إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار

- إدريس الجعيدي المزيد...
479 /
5

[تصدير]

«... و استنبطوا عقوبة للسارق، و ذلك أنهم اتخذوا صندوقا مقسوما نصفين، مقبوضا من غاربه بقريقيات، و فتح لوحته العليا دائرتين نصفهما في كل نصفي اللوحة الفوقية، يفتح هذا الصندوق و يدخل إليه السارق و يسد على ما فوق ركبتيه، و تغل يداه بين خشبتين منصوبتين فوق الصندوق، ثم يضرب بسياط خمسين سوطا بين كتفيه، و قد نزعت ثيابه، و صاحب السوط يضرب به بغاية جهده، و صفة السوط قضيب رقيق، طوله يزيد على ذراع يسيرا في رأسه جلدة ركب فيها تسعة خيوط من القنب الرقيق فيها، عقد طول هذه الخيوط كطول القضيب، قيل كل ضربة به يتفجر منها الدم، و أن من ضرب به خمسين سوطا يموت لا محالة»

نص الرحلة ص 277

«و رأينا في نسائهم حياء كبيرا لأنهن يرفعن إلينا من بعد، فإذا قربن و وقع بصرنا على إحداهن نكست بصرها إلى الأرض.»

نص الرحلة ص 282

«... فبينما نحن مارون بتأن و مهلة إذ رأينا شعاعا عظيما خارجا من كوة عالية في جدار مرتفع، جرم تلك الكوة مستدير فيما يظهر كجرم الشمس و الشعاع كشعاعها، إلا أنه أبيض يميل إلى الخضرة، و يمكن للإنسان إمعان النظر فيه، و بانتشار ذلك الشعاع انتشر الضوء على جميع تلك الخلائق الذين كانوا هناك حتى كأنه النهار، و يرى البعيد منهم كما يرى القريب، و يرى ظلال المارين على الأرض و بالجدران كما ترى الظلال بالنهار، و تعجبنا من عقول هؤلاء الشطار كيف تخيلوا و صيروا الليل كالنهار، و ليس ذلك من قبيل قلب الأبصار و الأعيان، بل هو محقق الوجود ظاهرة للعيان ...».

نص الرحلة ص 355

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

استهلال‏

تهدف هذه السّلسلة بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيّات أدب الرّحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب و رحّالة عرب و مسلمين جابوا العالم و دوّنوا يوميّاتهم و انطباعاتهم، و نقلوا صورا لما شاهدوه و خبروه في أقاليمه، قريبة و بعيدة، لا سيما في القرنين الماضيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية لدى النّخب العربية المثقفة، و محاولة التعرّف على المجتمعات و النّاس في الغرب، و الواقع أنه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرة الاستشراق و المستشرقين الذين ملأوا دروب الشّرق، و رسموا له صورا ستملأ مجلدات لا تحصى عددا، خصوصا في اللغات الإنكليزية و الفرنسية و الألمانية و الإيطالية، و ذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم و العلم، و من منطق المستأثر بالأشياء، و المتهي‏ء لترويج صور عن «شرق ألف ليلة و ليلة» تغذّي أذهان الغربيين و مخيّلاتهم، و تمهّد الرأي العام، تاليا، للغزو الفكري و العسكري لهذا الشرق. و لعل حمله نابليون على مصر، بكل تداعياتها العسكرية و الفكرية في ثقافتنا العربية، هي النموذج الأتمّ لذلك.

فقد دخلت المطبعة العربية إلى مصر مقطورة وراء عربة المدفع الفرنسي‏

8

لتؤسس للظاهرة الإستعمارية بوجهيها العسكري و الفكري.

على أن الظّاهرة الغربية في قراءة الآخر و تأويله، كانت دافعا و محرضا بالنسبة إلى النخب العربية المثقفة التي وجدت نفسها في مواجهة صور غربيّة لمجتمعاتها جديدة عليها، و هو ما استفز فيها العصب الحضاري، لتجد نفسها تملك، بدورها، الدوافع و الأسباب لتشدّ الرحال نحو الآخر، بحثا و استكشافا، و تعود و معها ما تنقله و تعرضه و تقوله في حضارته، و نمط عيشه و أوضاعه، ضاربة بذلك الأمثال للناس، و لينبعث في المجتمعات العربية، و للمرة الأولى، صراع فكري حاد تستقطب إليه القوى الحيّة في المجتمع بين مؤيد للغرب موال له و متحمّس لأفكاره و صياغاته، و بين معاد للغرب، رافض له، و مستعدّ لمقاتلته.

و إذا كان أدب الرحلة الغربي قد تمكن من تنميط الشرق و الشرقيين، عبر رسم صور دنيا لهم، بواسطة مخيّلة جائعة إلى السّحري و الأيروسيّ و العجائبيّ، فإن أدب الرحلة العربي إلى الغرب و العالم، كما سيتّضح من خلال نصوص هذه السلسلة، ركّز، أساسا، على تتبع ملامح النهضة العلميّة و الصناعيّة، و تطوّر العمران، و مظاهر العصرنة ممثلة في التطور الحادث في نمط العيش و البناء و الاجتماع و الحقوق. لقد انصرف الرّحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة في تلك المجتمعات، مدفوعين، غالبا، بشغف البحث عن الجديد، و بالرغبة العميقة الجارفة لا في الاستكشاف فقط، من باب الفضول المعرفي، و إنما، أساسا، من باب طلب العلم، و استلهام التجارب، و محاولة الأخذ بمعطيات التطور الحديث، و اقتفاء أثر الآخر للخروج من حالة الشّلل الحضاريّ التي وجد العرب أنفسهم فريسة لها. هنا، على هذا المنقلب، نجد أحد المصادر الأساسية المؤسّسة للنظرة الشرقية المندهشة بالغرب و حضارته، و هي نظرة التطلّع إلى المدنيّة و حداثتها

9

من موقعه الأدنى على هامش الحضارة الحديثة، المتحسّر على ماضيه التليد، و التّائق إلى العودة إلى قلب الفاعلية الحضارية.

إن أحد أهداف هذه السّلسلة من كتب الرحلات العربية إلى العالم، هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكّل عن طريق الرحلة، و الأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرّحالة، و الانتباهات التي ميّزت نظرتهم إلى الدول و الناس و الأفكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكّل ثروة معرفيّة كبيرة، و مخزنا للقصص و الظواهر و الأفكار، فضلا عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف و الغريب و المدهش مما التقطته عيون تتجوّل و أنفس تنفعل بما ترى، و وعي يلمّ بالأشياء و يحلّلها و يراقب الظواهر و يتفكّر بها.

أخيرا، لا بد من الإشارة إلى أن هذه السّلسلة التي قد تبلغ المائة كتاب من شأنها أن تؤسس، و للمرة الأولى، لمكتبة عربية مستقلّة مؤلّفة من نصوص ثريّة تكشف عن همّة العربيّ في ارتياد الآفاق، و استعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة، و هي إلى هذا و ذاك تغطي المعمور في أربع جهات الأرض و في قارّاته الخمس، و تجمع إلى نشدان معرفة الآخر و عالمه، البحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب و المسلمين من خلال تلك الرحلات التي قام بها الأدباء و المفكرون و المتصوفة و الحجاج و العلماء، و غيرهم من الرّحالة العرب في أرجاء ديارهم العربية و الإسلامية.

محمد أحمد السويدي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المقدّمة

الفصل الأول: رحلة الجعيدي‏ نموذج للرحلات المغربية لأوربا خلال ق 19 م‏

إن حقبة القرن 19 على الصعيد المغربي، تبدو إلى حد ما غنية بالتصورات المبدعة من قبل النخبة المثقفة، اتجاه النهضة الأوربية الحديثة، فطبيعة الظروف الدولية التي كانت قد أحاطت بالمغرب خلال هذه الحقبة و التي تتجلى في تزايد الأطماع الأوربية و تراجع مركز المغرب الدولي، نشطت الديبلوماسية المغربية بشكل مكثف صوب أوربا، محاولة التأثير في هذا الواقع، فكانت لها مردودية سياسية كما أنها أسهمت في بلورة العديد من الإنتاجات الفكرية التي اهتمت بتصوير المدنية الأوربية الحديثة،

____________

(1) تكتب اليوم حسب سجلات الحالة المدنية بالجعيدي بدون ألف و هي التي اعتمدتها في الدراسة و التحقيق.

(2) و هي رحلة الصفار التطواني إلى فرنسا سنة 1845 م، و رحلة الفاسي إلى أنجلترا سنة 1860 م، و رحلة العمروي إلى فرنسا سنة 1860 م. و رحلة بنسعيد السلاوي إلى فرنسا سنة 1866 م، و رحلة الكردودي إلى إسبانيا سنة 1885 م، و رحلة الغسال إلى أنجلترا سنة 1902 م، و قد استمر هذا الإنتاج الفكري حتى في عهد الحماية.

12

و يؤرخ هذا الانتاج الفكري لأولى انطباعات المغاربة عن أوربا. و تندرج رحلة الجعيدي‏ في هذا الإطار كأكبر رحلة سفارية إلى أوربا، بقيت مخطوطة أكثر من قرن من الزمن قابعة داخل إحدى الخزانات العائلية السلاوية لا نجد ذكرا لها في كل الدراسات التي تعالج فترة حكم السلطان الحسن الأول. حتى تفضل حفيد صاحب «الرحلة» سيدي محمد الجعيدي مشكورا فزودنا بها، كما أننا لم نعثر على نسخة أخرى للمخطوط، إن وجدت رغم قيامنا بالتفتيش الجدي في مظان وجود المخطوطات المغربية، لذلك اعتمدنا على هذه النسخة الأصلية التي هي بين أيدينا، و واصلنا البحث داخل خزانة ولده سيدي عبد القادر الجعيدي الكائنة بباب حساين بسلا.

التعريف بالمخطوط

إن المخطوط الذي نحن بصدد تحقيقه و دراسته هو رحلة سفارية من تأليف إدريس الجعيدي كاتب سفارة الحاج محمد الزبيدي الرباطي إلى أوربا سنة 1876 م، و تبلغ عدد ورقات هذه النسخة 178 ورقة. و بكل ورقة صفحتان واحدة عن اليمين و الثانية عن اليسار، ما عدا الأوراق التالية، 3 و 10 و الأخيرتين 177 و 178، بها صفحة واحدة فقط. إذن عدد الصفحات الموجودة بهذه النسخة 256 صفحة، و مقياس كل ورقة 18* 26 سم و في كل صفحة ما بين 11 و 18 سطرا، و في كل سطر ما بين 10 إلى 18

____________

(1) يسمي هذه الرحلة- خطأ- أحمد الناصري بالاستقصاء ج 9: 151؛ و عبد اللّه الجراري بأعلام الفكر، ج 2: 275؛ و أحمد الصبيحي في كناشته الفالودج- تحفة الأخيار بغرائب الأخبار-.

(2) لم يذكر هذه الرحلة المؤرخ بن سودة في دليله، و إنما ذكر رحلة إدريس بن محمد بن ادريس الجعيدي السلاوي المتوفى سنة 1941 م، و هي رحلة حجازية نشرت بجريدة «السعادة» مع ترجمته بالعدد 5108.

(3) تفضل سيدي محمد الجعيدي، و وهب هذه الخزانة بكاملها، إلى الخزانة العلمية الصبيحية بسلا.

(4) انظر الصفحة الأولى و الصفحة الأخيرة من المخطوط في ملحق الرسوم و الصور صفحة 30 و 31).

13

كلمة، و هي نسخة سليمة من الخروم، كتبت بخط مغربي رقيق عدلي بيد صاحبها بالحبر الأسود فقط، إضافة إلى هذا لاحظنا أن المؤلف قد لجأ في البداية إلى كتابة فهرس عناوين رحلته مع أرقام الصفحات دون أن يوظف هذه العناوين بكاملها في مكانها المناسب أو يكتفي بالإشارة إليها في الهامش مما اضطرنا إلى إعادة توظيفها بكاملها كعناوين بارزة تساعد القارئ على التعرف عن الأحداث التي يتحدث عنها.

تتخلل المخطوط أحيانا نقط مثلثة () يبدو أن الجعيدي وضعها بدل الفواصل و النقط دون الرجوع إلى السطر، و قد حرص على وضع التعقيبة في آخر كل صفحة حتى يطمئن القارئ على تسلسل المضمون. و تتضمن هذه النسخة العديد من الحواشي بعضها من نفس خط المتن و تكون في اتجاهه، و هي مرتبة بالمتن كتخريجات أو توقيفات أو تصحيحات أو تعليقات، أدرجتها في مكانها المناسب داخل المتن بين نجمتين، و بعض هذه الحواشي بخطوط مختلفة تبين لنا أن أحدها خط ابنه عبد القادر الجعيدي، و الثانية خط المؤرخ ابن علي الدكالي السلاوي. فأشرت إلى كل حواشيهما باسم صاحبها.

14

المتن‏

وردت في النص أخطاء لغوية و إملائية كثيرة، قمنا بتصحيحها و أثبتنا في الهامش العبارة في شكلها غير الصحيح، و إذا تكرر الخطأ نصححه دون ذكر ذلك على الهامش تلافيا لإثقال النص بالهوامش، أما بالنسبة لبعض الأخطاء الناتجة عن استعمال الكلام الدارج فإننا آثرنا تركها كما وردت حتى لا يؤدي ذلك إلى تشويه النص، و قمنا بشرح بعضها في الهامش، و إذا تكررت كثيرا أحلنا القارئ إلى ملحق خاص لشرح الكلمات العامية المغربية. و قمنا بترك الأشعار الواردة كما هي بدون تصحيح و ذكرنا بحورها العروضية فقط.

و استعملنا المزدوجتين للآيات القرآنية و الأحاديث، أما العلامات (//) التي تتخلل النص فقد وضعناها لتشير إلى المكان الذي تنتهي فيه كل صفحة من صفحات المخطوط.

____________

(1) قسمهم الجعيدي إلى مقدمة و ستة أجزاء.

المقدمة كتوطئة للرحلة.

الجزء الأول: من الدخول إلى طنجة إلى الركوب إلى مرسيليا (ستة أبواب).

الجزء الثاني: في أخبار مرسيليا و باريس (اثنان و عشرون بابا).

الجزء الثالث: الخروج إلى جنس البلجيق و ما رأينا في بعض مدنهم (ثمانية عشر بابا).

الجزء الرابع: في بعض أخبار بلاد النجليز (ستة عشر بابا).

الجزء الخامس: الرجوع إلى بر الفرنصيص و التوجه منه للطليان. (أربعة أبواب)

الجزء السادس: في أخبار بعض بلاد الطليان (ثلاثة عشر بابا).

الخاتمة: لم يكتبها.

و قاعدته في ذكر الأعلام و المدن أنه يوردها بنطقها الأعجمي.

15

الصفحات الفارغة من المتن‏

ذكر صاحب الرحلة في فهرس رحلته و كذلك في الصفحة/ 125/ «.....». و في الصفحة/ 23/ «هذا الفصل سيقدم و يلحق بموضعه المناسب بحول اللّه»، نستنتج من كلامه هذا أن رحلته ما زالت مسودة أي مبيضة و أنه لم ينته بعد من كتابة جميع أجزاءها.

لهذا توجد بعض صفحات هذه الرحلة بيضاء فارغة و هي حسب الجدول التالي:

1- فهرس العناوين الذي وضع صاحب الرحلة جزءه الأخير غير كامل‏.

2- مقدمة الجعيدي جزءها الأخير ناقص «... الطالب السيد ...» عند الصفحة/ 9/.

3- الصفحات الفارغة في المخطوط.

4- الصفحة الوحيدة التي يوجد بها بثر في وسطها بواسطة آلة حادة/ 202/ هي رقم/ 202/.

5- الصفحتان/ 123/ و/ 124/ مكررتان.

6- تنفرد رحلة الجعيدي السفارية بوجود بعض الرسوم التوضيحية بحواشي بعض الصفحات، كما أنني طعمتها ببعض الرسوم الأخرى تقريبا للفهم (انظر جدول الرسوم بالملحق).

____________

(1) «هذا الفصل يقوم عند الخروج من هذه المبيضة بحول الله». و المبيضة هي مشروع مرسوم أو رسالة أو مقولة و غير ذلك. و أصلها المسودة و دعيت مبيضة تفاؤلا.

(2) كما أن أحداث الرحلة أحيانا غير متسلسلة كمثال «أثناء إقامتهم بباريس في المرة الأولى يقول: في يوم الخميس 15- 6- 1876 م حضروا استعراض الجيش الفرنسي، ثم يعود بالحديث أنه في يوم الأربعاء 14- 6- 1876 م تناولوا طعام العشاء بدار كبير الدولة، ثم يعود إلى يوم الخميس 15- 6- 1876 م ليستمر في مذكراته من جديد حسب التسلسل الزمني ...».

(3) و هي/ 25/ و/ 26/ و/ 110/ و/ 111/ و/ 203/ و/ 204/ و/ 205/ و/ 212/ و/ 213/ و/ 214/ و/ 215/ و/ 244/ و/ 245/ و/ 246/ و/ 247/ و/ 248/ و/ 249/ و/ 272/ و/ 272/ و/ 273/ و/ 306/ و/ 307/ و/ 308/ و/ 309/ و/ 342/ و/ 343/.

16

ترجمة صاحب الرحلة: ترجمة مختصرة لآل الجعيدي‏

ينتمي إدريس الجعيدي السلاوي إلى أسرة شريفة، كانت تستوطن مدينة تطوان، التي يوجد بها ضريح جده الشيخ أبو الحسن علي بن مسعود الجعيدي‏ المتوفى عام 1032 ه. «... و دفن بزاويته الخاصة قرب جامعه الكبير بحومة العيون، و ما زال ضريحه قائما تقام به الصلوات، و يزوره الناس و يتبركون به، و مسجده من أعظم مساجد تطوان» و قد احتفظ أبناء الشيخ بعد وفاته بكل احترام و توقير و مكانة هامة.

احتل حفدته مناصب مخزنية هامة في الدولة المغربية أيام السلطان سيدي محمد بن عبد الله، الذي عين عبد السلام بن الخياط بن علي الجعيدي قائدا بأحواز فاس لحل المشاكل و الدعاوي عام 1198 ه. و تولى محمد الجعيدي قيادة مدينة صفرو و أحوازها أيام السلطان مولاي سليمان عام 1235 ه. و عين عبد القادر بن الخياط الجعيدي كاتب الديوان الجهادي بسلا، كما جاء ذلك عند ابن زيدان‏: «أنه في سنة 1203 ه أرسل السلطان سفارة مهمة للسلطان عبد الحميد كما جاء بخط كاتب الديوان الجهادي بسلا في ذلك العهد سيدي عبد القادر الجعيدي أوائل شعبان 1203 ه ...».

و بالتالي هو أول من استوطن مدينة سلا من آل الجعيدي بسبب الوظيفة المذكورة،

____________

(1) انظر ترجمته الكاملة عند محمد داود «تاريخ تطوان»، القسم 3 من المجلد الأول: 332. و ذكر أن هذه العائلة انقرضت من تطوان سنة 1957 م. (انظر صورة صاحب الرحلة في ملحق الرسوم و الصور صفحة 32).

(2) عبد الله محمد بن الطيب القادري، التقاط الدرر ...، ج 1: 140.

(3) كما تدل على ذلك الظهائر السلطانية الموجودة ضمن وثائق آل الجعيدي بالخزانة العلمية الصبيحية بسلا.

(4) الإتحاف، ج 3: 306.

17

و اتصل إذ ذاك بالقبطان الشهير الحاج الهاشمي عواد، و انعقدت بينهم المصاهرة التي ما زالت محكمة بين العائلتين‏ و بعد حوالي نصف قرن من استيطان الجعيديين مدينة سلا، ولد صاحب الترجمة.

____________

(1) مما يدل على ذلك عقود الصداق الموجودة ب خ. ع. ص. بسلا.

18

شجرة آل الجعيدي‏

____________

(1) صاحب قعود آل الجعيدي بتاريخ 1108 ه.

(2) كاتب الديوان بسلا عام 1203 ه (أول من استوطن مدينة سلا).

(3) أولاده من زوجته الأولى خديجة الصابونجي توفيت عام 1292 ه.

(4) أولاده من زوجته الثانية فاطمة بنت الأمير الحاج محمد بن أحمد عواد.

(5) عضو مجلس الاستئناف الأعلى، ترجمته ب «أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين»، عبد الله الجراري، ج 2، 275. و هو صاحب الرحلة الحجازية ذكرها عبد السلام بن سودة ب «دليل مؤرخ المغرب الأقصى»: 99.

19

نسبه‏

سيدي إدريس ابن محمد بن إدريس بن عبد القادر بن الخياط بن علي بن عبد الله بن الوالي الصالح سيدي علي ابن مسعود، دفين تطوان، ابن مسعود حسب وثيقة خطية.

و يستمر نسب صاحب الترجمة مسترسلا، حسب قعود آل الجعيدي الموجود ب.

خ. ص. بسلا، و المكتوب في ورقة عدلية من الحجم الكبير بتاريخ أواسط جمادى عام 1108 ه.

____________

(1) هذه الشجرة التي استنتجتها من وثائق آل الجعيدي ب: خ. ص. بسلا، تطابق ما جاء بخط سيدي عبد القادر بن إدريس الجعيدي السلاوي في كناشة صغيرة توجد بخزانته العائلية بحي باب حساين بسلا من الحجم الصغير.

إن نسبه هو عبد القادر بن ادريس بن محمد بن ادريس بن عبد القادر بن الخياط بن علي بن عبد الله بن علي بن مسعود الجعيدي الأنجري الأصل التطواني المزار، و بها ضريحه الأسمى المتصل نسبه بفاتح المغرب مولانا ادريس- رضي الله عنه- و قد كان انتقال أجداد الشيخ المذكور لفاس صدر الدولة العلوية الشريفة دام عزها، و أسندت لهم مناصب مخزنية أيام السلطان المقدس سيدي محمد بن عبد الله ... و لا زال محلهم مشهورا بحومة العيون من فاس ... قد كتب بزليجة خضراء بنقش بديع صدر السقاية بجدارها المواجه أبياتا نصها:

شاد حسني و جمالي‏* * *نزهة للناظرينا

ماء واد من نداه‏* * *به قد زان العيونا

نزه الألحاظ و اشرب‏* * *و اغترف ماء معينا

سيدي عبد السلام‏* * *أشرف الحكام فينا

و ادع للاسم الجعيدي‏* * *و أمير المؤمنينا

نقش تاريخ و يغفر* * *للذ قال آمينا

.. و قوله و يغفر إشارة لتاريخ ولاية سيدي عبد السلام عام: ي- 10، ع- 900، ف- 80، ر- 200.

المجموع- 1196 ه.

20

مسعود بن تكال بن يجعد بن سليمان بن محمد بن إسماعيل بن عيسى ابن يعلي بن عبد العزيز بن خليفة بن هاشم بن سمرة بن هلال بن عمر بن كثير بن إدريس بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن فاطمة بنت مولانا رسول اللّه ... حتى نصل إلى بن عدنان. (رقم الوثيقة 22) و مصادق على صحة هذا القعدود اثنا عشر من الشهود من أهل مدينة تطاوين بتاريخ رجب 1108 ه.

و قابل هذا القعدود عدلان و شهدا بصحة المقابلة و المماثلة بتاريخ 19 جمادى الأولى عام 1328 ه، كما اطلع عليه عدلان من حضرة فاس يوم 15 شعبان عام 1329 ه.

نشأته و دراسته أما تاريخ ولادة الشريف سيدي إدريس بن محمد بن إدريس‏

عبد القادر الجعيدي، إلى حد الآن لم أستطع أن أضبطها أو أعثر عليها، و إنما أقدرها فقط أوائل الخمسينات من القرن 13 ه. و هي تصادف الفترة التي ولد فيها المؤرخ أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، المزداد بسلا بتاريخ 22 ذي الحجة 1250 ه، الموافق (22 مارس عام 1835 م).

إذن يمكننا أن نستشف و نتلمس من خلال ترجمة سيدي أحمد الناصري- المنشورة بالاستقصا. الجو الثقافي و العلمي و الأدبي الذي كانت تعيشه مدينة سلا، و بالتالي نتعرف على نشأته و دراسته عن طريق المقارنة و المماثلة، لأن كلا من الناصري و الجعيدي قرينان في العمر و من أبناء مدينة واحدة.

تقول ترجمة الناصري «... كانت هذه المدينة (سلا) إذ ذاك زاهرة بالعلوم الإسلامية و العربية، و فيها جماعة وافرة من العلماء و المدرسين و الأساتذة القراء الذين يعتمد عليهم في تحقيق الفنون و درس أصول العلوم و المتون».

____________

(1) الجزء 1: 9 من طرف ولديه جعفر و محمد الناصري.

21

و ذكرت الترجمة العديد من الأساتذة و الشيوخ منهم «... الأستاذ محمد العلو السلاوي ... الأستاذ محمد بن الجيلاني الحمادي في مبادئ علوم قراءة القرآن ...

الأستاذ محمد بن طلحة الصباحي ... الأستاذ عبد السلام بن طلحة ... العلامة محمد بن عبد العزيز محبوبة السلاوي ... العلامة أبي بكر بن محمد عواد السلاوي ...»، و غيرهم.

مما لا شك فيه أن صاحب الترجمة سيدي ادريس الجعيدي، لما يوصف به من شغف بالعلم و حب أهله، أنه درس هو الآخر على هؤلاء الأساتذة و انتفع بعملهم و استفاد من الجو الثقافي الذي كانت تعرفه مدينة سلا، و كانت‏ «... تصل إليها بعض المجلات العلمية و الجرائد السيارة تأتي من مصر و الشام و فرنسا ...». هذا في ما يخص الدراسة أو الثقافة العامة، غير أن إدريس الجعيدي اهتم بدراسة العلوم الحديثة كالرياضيات، و علم الفلك الذي برع فيه كاختصاص.

أهم شيوخه في علم الفلك‏

كما جاء عند ولده عبد القادر الجعيدي في إحدى أوراقه المخطوطة بخزانته بباب حساين بسلا «إن والدي (رحمه الله) كان تبرز في هذا الفن و غيره، و تميز تحقيقا و تدقيقا و تنظيرا و استخراج الكنوز الغامضة من قعر معادنها، و قد أخذ هذه العلوم عن عدة علماء ... منهم سيدي الجيلاني الرحالي بمكناس‏ هو الذي صنع رخامات بجامع مكناس ... ثم أخذ والدي أيضا على الشريف المتفنن سيدي عبد السلام العلمي‏

____________

(1) الاستقصا، الناصري، جزء 1: 9.

(2) ميقاتي مكناس السيد الجيلاني بن عزوز الرحالي، انتدبه السلطان الحسن الأول لتدريس نجباء طلبة الجيش عام 1302 ه، و توفي عام 1309 ه. (انظر ترجمته بإتحاف أعلام الناس، ج 2: 212، 214، 241).

(3) الميقاتي عبد السلام بن محمد بن أحمد الحسني الفاسي، المتوفى 1323 ه/ 1905 م، عينه الحسن الأول ليدرس الطب الحديث بقصر العيني بالقاهرة عام 1291 ه/ 1875 م. (انظر مظاهر يقظة المغرب، المنوني، ج 1: 185. الطبعة الأولى عام 1973 م).

22

و له تآليف عديدة و صنع رخامات ...، كما أخذ والدي المقدس عن مولاي أحمد السويري‏ قرأ الفنون بأوربة بأمر مولوي، و أخذ عن علماء أربعة قرأ بإيطاليا و غيرها، منهم الحاج ادريس الشاوي‏ برز في الهندسة و علم الرماية بالمدافع و غيرها، و عن السيد المختار الرغاي‏.

و عن السيد أحمد بناني الفاسي‏ الذي، كلف آخر عمره بمكينة ضرب السكة بفاس، و كلفهم مولاي الحسن (رحمه الله) بتصوير البلدان، و والدي كان يأخذ عنهم و يباشر معهم العمل، و أخذ والدي (رحمه الله) عن العلامة أحمد بورقية، كان يدرس تأليف أقليدس في الهندسة برباط الفتح، و إذا أصابه عذر كالمرض يستنيب والدي في الدروس بالرباط ... و أخذ عن الحاج محمد التريكي الرباطي‏ و هلم جرا، كما أخذ أيضا عن الأحبابي‏ الكبير الموقت بالقرويين عام 1303 ه ...».

____________

(1) أحمد بن عبد الله الإدريسي التناني المعروف بالصويري، له عدة مؤلفات في الحساب و الجبر و المقابلة و اللوغاريتيمية. (الاعلام، عباس بن إبراهيم، ج 2: 266- 267؛ و اليقظة للمنوني، ج 1:

169).

(2) الذي صار في قيادة المدفعية المغربية. (إتحاف أعلام الناس، ج 2: 466).

(3) (الإتحاف، ج 4: 498) ذكره ضمن طلبة البعثة المتخرجة من مدارس فرنسا، استخدمهم السلطان الحسن الأول بدار السلاح بفاس.

(4) لعله يقصد محمد بناني الفاسي الذي توجه في بعثة طلابية لإيطاليا سنة 1291 ه لدراسة العلوم الحربية و الهندسية (العز و الصولة لابن زيدان، ج 1: 150، 160).

(5) أحمد بن عبد الرحمن بورقية المكناسي ثم الرباطي درس مع الأمير محمد الرابع بمراكش المتوفى 1324 ه. درس علم الفلك بالرباط بأمر من مولاي الحسن الأول (ترجمته بمجالس الانبساط ...

لدينية الرباطي ن. م. م 779- ج 2: 131).

و كان ينوب عنه كذلك عبد الرحمن بن عبد العزيز عواد، وثائق آل بن سعيد.

(6) لم أتعرف عليه.

(7) الفلكي الحاج محمد بن الطاهر الحبابي الفاسي المتوفى عام 1267 ه/ 1889 م، انتصب لتدريس التوقيت بالقرويين، ترجمته ب» سلوة الأنفاس»، ج 2: 360.

23

و قد شهد له بذلك المؤرخ الناصري‏ «... الفقيه الأديب فلكي العصر و حاسبه الشريف أبو العلاء ادريس بن محمد الجعيدي السلاوي ...».

كما وصفه الأستاذ عبد الله الجراري‏ «... أبو العلاء الجعيدي من المولعين بالرياضيات و الهندسة و التعديل و الرصد، مع ولوع بالأسفار و التجوال، رحل إلى أوربا و سواها ... له تقييد حافل يقع في ثمانية كراريس ...». و بنفس الوصف ذكره العباس بن إبراهيم‏» ... الشريف الأديب فلكي العصر ...»، و وصفه الأستاذ أحمد الصبيحي «... و كان (رحمه الله) بارعا في الأدب و العلوم الرياضية إليه المنتهى في الهندسة و أحكام النجوم و التوقيت و التعديل و الحساب و الفرائض و غير ذلك، مع مشاركة في فنون شتى و جال في بلاد الشرق و حج ...»، أكد هذا صاحب الترجمة في رحلته المخطوطة: 123 «... في أواسط شعبان عام 1277 ه كنا نتهيأ للسفر لحج بيت الله الحرام ...».

كما هو معروف و متوارث أن جل من يقصد البلاد الحجازية من الأدباء و العلماء ... ينتهز فرصة هذا السفر الطويل لطلب العلم و لقاء المشاييخ الكبار و نيل الإجازات و ارتياد المكاتب المشهورة، فكثير ما كانت الغاية الدراسية تتحد مع أداء فريضة الحج، و مما لا شك فيه أن صاحب الترجمة استفاد من سفريته هذه إلى الشرق العربي الناهض. و بعد عودته من رحلته السفارية إلى أوربا عام 1294 ه، و فد على حضرة السلطان و مدحه بقصيدة جيدة نشر بعضها الناصري (انظر نصها بالملحق: 2) و بعدها همش من أية مهمة مخزنية، حتى عينه السلطان الحسن الأول في ربيع الثاني من سنة 1297 ه لإحصاء صائر بمراكش بدلا عن الفقيه عبد الله بن خضراء، فمدح السلطان بقصيدة طويلة نشرها الناصري‏ حوفظ فيها على الأوزان‏

____________

(1) الإستقصا، ج 9: 151.

(2) أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين، ج 2: 275.

(3) إعلام بمن حل بمراكش و أغمات من الأعلام، ج 3: 39.

(4) الفالوج (كناشة علمية ب خ. ع. ص. بسلا) رقم 426.

(5) الاستقصا، ج 9: 170.

24

الشعرية (نصها الكامل بالإستقصا).

يقول في مطلعها:

لبيك يا منقذي من لجة العدم‏* * *سعيا على الجفن لا مشيا على القدم‏

فذا أوان سعود كنت أوصده‏* * *و ذي مناي كما في سابق القدم‏

إلى أن يقول:

مولاي أنت الذي تغني الضعيف إذا* * *ما الدهر أفضى به لقبضة الهرم‏

مولاي جد برضاك لي و خذ بيدي‏* * *و احرس جنابي به من سائر الألم‏

حياته العائلية

زواجه الأول كان من السيدة خديجة الصابونجي عام 1271 ه. حسب عقد الصداق (رقم الوثيقة 1) ب. خ. ع. ص. بسلا.

«عقد بين الشاب سيدي إدريس بن الشريف الحاج محمد الجعيدي، و الطالب الشريف سيدي محمد بن الشريف مولاي أحمد الصونجي». الأول عقد على نفسه و الثاني على ابنته خديجة بتاريخ 11 ذي القعدة عام 1271 ه.

السيدة الصابونجي خلفت معه عائشة و مولاي محمد و الطاهرة و البتول و زينب و صفية و مولاي محمد، و ماتت نفاسا يوم 6 ربيع الثاني عام 1290 ه، حسب كناشة بخزانة ولده عبد القادر الجعيدي، و كتب صاحب الترجمة بخطه تواريخ ازدياد أولاده من السيدة الصابونجي.

و بنفس الخزانة عثرت على تريكة صاحب الترجمة، و التي تذكر أنه تزوج بعد وفاة زوجته خديجة الصابونجي، بالسيدة فاطمة بنت الأمين الطالب السيد الحاج‏

25

محمد بن أحمد عواد و خلفت معه.

- سيدي عبد القادر (صاحب الخزانة بباب حساين بسلا).

- سيدي محمد دعي ابن إدريس، و سيدي أحمد، و زهراء و حبيبة.

و ترك كذلك خزانة مهمة من الكتب الفقهية و الأدبية المتداولة في عصره، بالإضافة إلى العديد من الكتب في علم الفلك و التوقيت و علم التنجيم، و مجموعة من أدوات الرصد و القياس (انظر لائحة الكتب و الأدوات بالملحق).

وفاته‏

و توفي- (رحمه الله تعالى) - في عصر يوم الأحد الثاني و العشرين من صفر عام ثمانية و ثلاثمائة و ألف (1308 ه)، و دفن بضريح ولي الله تعالى سيدي علي المليح- رضي الله عنه- من بلده سلا حرسها الله‏.

____________

(1) أحمد الصبيحي، الفالوج، خ. ص. بسلا.

(انظر صورة السفير الحاج محمد الزبيدي في ملحق الرسوم و الصور صفحة 33).

26

الفصل الثاني الإطار التاريخي للرحلة

عرفت العلاقات المغربية الأوربية في السنوات الأولى من القرن 19 م تقلصا كبيرا بسبب انشغالهم بحروب الثورة الفرنسية و حروب نابليون بونابرت، و يتجلى هذا في ضعف التمثيل القنصلي المتركز بطنجة، و إغلاق السلطان مولاي سليمان جل الموانئ المغربية أمام التجارة الخارجية و إبطال سنة الجهاد البحري سنة 1817 م، إلا أن سياسة الاحتراز التي تبناها المولى سليمان لم تعد ممكنة في عهد السلطان المولى عبد الرحمن الذي شعر بخطورة احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830 م و التي أخلّت بالتوازن السياسي و العسكري في المنطقة» و أرغمت المغرب على الدخول في حرب مفتوحة مع فرنسا عند وادي إيسلي سنة 1844 م، فكانت أول معركة عسكرية ينهزم فيها المغرب منذ أزيد من قرنين، و قد انهار على أثرها صيته العسكري، و اضطر المولى عبد الرحمن إلى التوقيع مع فرنسا على معاهدة سنة 1845 م و التي قسمت الحدود المغربية الجزائرية من الشواطئ المتوسطية إلى مدينة فكيك.

كما شهدت هذه الفترة نموا ملحوظا في المبادلات التجارية مع أوربا نظرا لحاجتها إلى الأصواف و الجلود و الحبوب و غير ذلك من المواد الخام، بيد أن هذا النمو لم يكن‏

____________

(1) مراجع معددة تؤكد هذه الحقيقة من بينها:

شارل أندري جوليان، «التدخل المغربي في الجزائر غداة احتلالها»، ترجمة محمد البوزيدي، مجلة البحث العلمي، العدد 3، السنة 1، سبتمبر- دجنبر 1964، ص. 165؛ عبد العزيز بن عبد الله تاريخ المغرب الحديث و الفترة المعاصرة، مصر، ج 2، ص 57؛ الناصري، الاستقصا، ج 9 ص. 29.

Robert Comavin, Histoire de l`Afrique, Tome II: P 334; AzanP, Lemir Abdelkader, Hach- ette, Paris, 5291, 241.

(2) انظر النص الكامل للاتفاقية عند ابن زيدان، الإتحاف، ج 5: 166 و ما بعدها، و دراسة أحمد العماري، «مشكلة الحدود الشرقية»، مجلة كلية الآداب، فاس، عدد 8، سنة 1986، ص 197.

27

منتظما و كان مرتبطا بالظروف الدولية، و ظل المغرب بالنسبة للتجارة الأوربية سوقا تكميليا تلتجئ إليه في فترة الأزمات. في هذه المرحلة كان المخزن ما زال مسيطرا نسبيا على الموقف في تعامله مع الدول الأوربية، و كان التشريع الجمركي سلاحه الفعال في ميدان التجارة البحرية، إلا أن الأوساط الأوربية المهتمة بالمغرب تضايقت من هذا الوضع، و أمام ضغطها تجندت الدول الأوربية لإرغام المغرب على عقد معاهدات تجارية لترسيخ قواعد التحكم الأجنبي في التجارة المغربية، و ربط مصالح الخزينة السلطانية بمصالح التجارة الأوربية، و قد تحقق هذا الهدف بعقد ثلاث معاهدات‏، الأولى مع أنجلترا سنة 1865 م و الثانية مع إسبانيا بعد حرب تطوان مباشرة سنة 1861 و الثالثة مع فرنسا سنة 1863 م، غيرت بعمق‏ طبيعة العلاقات المغربية الأوربية، لأنها نصت على تقوية مكانة الحماية القنصلية بالمغرب، و التي أصبحت في تصاعد مستمر، و بالتالي انعكس كل هذا على مالية المخزن فأصبحت الحماية حاجزا أمام كل إصلاح. من هنا ندرك مدى اهتمام السلطان الحسن الأول لإيجاد حل لهذا المشكل الذي اعتبره أصل جميع الخلافات القائمة بينه و بين أوربا.

فخلال هذه الحقبة الحاسمة من تاريخ المغرب المعاصر، نشطت الديبلوماسية المغربية، بشكل مكثف محاولة التأثير في هذا الواقع، و الدفاع عن وضع المغرب الدولي، و مستهدفة في آن واحد استثمار التناقضات السائدة في صفوف القوى الأوربية لمصلحتها.

أوفد المخزن المغربي خلال هذه الحقبة الممتدة من سنة 1845 إلى سنة 1876 م‏

____________

(1) انظر نص هذه المعاهدات بكتاب عبد الوهاب بن منصور، مشكل الحماية القنصلية من نشأتها إلى مؤتمر مدريد سنة 1880»، الرباط، 1977 م.

(2) انظر دراسة جرمان عياش، «جوانب من الأزمة المالية في المغرب بعد حرب 1860»، مجلة البحث العلمي، عدد 4- 5، السنة 2 يناير، غشت 1965، ص 20؛ و محمد داود، تاريخ تطوان، المجلد 4، ص 167؛ و الناصري، الاستقصا، ج 9: 182.

28

أربع‏ بعثات دبلوماسية. الأولى بقيادة الحاج عبد القادر أشعاش إلى فرنسا على عهد المولى عبد الرحمن، و الثانية برآسة إدريس العمراوي إلى فرنسا و الحاج عبد الرحمان العاجي صحبة الكاتب محمد الطاهر الفاسي إلى أنجلترا، أما الثالثة فبقيادة محمد بن عبد الكريم الشرقي سنة 1866 م صحبة محمد بن سعيد السلاوي، أما الرابعة فكانت بقيادة محمد الزبيدي الرباطي و الكاتب إدريس الجعيدي و ذلك على عهد السلطان الحسن الأول إلى فرنسا و بلجيكا و أنجلترا و إيطاليا دون إسبانيا التي حاولت عرقلة سفر الزبيدي و رفاقه إلى أوربا، بقيامها بتحركات عسكرية شمال المغرب، بهدف استفزاز المخزن المغربي و تخويفه من مغبة الإقدام على ما يتعارض مع المصالح الإسبانية بالمغرب مما دفع وزارتي الخارجية لكل من فرنسا و أنجلترا أن تطلب من الحكومة الإسبانية عن طريق سفيريهما بمدريد توضيحات عن هذه التحركات‏

____________

(1) نتيجة هذا النشاط الدبلوماسي المتجه صوب أوربا، تخلفت عدة أدبيات اهتمت بتصوير المدنية الغربية، و بلورت في هذا الصدد أفكارا و آراء شكلت في مجموعها ما يقرب من رؤية حضارية هي في عداد الرؤى الاستراتيجية. و لا أرى كبير فائدة من أن استقصى كل الرحلات السفارية المغربية كخلفية عامة، لأن ذلك يتطلب أن أفرد له بحثا خاصا و مستقلا لا يتسع مداه داخل دراستي، و إنما الذي أهتم به هو أن أضع رحلة الجعيدي إلى أوربا في مكانها التاريخي وسط باقي الرحلات السفارية المغربية التي سجلت لنا المظاهر الأولى للحضارة الأوربية خلال القرن 19 م، حتى تكون دراستي شاملة و واعية بتطور هذا النوع من الرحلات، و التي كانت تهتم بمشكلة تبادل الأسرى و القرصنة البحرية في ما سبق كما يلاحظ ذلك من عناوينها.

(2) أبرق سفير فرنسا بطنجةTissot إلى وزيره‏Decasses يخبره بتشكرات السلطان الحسن الأول على ما قام به من مجهودات لوقف الحملة الإسبانية، و الحق بهذه البرقية الرسالة التي توصل بها من السيد بركاش نيابة عن السلطان و هي على سبيل السر، و هذا نصها العربي «إن سيدنا نصره الله بلغه خبر سري بأن باشدور الدولة الفرنسية بمدريد مع باشدور النجليز حين سمعوا بأن دولة الصبنيول مرادها في توجيه المراكب لطنجة و المحلة لسبتة، كانا سألا وزير الصبنيول فيما هو سبب ذلك، و ما قصروا في الكلام مع الوزير المذكور لدفع ما يجب الغيار، و سيدنا أيده الله أمرني نجازيكم خيرا على ذلك إذ بذلك ثبت مرادكم في الخير و دوام المهادنة في إيالته و السلطان أيده الله دائما موجود لإعطاء الحق لجميع الدول و لا يحتاج لمراكب و لا لمحلة، و نحن نجدد المجازات على لسانه لجانبكم طالبين* * *

29

العسكرية قصد منعهم من أية حملة عسكرية جديدة على المغرب، كما أخبر بذلك سفير إيطاليا بلندن وزارته بروما، بعد حديثه مع الوزير البريطاني اللورد دربي الذي أكد له «بكون الحكومة الإسبانية ستبعث بمجموعة من الجنرالات إلى المغرب لملئ أوقات فراغهم و إشباع رغباتهم و ذلك لعدم إيجاد شغل لهم، و أنجلترا و ألمانيا قد أخبروا بهذه البعثات الإسبانية و لم تعارض على ذلك، و لهذا فإن سفارة الزبيدي ستحاول الوصول إلى معرفة رأي الحكومات الثلاث فرنسا و أنجلترا و إيطاليا عن هذه الحالة، و الذي أظن أنه في صالحنا استمرار استقلال المغرب و عدم احتلاله خصوصا من طرف إسبانيا، و الكونت دربي يشاطرني هذا الرأي، و الحالة المحتملة هو كون أنجلترا و إيطاليا مع فرنسا يمكنهم عرقلة ما تريد القيام به إسبانيا بالمغرب ... و بهذه العرقلة سنصل إلى رتبة ممتازة لعلاقاتنا التجارية مع المغرب ...».

في هذا الجو من الضغوط العسكرية و الملابسات السياسية، توجهت سفارة الزبيدي إلى أوربا في صيف سنة 1876 م على متن الفركاطة الحربيةCassard إلى فرنسا ثم بلجيكا و أنجلترا و إيطاليا، بعدما فشل مشروعها الأول سنة 1875 م حيث كانت ستقتصر في رحلتها على فرنسا فقط.

____________

* * * دوام سيرتكم على هذا الوجه و السلام» البرقية بتايخ 18/ 6/ 1876 م.

CP. Maroc, Volume 04, 6781( S. I. M )CorresPondence Politique, Paris, N 481, 381

(1)

S. P. E. I.( D. M. Smith ). M. D. A. E. I) Arch, Stor. DiPl RCM (N 562, P. 023, 223.

و أكدت جريدةCorriere Della Sera حقيقة الأطماع الإيطالية «... جاءت أخبار من روما و نابولي تدور حول مردودية زيارة السفير المغربي لإيطاليا ... فقد وجدوا اهتماما و حفاوة غير مصطنعة بل تلقائية من طرف حكومتنا و ملكنا و شعبنا. و هذا يرجع بنا للمشروع أو الفكرة التي قام بها احد الإطاليين من جنوة منذ مدة من الزمن، و كان قصده هو حصول إيطاليا على مستعمرة بالشواطئ الأطلسية ... إلا أن حقد و حسد الفرنسيين أرجعوا: الجنوفيزي» من الرحلة ... أما الآن فقد اكتشف العديد من الإيطاليين أن المغرب بلد يمكن أن يربح فيه العديد من الإيطاليين دون أن يغامروا بأرواحهم بالذهاب إلى الجزائر أو يعرضون أنفسهم للأمراض مثل الحمى الصفراء بذهابهم للبرازيل ... مما سيجعل إيطاليا توسع سوقها التجاري حتى بلاد السودان ...».

30

المشروع الأول لسفارة الزبيدي‏

عين السلطان الحسن الأول محمد الزبيدي الرباطي، الرجل الخبير في المشاكل التي عرفها المغرب منذ بداية القرن 19 م. سفيرا عنه إلى دولة فرنسا فقط في البداية و هي تأتي ردا عن زيارة السفير الفرنسي طيسوTissot لمدينة فاس‏ سنة 1873 م حسب ما جاء في الرسالة السلطانية التالية إلى نائبه بطنجة محمد بركاش.

«... و بعد، فقد وجهنا حامله خديمنا الأرضى الحاج محمد الزبيدي بقصد التوجه سفيرا لدولة الفرنصيص للغرض الذي قدمناه لك، فقد حملناه ما يتكلم فيه من المصالح مع الدولة التي تعود بدوام الخير بين الدولتين، و دفعنا له تقييدا متضمنا لذلك. فلا بد تفاوض معه فيه، و تبين له ما يحتاج إليه من كيفية الكلام معهم فيه، و الأمور التي تسهل له التوصل لقضاء الغرض المطلوب، و لا بد. و قد وجهنا معه من يرافقه من الأمناء و المخازنية المقيدين بالطرة، و في الأثر يرد عليكم الكتاب‏

____________

(1) استقبله الأمير الحسن بن السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن الذي كان عصرئد وليا للعهد، و قد حمل معه طيسو و ساما رفيعا لتأكيد ما يجب من «حقوق الجوار» و تكلف بجواب الرئيس الفرنسي الشيخ تياريس‏

«... إنكم وجهتموه لتجديد عهد المحبة و العهد بين الدولتين، و لتأكيد ما يجب من حقوق الجوار الذي بين الإيالتين ... و قد تجددت بقدومه فيكم محبة عظيمة زيادة على المحبة القديمة ...» بتاريخ 11 صفر عام 1290 ه/ الموافق ل 28 أبريل 1873 م. الإتحاف، ج 2: 318- 319.

Jacques Caille et Charles- Roux," Missions DiPlomatique FranCaise aFez", Paris, 5591, P, 83, 93, 34.

(2) من خزانة الأستاذ عبد الهادي التازي (البحث العلمي بالرباط).

(3) و هم الحاج محمد الزبيدي و أصحابه الذين يأخذون بيده 4+ الطالب بناصر غنام و صاحباه+ القائد الغازي (ابن المكي) و أربعة مقدمون من الحناطر (و هم حسب المصادر الأجنبية: 1. علي بن العروسي؛ 2. الجيلاني رابح؛ 3. الجيلالي بن الحاج؛ 4. عبد الله بن محمد+ مقدم من الأروى السعيد بقصد مقابلة الخيل الموجهة+ الطالب الذي يكتب له (لم يذكر اسمه لأن الجعيدي لم يعين بعد). (انظر الصورة في ملحق الرسوم و الصور رقم 34).

31

الشريف الذي يصحبه معه لعظيم الدولة و السلام». في 21 من ذي القعدة عام 1292 ه.

بالفعل أشعر بركاش القائم بأعمال فرنسا بطنجة بنية السلطان الحسن الأول إرسال سفارة مغربية إلى فرنسا في شهر غشت عام 1875 م.» إلّا أن بعض الحوادث قد أخرت تطبيق المشروع إذ لم يغادر مندوب السلطان مدينة طنجة إلّا في السنة التالية عام 1876».

أما أسباب التأخير الحاصل في توجه الزبيدي إلى فرنسا فهي مجهولة ربما نرجعها للوضعية المغربية الداخلية التي كانت تعرف الكثير من الفتن و الثورات‏ و كذلك إلى الظرفية السياسية التي كانت تعرفها أوربا خاصة دولة فرنسا سنة 1876 م.

كما أن الجعيدي أكد في رحلته‏ أن الخروج الأول لسفارة الزبيدي كان من‏

____________

(1) جاك كيلي، «السفارات و البعثات المغربية إلى فرنسا»، مترجم بمجلة تطوان، عدد 6، عام 1961 م.

(2) أو التأجيل الذي حصل لسفارة الزبيدي، يتضح لنا كذلك من تاريخ الرسالة السلطانية إلى المارشال ماك مهون، و التي حملها معه الزبيدي أثناء سفارته سنة 1876 م، رغم أن تاريخ كتابتها يعود إلى 27 ذي القعدة عام 1292 ه/ الموافق ل 25 دسمبر 1875 م (انظر صورتها ب» الإتحاف» لابن زيدان، ج 2: 281).

(3) انظر تفاصيل هذه الفتن و الثورات ب» الاستقصا»، ج: 9.

(4) أما فرنسا ففي إبان هذه الفترة صوت المجلس الوطني الفرنسي في مارس 1875 م على قانون القيادات، الذي زاد عدد الكتائب بمقدار اربع، و الذي رأى فيه بسمارك وسيلة تهدف تسهيل التعبئة، و بالتالي دلالة على إعداد فرنسا للحرب الانتقامية، و تحدثت الصحافة الألمانية بسرعة عن قرب وقوع حرب وقائية، لولا طلب التأييد البريطاني و الروسي لسياسة فرنسا الجديدة، و التي تخالف معاهدة فرانكفورت 1871 م التي جاءت بعد حرب 1870 م. تاريخ العلاقات الدولية (1815- 1914 لبيير رنوفان، تعريب جلال يحيى، 1980 م.

(5) «... الخروج الحقيقي كان تقدم قبل ذلك في الحضرة العالية بالله حمراء مراكش ..» التي كان يقيم بها السلطان الحسن الأول في ذي القعدة 1292 ه كما جاء عند الناصري، الاستقصا، ج 9:

148.

32

مدينة مراكش، و ليس من فاس عند الانطلاقة الثانية لسفارة الزبيدي.

في نفس التاريخ وجه السلطان رسالة إلى خديمه الحاج محمد بن سعيد السلاوي يخبره بتعيينه الزبيدي سفيرا إلى فرنسا، و يطلب منه مساعدته على اختيار أحد الكتاب من أهل سلا لمرافقته و هذا نصها:

«... و بعد فقد عينا خديمنا الحاج محمد الزبيدي للتوجه سفيرا لدولة الفرنصيص، فإن عين لك كاتبا يصحبه معه من خدامنا أهل سلا فامره بالتوجه معه لقضاء الغرض و السلام، 21 ذي القعدة عام 1292 ه ..». و بعد تفاوض الزبيدي مع بعض أعيان الرباط يقول الجعيدي «.. .. أشاروا عليه بصاحب هذا التقييد ...» فطلب الزبيدي من القائد بن سعيد أن يرسله عاجلا إليه «... فتوجهت إلى الباشدور فتلاقيت به ... فأخبرني بخبر هذه الحركة السعيدة ...».

بسبب العديد من المشاكل تأجل موعد ذهاب سفارة الزبيدي‏ إلى فرنسا من أبريل سنة 1875 م إلى شهر يونيو سنة 1876 م و هذه المرة إلى أربعة دول و هي فرنسا و بلجيكا و أنجلترا و إيطاليا.

____________

(1) رسالة محفوظة بخزانة الحاج العربي بن سعيد السلاوي بسلا.

(2) انظر رحلة الجعيدي: ص 100.

(3) تشكيلة أعضاء السفارة المغربية، يوجد بينهم فروق في السن و الثقافة، فالزبيدي كان عمره 73 سنة سياسي محنك كمرجع يستند عليه المخزن، استمر يزاول مهامه طيلة أيام حياته، الأمين غنام لا يزال في ربيع شبابه عمره 30 سنة لأول مرة ينصبه الزبيدي كأمين مرافق له، هو الآخر بقي يزاول مهامه حتى فرض الحماية على المغرب. أما الكاتب الجعيدي الفقيه كان يشتغل بالعدالة. عمره يناهز 43 سنة، يهتم بعلم الفلك و يرجع له الفضل في تخليد هذه الرحلة السفارية. فقد همش من أية مهمة مخزنية بعد عودته من أوربا حتى سنة 1297 ه حيث أعيد إليه الاعتبار و عينه الحسن الأول لإحصاء صائر مراكش، أما القواد المرافقون لهم فكل واحد ينتمي لحنطة من الحناطي التابعة لدار المخزن، و مستواهم الثقافي كان في الغالب ضعيفا. (انظر ما ذكره الجعيدي في حق أحدهم ب «رحلته».

33

المشروع الثاني لسفارة الزبيدي‏

بسبب النشاط الديبلوماسي المكثف الذي قام به سفراء أنجلترا و إيطاليا إبان هذه المدة القصيرة من حكم السلطان الحسن الأول، ففي أبريل 1875 م، قام ممثل بريطانيا بطنجة دريموند هاي بمقابلة السلطان بفاس، و عرض عليه مشروع إصلاح‏ الإدارة المغربية، التي قال عنها أنها أكثر الإدارات فسادا في العالم، كما أخذ موافقة السلطان على إرسال 200 جندي مغربي لجبل طارق، و لا يستبعد أن د. هاي طلب مرور الزبيدي على أنجلترا، و وعده أن ابنه روبرت سيكون الترجمان المرافق لهم أثناء هذه الزيارة. أما ممثل بلجيكا بطنجة دالوان، فقد طلب هو الآخر إرسال بعثة طلابية من المغاربة للتدريب على الأسلحة الحديثة ببلاده، و كذلك لزيارة العديد من المعامل الحربية و أخبر المخزن المغربي بتوفرهم على سلاح خفيف متعدد الطلقات (الرشاش)، كما أبدى رغبة سلطانهم في تجديد المحبة القديمة و تعزيز العلاقات التجارية مع المغرب.

كما استقبل السلطان الحسن الأول السفير الإيطالي‏Stefano Scovasso الذي‏

____________

(1) تضمن مشروع د. هاي الميادين التالية: 1) التجارة و الصناعة. 2) نظام الحمايات. 3) الجيش. 4) الإدارة. 5) تحسين أحوال السجون حسب رغبة اليهود المغاربة. (روجرز، تاريخ العلاقات الأنجليزية- المغربية، تعريب لبيب رزق (خاصة أن أنجلترا بعد حرب 1870 م أفاقت من سياسة العزلة بعد ظهور ألمانيا القوية الموحدة، حين تولى ديزرائلي زعيم المحافظين الحكم، فهو أب الإمبرالية الأنجليزية و أب الفكرة اليهودية في ق 19 (مؤتمر برلين سنة 1878 م و أثره في البلاد العربية. محاضرات، د. محمد مصطفى صفوت، جامعة الدول العربية).

(2) انظر الجانب العسكري في الرحلة (الدراسة).

(3) التاريخ الدبلوماسي للمغرب من أقدم العصور إلى اليوم، تأليف عبد الهادي التازي، سنة 1989، المجلد العاشر، عهد العلويين: 94.

34

قدم أثناءه صورة لملك إيطاليا مهداة من صاحبها إلى ملك المغرب، طلب هو الآخر أن تمر سفارة الزبيدي على بلاده، و غادر فاس يوم تاسع يونيه سنة 1876 م. و قد سجل كاتب السفارة الإيطالية دي أميسيس رحلته هذه، و ذكر أن عدد سكان المغرب على ذلك العهد ثمانية ملايين و أنه أوسع من فرنسا مساحة .... لهذا عمل الحسن الأول لمواجهة هذه الهجمة الأوربية المتسترة وراء الإصلاح على ضرب سفارة بسفارة أخرى، بتغيير برنامج سفارة الزبيدي الأحادية إلى فرنسا، إلى سفارة متعددة الاتجاهات، مستغلا بذلك المنافسة الدولية لصالح استقلالية بلاده، و لإخراج قضية الحماية القنصلية من إطارها الضيق إلى مجال الدراسة و التقنين و من أجل تدويل القضية المغربية بأسرها، و الاستفادة من التناقضات التي كانت سائدة في صفوف القوى الأوربية لحسابه.

____________

(1) إيطاليا قد أتمت وحدتها في نفس الوقت الذي تمت فيه الوحدة الألمانية بمساعدات أجنبية و التي انتهزت هي الأخرى هزيمة فرنسا سنة 1870 م لتدخل جيوشها روما و تعلنها عاصمة الدولة الإيطالية الجديدة، و أخذت تعالج مشاكلها، حتى أخذت الدول الكبرى تعترف بها كأصغر و أضعف الدول الكبرى بعد مؤتمر برلين. و قد ذكر الجعيدي «أما التجارة فأمرها ضعيف هناك (إيطاليا) و الله أعلم ...» في رحلته:

(2) «... إن المغاربة لا يختلفون عن الأتراك من حيث العقيدة، لكنهم لا يولون لسلطان القسطنطينية و للباب العالي إلا الاحترام الذي يفرضه الدين، و على الصعيد السياسي و المدني فالمغاربة يتمتعون باستقلال كامل ... و المسلم المغربي يعيش حياة عزلة كثيرا ما تكون حياة فراغ، كما أن القدرية تسيطر عليه بشكل مطلق الأمر الذي يجعل منه إنسانا عديم التبصر، و يؤدي تعدد الزوجات إلى سيادة عدم الثقة في إطار العائلة و يجعل الاستبداد العائلي ضروريا ... مما يدفع إلى عدم الثقة و إلى التخوف من إظهار ثروته و إلى إخفائها ... و لذلك فإن المدح و الإفراط في تكريم السفراء المغاربة، لن يكون لها من مفعول في أحسن الأحوال ... و للمغرب نفس مناخ و تربة الأراضي الإسبانية .. لكن عند المقارنة بين البلدين تكون الغلبة لإسبانيا ... و نتمنى أن لا يتم إدخال الحضارة إلى المغرب بنفس الوسائل التي تمت محاولة إدخالها إلى تركيا، و هي محاولة باءت بالفشل ...» تعليق بجريدة (جنوة في 31 غشت 1876)Gazetta Digenova معتمدة على كتاب دي اميسيس.

35

دوافع تسجيل الرحلة

ذكر صاحب الرحلة الجعيدي في مقدمته أنه بعد تعيينه كاتبا في سفارة الزبيدي، لم تكن عنده فكرة تسجيل تفاصيل هذه الرحلة السفارية، غير أن انتشار خبرها «.... سمع به بعض علماء بلدتنا الغائبين عن حضرتنا ... سيدي أحمد الناصري اقترح علي أن أجعل رحلة في سفري و استغرق نهاري و سهري، تكون جامعة لكل خبر غريب، و لما نراه في الأوطان من كل أمر عجيب، إلى غير ذلك مما لا يخطر بالضمير ...

فكتبت له مجيبا ... سأجعل بحول الله تقييدا ... و أجبته بضمن ذلك تسلية لخاطره، من باب الوعد الذي لا يجب الوفاء به ...».

فعلا لم يشرع في كتابة رحلته عند خروجه من سلا إلى طنجة صحبة الأمين بناصر غنام لمقابلة الزبيدي هناك، غير أن أمين مرسى طنجة عبد القادر غنام ذكره من جديد بضرورة تسجيل تفاصيل رحلته هذه إلى أوربا، فشرع حينئذ في كتابتها. و ذكر أنه لقي تشجيعا حتى من لدن الأوروبيين لحمله أثناء تنقله القلم و الورقة و لكثرة الأسئلة التي يطرحها على التراجمة، غير أننا نجد السلطان الذي بعث السفير أحيانا هو الذي يحثه على كتابة ما رأى و ما سمع في البلاد التي يرحل إليها، و في حالة أخرى يطلب السفير الإذن من السلطان بالكتابة كما فعل أحمد الكردودي‏،

____________

(1) كان المؤرخ الناصري إبان هذه المدة يعمل بمرسى الدار البيضاء من سنة 1875 إلى نهاية سنة 1876 م. الاستقصا، ج 1: 19.

(2) هذه الرسالة مسجلة بفهرسة الخزانة الناصرية بسلا تحت رقم 191، لم أتمكن من الاطلاع عليها.

(3) يقول الغزال في رحلته «نتيجة الاجتهاد في المهادنة و الجهاد» «و ما أمرت به من الجانب المولوي ...

من أن أقيد في هذه الوجهة الميمونة ما سمعت و رأيت، و وعيت و دريت، و أحدث عما أشاهده في المدن و القرى، واصف جميع ما أبصرته في الإقامة و المسرة ... «ص 7.

(4) كمثال الكردودي في «التحفة السنية» .. ص 13 «.. أخانا و حاجب مولانا .. و بعد فقد شرعنا في تقييد رحلة اقتداء بمن تقدم من سفراء ملوك الإسلام لم ندر هل يوافق الغرض الشريف تقييدها و ها أول كراسة قيدناها تصلك فنحبك أن تطالع به مولانا أعزه الله، و ما اقتضاه نظره العالي بالله في أمرها للعمل بمقتضاه ..».

36

فأجابه بخط يده بما نصه «أصاب، أصاب فيه فليكمل عمله». أما الجعيدي فإنه لم يتلق أوامر سلطانية بكتابتها و لم يطلب‏ الإذن بذلك. ربما كانت هذه الأسباب هي التي جعلت رحلته تبقى مغمورة طيلة هذه المدة و متحررة من كل القيود المخزنية ..

و مما لا شك فيه أنه بعد عودته إلى مسقط رأسه سلا، كشف على ما سجله في رحلته لعلماء بلدته و أصحابه و خاصة صديقه المؤرخ أحمد الناصري. «.. قيد صاحبنا أبو العلا المذكور رحلته البديعة المسماة بتحفة الأحبار بغرائب الأخبار قد اشتملت على كل نادرة و غريبة، و أفصحت عن صنائع الفرنج و حيلها العجيبة ..».

و وصفها عبد الله الجراري «.. رحل إلى أوربا و سواها من البلاد التي زادته اتساعا في معلوماته، له تقييد حافل ضمنه مشاهداته و ما وقف عليه من عجائب و غرائب برا و بحرا، يقع في ثمانية كراريس ..».

و ذكر الأديب أحمد الصبيحي في كناشته‏ «.. و له اختصار بعض مقالات إقليدس في الهندسة، و كتاب الرحلة المسمى «تحفة الأحبار بغرائب الأخبار» و هي نسختان صغرى و كبرى اشتملت الصغرى على أخبار سفره من بلاد الغرب إلى بلاد الفرنج و ما شاهده فيها من العجائب و الغرائب و غير ذلك، و الكبرى على ذلك أيضا و على أخبار الفرنج من لدن الهجرة النبوية إلى عصر مؤلفها و ضم لذلك أخبار الدولة العلوية من أولها إلى أواسط مدة مولاي الحسن- (رحمه الله)- و كان هذا السفر مع رفقاء بإذن من السلطان لغرض له ..».

الرحلة الكبرى و مختصر مقالات أقليدس في الهندسة لم أعثر عليهما رغم البحث الطويل الذي قمت به بخزانة ولده سيدي عبد القادر الجعيدي بباب حساين بسلا، كما لا توجد عند حفدته.

____________

(1) بقي هذا المخطوط مجهولا بالرغم من اعتماده من طرف بعض المؤرخين، كذلك بقيت شخصية السفير الزبيدي بدون بحث و دراسة رغم قصر المسافة الزمنية التي تفصلنا عليه.

(2) أشار إلى ذلك في كتابه: الاستقصا، ج 9: 151.

(3) أعلام الفكر، ج 2: 275.

(4) الفالوج ب، خ. ع. ص. بسلا.

37

منهجية الجعيدي‏

أبدى الجعيدي في مقدمة رحلته الخطوط الأساسية لمذكرة سفره، حيث قسمها إلى أجزاء و أبواب مع تصور للموضوع و تحديد الغاية منه في تواضع و اعتذار عن عدم استيفائه للمقصود، لهذا فإن منهجيته‏ تعكس مستواه الفكري و العلمي، فتكوينه في علم الحساب و الهندسة جعلت مكانته بارزة بين أفراد البعثة المغربية، بل فرض وجوده إلى حد ما على السفير الزبيدي في التعامل مع الأشياء التي تحتاج إلى الدراية العلمية و الإحصائية و ما أكثرها إذ ذاك في أوربا الناهضة في مختلف المجالات.

لهذا فإن منهجيته في الكتابة تختلف عن منهج التدوين الذي كان سائدا في عصره عند الفئة المثقفة. لذلك ابتعد من الاستطراد و حشو مؤلفه بكتابة الغير، فأسلوبه جاء أسلوبا متميزا بالسرعة و الحركة و التداخل. كما تميز أسلوبه بالدقة في وصف الأحداث، غير أنه اصطدم لغويا كغيره بالحضارة الأوربية العصرية، خاصة في التعبير العلمي باللغة العربية عن المستحدثات العلمية، و لمل‏ء هذا الفراغ اضطر الجعيدي كغيره في القرن 19 م، إلى إدخال المصطلحات الأجنبية و العامية المغربية في كتابته قصد التعبير على ما شاهدوه في أوربا. و من الناحية الشكلية يؤخذ على صاحب الرحلة كثرة الأخطاء الإملائية و اللغوية، و يختصر في الكلام عند حديثه‏

____________

(1) المنهج أو الطريقة سلسلة من العمليات المبرمجة للوصول إلى النتائج المرغوب فيها أو تحقيق الخطة المنشودة، و ما أكثر سلسلة هذه العمليات في عالم الرحلة الحافلة بالمفاجأة و الصدف. لهذا اختلفت مناهجهم باختلاف مستواهم الفكري و صنف الرحلة، و بالتالي اختلفت كتابتهم لغة و أسلوبا و شكلا و مضمونا تبعا لمشارب أصحابها و تكوينهم.

(2) اصطدمت اللغة العربية السالفة بالحضارة الأوربية العصرية منذ ما يقرب من قرنين أو أكثر و «دخول المصطلحات الأجنبية بكثرة فاحشة في اللغة مثل أجسام أجنبية دخيلة على البدن الأصل، و ما دامت لم تتمثل فإن مصيرها الرفض لا محالة، إلا إذا غلب البدن على أمره فيكون مصيره الموت لا محالة». أحمد الأخضر غزال، مجلة البحث العلمي، عدد 14 و 15، السنة 6: 51 بتاريخ 6 دجنبر 1969 م.

38

عن الأنشطة السياسية إلا أن هذا الأسلوب ظل واضحا و مفهوما يتخلله السجع و يستشهد بأبيات شعرية بدون أن يذكر أصحابها و يكتفي بعبارة (كما قيل) بدون إفراط في ذلك. و طبيعة الرحلة فرضت على صاحبها تعدد المواضيع التي تشهد له باطلاعه الواسع، لأنه عالج الكثير من الأمور التي كانت تشغل الفكر المغربي في ذلك العصر، و كأن الرحلة هي مفتاح لطرحها و وسيلة للتعارف و التعريف.

فأحداث الرحلة فرضت على الجعيدي ضرورة اختيار منهج علمي واضح، مبني على العناصر التالية: السماع و المشاهدة و الوصف و الوعي و الدراية. و يتمسك بموضوعية الرحلة التي تنبغي أن ترتبط أخبارها بالصدق و الجدية و ألا تكون المعلومات منقولة و إنما مأخوذة من المشاهدة و البحث و الاتصال باعتبار مرتبته العلمية التي تجعل منه رسول فكر و حضارة و ثقة من حيث‏ كفاءته و شهادته، مع العمل على التجديد الذي ينبغي أن يبتدئ من الرحالة نفسه، في تفكيره و تكوينه و تمدنه و تطوره الحضاري، لهذا استطاع أن ينفذ إلى عمق المواضيع الرئيسة التي أجبر على دراستها و فهمها قصد كشفها و اختبارها لباعثه الذي ينتظر منه الكثير ليساعده أن يكون في مستوى اتخاذ القرار الصائب، الذي يعود بالمنفعة عليه و على بلاده، و بذلك يكون اجتهاده الفكري في مستوى تطلعات حكامه لتظهر بلاده بالمظهر اللائق بها، و قد نحاسبه إذا ظهر منه تقصير في جهده من أجل تجديد فن الرحلة، و يبدو جليا أن‏

____________

(1) لكل رحلة رحالتها الذي قام بها وعانى مراحلها و ظروفها و حوادثها الخاصة به فهي من هذه الناحية ترجمة نفسية و ذاتية و أخلاقية للرحالة من حيث يشعر أو لا يشعر- مهما ألزم نفسه عدم التحدث عن شخصه- فهناك من انبهر بمنجزات الغرب إلى حد الدعوة إلى (التغريب) إذا أراد المسلمون إصلاح تخلفهم، كرحلة سكيرج في رحلته إلى فرنسا عام 1334 ه الذي دافع و مجد شعارات الدولة الحامية الفخيمة، و في المقابل هناك من يرفض كل فكر دخيل، و يتخذون من عراقة الماضي درعا يحميهم من كل إغراءات الحداثة كرحلة الغيغاني الحجازية (مخطوط ب خ. ع. بالرباط رقم ج 98) إلا أن الفئة الثالثة حاولت أن تتخذ موقفا وسطا بين هذا التضاد الفكري، و الرحالة السفاريون أهم من يمثل هذه الفئة مع تقديرهم للوطن و الأهل لا تجد في ذكر التفوق أن وجد، كرحلة الجعيدي و الصفار و عبد السلام السائح و غيرهم، و ذلك بثقة و أمانة و بعين بصيرة ذكية ... نافذة.

39

ظاهرة الاتباع و كثرة النقول و تكرار ملامح من الماضي الثقافي و الحضاري هي التي كانت سائدة في الرحلات الحجازية، أما الرحلات السفارية فهي أكثر تجددا في الجانب الحضاري و التنظيم السياسي، و التقدم الاجتماعي و العسكري و الصناعي و العلمي و غير ذلك. فتميزت رحلة الجعيدي بهذه المعطيات عن الأصناف الأخرى.

خاصة أن الجعيدي يتحدث عن الحضارة الغربية في رحلته بلهجة إيجابية توحي بالتبني بعيدا عن الانبهار الغيبي، و في نفس الوقت يعارض من يفتخر بها و يعتبره خارجا عن الطريق المستقيم، فالمؤلف يفرق بين الصنائع المستحدثة من جهة و بين طريقة عيش الأوربيين كالنصارى، و احتكامهم إلى قوانينهم غير الشريعة الإسلامية فيستحسن الأولى و يستنكر الثانية مستعيذا بالله ممن يغتر بهذه الأشياء.

طريقتنا في التحقيق‏

إن دراسة و تحقيق «إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار» تلاقي عدة صعوبات لعل أولها طريقة التعامل مع هذه النسخة الفريدة و التي تمثل نموذجا لقراءة مغربية للمجتمع الأوربي، فهي ليست قراءة للمجتمع الآخر أو وصفه بقدر ما هي تعبير عن مجتمع الجعيدي و تعريف له بالسلب المنطقي، حيث لا يسجل الجعيدي في رحلته إلا الأشياء التي يفتقدها في مجتمعه الأصلي، ليصل في النهاية إلى تحديد مجتمعه الذي يخطو خطواته الأولى نحو الإصلاح. و يمكننا القول أن الرحلات السفارية قد ساهمت بقدر كبير في الدفع بهذه الخطوات نحو الأمام، كما ستثبته الدراسة، لأن معظم الرحلات السفارية التي تم تحقيقها و طبعها لم تتطلب من المحقق سوى الحصول على النسخة الأصلية أو على أقرب النسخ إلى الأصل، و هي أدنى درجة من درجات التحقيق لتوزع في أسواق الكتب باعتبارها كانت مفقودة أو نادرة جدا. أما

____________

(1) هذا في نظري ضروري نظرا للطبيعة الاستعجالية للمرحلة التي أفرزتها (حاجة الباحثين و المهتمين و الطلبة إلى توفر هذه المصادر بأثمان مناسبة) لكن المرحلة الحالية يجب أن تتجاوز هذا المستوى من التحقيق بإعادة قراءته و توضيحه عبر قنوات تعبر النص في عمقه، و تكشف خباياه المدفونة، و تنير المكشوف من محتوياته بأضواء جديدة لإبراز بعدها المستقبلي، قصد إغناء النص.

40

الصعوبة الثانية فهي تقنية قراءة النص خاصة أن المؤلف غالبا ما لا يفصح عن أسماء الأماكن التي يزورها و أسماء الأشخاص الأجانب الذين يستقبلهم. و الصعوبة الثالثة تتجلى في اتساع الرقعة الجغرافية التي تجري فيها أحداث الرحلة و تعدد و تنوع المصادر و المراجع، و صعوبة الترجمة خاصة بالنسبة للوثائق الإيطالية.

- فما هي السبل التي سلكناها قصد تجاوز هذه الصعوبات؟

انطلاقا من النص الذي هو عبارة عن مذكرات يومية و متسلسلة زمنيا شبيهة (بالحوليات) إلا أنها تعالج أحداثا متنوعة و مختلفة. حاولنا أن نخضعه لعمليتي التفكيك و التركيب، قصد توسيع مجال التفكير حول هذه الفترة و الأحداث التي تعرض لها، على أساس أن يبقى النص محترما في هيكله ليحتفظ دائما بقيمته الذاتية. أما الصعوبة الثانية فانطلاقا من الوصف الذي سجله صاحب الرحلة اعتمدنا على ما يقابله في الموسوعات العالمية حتى تمكنا من استخراج معظم أسماء الأماكن التي أشار إليها. و استعنا لشرح التقنيات الميكانيكية التي أشار إليها الجعيدي عند زيارته للفابريكات الصناعية ببعض مصادر تاريخ تطورها. كما اعتمدنا على ما كانت تنشره الصحف و الجرائد من أخبار عن أنشطة الزبيدي، خاصة الجرائد البلجيكية و الإيطالية، حتى تمكنا من مواكبة تحركات السفارة المغربية داخل أوربا، و كذلك تعرفنا على بعض الوثائق الرسمية الأجنبية و المحلية التي تحدثت عنها، حتى استطعنا في الأخير أن نسلط الأضواء على الكثير من الجوانب الغامضة في الرحلة، و نناقشها عن مصداقيتها من خلال هذه الوثائق، كما قارناها مع بعض الرحلات السفارية المغربية الأخرى لنتعرف على مدى التطور الحاصل في فن أدب الرحلات خلال ق 19 م، كما حاولنا ربط التوجهات الرئيسية للرحلة بما عرفه عهد السلطان الحسن الأول من إصلاحات في شتى الميادين، أثناء و بعد رجوع السفارة المغربية، خاصة أن السفير الزبيدي قد بقي يمارس مهامه المخزنية حتى الأيام الأخيرة من‏

____________

(1) أما الصحافة الفرنسية فكانت مهتمة بالأزمة العثمانية. و حفر قناة السويس سنة 1875، و كذلك بموت الكاتبة الفرنسية (1876- 1804)Sand ترجمتها بGerge ,La grande EncycloPe ?die ,Tom .31 :83

41

حياته، مع مراعاة الظرفية السياسية الدولة التي كانت تعيشها أوربا بعد حرب 1870 م و قبل مؤتمر برلين.

أما مشكلة ترجمة الوثائق الإيطالية فقد ساعدني فيها أخي المتخرج من جامعة بولونيا الإيطالية.

42

الفصل الثالث الجانب السياسي و العسكري في الرحلة:

سياسيا

انطلاقا من الرسائل الرسمية التي كان يتبادلها السفير الزبيدي، إما مع حكومات الدول التي زارها أو مع المخزن المغربي، استطاع المؤرخون التعرف على بعض الجوانب السياسية لمهمة هذه السفارة المغربية، و تتلخص في كون السلطان لم يكن يطلب أكثر من احترام المعاهدات و الاتفاقيات التي منحتها الحماية القنصلية في ظروف خاصة، غير أن ممثلي الدول الأجنبية كانوا يتجاوزونها أو يتعمدون‏ تأويلها على غير حقيقتها و هذه المطالب هي‏:

1- قصر الحماية على المستخدمين مع القناصل، و على السماسرة الذين يعملون مع التجار الأجانب، على أن لا يتجاوز عدد المحميين منهم سمسارين لكل دار تجارية كبيرة.

2- قصر الحماية التي يمنحها القناصل على سكان الموانئ وحدهم دون أن تمد إلى‏

____________

(1) هذه الرسائل منشورة بكتاب «الإتحاف ...، لابن زيدان، من ص 279 إلى ص 315، الطبعة الأولى، سنة 1930 م، و بمجلة «الوثائق» المجموعة الخامسة انطلاقا من محفظة الزبيدي الموجودة بمديرية الوثائق الملكية بالرباط.

(2) «.. يحذر عظماءهم مما يرتكبه نوابهم و من في حماهم من الخدم، من مجاوزة الحدود و رفض العهود، و ارتكاب موجبات التفاقم و أسباب الندم ...» من رحلة الجعيدي، و هي إشارة عارضة تلميحية إلى المهمة السفارية التي شارك فيها.

(3) كما جاء في الرسالة التي بعث بها السفير الزبيدي إلى وزير خارجية فرنسا السيد دي كازDecas بتاريخ 30 جمادى الأولى عام 1293 ه/ الموافق ل 23 يونيه، سنة 1876 م، يعرض عليه كتابة هذه المطالب، و الذي أجابه أن فرنسا لم تكن تمنحها إلا باعتدال، و صرح باستعداده لإسناد كل هذه المطالب لدى الدول الأوربية الأخرى لتقنين تلك الحماية، جاك كيلي، «السفارات و البعثات ...»، مجلة تطوان، عدد 6، ص 155 سنة 1961.

43

سكان المدن الداخلية.

3- إلغاء سكوك الحماية التي منحها القناصل لبعض سكان الأرياف بحيث لا يجوز منح الحماية لمن يسكن في البادية.

كما تعرض الزبيدي لقضية الشرفاء العلويين- أولاد السلطان عبد الملك بن السلطان مولاي إسماعيل العلوي- المستقرين بقرية تيوت، و هي قرية مغربية ألحقها الجيش الفرنسي بالجزائر بعد انهزام الجيش المغربي أمامهم في معركة إيسلي سنة 1844 م و أجبروا على أداء بعض الضرائب التي كانوا معفيين منها من قبل. و حول هذا الموضوع جرت العديد من الاتصالات التلغرافية بين وزارة الخارجية الفرنسية بباريس، و القيادة العسكرية العليا بالجزائر العاصمة و وهران، حول كيفية تسوية المشاكل المتعلقة بقرية التيوت. و في الأخير قبل وزير الشؤون الخارجية الفرنسية أن‏

____________

(1) ألغى السلطان سيدي محمد في يونيه سنة 1864 م، القرار الذي كان أصدره من قبل بمنع التسوق من الأسواق الداخلية، فبسبب هذا القرار الجديد صار في إمكان الأجانب أن يتجروا- بيعا و شراء- مع غير أسواق الموانئ من مدن المغرب و قراه الأخرى، و يجعلون من سكانها خلطاء لهم فيما يبيعون و فيما يشترون، فاتسع نطاق أعمال الأجانب التجارية إلى القرى و الأرياف الداخلية «الوثائق» ج 5.

(2) هؤلاء السكان بقوا على تعلقهم بالمغرب و سلطانه، لذلك تدخل لفائدتهم لدى فرنسا، لما يتعرضوا له باستمرار من لدن الجيش الفرنسي بالجزائر، لحملهم على الهجرة من أرضهم و بالفعل هاجرت منهم بطون من قبيلة الأحلاف العربية التي كانت تسكن مع الشرفاء العلويين إلى داخل المغرب من مقاطعة العين الصفراء إلى تاوريرت بإقليم وجدة، و بقيادة الكارة بسطات (انظر: مقدمة بن منصور «الوثائق»، (العدد 6: 261). و لقد سبق أن تحدث السفير الحاج عبد الرحمان العاجي سنة 1865 م مع الحكومة الفرنسية عن قضية أولاد سيدي الشيخ و الحدود المغربية الجزائرية (انظر: «الإتحاف» لابن زيدان، ج 3، من ص 530 إلى ص 534) و للمزيد من التوسع في الموضوع انظر دراسة الأستاذ أحمد العماري عن «التوات».

(3) انظر الوثائق التالية بأرشيف وزارة الخارجية الفرنسية:

Maroc. vol 04 ` 6781( CorresPondance Politique ). Paris, N: 951, 091, 191, 402, 502, 312, 512, 612.

44

يحتفظ للشرفاء بامتيازهم‏ القديم على شرط أن يمسكوا عن القيام بأي نشاط سياسي.

و في نهاية زيارته لأنجلترا أدرك الزبيدي أن لا فائدة ترجى من وراء مذاكراته مع الساسة الأوربيين حول إصلاح الوضع المتدهور في المغرب. فأخذ المبادرة بسرعة و كتب رسالتين في يوم 3 غشت 1876 م. الأولى‏ إلى اللورد إدوارد ستانلي دربي يطلب منه إصدار توصيات إلى وزيره المفوض بطنجة للمساعدة على تتميم المذاكرة هنا. و الثانية إلى الحاجب السلطاني موسى بن أحمد البخاري يخبره بمحادثاته في لندن و يشير إلى فكرة نقل المذكرات في موضوع الحماية القنصلية إلى طنجة.

فاقتراح الزبيدي الذي نستطيع أن نجزم أنه‏ صاحب فكرة نقل المذكرات في موضوع الحماية القنصلية إلى طنجة، قد لقي القبول من طرف أنجلترا و السلطان بهدف تدويل القضية المغربية. و بالفعل بعد عودة الزبيدي إلى طنجة يوم 22 شعبان عام 1293 ه/ الموافق 12 شتمبر سنة 1876 م، بدأ المخزن المغربي يعد نفسه لهذه الاجتماعات الدولية و توجيه الدعوة إلى ممثلي الدول الأجنبية مصحوبة بمذكرة 10 مارس سنة 1877 م. و قد استمرت الاجتماعات ثلاثة أعوام بحضور السيد بركاش و الزبيدي الذي ألزمه السلطان‏ «بالرجوع من فاس إلى طنجة لتتميم المسائل المحالة

____________

(1) جاك كيلي، «السفارات و البعثات المغربية إلى فرنسا»، مجلة تطوان، العدد 6، سنة 1961 م، ص 155.

(2) نسخة مصورة منها بمديرية الوثائق الملكية بالرباط (ملف الحاج محمد الزبيدي).

(3) هذه الرسالة مفقودة، لكن توجد الرسالة التي أجابه بها الحاجب السلطاني و هي تتضمن على العادة كل ما ورد فيها بتاريخ 3 شتمبر 1876 م (نفس المحفظة السابقة).

(4) إن الفكرة ظهرت أول مرة في مراسلات الزبيدي خلال وجوده بأنجلترا، لا يستبعد أن تكون الفكرة موحى بها من طرف الأنجليز، فهذا مجرد تخمين و افتراض.

(5) انظر نصها بكتاب عبد الوهاب بنمنصور «الحماية القنصلية بالمغرب من نشأتها إلى مؤتمر مدريد سنة 1880»، المطبعة الملكية، سنة 1977 ص 19.

(6) الإتحاف لابن زيدان، ج 2: 311.

45

على القناصل و الباشدورات القاطنين هنالك في حل مبرمها». هذه الاجتماعات تخللتها مراوغات و مناورات و لم تفض إلى نتيجة مرضية، فكانت الدعوة لعقد مؤتمر دولي بمدريد سنة 1880 م، بإيعاز واضح من أنجلترا هذه المرة.

هنا يتوقف كلام الباحثين عن مردودية سفارة الزبيدي بأنه‏ «لم يحصل على طائل و عاد إلى موفده بوعود غامضة ...».

انطلاقا من الرحلة

إن رحلة الجعيدي، التي تعتبر أكبر و أضخم رحلة سفارية ألفها المغاربة خلال القرن 19 م، تكشف لنا جوانب أخرى كانت غامضة إلى حد ما، عن مهمة سفارة الزبيدي و يجعلنا نعيشها من أولها إلى آخرها. و نتتبع مراحلها عن كثب، و التي لم تكن مقتصرة على الجانب السياسي فقط، بل تتعداه لتشمل باقي الجوانب الأخرى، كالجانب العسكري و المالي و الثقافي و غير ذلك. الأمر الذي يجعلنا نعتبر سفارة الزبيدي من خلال رحلة الجعيدي، بمثابة أرضية دراسية أولية افتتح بها السلطان الحسن الأول عهد حكمه، و استند عليها كمرجع للإصلاحات التي كان ينوي إدخالها للمغرب طوال النصف الثاني من العقد السابع، و بداية العقد الثامن من القرن التاسع عشر. بحكم أن الزبيدي أشرف بعد عودته من سفارته الأوربية على معظم الإصلاحات التي قام بها السلطان في الكثير من المجالات، حتى الأيام الأخيرة من حياة الزبيدي، كما سيتضح لنا ذلك من خلال هذه الدراسة.

____________

(1) انظر مقدمة بنمنصور «الوثائق» العدد 5: 8. أما ابن زيدان فيقول عن عودة الزبيدي من سفارته إلى أوربا «... مقضى الأوطار و خلف في مدن أوربا بما أبداه من السياسة و قام به من التبرعات على الجمعيات الخيرية ذكرا جميلا حفظه التاريخ للمرسل و المرسل بل لسائر الإيالة المغربية» الإتحاف ج 2: 311.

46

أولى الانطباعات السياسية التي تبرزها رحلة الجعيدي هي المكانة المرموقة التي كانت تحظى بها الدولة المغربية في أوربا بالذات، لاعتبارات تاريخية و جيوسياسية و اقتصادية، فلقد حظيت السفارة المغربية بالكثير من الاعتبار و التقدير و الاحترام من لدن الأوربيين، خاصة في بلجيكا الدولة الفتية التي تسعى إلى ربط المزيد من علاقات الود و الصداقة مع السلطان المغربي قصد تنمية مبادلاتها التجارية و العسكرية معه، فالجعيدي يصف لنا حرارة الاستقبال الذي خصهم به ملكها «... حتى أنه قال: إنه يرجو اللّه أن يشرح صدورنا لبلده حتى نقيم فيها في عافية و راحة و يأذن في المسير للفابريكات التي بداخل المدينة (بروكسيل) و خارجها، و زور الأماكن التي تصنع فيها العدة و السلاح. و نستوعب ذلك كله بحول الله ...».

أما في أنجلترا فقد خصتهم ملكتهم و إمبراطورة الهند، بالتفاتة خاصة، فإبان وصول السفارة المغربية لمدينة لندن، وجدوا الملكة فكتوريا بنزلها الخاص‏Osborne House التي لها به العديد من الذكريات التي تربطها بزوجها الراحل ألبيرت، و الموجود بجزيرةIsle of Wight جنوب لندن، قصد الراحة و معالجة أحد أبنائها «... و العادة عندهم أنها إذا خرجت من البلاد لا تتلاقى مع أحد ممن يفد إليها حتى ترجع، و وجدنا هناك باشدورات آخرين من الأتراك و الهند، سبقونا بنحو شهرين، و لم يتلاقوا بها إلى الآن، و كان ساءنا ذلك غاية، و كان ولد باشدور أنجلترا يطلب من الباشدور الإكثار من الخروج للفرجات و الملاقاة بالناس، فكان يمتنع و يجيبه بقوله: إننا لم نات للفرجات و لا للملاقاة مع الناس الأجانب، و لا غرض لي في ذلك حتى يتم الغرض الشريف الذي أتيت لأجله، و بقي مصمما على ذلك حتى أذنت سلطانتهم بالطلوع إليها ...». هذا الموقف يبرز لنا مدى القوة التي كان يتمتع‏

____________

(1) الرحلات السفارية كما هو معروف لا تحتوي على معلومات قيمة عن مهمة السفارة و أسبابها، لأن الكاتب لا يتعرض في رحلته للغرض السياسي الرسمي الذي توجهت من أجله إلا سطحيا كما بين ذلك الجعيدي في رحلته «... لأنه يوجهه إليهم باشا دورا و سفيرا، و يحمله أسرارا إليهم ...».

(2) رحلة الجعيدي، ص 215.

(3) الرحلة، ص 286.

47

بها المغرب عند البريطانيين رغم الظروف الصعبة التي كان يجتازها، و نفس الشي‏ء حدث عند وصولهم لإيطاليا التي خصتهم باستقبال حار و كبير، توج بالاستقبال العظيم‏ الذي خصهم به ملكها الذي قطع إجازته الصيفية و عاد إلى مدينة طورين خصيصا لاستقبالهم و كلف ولي عهده بالعناية بهم و تكريمهم بالعودة على متن أكبر السفن الإيطالية إلى المغرب.

كما أشير في هذه الدراسة إلى اللقاء الهام الذي أجراه السفير الزبيدي مع ولي عهد ابروسيا آنذاك غليوم‏ الثاني (1859- 1941) أثناء مأدبة العشاء التي أقامتها الأسرة المالكة ببلجيكا على شرفيهما، كما جاء في رحلة الجعيدي‏ دون أن يتطرق إلى تفاصيل هذا اللقاء كعادته في كل اللقاءات السياسية. غير أن التطورات السريعة للعلاقات المغربية الألمانية، بعد عودة السفارة المغربية تجعلنا نربط بين الحدثين و نستنتج أن الزبيدي لعب دورا في إقناع ألمانيا القوية برغبة المغرب في تطوير علاقاته معها، و هذا ما حدث بالفعل، فبعد سبعة أشهر فقط من عودة الزبيدي إلى المغرب، وفد على السلطان الحسن الأول بفاس السفير الألماني الجديد السيد تيودور ويبرTheodor Weber يوم 7 ماي 1877 م، خلفا للقنصل السابق كوليش‏Gu ?lich

____________

(1) رحلة الجعيدي، ص 214- 215.

(2) والده هو غليوم الأول (1797- 1888) ملك ابروسيا 1861 م اتخذ بسمارك مستشارا، و أنشأ جيشا قويا انتصر به على فرنسا 1876 م و نودي به امبراطور ألمانيا سنة 1871 م. أما ابنه غليوم الثاني فأبعد بسمارك سنة 1888 م و حكم بنفسه. زار طنجة 1905 م معترفا باستقلالية سلطان المغرب و دخل الحرب العالمية الأولى 1914 م، و تنازل عن العرش بعد هزيمة 1918 م. (المنجد).

(3) «.. ثم خرج كبير دولتهم من قبة أخرى و معه ولد سلطان ابروصيا، لأنه استدعاه لهذه الضيافة تعظيما و فرحا بالجانب الشريف، فتقدم إلى الباشدور و ظهر منه بسط و سرور، و عرف به لولد السلطان المذكور، فظهر منه أدب كبير ...». الرحلة.

(4) كشفت حرب 1870 م لبسمارك عن الأهمية السياسية و الاستراتيجية للمغرب المجاور لفرنسا المحتلة للجزائر، خاصة أن السلطان محمد بن عبد الرحمان أخذ موقف الحياد إزاء ذلك الصراع، فاتخذ قرار فتح قنصلية بطنجة سنة 1872 م لتمثيل ألمانيا لدى البلاط المغربي (التاريخ الدبلوماسي للمغرب، المجلد العاشر، تأليف عبد الهادي التازي سنة 1989 م).

48

و من جملة الهدايا التي رفعها و يبر إلى السلطان ماكينة تصنع الثلج، التي تحدث عنها الجعيدي كثيرا في رحلته، و في أعقاب هذه السفارة توجه في نفس السنة الحاج العربي بريشة لاقتناء كمية من الأسلحة من معامل دار كروب‏KruPP الألمانية، ثم أرسل السلطان سفارة مغربية إلى الإمبراطور غليوم الأول برئاسة قائد مدينة آسفي الطيبي ابن هيمة في ماي 1878 م.

و كذلك أشير إلى الحوار الذي فتحه الزبيدي مع زعماء الطائفة اليهودية بالبلاد الأنجليزية، و التي أقامت حفلا خاصا على شرفه، و الذي بقي مكانه فارغا في رحلة الجعيدي رغم إشارته في فهرسته إلى «إكرام بعض التجار للباشدور باللوندريز». و قد سلموا إليه‏ رسالة رفعوها إلى السلطان الحسن الأول تلفت فيها نظره إلى بعض المشاكل التي كان‏ يعاني منها اليهود المغاربة. و تذكره بالظهير الذي أصدره سيدي محمد بن عبد الرحمان بعدما زاره السيد موسى حييم مونطيفيوري أحد زعماء اليهود ببريطانيا سنة 1864 م.

و كختام للانطباعات السياسية الواردة في رحلة الجعيدي، فإنها تعرفنا على التقاليد الدبلوماسية العريقة التي أتقن المغاربة فن ممارستها من أجل حسن المعاملة و الذوق السليم و الارتفاع بمستوى العلاقات الإنسانية الحضارية إلى مكانة رفيعة، لأن حقيقة المهنة تتطلب من الممثل الدبلوماسي الناجح أن يكون فعالا. و ينتظر منه الكثير من أجل البلاد التي يمثلها.

____________

(1) الرسالة منشورة ب «الإتحاف» لابن زيدان ب ج 2: 298 بتاريخ 25 يوليوز سنة 1876 م/ الموافق ليوم الثلاثاء 3 رجب سنة 1293 ه.

(2) كانت الصحافة الأوربية التي يشرف عليها اليهود تبالغ في تهويل حالة اليهود المغاربة، كمثال على ذلك ما نشرته جريدةLa Perseveronze بإيطاليا، من قذف شديد اللهجة في حق السفير الزبيدي و المخزن المغربي بل طالبوا الحكومة الإيطالية بوقف أية مساعدة للمغرب، غير أن الصحافة الإيطالية التابعة للحكومة ردت عليهم بعنف.

(3) البروتوكول هو فن المعاملة مع الغير تحكمه مجموعة قواعد اكتسبتها الدبلوماسية المغربية و طورتها حسب التقاليد الإسلامية المغربية العريقة عبر قرون طويلة.

49

الأنظمة السياسية

إن انطباعات الجعيدي لم تتطرق لأهمية الأنظمة السياسية و لم يشر إلى الحياة النيابية بالوضوح المعهود فيه، يمكن أن يعلل ذلك لقصر المدة الزمنية التي قضاها في كل دولة لم تمكنه أن يستوعب تلك الأنظمة المعقدة بسرعة، بالإضافة لكونه موظف في الدولة و بالتالي يمثل وجهة نظرها في الأمور السياسية على الخصوص. إلا أننا نجد الصفار يشير في رحلته‏ إلى توزيع الاختصاصات بين النواب و الملك عندما زار القمرتين كما سمى مجلس النواب و مجلس الشيوخ، غير أن الباحثة الأمريكيةS .Miller ، انتقدت الصفار و قالت: انه شبّه جلساتهم بالعرض المسرحي و لم يفهم أية كلمة من لغتهم، و إنما كان يستعين بما قدمه الطهطاوي‏ من جزئيات عن قواعد الانتخابات بالهيئة المذكورة. على أن فهم الصفار للحكم السياسي مأخوذ عن ابن خلدون. غير أن هذه المقارنة في نظري غير عادلة بحكم أن الطهطاوي قد أرسل في‏

____________

(1) هذا لا يعني أن المخزن المغربي كان يجهل تماما شكل الأنظمة السياسية الحديثة، و هو على مرمى السهم منها، فقد كانت تصله أصداء هذه التغييرات. انظر ما كتبه الكردودي الفاسي في مؤلفة «كشف الغمة ببيان حرب النظام حق على هذه الأمة» في عهد المولى عبد الرحمن عن قيام النظام البرلماني في أوربا و تركيا ص 46.

(2) الرحلة إلى باريس، ص 123 و 124 قامت بدراستها الأمريكية

Miller Susan," The" Rihla" of the Moroccan Mohammed al- Saffas 6791" A. Voyage to the land of Run" To France.

(3) في رحلته يعطينا عرضا منهجيا لتطور الحياة السياسية في فرنسا منذ الثورة و مناقشة فصل السلطة، ترجمة كاملة للدستور الفرنسي، و كذلك اطلع على رحلته «تلخيص الإبريز في تلخيص باريس» الرحالة العمراوي كما جاء في رحلته «تحفة الملك العزيز بمملكة باريس». أما الرحالة الغسال «رحلة لأنجلترا» فيحكي زيارته لقبة البرلمان الأنجليزي ص 22 و 23 سنة 1320 ه. تم مخطوط مجهول المؤلف «الابتسام عن دولة ابن هشام» الذي يتناول ما استحدثه محمد علي بمصر من تقنيات مستوردة من الغرب حوالي 1815 م. خ. م. بالرباط. رقم 12490 م. ز.

50

مهمة ثقافية و دينية لمدة خمسة أعوام تعلم خلالها اللغة الفرنسية و أتقنها و قد أسس عند عودته‏ لمصر مدرسة الألسن و ترجم العديد من الكتب. أما الصفار فلم تتعد مدة إقامته بفرنسا أربعة أشهر، بالإضافة إلى أن حركة الإصلاح في المغرب كانت تخطو خطواتها الأولى. فقنوات التواصل كانت ممتدة مع أوربا، إلا أن المؤثرات الخارجية المتسربة عن هذه القنوات كانت‏ محدودة و غير قادرة على تغيير الإديولوجية القديمة. فنظام الملكية المطلقة كانت متجذرة في العقلية الشعبية و المخزنية المغربية، حتى مطلع القرن 20 م. نجد مولاي عبد العزيز قد جالت في رأسه فكرة الشورى فأيده سفراؤه بهذه الأفكار، فعجل بإقامة مجلس الشورى أو الأعيان سنة 1905 م في ظروف سياسية خاصة.

فالرحلات السفارية المغربية تبدو كأنها تعكس رغبة دفينة في إدراج هذه الإصلاحات في النظام السياسي المغربي‏، غير أنها لا تبقى سوى بوادر أولية لتوجه ديمقراطي ساد لدى النخبة المثقفة في مغرب ق 19 م.

عسكريا

قد يعتقد البعض أن مهمة السفارة المغربية كانت مقتصرة على الجانب السياسي فقط، لكن أبعاد سفارة الزبيدي كانت متعددة و هذا راجع إلى تنوع المشاكل التي كان‏

____________

(1) طبعت رحلة الطهطاوي إلى فرنسا سنة 1834 م (بولاق) و هي محاولة للتعرف على كيفية قراءة العرب للمجتمع الأوربي عصرئد و يعتبر أول مؤلف شرقي عن أوربا في العصر الحديث أنه يأخذ بفكرة التطور الحضاري و يفتح باب البحث في أسباب الرقي و التأخر.

(2)

Laroui, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain, MasPe? ro, 7791

(3) المؤلفات التي أرخت لهذه الفترة سكتت عن تحديد أصول أهمية هذا المجلس و بالتالي نتائج أعماله باستثناء محمد بن الحسن الحجوي في رحلته الوجدية. مخطوط ب خ. ع. بالرباط تحت رقم 123.

(4) انظر إشارة علال الفاسي إلى هذا ضمن «حفريات عن الحركة الدستورية في المغرب قبل الحماية»، ص 8.

51

يواجهها المخزن المغربي و إلى كثرة حاجياته لإصلاح هياكله العتيقة و تقويتها، علما منه أن المواجهة السياسية تتطلب دعما عسكريا، و ذلك بتحديث الجيش المخزني الذي انهزم مرتين أمام الجيوش الأوربية، و تزويده بالمعدات الحربية المتطورة و تدريبه عليها، و إرسال البعثات الطلابية إلى أوربا قصد التكوين و الدراسة. و غير ذلك من التجديدات التي يتطلبها العصر، و التي عزم الحسن الأول على القيام بها منذ توليه حكم المغرب سنة 1873 م، غير أن العروض كثيرة و تتداخل معها المساومات و المراهنات. لهذا كلف السلطان‏ الزبيدي بمهمة التعرف على المعامل الحربية الأوربية و البحث و التقصي عن المعدات و كتابة تقارير حولها، و نبهه على الاهتمام و التركيز على بعض العينات بل طالبه بجلبها إذا أمكن.

في إطار هذه المهمة العسكرية الصعبة، شرع الجعيدي في تسجيل تقاريره و ارتساماته بأسلوب علمي ناقد. أولى الأشياء التي عالجها في رحلته هي وصفه لأكبر الاستعراضات العسكرية التي شهدتها باريس برآسة المارشال ماك ماهون الذي تولى السلطة سنة 1873 م. مهتما بإعادة تنظيم الجيش الفرنسي الذي انهزم أمام ابروسيا (70- 1871 م)، متجاوزا بذلك معاهدة فرانكفورت، و ذلك قصد إعادة الاعتبار و الثقة لسمعة فرنسا الدولية، و مرهبا بطريقة غير مباشرة السفارة المغربية الممثلة للإمبراطورية المغربية و الجارة للجزائر. و قد ركز الجعيدي في رحلته على‏

____________

(1) المخزن كان يحتكر مبدئيا تجارة السلاح، لأسباب أمنية و سياسية و عسكرية، لكن فساد الإدارة و تعذر المراقبة، فعرفت تجارة تهريب الأسلحة تطورا كبيرا فالأوربيون وجدوا في بيع الأسلحة للقبائل تجارة رائجة. انظر دراسة برادة ثريا «الجيش المغربي و تطوره في ق 19 م» ..

(2) تاريخ العلاقات الدولية القرن التاسع عشر 1815- 1914، تأليف بيير نوفان، تعريب د. جلال يحيى، سنة 1980، دار المعارف، ص 447.

52

الجانب التنظيمي‏ لهذه القوات، و كيفية سير طوابره، لما كان يعلمه من أحوال بلاده التي تعتمد على الأساليب القديمة و الإمدادات الطفيفة و الأسلحة العتيقة، التي لا ترقى لمستوى التنظيمات العسكرية للجيش الفرنسي الحديث. غير أن المهمة السياسية قد طغت في المرحلة الأولى من زيارتهم لفرنسا، على المهمة العسكرية التي أخذت حصة الأسد عند زيارتهم لبلجيكا بالتعرف على الأسلحة الحديثة، و التي تتميز بخفض الوزن و ذات فعالية حربية كبيرة من بينها نجد مدفعا صغيرا متعدد الطلقات المعروف‏ باسم المدفع الرشاش‏Mitrailleux و الذي يمكن حمله بسهولة على ظهر الدواب و نقله بسرعة إلى الأماكن البعيدة أو المناطق الجبلية بدون عناء كبير، لقمع الفتن و الثورات الداخلية، خاصة أن هذا السلاح أثبت فاعلية كبيرة في القضاء على جماعات بشرية و الخيالة في الحرب الأهلية الأمريكية (61- 1865 م) و حرب ابروسيا مع فرنسا (70- 1871 م) و غير ذلك. و تتضح لنا هذه المهمة من خلال المراسلات التي كانت قائمة بين الحاجب السلطاني و السفير الزبيدي‏، الذي كان يخبره بتفاصيل عن هذا السلاح الفتاك الذي تعرفوا عليه بمعامل السلاح ببروكسيل، و قد خصه الجعيدي‏ بالبحث و التدقيق و التجريب مع رسم شكل فوهته تقريبا للفهم بما كانوا يعتقدونه أنه يتوفر على جعبة واحدة.

____________

(1) الرحالة محمد الفاسي الذي أذهلته الاستعراضات و المناورات العسكرية بأنجلترا يرد ذلك التفوق إلى أن حظ الكفار من الطيبات يعجل لهم في الدنيا «الرحلة الإبريزية» الصفحة. 19 أما الرحالة أحمد الغزال بعد مشاهدته لعرض عسكري إسباني ضخم فقال: «... إن جنود الإسلام لا يلتفتون للمدافع و لا للبنب حال القتال ..». أما الصفار فيقول بعد مشاهدته لمناورات عسكرية بفرنسا «...

و من طبعهم أن يوروا ما عندهم، و لا يتركون عندهم شيئا جليا أو خفيا إلا أطلعونا عليه ... مما هو في الظاهر فرحة و في الباطن تخويف و فرحة، مع أنا و الحمد لله لا نخافهم، و إنما نخاف الله ...» في رحلته إلى فرنسا، ص 52 و 53 و 54.

(2) الموسوعة العسكرية ج 1: 83 إلى 85.

(3) انظر «الإتحاف» لابن زيدان، ج 2: 291.

(4) انظر رحلة الجعيدي، ص 216.

53

كان يساعدهم في هذه المهمة سفير بلجيكا بطنجة السيد دالوان الذي سبق له أن أخبر المخزن عن هذا الرشاش، كما أقنع الحسن الأول بإيفاد بعثة طلابية إلى بلجيكا سنة 1875 م و ضرورة مرور سفارة الزبيدي على بلاده. غير أن دالوان عمل جهده على احتكار كل صفقات الأسلحة التي اشتراها المغرب من بلجيكا بمساعدة السفير الأنجليزي د. هاي. و قد ربح أموالا طائلة من هذه التجارة. كما أوضح ذلك الجعيدي في رحلته‏، «لما استفسر الزبيدي عن ثمنها قيل له إن ذلك عند الباشدور الذي لهم بطنجة»، غير أن الجعيدي نظرا لخبرته في هذا الميدان أخذ إحدى البنادق البلجيكية في ميدان الرماية الوطنية ببروكسيل و جربها و تفطن لبعض عيوبها، فوجد نيشان الخزنة ضعيفا جدا لا ينحصر به المرمى و ظهر له أن فورمة المكحلة أعظم من المرمى، و حينما أخرج الطلقة لم يصب الهدف، لهذا فضل عليها المكاحيل التقليدية المعروفة بالمغرب، و أشاد بمهارة المغاربة في الرمي بها، غير أن المخزن لم يعط لملاحظاته هذه أية أهمية و قام بشراء كميات كبيرة من هذه الأسلحة التي‏

____________

(1) مظاهر يقظة المغرب الحديث، المنوني، ج 1.

(2) الرحلة، ص 218.

(3) بعد عودة الزبيدي سنة 1876 م جلب معه بعض النماذج من البنادق من نوع‏Wrendl التي تتميز بتعميرها من أسفلها عكس الأصناف المغربية التقليدية، فاستشار السلطان د. هاي قبل جلب هذا الصنف. بعد ذلك وافق على جلب عدد هائل من بنادق‏Wrendl من بلجيكا. إلا أنه ما لبث أن اكتشف حقيقة أمر تلك المكاحل فأجاب د. هاي بواسطة حاجبه موسى بن أحمد «... العدة البلجيكية التي جلب الأمين الزبيدي عربونا استحسنتها أنت (هاي) فإن سيدنا أيده الله لما رءاها بديهة استحسنها، و اقتضى نظره السديد أولا جلب 000، 10 منها للرجلي (المشاة) ثم لما أمعن النظر فيها و تأملها وجدها مرقعة و مصلوحة و أن جعبتها من الجعاب القديمة، قطعت من أسفلها و ألصقت بها برمة جديدة، و كذا سريرها كان بالزناد فأزيل و رقع محله، و لما رءاها مولانا على هذه الحالة رجع عما كان عليه من جلب العدد المذكور منها لما فيها من الترقيع، خوفا من ظهور العيب فيها عند استخدامها ...»، غير أن د. هاي تراجع عن أقواله السابقة، و أكد للمخزن بأن المكاحل البلجيكية الصنع التي نصح هو بشرائها هي غير التي جلبها الزبيدي، و تأجل ذلك لعام 1878 م، وثائق المحفوظات البريطانية 32/ 471/F .O يناير 1877 م.

54

كانت عاجزة و فاسدة. كما أشار إلى ذلك المؤرخ الناصري «.. إنهم لا يبيعون منها إلا ما انعدمت فائدته عندهم، لكونهم ترقوا عنها إلى ما هو أجود منها، و استنبطوا ما هو أتقن و أنفع ..» رغم أن السلطان كان يتتبع بنفسه هذه العمليات و يوجهها حسب رغبته و حاجياته، فقد طلب من الزبيدي في رسالة أخرى‏ أن يحضر معه عند عودته كل عينة من العينات المعتبرة الجديدة و التي لم تصل إلى المغرب، و لا جلبها أحد للآن خاصة من مدينة الياج‏ المشهورة بمعاملها الحربية. و قد اجتهد الجعيدي على التعرف على طرقهم التقنية لصناعة هذه العدة و لم ينبهر منها بل اكتشف بعض عيوبها.

كما أشار إلى أهمية تخزين الأسلحة بكميات وافرة مع تعهدها بالمسح و الصيانة، كاحتياط حربي يستغل عند وقت الحاجة، و قد تعجبوا أمام تراكم أكثر من 000، 80 بندقية داخل إحدى الثكنات العسكرية بمدينة أنفيرس، رغم ذلك كان الجعيدي يتشكك في ما يقوله الأجانب، و يخضع ذلك إلى تجربته الخاصة بالمعاينة

____________

(1) الاستقصا د 9: 184.

(2) الإتحاف لابن زيدان ج 2: 291.

(3) ما أرسلت بعثة للتدريب في معمل السلاح بلييج ببلجيكا انظر «مظاهر يقظة المغرب» للمنوني ج 1:

128- 131.

(4) وجه د. هاي صحبة الضابط ماكلين‏Maclean نموذجا مصحوبا بشهادة صاحب المصنع بجودتها و ثمنها فوافق السلطان على تنفيذ اقتراح د. هاي. و طلبها من السفير البلجيكي، حوالي 1000 بندقية. و بمجرد معاينة ماكلين لها اكتشف عيوبها فأخبر المخزن بذلك فكان جواب السلطان «... هذه المكاحيل عيبها أصلي و ليس بطارئ و المعيب لا يحل فيه البيع و لا الشراء و أعظم عيب فيها لا دواء له ... مع أن جعابها من عينات شتى ...». 89/ 74/ 82F .O ماي 1878 م .. و عاتب الحاجب موسى بن أحمد على ذلك و رفض المخزن رفضا باتا شراء المزيد منها، فدعي د. هاي المخزن لجلب المعدات الأمريكية المتينة. من أصناف‏Winchestes فجلبت منها خلال سنة 1885 م ألف بندقية، و كان الثمن الإجمالي لتلك الصفقة أزيد من عشرين ألف ريال. 144/ 174F .O . هاي إلى بركاش بتاريخ 9 مارس 1885 م.