معالم الدين وملاذ المجتهدين‏

- الشيخ جمال الدين الحسن بن زين الدين‏ العاملي المزيد...
256 /
3

[خطبة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله المتعالي في عز جلاله عن مطارح الأفهام فلا يحيط بكنهه العارفون المتقدس بكمال ذاته عن مشابهة الأنام فلا يبلغ صفته الواصفون المتفضل بسوابغ الأنعام فلا يحصي نعمه العادون المتطول بالمنن الجسام فلا يقوم بواجب شكره الحامدون القديم الأبدي فلا أزلي سواه الدائم السرمدي فكل شي‏ء مضمحل عداه أحمده سبحانه حمدا يقربني إلى رضاه و أشكره شكرا أستوجب به المزيد من مواهبه و عطاياه و أستقيله من خطاياي استقالة عبد معترف بما جناه نادم على ما فرط في جنب مولاه و أسأله العصمة من الخطإ و الخطل و السداد في القول و العمل. و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكريم الذي لا يخيب لديه الآمال القدير فهو لما يشاء فعال و أشهد أن محمدا عبده و رسوله المبعوث لتمهيد قواعد الدين و تهذيب مسالك اليقين الناسخ بشريعته المطهرة شرائع الأولين و المرسل بالإرشاد و الهداية رحمة للعالمين (صلى الله عليه و آله) الهداة المهديين و

4

عترته الكرام الطيبين صلاة ترضيهم و تزيد على منتهى رضاهم و تبلغهم غاية مرادهم و نهاية مناهم و تكون لنا عدة و ذخيرة يوم نلقى الله سبحانه و نلقاهم و سلم تسليما. و بعد فإن أولى ما أنفقت في تحصيله كنوز الأعمار و أطالت التردد بين العين و الأثر في معالمه الأفكار هو العلم بالأحكام الشرعية و المسائل الفقهية فلعمري إنه المطلب الذي يظفر بالنجاح طالبه و المغنم الذي يبشر بالأرباح كاسبه و العلم الذي يعرج بحامله إلى الذروة العليا و ينال به السعادة في الدار الأخرى. و لقد بذل علماؤنا السابقون و سلفنا الصالحون (رضوان الله عليهم أجمعين) في تحقيق مباحثه جهدهم و أكثروا في تنقيح مسائله كدهم فكم فتحوا فيه مقفلا ببنان أفكارهم و كم شرحوا منه مجملا ببيان آثارهم و كم صنفوا فيه من كتاب يهدي في ظلم الجهالة إلى سنن الصواب فمن مختصر كاف في تبليغ الغاية و مبسوط شاف بتجاوزه النهاية و إيضاح يحل من قواعده المشكل و بيان يكشف في سرائره المعضل و تهذيب يوصل من لا يحضره الفقيه بمصباح الإستبصار إلى مدينة العلم و يجلو بإنارة مسالكه عن الشرائع ظلمات الشك و الوهم و ذكرى دروس مقنعة في تلخيص الخلاف و الوفاق و تحرير تذكرة هي منتهى المطلب في الآفاق و مهذب جمل يسعف في مختلف الأحكام بكامل الإنتصار و معتبر مدارك يحسم مواد النزاع من صحيح الآثار و لمعة روض يرتاح لتمهيد أصوله الجنان و روضة بحث تدهش بإرشاد فروعها الأذهان فشكر الله تعالى سعيهم و أجزل من جوده مثوبتهم و برهم. و حيث كان من فضل الله علينا أن أهلنا لاقتفاء آثارهم أحببنا الأسوة

5

بهم في أفعالهم فشرعنا بتوفيق الله تعالى في تأليف هذا الكتاب الموسوم بمعالم الدين و ملاذ المجتهدين و جددنا به معاهد المسائل الشرعية و أحيينا به مدارس المباحث الفقهية و شفعنا فيه تحرير الفروع بتهذيب الأصول و جمعنا بين تحقيق الدليل و المدلول بعبارات قريبة إلى الطباع و تقريرات مقبولة عند الإسماع من غير إيجاز موجب للإخلال و لا إطناب معقب للملال و أنا أبتهل إلى الله سبحانه أن يجعله خالصا لوجهه الكريم و أتضرع إليه أن يهديني حين تضل الأفهام إلى المنهج القويم و يثبتني حيث تزل الأقدام على الصراط المستقيم.

و قد رتبنا كتابنا هذا على مقدمة و أقسام أربعة و الغرض من المقدمة منحصر في مقصدين‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقصد الأول في بيان فضيلة العلم و ذكر نبذ مما يجب على العلماء مراعاته و بيان زيادة شرف علم الفقه على غيره و وجه الحاجة إليه و ذكر حده و مرتبته و بيان موضوعه و مباديه و مسائله و فيه فصول‏

8

فضيلة العلم‏

اعلم أن فضيلة العلم و ارتفاع درجته و علو رتبته أمر كفى انتظامه في سلك الضرورة مئونة الاهتمام ببيانه غير أنا نذكر على سبيل التنبيه أشياء في هذا المعنى من جهة العقل و النقل كتابا و سنة مقتصرين على ما يتأدى به الغرض فإن الاستيفاء في ذلك يقتضي تجاوز الحد و يفضي إلى الخروج عما هو القصد. فأما الجهة العقلية فهي أن المعقولات تنقسم إلى موجودة و معدومة و ظاهر أن الشرف للموجود ثم الموجود ينقسم إلى جماد و نام و لا ريب أن النامي أشرف ثم النامي ينقسم إلى حساس و غيره و لا شك أن الحساس أشرف ثم الحساس ينقسم إلى عاقل و غير عاقل و لا ريب أن العاقل أشرف ثم العاقل ينقسم إلى عالم و جاهل و لا شك أن العالم أشرف فالعالم حينئذ أشرف المعقولات‏

فصل‏

و أما الكتاب الكريم فقد أشير إلى ذلك في مواضع منه الأول قوله تعالى في سورة العلق و هي أول ما نزل على نبينا (صلى الله عليه و آله)

9

في قول أكثر المفسرين‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏ الَّذِي خَلَقَ‏ خَلَقَ الْإِنْسانَ‏ مِنْ عَلَقٍ‏ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ‏ بِالْقَلَمِ‏ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ حيث افتتح كلامه المجيد بذكر نعمة الإيجاد و أتبعه بذكر نعمة العلم فلو كان بعد نعمة الإيجاد نعمة أعلى من العلم لكانت أجدر بالذكر. و قد قيل في وجه التناسب بين الآي المذكورة في صدر هذه السورة المشتمل بعضها على خلق الإنسان من علق و بعضها على تعليمه ما لم يعلم أنه تعالى ذكر أول حال الإنسان أعني كونه علقة و هي بمكان من الخساسة و آخر حاله و هو صيرورته عالما و ذلك كمال الرفعة و الجلالة فكأنه سبحانه قال كنت في أول أمرك في تلك المنزلة الدنية الخسيسة ثم صرت في آخره إلى هذه الدرجة الشريفة النفيسة. الثاني قوله تعالى‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ‏ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ‏ لِتَعْلَمُوا الآية فإنه سبحانه جعل العلم علة لخلق العالم العلوي و السفلي طرا و كفى بذلك جلالة و فخرا. الثالث قوله سبحانه‏ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً فسرت الحكمة بما يرجع إلى العلم. الرابع قوله تعالى‏ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ‏. الخامس قوله تعالى‏ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ. السادس قوله سبحانه‏ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ

10

وَ أُولُوا الْعِلْمِ‏. السابع قوله تعالى‏ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ‏ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏. الثامن قوله تعالى‏ قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ‏ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏. التاسع قوله تعالى‏ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‏. العاشر قوله تعالى مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه و آله) آمرا له مع ما آتاه من العلم و الحكمة وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً. الحادي عشر قوله تعالى‏ بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ‏ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‏. الثاني عشر قوله تعالى‏ وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏

فصل‏

و أما السنة فهي في ذلك كثيرة لا تكاد تحصى فمنها (ما أخبرني به إجازة عدة من أصحابنا منهم السيد الجليل شيخنا نور الدين علي بن الحسين بن أبي الحسن الحسيني الموسوي أدام الله تأييده و الشيخ الفاضل عز الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي (قدس الله روحه) و السيد العابد نور الدين علي بن السيد فخر الدين الهاشمي (قدس الله روحه)

11

بحق روايتهم إجازة عن والدي السعيد الشهيد زين الملة و الدين رفع الله درجته كما شرف خاتمته عن شيخه الأجل نور الدين علي بن عبد العالي العاملي الميسي عن الشيخ شمس الدين محمد بن المؤذن الجزيني عن الشيخ ضياء الدين علي بن شيخنا الشهيد عن والده (قدس الله سره) عن الشيخ فخر الدين أبي طالب محمد بن الشيخ الإمام العلامة جمال الملة و الدين الحسن بن يوسف بن المطهر عن والده رضي الله عنه عن شيخه المحقق السعيد نجم الملة و الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد (قدس الله نفسه) عن السيد الجليل شمس الدين فخار بن معد الموسوي عن الشيخ الإمام أبي الفضل شاذان بن جبرئيل القمي عن الشيخ الفقيه العماد أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري عن الشيخ أبي علي الحسن بن الشيخ السعيد الفقيه أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي عن والده رضي الله عنه عن الشيخ الإمام المفيد محمد بن محمد بن النعمان عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن الشيخ الجليل الكبير أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن عبد الله بن ميمون القداح ح و عن محمد بن يعقوب عن محمد بن الحسن و علي بن محمد عن سهل بن زياد عن جعفر بن محمد الأشعري عن عبد الله بن ميمون القداح ح و عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن جعفر بن محمد الأشعري عن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله ((عليه السلام)) قال قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة و إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم‏

12

رضا به و إنه ليستغفر لطالب العلم من في السماء و من في الأرض حتى الحوت في البحر و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر و إن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما و لكن ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر) (و بالإسناد عن الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان عن الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (رحمه الله) عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني عن يونس بن عبد الرحمن عن الحسن بن زياد العطار عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ((عليه السلام)): تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة و مدارسته تسبيح و البحث عنه جهاد و تعليمه من لا يعلمه صدقة و هو عند الله لأهله قربة لأنه معالم الحلال و الحرام و سالك بطالبه سبل الجنة و هو أنيس في الوحشة و صاحب في الوحدة و سلاح على الأعداء و زين الأخلاء يرفع الله به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم ترمق أعمالهم و تقتبس آثارهم و ترغب الملائكة في خلتهم يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم لأن العلم حياة القلوب و نور الأبصار من العمى و قوة الأبدان من الضعف ينزل الله حامله منازل الأبرار و يمنحه مجالسة الأخيار في الدنيا و الآخرة بالعلم يطاع الله و يعبد و بالعلم يعرف الله و يوحد و بالعلم توصل الأرحام و به يعرف الحلال و الحرام و العلم إمام العقل و العقل تابعه يلهمه السعداء و يحرمه الأشقياء)

فصل‏

(و روينا بالإسناد عن محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن‏

13

أبيه عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): طلب العلم فريضة على كل مسلم ألا إن الله يحب بغاة العلم) (و عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن محبوب عن هشام بن سالم عن أبي حمزة عن أبي إسحاق السبيعي عمن حدثه قال سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: أيها الناس اعلموا أن كمال الدين طلب العلم و العمل به ألا و إن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال إن المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و ضمنه و سيفي لكم و العلم مخزون عند أهله و قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه) (و عنه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن خالد عن أبي البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن العلماء ورثة الأنبياء و ذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا و إنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشي‏ء منها فقد أخذ حظا وافرا فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين) (و عنه عن الحسين بن محمد عن علي بن محمد بن سعد رفعه عن أبي حمزة عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه و لو بسفك المهج و خوض اللجج إن الله تبارك و تعالى أوحى إلى دانيال أن أمقت عبيدي إلى الجاهل المستخف بحق أهل العلم التارك‏

14

للاقتداء بهم و إن أحب عبيدي إلي التقي الطالب للثواب الجزيل اللازم للعلماء التابع للحلماء القابل عن الحكماء) (و عنه عن علي بن إبراهيم عن أبيه و عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد جميعا عن ابن أبي عمير عن سيف بن عميرة عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد) (و عنه عن الحسين بن محمد عن أحمد بن إسحاق عن سعدان بن مسلم عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس و يشده في قلوبهم و قلوب شيعتكم و لعل عابدا من شيعتكم ليست له هذه الرواية أيهما أفضل قال الراوية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد)

فصل‏

و من أهم ما يجب على العلماء مراعاته تصحيح القصد و إخلاص النية و تطهير القلب عن دنس الأغراض الدنيوية و تكميل النفس في قوتها العملية و تزكيتها باجتناب الرذائل و اقتناء الفضائل الخلقية و قهر القوتين الشهوية و الغضبية. (و قد روينا بالطريق السابق و غيره عن محمد بن يعقوب (رحمه الله) عن علي بن إبراهيم رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) و عن محمد بن يعقوب قال حدثني محمد بن محمود أبو عبد الله القزويني عن عدة من أصحابنا منهم جعفر بن أحمد الصيقل بقزوين عن أحمد بن عيسى العلوي عن عباد بن صهيب البصري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: طلبة العلم ثلاثة

15

فاعرفهم بأعيانهم و صفاتهم صنف يطلبه للجهل و المراء و صنف يطلبه للاستطالة و الختل و صنف يطلبه للفقه و العقل فصاحب الجهل و المراء مؤذ ممار متعرض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم و صفة الحلم قد تسربل بالخشوع و تخلى من الورع فدق الله عن هذا خيشومه و قطع منه حيزومه و صاحب الاستطالة و الختل ذو خب و ملق يستطيل على مثله من أشباهه و يتواضع للأغنياء من دونه فهو لحلوائهم هاضم و لدينهم حاطم فأعمى الله على هذا خبره و قطع من آثار العلماء أثره و صاحب الفقه و العقل ذو كآبة و حزن و سهر قد تحنك في برنسه و قام الليل في حندسه يعمل و يخشى وجلا داعيا مشفقا مقبلا على شأنه عارفا بأهل زمانه مستوحشا من أوثق إخوانه فشد الله من هذا أركانه و أعطاه يوم القيامة أمانه) (و عنه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى و عن علي بن إبراهيم عن أبيه جميعا عن حماد بن عيسى عن عمر بن أذينة عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس قال سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): منهومان لا يشبعان طالب دنيا و طالب علم فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل الله له سلم و من تناولها من غير حلها هلك إلا أن يتوب أو يراجع و من أخذ العلم من أهله و عمل بعلمه نجا و من أراد به الدنيا فهي حظه) (و عنه عن الحسين بن محمد بن عامر عن معلى بن محمد عن الحسن بن علي الوشاء عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام)

16

قال: من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب و من أراد به خير الآخرة أعطاه الله خير الدنيا و الآخرة) (و عنه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن القاسم بن محمد الأصبهاني عن المنقري عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا رأيتم العالم محبا لدنياه فاتهموه على دينكم فإن كل محب لشي‏ء يحوط ما أحب) (و قال: أوحى الله إلى داود (عليه السلام) لا تجعل بيني و بينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي فإن أولئك قطاع طريق عبادي المريدين إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم) (و عنه عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن حماد بن عيسى عن ربعي بن عبد الله عمن حدثه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها)

فصل‏

(و روينا بالإسناد السابق عن الشيخ المفيد محمد بن محمد بن نعمان عن الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه (رحمه الله) عن علي بن أحمد بن موسى الدقاق (رحمه الله) قال حدثنا محمد بن جعفر الكوفي الأسدي قال حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكي قال حدثنا عبد الله بن أحمد الدقاق قال حدثنا إسماعيل بن الفضل عن ثابت بن دينار الثمالي عن سيد العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: حق سائسك بالعلم‏

17

التعظيم له و التوقير لمجلسه و حسن الاستماع إليه و الإقبال إليه و أن لا ترفع عليه صوتك و لا تجيب أحدا يسأله عن شي‏ء حتى يكون هو الذي يجيب و لا تحدث في مجلسه أحدا و لا تغتاب عنده أحدا و أن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء و أن تستر عيوبه و تظهر مناقبه و لا تجالس له عدوا و لا تعادي له وليا فإذا فعلت ذلك شهد لك ملائكة الله بأنك قصدته و تعلمت علمه لله جل اسمه لا للناس و حق رعيتك بالعلم أن تعلم أن الله عز و جل إنما جعلك قيما لهم فيما آتاك من العلم و فتح لك من خزائنه فإن أحسنت في تعليم الناس و لم تخرق بهم و لم تضجر عليهم زادك الله من فضله و إن أنت منعت الناس علمك أو خرقت بهم عند طلبهم منك كان حقا على الله عز و جل أن يسلبك العلم و بهاءه و يسقط من القلوب محلك) (و بالإسناد المذكور عن المفيد عن أحمد بن محمد بن سليمان الزراري قال حدثنا مؤدبي علي بن الحسين السعدآبادي عن أبي الحسن القمي قال حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن سليمان بن جعفر الجعفري عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان علي (عليه السلام) يقول: إن من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال و لا تأخذ بثوبه و إذا دخلت عليه و عنده قوم فسلم عليهم جميعا و خصه بالتحية دونهم و اجلس بين يديه و لا تجلس خلفه و لا تغمز بعينك و لا تشر بيدك و لا تكثر من القول قال فلان و قال فلان خلافا لقوله و لا تضجر بطول صحبته فإنما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها حتى يسقط عليك منها شي‏ء و العالم أعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله و إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شي‏ء إلى يوم القيامة)

18

فصل‏

و يجب على العالم العمل كما يجب على غيره لكنه في حق العالم آكد و من ثم جعل الله تعالى ثواب المطيعات من نساء النبي (صلى الله عليه و آله) و عقاب العاصيات منهن ضعف ما لغيرهن و ليجعل له حظا وافرا من الطاعات و القربات فإنها تفيد النفس ملكة صالحة و استعدادا تاما لقبول الكمالات. (و قد روينا بالإسناد السالف و غيره عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن حماد بن عيسى عن عمر بن أذينة عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي قال سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يحدث عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال في كلام له: العلماء رجلان رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج و عالم تارك لعلمه فهذا هالك و إن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه و إن أشد أهل النار ندامة و حسرة رجل دعا عبدا إلى الله فاستجاب له و قبل منه فأطاع الله فأدخله الجنة و أدخل الداعي النار بتركه علمه و اتباعه الهوى و طول الأمل أما اتباع الهوى فيصد عن الحق و طول الأمل ينسي الآخرة) (و عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: العلم مقرون إلى العمل فمن علم عمل و من عمل علم و العلم يهتف بالعمل فإن أجابه و إلا ارتحل عنه) (و عنه عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن علي بن محمد القاساني عمن ذكره عن عبد الله بن القاسم الجعفري عن أبي عبد الله‏

19

(عليه السلام) قال: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا) (و عنه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن القاسم بن محمد عن المنقري عن علي بن هاشم بن البريد عن أبيه قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين (عليه السلام) فسأله عن مسائل فأجاب ثم عاد ليسأل عن مثلها فقال علي بن الحسين (عليه السلام) مكتوب في الإنجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون و لما تعملوا بما علمتم فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزد صاحبه إلا كفرا و لم يزدد من الله إلا بعدا) (و عنه عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه رفعه قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له خطب به على المنبر: أيها الناس إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون إن العالم العامل بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله بل قد رأيت أن الحجة عليه أعظم و الحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه منها على هذا الجاهل المتحير في جهله و كلاهما حائر بائر لا ترتابوا فتشكوا و لا تشكوا فتكفروا و لا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا و لا تدهنوا في الحق فتخسروا و إن من الحق أن تفقهوا و من الفقه أن لا تغتروا و إن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه و أغشكم لنفسه أعصاكم لربه و من يطع الله يأمن و يستبشر و من يعص الله يخب و يندم) (و عنه عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن جعفر بن محمد الأشعري عن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن‏

20

آبائه (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال يا رسول الله ما العلم قال الإنصات قال ثم مه قال الاستماع قال ثم مه قال الحفظ قال ثم مه قال العمل به قال ثم مه يا رسول الله قال نشره)

فصل‏

(و روينا بالإسناد عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى العطار عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن معاوية بن وهب قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اطلبوا العلم و تزينوا معه بالحلم و تواضعوا لمن تعلمونه العلم و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم و لا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم) (و عنه عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن حماد بن عثمان عن الحارث بن مغيرة النضري عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله عز و جل‏ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ قال يعني بالعلماء من صدق قوله فعله و من لم يصدق قوله فعله فليس بعالم) (و عنه عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد البرقي عن إسماعيل بن مهران عن أبي سعيد القماط عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أ لا أخبركم بالفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله و لم يؤمنهم من عذاب الله و لم يرخص لهم في معاصي الله و لم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم ألا لا خير

21

في قراءة ليس فيها تدبر ألا لا خير في عبادة لا فقه فيها ألا لا خير في نسك لا ورع فيه) (و عنه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن علي بن معبد عمن ذكره عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: يا طالب العلم إن للعالم ثلاث علامات العلم و الحلم و الصمت و للمتكلف ثلاث علامات ينازع من فوقه بالمعصية و يظلم من دونه بالغلبة و يظاهر الظلمة) (و عنه عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن نوح بن شعيب النيسابوري عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان عن درست بن أبي منصور عن عروة بن أخي شعيب العقرقوفي عن شعيب عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: يا طالب العلم إن العلم ذو فضائل كثيرة فرأسه التواضع و عينه البراءة من الحسد و أذنه الفهم و لسانه الصدق و حفظه الفحص و قلبه حسن النية و عقله معرفة الأشياء و الأمور و يده الرحمة و رجله زيارة العلماء و همته السلامة و حكمته الورع و مستقره النجاة و قائده العافية و مركبه الوفاء و سلاحه لين الكلمة و سيفه الرضا و قوسه المداراة و جيشه مجاورة العلماء و ماله الأدب و ذخيرته اجتناب الذنوب و زاده المعروف و مأواه الموادعة و دليله الهدى و رفيقه محبة الأخيار) (و عنه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) من تعلم العلم و عمل به و علم لله دعي في ملكوت السماوات عظيما فقيل تعلم لله و عمل لله و علم لله)

22

فصل‏

و لما ثبت أن كمال العلم إنما هو بالعمل تبين أنه ليس في العلوم بعد المعرفة أشرف من علم الفقه لأن مدخليته في العمل أقوى مما سواه إذ به تعرف أوامر الله تعالى فتمتثل و نواهيه فتجتنب و لأن معلومه أعني أحكام الله تعالى أشرف المعلومات بعد ما ذكر و مع ذلك فهو الناظم لأمور المعاش و به يتم كمال نوع الإنسان. (و قد روينا بطرقنا عن محمد بن يعقوب عن محمد بن الحسن و علي بن محمد عن سهل بن زياد عن محمد بن عيسى عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان عن درست الواسطي عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال ما هذا فقيل علامة فقال و ما العلامة فقالوا له أعلم الناس بأنساب العرب و وقائعها و أيام الجاهلية و الأشعار و العربية قال فقال النبي (صلى الله عليه و آله) ذاك علم لا يضر من جهله و لا ينفع من علمه ثم قال النبي (صلى الله عليه و آله) إنما العلم ثلاثة آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة و ما خلاهن فهو فضل) (و عنه عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الحسن بن علي الوشاء عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين)

23

(و عنه عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن حماد بن عيسى عن ربعي بن عبد الله عن رجل عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الكمال كل الكمال التفقه في الدين و الصبر على النائبة و تقدير المعيشة) (و عنه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن أبي أيوب الخزاز عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من موت فقيه) (و عنه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شي‏ء) (و عنه عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن علي بن أبي حمزة قال سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة و بقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها و أبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله و ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شي‏ء لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها) (و بالإسناد السالف عن الشيخ المفيد محمد بن النعمان عن أحمد بن محمد بن سليمان الزراري عن علي بن الحسين السعدآبادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن محمد بن عبد الحميد العطار عن عمه عبد السلام بن سالم عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: حديث في حلال و حرام تأخذه من صادق خير من الدنيا و ما فيها من ذهب أو فضة)

24

(و بالإسناد عن أحمد بن أبي عبد الله عن محمد بن عبد الحميد عن يونس بن يعقوب عن أبيه قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن لي ابنا قد أحب أن يسألك عن حلال و حرام و لا يسألك عما لا يعنيه قال فقال لي و هل يسأل الناس عن شي‏ء أفضل من الحلال و الحرام)

فصل‏

الحق عندنا أن الله تعالى إنما فعل الأشياء المحكمة المتقنة لغرض و غاية. و لا ريب أن نوع الإنسان أشرف ما في العالم السفلي من الأجسام فيلزم تعلق الغرض بخلقه و لا يمكن أن يكون ذلك الغرض حصول ضرر له إذ هذا إنما يقع من الجاهل أو المحتاج تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فتعين أن يكون هو النفع و لا يجوز أن يعود إليه سبحانه لاستغنائه و كماله فلا بد و أن يكون عائدا إلى العبد و حيث كانت المنافع الدنيوية في الحقيقة ليست بمنافع و إنما هي دفع الآلام فلا يكاد يطلق اسم النفع إلا على ما ندر منها لم يعقل أن يكون هو الغرض من إيجاد هذا المخلوق الشريف سيما مع كونه منقطعا مشوبا بالآلام المتضاعفة فلا بد أن يكون الغرض شيئا آخر مما يتعلق بالمنافع الأخروية و لما كان ذلك النفع من أعظم المطالب و أنفس المواهب لم يكن مبذولا لكل طالب بل إنما يحصل بالاستحقاق و هو لا يكون إلا بالعمل في هذه الدار المسبوق بمعرفة كيفية العمل المشتمل عليها هذا العلم فكانت الحاجة ماسة إليه جدا لتحصيل هذا النفع العظيم. (و قد روينا بالإسناد السابق و غيره عن محمد بن يعقوب عن محمد بن‏

25

إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لوددت أن أصحابي ضربت رءوسهم بالسياط حتى يتفقهوا) (و عنه عن علي بن محمد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن خالد عن عثمان بن عيسى عن علي بن أبي حمزة قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: تفقهوا في الدين فإنه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي إن الله تعالى يقول في كتابه‏ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏) (و عنه عن الحسين بن محمد عن جعفر بن محمد عن القاسم بن الربيع عن المفضل بن عمر قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: عليكم بالتفقه في دين الله و لا تكونوا أعرابا فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة و لم يزك له عملا) (و بالإسناد السالف عن المفيد عن الحسن بن حمزة العلوي الطبري قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن بنت البرقي عن أبيه قال حدثنا جدي أحمد بن محمد بن خالد البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن العلاء القلاء عن محمد بن مسلم قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): لو أتيت بشاب من شباب الشيعة لا يتفقه لأدبته قال و كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول تفقهوا و إلا فأنتم أعراب) (و بالإسناد عن أحمد بن محمد بن خالد عن بعض أصحابنا عن علي بن‏

26

أسباط عن إسحاق بن عمار قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ليت السياط على رءوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال و الحرام)

فصل‏

(الفقه في اللغة الفهم و في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية) فخرج بالتقييد بالأحكام العلم بالذوات كزيد مثلا و بالصفات ككرمه و شجاعته و بالأفعال ككتابته و خياطته و خرج بالشرعية غيرها كالعقلية المحضة و اللغوية و خرج بالفرعية الأصولية و بقولنا عن أدلتها علم الله سبحانه و علم الملائكة و الأنبياء و خرج بالتفصيلية علم المقلد في المسائل الفقهية فإنه مأخوذ من دليل إجمالي مطرد في جميع المسائل و ذلك لأنه إذا علم أن هذا الحكم المعين قد أفتى به المفتي و علم أن كلما أفتى به المفتي فهو حكم الله تعالى في حقه يعلم بالضرورة أن ذلك الحكم المعين هو حكم الله سبحانه في حقه و هكذا يفعل في كل حكم يرد عليه. و قد أورد على هذا الحد أنه إن كان المراد بالأحكام البعض لم يطرد لدخول المقلد إذا عرف بعض الأحكام كذلك لأنا لا نريد به العامي بل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد و قد يكون عالما متمكنا من تحصيل ذلك لعلو رتبته في العلم مع أنه ليس بفقيه في الاصطلاح و إن كان المراد بها الكل لم ينعكس لخروج أكثر الفقهاء عنه إن لم يكن كلهم لأنهم لا يعلمون جميع الأحكام بل بعضها أو أكثرها. ثم إن الفقه أكثره من باب الظن لابتنائه غالبا على ما هو ظني الدلالة أو السند فكيف أطلق عليه العلم. و الجواب أما عن سؤال الأحكام فبأنا نختار أولا أن المراد البعض‏

27

قولكم لا يطرد لدخول المقلد فيه قلنا ممنوع أما على القول بعدم تجزي الاجتهاد فظاهر إذ لا يتصور على هذا التقدير انفكاك العلم ببعض الأحكام كذلك عن الاجتهاد فلا يحصل للمقلد و إن بلغ من العلم ما بلغ و أما على القول بالتجزي فالعلم المذكور داخل في الفقه و لا ضير فيه لصدقه عليه حقيقة و كون العالم بذلك فقيها بالنسبة إلى ذلك المعلوم اصطلاحا و إن صدق عليه عنوان التقليد بالإضافة إلى ما عداه. ثم نختار ثانيا أن المراد بها الكل كما هو الظاهر لكونها جمعا محلى باللام و لا ريب أنه حقيقة في العموم قولكم لا ينعكس لخروج أكثر الفقهاء عنه قلنا ممنوع إذ المراد بالعلم بالجميع التهيؤ له و هو أن يكون عنده ما يكفيه في استعلامه من المأخذ و الشرائط بأن يرجع إليه فيحكم و إطلاق العلم على مثل هذا التهيؤ شائع في العرف فإنه يقال في العرف فلان يعلم النحو مثلا و لا يراد أن مسائله حاضرة عنده على التفصيل و حينئذ فعدم العلم بالحكم في الحال الحاضر لا ينافيه. و أما عن سؤال الظن فيحمل العلم على معناه الأعم أعني ترجيح أحد الطرفين و إن لم يمنع من النقيض و حينئذ فيتناول الظن و هذا المعنى شائع في الاستعمال سيما في الأحكام الشرعية. و ما يقال في الجواب أيضا من أن الظن في طريق الحكم لا فيه نفسه و ظنية الطريق لا تنافي علمية الحكم فضعفه ظاهر عندنا و أما عند المصوبة القائلين بأن كل مجتهد مصيب كما سيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى في بحث الاجتهاد فله وجه و كأنه لهم و تبعهم فيه من لا يوافقهم على هذا الأصل غفلة عن حقيقة الحال‏

28

فصل‏

و اعلم أن لبعض العلوم تقدما على بعض إما لتقدم موضوعه أو لتقدم غايته أو لاشتماله على مبادي العلوم المتأخرة أو لغير ذلك من الأمور التي ليس هذا موضع ذكرها. و مرتبة هذا العلم متأخرة عن غيره بالاعتبار الثالث لافتقاره إلى سائر العلوم و استغنائها عنه. أما تأخره عن علم الكلام فلأنه يبحث في هذا العلم عن كيفية التكليف و ذلك مسبوق بالبحث في معرفة نفس التكليف و المكلف. و أما تأخره عن علم أصول الفقه فظاهر لأن هذا العلم ليس ضروريا بل هو محتاج إلى الاستدلال و علم أصول الفقه متضمن لبيان كيفية الاستدلال. و من هذا يظهر وجه تأخره عن علم المنطق أيضا لكونه متكفلا ببيان صحة الطرق و فسادها. و أما تأخره عن علم اللغة و النحو و التصريف فلأن من مبادي هذا العلم الكتاب و السنة و احتياج العلم بهما إلى العلوم الثلاثة ظاهر فهذه هي العلوم التي يجب تقدم معرفتها عليه في الجملة و لبيان مقدار الحاجة منها محل آخر

فصل‏

و لا بد لكل علم أن يكون باحثا عن أمور لاحقة لغيرها و تسمى تلك الأمور مسائله و ذلك الغير موضوعه و لا بد له من مقدمات يتوقف الاستدلال عليها و من تصورات الموضوع و أجزائه و جزئياته و يسمى مجموع ذلك بالمبادي. و لما كان البحث في علم الفقه عن الأحكام الخمسة أعني الوجوب و

29

الندب و الإباحة و الكراهة و الحرمة و عن الصحة و البطلان من حيث كونها عوارض لأفعال المكلفين فلا جرم كان موضوعه هو أفعال المكلفين من حيث الاقتضاء و التخيير و مباديه ما يتوقف عليه من المقدمات كالكتاب و السنة و الإجماع و من التصورات كمعرفة الموضوع و أجزائه و جزئياته و مسائله هي المطالب الجزئية المستدل عليها فيه‏

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

المقصد الثاني في تحقيق مهمات المباحث الأصولية التي هي الأساس لبناء الأحكام الشرعية و فيه مطالب‏

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

المطلب الأول في نبذة من مباحث الألفاظ و فيه أصول‏

34

تقسيم‏

اللفظ و المعنى إن اتحدا فإما أن يمنع نفس تصور المعنى من وقوع الشركة فيه و هو الجزئي أو لا يمنع و هو الكلي ثم الكلي إما أن يتساوى معناه في جميع موارده و هو المتواطي أو يتفاوت و هو المشكك. و إن تكثرا فالألفاظ متباينة سواء كانت المعاني متصلة كالذات و الصفة أو منفصلة كالضدين. و إن تكثرت الألفاظ و اتحد المعنى فهي مترادفة. و إن تكثرت المعاني و اتحد اللفظ من وضع واحد فهو المشترك. و إن اختص الوضع بأحدهما ثم استعمل في الباقي من غير أن يغلب فيه فهو الحقيقة و المجاز و إن غلب و كان الاستعمال لمناسبة فهو المنقول اللغوي أو الشرعي أو العرفي و إن كان بدون المناسبة فهو المرتجل‏

أصل‏

لا ريب في وجود الحقيقة اللغوية و العرفية و أما الشرعية فقد اختلفوا في إثباتها و نفيها فذهب إلى كل فريق و قبل الخوض في الاستدلال لا بد من تحرير محل النزاع.

35

فنقول لا نزاع في أن الألفاظ المتداولة على لسان أهل الشرع المستعملة في خلاف معانيها اللغوية قد صارت حقائق في تلك المعاني كاستعمال الصلاة في الأفعال المخصوصة بعد وضعها في اللغة للدعاء و استعمال الزكاة في القدر المخرج من المال بعد وضعها في اللغة للنمو و استعمال الحج في أداء المناسك المخصوصة بعد وضعه في اللغة لمطلق القصد و إنما النزاع في أن صيرورتها كذلك هل هي بوضع الشارع و تعيينه إياها بإزاء تلك المعاني بحيث تدل عليها بغير قرينة لتكون حقائق شرعية فيها أو بواسطة غلبة هذه الألفاظ في المعاني المذكورة في لسان أهل الشرع و إنما استعملها الشارع فيها بطريق المجاز بمعونة القرائن فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية. و تظهر ثمرة الخلاف فيما إذا وقعت مجردة عن القرائن في كلام الشارع فإنها تحمل على المعاني المذكورة بناء على الأول و على اللغوية بناء على الثاني و أما إذا استعملت في كلام أهل الشرع فإنها تحمل على الشرعي بغير خلاف. احتج المثبتون بأنا نقطع بأن الصلاة اسم للركعات المخصوصة بما فيها من الأقوال و الهيئات و أن الزكاة لأداء مال مخصوص و الصيام لإمساك مخصوص و الحج لقصد مخصوص و نقطع أيضا بسبق هذه المعاني منها إلى الفهم عند إطلاقها و ذلك علامة الحقيقة ثم إن هذا لم يحصل إلا بتصرف الشارع و نقله لها إليها و هو معنى الحقيقة الشرعية. و أورد عليه أنه لا يلزم من استعمالها في غير معانيها أن تكون حقائق شرعية بل يجوز كونها مجازات. و رد بوجهين أحدهما أنه إن أريد بمجازيتها أن الشارع استعملها في‏

36

غير معانيها لمناسبة المعنى اللغوي و لم يكن ذلك معهودا من أهل اللغة ثم. اشتهر فأفاد بغير قرينة فذلك معنى الحقيقة الشرعية و قد ثبت المدعى و إن أريد بالمجازية أن أهل اللغة استعملوها في هذه المعاني و الشارع تبعهم فيه فهو خلاف الظاهر لأنها معان حدثت و لم يكن أهل اللغة يعرفونها و استعمال اللفظ في المعنى فرع معرفته. و ثانيهما أن هذه المعاني تفهم من الألفاظ عند الإطلاق بغير قرينة و لو كانت مجازات لغوية لما فهمت إلا بالقرينة. و في كلا هذين الوجهين مع أصل الحجة بحث. أما في الحجة فلأن دعوى كونها أسماء لمعانيها الشرعية لسبقها منها إلى الفهم عند إطلاقها إن كانت بالنسبة إلى إطلاق الشارع فهي ممنوعة و إن كانت بالنظر إلى إطلاق أهل الشرع فالذي يلزم حينئذ هو كونها حقائق عرفية لهم لا حقائق شرعية. و أما في الوجه الأول فلأن قوله فذلك معنى الحقيقة الشرعية ممنوع إذ الاشتهار و الإفادة بغير قرينة إنما هو في عرف أهل الشرع لا في إطلاق الشارع فهي حينئذ حقيقة عرفية لهم لا شرعية. و أما في الوجه الثاني فلما أوردناه على الحجة من أن السبق إلى الفهم بغير قرينة إنما هو بالنسبة إلى المتشرعة لا إلى الشارع حجة النافين وجهان الأول أنه لو ثبت نقل الشارع هذه الألفاظ إلى غير معانيها اللغوية لفهمها المخاطبين بها حيث إنهم مكلفون بما تتضمنه و لا ريب أن الفهم شرط التكليف و لو فهمهم إياها لنقل ذلك إلينا لمشاركتنا لهم في التكليف و لو نقل فإما بالتواتر أو بالآحاد و الأول لم يوجد قطعا و إلا لما وقع الخلاف فيه‏

37

و الثاني لا يفيد العلم على أن العادة تقضي في مثله بالتواتر. الوجه الثاني أنها لو كانت حقائق شرعية لكانت غير عربية و اللازم باطل فالملزوم مثله بيان الملازمة أن اختصاص الألفاظ باللغات إنما هو بحسب دلالتها بالوضع فيها و العرب لم يضعوها لأنه المفروض فلا تكون عربية و أما بطلان اللازم فلأنه يلزم أن لا يكون القرآن عربيا لاشتماله عليها و ما بعضه خاصة عربي لا يكون عربيا كله و قد قال الله سبحانه‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا. و أجيب عن الأول بأن فهمها لهم و لنا باعتبار الترديد بالقرائن كالأطفال يتعلمون اللغات من غير أن يصرح لهم بوضع اللفظ للمعنى إذ هو ممتنع بالنسبة إلى من لا يعلم شيئا من الألفاظ و هذا طريق قطعي لا ينكر. فإن عنيتم بالتفهيم و بالنقل ما يتناول هذا منعنا بطلان اللازم و إن عنيتم به التصريح بوضع اللفظ للمعنى منعنا الملازمة. و عن الثاني بالمنع من كونها غير عربية كيف و قد جعلها الشارع حقائق شرعية في تلك المعاني مجازات لغوية في المعنى اللغوي فإن المجازات الحادثة عربية و إن لم يصرح العرب بآحادها لدلالة الاستقراء على تجويزهم نوعها و مع التنزل نمنع كون القرآن كله عربيا و الضمير في‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ‏ للسورة لا للقرآن و قد يطلق القرآن على السورة و على الآية. فإن قيل يصدق على كل سورة و آية أنها بعض القرآن و بعض الشي‏ء لا يصدق عليه أنه نفس ذلك الشي‏ء. قلنا هذا إنما يكون فيما لم يشارك البعض الكل في مفهوم الاسم كالعشرة فإنها اسم لمجموع الآحاد المخصوصة فلا يصدق على البعض بخلاف نحو الماء

38

فإنه اسم للجسم البسيط البارد الرطب بالطبع فيصدق على الكل و على أي بعض فرض منه فيقال هذا البحر ماء و يراد بالماء مفهومه الكلي و يقال إنه بعض الماء و يراد به مجموع المياه الذي هو أحد جزئيات ذلك المفهوم و القرآن من هذا القبيل فيصدق على السورة أنها قرآن و بعض من القرآن بالاعتبارين على أنا نقول إن القرآن قد وضع بحسب الاشتراك للمجموع الشخصي وضعا آخر فيصح بهذا الاعتبار أن يقال السورة بعض القرآن. إذا عرفت هذا فقد ظهر لك ضعف الحجتين. و التحقيق أن يقال لا ريب في وضع هذه الألفاظ للمعاني اللغوية و كونها حينئذ حقائق فيها لغة و لم يعلم من حال الشارع إلا أنه استعملها في المعاني المذكورة أما كون ذلك الاستعمال بطريق النقل أو أنه غلب في زمانه و اشتهر حتى أفاد بغير قرينة فليس بمعلوم لجواز الاستناد في فهم المراد منها إلى القرائن الحالية أو المقالية فلا يبقى لنا وثوق بالإفادة مطلقا و بدون ذلك لا يثبت المطلوب فالترجيح لمذهب النافين و إن كان المنقول من دليلهم مشاركا في الضعف لدليل المثبتين‏

أصل‏

الحق أن الاشتراك واقع في لغة العرب و قد أحاله شرذمة و هو شاذ ضعيف لا يلتفت إليه. ثم إن القائلين بالوقوع اختلفوا في استعماله في أكثر من معنى إذا كان الجمع بين ما يستعمل فيه من المعاني ممكنا فجوزه قوم مطلقا و منعه آخرون مطلقا و فصل ثالث فمنعه في المفرد و جوزه في التثنية و الجمع و رابع فنفاه في الإثبات و أثبته في النفي.

39

ثم اختلف المجوزون فقال قوم منهم إنه بطريق الحقيقة و زاد بعض هؤلاء أنه ظاهر في الجميع عند التجرد عن القرائن فيجب حمله عليه حينئذ و قال الباقون إنه بطريق المجاز. و الأقوى عندي جوازه مطلقا لكنه في المفرد مجاز و في غيره حقيقة لنا على الجواز انتفاء المانع بما سنبينه من بطلان ما تمسك به المانعون و على كونه مجازا في المفرد تبادر الوحدة منه عند إطلاق اللفظ فيفتقر إرادة الجميع منه إلى إلغاء اعتبار قيد الوحدة فيصير اللفظ مستعملا في خلاف موضوعه لكن وجود العلاقة المصححة للتجوز أعني علاقة الكل و الجزء يجوزه فيكون مجازا. فإن قلت محل النزاع في المفرد هو استعمال اللفظ في كل من المعنيين بأن يراد به في إطلاق واحد هذا و ذاك على أن يكون كل منهما مناطا للحكم و متعلقا للإثبات و النفي لا في المجموع المركب الذي أحد المعنيين جزء منه سلمنا لكن ليس كل جزء يصح إطلاقه على الكل بل إذا كان للكل تركب حقيقي و كان الجزء مما إذا انتفى انتفى الكل بحسب العرف أيضا كالرقبة للإنسان بخلاف الإصبع و الظفر و نحو ذلك. قلت لم أرد بوجود علاقة الكل و الجزء أن اللفظ موضوع لأحد المعنيين و مستعمل حينئذ في مجموعهما معا فيكون من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء و إرادة الكل كما توهمه بعضهم ليرد ما ذكرت بل المراد أن اللفظ لما كان حقيقة في كل من المعنيين لكن مع قيد الوحدة كان استعماله في الجميع مقتضيا لإلغاء اعتبار قيد الوحدة كما ذكرناه و اختصاص اللفظ ببعض الموضوع له أعني ما سوى الوحدة فيكون من باب إطلاق اللفظ الموضوع للكل و إرادة الجزء و هو غير مشترط بشي‏ء مما اشترط في عكسه فلا إشكال.

40

و لنا على كونه حقيقة في التثنية و الجمع أنهما في قوة تكرير المفرد بالعطف و الظاهر اعتبار الاتفاق في اللفظ دون المعنى في المفردات أ لا ترى أنه يقال زيدان و زيدون و ما أشبه هذا مع كون المعنى في الآحاد مختلفا و تأويل بعضهم له بالمسمى تعسف بعيد و حينئذ فكما أنه يجوز إرادة المعاني المتعددة من الألفاظ المفردة المتحدة المتعاطفة على أن يكون كل واحد منها مستعملا في معنى بطريق الحقيقة فكذا ما هو في قوته. احتج المانع مطلقا بأنه لو جاز استعماله فيهما معا لكان ذلك بطريق الحقيقة إذ المفروض أنه موضوع لكل من المعنيين و أن الاستعمال في كل منهما بطريق الحقيقة و إذا كان بطريق الحقيقة يلزم كونه مريدا لأحدهما خاصة غير مريد له خاصة و هو محال. بيان الملازمة أن له حينئذ ثلاثة معان هذا وحده و هذا وحده و هما معا و قد فرض استعماله في جميع معانيه فيكون مريدا لهذا وحده و لهذا وحده و لهما معا و كونه مريدا لهما معا معناه أن لا يريد هذا وحده و هذا وحده فيلزم من إرادته لهما على سبيل البدلية الاكتفاء بكل واحد منهما و كونهما مرادين على الانفراد و من إرادة المجموع معا عدم الاكتفاء بأحدهما و كونهما مرادين على الاجتماع و هو ما ذكرنا من اللازم. و الجواب أنه مناقشة لفظية إذ المراد نفس المدلولين معا لا بقاؤه لكل واحد منفردا و غاية ما يمكن حينئذ أن يقال إن مفهومي المشترك هما منفردين فإذا استعمل في المجموع لم يكن مستعملا في مفهوميه فيرجع البحث إلى تسمية ذلك استعمالا له في مفهوميه لا إلى إبطال أصل الاستعمال و ذلك قليل الجدوى و احتج من خص المنع بالمفرد بأن التثنية و الجمع متعددان في التقدير فجاز تعدد مدلوليهما بخلاف المفرد.

41

و أجيب عنه بأن التثنية و الجمع إنما يفيدان تعدد المعنى المستفاد من المفرد فإن أفاد المفرد التعدد أفاداه و إلا فلا. و فيه نظر يعلم مما قلناه في حجة ما اخترناه. و الحق أن يقال إن هذا الدليل إنما يقتضي نفي كون الاستعمال المذكور بالنسبة إلى المفرد حقيقة و أما نفي صحته مجازا حيث توجد العلاقة المجوزة له فلا. و احتج من خص الجواز بالنفي بأن النفي يفيد العموم فيتعدد بخلاف الإثبات. و جوابه أن النفي إنما هو للمعنى المستفاد عند الإثبات فإذا لم يكن متعددا فمن أين يجي‏ء التعدد في النفي. حجة مجوزيه حقيقة أن ما وضع له اللفظ و استعمل فيه هو كل من المعنيين لا بشرط أن يكون وحده و لا بشرط كونه مع غيره على ما هو شأن الماهية لا بشرط شي‏ء و هو متحقق في حال الانفراد عن الآخر و الاجتماع معه فيكون حقيقة في كل منهما. و الجواب أن الوحدة تتبادر من المفرد عند إطلاقه و ذلك آية الحقيقة و حينئذ فالمعنى الموضوع له فيه ليس هو الماهية لا بشرط شي‏ء بل هي بشرط شي‏ء و أما فيما عداه فالمدعى حق كما أسلفناه. و حجة من زعم أنه ظاهر في الجميع عند التجرد عن القرائن قوله تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ‏ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ‏ فإن السجود من الناس وضع الجبهة على الأرض و من غيرهم أمر مخالف لذلك قطعا و قوله‏ إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ‏ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏ فإن الصلاة من الله المغفرة

42

و من الملائكة الاستغفار و هما مختلفان. و الجواب من وجوه أحدها أن معنى السجود في الكل واحد و هو غاية الخضوع و كذا في الصلاة و هو الاعتناء بإظهار الشرف و لو مجازا. و ثانيها أن الآية الأولى بتقدير فعل كأنه قيل و يسجد له كثير من الناس و الثانية بتقدير خبر كأنه قيل إن الله يصلي و إنما جاز هذا التقدير لأن قوله‏ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ و قوله‏ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ مقارن له و هو مثل المحذوف فكان دالا عليه مثل قوله‏

نحن بما عندنا و أنت بما * * * عندك راض و الرأي مختلف‏

أي نحن بما عندنا راضون و على هذا فيكون قد كرر اللفظ مرادا به في كل مرة معنى لأن المقدر في حكم المذكور و ذلك جائز بالاتفاق. و ثالثها أنه و إن ثبت الاستعمال فلا يتعين كونه حقيقة بل نقول هو مجاز لما قدمناه من الدليل و إن كان المجاز على خلاف الأصل و لو سلم كونه حقيقة فالقرينة على إرادة الجميع فيه ظاهرة فأين وجه الدلالة على ظهوره في ذلك مع فقد القرينة كما هو المدعى‏

أصل‏

و اختلفوا في استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي و المجازي كاختلافهم في استعمال المشترك في معانيه فمنعه قوم و جوزه آخرون ثم اختلف المجوزون فأكثرهم على أنه مجاز و ربما قيل بكونه حقيقة و مجازا بالاعتبارين. حجة المانعين أنه لو جاز استعمال اللفظ في المعنيين للزم الجمع بين المتنافيين أما الملازمة فلأن من شرط المجاز نصب القرينة المانعة عن إرادة

43

الحقيقة و لهذا قال أهل البيان إن المجاز ملزوم قرينة معاندة لإرادة الحقيقة و ملزوم معاند الشي‏ء معاند لذلك الشي‏ء و إلا لزم صدق الملزوم بدون اللازم و هو محال و جعلوا هذا وجه الفرق بين المجاز و الكناية و حينئذ فإذا استعمل المتكلم اللفظ فيهما كان مريدا لاستعماله فيما وضع له باعتبار إرادة المعنى الحقيقي غير مريد له باعتبار إرادة المعنى المجازي و هو ما ذكر من اللازم و أما بطلانه فواضح. و حجة المجوزين أنه ليس بين إرادة الحقيقة و إرادة المجاز معا منافاة و إذا لم يكن ثم منافاة لم يمتنع اجتماع الإرادتين عند التكلم. و احتجوا لكونه مجازا بأن استعماله فيهما استعمال في غير ما وضع له أولا إذ لم يكن المعنى المجازي داخلا في الموضع له و هو الآن داخل فكان مجازا. و احتج القائل بكونه حقيقة و مجازا بأن اللفظ مستعمل في كل واحد من المعنيين و المفروض أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر فلكل واحد من الاستعمالين حكمه. و جواب المانعين عن حجة الجواز ظاهر بعد ما قرروه في وجه التنافي. و أما الحجتان الأخيرتان فهما ساقطتان بعد إبطال الأولى و تزيد الحجة على مجازيته بأن فيها خروجا عن محل النزاع إذ موضع البحث هو استعمال اللفظ في المعنيين على أن يكون كل منهما مناطا للحكم و متعلقا للإثبات و النفي كما مر آنفا في المشترك و ما ذكر في الحجة يدل على أن اللفظ مستعمل في معنى مجازي شامل للمعنى الحقيقي و المجازي الأول فهو معنى ثالث لهما و هذا مما لا نزاع فيه فإن النافي للصحة يجوز إرادة المعنى المجازي الشامل و يسمى ذلك بعموم المجاز مثل أن تريد بوضع القدم في قولك لا أضع قدمي في دار فلان الدخول فيتناول دخولها حافيا و هو الحقيقة و ناعلا و

44

راكبا و هما مجازان. و التحقيق عندي في هذا المقام أنهم إن أرادوا بالمعنى الحقيقي الذي يستعمل فيه اللفظ حينئذ تمام الموضوع له حتى مع الوحدة الملحوظة في اللفظ المفرد كما علم في المشترك كان القول بالمنع متوجها لأن إرادة المجاز تعانده من جهتين منافاتها للوحدة الملحوظة و لزوم القرينة المانعة و إن أرادوا به المدلول الحقيقي من دون اعتبار كونه منفردا كما قرر في جواب حجة المانع في المشترك اتجه القول بالجواز لأن المعنى الحقيقي يصير بعد تعريته عن الوحدة مجازيا للفظ فالقرينة اللازمة للمجاز لا تعانده و حيث كان المعتبر في استعمال المشترك هو هذا المعنى فالظاهر اعتباره هنا أيضا و لعل المانع في الموضعين بناؤه على الاعتبار الآخر و كلامه حينئذ متجه لكن قد عرفت أن النزاع يعود معه لفظيا و من هنا يظهر ضعف القول بكونه حقيقة و مجازا حينئذ فإن المعنى الحقيقي لم يرد بكماله و إنما أريد منه البعض فيكون اللفظ فيه مجازا أيضا

45

المطلب الثاني في الأوامر و النواهي و فيه بحثان‏

46

البحث الأول في الأوامر

أصل‏

صيغة افعل و ما في معناها حقيقة في الوجوب فقط بحسب اللغة على الأقوى وفاقا لجمهور الأصوليين و قال قوم إنها حقيقة في الندب فقط و قيل في الطلب و هو القدر المشترك بين الوجوب و الندب (و قال علم الهدى رضي الله عنه إنها مشتركة بين الوجوب و الندب اشتراكا لفظيا في اللغة و أما في العرف الشرعي فهي حقيقة في الوجوب فقط) و توقف في ذلك قوم فلم يدروا أ للوجوب هي أم للندب و قيل هي مشتركة بين ثلاثة أشياء الوجوب و الندب و الإباحة و قيل هي للقدر المشترك بين هذه الثلاثة و هو الإذن و زعم قوم أنها مشتركة بين أربعة أمور و هي الثلاثة السابقة و التهديد و قيل فيها أشياء أخر لكنها شديدة الشذوذ بينة الوهن فلا جدوى في التعرض لنقلها. لنا وجوه الأول أنا نقطع بأن السيد إذا قال لعبده افعل كذا فلم يفعل عد عاصيا و ذمه العقلاء معللين حسن ذمه بمجرد ترك الامتثال و هو معنى الوجوب.

47

لا يقال القرائن على إرادة الوجوب في مثله موجودة غالبا فلعله إنما يفهم منها لا من مجرد الأمر. لأنا نقول المفروض فيما ذكرناه انتفاء القرائن فليقدر كذلك لو كانت في الواقع موجودة فالوجدان يشهد ببقاء الذم حينئذ عرفا و بضميمة أصالة عدم النقل إلى ذلك يتم المطلوب. الثاني قوله تعالى مخاطبا لإبليس‏ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ‏ و المراد بالأمر اسْجُدُوا* في قوله تعالى‏ وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ* فإن هذا الاستفهام ليس على حقيقته لعلمه سبحانه بالمانع و إنما هو في معرض الإنكار و الاعتراض و لو لا أن صيغة اسْجُدُوا* للوجوب لما كان متوجها. الثالث قوله تعالى‏ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ حيث هدد سبحانه مخالف الأمر و التهديد دليل الوجوب. فإن قيل الآية إنما دلت على أن مخالف الأمر مأمور بالحذر و لا دلالة في ذلك على وجوبه إلا بتقدير كون الأمر للوجوب و هو عين المتنازع فيه. قلنا هذا الأمر للإيجاب و الإلزام قطعا إذ لا معنى لندب الحذر عن العذاب أو إباحته و مع التنزل فلا أقل من دلالته على حسن الحذر حينئذ و لا ريب أنه إنما يحسن عند قيام المقتضي للعذاب إذ لو لم يوجد المقتضي لكان الحذر عنه سفها و عبثا و ذلك محال على الله سبحانه و إذا ثبت وجود المقتضي ثبت أن الأمر للوجوب لأن المقتضي للعذاب هو مخالفة الواجب لا المندوب.

48

فإن قيل هذا الاستدلال مبني على أن المراد بمخالفة الأمر ترك المأمور به و ليس كذلك بل المراد بها حمله على ما يخالفه بأن يكون للوجوب أو الندب فيحمل على غيره. قلنا المتبادر إلى الفهم من المخالفة هو ترك الامتثال و الإتيان بالمأمور به و أما المعنى الذي ذكرتموه فبعيد عن الفهم غير متبادر عند إطلاق اللفظ فلا يصار إليه إلا بدليل و كأنها في الآية اعتبرت متضمنة معنى الإعراض فعديت بعن. فإن قيل قوله في الآية عَنْ أَمْرِهِ‏ مطلق فلا يعم و المدعى إفادته الوجوب في جميع الأوامر بطريق العموم. قلنا إضافة المصدر عند عدم العهد للعموم مثل ضرب زيد و أكل عمرو و آية ذلك جواز الاستثناء منه فإنه يصح أن يقال في الآية فليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا الأمر الفلاني على أن الإطلاق كاف في المطلوب إذ لو كان حقيقة في غير الوجوب أيضا لم يحسن الذم و الوعيد و التهديد على مخالفة مطلق الأمر. الرابع قوله تعالى‏ وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ‏ فإنه سبحانه ذمهم على مخالفتهم للأمر و لو لا أنه للوجوب لم يتوجه الذم. و قد اعترض أولا بمنع كون الذم على ترك المأمور به بل على تكذيب الرسل في التبليغ بدليل قوله تعالى‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ*. و ثانيا بأن الصيغة تفيد الوجوب عند انضمام القرينة إليها إجماعا فلعل الأمر بالركوع كان مقترنا بما يقتضي كونه للوجوب. و أجيب عن الأول بأن المكذبين إما أن يكونوا هم الذين لم يركعوا عقيب‏

49

أمرهم به أو غيرهم فإن كان الأول جاز أن يستحقوا الذم بترك الركوع و الويل بواسطة التكذيب فإن الكفار عندنا معاقبون على الفروع كعقابهم على الأصول و إن كانوا غيرهم لم يكن إثبات الويل لقوم بسبب تكذيبهم منافيا لذم قوم بتركهم ما أمروا به. و عن الثاني بأنه تعالى رتب الذم على مجرد مخالفة الأمر فدل على أن الاعتبار به لا بالقرينة. احتج القائلون بأنه للندب بوجهين أحدهما (قوله (صلى الله عليه و آله): إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم) وجه الدلالة أنه رد الإتيان بالمأمور به إلى مشيتنا و هو معنى الندب. و أجيب بالمنع من رده إلى مشيتنا و إنما رده إلى استطاعتنا و هو معنى الوجوب. و ثانيهما أن أهل اللغة قالوا لا فارق بين السؤال و الأمر إلا بالرتبة فإن رتبة الأمر أعلى من رتبة السائل و السؤال إنما يدل على الندب فكذلك الأمر إذ لو دل الأمر على الإيجاب لكان بينهما فرق آخر و هو خلاف ما نقلوه. و أجيب أن القائل بكون الأمر للإيجاب يقول إن السؤال يدل عليه أيضا لأن صيغة افعل عنده موضوعة لطلب الفعل مع المنع من الترك و قد استعملها السائل فيه لكنه لا يلزم منه الوجوب إذ الوجوب إنما يثبت بالشرع و لذلك لا يلزم المسئول القبول و فيه نظر. و التحقيق أن النقل المذكور عن أهل اللغة غير ثابت بل صرح بعضهم‏

50

بعدم صحته حجة القائلين بأنه للقدر المشترك أن الصيغة استعملت تارة في الوجوب كقوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* و أخرى في الندب كقوله‏ فَكاتِبُوهُمْ‏ فإن كانت موضوعة لكل منهما لزم الاشتراك أو لأحدهما فقط لزم المجاز فيكون حقيقة في القدر المشترك بينهما و هو طلب الفعل دفعا للاشتراك و المجاز. و الجواب أن المجاز و إن كان مخالفا للأصل لكن يجب المصير إليه إذا دل الدليل عليه و قد بينا بالأدلة السابقة أنه حقيقة في الوجوب بخصوصه فلا بد من كونه مجازا فيما عداه و إلا لزم الاشتراك المخالف للأصل المرجوح بالنسبة إلى المجاز إذا تعارضا على أن المجاز لازم بتقدير وضعه للقدر المشترك أيضا لأن استعماله في كل واحد من المعنيين بخصوصه مجاز حيث لم يوضع له اللفظ بقيد الخصوصية فيكون استعماله فيه معها استعمالا في غير ما وضع له فالمجاز لازم في غير صورة الاشتراك سواء جعل حقيقة و مجازا أو للقدر المشترك و مع ذلك فالتجوز اللازم بتقدير الحقيقة و المجاز أقل منه بتقدير القدر المشترك لأنه في الأول مختص بأحد المعنيين و في الثاني حاصل فيهما. و ربما توهم تساويهما باعتبار أن استعماله في القدر المشترك على الأول مجاز فيكون مقابلا لاستعماله في المعنى الآخر على الثاني فيتساويان و جوابه ليس كما توهم لأن الاستعمال في القدر المشترك إن وقع فعلى غاية الندرة و الشذوذ فأين هو من اشتهار الاستعمال في كل من المعنيين و انتشاره. و إذا ثبت أن التجوز اللازم على التقدير الأول أقل كان بالترجيح لو لم يقم عليه الدليل أحق. (احتج السيد المرتضى رضي الله عنه على أنها مشتركة لغة بأنه لا شبهة

51

في استعمال صيغة الأمر في الإيجاب و الندب معا في اللغة و التعارف و القرآن و السنة و ظاهر الاستعمال يقتضي الحقيقة و إنما يعدل عنها بدليل قال و ما استعمال اللفظة الواحدة في الشيئين أو الأشياء إلا كاستعمالها في الشي‏ء الواحد في الدلالة على الحقيقة. و احتج على كونها حقيقة في الوجوب بالنسبة إلى العرف الشرعي بحمل الصحابة كل أمر ورد في القرآن أو السنة على الوجوب و كان يناظر بعضهم بعضا في مسائل مختلفة و متى أورد أحدهم على صاحبه أمرا من الله سبحانه أو من رسوله (صلى الله عليه و آله) لم يقل صاحبه هذا أمر و الأمر يقتضي الندب أو الوقف بين الوجوب و الندب بل اكتفوا في اللزوم و الوجوب بالظاهر و هذا معلوم ضرورة من عاداتهم و معلوم أيضا أن ذلك من شأن التابعين لهم و تابعي التابعين فطال ما اختلفوا و تناظروا فلم يخرجوا عن القانون الذي ذكرناه و هذا يدل على قيام الحجة عليهم بذلك حتى جرت عادتهم و خرجوا عما يقتضيه مجرد وضع اللغة في هذا الباب. قال (رحمه الله) و أما أصحابنا معشر الإمامية فلا يختلفون في هذا الحكم الذي ذكرناه و إن اختلفوا في أحكام هذه الألفاظ في موضوع اللغة و لم يحملوا قط ظواهر هذه الألفاظ إلا على ما بيناه و لم يتوقفوا على الأدلة و قد بينا في مواضع من كتبنا أن إجماع أصحابنا حجة). و الجواب عن احتجاجه الأول أنا قد بينا أن الوجوب هو المتبادر من إطلاق الأمر عرفا ثم إن مجرد استعمالها في الندب لا يقتضي كونه حقيقة أيضا بل يكون مجازا لوجود أماراته و كونه خيرا من الاشتراك و قوله إن استعمال اللفظة الواحدة في الشيئين أو الأشياء كاستعمالها في الشي‏ء الواحد في الدلالة على الحقيقة إنما يصح إذا تساوت نسبة اللفظة إلى الشيئين أو الأشياء في‏

52

الاستعمال أما مع التفاوت بالتبادر و عدمه أو بما أشبه هذا من علامات الحقيقة و المجاز فلا و قد بينا ثبوت التفاوت. و أما احتجاجه على أنه في العرف الشرعي للوجوب فيحقق ما ادعيناه إذ الظاهر أن حملهم له على الوجوب إنما هو لكونه له لغة و لأن تخصيص ذلك بعرفهم يستدعي تغيير اللفظ عن موضوعه اللغوي و هو مخالف للأصل هذا و لا يذهب عليك أن ما ادعاه في أول الحجة من استعمال الصيغة للوجوب و الندب في القرآن و السنة مناف لما ذكره من حمل الصحابة كل أمر ورد في القرآن أو السنة على الوجوب فتأمل. احتج الذاهبون إلى التوقف بأنه لو ثبت كونه موضوعا لشي‏ء من المعاني لثبت بدليل و اللازم منتف لأن الدليل إما العقل و لا مدخل له و إما النقل و هو إما الآحاد و لا يفيد العلم أو التواتر و العادة تقتضي بامتناع عدم الاطلاع على التواتر ممن يبحث و يجتهد في الطلب فكان الواجب أن لا يختلف فيه. و الجواب منع الحصر فإن هاهنا قسما آخر و هو ثبوته بالأدلة التي قدمناها و مرجعها إلى تتبع مظان استعمال اللفظ و الأمارات الدالة على المقصود به عند الإطلاق. حجة من قال بالاشتراك بين ثلاثة أشياء استعماله فيها على حذو ما سبق في احتجاج السيد (رحمه الله) على الاشتراك بين الشيئين و الجواب الجواب. و حجة القائل بأنه للقدر المشترك بين الثلاثة و هو الإذن كحجة من قال بأنه لمطلق الطلب و هو القدر المشترك بين الوجوب و الندب و جوابها كجوابها.