مفتاح الأحكام‏

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
151 /
5

فهرس الموضوعات‏

مقدّمة التحقيق 11

مفتاح الأحكام 14

ماهيّته 15

نسخه 15

منهجيّة التحقيق 17

نماذج مصوّرة من المخطوطات 19

خطبة الكتاب 23

المقدّمة 25

الباب الأوّل: في بيان أدلّة الأحكام الشرعيّة الفرعيّة 27

أصل: العقل 29

أصل: محكمات الكتاب 33

أصل: الأخبار 36

أصل: الأخبار المرويّة في كتب أخبار أصحابنا 36

6

المقدّمة الأولى: وجوب تحصيل العلم بالأحكام 37

المقدّمة الثانية: في وجوب متابعة الأحكام غير المعلومات 38

المقدّمة الثالثة: في حجّيّة الأخبار الآحاد في الجملة 39

المقدّمة الرابعة: الأمارات المفيدة للظنّ على العمل بهذه الأخبار 42

الروايات المستفيضة و المتواترة معنى 42

الشهرة العظيمة 45

الإجماع المنقول 46

إقامة الأدلّة على أصالة حجّيّة تلك الأخبار 48

تتميم في شرائط العمل بأخبار الآحاد 50

أصل: من أدلّة الأحكام الإجماع 54

فوائد الفائدة الأولى: في الإجماع المنقول 60

الفائدة الثانية: في الإجماع المركّب 62

الفائدة الثالثة: في عدم حجّيّة الشهرة 63

الفائدة الرابعة: إذا أفتى جماعة و لم يظهر لهم مخالف 64

أصل: من أدلّة الأحكام أصل العدم- أصل البراءة 66

المقام الأوّل: أصل نفي الحرمة غير المنصوصة 66

المقام الثاني: أصل نفي الوجوب المحتمل 70

المقام الثالث: أصل نفي اشتغال الذمّة بحقوق الناس 70

المقام الرابع: أصل نفي الاستحباب و الكراهة 70

تتميمان‏ الأوّل: ما يشترط في إجراء الأصل 71

7

الثاني: في معنى الأصل 73

أصل: من أدلّة الأحكام الاستصحاب 74

حجّيّة الاستصحاب 75

تتميمات‏ الأوّل: حجّيّة استصحاب العدم في الأحكام و موضوعاتها و متعلّقاتها 78

الثاني: شروط العمل بالاستصحاب 78

الثالث: أصل الاشتغال 80

أصل: و من الأدلّة بعض أفراد القياس 82

أصل: و ممّا قد يظنّ كونه دليلا مطلق الظنّ 86

الباب الثاني: في بيان ما يحتاج إليه في استخراج الأحكام من الأدلّة 91

البحث الأوّل: في بيان القواعد التي يعرف بها مراد المتكلّم 93

1. أصل الحقيقة 95

أقسام الحقائق و اجتماعها 96

فوائد الفائدة الأولى: انصراف المطلق إلى الشائع لا ينافي الأصل السابق 96

الفائدة الثانية: وجود قرينة صارفة عن الحقيقة دون المعيّنة للمجاز 97

الفائدة الثالثة: طرق التمييز بين الحقيقة و المجاز 97

2. أصل إرادة الظاهر 99

3. أصل العدم، أي أصل عدم كلّ أمر وجوديّ متعلّق بالوضع 100

في بيان أدلّة الخروج عن مقتضى الأصل 101

8

فائدة: تعارض أحوال الألفاظ 103

تذنيب: في طائفة من المباحث المتعلّقة بالألفاظ 106

عدم جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى 106

في ثبوت الحقيقة الشرعيّة 106

صيغة «افعل» و ما في معناه حقيقة في الوجوب 106

فائدة: الإخبار بالماضي و المضارع في مقام الإنشاء لا يفيد الوجوب 107

صيغة لا تفعل و ما في معناه يفيد التحريم 107

الجمع المعرّف باللام يفيد العموم 107

اختصاص الخطابات الشفاهيّة بالحاضرين حقيقة 108

البحث الثاني: في بيان ما يلزم المراد من الخطاب 109

المقدّمة الأولى: ثبوت الأحكام المرتّبة على تحقّق اللازم بعد العلم بتحقّق الملزوم 109

المقدّمة الثانية: أقسام اللزوم و معناه 110

المواضع التي وقع الاختلاف بين الأصوليّين في اللزوم و عدمه 110

1- أصل: وجوب مقدّمة الواجب 110

2- أصل: اجتماع الأمر و النهي في شيئين بينهما عموم من وجه 113

3- أصل: استلزام الأمر بالشي‏ء النهي عن ضدّه 117

4- أصل: استلزام النهي عن الشي‏ء الفساد 118

5- أصل: استلزام المعرّف بلام الجنس العموم 118

6- أصل: استلزام النكرة المنفيّة العموم 119

7- أصل: استلزام ترك الاستفصال العموم 120

8- أصل: استلزام الشرط و الغاية و الحصر لانتفاء الحكم في غير موضعها 120

9

الباب الثالث: في وظيفة الفقيه عند تعارض الأدلّة 125

أصل: تعارض الخبرين بالعموم و الخصوص المطلق 125

فائدتان‏ الفائدة الأولى: حكم المطلق و المقيّد المتعارضين حكم العامّ و الخاصّ 127

الفائدة الثانية: تقديم الفحص عن المخصّص على العمل بالعمومات 127

أصل: تعارض الخبرين بالعموم و الخصوص من وجه 128

أصل: بيان المرجّحات 129

أصل: الوظيفة عند عدم المرجّح 134

أصل: حكم تعارض غير الخبر من الأدلّة و الأصول العمليّة 135

خاتمة: في الاجتهاد و كيفيّة استخراج الأحكام 139

فهرس مصادر التحقيق 143

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

مقدّمة التحقيق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين.

و بعد؛ بين يديك أيّها القارئ الكريم كتاب مفتاح الأحكام أحد المؤلّفات الأصوليّة للمولى أحمد النراقي (1185- 1245)، الذي أتحف المكتبة الإسلاميّة بمصنّفاته الرائعة، و ترك (رحمه اللّه) ثروة علميّة خالدة في مجالات مختلفة؛ كالفقه و الأصول و الكلام و الأخلاق و غيرها، بلغ عددها أكثر من خمسة و عشرين مصنّفا (1)، منها تسعة في أصول الفقه، نوردها على سبيل التعريف:

1- عين الأصول، مختصر، ألّفه في أوائل أمره. فرغ من تأليفه يوم الثلاثاء الخامس و العشرين من جمادى الآخرة سنة 1208.

رتّبه على مقاصد ذوات أبواب و فصول:

المقصد الأوّل في المقدّمات.

المقصد الثاني في الأدلّة الشرعيّة.

المقصد الثالث في مشتركات الكتاب و السنّة.

____________

(1) لقد سبق و أن كتبنا دراسة مفصّلة عن حياة المولى أحمد النراقي في مقدّمة التحقيق لكتاب عوائد الأيّام الذي طبع في سنة 1417 ه، و كذلك ألّف سماحة الشيخ الأستادي الطهراني (حفظه اللّه و رعاه) كتابا مستقلّا في شرح الأحوال و الآثار المختلفة لبيت النراقي، و استوفى البحث في ترجمة الوالد و الولد، و نشر من قبل المؤتمر التكريمي العالمي لهذين العلمين في سنة 1382 ش.

12

المقصد الرابع في الاجتهاد و التقليد.

[المقصد الخامس في التعادل و التراجيح؟].

2- أساس الأحكام، في إثبات حجّيّة أخبار الآحاد، و ما يتعلّق بها من مباحث الألفاظ، و حكم الخبرين المتعارضين.

مرتّب على أربعة فصول:

الأصل الأوّل في الكلام في الظنّ.

الأصل الثاني في الكلام في أخبار الآحاد و بيان حجّيّتها.

الأصل الثالث في نبذة من المباحث المتعلّقة بالألفاظ المعبّر عنها بمتن الحديث.

الأصل الرابع في بيان حكم الخبرين المتعارضين.

فرغ من تأليفه ليلة السبت، الثامن من شعبان المعظّم سنة 1217.

و قد تمّ تحقيقه على أيدي محقّقينا في مركز إحياء التراث الإسلامي، و سيصدر قريبا إن شاء اللّه تعالى.

3- شرح تجريد الأصول، المسمّى ب تنقيح الفصول في شرح تجريد الأصول.

و هو عبارة عن متن و شرح؛ حيث إنّ المتن لوالده المولى محمّد مهدي النراقي (رحمه اللّه)، وصفه في أوّل المناهج: بأنّه شرح كبير في سبعة مجلّدات، مشتملا على جميع ما يتعلّق بعلم الأصول.

فرغ من تأليف المجلّد الأوّل يوم التاسع من محرّم الحرام سنة 1216. و من المجلّد الثاني يوم السبت ثامن جمادى الأولى سنة 1218. و من المجلّد الرابع في جمادى الأولى سنة 1219. و من المجلّد السابع سنة 1222 ه.

4- مناهج الأحكام، في مجلّدين كبيرين.

و هو مشتمل على عمدة مسائل علم الأصول. و يحتوي على تحقيقات و تدقيقات لا يوجد مثلها في مصنّفات علمائنا الأصوليّين من المتقدّمين.

13

مرتّب على مقدّمة و خمسة مقاصد و خاتمة، و كلّ منها يشتمل على فصول و مناهج.

فرغ من تأليفه صبيحة يوم الإثنين خامس جمادى الأولى من سنة 1224.

طبع على الحجر في طهران سنة 1262 و 1269 ه. و نرجو من اللّه التوفيق لتحقيقه و نشره في المستقبل القريب إن شاء اللّه.

5- مفتاح الأحكام، و هو الكتاب الذي بين يديك؛ يأتي الكلام عنه لا حقا.

6- رسالة في بطلان أصالة حجّيّة المظنّة، بالفارسيّة.

حرّرها جوابا على سؤال بعض أحبّائه، فرغ من تأليفها ضحيّة يوم الجمعة 28 ذي الحجّة الحرام سنة 1230. و أدرجها ضمن كتاب الرسائل و المسائل، و ذكرها في العائدة 41 من كتاب عوائد الأيّام، و قال:

إنّ بعض الأجلّة، في هذه الأيّام، قد سألني، في ضمن مراسلة فارسيّة، أن أكشف له ما خفي عليه من فساد عمدة ما يستدلّون به على هذه الأصالة من الأدلّة الثلاثة ... و لمّا كان ذلك طباقا لسؤاله بالفارسيّة، التمس منّي بعض ... أن أذكرها بالعربيّة ... فقابلت التماسه بالقبول و الإجابة (1).

و بهذا يظهر لنا أنّ العائدة 41 هي رسالته الفارسيّة في بطلان أصالة حجّيّة المظنّة بالعربيّة.

7- فصل الخطاب، في عدم أصالة حجّيّة الظنّ.

و هو أيضا- كسابقة- ردّ على القائلين بأصالة حجّيّة الظنّ.

رتّبه على مقدّمة و ثلاثة فصول:

المقدّمة في ذكر الآيات و الأخبار الناهية عن العمل بالظنّ أو بغير علم.

الفصل الأوّل في بيان الدليل على أصالة عدم حجّيّة الظنّ إلّا ما أخرجه الدليل.

الفصل الثاني في بيان ما يتمسّكون به على أصالة حجّيّة الظنّ، و ردّه.

الفصل الثالث؟.

____________

(1). عوائد الأيّام: 355.

14

8- رسالة في اجتماع الأمر و النهي، و قد منع فيها من الاجتماع.

9- عوائد الأيّام، يتضمّن 88 عائدة، في القواعد الأصوليّة و الفقهيّة الأساسيّة، و بعض الفوائد الأدبيّة و الرجاليّة.

طبع محقّقا سنة 1417 ه. في مركز الأبحاث و الدراسات الإسلاميّة، قسم إحياء التراث الإسلامي.

مفتاح الأحكام‏

ذكره المؤلّف في فهرس تأليفاته إلى عام 1238 ه. (الرقم 5) (1). و ذكره في كتاب عوائد الأيّام، و أرجع إليه في ص 355، 377، 398، 439 و 793.

و نسبه إليه كلّ من ترجم للمولى أحمد النراقي.

قال الشيخ آقا بزرگ في الذريعة:

مفتاح الأحكام، في أصول الفقه ... موجود في خزانة كتب المولى محمّد علي الخوانساري، و خزانة شيخنا الشريعة .... و فرغ منه ليلة الخميس 18 ربيع الأوّل 1228، و نسخة عند الميرزا محمّد الطهراني، بخطّ السيّد محمّد بن السيّد محمّد علي التنكابني 1228 ... (2).

و قال في موضع آخر: «و لسبطه الميرزا أبي تراب بن أحمد النطنزي (م 1262 ه) حاشية عليه» (3).

و قال المولى حبيب اللّه الشريف الكاشاني: «مفتاح الأصول، و قد شرحته في سالف الأيّام» (4).

____________

(1) راجع عوائد الأيّام، مقدّمة التحقيق، الصفحة 55.

(2) الذريعة 21: 315.

(3) المصدر: 317.

(4) لباب الألقاب في ألقاب الأطياب: 95.

15

ماهيّته‏

هذا الكتاب مصنّف في غاية الإيجاز و الاختصار، و موضوع لتأصيل الأصول الكلّيّة، و يشتمل على أهمّ مباحث علم أصول الفقه.

مرتّب على مقدّمة و ثلاثة أبواب ذوات أصول، و خاتمة.

الباب الأوّل في بيان أدلّة الأحكام. و هي: العقل، و محكمات الكتاب، و الخبر المتواتر، و الخبر الواحد المحفوف بالقرائن، و الأخبار المرويّة في كتب أخبار أصحابنا، و الإجماع، و أصل العدم، و الاستصحاب، و بعض أفراد القياس، و بعض الظنون.

الباب الثاني في بيان ما يحتاج إليه في استخراج الأحكام من تلك الأدلّة.

البحث الأوّل في بيان القواعد التي يعرف بها مراد المتكلّم.

البحث الثاني في بيان ما يلزم المراد من الخطاب.

الباب الثالث في وظيفة الفقيه عند تعارض الأدلّة.

خاتمة في كيفيّة استخراج الأحكام، أي الاجتهاد.

و الذي يظهر من تأريخ تأليف هذا الكتاب- أي سنة 1228 ه- أنّه قد كتبه بعد كتابة مؤلّفاته الأصوليّة الأخرى، فهو يحتوي على زبدة آرائه في علم الأصول، و خلاصة ما كتبه في باقي كتبه، و يصلح لأن يتّخذ كتابا دراسيّا في مناهج التعليم- لمرحلة السطوح- في الحوزة العلميّة.

نسخه‏

توجد نسخ خطّيّة متعدّدة لهذا الكتاب في المكتبات التالية:

1- 3. مكتبة المرحوم آية اللّه الگلپايگاني بقم المقدّسة، الأرقام: 216/ 13، جان محمّد، سنة 1228 ه، و 180/ 30، و 39/ 12. فهرس المكتبة، ص 682.

16

4. مكتبة الروضة الرضويّة بمدينة مشهد المقدّسة، ضمن 1500 نسخة مهداة من قائد الجمهوريّة الإسلاميّة آية اللّه الخامنئي (أدام اللّه ظلّه على رءوسنا) الرقم 824، نسخت في عام 1240 ه. فهرس المكتبة، ص 228.

5. أيضا مكتبة الروضة الرضويّة، الرقم 15213، نسخ يوم الأحد 16 محرّم الحرام 1228، مع حواشي للمؤلّف. فهرس المكتبة 16: 467.

6. أيضا مكتبة الروضة الرضويّة، الرقم 2944، نسخت في عام 1228 ه، مع تعليقات و حواشي للمؤلّف. فهرس المكتبة 16: 468.

7. مكتبة مدرسة نوّاب بمشهد الرضا (عليه السّلام)، الرقم 1/ 136. فهرست نسخه‏هاى خطى دو كتابخانه مشهد، ص 468.

8. مكتبة جامعة طهران (مشكاة، ج 5)، الرقم 973، الناسخ أبو الحسن الكاشاني. فهرس المكتبة 3: 1724.

9. مكتبة المرحوم آية اللّه المرعشي النجفي بقم المقدّسة، الرقم 5193، الناسخ محمّد صادق بن ملّا محمّد تقي، يوم الإثنين 9 ربيع الثاني 1257. فهرس المكتبة 13: 398.

10. أيضا مكتبة المرحوم آية اللّه المرعشي النجفي، الرقم 6/ 6322، العشر الثالث من جمادى الثانية 1249. فهرس المكتبة 16: 292.

11. أيضا مكتبة المرحوم آية اللّه المرعشي النجفي، الرقم 7147، يوم الأحد ربيع الآخر 1228، مع حواشي مرموزة ب «منه دام ظلّه»، مصحّح، الناسخ أبو الحسن بن محمّد مهدي النراقي، أخو المؤلّف. فهرس المكتبة 18: 290.

12- مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي (مركز إحياء ميراث إسلامي)، الرقم 2595، نستعليق علي محمّد بن محمّد صفي المحلّاتي (تلميذ المؤلّف)، سنة 1228، مصحّحة. فهرس المكتبة 7: 83.

13- أيضا مكتبة مركز إحياء التراث الإسلامي، الرقم 2758، الناسخ محمود،

17

ربيع الثاني 1243. فهرس المكتبة 7: 232.

14 و 15. مكتبة مدرسة نمازي في خوي، الرقم 1/ 316 و الرقم 2/ 351، 26 جمادى الثانية 1256. راجع فهرس المكتبة، ص 156 و 176.

16- مكتبة مدرسة الحجّتيّة بقم المقدّسة، ص 108، الرقم 1/ 449.

17- مكتبة مدرسة السلطاني بكاشان، ص 38، الرقم 315.

18- مكتبة المولى محمّد علي الخوانساري في النجف.

19- مكتبة شيخ الشريعة في النجف.

20- مكتبة ميرزا محمّد الطهراني، بخطّ السيّد محمّد بن السيّد محمّد علي التنكابني، 1228 ه.

و قد ذكر الثلاثة الأخيرة الشيخ آقا بزرگ في الذريعة إلى تصانيف الشيعة، المجلّد 21، ص 315، الرقم 5247.

منهجيّة التحقيق‏

1- من بين النسخ المخطوطة المتوفّرة، التي مرّت الإشارة إليها، اعتمدنا في التحقيق على نسختين مخطوطتين، و هما:

أ- مخطوطة مكتبة المرحوم آية اللّه المرعشي النجفي في قم المقدّسة، المرقّمة 7147 و التي تحتوي على 46 ورقة. و قد نسخت في يوم الأحد من شهر ربيع الثاني سنة ألف و مائتين و ثمانية و عشرين، و هي بخطّ أبي الحسن بن محمّد مهدي النراقي، أخي المؤلّف.

و في حواشيها تصحيحات، و عليها حواش من المؤلّف (قدّس سرّه) برمز «منه دام ظلّه».

و حواشي المحرّر برمز «نراقي». و أيضا في الحواشي توضيحات من شرح تجريد الأصول و مناهج الأحكام.

و قد جعلنا هذه النسخة الأصل في التحقيق، و رمزنا لها ب «أ».

18

ب- أيضا مخطوطة مكتبة المرحوم آية اللّه المرعشي النجفي، المرقّمة 5193، و قد نسخها محمّد صادق ابن ملّا محمّد تقيّ في يوم الإثنين تاسع ربيع الثاني من سنة سبع و خمسين و مائتين بعد الألف.

و قد كتب في نهاية النسخة: «قد فرغت من تسويد هذه الرسالة المسمّاة ب مفتاح الأصول المقرّبة مطالب [كذا] المهمّات بالعقول التي بقواعده سهولة يمكن الوصول إلى علم الأصول». و أشرنا إليها بالرمز «ب».

2- قمنا بتخريج الآيات و الأحاديث و الأقوال، طبقا للقواعد المتّبعة في فنّ التحقيق الحديث، و أشرنا في الهامش إلى مصادرها.

كما أضفنا في الهامش حواشي المؤلّف (رحمة اللّه عليه) من النسخة «أ» التي أمضاها برمز «منه دام ظلّه».

و في الختام نحمد اللّه سبحانه و تعالى على توفيقه إيّانا، و عونه لنا، على تحقيق هذه المهمّة، و إنجاز هذا العمل، صونا لهذه الدرّة الثمينة، و نتقدّم بالشكر الجزيل إلى جميع من ساهموا في إنجازه، خاصّين بالذكر الإخوة الأعزّاء: السيّد مهدي الطباطبائي، الشيخ عليّ الحميداوي الأنصاري، الشيخ محسن النوروزي و السيّد حسين بني هاشمي؛ جزاهم اللّه خير الجزاء.

عليّ أوسط الناطقي‏

المشرف على مركز إحياء التراث الإسلامي‏

19

صورة الصفحة الأولى من النسخة «أ»

20

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة «أ»

21

صورة الصفحة الأولى من النسخة «ب»

22

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة «ب»

23

خطبة الكتاب‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة على سيّدنا و نبيّنا محمّد و آله الطاهرين.

أمّا بعد؛ يقول الأذلّ الأحقر، أحمد بن محمّد مهدي بن أبي ذرّ (سامحهم اللّه يوم العرض الأكبر): إنّ من الأمور الضروريّة بقاء التكاليف الشرعيّة الفرعيّة إلى يوم الدين، و وجوب امتثالها على كلّ فرد من المكلّفين، و إنّ امتثالها بدون دركها و فهمها غير ميسّر، و هما بدون أخذها من مآخذها و مداركها غير متصوّر.

فالواجب على كلّ مكلّف بعد اكتساب عقائده الأصليّة تحصيل مدارك أحكامه الفرعيّة.

و هي في أمثال زماننا: أمّا للعوام- المنحطّين عن درجة تعيين مدارك الأحكام، الفاقدين لملكة استخراجها منها و رتبة استنباطها منها- فتاوى العدول من الفقهاء الأطياب، على النحو المقرّر عند الأصحاب.

و أمّا لغيرهم، و هو الذي كلامنا هنا فيه، فأمور مخصوصة، لا بدّ له أوّلا من معرفة كونها مدارك و أدلّة لها (1)، ثمّ معرفة كيفيّة استخراجها منها، و علاج ما فيها من التعارض و التناقض.

فلذلك رتّبنا كتابنا هذا المسمّى ب مفتاح الأحكام إلى ثلاثة أبواب:

____________

(1) «لها» لم يرد في «أ».

24

الباب الأوّل: في بيان أدلّة الأحكام الشرعيّة الفرعيّة.

الباب الثاني: في بيان ما يحتاج إليه في استخراج الأحكام من تلك الأدلّة.

الباب الثالث: في معالجة ما فيها من التعارض.

و فتحنا الأبواب الثلاثة بمقدّمة و ختمناها بخاتمة.

25

المقدّمة

اعلم أنّ دخولك في هذا العلم إنّما هو بعد معرفة اللّه و حججه و معرفة وجوب إطاعتهم و حرمة عصيانهم و مخالفتهم.

و أنّ إطاعتك إيّاهم ليست إلّا الإتيان بمطلوبهم منك فعلا أو تركا، و مخالفتك ليست إلّا تركك إيّاه كذلك.

و أنّ التكليف عليك عبارة عن مطلوبيّة فعل أو ترك منك.

و أنّ مطلوبيّة فعل أو ترك من شخص ليست إلّا إظهار الطالب الطلب الحتمي أو الغير الحتمي منه بأيّ طريق حصل الإظهار.

و أنّه من اللّه سبحانه بالنسبة إليك في كثير من أفعالك و تروكك متحقّق قطعا، لا مناص لك عن الإتيان بها.

و أنّ من جملة التكاليف المعلومة عليك الفحص عن تلك التكاليف المجملة المبهمة بقدر الإمكان، إلى أن لا يبقى لك علم ببقاء تكليف حاضر آخر.

و أمّا احتمال وجود تكليف آخر، فاقتضاؤه وجوب الفحص غير معلوم، و مقتضى الأصل- الذي هو حجّة شرعيّة كما يأتي‏ (1)- عدمه.

____________

(1) راجع الصفحة 66.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

الباب الأوّل في بيان أدلّة الأحكام الشرعيّة الفرعيّة

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

أصل من أدلّة أحكام الشرع: العقل‏

و لتحقيق ذلك الأصل نقدّم أمرين:

أحدهما: أنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ العقل قد يحكم بأنّ هذا الفعل ممّا لا يرضى اللّه سبحانه بتركه و يريد بعنوان اللزوم فعله، أو لا يرضى بفعله و يريد تركه، أو يريد فعله أو تركه من غير حكمه باللزوم و عدمه.

أ لا ترى أنّ من علم أنّ اللّه سبحانه قادر، عدل، حكيم، رءوف بعباده، يحكم جزما بأنّه لا يرضى بأن يقتل القويّ الظالم المؤمن الضعيف و يسبي نسوانه، و لو لم يصل إليه ذلك من الشرع أصلا؟

و أ لا ترى أنّه إذا أرسل نبيّا لإرشاد عباده و إحياء بلاده، يحكم العقل جزما بعدم رضاه بقتله و مخالفته، و أنّه سبحانه إذا حكم بحكم يحكم العقل جزما بعدم رضاه بالحكم بنقيضه؟ إلى غير ذلك.

ثمّ بعد ملاحظة جزئيات الأحكام الشرعيّة و استقرائها، يصير ذلك أوضح و أوكد.

و ثانيهما: أنّ المراد بالتكليف الشرعي طلب اللّه سبحانه شيئا من عباده و إرادته منهم فعلا أو تركا، مع المنع من النقيض أو بدونه‏ (1).

____________

(1) فإذا منع من الترك فهو واجب، و إذا منع من الفعل فهو حرام. أمّا إذا لم يمنع من الترك فهو مندوب و إذا لم يمنع من الفعل فهو مكروه.

30

و أمّا استحقاق ثوابه أو عقابه، فإنّما هو من اللوازم دون نفس الحكم، و من عرّف الواجب و الحرام بذلك فقد عرّف باللازم‏ (1).

و مناط الطلب الذي يتحقّق به التكليف- على ما انعقد الإجماع عليه، بل هو من ضروريات الشرع، بل بديهيّات العقل- بالنسبة إلى كلّ شخص إنّما هو دركه الطلب و فهمه إيّاه، و ليس مكلّفا بسبب الطلب الواقعي. فإنّه لو وصل خطاب طلبيّ إلى شخص دون غيره، فالطلب متحقّق بالنسبة إلى ذلك الشخص دون غيره. و كذا لو وصل خطاب إلى شخصين و فهم أحدهما منه الطلب دون آخره، فالأوّل مكلّف دون الثاني.

ثمّ الطلب: تارة يكون بالخطاب الدالّ على المطلوب صريحا، أو التزاما.

و أخرى بمثل الإشارة الحسّية.

و ثالثة بالعرف و العادة.

و رابعة بالقرائن و الأمارات.

و خامسة بالعقل الصريح. أ لا ترى أنّه لو لم ينه السيّد عبده عن الفرار و فرّ معتذرا بأنّ السيّد ما نهاني عن الفرار، يستحقّ العقاب، و كذا لو عقر دابّته معتذرا بذلك.

و لو قيل: بأنّ ذلك إنّما هو لأجل حكم العرف و العادة.

قلنا: يحكم بذلك من لم يطّلع على عرف أيضا.

و أيضا تراهم يثبتون الأحكام بالتقرير، و لا شكّ أنّ دلالته على الطلب بحكم العقل.

و أيضا لو لم يكن الطلب العقلي كافيا في حصول التكليف الشرعي لما يثبت تكليف؛ لأنّ فهم طلب امتثال الأوامر و النواهي إنّما هو بالعقل، و أيضا لزم إقحام‏

____________

(1) و ممّن فعل ذلك الشيخ الطوسي في العدّة في أصول الفقه 1: 26.

31

الأنبياء في الأمر بالنظر إلى معجزاتهم.

و بالجملة، طريق الطلب لا ينحصر باللفظ.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ مرادنا من كون العقل من الأدلّة الشرعيّة أنّه كلّما جزم عقل أحد بعدم رضاه سبحانه بفعل أو ترك و أنّ مطلوبه خلافه جزما بعنوان اللزوم، فهو مكلّف به، و كذا إذا جزم بالرضى بالفعل أو الترك و إن لم يجزم باللزوم و عدمه.

و ذلك؛ لأنّك قد علمت أنّ مناط التكليف هو الطلب و أنّ طريق الطلب لا ينحصر في اللفظ، بل يكفي فيه كلّما فهم منه المطلوبيّة و المبغوضيّة، و المفروض أنّه قد فهم ذلك، فيثبت التكليف. و لو لم يثبت التكليف الشرعي بذلك لما ثبت تكليفنا بامتثال أوامر اللّه و نواهيه.

و قد ورد في الأخبار المتكثّرة أيضا ما يدلّ على ثبوت التكليف بالعقل‏ (1).

و أمّا ما يوجد في كلام بعض المتأخّرين‏ (2) من تخصيصه طريق ثبوت التكليف بوصول الخطاب اللفظي، فهو ممّا لا وجه له، و يدفعه الضرورة العقليّة و النقليّة.

و اللازم في ثبوت التكليف هنا الجزم، و لا يكفي ظنّ العقل؛ لعدم دليل عليه،

____________

(1). في حاشية «أ»: فمن تلك الأخبار ما روى عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «حجّة اللّه على العباد النبيّ، و الحجّة فيما بين العباد و بين اللّه العقل». [الكافي 1: 25، كتاب العقل و الجهل، ح 22].

و ما روى هشام، عن موسى بن جعفر (عليه السّلام) أنّه قال: «يا هشام، إنّ اللّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة و حجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمّة (عليهم السّلام)، و أمّا الباطنة فالعقول». [الكافي 1: 16، كتاب العقل و الجهل، ح 12]. و في هذه الرواية: «أنّ اللّه سبحانه أكمل للناس الحجج بالعقول». [الكافي 1: 13، كتاب العقل و الجهل، ح 12].

و ما روى أبو الجارود، عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: «إنّما يداقّ اللّه العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا». [الكافي 1: 11، كتاب العقل و الجهل، ح 7].

و في الأحاديث المتكثّرة أنّه سبحانه قال مخاطبا للعقل: «إيّاك أعاقب، و إيّاك أثيب». [الكافي 1: 10، كتاب العقل و الجهل، ح 1]. و في بعضها: «بك أعاقب و بك أثيب». [الفقيه 4: 369، باب النوادر، ذيل الحديث 5765]. «منه»

(2). لم نعثر عليه.

32

و توهّم كفايته فاسد، كما يأتي في محلّه‏ (1).

ثمّ متابعة هذا الحكم و إثبات التكليف به لا يحتاج إلى فحص عن الأدلّة الشرعيّة. و قد يتوهّم من كلام بعضهم أنّه لا يجوز إلّا بعده؛ لإمكان العثور على معارض يوجب زوال الجزم العقلي. و هذا ضعيف جدّا؛ لأنّ الفحص عن المعارض إنّما يكون بعد احتمال وجوده، و أمّا بدونه فيعدّ ذلك الفحص سفها، و مع ذلك التجويز يمتنع جزم العقل بالحكم.

____________

(1). راجع الصفحة 86- 87.

33

أصل و من الأدلّة: محكمات الكتاب‏

و المراد منها القدر المشترك بين النصوص و الظواهر.

و حجّيّتها في الأحكام الشرعيّة مذهب المجتهدين كافّة، و خالف فيها الأخباريّون.

لنا: إنّها خطابات من اللّه سبحانه إلى عباده، مشتملة على أمرهم و نهيهم و ترغيبهم و زجرهم و وعدهم و وعيدهم، و كلّما كان خطابا ممّن يجب إطاعته على غيره إليه فهو حجّة له.

أمّا الصغرى، فلمثل قوله تعالى: يا عِبادِيَ* و يا أَيُّهَا النَّاسُ* و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* و غير ذلك، فإنّه خطاب إلى «العباد» و «الناس» و «المؤمنين» لغة و عرفا.

و أمّا الكبرى، فلحكم بديهة العقل و ضرورة الشرع و العرف بأنّ من يجب إطاعته على شخص إذا خاطبه بما فيه أمر و نهي يجب عليه امتثاله و إطاعته، بل ذلك معنى وجوب الإطاعة.

و يؤيّد المطلوب، بل يدلّ عليه أيضا الأخبار المتكثّرة جدّا، الآمرة بالتمسّك بالكتاب و العمل به‏ (1)، و المصرّحة بكونه نورا لنا، و دليلا و هاديا و معرّفا (2)، و المادحة

____________

(1). راجع وسائل الشيعة 27: 106- 124، الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2). راجع الكافي 2: 600، كتاب فضل القرآن، ح 5، 6 و 8.

34

للعاملين به‏ (1)، و الذامّة للتاركين للعمل به‏ (2)، و الحاكية لاحتجاج أصحاب الحجج به و تقريرهم عليه‏ (3).

و المخالف تارة يمنع الصغرى و يقول بكونه خطابا إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

و يدفعه ما مرّ بحكم العرف و اللغة، و هما الحجّة في أمثال ذلك- كما يأتي في محلّه‏ (4)- مضافا إلى ما أشير إليه من الأخبار.

و أخرى يعترض على الكبرى: إمّا بمنع حجّيّة مطلق الخطاب و وجوب امتثاله، و إنّما الحجّة منه ما يعلم المراد منه دون ما يظنّ؛ لمنع العمل بالظنّ و أصالة عدم حجّيّته.

و يدفعه ما سيأتي‏ (5) من أدلّة حجّيّة الظنون اللفظيّة الحاصلة من القواعد المقرّرة لاستخراج المعاني من الألفاظ؛ فهي بها عن تحت الأصل خارجة (6)، و عمومات المنع عن العمل بالظنّ بها مخصّصة.

أو بأنّ كلّما كان كذلك إنّما هو حجّة إذا لم يكن من العمل به مانع، و هو في الكتاب موجود، و هو الأخبار الناهية عن تفسير القرآن بالرأي‏ (7)، و الدالّة على حصر علم القرآن في النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السّلام)(8)، و اشتماله على المتشابه المنهيّ عن العمل به‏ (9)، مع عدم تميّز المتشابه عن غيره.

____________

(1). الكافي 2: 603- 604، باب فضل حامل القرآن، ح 2- 4.

(2). المصدر 1: 70، باب الأخذ بالسنّة و شواهد الكتاب، ح 6.

(3). المصدر، ح 1- 4.

(4). يأتي في الصفحة 94.

(5). سيأتي في الصفحة 86 و ما بعدها.

(6). أي فإنّ الظنون بهذه القواعد خارجة عن تحت الأصل.

(7). عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) 1: 116، ح 4، و 119، ح 1.

(8). الكافي 1: 228- 229، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمة (عليهم السّلام) و أنّهم يعلمون علمه كلّه.

(9). وسائل الشيعة 27: 183- 184، الباب 13 من أبواب صفات القاضي و ...، ح 23، و 198، ح 52، و 200- 201، ح 62.

35

و يدفعه منع كون ما ذكر مانعا؛ أمّا الأوّل، فلأنّ التفسير على مقتضى قواعد اللغة ليس تفسيرا بالرأي لغة و لا عرفا.

و أمّا الثاني، فلأنّ المراد علم ظاهره و باطنه أو علم جميع القرآن، و لو سلّم إطلاق بعض الأخبار فيجب تقييده بذلك الأخبار المعارضة له‏ (1).

و أمّا الثالث، فلمنع عدم تميّز المتشابه عن غيره، فإنّ المراد بالمتشابه معلوم لغة و عرفا.

____________

(1). أي الأخبار الدالّة على العمل به و الحثّ على الرجوع إليه، و قد سبق ذكرها آنفا.

36

أصل و من أدلّة الأحكام: [الأخبار]

[فمنها:] الخبر المتواتر لفظا أو معنى، و الخبر الواحد المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم بمدلوله‏

و لا كلام في حجّيّة كلّ من الثلاثة، و إنّما الكلام في وجودها في الأخبار التي في أيدينا، و الظاهر عدم وجود الأوّل و ندرة الأخيرين.

أصل [الأخبار المروية فى كتب اخبار اصحابنا]

و منها: تلك الأخبار المرويّة في كتب أخبار أصحابنا الإماميّة عن الحجج المعصومين (عليهم السّلام)

و حجّيّتها هي المشهورة بين العلماء، بل عليها في الجملة إجماع الأصحاب‏ (1).

و أمّا الخلاف المحكي عن جماعة من المتقدّمين‏ (2)، فإنّما هو في الخبر الواحد من‏

____________

(1). راجع العدّة في أصول الفقه 1: 126؛ و معارج الأصول: 147.

(2). كالسيّد المرتضى في جوابات المسائل الموصليّات الثالثة، و مسألة في إبطال العمل بأخبار الآحاد، ضمن رسائل الشريف المرتضى 1: 203، و 3: 309؛ و ابن زهرة في غنية النزوع 2: 356- 364؛ و ابن إدريس في السرائر 1: 50- 54.

37

حيث هو هو، لا في تلك الأخبار المودعة في كتب أصحابنا؛ لتصريحهم بكون أكثرها مقطوعة الصحّة (1).

و لنقدّم أربع مقدّمات:

[المقدّمة] الأولى: [وجوب تحصيل العلم بالاحكام‏]

إذا علمنا أنّ لنا أحكاما ثابتة قطعا، فإن كانت معلومة لنا فهي، و إن لم تكن معلومة فيجب علينا تحصيلها ضرورة، و اللازم أوّلا تحصيل العلم بها، فإن لم يرج العلم بها بخصوصها لانسداد بابه، فإن ثبت ثبوتا علميّا كون أمارة مأخذا أو مناطا لها فهو المتّبع، سواء كانت بنفسها مفيدة للظنّ أو لم يكن، و إن لم يثبت ذلك أيضا فما يتصوّر أن يكون مناطا لها و متّبعا فيها: إمّا الجمع بين المحتملات المعبّر عنه ب «الاحتياط»، أو الأخذ بأحدها لا بعينه، المسمّى ب «التخيير»، أو اتّباع ما ظنّ كونه مأخذا و متّبعا، أو اتّباع الظنّ بتلك الأحكام بأن يجعل الظنّ بها مأخذا و مناطا لها (2).

____________

(1). كما سيأتي في المنقول عن السيّد المرتضى في الصفحة 47.

(2). في حاشية «أ»: «بيان المقام: أنّ بعد ظهور بطلان الترجيح بلا مرجّح ببديهة العقل، و بطلان وجوب شي‏ء معيّن على شخص بدون علم به و لا ظنّ بشهادة العقل و الشرع، نقول: إنّ بعد العلم ببقاء التكاليف و انسداد باب العلم بخصوصها، أو بحجّيّة أمارة في تعيينها، فإمّا لا يوجد هناك ظنّ على حجّيّة أمارة من غير ملاحظة إفادتها الظنّ بالمكلّف به و عدمها في التعيين و لا على تعيين المكلّف به، أو يوجد.

فعلى الصورة الأولى يدور الأمر بين الاحتياط و التخيير؛ لأنّه إمّا لا يجب العمل بالبعض المعيّن أو غير المعيّن.

و الأوّل موجب للترجيح بلا مرجّح، فبقي الأخيران: أوّلهما التخيير و ثانيهما الاحتياط، و حينئذ لا يحتمل غيرهما.

و على الصورة الثانية، فإن وجد هناك باعث للظنّ بتعيين المكلّف به بخصوصه- أي أمر مفيد للظنّ به- فإمّا يكون باعث الظنّ أمرا واحدا يزيد احتمال اعتباره على الاحتمالين المتقدّمين أيضا لا غير؛ لعدم احتمال آخر، و إن كان باعثه أمورا متعدّدة، فإمّا لا يكون بعضها أقوى من بعض و لا مظنونا اعتباره- أي مظنون‏

38

ثمّ إن تعدّدت طرق الظنّ بها- بأن تكون هناك أمور مفيدة للظنّ بها، فأفاد بعضها الظنّ بأشياء و آخر بأخرى، من غير نفي أحدهما لما يفيده الآخر؛ لامتناع اجتماع ظنّين على أمرين متناقضين- فيمكن أن يكون المأخذ مطلق تلك الأمور، المعبّر عنه ب «مطلق الظنّ»، أو أحدها لا بعينه تخييرا، أو أقواها في إفادة الظنّ إذا تفاوتت فيها، أو ما ظنّ مأخذيّته لو كان بعضها كذلك.

و قد يكون المورد ممّا ينتفي فيه بعض تلك الاحتمالات؛ لأجل دليل خارجي، أو عدم وجود أمارة أو ظنّ مظنون الحجّية، أو عدم تعدّد طرق الظنّ، أو عدم تفاوتها، و حينئذ يتعيّن البواقي.

و أمّا احتمال مأخذيّة أمر من دون إفادته الظنّ بالحكم، و لا ظنّ بمأخذيّته، فممّا ينفيه ضرورة العقل.

[المقدّمة] الثانية: [فى وجوب متابعة الاحكام غير المعلومات‏]

اعلم أنّ لنا أحكاما معلومة، ضرورة أو نظرا، و لكن لا شكّ في أنّ الاقتصار عليها خاصّة خروجا عن الدين و اختلالا بيّنا في شريعة سيّد المرسلين و مخالفة لما عليه‏

____________

- الحجّيّة- أو يكون. فإن لم يكن فيجري في اعتبارهما احتمالان: اعتبار الجميع و البعض الغير المعيّن.

و أمّا البعض المعيّن فلا؛ لاستلزامه الترجيح بلا مرجّح، و لأنّ معنى اعتباره هنا وجوب العمل به و هو بدون العلم أو الظنّ به باطل. فيزيد هذان الاحتمالان على الاحتمالين المتقدّمين لا غير؛ لعدم احتمال آخر.

فإن كان بعضها أقوى فقط فلاحتمال اعتبار مثل ذلك عرفا يزيد ذلك الاحتمال أيضا على الاحتمالات الأربعة.

و إن كان بعضها مظنون الحجّيّة فقط يزيد ذلك على الأربعة. و إن اجتمع الأمران يزيد الاحتمالان عليها. و قد لا يوجد شي‏ء فيهما و لكن يوجد هناك أمارة مظنونة الحجّيّة من غير إفادتها بنفسها الظنّ، كالقرعة مثلا، و يزيد احتمال اعتبارها على الاحتمالين الأوّلين. و قد يجتمع ذلك مع وجود باعث الظنّ بالمكلّف [به‏] بخصوصه باحتمالاته و يزيد الاحتمالات حينئذ. و قد يتعدّد الأمارات المظنونة أيضا و تجري في اعتبارها الاحتمالات المذكورة في الظنّ بالمكلّف به.

و يظهر من جميع ذلك سرّ ما ذكرناه من حصر المتصوّر فيما ذكرناه و بيان ما ذكرنا من أنّه قد ينبغي في المورد بعض تلك الاحتمالات». «منه دام ظلّه»

39

الأمّة كافّة.

و منه يعلم أنّ لنا أحكاما أخر غير المعلومات يجب علينا متابعتها، و لا يمكن ذلك إلّا باستخراج هذه الأحكام من مأخذ و مناط، و لا يتصوّر ذلك إلّا بتحصيل المأخذ و تعيينه من بين الأمور التي يصلح كونها مأخذا لها و مناطا. فيكون تعيين المأخذ واجبا علينا بالضرورة و نكون مكلّفين بتعيينه من بين هذه الأمور كلّا أو بعضا. و لذا نرى العلماء من صدر زمان الاستنباط إلى هذا الزمان يبحثون عن المأخذ و المناط.

ثمّ الكتاب و إن كان معلوم الحجّيّة على ما ذكرنا إلّا أنّه لا يظهر منه إلّا أقلّ قليل من الأحكام الذي يعلم ثبوت الزائد منه ضرورة أيضا، مع أنّ ما يظهر منه أكثره أمور مجملة لا يمكن امتثالها إلّا بعد استخراج تفاصيلها.

[المقدّمة] الثالثة: [فى حجية الاخبار الآحاد فى الجملة]

قد ذكرنا أنّ محلّ النزاع في هذه المسألة هو حجّيّة مطلق تلك الأحاديث المرويّة عن الحجج‏ (1) إلّا ما بالدليل قد خرج، و أمّا حجّيّتها و وجوب العمل بها في الجملة فهو ممّا لا يصلح محلّا للنزاع أصلا، بل هو صار ضروريّ المذهب و الدين، و ليس علمنا بوجوب العمل في الأحكام بتلك الأخبار في الجملة أضعف من علمنا ببقاء التكاليف كذلك.

و نعلم قطعا أنّه لو تركت الأحاديث رأسا خرب الدين و المذهب، و التارك لها يؤاخذ و يعاقب، و يبطل أحكام شرع الرسول و يصبح الدين غير ما أتى به، كما صرّح به المفيد (2)، ناقلا عن بعض المشايخ‏ (3).

____________

(1). أي ما عبّر عنه سابقا بالخبر الواحد من حيث هو هو.

(2). رسالة عدم سهو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): 18- 20 (ضمن مصنّفات الشيخ المفيد، ج 10)؛ و نقله المصنّف عن رسالة الانتهاء للمفيد في مناهج الأحكام: 169، الفصل الثاني، السنّة، منهاج في حجّيّة خبر الواحد.

(3). و هو الصدوق في الفقيه 1: 359- 360.

40

و طريق علمنا بذلك طريق علمنا ببقاء التكاليف الغير المعلومة لنا، من الخروج عن الدين و سيرة العلماء الراسخين برفع اليد عنها.

و يثبته أنّا نرى أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السّلام) و من يليهم من العلماء و الفقهاء إلى زماننا هذا يعملون بتلك الأخبار و يجعلونها أدلّة للأحكام.

و نرى أنّه وقع الاختلاف بينهم بحسب اختلاف الأحاديث. و نراهم شديد [و] الاهتمام بضبطها و تدوينها، حتّى أنّهم سطّروا الأساطير و ملئوا الطوامير و دوّنوا فيها كتبا و أصولا و استعملوا في تمييزها أبوابا و فصولا. و قلّ من مشاهير أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) من لم يكن له أصل و كتاب، حتّى أنّ أربعمائة من أصحاب الصادقين (عليهما السّلام) جمعوا أربعمائة أصل يشتهر ذكرها في الأقطار. و لم يوجد من علماء الأمّة من لم يصرف برهة من عمره في فهم تلك الأخبار. و قد بذلوا سعيهم في نشرها و ترويجها حتّى أنّ أكثرها وصلت إلينا، مع بعد العهد و طول الزمان و توفّر الدواعي على الكتمان، و صرفوا عمرهم في تصحيحها من حيث اللفظ تارة، و من حيث المعنى أخرى، حتّى وضعوا كتبا في بيان معانيها و وضعوا علما لبيان أحوال رجالها.

و ما وجدنا كتاب فقيه أو رسالة منه يشتمل على مسألة إلّا و قد استدلّ بخبر أو أخبار، و ما رأينا مصنّفا إلّا تمسّك فيه ببعض هذه الروايات، و لم يختصّ ذلك بوقت دون وقت، و لا زمان دون زمان.

و لا يتوهّم أنّ المانعين من العمل بالآحاد، كالسيّد (رحمه اللّه) و من اقتفى أثره، لا يعملون بها، فإنّهم يعملون بها و إن ادّعوا أنّ أكثرها مضمومة مع قرائن مفيدة للعلم.

أ لا ترى كتبهم مشحونة بالاستدلال بها، حتّى أنّ ابن إدريس الذي هو منهم، جمع في آخر سرائره طائفة جمّة منها (1). فهم لا يمنعون من العمل بتلك الأحاديث‏

____________

(1). راجع السرائر- المستطرفات- 3: 547 و ما بعدها.

41

المدوّنة، بل يرون حجّيّتها، قائلين بكونها مقطوعة، كما صرّح به السيّد في المسائل التبّانيّات‏ (1).

و ليس غرضنا إثبات حجّيّة الآحاد من حيث هي آحاد، بل مطلوبنا حجّيّة هذه الأخبار المرويّة في كتب الأصحاب.

و ليس من العلماء من منع العمل بها، بل هم بين قائل بوجوب العمل بها لكونها مقطوعة، و قائل به لإفادتها الظنّ، و قائل به للتعبّد.

و قد ادّعى كثير من أجلّة الأصحاب الإجماع عليه‏ (2)، بل يمكن فيه ادّعاء الضرورة، حيث يعلمه العوام و الجهّال أيضا.

و لا يضرّ في ذلك اختلافهم في جهة العمل بها، أو عدم علمنا بها، أو قصور بعض جهاتهم‏ (3)، كما لا يضرّ ذلك في علمنا ببقاء التكاليف لنا زائدا على القدر المعلوم.

و لا يضرّ أيضا عدم العلم بأنّ عملهم من جهة كونها أخبارا، حيث يمكن أن يكون باعتبار حيثيّة القطع أو الظنّ؛ إذ ليس مطلوبنا إثبات حجّيّة الأخبار من حيث هي أخبار، بل مطلوبنا إثبات حجّيّة تلك الأمور التي تطلق عليها الأخبار أيضا، و إن شئت أطلق عليها عنوانا آخر.

و لحجّيّة تلك الأخبار في الجملة شواهد أخرى أيضا ذكرناها في كتبنا المطوّلة (4).

و بالجملة، كوننا مكلّفين باتّباع تلك الأحاديث المعهودة في الجملة مقطوع به و إن وقع النزاع في تعيين الحجّة منها.

____________

(1). جوابات المسائل التبّانيّات، ضمن رسائل الشريف المرتضى 1: 19 و 61.

(2). كالشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 126؛ و المحقّق الحلّي في معارج الأصول: 144؛ و العلّامة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأصول 3: 396- 397.

(3). أي أدلّتهم.

(4). راجع أساس الأحكام: 149 و ما بعدها؛ مناهج الأحكام: 174.

42

[المقدّمة] الرابعة: [الامارات المفيدة للظن على العمل بهذه الاخبار]

اعلم أنّ المطلوب من ذلك الأصل إقامة الدليل القاطع للنزاع المنتهى إلى العلم على أصالة حجّيّة تلك الأخبار المرويّة في كتب أصحابنا عن المعصومين بأسرها، أي حجّيّة كلّ تلك الأخبار إلّا ما خرج بالدليل.

و أمّا الظنّ بحجّيّتها، فهو أمر في غاية الظهور، كالنور على الطور، كيف و الأمارات المفيدة للظنّ على العمل بها و حجّيّتها قائمة.

فمن تلك الأمارات: الروايات المستفيضة، بل المتواترة معنى، كما رواه الشيخ في العدّة عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: «إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها في ما روي عنّا فانظروا إلى ما رووه عن عليّ (عليه السّلام)» (1).

يدلّ على وجوب اتّباع كلّ ما روي عنهم إذا وجد الحكم فيه، بل اتّباع كلّ ما روته العامّة عن عليّ (عليه السّلام) عند فقد ما روي عنهم. و يدلّ الجزء الأخير أيضا على وجوب اتّباع كلّ ما روته الخاصّة عن عليّ (عليه السّلام) بالطريق الأولى.

و إذا ضمّ معه الإجماع المركّب يدلّ هذا الجزء على تمام المطلوب أيضا.

و كالأخبار المتكثّرة الواردة في باب تعارض الخبرين المرويّين عنهم (عليهم السّلام)، بأنّه «موسّع عليك بأيّهما أخذت» (2). دلّت على جواز الأخذ بكلّ خبر مع وجود ما يعارضه، فيجوز بدونه بالطريق الأولى.

و منه يظهر دلالة المستفيضة الواردة في باب التعارض أيضا، بأنّه «خذ بما خالف العامّة» (3)، و «بما اشتهر بين أصحابك» (4)، و لكنّها مختصّة بجميع‏

____________

(1). العدّة في أصول الفقه 1: 149.

(2). راجع الكافي 1: 66، باب اختلاف الحديث، ذيل الحديث 7 مع اختلاف؛ و الاحتجاج 2: 264، ح 233.

(3). المصدر 1: 68، باب اختلاف الحديث، ذيل الحديث 10؛ الاحتجاج 2: 265، ح 235.

(4). عوالي اللآلئ 4: 133، ح 229؛ مستدرك الوسائل 17: 303، الباب 9 من كتاب القضاء، ح 2.

43

ما يخالفهم و جميع ما اشتهر. و يمكن القول بكون جميع تلك الأخبار ممّا اشتهر؛ إذ المراد الشهرة في الرواية دون الفتوى.

و التتبّع و النظر في أخبار التعارض يفيد أنّ المسئول عن حكمه و المجاب عنه هو الخبر الواحد. فإنّ الحوالة إلى القرائن الظنّية مع القطعيّة لا وجه له، سيّما إلى الأصدق في الحديث و الأوثق.

و كصحيحة البختري، عن الصادق (عليه السّلام): «إنّ العلماء ورثة الأنبياء، و ذلك أنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا و لا درهما و إنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشي‏ء منها فقد أخذ حظّا وافرا» (1).

و رواية يزيد بن عبد الملك، عن الصادق (عليه السّلام) قال: «تزاوروا، فإنّ زيارتكم إحياء لقلوبكم و ذكرا لأحاديثنا، و أحاديثنا تعطف بعضكم على بعض، فإن أخذتم بها رشدتم و نجوتم، و إن تركتموها ضللتم و هلكتم؛ فخذوا بها و أنا بنجاتكم زعيم» (2).

و رواية المعلّى بن خنيس، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إذا جاء حديث من أوّلكم و حديث من آخركم بأيّهما نأخذ؟ قال: «خذوا به حتّى يبلغكم من الحيّ، فإن بلغكم من الحيّ فخذوا بقوله» (3). أمر بالأخذ بالأوّل مع المخالف، فبدونه أولى.

و ما رواه الصدوق في إكمال الدين، و الشيخ في كتاب الغيبة، و الطبرسي في الاحتجاج، و الكشّي في الرجال، بالسند الصحيح العالي، قال: سألت محمّد بن عثمان العمري رضى اللّه عنه أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل استشكلت عليّ، فورد في التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان (عليه السّلام): «أمّا ما سألت عنه أرشدك اللّه و وفّقك- إلى أن قال:- و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا،

____________

(1). الكافي 1: 34، باب ثواب العالم و المتعلّم، ح 1.

(2). المصدر 2: 186، باب تذاكر الإخوان، ح 2.

(3). المصدر 1: 67، باب اختلاف الحديث، ح 9.

44

فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه عليهم» (1).

فإنّ المتبادر الظاهر منها أنّ الرجوع إلى أحاديثهم المرويّة، كما يقال: اسأل عن العالم؛ فإنّ المتبادر منه أنّ السؤال عنه باعتبار علمه.

ثمّ إنّ المراد ب «أحاديثهم» و «أحاديثنا»، و «جاء حديث من أوّلكم» في هذه الروايات: الحديث المنسوب إليهم المرويّ عنهم، لا المقطوع بكونه منهم؛ لشيوع إطلاق «حديثهم» و «حديثنا» و «جاء حديث عنهم» على ما يروى عنهم، بل الظاهر المتبادر من هذه الألفاظ مجرّد الانتساب، فحديث الشخص حقيقة في ما يروى عنه، و عدم صحّة السلب يؤكّده.

و قد أطلق في الأحاديث على ما لا يقطع بكونه منهم أيضا، كما في مقبولة ابن حنظلة، و فيها: و كلاهما اختلفا في حديثكم، قال: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث» (2).

و في رواية زرارة: يأتي عنكم الحديثان و الخبران المتعارضان- إلى أن قال (عليه السّلام)-: «خذ بما يقوله أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك» (3).

و في صحيحة هشام: «ما جاءكم عنّي يوافق كتاب اللّه فأنا قلته، و ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله» (4).

و ما رواه الكشّي في الصحيح العالي سندا أيضا أنّه ورد توقيع عن الصاحب (عليه السّلام) على القاسم بن العلاء: «أنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك في ما يرويه عنّا

____________

(1). كمال الدين و تمام النعمة 2: 483- 484، ح 4؛ الغيبة للشيخ الطوسي: 290- 291، ح 247؛ الاحتجاج 2:

542- 544، ح 344؛ و لم نعثر عليه في رجال الكشّي (اختيار معرفة الرجال).

(2). الكافي 1: 67- 68، باب اختلاف الحديث، ح 10؛ تهذيب الأحكام 6: 301- 302، ح 845.

(3). عوالي اللآلئ 4: 133، ح 229؛ مستدرك الوسائل 17: 303، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 2.

و فيهما: «خذ بقول أعدلهما».

(4). الكافي 1: 69، باب الأخذ بالسنّة و شواهد الكتاب، ح 5؛ المحاسن 1: 348، ح 728.

45

ثقاتنا» (1)، و هو يدلّ على وجوب العمل بكلّ ما يرويه الفقهاء و رواة الأحاديث لأنّهم ثقاتهم؛ لأنّه (عليه السّلام) جعلهم حكّاما على الناس و حججه عليهم، و روايتهم عنهم أعمّ من أن تكون بالواسطة أو بدونها، ثقة كانت الواسطة أم لا، و لذا يقال: روى الكليني عن الصادق (عليه السّلام).

و ما رواه في المحاسن، عن الباقر (عليه السّلام): «و اللّه لحديث تصيبه من صادق في حلال و حرام، خير لك ممّا طلعت عليه الشمس حتّى تغرب» (2).

و روي قريبا منه في الجامع‏ (3).

و الصادق في العرف و اللغة من له ملكة الصدق، أو لم يصدر منه خلافه إلّا نادرا.

و من الأمارات‏ (4): الشهرة العظيمة. فإنّ معظم أصحابنا صرّحوا بحجّيّة الآحاد، و مرادهم حجّيّة كلّ خبر لم يدلّ على عدم حجّيّته دليل، أي أصالة حجّيّة الخبر.

كما يدلّ عليه نفي اشتراط بعض الشروط، كالعدد و البصر و العربيّة و نحوها في الحجّيّة، بعد إثباتهم الحجّيّة بالأصل.

و كذا استدلالهم على اشتراط بعض الشروط من العدالة و غيرها ببعض الأدلّة، و يفهم اشتراط ما لا يتمّ دليله، مع أنّه لولاه لكان مرادهم إمّا حجّيّة طائفة خاصّة من الأخبار أو في الجملة، ليس الأوّل قطعا؛ لعموم كثير من أدلّتهم و عدم انطباقه على الخاصّ و عدم تخصيص في عنواناتهم و إن أخرجوا بعض الأخبار بعد ذكر الشرائط، بل لو كان مرادهم أوّلا الخصوصيّة لم يكن معنى لذكر بعض الشرائط.

و لا الثاني؛ لما مرّ، و لأنّه لا يفيد شيئا في الأحكام و لا يتفرّع عليه حجّيّة

____________

(1). اختيار معرفة الرجال: 535- 536، ح 1020.

(2). المحاسن 1: 356، ح 756.

(3). السرائر (المستطرفات- الجامع) 3: 645.

(4). على حجّيّة الآحاد المرويّة في كتب الأصحاب.

46

ما يتمسّكون به من الآحاد في الفروع.

و قد ادّعى جماعة منهم العلّامة (1) الشهرة عليه أيضا، بل لنا دعوى الإجماع على أصالة حجّيّة تلك الأخبار، بضميمة ما عرفت من أنّ السيّد و متابعيه أيضا يعملون بأخبارنا، غاية الأمر أنّهم يدّعون القطع بصحّتها.

و منها (2): الإجماع المنقول‏

قال الشيخ في العدّة بعد اختياره حجّيّة تلك الأخبار:

و الذي يدلّ على ذلك إجماع الفرقة، فإنّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم و دوّنوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك و لا يتدافعونه، حتّى أنّ واحدا منهم إذا أفتى بشي‏ء لا يعرفونه سألوا من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور و كان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا و سلّموا الأمر في ذلك و قبلوا قوله، و هذه عادتهم و سجيّتهم من عهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و من بعده من الأئمّة (عليهم السّلام)، و من زمان الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) الذي انتشر العلم عنه و كثرت الرواية من جهته، فلولا أنّ العمل بهذه الأخبار كان جائزا لما أجمعوا على ذلك و لأنكروه؛ لأنّ إجماعهم فيه معصوم لا يجوز عليه الغلط و السهو (3).

و قال بعض المتأخّرين في فوائده الغرويّة:

و من المعلوم على متتبّع الأخبار و من له ربط بطريقة عمل أصحاب الأئمّة الأخيار أنّ مدارهم كان على العمل بمضمون آية محكمة أو رواية معتبرة و إن كانت غير متواترة و لا مصرّحة بأنّها من الأئمّة الطاهرة (4).

____________

(1). نهاية الوصول في علم الأصول 3: 376 و 396- 397.

(2). أي من الأمارات على حجّيّة الآحاد من الأخبار.

(3). العدّة في أصول الفقه 1: 126- 127.

(4). الفوائد الغرويّة و الدرر النجفيّة، المقصد الثاني فيما يتعلّق بأصول الفقه و الأدلّة الشرعيّة، لأبي الحسن الشريف الفاضل النباطي الفتوني (مخطوط).

47

و يظهر دعوى الإجماع من المحقّق‏ (1) أيضا.

و لا ينافي ذلك ما ذكره السيّد من دعوى الإجماع على عدم حجّيّة الآحاد، حيث قال في المسائل الموصليّات:

إنّ أصحابنا كلّهم، سلفهم و خلفهم و متقدّمهم و متأخّرهم، يمنعون من العمل بأخبار الآحاد و من العمل بالقياس في الشريعة، و يعيبون أشدّ عيب الذاهب إليهما و المتعلّق في الشريعة بهما، حتّى صار هذا المذهب لظهوره و انتشاره ضرورة منهم و غير مشكوك فيه من أقوالهم‏ (2).

و قال في المسألة التي أفردها في البحث عن العمل بخبر الواحد:

إنّه تبيّن في جواب المسائل التبّانيّات أنّ العلم الضروري حاصل لكلّ مخالف للإماميّة أو موافق، بأنّهم لا يعملون في الشريعة بخبر لا يوجب العلم، و أنّ ذلك صار شعارا لهم يعرفون به‏ (3). انتهى.

و وجه عدم التنافي: أنّ محلّ الدعويين مختلف، فإنّ مراد السيّد نفي حجّيّة خبر الواحد من حيث إنّه خبر واحد، أي حجّيّة كلّ خبر، و مراد الشيخ حجّية تلك الأخبار المرويّة بطرق أصحابنا المدوّنة في كتبهم التي صرّح السيّد في المسائل التبّانيّات:

بأنّها معلومة مقطوع على صحّتها، إمّا بالتواتر أو بأمارة و علامة دلّت على صحّتها و صدق رواتها- و قال:- فهي موجبة للعلم، مقتضية للقطع، و إن وجدناها مودّعة في الكتب بسند مخصوص [معيّن‏] من طريق الآحاد (4).

فلا خلاف بينهما في حجّيّة تلك الأخبار، كما لا خلاف بينهما في عدم حجّيّة

____________

(1). في معارج الأصول: 144.

(2). جوابات المسائل الموصليّات الثالثة، ضمن رسائل الشريف المرتضى 1: 203.

(3). مسألة في إبطال العمل بأخبار الآحاد، ضمن رسائل الشريف المرتضى 3: 309.

(4). لم نعثر عليه في رسائل الشريف المرتضى و لكن حكاه عنه في منتقى الجمان 1: 2- 3؛ و معالم الدين: 197؛ و الفوائد المدنيّة: 109؛ و راجع أيضا وسائل الشيعة 30: 213- 214.

48

خبر الواحد من حيث هو. كما صرّح به المحقّق في المعارج، قال:

و ذهب شيخنا أبو جعفر إلى العمل بخبر العدل من رواة أصحابنا، لكنّ لفظه و إن كان مطلقا، فعند التحقيق تتبيّن أنّه لا يعمل بالخبر مطلقا، بل بهذه الأخبار التي رويت عن الأئمّة (عليهم السّلام) و دوّنها الأصحاب، لا أنّ كلّ خبر يرويه إماميّ يجب العمل به‏ (1). انتهى.

و كيف يقبل من له أدنى شعور ادّعاء مثل ذينك الجليلين ضرورة الشيعة و علم كلّ موافق و مخالف على أمرين متناقضين.

إذا عرفت تلك المقدّمات، فنقول:

إنّ لنا على أصالة حجّيّة تلك الأخبار المعهودة وجوه ثلاثة:

الأوّل: أنّ باب علمنا بجميع تكاليفنا المعلوم بقاءه قطعا منسدّ، فحكمنا في غير المعلومات منها أحد الأمور السبعة المتقدّمة في المقدّمة الأولى‏ (2) ضرورة، و لكنّ التخيير و الاحتياط باطلان بالإجماع، و رجوع الأوّل إلى سقوط التكليف، و الثاني إلى الحرج، و كذا العمل بأقوى الظنون؛ لاستلزامه التكليف بالمحال عادة؛ إذ لا يتعيّن ذلك إلّا بملاحظة المجتهد جميع ظنونه بخصوصه و نسبة كلّ منها إلى الآخر. فبقيت أربعة أخرى: حجّيّة كلّ ظنّ، و الظنّ المظنون حجّيته، و الأمارات الكذائيّة، و ظنّ ما تخييرا. و الكلّ يستلزم المطلوب.

أمّا الأوّل، فظاهر.

و أمّا الثانيان، فلما مرّ في المقدّمة الرابعة (3).

و أمّا الرابع، فلأنّ مع التخيير يجوز العمل بالأخبار و هو كاف فيما نحن بصدده، مع أنّ ثبوت جنس الجواز يستلزم فصل الوجوب بالإجماع المركّب المتحقّق هنا قطعا.

____________

(1). معارج الأصول: 147.

(2). راجع الصفحة 37.

(3). راجع الصفحة 42.

49

الثاني: أنّ بحكم المقدّمة الثانية نحن مكلّفون اليوم بتحصيل الحجّة و المأخذ للأحكام الزائدة على ما علم بالضرورة أو الكتاب، و المعلومة منهما بالإجمال و تعيينها من بين أمور منها تلك الأخبار، و هي‏ (1) الأخبار و مثل الشهرة و الإجماع الظنّي و مطلق الظنّ و عدم ظهور الخلاف و بعض آخر من الظنون المخصوصة؛ إذ ليس شي‏ء آخر غيرها صالحا للمأخذيّة، بالإجماع القطعي. و أمّا بعض أفراد القياس و الأدلّة العقليّة فهي راجعة إلى أحد المذكورات.

و باب العلم بتعيين ما هو الحجّة و المأخذ منها بخصوصه- بحيث يصلح لاستخراج التكاليف و الأحكام المجملة، و يفي بها بحيث لم يعلم الزائد منها بخصوصه و استقام الدين- مسدود، فيجب التعيين بإحدى الطرق السبعة. و لعدم دليل ظنّي على حجّيّة غير الأخبار منها حتّى يتردّد بين الظنون، فلا بدّ من الرجوع إلى إحدى الاحتمالات الثلاثة: الأخذ بالجميع، أو التخيير، أو التعيين بمطلق الظنّ، و الكلّ يستلزم المطلوب، كما لا يخفى.

و دعوى الظنّ على حجّيّة الشهرة باطلة- كما يأتي في بحث الإجماع‏ (2)- بل يثبت المطلوب لو كان دليل ظنّي على حجّيّة غيرها أيضا، ضرورة عدم دليل ظنّي على الأخذ بأحدها في تعيين الحجّة، سيّما ما لا يجري في الأخبار، و لا كونه أقوى من الظنّ الحاصل بحجّيّة الأخبار. فعلى جميع التقادير يثبت المطلوب.

الثالث: أنّ بحكم المقدّمة الثالثة نحن مكلّفون بتعيين الحجّة من تلك الأخبار أيضا، و لا قطع بما هو الحجّة منها. إلى آخر ما سبق‏ (3).

و توهّم الإجماع على حجّيّة نوع خاصّ من الأخبار، كالصحيح الخالي عن‏

____________

(1). أي الحجّة.

(2). يأتي في الصفحة 63.

(3). تقدّم في الصفحة 39- 41.

50

المعارض، أو عدم حجّيّته، كالضعيف، أو الشهرة على أحدهما، فلا تثبت الأصالة؛ يندفع، بأنّه لكون صحّة الخبر عند القدماء- بل إلى زمان العلّامة، بل عند الأخباريّين أيضا- غير الصحّة باصطلاح المجتهدين من المتأخّرين، يمكن أن يكون خبر ضعيف عند المتأخّرين حجّة عند القدماء، و لم يكن الصحيح عندهم حجّة عندهم، فإنّ أسباب الصحّة عندهم غير منحصر بأمر خاصّ، و مع ذلك فالاختلاف في العدالة التي اعتبرها المتأخّرون و طريق معرفتها معروف، و النزاع في ما يعرف بالظنون الرجاليّة مشهور، فلا يمكن إثبات الإجماع و لا الشهرة على حجّيّة طائفة خاصّة مشخّصة بأعيانها من تلك الأخبار، أو عدم حجّيّتها.

تتميم [في شرائط العمل بأخبار الآحاد]

للعمل بتلك الأحاديث المودّعة في كتب أصحابنا شرائط:

الأوّل: وجودها في أحد الأصول المعتبرة عندنا معاشر الإماميّة.

و المراد بالأصل المعتبر ما يكون جامعا لوصفين:

أحدهما: كون صاحب الأصل ثقة، ضابطا، متديّنا بدينه، متمكّنا من تمييز صحيح الحديث عن غيره.

و ثانيهما: أن يكون الأصل ثابتا منه بأخبار متواترة أو محفوفة بالقرائن، و الدليل على اشتراط ذلك إجماع أصحابنا عليه، و لزوم الهرج و المرج لولاه.

و لا يخفى أنّ اللازم في ثبوت الأصل هو ثبوته كلّيا، و أمّا جزئيّاته فلا يعتبر فيه ذلك؛ لأنّ حصول العلم به فيها مستحيل عادة، لجواز سهو الناسخ، بل يكتفى فيه بالظنّ الحاصل من تطبيق النسخ؛ للإجماع على كفايته.

الثاني: فقد المعارض لها من الأخبار، لا بمعنى أنّه لا يعمل بشي‏ء من المتعارضين، بل بمعنى أنّه لا يجوز الأخذ بأحدهما أوّلا، بل الواجب الرجوع إلى‏

51

ما أمر به الإمام في المتعارضين.

الثالث: فقد المعارض لها من الكتاب؛ للأمر بردّ ما يخالفه من الأخبار في المستفيضة (1).

الرابع: فقد الإجماع القطعي على خلافها.

الخامس: عدم تضعيف صاحب الأصل للخبر الذي نقله.

السادس: فقد شهرة القدماء على خلافها إذا كان الخبر واضح الدلالة، غير محتمل‏ (2) عدم اطّلاعهم عليه. فإنّ تركهم العمل بمثله يورث الظنّ القوي بوهنه، و عدم حجّيّته أقوى من الظنّ الحاصل بحجّيّة الأخبار، و كلّما كان الخبر أوضح دلالة و أشهر ذكرا يقوى الظنّ بعدم الحجّيّة.

و أمّا لو كان في دلالته خفاء بحيث احتمل أنّهم لم يتفطّنوا بالدلالة، أو كان الخبر ممّا احتمل عدم اطّلاعهم عليه، كأن يكون جزء من حديث مذكور في غير مظانّ الحكم بعيدا عنها و مثل ذلك، فلا يوجب شهرة الخلاف وهنا فيه، كما أنّ شهرة المتأخّرين على الخلاف لا يوجب وهنا أصلا.

السابع: كونه مظنون الصدق و لو بظنّ ضعيف.

و وجه اشتراطه إجماع الأصحاب عليه؛ فإنّهم بين قائل بعدم حجّيّة الآحاد و قائل بحجّيّتها، و عدم حجّيّة غير مظنون الصدق عند الأوّل ظاهر، و الآخر بين أخباري قائل بكونها معلومة الصدق، و عدم حجّيّته عنده أيضا واضح‏ (3)، و مجتهد، و هو بين طائفتين: المتأخّرون المنوّعون للأحاديث إلى الأقسام الأربعة المشهورة (4)، و اشتراط الظنّ بالصدق هو السبب على تنويعهم، و القدماء الذين لم يشتهر منهم‏

____________

(1). راجع وسائل الشيعة 27: 106 و ما بعد، الباب 9 من أبواب صفات القاضي و ....

(2). في بعض النسخ: «مظنون» بدل «محتمل».

(3). أي أنّ عدم حجّيّة كلّ خبر غير مظنون الصدق عند الأخباري واضح.

(4). أي الصحيح، و الضعيف، و الحسن، و الموثّق.

52

هذا التنويع، و هم أيضا قائلون باشتراط صحّة الحديث، و هي عندهم كونه منضمّا مع ما يوجب الظنّ بالصدق.

و يؤيّده أيضا ما اشتهر من تمييز المجروح من الرجال من المعدّل، و تدوينهم علم الرجال و التخصيص في بعض الأحاديث المتقدّمة بكون الخبر من صادق أو من الثقات.

ثمّ إنّ اعتبار هذا الشرط إنّما هو لو لم يخصّص العنوان ب «أخبارنا» و «منها» بما في تلك الكتب المعتبرة. و أمّا معه، فلا يحتاج إليه؛ لكونها بأجمعها مظنونة الصدق. و لأجل ذلك نقول بعدم الاحتياج إلى ملاحظة أحوال الرجال بالنسبة إلى ما في تلك الكتب.

الثامن: عدم العلم بفسق الراوي؛ لآية النبأ (1).

و الظاهر كفاية التبيّن الظنّي؛ لاكتفاء الأصحاب به قديما و حديثا، كما يعلم من سيرتهم في العمل بالأخبار.

و منه يظهر عدم ترتّب فائدة على ذلك الشرط بالنسبة إلى أخبار كتبنا المعتبرة، مضافا إلى أنّه لا سبيل لنا إلى العلم بفسق الرواة في هذا الزمان. و غاية ما يستفاد من علم الرجال هو الظنّ، و لم يثبت اعتباره.

و قد ذكروا شروطا أخر أيضا لا دليل على اعتبارها في تلك الأحاديث، أو مطلقا.

ثمّ إنّ غير ما ذكرنا من الأخبار و إن لم يكن داخلا تحت أصلنا الذي أسّسناه و لكنّه قد يصير حجّة إذا انجبر بعمل الأصحاب؛ لحصول التبيّن، و لعدم ثبوت الإجماع على عدم حجّيّة مثله، و لإيجابه الهرج و المرج الموجبين لاشتراط وجوده في أحد الأصول المعتبرة.

____________

(1). الحجرات (49): 6: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ.

53

و كذا يكون حجّة في ثبوت السنن و المكروهات، كما هو المعروف منهم من التسامح في أدلّة السنن.

و ادّعى الشهرة عليه جماعة، منهم: الشهيد الثاني في الروضة (1) و شرح الدراية (2)، و شيخنا البهائي في أربعينه‏ (3). و صريح عدّة الداعي‏ (4) كظاهر الذكرى‏ (5) الإجماع عليه، فهو الحجّة فيه، مضافا إلى المستفيضة من الصحاح و غيرها، المصرّحة بأنّ «من سمع شيئا من الثواب على شي‏ء فصنعه، كان له أجره و إن لم يكن على ما سمعه» (6).

____________

(1). الروضة البهيّة 3: 64- 65.

(2). شرح البداية (الرعاية في علم الدراية): 76.

(3). الأربعون حديثا: 386- 387.

(4). عدّة الداعي: 20 في مقدّمة المؤلّف.

(5). ذكرى الشيعة 2: 34.

(6). الكافي 2: 87، باب من بلغه ثواب من اللّه على عمل، ح 1، و فيه: «ما بلغه».

54

أصل و من أدلّة الأحكام: الإجماع‏

و هو يطلق على أمور:

الأوّل: الاتّفاق الكاشف عن قول المعصوم (عليه السّلام) على أمر مطلقا.

الثاني: اتّفاق جميع العلماء في عصر على أمر مطلقا.

الثالث: اتّفاق جميع علماء الرعيّة على أمر في عصر.

و الأوّل هو الإجماع عند جماعة من محقّقي المتأخّرين‏ (1).

و لا يشترط على هذه الطريقة اتّفاق الكلّ و لا وجود مجهول النسب، و لا يضرّ مخالفة معلوم النسب و لا مجهوله.

و الثاني عند السيّد و تابعيه‏ (2). و لا يضرّ عليه مخالفة المعلوم إن لم يقدح في موافقة الباقين، و لكن يشترط عدم مخالفة مجهول النسب، بل يشترط وجوده.

و الثالث عند بعض أصحابنا (3)، و نسب إلى الشيخ‏ (4) أيضا.

و الأخيران عند العامّة (5). و يتّحدان عندهم لحصرهم العلماء في الرعيّة.

____________

(1). كالشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 251؛ و الشيخ حسن في معالم الدين: 173؛ و الاسترآبادي في الفوائد المدنيّة: 57.

(2). راجع جوابات المسائل التبّانيّات، ضمن رسائل الشريف المرتضى 1: 15- 16؛ و غنية النزوع 2: 370.

(3). هو المولى صالح المازندراني في حاشية معالم الدين: 175.

(4). انظر العدّة في أصول الفقه 2: 602.

(5). راجع المستصفى، للغزالي: 152؛ و المحصول في علم الأصول، للرازي 4: 20.