مصادر التشريع عند الإمامية والسنة

- السيد محمد الموسوي البجنوردي المزيد...
102 /
1

فهرست عناوين‏

المقدمة 1

حقيقة الاجتهاد 3

انواع الاجتهاد 5

1- الاجتهاد العقلي: 5

2- الاجتهاد الشرعي: 6

مصادر الاجتهاد 7

مصادر التشريع عند الامامية الاثنى عشرية 7

الأدلة الاربعة 8

حقيقة الوحي 9

السنة و الاجماع 21

الاول: السنة 23

1- تعريف السنة 23

2- دليلية السنة 26

3- الخبر المتواتر و خبر الواحد 27

4- ادلة حجية خبر الواحد 29

الثانى: الاجماع 36

1- تعريف الاجماع: 36

2- دليلية الاجماع: 37

3- أدلة حجية الاجماع: 39

4- أقسام الاجماع: 43

العقل أحد الادلة الاربعة: 45

اي سبيل يوصلنا إلى مصالح الاشياء و مفاسدها؟ 49

1. قول الشيعة العدلية: 49

2. قول الاشاعرة: 51

الحسن و القبح العقليان 54

1. رأى الاشاعرة و رأى عدليي المذهب 54

2. معانى الحسن و القبح 54

3. المقارنة بين الرأيين: 55

العقل النظري و العقل العملي 56

الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع 61

مصادر التشريع في الإسلام من وجهة نظر أهل السنة 67

1- القياس 67

أركان القياس: 69

أدلة حجية القياس: 69

2- السنة، دراسة و تحليل: 71

3- الاجماع، دراسة و التحليل: 71

4- العقل، دراسة و تحليل: 72

القياس من وجهة نظر الشيعة 75

الجذور التاريخية لظهور القياس 76

المصالح المرسلة 77

1- السنة، دراسة و تحليل: 78

2- قاعدة لا ضرر: 78

1- 2 معرفة ماهية الضرر و الضرار 79

2- 2 طرح نظريات مختلفة حول القاعدة 81

المقدمة (1)- لشخصية النبي الكريم (ص) ثلاثة جوانب: 82

3- 2 استدلال بقاعدة «لا ضرر» دراسة و تحليل 87

3- الاستحسان 88

الف) المعنى اللغوي و الاصطلاحى للاستحسان 88

ب) مكانة الاستحسان في الاحكام الشرعية 90

4- سد الذرائع- فتح الذرائع: 94

الف) المعنى اللغوى و الاصطلاحى 94

ب) مجالات إعمال سد الذرائع- فتح الذرائع 94

ج) فتح الذرائع من وجهة نظر الامامية 94

د) سد الذرائع من وجهة نظر الإمامية 96

5- سنة الصحابي 97

نقد و تحليل: 98

6- مذهب الصحابي 100

الف) ادلة مذهب الصحابى 100

ب) دراسة و التحليل ادلة مذهب الصحابي 100

2

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

المقدمة

جميع المسلمين شيعة و سنة لم يتفقوا فى تبيين مبانى التوحيد فى الذات المقدسة نظير الصفات الثبوتية و الارادة و علم البارى تعالى و كيفية التكلم فى مرحلة الذات المقدسة و مسألة الجبر و التفويض و الالتزام بالحسن و القبح العقليين. و نتيجة لهذا الاختلاف نشأت مكاتب كلامية كالعدلية و الاشاعرة و المعتزلة، و هكذا فى مسألة الامامة هل هى تعد من الاصول و تحصل بنصب خاص بمعنى ان الامام لطف فيجب نصبه على اللّه تعالى تحصيلا للغرض، أو كون الامامة قد اشتملت على وجه اللطف لا يكفى فى وجوبها على اللّه تعالى. و هكذا ان الامام يجب أن يكون معصوما و أفضل من غيره أم لا؟ و هذا المعنى صار سببا لايجاد حدوث الفرق فى الامة الاسلامية كالشيعة و السنة. و تحدّث هذه الاختلافات فى مبانى درك الشريعة فى المسائل الفقهية فى كيفية استنباط الاحكام عن مصادر التشريع و نحن نحاول فى حصول التقارب بين المذاهب الاسلامية و حصول التوفيق بينهم فى المشتركات. كى يحصل الهدف الاسمى و الضالة المنشودة و هى: ان الاسلام بنى على كلمة التوحيد و توحيد الكلمة. و من اللّه الرشد و الهداية و به الاعتصام انه سميع مجيب و الحمد للّه رب العالمين.

3

حقيقة الاجتهاد

الاجتهاد لغة من الجهد و هو في اللغة لمعان كثيرة: جهد في الامر جدّ و تعب و طلب المشقة و تحملها. و بما أن هناك تقارب بين المعنى اللغوى و المعنى الاصطلاحى للاجتهاد تعرض كثير من فطاحل علماء الاصول للمعنى اللغوي له. كالسيد المرتضى‏ (1) و ابن حزم‏ (2) و الآمدى‏ (3) و المحقق الحلى‏ (4) و غيرهم.

و أما اصطلاحا كما عن الحاجبي و العلامة استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي‏ (5) و عن البهائي: الاجتهاد ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم‏

____________

(1) في كتاب الذريعة في اصول الشريعة: فأما الاجتهاد فموضوع في اللغة لبذل الوسع و الطاقة في الفعل الذى يلحق به في التوصل اليه بالمشقة، كحمل الثقيل و ما جرى مجراه.

(2) السرخسي، أبو بكر محمد بن احمد بن سهيل، كتاب اصول السرخسي، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ص 312، استنفاد الجهد في طلب الشي‏ء المرغوب إدراكه حيت يرجى وجوده.

(3) سيف الدين الآمدى في كتاب الاحكام في اصول الاحكام، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، المجلد الثانى، ص 388: فهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر في الامور مستلزم للكلفة و المشقة، و لهذا يقال: فلان اجتهد فى حمل حجر و لا يقال: اجتهد فى حمل خردلة.

(4) كتاب معارج الاصول: الاجتهاد افتعال من الجهد و هو في الوضع بذل المجهود من طلب المراد مع المشقة، لانه يقال اجتهد في حمل الثقيل و لا يقال ذلك في الأمر الحقير.

(5) شرح مختصر الاصول/ 460. كفاية الاصول، ص 463.

4

الشرعى الفرعى من الأصل فعلا او قوة قريبة (1) و عن ثالث: الاجتهاد حالة أو قوة قدسية الهية. الى غير ذلك في التعاريف المذكورة و التحقيق في المقام أن اختلاف عبارات الأعلام في شرح معنى الاجتهاد المصطلح ليس لأجل اختلافهم في حقيقته بل هو عند الجميع عبارة عن استفراغ الوسع في إعمال القواعد الاصولية و الفقهية لتحصيل المعرفة بالوظيفة الفعلية من الاحكام الواقعية و الظاهرية، و ان المقصود من تلك العبارات المختلفة هو مجرد الاشارة اليه بوجه ما، فمن جهة ان استخراج الاحكام و الوظائف الفعلية عن أدلتها لا يكون إلا عن قوة راسخة في تنقيح القواعد النظرية و اعمالها في مواردها، عرّف الاجتهاد بالملكة تارة و بالقوة القدسية الالهية اخرى باعتبار كونها من المواهب الالهية و النور الذي يقذفه اللّه في قلب من يشاء.

و إلّا أن الملكة و القوة من مقولة الكيف النفساني و من عوارضها و حالاتها و الاجتهاد يكون من مقولة الفعل، و بما أن المقولات متباينة بينها فلا يعقل أن تكون الملكة و القوة من مصاديق الاجتهاد، و من جهة ملازمة إعمال القواعد الاصولية و الفقهية في مقام الاستنباط لا تعاب النفس و تحمل المشقة، عرّف الاجتهاد باستفراغ الوسع في تحصيل المعرفة بالحكم الشرعي. نعم لا وجه لما عن العلامة و الحاجبي من استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي، فكان الحري هو تبديل الظن بالحجة بالحكم الشرعي عقلية كانت او شرعية. و بما ذكرنا ظهران الاجتهاد بمعنى استفراغ الوسع في تحصيل الحجة جهة مشتركه بين السنة و الشيعة غاية الأمر أنه تختلف أنظارهم في حجية بعض القواعد، كاختلاف السّنة و الشيعة في حجية القياس و المصالح المرسلة و الاستحسان. فتكون منازعة كل طائفة في حجية ما يقول به‏

____________

(1) زبدة الاصول للشيخ البهائي (قده)/ 115، المنهج الرابع في الاجتهاد و التقليد.

5

الطائفة الاخرى لا في اجتهاده.

و خلاصة الكلام ان الاجتهاد هو الاستنباط الفعلي من الأدلة و لا يكفى فيه مجرد الملكة الموجبة للقدرة على الاستنباط.

انواع الاجتهاد

و قد قسم الاجتهاد بعض المعاصرين‏ (1) لاجل التوصل الى معرفة الاحكام من النصوص الشرعية الى ثلاثة طرق: طريقة الاجتهاد البياني و طريقة الاجتهاد القياسي و طريقة الاجتهاد الاستصلاحي و لكن انت خبير بأنه تقدم آنفا تعريف الاجتهاد اصطلاحا بتعاريف أسدّها و اتقنها هو استفراغ الوسع في تحصيل المعرفة بالحكم الشرعي و هذا المعنى لا يجتمع مع هذا التقسيم الذي أفاده الدكتور الدواليبي و من التقسيمات الواردة فيه هو تقسيم الاجتهاد الى الاجتهاد العقلي و الاجتهاد الشرعي.

1- الاجتهاد العقلي:

و هو ما كانت الطريقية أو الحجية. الثابتة لمصادره عقلية محضة غير قابلة للجعل الشرعي و ذلك فيما إذا أفاد العلم الوجداني بمفهومه كالمستقلات العقلية و قاعدة قبح العقاب بلا بيان و قاعدة الاشتغال اليقيني يستدعى البراءة اليقينية و قاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل فانه في هذه الموارد تكون الطريقية و الحجية ذاتية و منجعلة و غير قابلة للجعل التشريعي لا اثباتا لا نفيا، لانه في الصورة الاولى يستلزم تحصيل ما هو حاصل تكوينا بالتعبد و في الصورة الثانية يستلزم سلب الذاتي عن ذي الذات و كلاهما محال. و يتوقف هذا

____________

(1) الدكتور الدواليبي في كتاب المدخل الى علم اصول الفقه، ص 289.

6

الاجتهاد على التضلع بالمباحث الفلسفية و القواعد الحكمية و المنطقية.

2- الاجتهاد الشرعي:

و هو عبارة عن جعل الحجية و الطريقية و الكاشفية لبعض الظنون الخاصة باعتبار افادتها الظن النوعي و ان شئت قلت: جعل الحجية و الطريقية عبارة عن تتميم الكشف في عالم الاعتبار التشريعي بمعنى انه فى الظن كاشفية ناقصة فالمقنن يدعي كاشفية التامة في عالم الاعتبار و يرتب عليه آثار العلم و يجعله علما تعبديا.

و أيضا ينقسم الاجتهاد الى مطلق و تجزى، فالأول هو ما يقتدر به على استنباط الاحكام الشرعية و الوظائف الفعلية من امارة معتبرة أو أصل معتبر أو نقلي في الموارد التي لم يظفر بدليل معتبر. و الثاني ما يقتدر به على استنباط بعض الاحكام الشرعية و الوظائف الفعلية العملية لا كلها أو جلها. و لا ريب في امكان الاجتهاد المطلق و ان قلّ و ندر حصوله للفقهاء و المجتهدين العظام فما ناله الا الأوحدي منهم.

و أما في الاجتهاد ربما يقال بعدم امكانه و ذلك لبساطة الملكة و عدم قابليتها و ان الاقتدار على استنباط بعض الاحكام الشرعية ملازم مع القدرة على استنباط الجميع. و لكن أنت خبير أولا أن بساطة الملكة و عدم قابليتها للتجزئة لا تنافي مع القدرة على استنباط بعض الأحكام الشرعية بعد كونها ذات مراتب مختلفة شدة و ضعفا و اختلاف المسائل وضوحا و غموضا من حيث المدارك و المبادى.

و ثانيا يشهد به الوجدان من حصوله لكثير من أفاضل العلماء و ذلك لوضوح ان مسائل الفقه ليست على نهج واحد بل تختلف وضوحا و غموضا من حيث المدرك عقلا و نقلا و كذلك الاشخاص يختلفون من حيث طول الباع و قصوره. و

7

للمتصف بهذه المرتبة من الاجتهاد العمل بآرائه و استنباطاته الفقهية و هكذا يجوز رجوع الغير الى المتجزى في المسائل التي استنبطها من الأدلة و ذلك لعموم أدلة التقليد الشامل للمقام.

مصادر الاجتهاد

مصادر التشريع عند الامامية الاثنى عشرية

قبل الخوض في المقام لا بأس بذكر مقدمة و هي أن الشيعة تعتقد أن الاحكام الشرعية طرا- من المعاملات و السياسات و العبادات و غيرها- تبتنى على الادلة الأربعة، الكتاب و السنة و العقل و الاجماع، و ان كان الاحرى عدم ذكر الاخير، و الالتزام بالادلة الثلاثة، لما سيأتى قريبا من أن الاجماع بنفسه لا دليلة له، بمعنى أنه لم يعد مصدرا مستقلا من مصادر التشريع في مقابل الكتاب و السنة. نعم مع توفر شروط يكشف عن رأى المعصوم (عليه السلام) على نحو القطع، و ان شئت قلت يكون محققا للسنة، فقهرا لا يعتبر من الأدلّة المستقلة، و أنما ذكر مجاراة للنهج الدراسي عند اخواننا العامة.

و أيضا تعتقد أن الأدلة كلها تعود الى منبع واحد و هو اللّه سبحانه و تعالى، و هو المشرع و المقنن لا غير، و على هذا الاساس لم ترتب قيمة فقهية لجملة من الادلة المذكورة في أصول الفقه عند اخواننا العامة، كالاجماع و مذهب الصحابي و سيرة الشيخين و غير ذلك و على ضوء هذا البيان نقول بشكل عام أن الضابط الكلي في‏

8

تقييم الادلة و صيرورتها مصدرا مستقلا من مصادر التشريع هو انتهاؤها الى البارى عزّ و جل على نحو القطع، و من هذا الضابط الكلي تخرج الأدلة الظنية التي لم تقم دليل قطعي على اعتبارها كالقياس و غير ذلك، لما ثبت في محله من أن الاصل عدم حجية كل ظن الا ما خرج بالدليل، ان الظن لا يغني من الحق شيئا.

الأدلة الاربعة

اليكم سرد موجز حول الادلة الاربعة و عرضها على الضابط الكلي في صيرورة الدليل مصدرا مستقلا من مصادر التشريع الذي تقدم آنفا.

المصدر الاول الكتاب: و هو القرآن الكريم، الذي أنزله اللّه تعالى على نبينا محمد (ص) و هو المعجزة الخالدة باسلوبه و مضامينه و رقاء معاينه و اخباره عن المغيبات التي ظهرت صدقها، كقوله تعالى‏ «الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ...» (1) و تحديه لجميع الفصحاء و البلغاء و عجزهم عن ذلك، كل هذه الامور يوجب القطع بأن صدورها تكون خارجة عن قابلية البشر و تكون فوق مستواه و عليه يكون مقطوع الصدور و هو الاساس لحجيته، و لكن في نفس الوقت يكون الكتاب ظني الدلالة، لان فيه المحكم و المتشابه- «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ» (2)- و العام و الخاص، و المطلق و المقيد و الناسخ و المنسوخ، و المجمل و المبين، كل هذه الامور أوجبت في أن يكون دلالته ظنية، لكن ظن معتبر قام الدليل‏

____________

(1) سورة الروم، 1، 2، 3 و 4.

(2) سورة آل عمران، 7.

9

القطعى على اعتبار ظواهر الكتاب و حجيته.

و الذي ينبغي ذكره هو أن الكتاب يكون بالوحى و هو المصدر الاصلي للتشريع لانه كما تقدم آنفا أن الباري جل شأنه هو المشرع و المقنن، و اليه ينتهى حجية كل حكم و قانون، فالرسول الاعظم (ص) في تشريعاته دائما كان يستند و يعتمد الى الوحى: اما الى الكتاب العزيز: «إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ...» (1) و اما الى الوحي مباشرة: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏» (2) و حيث انجر الكلام بنا الى الوحي نذكر نبذة موجزة عن حقيقة الوحى و ماهيته.

حقيقة الوحي‏

من الضروري عند الكل اتصال الرسول الاعظم (ص) بعالم الوحي لالهى و الائمة المعصومين (عليهم السلام) بعالم الالهام، ضرورة أن النفس الانساني تكون مستعدة لتجلى حقيقة الاشياء و كنهها، واجبها و ممكنها، إلا أنها لم تكن ضرورية للنفس الانساني و انما الحجب تحصل بالاسباب و العوارض الخارجية، فتكون حائلة بين النفس و اللوح المحفوظ (3) فتصير مانعة عن تجلياتها، و عند زوال الموانع و الحجب في بعض الحالات به سبب هبوب رياح الألطاف الخفية و العنايات الالهية، أو أن النفس بواسطة العبادات و الرياضات تصعد الى الكمال، لأنه في النفس بالحركة الجوهرية استكمال فى جوهر ذاتها، فالاستكمال زيادة في أصل جوهر

____________

(1) سورة النساء، 104.

(2) سورة النجم، 3/ 4.

(3) اللوح المحفوظ هو جوهر منقوش بجميع الحوادث التي قضى اللّه سبحانه و تعالى بها الى يوم القيامة.

10

النفس، أي يترقى من الجمادية الى النباتية و منها الى الحيوانية و منها الى الانسانية و منها الى الملكوتية، و بعبارة أخرى هذه العبادات- كالصلاة مثلا- تكون معدات بالنسبة الى كمال النفس و تجليتها و مهيئة لها الى وصولها الى مدارج الكمال و صيرورتها بمثابة تنهى عن الفحشاء، أو عروجها الى مقام الترقي أو قربها الى الحضرة الربوبية.

فتارة يتجلى حقايق العلوم من المرآة اللوح العقلاني الى المرآة اللوح النفساني، و اخرى يتجلى فيها بعض ما هو مثبت في اللوح المحفوظ و هذا المعنى تارة يكون في المنام الذى يظهر به ما سيكون في المستقبل و اخرى يكون في اليقظة و الإفاقة و تفصيله موكول الى محله.

و صفوة القول أن حصول العلوم في باطن الانسان يكون على أنحاء ثلاثة:

الأول: فيما اذا كان على نحو الاكتساب و التعلم و أن شئت فسمه استبصارا.

الثانى: فيما اذا لم يكن على نحو الاكتساب، و التعلم بل بمدد الألطاف الخفية.

الإلهية يهجم عليه كان القى اليه من حيث يدري، الذي يعبر عنه بحسب الاصطلاح الالهام و النفث في الروح. و هذا المعنى تارة يكون مع اطلاعه على السبب المفيد له و هو مشاهدة الملك الملهم للحقائق من قبل اللّه تعالى و هو العقل الفعال الملهم للعلوم في العقل المنفعل، لما ثبت فى محله‏ (1) ان العلوم لا يحصل لنا الا بواسطة الملائكة العلمية و هى العقول الفعالة بطرق متعددة. و هذا الحالة يسمى وحيا «يختص به الانبياء. و اخرى تنكشف له الحقائق و الواقعيات مع عدم اطلاعه على السبب المفيد له و هو مشاهدة الملك و هذه الحالة يسمى الهاما» يختص به‏

____________

(1) الشواهد الربوبية، ص 349.

11

الاولياء و الائمة المعصومين (عليهم السلام)، و هناك فرق آخر بين الوحى و الالهام، و هو انه في الوحي المنزل ألفاظا «و معاني و اسلوبا» بمعنى انه في الوحي بالاضافة الى رقاء المعانى و المضامين تركيب الالفاظ و نظمه يكون خارقا للعادة و يعد معجزة خالدة بخلاف الالهام، فانه فيه صرف نزول المعاني الى النفوس المقدسة، و اما نظمها و تركيب الالفاظ يكون من فعل الولي و الامام (عليه السلام) و يكون تمام نظرهم الى بيان المعانى في أي قالب من الألفاظ.

أحكام القرآن:- أحكام القرآن على نوعين: أحكام يراد بها اقامة الدين و هذه تشمل أحكام العقائد و العبادات و أحكام يراد بها تنظيم الدولة و الجماعة، كاحكام المعاملات و الجزئيات و الاحوال الشخصية و غيرها. و أحكام القرآن على تنوعها و تعددها انزلت بقصد اسعاد الناس في النشأتين: الدنيا و الآخرة، و من ثم كان لكل عمل دنيوى وجه أخروى، و من يتتبع آيات الاحكام يجد كل حكم منها بترتب عليه جزاءان أن: جزاء دنيوى و جزاء اخروى. كمسألة القتل و الحرابة و السرقة و الزنا و الربا و أكل مال اليتيم و غير ذلك و بها تتميز الشريعة الاسلامية عن سائر الشرائع الوضعية فاللّه سبحانه و تعالى يلزم العباد بتجليتهم و هو يحصل بامتثال الاحكام الشرعية، و تخلية الباطن من الاخلاق الرذيلة و تحليتها بالاخلاق الفاضلة، و كل ذلك يؤدى الى صيانة نظام الجامعة و مصالحها العامة و قلة وقوع الجرائم.

تحريف كتاب: وردت روايات من طرق السنة و الشيعة على وقوع التحريف، كصحيحى البخاري و مسلم، مستندين في ذلك الى عمر (1) و عائشة (2) و فى اصول‏

____________

(1) صحيح البخارى، ج 8، ص 169.

(2) صحيح مسلم، ج 4، ص 167.

12

الكافي لشيخنا الكليني روايات تدل على وقوع التحريف، و لم يؤيد مضامين هذه الروايات، بل ذكر نصوص صحيحة، أو محفوفة بقرائن قطعية حيث تنكر التحريف اشد الاستنكار، و عليه لا داعي الى أمثال أبو زهرة و من حذا حذوه من نسبتهم التحريف الى الكليني، قائلا ... و كيف تقبل رواية من يكون على هذا الضلال، بل على هذا الكفر المبين» (1) و لا يكاد ينقضى تعجبي من هذه العصبية العمياء التي توجب وقوع الانسان في المهلكة، أعاذنا اللّه من ذلك. فالفقهاء العظام (قدس اللّه أسرارهم) طرا- الذي منهم الشيخ الكبير كاشف الغطاء- ادعوا الاجماع على عدم وقوع التحريف. مؤيدين في ذلك الى قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» (2) «وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» (3) و عليه لا حاجة الى اطالة هذا البحث.

- حجية ظواهر الكتاب: عمدة الدليل فيها هو بناء العقلاء و يتركب من مقدمتين قطعيتين:

الف) المقدمة الاولى: استقر بناء العقلاء في الاخذ بظواهر الكلام في جميع المحاورات بينهم، و يرتبون الآثار عليها فحينئذ ظاهر كل كلام حجة بالنسبة الى المتكلم و الى السامع، و عليه لا تنحصر المحاورات العرفية بين العقلاء فيما هو قطعي الدلالة.

ب) المقدمة الثانية: و هو أن الشارع المقدس يكون متحد المسلك مع العقلاء مع‏

____________

(1) الامام زيد، ص 351.

(2) سورة الحجر/ 9.

(3) سورة فصلت/ 42.

13

القطع بعدم الردع عن هذه الطريقة العقلائية من قبل الشارع المقدس، و ذلك لوضوح عدم اختراع طريقة اخرى غير طريقة العقلاء في مقام الافادة لمرامه من خطاباته، لانه لو كان لبان، لا من قبيل عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، و ذلك لتوفر الدواعي على نقله، و المقام ليس من قبيل الامور الراجعة الى الخلافة و الزعامة كي تكون فيه دواعي الاخفاء.

فحينئذ نفس عدم الردع عن هذه الطريقة العقلائية، من أنه كان بمرأى منه يكون إمضاء منه لهذه الطريقة و مع ضم هاتين المقدمتين القطعيتين تكون النتيجة أيضا قطعية و هو حجية الظواهر، فلنطبق هذه الكبرى الكلية على ما نحن فيه و هو حجيه ظواهر الكتاب، و ذلك لعدم الفرق بين الكتاب العزيز و الاحاديث النبوية أو الصادرة عن الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) او الاشخاص العاديين.

رأى الأخباريين في ذلك: استدل الاخباريون على عدم حجة ظواهر الكتاب بادلة خمسة أهمها دعوى اختصاص فهم القرآن و معرفته بأهله و من خوطب به و هو الرسول الأعظم (ص) و الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، كما يشهد بهذا المعنى ما ذكره الصدوق (قده) في العلل‏ (1) أن أبا عبد اللّه (ع) قال لأبي حنيفة أنت فقيه العراق؟

قال: نعم، قال: فبم تفتيهم؟ قال: بكتاب اللّه و سنة نبيه (ص) قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب اللّه حق معرفته؟ و تعرف الناسخ و المنسوخ؟ قال؟ نعم، قال: يا أبا حنيفة لقد ادعيت علما ويلك ما جعل اللّه ذلك الا عند أهل الكتاب الذين انزل عليهم، ويلك و لا هو الا عند الخاص من ذرية نبينا (ص) و ما ورثك اللّه من كتابه حرفا ... «و قول الباقر (عليه السلام) مخاطبا لقتادة بن دعامة البصري: ويحك يا قتادة انما يعرف‏

____________

(1) كتاب علل الشرائع، ج 1، ص 81، ح 2.

14

القرآن من خوطب به» و لكن انت خبير بان المراد- مما دل على اختصاص فهم القرآن و معرفته باهله- اختصاص فهم القرآن بتمامه بمتشابهاته و محكماته ضرورة أن في الكتاب ما لا يختص بأهله و من خوطب به، كاكثر آيات الاحكام و القصص و المواعظ، و أما ردع أبي حنيفة و قتادة عن الفتوى بالكتاب العزيز انما هو لاجل الاستقلال في الفتوى بالرجوع الى الكتاب من دون مراجعة أهله، و هم الائمة (عليهم السلام) ثقل اللّه الاكبر الذي عبر عنه الرسول الاعظم (ص): اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي (أهل بيتي)، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، و لن يفترقا حتى يردا على الحوض» لا أن ردع الامام (عليه السلام) لهما عن الاستدلال بظاهر القرآن مطلقا- حتى في محكماته- و لو مع الرجوع الى أحاديثهم (عليهم السلام) و السر في ذلك انه ورد في غير واحد من الاخبار الارجاع الى الكتاب و الاستدلال بغير واحد من آياته، نظير قول الصادق (عليه السلام).

- لما قال له زرارة: من اين علمت أن المسح ببعض الرأس؟- لمكان الباء.

و التحقيق في المقام أن جعل الاحكام و القوانين في جميع الاوساط التشريعية يكون على نحو القضايا الحقيقية و القضية الحقيقية عبارة عن ورود الحكم على الموضوع المفروض الوجود، بمعنى أن المقنن يفرض تحقق عنوان و يحكم على ذلك العنوان المفروض الوجود في الخارج، سواء أ كانت الجملة خبرية أو إنشائية، حمليه أو شرطية، فقهرا لا تخص هذه الخطابات بالمشافهين و الحاضرين، بل تشمل الغائبين و المعدومين، لأن الحكم بناء على هذا ليس متوجها الى الاشخاص اصلا، كي يقال بانه خاص لمن خوطب به أو المشافهين، بل الحكم وارد على عنوان كلى أخذ مفروض الوجود مع جميع قيوده و شرائطه، فقهرا يشمل هذا الحكم جميع من‏

15

يكون هذا العنوان منطبقا عليه في جميع الأزمنة. كقوله تعالى: «وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» بمعنى أن من كان مستطيعا يجب عليه الحج و ان شئت قلت: أن قيود الهيئة كلها ترجع الى الموضوع، اعنى أن مال القضية الشرطية يكون الى الحملية فقهرا تكون معنى الآية الشريفة: المستطيع يجب عليه الحج.

السنة و الكتاب: ما هو نسبة ألسنة بالكتاب العزيز؟ هناك احتمالات ثلاثة:

الأول: أن تكون السنة مفسرة له، بمعنى شرح ما ورد من آيات عامة في الكتاب، أو تفسير مجملاتها، أو بيان كيفية امتثالها و أدائها و التعرض لاجرائها و شرائطها و موانعها، كالصلاة مثلا، فالكتاب العزيز يكون متعرضا لاصل وجوبها «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا*: أَقِيمُوا الصَّلاةَ*» و أما كيفية أدائها فالسنة تكون متكفلة لذلك، و هكذا في سائر التكاليف، و بعبارة اخرى السنة تكون محدودة للمراد مبينة لاجزائها و شرائطها و موانعها.

الثاني: أن تكون السنة مؤكدة لما في الكتاب من آيات الاحكام، كالاخبار الواردة في اصل وجوب الصلاة او الحج أو الصوم أو الزكاة و هكذا، فان هذه الاحكام كلها موجودة في الكتاب.

الثالث: أن تكون السنة متكفلة لتشريع أحكام لم يتعرض لها القرآن و سكت عنها، كما هو الحال في عدة احكام، كمسألة حرمة الجمع بين العمة و ابنة أخيها، أو الخالة و بنت الاخت بدون رضاهما، أو حرمة لبس الحرير للرجال و غير ذلك.

و التحقيق في المقام أن هذه الاحتمالات الثلاثة كلها موجودة و الذى يسهل الخطب انه لا فرق في عالم الحجية و الانتهاء الى البارى جلت عظمته بين السنة و الكتاب، لانه تقدم آنفا كلاهما ينتهيان الى الوحي الالهي، فحينئذ- اثنينية بينهما كما

16

يقع البحث عن السنة و علائقها بالكتاب.

العام الكتابي يخصص بالخبر الواحد: هذه المسألة بالنظر البدوي يوجب الغرابة، و هو أن الكتاب الذى هو وحي الهي قطع الصدور (و لا ريب فيه) كيف يخصص بالخبر الواحد الذي هو ظني الصدور؟ فلنا أن نجيب عن هذا السؤال يخصص بالخبر الواحد الذي هو ظني الصدور؟ فلنا أن نجيب عن هذا السؤال و ما أورث من الغرابة.

و هو أنه بعد الفراغ من ادلة حجية الخبر الواحد و صيرورتها في عالم الحجية كالخبر القطعي الصدور، أو المحفوف بالقرائن القطيعة ليس هناك ما يمنع من تخصيص الكتاب، لانه كما تقدم آنفا كلاهما يعودان الى منبع واحد و هو اللّه سبحانه و تعالى فحينئذ تكون السنة بمنزلة القرينة الكاشفة عن المراد من العام الكتابي، فقهرا تكون مفسرة و مبينة له و ايضا ثبت في محله ان ظهور الخاص يكون بالنصوصية بالسنة الى عنوان الخاص، فيكون حاكما على ظهور العام و يوجب سلب حجيته في تلك القطعة اي في المقدار الخاص، لان العام بعد مجي‏ء المخصص المنفصل يتعنون بنقيض الخاص، و عليه العام الكتابي بعد مجي‏ء المخصص أي السنة يوجب تعنونه بنقيض ما خرج بالتخصيص عن تحت العام و تفصيله موكول الى محله.

وقوع النسخ في الكتاب و نسبته مع البداء: قبل التعرض للشبهات المطروحة في المقام لا بد من بيان ماهية النسخ، هو عبارة عن رفع الحكم الثابت في الشريعة بالثبوت الواقعي و في نفس الامر، لا الثبوت الظاهري و في مقام الاثبات، كظهور العام في العموم قبل مجي‏ء المخصص، فانه بعد مجيئه يستكشف أن الحكم من أول الامر كان مضيقا و انما الظهور في العموم كان بحسب الظاهر، بخلاف النسخ، فان الحكم‏

17

يرتفع- حقيقة- مجى‏ء الناسخ و ينتهي أمده، و لا نعني من هذا الامران الحكم من أول حدوثه كان مقيدا كي يشكل عليه بأن النسخ يكون لغوا، بل الحق في المقام- كما تقدم آنفا- ان جعل الاحكام يكون على نحو القضية الحقيقة، و هو ورود الحكم على الموضوع المفروض الوجود، من دون أن يخص الاشخاص و الخصوصيات الفردية للطبيعة المأمور بها، و أيضا ثبت في علم الكلام أن الاحكام الشرعية طرا تتبع الملاكات من المصالح و المفاسد الموجودة في متعلقاتها فالمصالح و المفاسد بمنزلة علل الجعل، و لا شك في أن الزمان يكون دخيلا في صيرورة الحكم ذا مصلحة ملزمة مثلا، ففى زمان آخر اذا انتفت المصلحة الملزمة لا يعقل أن يكون الحكم الوجوبي باقيا، بل لا بد و أن يعلن الشارع المقدس به انتهاء أمد هذا الحكم، فالمصلحة الملزمة مثلا اذا انتفت و تبدلت الى المفسدة الملزمة الحكم الوجوبي ينسخ و يتبدل الى الحكم التحريمي و هكذا، يمحو اللّه ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب». (1)

فعلم البارى تعالى بالحوادث يكون حضوريا (2) فمن أول الامر يعلم أن امد هذا الحكم متى ينتهي، بمعنى أن المصلحة الملزمة متى تتبدل الى المفسدة الملزمة، و هذا المعنى لا يستلزم ان يكون الجعل التشريعي من اول الامر مقيدا، بل الجعل يكون على نحو القضية الحقيقية، و انما انتفاء الحكم يكون بانتفاء الموضوع، و على ضوء هذا البيان لا يبقي مجال لأن يقال: أن كان الحكم مجعولا على نحو المقيد فما فائدة النسخ؟ و ان كان الحكم مجعولا على نحو الدوام ثم ينسخ يوجب نسبة الجهل الى البارى تعالى و هو محال.

____________

(1) سورة رعد، آية 39.

(2) فالعلم الحضوري عبارة عن انكشاف الشى‏ء بتمام ذاته و هويته لدى العالم، و هو لبس مقسما للتصور و التصديق، فالعلم الحضوري منحصر فى علم المجرد بذاته، لانه حقيقة نورية فلا تغيب ذاته عن ذاته.

18

حقيقية البداء: البداء بالفتح و المد مصدر للفعل الثلاثي المجرد (بدا) مضارعه يبدو بضم العين. و معناه الظهور و البيان، يقال: بد الزيد الأمر الفلاني أي ظهر له و بان بعد ان كان مجهولا و خفيا عنده.

و منه قوله تعالى: «وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا». (1)

فالبداء بالمعنى الذي ذكرناه يستحيل في ذاته المقدسة، لاستلزام ذلك حدوث علم البارى عزّ و جل بشى‏ء بعد جهله به و هو محال في حقه تعالى، لتعلق علم البارى تعالى بالاشياء كلها منذ الازل، و أن الموجودات برمتها لها تعين علمي بذاته المقدسة، و بما أن ذاته المقدسة علة العلل و مبدأ المبادى و العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول و لهذا اشكل الامر على كثير من الاساطين و الحكماء الالهيين بأنه كيف يمكن أن ينسب البداء الى من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة و هو بكل خلق عليم و يعلم خائنة الاعين و ما تخفى الصدور.

و لذلك تصدى جمع غفير من الفلاسفة و الحكماء للجواب عن تلك الشبهات و حلها، فرأينا من اللازم أن نذكر ما القاه سيدنا الوالد- (قدس اللّه نفسه الزكية)- في احدى محاضراته التي كان يلقيها في الحوزة العلمية في النجف الاشرف صانها اللّه من كل سوء و ذلك به توضيح منا:

و هو أن علم البارى تعالى غير متناه، لعدم تناهي ذاته المقدسة، و بما أن علمه تعالى عين ذاته المقدسة لكونه من صفات الذات، فلو كان علمه متناهيا لكان محدودا و لو كان محدودا لكان له ماهية، لأن الماهية عبارة عن حدود الوجودات، كل نوع ماهية من الماهيات، و لو كان ماهية لزم ان يكون مخلوقا حادثا و هذا خلف.

____________

(1) سورة الزمر، آية 48.

19

و أما علم الخلق الاول: و هي العقول المجردة فحيث انها مجردة و مثال للواجب تعالى فعلومها دفعية و ليست بتدريجية بمعنى أنها عالمة بالاشياء كالواجب تعالى.

لكن مع فرق بين الواجب تعالى، و بين هذه العقول المجردة، و هو أن علوم العقول المجردة محدودة، لكون ذاتها محدودة و متناهية فيمكن أن يعزب عن علمها شي‏ء أو أشياء. ثم أن الخلق الأول الذي هو العقل المجرد هو المعلوم الاول للواجب تعالى، و هو أكمل موجود في القوس النزولي و يقابل هذا في القوس الصعودي الانسان الكامل الذي هو اكمل المخلوقات، و اكمل من العقل الأول، لأنه مالك للحضرات الخمس: و هي الحضرة الناسوتية، التي هي عالم الاجسام و الحضرة الملكوتية السفلى التي هي عالم المثال و الحضرة الملكوتية العليا التي هي عالم النفوس المتعلقة بالابدان، و الحضرة الجبروتية التي هي عالم العقول المجردة، و الحضرة اللاهوتية التي هي عالم الاسماء و الصفات. و يعبر عن الحضرة الخامسة بالحقيقة المحمدية (ص): أول ما خلق اللّه نوري.

و أما الخلق الثاني: فهي النفوس الكلية المتعلقة بابدان الانبياء و الاولياء المرضيين من عبادة الصالحين.

و اما علوم هذا الخلق فليست دفعية، بل تدريجية، سواء أ كانت اكتسابية أم الهامية أم بطريق الإيحاء و لذا لا يكونون محيطين بالزمان و المكان لتعلقهم بالابدان، فلا يعلمون الا المتقضيات الوقتية الا من شملته العناية الالهية، و اتصلت نفسه المقدسة بالملإ الاعلى فتفاض عليها صور المعقولات و الحوادث كلها.

و بما أنها تدريجية في عالم المادة يمكن أن تنتقش في ذهنهم اكتسابا أو الهاما او بطريق الوحي الالهي صورة الحادث بواسطة شهود المقتضيات من دون التفات‏

20

الى موانع الحادث، أوالي شروط تلك المقتضيات و يكون غافلا عن وجود المانع، أو عن عدم الشروط فيعلم بوجود المقتضى ثم يبدو له عدم تحقق شرطه او وجود مانعة و إلى هذا يرجع ما أفاده الفيلسوف الالهي السيد الداماد (قدس اللّه نفسه الزكية): أن المتفرقات في سلسلة الزمان مجتمعات عند الاوائل و هي الحوادث التدريجية في الزمانيات بالنسبة الى العقول المجردة كشفها و شهودها لها دفعي، لانها واقعة فى سلسلة علل تلك الحوادث. فعلمها بذواتها من حيث عليتها للحوادث علم بجميع الحوادث التى تكون واقعة في سلسلة عليتها، و لذلك قلنا انها مثال للواجب تعالى.

غاية الامر بالفرق بينهما: بان الواجب تعالى موجود بسيط غاية البساطة غير متناه و غير محدود. و العقول المجردة موجودات متناهية محدودة مخلوقة للّه تبارك و تعالى.

و خلاصة الكلام أن البداء لا يجري في صفات الذات المقدسة التي لا يصح سلبها عن البارى عزّ و جل، لانها ليست قابلة للتجدد و التغير و التبدل، حيث ان هذه الصفات عين ذاته المقدسة.

و أيضا لا يجري في اللوح المحفوظ أعنى الكتاب الحتمي الذي لا يرد و لا يبدل، و هو القضاء المبرم الثابت الذي لا يتغير، بل البداء يجري في اللوح المحو و الاثبات، فقهرا يكون بمعنى الابداء و الاظهار، يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ». (1)

و أما الفرق الجوهري بين البداء و النسخ: اليكم ما أفاده الفيلسوف الالهي السيد الداماد (قدس اللّه نفسه الزكية): البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في‏

____________

(1) سورة الرعد، 40.

21

التشريع فما في الامر التشريعي و الاحكام التكليفية نسخ فهو في الامر التكويني و المكونات الزمانية بداء.

فالنسخ كأنه بداء تشريعي و البداء كأنه نسخ تكويني ...» (1) و لو لا خوف الاطالة و الخروج عن الفن لاعطينا المقام حقه.

السنة و الاجماع‏

يدور هذا البحث حول السنة و الاجماع به اعتبارهما دليلين من الادلة الاربعة. و لكننا نورد قبل الدخول في صلب الموضوع خلاصة عن اصالة عدم حجية كل ظن الا ما خرج بالدليل:

فكما أن الشك به معنى «متساوي الطرفين» ليس بحجة، و لا يمكن العمل به، فإن العمل بالظن إما ليس جائزا او حرام‏ «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (2) و «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ». (3)

و بناء على هذا فالاصل عدم حجية كل ظن، عد الظنون الخاصة التي يرى العقلاء او الشارع المقدس انها حجة. فقد يقول العقلاء مثلا: «الظن الحاصل من البينة حجة». و من المسلم به أنه حينما تقوم البينة و يشهد شاهدان عادلان على موضوع ما. لا يحصل العلم للقاضي، و ما يحصل ليس أكثر من الظن، غير أن الظن المذكور يخرج من عموم الاصل الكلي، الذي هو عدم حجية كل ظن، و على ضوء هذا البيان فان «الظن الحاصل» من البينة و الاقرار حجة.

____________

(1) بحار الانوار، ج 4، ص 126. نقلا عن كتاب نبراس الضياء.

(2) سورة يونس، 26.

(3) سورة الاسراء، 36.

22

و ليعلم ان الكشف الحاصل من الظن ليس تاما، او لا يكون احيانا كاشفا كالشك به معنى متساوي الطرفين و ليس الشك بهذا المعنى كاشفا قط. اما الشك بالمعنى العادي فهو الظن الذي يكون احتمال الوفاق فيه اكثر من احتمال الخلاف- فمثلا 75% وفاق و 25% خلاف و هنا ليس الكشف الحاصل تاما أيضا، و لكن إن أراد الشارع المقدس أن يمنح هذا الظن اعتبارا، و يعتبره حجة يقول أن الظن الحاصل من البينة أو الاقرار يعتبر كشفا تاما في عالم الاعتبار التشريعي رغم أنه لا يكون كشفا تاما تكوينا، و كما يقول المرحوم الميرزا النائيني (رحمة اللّه عليه)، يتمم الشارع المقدس أو العقلاء، الكشف.

و قد جعلت الحجية لاكثر الامارات و الطرق المعتبرة الآن بالطرق العقلائية، و جعل الحجية هذه هو نفس تتميم الكشف في عالم الاعتبار التشريعي أي أن الظن الحاصل من البينة و الظن الذي يحصل من قاعدة السوق و غيرها، و الكشف الناشى منها ليس تاما، فانها ترتب لها في عالم الاعتبار آثار الكشف التام بحكم العقلاء. و النقطة الاخرى أن الظن في حد ذاته كالشك. يقول الشيخ الانصاري (رحمة اللّه عليه):

«الظن غير المعتبر بحكم الشك بل هو هو». فبعد أن يقول أن الشك غير المعتبر بحكم الشك، يؤكد عليه فيقول بل هو هو. و ليس في حكم الشك. بل موضوعا، لأن الشك عبارة عن الدليل غير المعتبر. و الآن ان كان مقدار الوفاق في هذا الدليل 50% و ميزان عدم وفاقه 50% أيضا أو أن الوفاق الوفاق و الخلاف 25% و 75% فهو واحد من حيث عدم الحجية، و بناء على هذا يجب القول «بل هو هو» و بالاعتماد على هذا يتضح أن الاصل عدم حجية كل ظن «الا ما خرج بالدليل». و الظنون التي جعل لها حجية من قبل الشارع أو العقلاء تسمى «الظنون الخاصة» أو «الظنون‏

23

المعتبرة» و من هذه الظنون اولا الظواهر و ثانيا الظنون الحاصلة من السنة و الاجماع. و هنا لا بد من القول أن الظن الحاصل من هذين الاثنين حجة إلى أن نستنتج أن السنة و الاجماع هما من جملة الادلة من أجل ثبوت حكم شرعي.

و الآن نبادر إلى الدخول في صلب الموضوع فنقسمه إلى قسمين: «السنة» و «الاجماع» و ندرسهما فيما يلي:

الاول: السنة

و يدور بحثنا في هذا القسم تحت أربعة عناوين:

(1) تعريف السنة؛ (2) دليلية السنة؛ (3) الخبر المتواتر و الخبر الواحد؛ (4) أدلة حجية خبر الواحد.

1- تعريف السنة

أورد اللغويون للسنة معاني كثيرة، فهى عند الكسائي بمعنى «الدوام» و عند الخطابي بمعنى «أصل الطريقة المحمودة» و بناء على هذا إلّا معنى اعتبرت كلمة سيئة في العبارة «من سن سنة سيئة» صفة، و تكون سنة بمعنى «سنة حسنة». و فسر بعض اللغويين كلمة سنة «الطريقة المعتادة» حسنة كانت أو سيئة. و قد ورد في رواية صحيحة أيضا «من سن سنة حسنة فله أجر من عمل بها إلى يوم القيامة، و من سن سنة سيئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها الى يوم القيامة». (1)

و الآن لنرى هل تشتمل السنة، في الاصطلاح، على السنة النبوية و سنة

____________

(1) ارشاد القلوب، ص 33.

24

الائمة (س)، أو على السنة النبوية فقط، قال عدد كبير من فقهاء المسلمين: اذا ذكرت السنة مفردة، فتشمل قول النبي (ص) و فعله و تقريره، غير أن فقهاء الامامية (رضوان اللّه تعالى عليهم) قالوا بعد أن أوضحوا أن قول و فعل و تقرير الائمة الاطهار (ع) من حيث الدليلية و الحجية كقول و فعل و تقرير الرسول الاكرم (ص)، قالوا ان السنة بمفهومها توسعت و تشتمل على قول و فعل و تقرير المعصوم (ع)، سواء أ كان النبي (ص) أو الائمة الاطهار (ع). كما أن بعض علماء السنة يقولون أيضا بوجود سنة الصحابة أو سنة الشيخين. و يعتقدون بناء علي ذلك بأن سنة الصحابة حجة كسنة النبي (ص).

و على كان حال يرى الامامية أن السنة بالمعنى العام أي سنة المعصوم- النبي و الائمة الاطهار (س)- حجة. و بذلك فان الائمة الاطهار (ع) ليسوا ناقلي رواية أو محدثين. فقد كان يوحى على الرسول الاكرم (ص)، و هو يخبر بأن اللّه تعالى قال ذلك.

اما فيما يتعلق بالائمة الاطهار (س) يجب القول أنهم حينما يتحدثون عن موضوع، فإن هذا الموضوع توارد اليهم بطريقة الالهام و تعلموا المسائل يدا بيد. فقد روي عن الامام على (ع): «علمني رسول اللّه (ص) ألف باب من العلم و ينفتح لي من كل باب ألف باب». (1)

و على هذا فحينما يروى الائمة رواية. فهى سنة و ليست حكاية عن سنة. و قولهم وحده مصدر التشريع. فمعنى السنة اذن في رأينا يصبح معنى واسعا، و يعتبر أحد مصادر التشريع الاسلامي.

اذا تلقى شخص حكما واقعيا من مصدره الاصلي- أى المعصوم، فليس هناك‏

____________

(1) ينابيع المورد، ص 71 و 73 و 76 و 77.

25

مجال للبحث، لانه من حيث السند قاطع و جازم. و اذا لم يكن كذلك. أي كان الشخص يعيش بعيدا عن المعصوم أو في زمان بعد المعصوم. فانه بناء على ذلك لا يتلقى الحكم الواقعي من المعصوم لوجود الوسائط و الرواة في الوسط. و الكلام الذي يرويه زرارة و محمد بن مسلم أو يونس بن عبد الرحمن ليس سنة بل هو رواية السنة و الحديث. و يسمى في الواقع «سنة» من باب المسامحة.

و من النقاط التي لا بد من البحث حولها فعل المعصوم، فحينما يكون المعصوم في مقام بيان الحكم أو عند ما يبين الامام (ع) حكما بشكل عملي، ففعله من هذا الناجية محفوف بالقرينة، فمثلا. في «الوضوءات البيانية» يتوضأ الامام و يقول أن الرسول الاكرم كان يتوضأ هكذا. فحينئذ يكون المعصوم في مقام بيان الحكم الواقعي و وضع التشريع. و الفعل الصادر من المعصوم (ع) له دلالة على أن هذا هو التكليف الواقعي و بناء على هذا فإن هذا هو حكم اللّه، و لكن ان كان الفعل في مكان مجردا من القرينة، أي ليس من قرينة تدل على أن الامام (ع) في مقام بيان الحكم، يمكن القول بانه ربما يكون فعل المعصوم مستحبا. أو أن الفعل المذكور في نظر البعض يدل على الاباحة على الاكثر. و في رأي البعض الأخر مبين الوجوب. و يقول آخرين لا يدل على أيّ من الوجوب أو الاستحباب أو الاباحة. ذلك أن تعيين الفعل الذي يدور البحث حوله، هل هو مباح أو مستحب أو واجب، يتطلب نفسه قرينة، و الحق هو القول الاخير هذا. و نظرا لعدم وجود قرينة. فلا بد من النظر في أدلة أخرى.

و هنا يتوارد هذا البحث: حينما يصدر فعل من الرسول (ص) فاستحبابه و وجوبه و اباحته معلومة أحيانا. و لكن حينما يقوم الرسول (ص) بفعل بشكل وجوب أو استحباب، فاننا لا نستطيع أن نرى هذا الوجوب و الاستحباب على أنفسنا ذلك لان‏

26

للرسول احكاما خاصة، أي ان بعض الامور واجبة عليه و ليست علينا بواجبة.

كصلاة الليل التي هي واجبة عليه «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (1)، أو صلاة الوتيرة التي لا تجوز عليه. (2) أما إن لم يعلم أن الفعل المقام به من أحكام الرسول الخاصة. وجب حمله على الاشتراك، ذلك أن قاعدة الاشتراك احدى القواعد الفقهية المعترف بها عند الكل و هى أن الاحكام مشتركه بين الجميع.

و الموضوع الأخر المهم هو تقرير المعصوم. و المراد منه انه ان قام أحد بفعل في حضور المعصوم (ع) و سكت عنه و لم ينفه كان هذا السكوت دليلا على الامضاء، و التقرير. ذلك أن الامام (ع) أو الرسول (ص) أن كانا في وضع يستطيعان فيه بيان الحكم- أي اذا كان العمل خطاء ينبهان عليه. و ان كان صحيحا يؤيدا صحته، و اذا كان فيه نقص يأمران برفعه- و مع ذلك (أي مع وجود وقت و امكان البيان) يسكتان، فهذا السكوت يعني أن المعصوم أقر و قبل، و مثل هذا التقرير حجة.

2- دليلية السنة

لدليلية السنة ثلاثة احتمالات:

الف) تقع السنة من حيث الحجية في عرض الكتاب، أي إن دل الكتاب الكريم على حكم من الاحكام. فهو حجة، و العمل به واجب على الجميع. و كذلك إن قامت السنة النبوية و سنة المعصومين على حكم، تكون دليلية في عرض الكتاب و حجة.

____________

(1) سورة الاسراء، 78.

(2) علل الشرائع.

27

ب) و احتمالها الثاني أن يقال: عوده السنة إلى الكتاب و على هذا فدليلية السنة طولية و بهذا المعنى إن كانت السنة مخالفة للكتاب، فليس للسنة اعتبار و لا يعمل بها، و يجب العمل بالكتاب. و بعبارة أخرى: ما دام في الكتاب آية واضحة دالة على حكم من الاحكام فلا حاجة للسنة.

ج) ليس للسنة أية دليلية. أي لا تعتبر مصدرا للتشريع. و على هذا فإن عمل السنة هو البيان و تفسير الآيات «القرآن» فقط. و القرآن هو أولا و بالذات مصدر التشريع. ذلك أن واضع القانون و مصدر التشريع في نظر الاسلام هو البارى تعالى.

و السنة النبوية و أحاديث الائمة الاطهار (س) مفسرة للوحي و مبينة له. و بهذا لا تعتبر السنة مصدرا للتشريع عرضا و لا طولا. و إن كانت تعتبر في الظاهر من الادلة الاربعة فباعتبار التفسير و بيان آيات الاحكام. فالرسول الاكرم (ص) ليس واضعا للقانون و ليس آل البيت (ع) كذلك. و إنما هم مفسرون مصداقا للقول المعروف «أهل البيت أدرى بما فيه» و اعرف الناس و أكثرهم ادراكا للوحي و الكتاب العزيز.

3- الخبر المتواتر و خبر الواحد

و البحث الآخر يدور حول الخبر المتواتر و خبر الواحد. و الخبر المتواتر هو الخبر الذي يفيد سكون النفس. بحيث لا يبقي اي نوع من الشك أو الشبهة في النفس و تصل الى اليقين و المراد من «التواتر» أن يروي الخبر فئة أو جماعة يمتنع عادة تواطؤهم جميعا على الكذب. أي يمتنع أن يجتمع جميع رواة الخبر في أزمنة و أمكنة مختلفة، و يتفقوا على أن يقولوا خبرا كذبا و موضوعا.

28

و في المنطق قضايا تداعى «المتواترات» يصدقها بواسطة حاسة السمع. و يجزم و يقطع بمحتواها- كأن يقال أن رسول الاسلام محمد بن عبد اللّه (ص) و «القرآن» أكبر معجزة في عالم الوجود. و قد اشترط في التواتر المنطقي أمور، جعلوا لها أثرا في حجيته. فالامر الذي يتحقق التواتر به يجب أن يكون من المحسوسات و ليس من المعقولات. (1) و كذلك الاخبار و الشهادات التي لا تنتهي بشهادة واحدة. و تفيد القطع و اليقين. و قد حدد بعض الاخباريين و كبار رجال الحديث عدد الشهادات التي يتحقق التواتر على أساسها. فحددها بعضهم بأربعين شخصا، مستدلين على هذا بأن العدد الذى تتحقق به صلاة الجمعة في بعض المذاهب أربعون شخصا. و ذهب البعض الآخر الى أن العدد 313، و هو عدد أصحاب بدر و حدد آخرون أعددا أخرى و الصحيح أنه ليس لاي من التحديدات المذكورة سند فقهي و عقلائى. و على هذا فلا دخل لعدد معين. و إنما يجب أن يكون عدد الشهادات بشكل يدعوا إلى الجزم و اليقين. أ كان ثلاثة أشخاص أو عشرة. فقد لا يجزم أحيانا و لا يحصل اليقين بمائة شخص.

و يجب أن في الروايات فيها التي فيها وسائط كثيرة و طبقات في الوسط. تواتر في الوسائط أيضا. فمثلا أن محمد بن يعقوب الكليني (ره) في الكافي‏

في رواية عن علي بن ابراهيم و هذا عن إبراهيم بن هاشم و هذا عن حماد و هذا عن زرارة، فيجب أن يحفظ التواتر في جميع هذه الوسائط أيضا.

و على هذا ان لم يكن تواتر في إحدى الطبقات، يزول التواتر لأن النتيجة تابعة لأخس من المقدمات.

____________

(1) يرى الفارابى في كتاب «الجمع بين الرأيين»، أن التواتر فى المعقولات حجة أيضا و حتى يعتبره أقوى حجة.

29

و اذا كانت احدى المقدمات ضعيفة و فاسدة، فالنتيجة ضعيفة و فاسدة أيضا.

و من الممكن ألا يكون الخبر متواترا. و كثيرا ما يكون الخبر خبر الواحد. و لكنه محفوف بقرائن قطيعة تفيد العلم. فاذا كان المخبر واحدا. و لكن روايته محفوفة به قرائن يتأكد بها الانسان من صدقها. و لا يتبادر أي شك أو شبهة، فهذا الخبر حجة لأنه يفيد العلم. و كل ما يرجع إلى العلم، يرجع إلى القطع. و نحن في باب الحجية، نعيد كل أمر إلى العلم، لانه غني بالذات عن الحجية: كل ما بالعرض لا بد و أن ينتهي إلى ما بالذات. فاذا دعت رواية اذن بحسب الظاهر إلى الظن فانها تؤدى إلى العلم بفضل القرائن التي تحف بها. و تحصل الغاية، و تصبح حجيتها ذاتية. أى لا يبقى من حاجة إلى جعل الحجية لأن حجيتها انجعالية. و الحقيقة أن هذا السنخ من الاخبار يجب ألا يندرج في زمرة «خبر الواحد» لانه في حكم «الروايات المتواترة».

و أهم بحث حول السنة هو البحث عن خبر الواحد المجرد من القرائن التي تفيد العلم. فأكثر الروايات المأثورة التى وصلت من الرسول أو الائمة الاطهار (ع) من هذا القسم من الاخبار. و هذا القسم ليس من زمرة الاخبار المتواترة و لا من قبيل الاخبار المحفوفة بالقرائن القطعية، بل خبر الواحد الاصطلاحي الذي يوجب الظن.

و الآن لنرى مدى حجية الخبر.

4- ادلة حجية خبر الواحد

الحقيقة أن العودة للبحث حول حجية خبر الواحد ليتبين هل من دليل قطعي قائم على حجية خبر الواحد أولا. يقول السيد المرتضى (ره) و ابن ادريس في كتاب السرائر أن خبر الواحد المجرد من القرائن ليس حجة. لانه لم يقم دليل قطعي على‏

30

حجية خبر الواحد. و يرى بالمقابل جماعة كالشيخ الطوسي (ره) و العلامة الحلى (ره) و السيد من طاوس (ره). أن خبر الواحد من القرائن حجة أيضا، لقيام دليل قطعي على حجية خبر الواحد. و الادلة التي أقاموها على حجية خبر الواحد هي الآيات «القرآن» و الروايات و الاجماع و بناء العقلاء:

الف) الآيات «القرآن». من الآيات التي استدلوا بها على حجية خبر الواحد.

الاولى: آية النبإ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» (1) فقد استدلوا بهذه الآيات و قالوا: ان وجود الشرط في هذه الآية يدل على أن المخبر الواحد أن لم يكن فاسقا و كان عادلا فقوله حجة. أي إن روى شخص عادل و صادق خبرا فلا حاجة للبحث و التبيين و الواقع أن الآية تقول أن جاء فاسق بنبإ وجب البحث و التبيين هل يقول صدقا أولا. اما اذا انتفى الفسق و كان الذي أورد الخبر و النبأ عادلا ينتفي وجوب التبيين، لان الجزاء في القضية الشرطية تابع للشرط. و وجوب التبيين جزاء، و في حالة انتفاء الشرط ينتفي الجزاء أيضا. (2)

و قد أشكل الانصارى (ره) على هذا الموضوع و قال: هنأ لا معنى لمفهوم الشرط.

و ذلك لان هذا الجزاء يتوقف عقلا على الشرط. و هو مثل سالبة منتفى الحكم بانتفاء الموضوع. و ليس سالبة منتفى المحمول، الذي ينتفي معه المحمول في ظرف وجود الموضوع به سبب انتفاء الشرط أو وصف يتعلق به المشروط. و بعبارة أخرى كأن يكون المقدم‏ (3) نفس الموضوع، بشكل لا يكون فرض الحكم بدون وجود المقدم (أي‏

____________

(1) سورة الحجرات، 6.

(2) يقال في الجزاء: عند ما ينتفى الشرط، يصبح حكم الجزاء خلافا للمنطوق أيضا.

(3) في الاصطلاح: مقدم العبارة من الشرط و تالى العبارة من الجزاء.

31

«الموضوع») معقولا (1). فلا معنى لمفهوم مثل هذه الجملة الشرطية في رأى علماء الاصول.

و يبدو أن اشكال الشيخ (ره) في هذا البحث ليس صحيحا؛ لاننا في المعنى نريد أن يكون الموضوع باقيا في الحالين، يعنى يجب في القضية الشرطية أن يكون الموضوع باقيا في الحالين، في المنطوق و المفهوم. لأن الموضوع في القضايا الشرطية مركب من جزءين يتوقف الجزاء عقلا على أحدهما. و الموضوع في آية النبإ مركب من النبإ و مجي‏ء الفاسق و ينتفي في حالة عدم مجى‏ء الفاسق وجوب التبين أيضا. و على هذا فالموضوع الباقي في الحالين طبيعة النبإ. و النبأ له في الطبيعة أفراد أيضا بعض افراده «نباء صادق» و بعضهم «نبأ كاذب» أذن ليس صحيحا أنه عند ما لا يكون شرط لا يكون موضوع أيضا. فالموضوع موجود دائما و باق في الحالين. أي في المنطوق و في المفهوم.

الثانية، آية النفر: «وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (2) نتحدث في البحث حول هذه الآية عن صدرها و ذيلها. فحول‏ «وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً» روى المفسرون أن أهالي القرى في ضواحي المدينة أسلموا في البدء. و هاجروا إلى المدينة ليتعلموا الاحكام من رسول اللّه (ص). فأدت هذه الهجرة إلى تفشي الغلاء و المجاعة و الاضطرابات فيها. فنزلت هذه الآية يقول تعالى فيها انه ليس من الواجب على جميع الناس أن يهاجروا و يجيئوا إلى المدينة، ثم قال: «فلو

____________

(1) مثل «ان رزقت ولدا فاختنه، ففي هذا المثال لا يمكن فرض الختان بدون وجود الولد.

(2) التوبة، 122.

32

لا نفر من كل فرقة» أي يكفي أن يجى‏ء من كل طائفة أو مجتمع أو قبيلة، فئة إلى المدينة يتعلم أفرادها الاحكام و بعد عودتهم يعلمون الآخرين هذه الاحكام الشرعية و يحذرونهم.

و نستنتج من هذه الآية أن اللّه تعالى يريد أن يشمل المجتمع برحمته و عطفه، و أول ما يتبادر إلى الذهن: أن يذهب الجميع و يتعلموا أحكامهم على سبيل اليقين مشافهة. و لما كان هذا الامر يؤدي إلى العسر و الحرج و اختلال النظام. تقرر أن يتعهد جماعة الامر، ثم يعلموا الآخرين ما تعلموه فلو أن خبر الواحد ليس حجة، فما فائدة هذه الهجرة فهؤلاء النفر و تعلمهم فحينئذ يتضح بدليل الاقتضاء أن هذه الآية دليل على حجية خبر الواحد.

ب) الروايات: و لدينا روايات معتبرة أيضا على حجية خبر الواحد صحيح أنه يمكن أن يشكلوا أن السنة لا تستطيع اثبات سنة، و لا يمكن ادعاء صحة خبر الواحد بحجية خبر الواحد. و قد صنف الشيخ الأنصارى (ره) الروايات في «الرسائل» و ادعى أنه يحصل من مجموع الروايات التواتر المعنوى، و يقطع بأن الشارع المقدس اعتبر خبر الواحد حجة.

فالطائفة الاولى من الروايات في باب الخبرين المتعارضين كمقبولة عمر بن حنظلة و مشهورة أبي خديجة. فيقال في التعارض و ان إحداهما حجة. (1) فالروايات التي ترد لتحدد المرجحات تقول خذوا الرواية التي فيها هذه المزية. و هنا إن لم تكن احدى الروايتين حجة. فلا معنى للتعارض و تحديد المرجح و الأخذ بذي المزية.

و الطائفة الثانية هي الروايات التي أرجع الامام فيها إلى أحد الرواة. ففي هذه‏

____________

(1) في حال وجود علم اجمالي بصدور احدى الروايتين، و الامن الممكن ألا تكونا كلتاهما حسب الواقع مجعولة.

33

الروايات اشارة من حيث نقل الرواية أو الفتوى إلى أحد الرواة. فقد يسأل أحدهم إمام (ع) انني أريد رواية أو موضوعا، و الإمام يقول: اذا أردت حديثا فعليك بهذا الجالس.» و يشير إلى زرارة. فعند ما قال عبد العزيز بن المهدى للإمام الصادق (ع) «ربما احتاج و لست ألقاك في كل وقت أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني؟ قال (ع) نعم «و يقول الشيخ في الرسائل هذا يعني أن الخبر الثقة حجة مفروغ عنه. و سؤال الروي عن يونس بن عبد الرحمن يتعلق في كونه ثقة أو ليس ثقة. و «نعم» تعود إلى كونه ثقة. و على كل حال فهناك روايات كثيرة حول محمد بن مسلم و زكريا بن آدم. تؤدي إلى هذا المعنى.

و الطائفة الثالثة، الروايات التي يقول فيها الإمام ارجعوا إلى الرواة و الثقاة و العلماء: «و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّه عليهم».

و الطائفة الرابعة. الروايات التي تتضمن ترغيب الامام (ع) و الرسول الاكرم بحفظ الاحاديث. فهناك رواية عن الرسول (ص) نقلت بالتواتر يقول فيها: «من حفظ على أمتى أربعين حديثا بعثه اللّه ففيها عالما يوم القيامة». (1)

فاذا لم يكن خبر الواحد حجة، فما الفائدة من هذا العمل؟ إذن من هذا يتأكد لنا أيضا أن خبر الواحد حجة.

و الطائفة الخامسة، هي الروايات التي تتضمن ذم الكذب و تحذير الكذابين من الكذب على المعصومين (ع). فلو أن خبر الواحد ليس حجة. فلما ذا اظهار القلق من الكذب على المعصوم؟ فالحقيقة أن هذا القلق و التأكيد لئلا يروي خلاف يعمل به‏

____________

(1) و اعتمادا على هذه الرواية بادر أكثر علمائنا بتأليف «الاربعينات» ليكونوا مصداقا لهذا الحديث.

34

الناس.

ج) الاجماع: يجمع علماء الإمامية أيضا على ان خبر الواحد حجة إن كان مخبره من الشيعة و قائلا بالإمامة. و قد ادعى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (ره) و المجلسي و عدد آخرون من الكبار الاجماع في حجية خبر الواحد، بينما قالت فئة أخرى في المقابل بعدم حجية خبر الواحد و على رأسها السيد المرتضى (ره) الذي استنكره و اعتبره كالقياس الذي هو باطل باجماع الإمامية.

و ينتقد ابن ادريس أيضا شيخ الطائفة في كتاب «السرائر»- لانه ادعى الاجماع في حجية خبر الواحد- «خبر الواحد لا يوجب علما و لا يوجب عملا». و الشيخ الطبرسي صاحب «مجمع البيان» يدعى الاجماع على عدم حجية خبر الواحد أيضا.

و نحن هنا أمام اجماعين من قبل فئتين من الكبار على حجية و عدم حجية خبر الواحد. فرغم أن شيخ الطائفة و السيد المرتضى كانا في عصر واحد. و كان شيخ الطائفة تلميذ السيد المرتضى (ره) فكيف وجد اثنان متقابلان في شأن مسألة واحدة.

يبدو أنه يمكن الجمع بين القولين بقولنا: لقد صرح الشيخ بأن خبر الواحد ثقة إن كان راويه اماميا و يطمأن إلى أن الخبر من الرسول الاعظم (ص) أو أحد الائمة (ع) حجة.

و السيد المرتضى (ره) ليس في مقام رد هذا الموضوع. و إنما في مقام رد العامة. لانه كان يرى أن عندهم روايات من أبي هريرة و أفراد آخرين لم يراع فيها تقوى القول و انهم اختلفوا روايات كثيرة. فهو يريد أن يقول لهم: أن خبر الواحد عندكم ليس حجة و لا يحصل منه، العلم و لا يطمأن له، و ليس فيه سكون النفس و ليس جازما و قاطعا. و النقطة المهمة أننا اذا نظرنا في كتب السيد المرتضى الفقهية (ره). نرى‏

35

أنه عمل في كثير من أخبار الآحاد و جعلها مستندا لفتاويه و الحقيقة انه لا يمكن القول بأن جميع الروايات التي استند إليها توجب العلم القطعى أو انها محفوفة بقرائن قطعية تورث العلم و اليقين. و على هذا يمكن الجمع بين الرأيين بقولنا: ان اجماع الإمامية قائم على عدم حجية خبر الواحد الذي لا يكون مخبره اماميا و لا يبعث على الاطمئنان. و أكثر مدارك فتاوى ابن ادريس من أخبار الآحاد غير المحفوفة بالقرائن القطعية و التى ليست متواترة أيضا.

د) بناء العقلاء: و الدليل الآخر على حجية خبر الواحد هو بناء العقلاء. و تقوم سيرة العقلاء على أن يعملوا بالخبر الموثوق الصدور من مخبر ثقة و مأمون من الكذب الذي لا يحتمل فيه اختلاف. و يعمل بهذه السيرة أيضا حتى في الاوامر التي تصدرها الدول- و في الاصل كل حاكم. أي أنهم يأخذون بظواهر الالفاظ و لو لا هذا البناء و إن قدروا البحث حول حجية و عدم حجية كل قول، لاختل النظام.

و لا شك في أن المخبر لا بد من أن يكون ثقة و مأمونا من الكذب و يأتي بخبر مطمئن.

و بهذا الشكل يزول في رأى العقلاء الاحتمال الضعيف في خطاء الموضوع.

و لم يخترع طريقة جديدة في المجتمع الاسلامي الذي يعد مسلموه من العقلاء للتبليغ و بيان القانون و ايصال الاحكام. و انما بعمل بسيرة العقلاء تلك. ففي عهد الرسول (ص) كان يذهب أشخاص إلى القرى و المدن و البلاد و يبثون الاحكام و ينشرونها، و لم يكن يسأل أحد «هل صحيح ما تقول؟» أو ما كانوا يقولون «من الضروري أن نأتي بأنفسنا نسأل الرسول: هل هذا الحديث حديثه». و إنما كان الجميع يعملون به، كما كان الناس في العصور المتأخرة يقبلون أقوال الذين يذهبون و ينقلون الفتوى، و يعملون بها.

36

و لكن هل ينبغي القول أن بناء العقلاء يكون حجة فيما اذا أمضاه الشارع المقدس- أو انه لا حاجة للامضاء. و نفس «عدم الردع دليل على الامضاء». يستند في هذا البحث على آيات منها «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏» و «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» و بنا على هذا قيل ان سيرة العقلاء مردوعة لمنع اتباع ما ليس به علم.

و جواب المرحوم الميرزا النائيني (ره) على هذا الاشكال أن المراد من هاتين الآيتين عدم العمل بغير علم. و لكن بعد أن اعتبر الشارع أن خبر الواحد حجة فقد قام في الحقيقة به «تميم الكشف» أي أن الشارع اعتبر الشي‏ء الذي فيه كشف ناقص تشريعا تاما في عالم الاعتبار التشريعي و رأى فيه كشفا تاما. و كل أثر يقوم على العلم يقوم على الظن ايضا، مع وجود فرق واحد هو أن حجية العلم ذاتية انجعالية.

و حجية الظن الحاصل من خبر الواحد جعلية، و به هذا الجعل التشريعي، يخرج خبر الواحد من افراد الظن. و من عموم اصالة عدم حجية كل ظن و يدخل فن افراد العلم.

الثاني: الاجماع‏

ندرس بحث الاجماع أيضا تحت أربعة عناوين:

(1) تعريف الاجماع؛ (2) دليلية الاجماع؛ (3) أدلة حجية الاجماع؛ (4) أقسام الاجماع.

1- تعريف الاجماع:

الاجماع في اللغة بمعنى العزم و التصميم و الاتفاق: فإذا عزم شخص على أمر و

37

صمم على موضوع. يقال له «اجمع» و منه قولهم: أجمع القوم على كذا: اتفقوا عليه.

هذا في المعنى اللغوي. أما في اصطلاح علماء الاصول: فالمراد هو اتفاق الفقهاء و العلماء الكبار المنتهى بعصر الامام المعصوم (ع) أي أن إجماع هؤلاء العلماء ينبغي أن ينتهي بعصر المعصوم (ع). و هذا التعريف هو ما اصطلح عليه علماء الاصول من الشيعة. أما علماء السنة فقد أوردوا أقوالا أخرى أشار شيخ الطائفة- (رضوان اللّه تعالى عليه) إلى عدد منها في كتاب «عدة الاصول». و منها: اتفاق جميع الامة الاسلامية. أو اتفاق جميع المجتهدين في عصر واحد، أو اتفاق أهل مكة و المدينة اللتين يطلق عليهم اسم «الحرمين»، أو اتفاق أهالي الكوفة و البصرة و غير ذلك. و على كل حال ليس من بحث على نحو الموجبة الجزئية في اتفاق العلماء فالجميع يتفقون في هذا الشأن، و لكن البحث في الجزئيات، و هنا لا يهمنا أن ندخل في هذه الجزئيات.

2- دليلية الاجماع:

لدليلية الاجماع معان عديدة: الأول أن الاجماع في عرض الكتاب و السنة و بعبارة أخرى، كما أن كلا من الكتاب و السنة دليل. أو ان الحكم العقلي مع توفر شرائطه دليل. فالاجماع وحده أيضا دليل. و على هذا اذا كان العمل طبقا للاجماع يوجب الثواب. أمكن القول أن العمل خلافا للحكم المجمع عليه يوجب العقاب. و الثاني ينبغي القبول بأنه لا يقع دليل الاجماع في عرض الكتب و السنة و احيانا الدليل العقلي. و أنما يقع في طولها. و بعبارة أخرى، حينما نيأس من العثور على حكم في الكتاب و السنة. ينبغي أن نتمسك بالاجماع. أو أن نعمل بدليل العقل أو مطابق‏

38

الاجماع. و القول الثالث: أن الاجماع لا يعتبر دليلا أبدا لا عرضا و لا طولا. و أنما الاجماع يكشف عن رأى المعصوم (ع) فالحجة أولا و بالذات هو رأى المعصوم أغنى السنة. و نحن نصل إلى السنة و قول المعصوم ببركة الاجماع. و إن شئت قلت:

الاجماع يكون محققا للسنة.

و نحن الشيعة لا نقول أن الاجماع في عرض الكتاب و السنة حجة. أما علماء السنة فقد ذهبوا إلى ذلك على الاكثر و قالوا بعصمة الامة. و قالوا إن أجمعت الامة على مسألة، فلا تخطى. و قد نبع هذا القول عند ما ارادوا مبايعة أبي بكر، فقد كانوا آنذاك لا يقبلون حادثه الغدير و ينكرون أن النص المتعلق بالغدير يرجع إلى نصب الامام. كما أن عددا بكيفية خاصة بايعوا أبا بكر، (1) مما اضطرهم للبحث عن دليل. و لما لم يكن حتى ذلك الوقت غير الكتاب و السنة. و لم يتحدث أي منهما عن خلافة أبي بكر، لذلك قالوا ينبغي طرح مسألة الاجماع و مسألة الانتخاب لتستقر خلافة أبي بكر، و قالوا في النتيجة أن خلافة أبي بكر ثابته باجماع الامة، و الاجماع دليل أيضا. (2)

للشيخ الانصاري (ره) عبارة لطيفة في هذا الاجماع حيث يقول «الذي هو الاصل لهم، و هم الاصل له» أي الاصل في الاجماع هو هؤلاء السادة و الاصل من اجل هؤلاء السادة هو الاجماع، الاجماع الذي هم أوجدوه، و خلافة أبي بكر. و الحقيقة من الذي خلق هذا الاجماع غير هؤلاء السادة (الذي هو الاصل لهم و هم‏

____________

(1) عمر بن الخطاب و أبو عبيدة و سالم مولى حذيفة و بشير بن سعد و اسيد بن حضير.

(2) نحن لسنا هذا المقام أن نبحث: هل كان في هذا الشأن اجماع أولا؟ و هل أن جميع أبناء الامة الاسلامية جاءوا و أجمعوا على بيعة أبي بكر أولا؟ أن هذا البحث مفصل، و بحثه كبار العلماء. و يمكن الرجوع إلى كتاب «عبقات الانوار» و كتاب «الغدير» و كتاب «المراجعات».

39

الاصل له)؟ ثم انهم أوردوا مسألة الاجماع من أجل الاحكام الشرعية. و قالوا أن للاجماع دليلية من أجل الحكم الشرعى أيضا. و بناء على هذا فهو يقع فى عرض الكتاب و السنة. و رغم ذلك قال بعضهم ان الاجماع ليس في عرض الكتاب و السنة. و اذا لم نجد دليلا على حكم شرعي في الكتاب و السنة، عندئذ يأتي دور الاجماع و لذلك قالوا بالطولية من أجل دليلية الاجماع.

أما الشيعة فلا يعتبرون دليلية الاجماع من أجل الاحكام الشرعية عرضيا (في عرض الكتاب و السنة) و لا في طول الكتاب و السنة و إنما يأخذون به في معنى ثالث. أي نحن نصل إلى السنة ببركة الاجماع و نكشف به عن رأى المعصوم (ع).

فالاجماع دليل بشكل صورى. أما اذا ما دققنا في الموضوع وجدنا أن دليلية الاجماع غير ثابتة في الاحكام الشرعية- فلا تقع في عرض الكتاب و السنة و لا في طولهما و ما هو حجة هما السنة و قول المعصوم و ليس الاجماع وحده.

3- أدلة حجية الاجماع:

يستنبط أهل السنة أدلة حجية الاجماع من «الكتاب» (آيات القرآن) و السنة دليل العقل. و يستندون إليها في حجية الاجماع:

الف) «الكتاب» (آيات القرآن)

الآية الاولى: وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى‏ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً. (1)

____________

(1) النساء، 115.

40

يقولون أن هذه الآية تتعرض للذين لا يتبعون الرسول أي الذين يتولون عن اجماع المؤمنين و المسلمين. و يعملون وفق الاجماع. غير أنه لا يوجد في هذه الآية دلالة على حجية الاجماع. و كما يقول الغزالي ظاهر الآية أن الذين يشاقون الرسول و يتبعون طريقا غير طريق المؤمنين و المسلمين مصيرهم يوم القيامة جهنم. «نصله جهنم و ساءت مصيرا» فما علاقة هذا بالاجماع؟ فالآية تقول إن مخالفة الرسول و مشايعة غيره و مخالفة المؤمنين و المسلمين نهايتها جهنم. و هذا الموضوع لا ربط له بالاجماع.

الثانية: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ‏ (1) يقولون:

الوسط هو العدل و لا يتم العدل الا بالاجماع. و هذه الامة أمة لا تخطى، و على هذا فالعدول من هذه الامة دائما على صواب.

و هذه الآية لا تدل على ذلك أيضا. و في هذا الموضوع اشكالات كثيرة فهذه الآية لا تؤدي معنى عصمة الامة. و الذي تؤدي إليه هو أن العدالة التي تكون ثابتة للامة على نحو الموجبة الجزئية. و هو ما لا علاقة له بالعصمة. إذا لا يوجد تعارض في أن يكون الانسان عادلا، و يخطئ أيضا. فالذي لا يخطئ هو المعصوم و لذلك لا يمكن فهم عصمة الامة من هذه الآية.

الثالثة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ. (2) و تمسكوا بهذه الآية أيضا. فقوله: «تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ‏

____________

(1) البقرة، 143.

(2) آل عمران، 110.

41

الْمُنْكَرِ يعنى عصمة الامة» و لكن ليس في هذه الآية أي دليل على هذا المعنى. فالآية تقول: أمتى هم الذين يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر. و لكن هذا الامر بالمعروف و النهي عن المنكر تكليف لهم و هو من فروع الدين. و ليس لهذا الموضوع علاقة بأن الامة الاسلامية ينبغي أن تكون معصومة و إلّا تخطى. و على هذا فالآيات التي يذكرونها لا تثبت ادعاءهم.

ب. السنة.

تمسكوا في السنة بأحاديث كثيرة أيضا و رووا عن الصحابة كابن مسعود و أبي سعيد الخدري و ابن عمرو أنس بن مالك و أبي هريرة و غيرهم روايات يقولون أن فيها تواتر معنوى:

«لا تجتمع أمتى على الخطأ» أو «لا تجتمع أمتى على الضلالة» أو «لم يكن اللّه ليجمع أمتى على الضلالة» أو روايات أخرى عن الرسول الاكرم (ص) مثل «سألت اللّه أن لا تجمع أمتى على الضلالة فآتانيها» و يوجد روايات أخرى أيضا، دلالة فهما روايتا: «لا تجتمع أمتى على الخطأ» و «لا تجتمع أمتى على الضلالة» فيستنتجون منهما أنه أن اتفقت الامة باجمعها على حكم شرعي فهم معصومون و لا يخطئون. و نحن لا نقبل صغرى و لا كبرى هذه المسأله- ففي أية مسألة غير الضروريات (الصلاة و الصوم و الحج و غيرها) أجمعت الامة؟ و أين اتفقت الامة الاسلامية أي جميع المذاهب من علماء و غير علماء و أصحاب الحل و العقد و العوام؟ أما اذا قيل أن المراد من الامة هنا ما يقوله أهل السنة حين التمسك بالرواية هو علماء السنة الذين ان اتفقوا على أمر لا يخطئوا. نقول ان هذا القول لا يتفق و الرواية. و لذلك فاننا ننكر صغرى هذه المسأله. و هي انه لا يحدث ابدا مثل هذا الاتفاق و الاجماع و تقبل به أمة الاسلام كلها. بالاضافة إلى أن ادعاءهم يتعلق بعلماء عصر خاص و علماء فرقة

42

خاصة. و علماء طائفة خاصة. و هذا لا علاقة له ب «لا تجتمع أمتى على الضلالة» و «لا تجتمع أمتي على الخطاء». و الحقيقة يمكن القول أن الاتفاق و الاجماع الوحيد للامة الاسلامية بجميع مذاهبها و طوائفها كان على أصل خلافة الإمام على (ع) فقط.

و هذا ان كان اعتمادنا على أساس ادعاء أهل السنة. و إلّا ففي رأينا أن الإمامة من الاصول. و النتيجة أن جميع الامة الاسلامية متفقة على إمامة على (ع) باعتباره الخليفة الرابع. ثم أن هذا المنطق ليس صحيحا دائما و أن الكثرة توجد العصمة. فاذا انتهجت طائفة كثيرة العدد طريقا فليس معنى ذلك أنها معصومة. و علاوة على ذلك فإن الرواية المذكورة تتعلق بأمر خلافة على بن أبي طالب و ليس بالآخرين.

ج- دليل العقل في حجية الاجماع.

و تمسكوا أيضا بدليل العقل و قالوا: اذا اتفق عدد من العلماء من أهل الفضل و الذكاء على أمر فلا يمكن عقلا أن يخطئوا. و الجواب الذي ينقض هذا الموضوع. أنه قد يوجد بين اليهود النصارى علماء كثيرون يسلكون سبيلا معينا و لكن، نعتقد بأنهم يسيرون في طريق الضلال و الخطاء مع أنهم أصحاب فضل و كمال. و كم في الماضي من أقوال لعلماء الهيئة ظهر خطاؤها و بطلانها فيما بعد.

و تمسك البعض الأخر أيضا بقاعدة اللطف و قالوا: ينبغي على الحكيم وفقا لهذه القاعدة أن يبعث الرسل و ينزل الكتب. و عند ما يرى الحكيم أن الامة جميعها سارت في طريق الاختلاف الواقعي. وجب رفع الشبهة و القاء الاختلاف كيلا تضل الامة كلها (اختلاف أمتى رحمة). و عند ما ما يتفق الجميع على أمر و لا يمكن القاء الاختلاف، يتبين أن رأى الجمع رأى صحيح و متين.

و ينبغي القول أنه أن صح هذا الكلام فإنه يثبت رأى الشيعة أيضا. فالشيعة

43

تقول: أن الإمام المعصوم القائم يلقي الاختلاف عند الضرورة بين العلماء ثم أن حضوره (ع) في المقابل بين المجمعين يوجد إجماعا دخوليا أو كما يسمى مجهول النسب.

و لكن تشير إليه القاعدة العقلية. و العقلانية أن من الضروري على الامام ابلاغ الاحكام. و ليس من واجبه أن يكون بين العلماء و يرى أيهم أخطئوا و أين اختلفوا ليحول دون ذلك.

و على هذا أن ما يقام من أدلة من الكتاب و السنة و العقل على حجية الاجماع لا ثبت أي منها حجية باعتباره أحد الادلة، و هو- في قول- لا يقطع في عرض الكتاب و السنة و في قول آخر في طولهما. نعم يمكن أن يورد كل هذا ليكون قاعدة يقال على أساسها يمكن للاجماع أن يكون كاشفا عن رأى المعصوم (ع) و يوصل ببركته إلى السنة. و لكن مع ذلك فالحجة و الدليل هما السنة و قول المعصوم‏

4- أقسام الاجماع:

يصطلح علماء الاصول على تقسيم الاجماع إلى قسمين: «الاجماع المنقول» و «الاجماع المحصل». و الاجماع المنقول هو أن يبادر الفقيه إلى نقل الاجماع بواسطة أو بوسائط، و لكن إذا نقل الاجماع بالتواتر فعملنا يتعلق في الحقيقة بالاجماع المحصل.

أما إذا نقل فقيه الاجماع بشكل خبر الواحد، فهذا هو الاجماع المنقول.

فالاجماع المنقول الذي يقابل الاجماع المحصل هو اجماع المحصل هو اجماع يكون بخبر الواحد. و ظاهر المسألة أن الجميع متفقون في الاجماع الدخولي. و موضوع الخلاف ينحصر في حجية الاجماع المنقول غير الاجماع الدخولي- فيرى بعضهم أن هذا الاجماع حجة مطلقا لأن المسألة تدخل في خبر الواحد. و يمكن هنا

44

إيراد الاستدلالات التي اعتمد عليها في حجية خبر الواحد. و لا يرى البعض الآخر هذا الاجماع حجة مطلقا. و يعتقدون بأن المسألة ليست من افراد خبر الواحد و بعضهم مالوا إلى الشرح و قالوا: إذا ما نقل جميع الفقهاء في جميع الأعصار و الامصار الاجماع. فهذا الاجماع حجة. أما إذا بادر إلى نقله بعض العلماء في بعض الأعصار فلا يمكن اعتباره حجة. و قد شرح الشيخ الانصارى (ره) هذه المسألة بالتفصيل في «الرسائل».

و الخلاصة، أن عددا كبيرا لا يرى الاجماع المنقول حجة، و هو الصحيح. ذلك أن لا يمكن التمسك بحجية خبر الواحد. و لا القول بأن مثل هذا الاجماع يكشف عن قول المعصوم. و الاجماع المحصل وحده الذي يستطيع أن يكشف عن قول المعصوم (ع). فالفقيه يحصل على الاجماع و الرأى القاطع ببركة تتبع اقوال أعاظم الفقهاء و لا سيما المتقدمون منهم الذي كانوا يعاصرون الائمة ((عليهم السلام)) أو كانوا قريبي العهد منهم و عند ما يرى فقيه أن رجالا كبارا كعلى بن ابراهيم و على بن بابويه و الصدوق و الشيخ الطوسي و الشيخ المفيد و الكليني و السيد المرتضى (رحمة اللّه عليهم) متفقون جميعا في مسألة، يرى أن هذا الاتفاق كاشف عن رأى المعصوم. لاعتقاده بأن هؤلاء الكبار متعبدون بالاخبار و الروايات و ليسوا من أهل القياس و الاستحسان ليتمسكوا بالادلة العقلية. (1)

صحيح أننا قد نجهل الرواية التي استندوا اليها، إلّا أن عدم وصولنا إلى الرواية لا يعني بأن هؤلاء العلماء الكبار قد وصلوا إلى آرائهم بغير طريق روايات المعصوم.

____________

(1) حتى قيل في على بن بابويه: «عند اعواز النصوص كنا نراجع فتاوى ابن بابويه لانه كان متبعدا بالرواية بشكل بجعله يوردها كالاخبار فى فتاويه.

45

و هنا ينبغي القول أن الروايات التي استندوا إليها لم تصلنا، و لذلك فاننا بالاعتماد على أقوالهم- و الذي هو الاجماع المحصل- نقطع بأن رأى المعصوم هو هذا أيضا.

النتيجة. و النتيجة أن الاجماع في الواقع لا يعتبر من الادلة. أي لا دليلية له وحده كالكتاب و السنة- و أن كان حسب الظاهر و الصورة يعتبر من الادلة. و لكن هذا الامر لأنه يعبر عن رأى المعصوم و السنة. و على هذا فالاجماع لا يعتبر دليلا لا عرضا- أي في عرض الكتاب و السنة- و لا فى طول الكتاب و السنة. بل يقطع في الأمر ببركة الاجماع أي الاجماع المحصل (بالشروط التي ذكرت) بحيث يكون مؤدي الاجماع المذكور مطابقا لقول المعصوم (ع) و موافقا للسنة.

العقل أحد الادلة الاربعة

يعتبر الاصوليون الشيعة العقل أحد الادلة الأربعة، و لهم في هذا الباب مباحث هامة. فالاشاعرة يخطون خطوات فى هذا الميدان في حديثهم عن الحسن و القبح العقليين، فالبحث في الحسن و القبح يستوجب الحديث عن معانيهما المختلفة، و التعرض لمعنى العقل يدعو إلى تقسيمه إلى عقل نظري و عقل عملي، و الكلام أخيرا عن الاحكام الشرعية و الاحكام العقلية ينقل إلى البحث حول مفهوم قاعدة الملازمة: أعنى كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، و في النتيجة يتبين موقع و مقام العقل باعتباره أحد الادلة. و لكن قبل كل هذا و قبل التطرق إلى أصل الموضوع، من الافضل أن نبادر في البدء إلى عرض المسألة، و نذكر آراء الباحثين المتقدمين و المتأخرين فيها.

عرض المسألة: و يتم بالصور المتعددة التي نشير اليها:

46

1. هل يمكن القول: كما أن الكتاب وحده دليل و أن كلا من السنة و الاجماع أيضا، ينبغي القول في مقام اقامة الحكم العقلي بالنسبة لمسألة أن هذا الحكم حجة، و يجب العمل به، ليمكن في النتيجة القول أن كان العمل به يوجب الثواب، أن العمل خلاف هذا الحكم العقلي يوجب العقاب؟

2. أو أنه ينبغي القبول بأن الدليل العقلي لا يقع في عرض الكتاب و السنة و الاجماع بل أنه في طولها. أي اننا حينما نيأس من الحصول على مسألة من الكتاب و السنة، و لم نجد اجماعا فيها ينبغي التمسك بالعقل و العمل طبقا لحكمه.

3. أن العقل يكون حجة فيما اذا لم تكن الاحكام التي نطلبها احكاما توقيفية و تعبدية (1). و لا يتمسك بالعقل في نطاق التوقيفات و التعبديات. فينبغي فذ هذا المقام أن يرى ما قال الشارع نفسه. و ما الميزان و المقدار الذي عينه، و ينبغي في الواقع العمل بهذا المقدار و الميزان.

أما اذا كان موضوعنا عقلائيا. فلا ترجع المسألة إلى التعبد و التوقيف لانه يوجد مثل هذه الاحكام في أجواء العقلاء و المجتمعات الحضارية. و هنا نقول أن حكم العقل حجة.

4. يحتمل أن العقل لا يعتبر دليلا- لا عرضا و لا طولا و لا على أساس المعنى الثالث- بل نصل إلى حكم الشرع بحكم العقل أي يوصلنا عقلنا إلى حكم الشرع طبقا لضابطة سنبينها فيما بعد، و ما هو حجة و ما هو دليل فتوى الفقيه، و دليل عقل المقلد يصبح الحكم الشرعي و ليس الحكم العقلي. و للحكم العقلى مقام و موقع‏

____________

(1) الاحكام أما توقيفية و أما عقلائية، و الاحكام التوقيفية تقوم على ورود نص خاص و تتعلق بالعبادة المحضة.

و بمعنى واحد هي تأسيس من الشارع الحكم الذي لم يكن عند العقلاء ثم وضع هذا الحكم بخصائص معينة و ضابطة مشخصة بأمر من الشارع المقدس.

47

المرشد و الهادي فقط فهو يرى الطريق، و يوصلنا إلى الحكم الشرعي.

آراء العلماء و المحققين: حينما نعود إلى كلام العلماء و الباحثين المتقدمين و المتأخرين‏ (1) نصل إلى النقاط التالية:

1. لم ترد على الظاهر اشارة قبل زمان الشيخ المفيد (رضوان اللّه تعالى عليه) إلى مسألة دليل العقل، و أول من تحدث عن حكم العقل هو الشيخ المفيد (ره) حيث يقول في باب العقل «و هو سبيل إلى معرفة حجية القرآن و دلائل الاخبار» (2) فالعقل يعتبر في هذا الكلام سبيلا للكشف عن طريق الوصول إلى حجية الكتاب و السنة.

2. و كان أول من صرح بأن العقل أحد الادلة هو المرحوم ابن ادريس في قوله: فاذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسألة الشرعية عند المحققين التمسك بدليل العقل‏ (3) «أي إذا أقيم الدليل العقلي على أن هذا الشي‏ء فيه مصلحة ملزمة. نحكم بالوجوب أو العمل به. و اذا أقيم الدليل العقلي على هذا الامر، بأن في متعلق هذا الشي‏ء مفسدة ملزمة، نحكم بحرمة ذلك الشي‏ء أو بتركه.

3. و يقسم المرحوم المحقق (رحمة اللّه عليه) أدلة الاحكام إلى قسمين و يتوقف بعض هذه الادلة على الخطاب الذي ينقسم بدوره إلى «لحن الخطاب» و «دليل الخطاب» و «فحوى الخطاب» و يقول في القسم الأخر: «ما ينفرد العقل بالدلالة

____________

(1) لا يعتبر علماء السنة و الجماعة العقل كما يبدو من الادلة الاربعة. و يظهر واضحا تقريبا في كلمات أبي حامد الغزالي ( «المستصفى» المجلد الاول) أن العقل وحده ليس دليلا. لا شك في أنه ثم التمسك بالعقل في مسألة براءة الذمة من الواجبات، و حينما لا يوجد دليل، أو في باب الحرج، أو بالنسبة إلى المعجزات لكن العقل الذي يدور بحثنا حوله و أحد الادلة الأربعة هو غير هذه المسائل.

(2) «اوائل المقالات»، ص 11.

(3) «السرائر»، ص 4.

48

عليه‏ (1) و بناء على هذا التقسيم، لا حاجة للخطاب في بعض الامور. و العقل منفرد في الدلالة عليه. كوجوب رد الوديعة، فالعقل منفرد في وجوب اعادتها. و كذلك حسن الصدق و الانصاف و قبح الظلم و الكذب. فهذه الامور ضرورية، و العقل دال عليها و لا حاجة فيها للكتاب.

و قد أشار الشهيد الأول (رضوان اللّه تعالى عليه) في كتابه الذكرى كالمحقق إلى هذا الموضوع أيضا مع زيادات. و بهذا يلاحظ أن الشيخ المفيد (ره) لا يعتبر العقل في الاصل أحد الادلة الاربعة و يقول «و هو سبيل إلى معرفة ...» و بناء على هذا فقد اختار من الاحتمالات الاربعة الاحتمال الرابع. و هو أن العقل ليس دليلا عرضا و لا طولا و لا ناظرا إلى الامور العقلانية (في الفصل بين التعبديات و الامور العقلانية).

فهو يرى السبيل و يرشد إلى حكم الشرع. أي أننا نصل بحكم العقل إلى حجية القرآن» و دلائل الاخبار.

و قد اختار الفقيه محمد بن ادريس التعريف الذي أورده، الاحتمال الثاني. و في كلامه يقع دليل العقل في الطول. و التمسك بدليل العقل بعد اليأس من الحصول على الحكم من الكتاب و السنة و الاجماع.

و في هذه الحالة يعتمد على دليل العقل و ينبغي على المكلف أن يعمل بما يحكم به، فدليل العقل اذن من الادلة الاربعة- و لكن طولا لا عرضا.

و تنقسم أدلة الاحكام فيما أورده المحقق و الشهيد الأول إلى قسمين. الخطاب في قسم لازم، و في القسم الأخر دليل العقل منفرد. و لا حاجة للخطاب. و بناء على هذا، هناك حاجة إلى الخطاب في المسائل التوقيفية و التعبدية في أحد الانحاء الثلاثة

____________

(1) «المعتبر»، ص 7.

49

أما في بعض المسائل كالانصاف و ردّ الوديعة و حسن الصدق و أيضا في قبح الظلم و الكذب هي مسائل عقلائية لا حاجة فيها إلى الخطاب في جميع الاوساط العقلائية.

و إذا كان من خطاب في هذه الحالات، أمكن القول أن لها صفة ارشادية. فما أورده المحقق و الشهيد الاول اذن. ينطبق على الاحتمال الثالث. و ذلك في بعد معين، و ليس في جميع الاحكام.

و على هذا يلاحظ أنه لم يلتفت أي من كبار الباحثين إلى الاحتمال الاول، و هذا يعني أنهم لم يجعلوا العقل في عرض الكتاب و السنة و الاجماع. و الخلاصة: أن العقل مستقلا لم يكن يعتبر دليلا على الاحكام الشرعية حتى القرن الخامس الهجري، و منذ القرن السادس فما بعد اعتبره عدد من كبار علماء الشيعة أيضا دليلا على الاحكام الشرعية الفرعية، و لكن «عند فقدان النص و الاجماع»

و ذلك طوليا لا عرضيا. و يبدو واضحا مما أورده المحقق أيضا في كتاب المعتبر يقوله:

«مستند الاحكام الكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل» أنه و إن كان دليل العقل في العرض لكن هذا الوضع في الحالات التي يكون العقل منفردا في الدلالة و ذلك بالنظر إلى الفصل بين أدلة الاحكام التي تحتاج إلى الخطاب و غيره.

اي سبيل يوصلنا إلى مصالح الاشياء و مفاسدها؟

1. قول الشيعة العدلية:

تعتمد الشيعة العدلية بأننا لا نملك حكما جزافا، و النقطة التي ينبغي الاشارة

50

إليها و التحدث عنها باعتبارها أصل الموضوع أن الاحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد الموجودة في متعلقاتها.

و يمكن تصور وجود المصلحة و المفسدة في متعلق الشي‏ء باحدى الصور الخمس التالية:

أن كان في متعلق شي‏ء مصلحة ملزمة، فالشارع المقدس هنا يقرر الوجوب و أن كان في متعلقة مفسدة ملزمة، و يقرر الشارع المقدس الحرمة. أما أن كان في متعلق الشي‏ء مصلحة، و لكن غير ملزمة، فالشارع في هذه الحالة يقرر الاستحباب.

و أن كان في متعلق شي‏ء مفسدة غير ملزمة، يقرر الشارع المقدس الكراهية هنا. و اخيرا و اذا لم يكن في أمر مصلحة أو مفسدة، و يقرر هنا الاباحة، فالاحكام التكليفية الخمسة بأسرها أذن ليست جزافية. و هي تابعة للمصالح و المفاسد التي في متعلقاتها و بعبارة اخرى المصالح و لمفاسد بمنزلة علل الجعل، فحيث أن مقتضى العناية الربانية شوق الاشياء إلى كحالاتها و اعلام المكلفين بصلاحهم و فسادهم، و تحريكهم إلى ما فيه الصلاح و الرشاد و زجرهم عما فيه الفساد.

في الموضوع الذي يحكم الشارع المقدس بوجوب شي‏ء نكشف إنا أن في متعلق هذا الشي‏ء مصلحة ملزمة. و اذا حرم الشارع المقدس شيئا نكشف إنا أن في متعلق هذا الشي‏ء مفسدة ملزمة. و بالعكس اذا وصلنا بواسطة العقل إلى أن في متعلق شي‏ء مصلحة ملزمة نحكم من هذا لامر أن الشارع المقدس هنا أقر الوجوب و هذا الكشف لمي‏ (1) فالحركة أذن تحدث من طرفين: حينما نصل إلى خطاب شرعي و نقول يوجد في متعلق الشي‏ء مصلحة أو مفسدة ملزمة و ... لما ذا؟ لأن الشارع المقدس‏

____________

(1) إذا ادركنا المعلول من العلة فالكشف لمي، و اذا ادركنا العلة من المعلول فالكشف اني.