمال القياس و الاستحسان في احكام الدين قد كان دأبهم و شنشنتهم و على ذلك دبّوا و درجوا في طوال القرون و الأعصار «شنشنة اعرفها من‏

____________

(1) الحديث 12 من الباب 11 من أبواب صفات القاضي ص 102 ج 18 الوسائل.

(2) الحديث 16 من الباب 6 من أبواب صفات القاضي ص 26 ج 18 الوسائل.

35

اخزم». (1)

ففي تفسير العياشي عن اسحاق بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: «يظن هؤلاء الذين يدّعون إنهم فقهاء علماء، انهم قد اثبتوا جميع الفقه و الدين مما تحتاج اليه الامة و ليس كل علم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) علموه، و لا صار اليهم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم و لا عرفوه و ذلك ان الشي‏ء من الحلال و الحرام و الأحكام يرد عليهم فيسألون عنه و لا يكون عندهم فيه اثر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم و يستحيون ان ينسبهم الناس الى الجهل و يكرهون ان يسألوا فلا يجيبون فيطلب الناس العلم من معدنه فلذلك استعملوا الرأي و القياس في دين اللّه و تركوا الآثار و دانوا بالبدع و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): كل بدعة ضلالة فلو انهم اذا سألوا عن شي‏ء من دين اللّه فلم يكن عندهم فيه اثر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم ردّوه الى اللّه و الى الرسول و إلى اولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم من آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم. (2)

و كان زعيمهم في اتخاذ هذا الطريق أبا حنيفة النعمان بن ثابت المتوفي 50 ه و كان يتبعه كثيرون مثل ابن أبي ليلى و ابن شبرمة.

فعن سماعة بن مهران عن ابي الحسن موسى (عليه السّلام) في حديث قال مالكم و للقياس انّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس ثم قال اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و إذا جاءكم ما لا تعلمون فها- و اومى بيده الى فيه- ثم قال لعن اللّه أبا حنيفة كان يقول قال علي (عليه السّلام) و قلت أنا .. و قالت الصحابة و قلت أنا! قال أ كنت تجلس إليه؟

____________

(1) و إن شئت مزيد التوضيح و معرفة بداية المأساة راجع كتاب النص و الاجتهاد للعلّامة السيد شرف الدين «ره».

(2) الحديث 49 من الباب 6 من أبواب صفات القاضي ص 40 ج 18 الوسائل.

36

قلت: لا و لكن هذا كلامه فقلت اصلحك اللّه اتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم الناس بما يكتفون به في عهده؟ قال نعم و ما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة فقلت: ضاع من ذلك شي‏ء؟ فقال لا هو عند اهله‏ (1).

و قد كان لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) مناظرات و احتجاجات مع ابي حنيفة في نهيه (عليه السّلام) ايّاه عن القياس و لكنه «من لم يجعل اللّه له نورا فماله من نور» و قد قال لأبي حنيفة انت فقيه اهل العراق؟ قال نعم، قال فبم تفتيهم؟ قال:

بكتاب اللّه و سنة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم، قال يا أبا حنيفة تعرف كتاب اللّه حق معرفته؟

و تعرف الناسخ و المنسوخ؟ قال: نعم.

قال: يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علما ويلك، ما جعل اللّه ذلك الا عند اهل الكتاب الذين انزل عليهم ويلك و لا هو الّا عند الخاص من ذرية نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم و ما ورثك اللّه من كتابه حرفا- و ذكر الاحتجاج عليه- إلى ان قال يا أبا حنيفة اذا ورد عليك شي‏ء ليس في كتاب اللّه و لم تأت به الآثار و السنة كيف تصنع؟ فقال اصلحك اللّه اقيس و اعمل فيه برأيي. فقال يا أبا حنيفة إن اول من قاس ابليس الملعون قاس على ربنا تبارك و تعالى فقال أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين. قال: فسكت ابو حنيفة فقال: يا أبا حنيفة أيّهما أرجس؟ البول؟ أو الجنابة؟ فقال البول. فقال. فما بال الناس يغتسلون من الجنابة؟ و لا يغتسلون من البول؟ فسكت. فقال: يا أبا حنيفة ايّهما افضل: الصلاة أو الصوم؟ قال الصلاة، فقال: فما بال الحائض تقضي صومها و لا تقضي صلاتها فسكت. (2)

____________

(1) الحديث 3 من الباب 6 من أبواب صفات القاضي ص 23 ج 18 الوسائل.

(2) الحديث 27 من الباب 6 من أبواب صفات القاضي ص 30 ج 18 الوسائل.

37

و عن علي (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم: «ستفترق امتي على ثلاث و سبعين فرقة فرقة منها ناجية و الباقون هالكون، و الناجون الذي يتمسكون بولايتكم و يقتبسون من علمكم و لا يعملون برأيهم فأولئك ما عليهم من سبيل». (1)

و عن ابي الحسن موسى (عليه السّلام) قال: «يا يونس لا تكونن مبتدعا من نظر برأيه هلك و من ترك اهل بيت نبيّه ضلّ» (2).

و يشهد لما ذكرنا من كون المراد من النهي عن الإفتاء بالرأي هو اتخاذ الرأي على خلاف الأئمة الهداة (عليهم السّلام) و في قبالهم هذه الأخبار من الأخبار الواردة في الباب 6 من أبواب صفات القاضي‏ (3): 2 و 3 و 7 و 21 و 25 و 26 و 27 و 28 و 31 و 32 و 33 و 34 و 38 و 39.

و مع الأسف انه قد مضي على جمع من المسلمين قرون تركوا فيها العمل بحديث الثقلين و أعرضوا عن الأخذ عن اهل بيت النبوة و معدن الرسالة و لم يدخلوا بيوتا أدن اللّه أن ترفع و استبدّوا بآرائهم و قد نشأ في هذه القرون ابو حنيفة و ابن ابي ليلى و ابن شبرمة و ربيعة الرّأي نعم يظهر من الآثار انهم كانوا قد يراجعون اليهم (عليهم السّلام) أو إلى أصحابهم احيانا و نحن نذكر هنا ثلاثة موارد منها.

مراجعة فقهاء العامة الى الأئمة (عليهم السّلام) أو أصحابهم (عليهم السّلام)

1- ان رجلا أوصى لرجل من اهل خراسان بمائة الف درهم و امره ان‏

____________

(1) الخبر 30 من الباب 6 من أبواب صفات القاضي ص 31 ج 18 الوسائل.

(2) الخبر 7 من الباب 6 من أبواب صفات القاضي ص 34 ج 18 الوسائل.

(3) الوسائل ج 18 ص 22- 40.

38

يعطي أبا حنيفة منها جزء فلم يعلم كم الجزء منها فسأل أبا حنيفة و غيره عن ذلك فقالوا هو الربع فأمره ابو حنيفة ان يرجع لذلك الى الصادق (عليه السّلام) فقال الصادق (عليه السّلام) لهم: «لم قلتم هو الربع» قالوا: لقول اللّه تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ (1) قال: قد علمت الطّير أربعة فكم كانت الجبال؟ إنما الاجزاء للجبال ليس للطير. فقالوا: ظننّا انها أربعة فقال (عليه السّلام): «و لكن الجبال عشرة (2).

2- محمد بن يعقوب عن الحسين بن محمد عن السيّاري قال روي عن ابن ابي ليلى انه قدم اليه رجل خصما له فقال: انّ هذا باعني هذه الجارية فلم اجد على ركبها حين كشفتها شعرا و زعمت انه لم يكن لها قطّ قال:

فقال له ابن أبي ليلى: ان الناس يحتالون لهذا بالحيل حتى يذهبوا به فما الذي كرهت؟ قال: أيها القاضي ان كان عيبا فاقض لي به قال اصبر حتى اخرج اليك فإني أجد أذى في بطني ثم دخل و خرج من باب آخر فأتى محمد بن مسلم الثقفي فقال له: أي شي‏ء تروون عن أبي جعفر (عليه السّلام) في المرأة لا يكون على ركبها شعر؟ أ يكون ذلك عيبا؟ فقال محمد بن مسلم:

أما هذا نصّا فلا أعرفه و لكن حدثني أبو جعفر (عليه السّلام) عن ابيه عن آبائه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم إنه قال كل ما كان في اصل الخلقة فزاد و نقص فهو عيب. فقال له ابن أبي ليلى حسبك ثم رجع إلى القوم فقضى لهم بالعيب و رواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب. (3)

3- حدثني حمدويه قال حدثنا محمد بن عيسى عن ابن فضّال عن‏

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 260.

(2) سفينة البحار ج 1 ص 348.

(3) الوسائل ج 12 الحديث 1 من الباب 1 من أبواب أحكام العيوب ص 410.

39

ابن بكير عن محمد بن مسلم قال: إني لنائم ذات ليلة على السطح إذ طرق طارق فقلت من هذا؟ فقال شريك رحمك اللّه. فأشرفت فاذا هي امرأة فقالت لي بنت عروس ضربها الطّلق فما زالت تطلق حتى ماتت و الولد يتحرك في بطنها و يذهب و يجي‏ء فما أصنع؟ فقلت يا أمة اللّه سئل محمد ابن علي بن الحسين الباقر (عليه السّلام) عن مثل ذلك فقال: «يشق بطن الميّت و يستخرج الولد يا أمة اللّه افعلي مثل ذلك؟ أنا يا أمة اللّه رجل في ستر من وجّهك؟ الى ان قال: قالت لي: رحمك اللّه جئت الى أبي حنيفة صاحب الرأي فقال لي ما عندي في هذا شي‏ء و لكن عليك بمحمد بن مسلم الثقفي فانه يخبر فما أفتاك به من شي‏ء فعودي إليّ فاعلمينيه. فقلت لها امض بسلام فما كان الغد خرجت الى المسجد و ابو حنيفة يسأل عن اصحابه فتنحنحت فقال: اللّهم غفرا دعنا نعيش. (1)

فما في الوسائل من عنوان الباب 6 من ابواب صفات القاضي بقوله‏

____________

(1) معجم رجال الحديث ج 17 ص 249 نقل ذلك عن الكشي في ترجمة محمد بن مسلم و نقل عن الكشي أيضا حدّثني حمدويه بن نصير قال: حدثنا محمد بن عيسى عن ياسين الضرير البصري عن حريز عن محمد بن مسلم قال: ما شجر في رأيي شي‏ء قط إلّا سألت عنه أبا جعفر (عليه السّلام) حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث، و سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن ستّة عشر ألف حديث.

قال أبو النصر: سألت عبد اللّه بن محمد بن خالد، عن محمد بن مسلم فقال: كان رجلا شريفا موسرا فقال له أبو جعفر (عليه السّلام): تواضع يا محمد فلما انصرف إلى الكوفة أخذ قوصرة من تمر مع الميزان و جلس على باب مسجد الجامع و صار «جعل» ينادى عليه فأتاه قومه فقالوا: فضحتنا فقال: ان مولاي أمرني بأمر فلن اخالفه و لن أبرح حتى أفرغ من بيع ما في هذه القوصرة فقال له قومه: إذا أبيت ألّا أن تشتغل ببيع و شراء فاقعد في الطحانين فهيّأ رحى و جملا و جعل يطحن، و قيل: انه كان من العباد في زمانه، معجم رجال الحديث ج 17 ص 252.

40

باب عدم جواز القضاء و الحكم بالرأي و الاجتهاد و المقاييس و نحوها من الاستنباطات الظنية في نفس الأحكام الشرعية غير صحيح لأن القضاء و الحكم بالرأي و الاجتهاد اذا كان على اساس ما ذكرنا من الروايات الواردة عنهم (عليه السّلام) لا منع منه بل هو واقع على الطريق الذي صدر منهم نعم لا يجوز العمل بالقياس فذكر القضاء و الحكم بالرأي في سياق القياس في غير محلّه.

و كذا ما ذكره في الباب 10 ص 89 من قوله (باب عدم جواز تقليد غير المعصوم (عليه السّلام) فيما يقول برأيه) فإن القول بالرأي اذا كان على الموازين المأخوذة منهم (عليه السّلام) لا مانع منه و يجوز التقليد حينئذ.

مشروعية الاجتهاد الموجود

فلو فرضنا و سلّمنا ان هذه السيرة (أي السيرة الجارية على رجوع العوام الى المجتهدين و المفتين و اخذ فتاويهم و العمل بها) مستحدثة و لم يكن في زمن الأئمة (عليهم السّلام) موجودة لأن الشيعة قد كانت في تلك الأزمنة قادرة على الوصول الى الأئمة (عليهم السّلام) أو على أصحابهم و تلاميذهم و الاستفسار في كل واقعة عن حكمها عنهم (عليهم السّلام) و لم يكن شأن أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) و تلاميذهم الّا الرواية و نقل ما سمعوا من المعصوم (عليه السّلام) بلا واسطة أو بواسطة دون الإفتاء و التقليد لكنه لنا أن نقول:

1- إنّهم (عليهم السّلام) كانوا عالمين بوقوع الغيبة الطويلة الموجبة لحرمان الشيعة عن الوصول الى إمامهم و الاستضاءة من انوار علومه و معارفه- كما أخبروا (عليهم السّلام) بها و بوقوع الفتن و الحوادث المؤلمة في هذا الزمن الطويل المقرح‏

41

و تأسّفوا عليه أيّ تأسف.

2- إنّهم (عليهم السّلام) كانوا عالمين بأن الشيعة بارتكازهم يرجعون في تلك العصور المظلمة إلى فقهائهم و يأخذون منهم معالم دينهم و يعملون بما أخذوا عنهم منتظرين للفرج.

3- إنّهم (عليهم السّلام) كانوا يعلمون بان الفقهاء في هذه العصور ما كان لهم محيص في استخراج الأحكام الشرعية الّا المراجعة الى الكتب و الجوامع التي كان الأئمة (عليهم السّلام) يأمرون بجمعها و تأليفها و يؤكّدون على حفظها و يقولون اكتبوا فإنه سيأتي زمان هرج لا يأنسون الّا بكتبهم و كانوا احيانا يأخذون تلك الكتب و يطالعونها و يدعون لمؤلفها بقولهم (عليهم السّلام) اعطاه اللّه بكل حرف نورا يوم القيامة. (1)

و من المعلوم انه ليس شأن الفقهاء في المراجعة إلى تلك الكتب و الجوامع الّا تفريع الفروع على الاصول الواصلة اليهم من ائمتهم و الجمع بين اخبارهم المتعارضة بحسب انظارهم على مستوى العلاج الذي ارشدوهم اليه في الأخبار العلاجيّة و ما هذا الّا الاجتهاد و اتخاذ الرأي و النظر.

فلو لم يكن الطريق المزبور المعمول من الفقهاء مرضيّا عند الأئمة (عليهم السّلام) كان عليهم الردع و ارشاد الفقهاء الى ترك هذا الطريق و ارشاد الناس الى ترك الأخذ لفتاويهم و ترك العمل بها و الحال انهم (عليهم السّلام) مضافا إلى انهم لم يردعوا عنه قد عظّموا شأن الفقهاء العاملين بهذا الطريق و عظّموا شأنهم و قدرهم و اخبروا عن اهميّة عملهم و عن عظيم ثوابهم و جزائهم و انبئوا عن مكانتهم و فضائلهم و قالوا بأنهم هم الكافلون لأيتام آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم و المرشدون لهم و المدبّرون لامورهم و المرابطون بالثّغر الذي يلي ابليس و عفاريته و لا ريب‏

____________

(1) الوسائل ج 18 ص 72 الحديث 80 من الباب 8 من أبواب صفات القاضي.

42

انهم جزاهم اللّه عن الإسلام خيرا حفّاظ الشريعة في الغيبة الكبرى و اركان الملة فهذا رئيس المحدثين صدوقهم ولد بدعاء صاحب الأمر (صلوات اللّه عليه و ارواحنا فداه) و نال بذلك عظيم الفضل و الفخر و وصفه الإمام (عليه السّلام) في التوقيع الخارج من ناحيته المقدسة بانه فقيه خيّر مبارك ينفع اللّه به‏ (1).

و هذا مفيدهم الذي ورد عليه توقيعات من ولي العصر و صاحب الأمر (عليه السّلام) و قال له فيها للأخ السديد و الوليّ الرشيد الشيخ المفيد (2) و كان يوم ارتحاله على آل الرسول (سلام اللّه عليهم) عظيما و وجد مكتوبا على قبره:

لا صوّت النّاعي بفقدك انه‏* * * يوم على آل الرّسول عظيم‏

ان كان قد غيّبت في جدث الثرى‏* * * فالعدل و التّوحيد فيك مقيم‏

و القائم المهدي يفرح كلما* * * تليت عليك من الدروس علوم‏ (3)

و انه الذي رأى في المنام فاطمة الزهراء (عليها السّلام) و معها الحسن و الحسين (عليهما السّلام) و هي تقول يا شيخي علّم ولديّ هذين الفقه ثم جاءت في صبيحة يومه فاطمة ام المرتضى و الرضى مستصحبة معها ولديها قائلة يا شيخ علّمهما الفقه‏ (4) و هذا السيّد المرتضى علم الهدى الذي قد قال العلامة في حقّه في‏

____________

(1) سفينة البحار ج 2 ص 22.

(2) البحار ج 53 ص 174 و الاحتجاج للطبرسي ج 2 ص 324.

(3) تنقيح المقال ج 3 ص 180 ريحانة الأدب ج 4 ص 60 الكنى و الألقاب ج 3 ص 172 الفوائد الرضوية ص 633.

(4) روضات الجنّات ج 6 ص 153.

43

الخلاصة: بكتبه استفاد العلماء من زمانه إلى زماننا و هو يقرب من ثلاثمائة سنة.

و هذا شيخ الطائفة المحقة في تضلّعه في جميع الفنون الإسلاميّة المبتكر في تأليف مبسوطه لإراءة طريق الاجتهاد في الاستخراج الوسيع و تفريع الفروع من احاديث اهل البيت (عليهم السّلام) و هؤلاء هم المحقق و العلامة و الشهيد الأول و الثاني و الشيخ البهائي و المجلسيّان و الوحيد البهبهاني و بحر العلوم و الشيخ جعفر الكبير و النراقيّان و صاحب الجواهر و الشيخ الاعظم الانصاري و السيد العظيم اليزدي و العلامة الحائري اليزدي و استاذنا العلامة البروجردي الذي قد اوجد تطورا في بحث الفقه في الحوزة العلميّة في بلدة قم المقدسة و استاذنا الإمام الخميني قد ابلغ بنهضته المباركة صدى الإسلام الى اقصى نقاط العالم و جدّد حياة الإسلام بعد ان اراد المستكبرون و الجبابرة الطّواغيت اطفائه‏ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ‏.

و الأحاديث الصّادرة عنهم (عليهم السّلام) في فضل الفقهاء و العلماء الدالّة على عظم منزلتهم و مكانتهم عند اللّه و فضل ثوابهم- حشرنا اللّه معهم- ان لم يكن صادرة في حقهم و صادقة عليهم ففي حق من صدر؟ و على من يصدق؟

فعن ابي محمد العسكري عن ابيه عن آبائه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم اشدّ من يتم اليتيم الذي انقطع عن ابيه يتم يتيم انقطع عن امامه ... الا فمن هداه و ارشده و علّمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى.

و قال عليّ بن ابي طالب (عليه السّلام): «من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا

44

فأخرج ضعفاء شريعتنا من ظلمة جهلهم ... حاء يوم القيامة و على رأسه تاج».

و عن الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) قالت سمعت أبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم يقول: «ان علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم و جدّهم في ارشاد عباد اللّه.

و قال الحسن بن علي (عليهما السّلام): «فضل كافل يتيم آل محمد المنقطع عن مواليه كفضل الشمس على السهى».

و قال الحسين بن علي (عليهما السّلام): «من كفّل لنا يتيما قطعته عنا محبتنا باستتارنا .. ينادي مناد من عند اللّه اجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كل حرف علّمه الف الف قصر.

و قال علي بن الحسين (عليهما السّلام): «فابشروا علماء شيعتنا بالثواب الاعظم و الجزاء الأوفر».

و قال محمد بن علي الباقر (عليه السّلام): «العالم كمن معه شمعة تضي‏ء للناس فكل من أضاءت له فخرج بها من حيرة او نجا بها من جهل فهو من عتقائه من النار و اللّه يعوضه عن ذلك بكل شعرة لمن اعتقه».

و قال جعفر بن محمد (عليهما السّلام): «علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي ابليس و عفاريته يمنعونهم من الخروج على ضعفاء شيعتنا الا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان افضل ممّن جاهد الرّوم و الترك و الخزر الف الف مرة لأنه يدفع عن اديان محبينا و ذلك يدفع عن ابدانهم»

و قال موسى بن جعفر (عليهما السّلام): «فقيه واحد ينقذ يتيما من ايتامنا من المنقطعين عنا و عن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج اليه اشد على ابليس من‏

45

الف عابد لأن العابد همّه ذات نفسه فقط و هذا همّه مع ذات نفسه ذات عباد اللّه و إمائه لينقذهم من يد إبليس و مردته فذلك هو افضل عند اللّه من الف الف عابد و الف الف عابدة.»

و قال علي بن موسى الرضا (عليهما السّلام): «يقال للعابد في القيامة نعم الرجل كنت همّتك ذات نفسك و كفيت الناس مئونتك فادخل الجنة إلّا ان الفقيه من افاض على الناس خيره و انقذهم من اعدائهم و يقال للفقيه: أيّها الكافل لأيتام آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم قف حتى تشفع لمن اخذ عنك أو تعلم منك فيقف فيدخل الجنة معه فئاما و فئاما و فئاما (1) حتى قال عشرا».

و قال محمد بن علي الجواد (عليهما السّلام): «من تكفل بايتام آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم المنقطعين عن امامهم المتحيرين في جهلهم الاسراء في ايدي شياطينهم و في ايدي النواصب من أعدائنا فاستنقذهم منهم و أخرجهم من حيرتهم ليفضلون عند اللّه تعالى على العباد بافضل المواقع باكثر من فضل السماء على الأرض».

و قال علي بن محمد الهادي (عليهما السّلام): «لو لا من يبقى بعد غيبة قائمنا من العلماء الداعين اليه و الدّالين عليه و الذابين عن دينه بحجج اللّه و المنقذين لضعفاء عباد اللّه من شباك إبليس و مردته و من فخاخ النواصب لما بقي أحد الّا ارتدّ عن دين اللّه و لكنهم الذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها هم الافضلون عند اللّه عزّ و جلّ».

و قال ابو محمد الحسن العسكري (عليه السّلام): «ان من محبّي محمد و آل محمد (صلوات اللّه عليهم) مساكين مواساتهم افضل من مواساة مساكين‏

____________

(1) الفئام الجماعة من الناس.

46

الفقراء و هم الذين سكنت جوارحهم و ضعفت قواهم عن مقابلة اعداء اللّه الذين يعيّرونهم بدينهم و يسفهون احلامهم الا فمن قوّاهم بفقهه و علمه حتى ازال مسكنتهم ثم سلّطهم على الأعداء الظاهرين النواصب و على الأعداء الباطنين إبليس و مردته ... حوّل اللّه تعالى تلك المسكنة الى شياطينهم فاعجزهم عن اضلالهم قضى اللّه تعالى بذلك قضاء حق على لسان رسول اللّه. (1)

فثبت ممّا ذكرنا ان مسلك الصّحيح هو مسلك المجتهدين و ما قالوا و عملوا به هو الحقّ المبين.

____________

(1) بحار الأنوار ج 2 من الطبع الجديد ص 1- 7.

47

[التقليد]

هل يجب تقليد الأعلم؟

المسألة 12: يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط (1).

إذا كان هناك مجتهدان احدهما أعلم من الأخر فهل يتعيّن عليه تقليد الأعلم أو يتخير في تقليد أيّهما شاء؟ و يعتبر في موضوع المسألة أمران:

احدهما: علم المقلد باختلافهما في الفقاهة الثاني: علمه باختلافهما في الفتوى.

إذ مع التساوي في الفقاهة و الاختلاف في الفتوى يتخير العامي في تقليد ايّهما شاء و مع اتفاقهم في الفتوى تكون فتاويهما المتوافقة كالروايات المتطابقة على حكم من الأحكام في كون الدليل هو الجامع بينهما و عدم وجوب الاستناد الى واحدة منهما بالخصوص. و أما صور الشك في الاختلاف في الفقاهة و عدمه مع العلم بالاختلاف في الفتوى و الشك في الاختلاف في الفتوى و عدمه مع العلم باختلافهما في الفقاهة فنتعرض لبيان احكامها في مسألة وجوب الفحص ان شاء اللّه تعالى.

و عمدة الأقوال في المسألة اربعة

____________

(1) العروة فصل الاجتهاد و التقليد.

48

الأول: الوجوب مطلقا و هو المشهور بين اصحابنا كما عن المعارج و الإرشاد و نهاية الاصول و التهذيب و الدروس و القواعد و الذكرى و جامع المقاصد و تمهيد القواعد و المعالم و الزبدة و حاشية المعالم للفاضل مولى صالح و الرياض بل في المعالم هو قول الاصحاب الذين وصل الينا كلامهم و صرّح بدعوى الإجماع المحقق الثاني. (1)

و قال السيّد في الذريعة الى اصول الشيعة: و ان كان بعضهم عنده اعلم من بعض و اورع أو أدين فقد اختلفوا فمنهم من جعله مخيرا و منهم من أوجب ان يستفتي المقدم في العلم و الدّين و هو اولى لانّ الثقة منها اقرب و اوكد و الاصول بذلك كلها شاهدة. (2)

و قال المحقق في المعارج و ان كان احدهم ارجح في العلم و العدالة وجب العمل بفتواه و ان اتفق اثنان احدهما اعلم و الآخر اكثر عدالة و ورعا قدّم الأعلم لأن الفتوى تستفاد من العلم لا من الورع و القدر الذي عنده من الورع بحجزه عن الفتوى بما لا يعلم فلا اعتبار برجحان ورع الآخر (3).

و قال صاحب المعالم و ان كان بعضهم ارجح في العلم و العدالة من بعض تعين عليه تقليده و هو قول اصحابنا الذين وصل الينا كلامهم و حجتهم عليه ان الثقة بقول الأعلم اقرب و أوكد (4).

القول الثاني: عدم الوجوب مطلقا ذهب اليه جملة من متأخري اصحابنا ممن تأخر عن الشهيد الثاني و في رسالة الاجتهاد و التقليد للشيخ‏

____________

(1) مطارح الأنظار ص 276.

(2) الذريعة ص 801 و سيأتي ما ذكره صاحب الجواهر و غيره من ان كلام السيّد هذا في مسألة الإمامة العظمى و الخلافة الكبرى.

(3) المعارج ص 201.

(4) المعالم ص 241.

49

الأعظم الانصاري بعد ان حكى تعيّن العمل بقول الأعلم عن المشهور قال بل لم يحك الخلاف فيه عن معروف‏ (1).

و لكن الظاهر عدم استقامة ما قاله فان الذاهب الى القول الثاني على ما وجدنا كلماتهم هو جمع من الفحول فمنهم استاذاه صاحب الجواهر و النراقي في المستند و منهم صاحب القوانين و صاحب الفصول و ذهب اليه العلامة الكني ايضا في كتاب قضائه و كلام الشهيد الثاني في المسالك في كتاب القضاء صريح في التردّد (2) و الحق في المقام ما عبّر به في مطارح الأنظار ان هذا القول اي القول بعدم وجوب تقليد الأعلم صار في هذا الزمان قولا معتدا به.

الثالث: التفصيل فيجب تقليد الأعلم اذا لم يكن قول غير الأعلم مطابقا للأعلم من الأموات.

الرابع: ايضا التفصيل فيجب تقليد الأعلم اذا لم يكن قول غير الأعلم مطابقا للاحتياط.

و المسألة بين العامة ايضا ذات قولين فمذهب احمد بن حنبل و اصحاب الشافعي و جماعة من الأصوليّين منهم و الغزالي وجوب تقليد الأعلم و ذهب القاضي ابو بكر و جماعة من الأصوليّين و الفقهاء منهم الى التخيير و السؤال لمن شاء من العلماء سواء تساووا أو تفاضلوا. (3)

و الأنسب في المقام نقل كلمات القائلين بجواز تقليد غير الأعلم حتّى يتضح مقالتهم و دلائلهم ثم تعقيبها بمقالة القائلين بوجوب تقليد الأعلم‏

____________

(1) رسالة الاجتهاد و التقليد ص 71.

(2) و اختار في الشرائع جواز قضاء المفضول مع وجود الأفضل و على القول بالملازمة بين القضاء و الإفتاء فالمحقّق أيضا من القائلين بهذا القول.

(3) المستصفى ج 2 ص 125 و الآمدي في أحكام الأحكام ج 3 ص 173.

50

و دلائلهم ثم تحقيق ما هو الحق الحقيق بالقبول بعون اللّه تعالى و توفيقه.

[كلام الشهيد الثانى فى تقليد الاعم‏]

قال الشهيد الثاني في المسالك في كتاب القضاء. اذا وجد الإمام اثنين صالحين للقضاء لكن احدهما اعلم من الآخر فلا اشكال في رجحان تقليد الأعلم لكن هل يتعين ذلك ام يجوز توليته المفضول فيه قولان مرتّبان على ان المقلد هل يجب عليه تقليد اعلم المجتهدين ام يتخير في تقليد من شاء منهم؟ قولان للأصوليين و الفقهاء.

احدهما: الجواز لاشتراك الجميع في الأهليّة و لما اشتهر من ان الصحابة كانوا يفتون مع اشتهارهم بالاختلاف في الأفضلية و مع تكرر الإفتاء و لم ينكر عليهم احد من الصحابة فيكون اجماعا منهم على جواز تقليد المفضول مع وجود الأفضل ...

و الثاني: و هو الأشهر بين الأصحاب المنع لان النظر بقول الأعلم اقوى منه بقول المفضول و اتباع الاقوى اولى و رواية عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السّلام) صريحة في هذا و هذه الرواية هي مستند القائل بذلك من الأصحاب لشهرة مضمونها بينهم و تلقّيهم لها بالقبول ...

ثم قال و في كل واحد من الأدلة من الجانبين نظر ... و لمنع كون الظن بقول الأعلم اقوى و الرواية نص في المطلوب لكن قد عرفت ما في طريقها فان تم الاستدلال بها لانجبار ضعفها بالشهرة فهي العمدة و الّا فلا (1) ... انتهى.

و ممن قال بعدم وجوب تقليد الأعلم هو المحقق القمي حيث انه قال في ضمن البحث في المسألة: و ان كان بعضهم اعلم و اورع من غيره فالمعروف من مذهب اصحابنا بل ذكر بعضهم انه لا خلاف فيه عندنا انه يقدم على‏

____________

(1) المسالك ج 2 ص 439.

51

غيره لانه اقوى و ارجح و اتّباعه اولى و احق و انه بمنزلة الأمارتين على المجتهد و اختلف فيه العامة فمنهم من وافقنا على ذلك و الأكثرون سوّوا بين الأفضل و غيره لاشتراك الجميع في الاجتهاد و العدالة المصحّحين للتقليد و لان المفضولين من الصحابة و غيرهم كانوا يفتون من غير نكير اقول ان ثبت الإجماع على مختار الاصحاب فهو و انّى لهم باثباته في امثال هذه المسائل و الّا فالاعتماد على هذا الظهور و الرجحان مشكل و تشبيهه بامارة المجتهد قياس مع الفارق ... (الى ان قال) و على هذا (اي بناء على عدم الدليل على تقديم الأعلم) فلا بد ان يقال بالتخيير بين الأعلم و غيره ... و ساق الكلام الى ان قال: لا يقال: ان الاصل حرمة العمل بالظن خرج الاقوى بالإجماع و لا دليل على العمل بالأضعف لأنا نقول: قد بيّنا سابقا انه لا اصل لهذا الاصل فلا نعيد و اشتغال الذمة ايضا لم يثبت الّا بالقدر المشترك المتحقق في ضمن الأدون و الأصل عدم لزوم الزيادة». (1)

[كلام المحقق النراقى و المحقق القمى فى القول بجواز تقليد غير الاعم‏]

و العلّامة النراقي في المستند بعد ان نقل عن بعض الإجماع على وجوب تقليد الأعلم قال: و قال المحقّق الأردبيلي: انه قد ادعى الإجماع عليه و نقل منع الإجماع أيضا و يشعر بعدم الإجماع كلام الفاضل في نهاية الأصول و في المسالك اجماع الصحابة على جواز تقليد المفضول مع وجود الأفضل و اختاره المحقق و ظاهر الأردبيلي الميل إليه كما ان ظاهر المسالك التردّد.

و الحق هو الجواز و خيار الرعيّة مطلقا للأصل و الإطلاقات، و يؤيّده افتاء الصحابة مع اشتهارهم بالاختلاف في الأفضلية و عدم الإنكار عليهم .. ثم قال: احتج القائلون بوجوب تقليد الأعلم بأن الظن بقوله‏

____________

(1) القوانين ج 2 ص 240- 243.

52

أقوى و الأقوى أحرى بالاتّباع و لما بنى عليه اصول مذهبنا من قبح تقديم المفضول على الأفضل و للأخبار منها المقبولة (1) و خبر داود بن الحصين‏ (2) و خبر النميري. (3)

و أجاب عن الأول: بأنّ حجيّة التقليد تعبّدية و ليست منوطة بالظن فلا يقدح قوّة الظن في فتوى الأفضل ...

و عن الثاني: بأنه قياس للقضاء و الفتوى على الإمامة فإن قبح تقديم المفضول في اصول مذهبنا في الأخير و القياس باطل مع انه مع الفارق كما صرّح به المحقق الأردبيلي قال: لأنّ الإمامة كالنبوّة في الاتّباع المحض له و التفويض إليه بالكلية، و يحكم بالعلم البديهي و يحتاج إلى علم الهي في جميع الامور و منشأ الفتوى و الحكم النصّ المستفاد عن بعض القرائن، و قد يفرض وصول مفضول الى الحق دون الفاضل و لا محذور فيه و لا يمكن ذلك في أصل الإمامة و النبوّة، فإن المدار هنا على العلم الحق، و لهذا جوّز إمامة المفضول للفاضل في الصلاة و جوّز للإمام نصب القاضي من غير اشتراط تعذّر الوصول إليه ...

ثم قال: و ظهر ممّا ذكرنا ان الحق اختصاص ترجيح الأعلم بمورد النصوص و هو ما إذا اختلف المترافعان أوّلا في الاختيار كما في المقبولة أو اتّفقا على رجلين فاختلفا كما في الروايتين كما هو ظاهر الفاضل في التحرير، و ان اللّازم ترجيحه حينئذ أيضا هو الأعلم و الأعدل معا، فلو

____________

(1) الخبر 1 من الباب 9 من أبواب صفات القاضي ج 18 الوسائل ص 75 و ذكره أيضا في الباب 11 ص 98.

(2) الخبر 20 من الباب 9 من أبواب صفات القاضي ج 18 الوسائل ص 80.

(3) الخبر 45 من الباب 9 من أبواب صفات القاضي ج 18 الوسائل ص 88.