التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج3

- محمد طاهر الكردي المزيد...
596 /
5

المجلد الثاني‏

[الجزء الثالث‏]

عمارات حجر إسماعيل‏

كان حجر إسماعيل عليه الصلاة و السلام مفروشا بالرمل و البطحاء كأرض المطاف، ثم فرش بحجارة بادية، فلما حج أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور سنة (140) أربعين و مائة دعا زياد بن عبيد اللّه الحارثي، و كان يومئذ أمير مكة فقال له: إني رأيت الحجر حجارته بادية فلا أصبحن حتى يستر جدار الحجر بالرخام، فدعا زياد بالعمال فعملوه على السرج قبل أن يصبح، ثم جدد رخامه المهدي.

و إليك جدولا بالعمارات التي وقعت في الحجر، عملناه بغاية الاختصار نقلا عن تاريخ الغازي و غيره خوفا من التطويل:

عدد/ اسم المعمر/ السنة الهجرية/ الملاحظات‏

1/ أبو جعفر المنصور/ 140/ قالوا و هو أول من رخم الحجر

2/ المهدي العباسي/ 161/ و لم يزل الرخام الذي عمله المهدي باقيا إلى أيام المتوكل‏

3/ المتوكل العباسي/ 241/ قلع رخام المهدي لتلفه و أبدله رخاما حسنا

4/ المعتضد العباسي/ 283/ ألبس الحجر كله بالرخام‏

5/ الوزير جمال الدين الجواد/ 550/ تقريبا عمره مرتين‏

6/ الناصر العباسي/ 576/ فرشه بالرخام‏

7/ المستنصر العباسي/ 629/ و قد أجرى أيضا إصلاحا في الكعبة المشرفة

8/ الملك المظفر صاحب اليمن/ 655/ لما حج في هذه السنة عمل أيضا للكعبة بابا وقفلا

9/ الملك الناصر ابن قلاوون/ 720/ و هو محمد بن قلاوون‏

10/ الملك الأشرف علي بن شعبان/ 781/ و ذلك بأمر الأميرين بركة و برقوق مدبري دولته‏

6

عدد/ اسم المعمر/ السنة الهجرية/ الملاحظات‏

11/ الملك الظاهر برقوق/ 801/ قال ابن فهد: و في السنة المذكورة عمر الأمير بيق رخام الحجر و اللّه أعلم‏

12/ القائد علاء الدين/ 822/ عمر كثيرا من رخام الحجر بالجس‏

13/ الأمير زين الدين/ 826/ الشهير بمقبل القديدي فإنه أصلح كثيرا من رخام أرض الحجر و جداره‏

14/ سودون المحمدي/ 838/ رمم الحجر و قلع جميع رخام الشاذروان و أبدله بغيره‏

15/ السلطان جقمق/ 843/ و قد أرسل لجدار الحجر كسوتين إحداهما لداخله و الثانية لخارجه فوضعتا عليه‏

16/ الأمير تنم/ 848/ قلع جميع رخام الحجر خلا الرخامة الخضراء، ثم فرشه و أصلحه في شهرين‏

17/ السلطان قايتباي/ 881/ غيروا رخام الحجر داخلا و خارجا و عملوا الرصاص بالمطاف حول الكعبة

18/ السلطان قانصوه الغوري/ 916/ عمره عمارة حسنة محكمة و كتب على علو الحجر أسماء من عمره‏

19/ السلطان سليمان خان/ 940/

20/ السلطان مراد الرابع/ 1040/ و هو الذي بنى الكعبة المشرفة حينما هدمها السيل‏

21/ السلطان محمد الرابع/ 1073/

22/ السلطان عبد المجيد خان/ 1260/

23/ السلطان عبد العزيز خان/ 1283/ و هو صاحب الكسوة الداخلية التي أرسلها للكعبة الموجودة بداخلها إلى اليوم‏

24/ الشريف الحسين بن/ 1331/ عمره و أحكم بنيانه بعد أن كاد أن‏

7

عدد/ اسم المعمر/ السنة الهجرية/ الملاحظات‏

علي/ ينهدم، و الشريف الحسين بن علي هو ملك الحجاز الأسبق‏

و هنا يستحسن أن نأتي بشي‏ء من بيان العمارة الواقعة في حجر إسماعيل في زمن السلطان عبد المجيد خان و ما بعده، لأن ذلك قريب عهد بعصرنا.

فقد قال الغازي في تاريخه: و في تحصيل المرام: و ممن عمره السلطان عبد المجيد خان سنة (1260) ألف و مائتين و ستين أو التي بعدها أو التي قبلها، و حضر عند بنائه أمير مكة مولانا الشريف محمد بن عبد المعين بن عون و باشر بعض عمل من البناء الشريف، و كذلك عثمان باشا والي جدة و المفتيون و العلماء، ورده على ما كان إلى أن أتموه.

قال: و أخبرنا شيخنا العلامة «حسين» أنه رأى في أرض الحجر عند هذه العمارة أحجارا كبارا بعضها مشتبك ببعض، بينها و بين جدار البيت نحوا من ستة أذرع، و في هذه العمارة وجد جدرا قصيرا ردم من حجارة البادية داخل البناء الذي هو الرخام دائر ما يدور الحجر، يدل على إنه هذا التحويط من زمن قريش.

ثم جاءت الملوك و حوطت عليه بهذا الرخام الموجود، و طول الأحجار الدائرة التي هي من أحجار البادية، قدر نصف ذراع ردم على بعضه. كذا أخبرني السيد عمر بن عقيل و أنه شاهد ذلك، أخبرني بحضرة شيخنا الشيخ حسين، بعد صلاة الظهر، بمدرسته التي بجانب باب القطبي في آخر شعبان سنة ثلاثة و ثمانين بعد المائتين و الألف. و في هذا التاريخ حصل تجديد نصف أرض الحجر من جهة مقام الحنفي و كان ابتداء العمل يوم الأحد لتسعة و عشرين خلت من شعبان و ذلك في دولة مولانا الشريف عبد اللّه بن محمد بن عون و سلطنة السلطان عبد العزيز خان.

انتهى.

و في سنة ألف و ثلاثمائة و واحد و ثلاثين تحكمت جدار إسماعيل (عليه السلام)، بعد ما كان آويا إلى الانهدام و زمزم رخام أرضه و طرز ما هو منقوش على قبة بئر زمزم من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية و الطرة و ما على باب المنبر من الآيات الفرقانية و التاريخ بماء الذهب و جدد صباغ المقام المالكي و الحنبلي بألوان لطيفة

8

و جرى تعمير الطباطب في الحرم الشريف من جميع المهمات ذكره في جريدة الحجاز. انتهى من تاريخ الغازي.

الرخامة الخضراء التي بالحجر

اعلم أن الرخامة الخضراء التي تحت ميزاب الكعبة بحجر إسماعيل لا يوجد مثلها لا في المسجدين الحرامين و لا في قطر من الأقطار، و لا مبالغة في قولنا هذا، و لونها لا يضرب إلى الخضرة الخالصة و إنما هو أخضر داكن أي خضرة مائلة إلى السواد قليلا، منقوشة بنقط خضراء خالصة اكسبتها منظرا جميلا، كل ذلك من أصل الخلقة، لا دخل للصناعة فيها بشي‏ء.

و توجد بجانبي الرخامة الخضراء المذكورة الشرقي و الغربي قطعتان من جنس هذه الرخامة و لونها، كل منهما على هيئة الدائرة، قطر كل منهما 25 سنتيمترا، و كل واحدة منهما تبعد عن الرخامة التي تحت الميزاب مقدار مترين تماما، و الدائرة الغربية متصدعة إلى ثلاث قطع و الدائرة الشرقية متصدعة إلى قطعتين.

يقول ابن جبير الأندلسي في رحلته التي كانت سنة (578) هجرية عن هذه الرخامة ما يأتي: و تحت الميزاب في صحن الحجر بمقربة من جدار البيت الكريم قبر إسماعيل (عليه السلام)، و علامته رخامة خضراء مستطيلة قليلا شكل محراب تتصل بها رخامة خضراء مستديرة و كلتاهما غربية المنظر فيهما نكت تنفتح عن لونها إلى الصفرة قليلا كأنها تجزيع و هي أشبه الأشياء بالنكت في البيدق من حل الذهب ...

إلى آخر كلامه. اه منها.

و لقد يظن كثير من الناس أن الرخامة الخضراء التي هي تحت ميزاب الكعبة بالحجر ما وضعت هناك إلا لتكون علامة على قبر إسماعيل (عليه السلام)، فهذا الظن ليس في محله فالرخامة لم توضع لهذا القصد، و إن كان قبر إسماعيل في الحجر، و إنما وضعت لسبب ستعرفه مما يأتي:

و هذا الحجر ليس بحجر واحد و إنما هو رخامتان من جنس واحد ملتصقان ببعضهما (فالقطعة الأولى) بيضاوية الشكل رأسها الأولى مما يلي الكعبة، و رأسها الأخرى مقطوعة، قطرها الصغير 45 سنتيمترا، و قطرها الكبير 64 سنتيمترا، و هي منفلقة إلى فلقتين، (و القطعة الثانية) على شكل نصف دائرة قطرها 79

9

سنتيمترا منفلقة إلى أربع قطع، و فيها بعض انخفاض، و يحق لها أن تنخفض و تتصدع فلقد مضى عليها أكثر من ألف و مائة سنة و الناس يصلون فوقها.

(و حقيقة أمر الرخامتين) أن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عباس بن محمد الهاشمي أمر أن يقلع له لوح من رخام الحجر يسجد عليه «أي يصلي فوقه» فقلع له في الموسم، فأرسل أحمد بن طريف مولى العباس بن محمد الهاشمي مكان ذلك اللوح برخامتين خضراوين من مصر هدية لحجر إسماعيل، و ذلك سنة إحدى و أربعين و مائتين، فجعلت الرخامة البيضاوية الشكل على سطح جدار الحجر مقابل الميزاب أي في وسط جدار الحجر، و جعلت الثانية تحت الميزاب تلي جدار الكعبة ثم في سنة ثلاث و ثمانين و مائتين نقلت الرخامة البيضاوية من جدار الحجر و جعلت مع الرخامة الثانية تحت الميزاب كما ذكره الأزرقي في تاريخه.

و السبب الفني في اختيار هذه الرخامة بالذات لوضعها في الحجر هو أن الإنسان ميال بطبيعته الغريزية إلى اقتناء الأحجار الكريمة و الجواهر الثمينة:

كالألماس و اللؤلؤ و المرجان و العقيق و الياقوت و الزبرجد و غيرها و على الأخص الملوك و الأمراء.

و كان من عادة هؤلاء في الزمن السابق أن من يمتلك منهم شيئا نفيسا نادر الوجود و المثال بعثه هدية إلى أشرف بقعة و مكان كالكعبة المعظمة، و حجر إسماعيل و المسجد الحرام و المسجد النبوي و المسجد الأقصى، فكان من جملة الهدايا هاتان الرخامتان النادرتان الجميلتان بعثهما أحمد بن طريف من مصر لتوضع إحداهما تحت ميزاب الكعبة داخل حجر إسماعيل، و توضع الثانية فوق جداره، ثم نقلت هذه فوضعت مع الأولى تحت الميزاب، و هما كذلك إلى الآن بحيث يظن الرائي أنهما قطعة واحدة.

و علة وضعهما تحت الميزاب علاوة على قلع اللوح الذي كان تحتهما و الذي كان حاملا على بعثهما: هي أن ذلك الموضع أفضل مكان في الحجر، فإنه يروى عن أبي هريرة و سعيد بن جبير و زين العابدين أنهم كانوا يلتزمون ما تحت الميزاب من الكعبة.

و روى الأزرقي عن عطاء بن أبي رباح قال: «من قام تحت مشعب الكعبة فدعا، استجيب له و خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» و المشعب مجرى الماء و مسيله، أي تحت ميزاب الكعبة.

10

و عن ابن عباس قال: «صلوا في مصلى الأخيار، و اشربوا من شراب الأبرار، قيل له: ما مصلى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب، قيل: و ما شراب الأبرار؟ قال:

ماء زمزم».

و يروى عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: «ما من أحد يدعو تحت الميزاب إلا استجيب له».

و روى الأزرقي أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان إذا حاذى ميزاب الكعبة و هو في الطواف يقول: «اللهم إني أسألك الراحة عند الموت و العفو عند الحساب».

فهذه الرخامة الخضراء التي تحت الميزاب تكون من أفخم الآثار العربية و أغلاها و أندرها و أبركها، فلو لا أنها من القدر و القيمة بمكان ما وضعها ولاة الأمر الأقدمون الذين هم في القرون الثلاثة الأولى في أشرف بقعة عند الكعبة المعظمة، فكانوا أعرف منا بنفائس الأشياء و جواهرها و اختيار الأمكنة لحفظها و صيانتها، و كانت أعمالهم الجليلة في غاية الجودة و الإتقان تمر عليها مئات السنين و الأعوام، و هي على حالها ما أصابها تلف و لا خراب و لا تتزحزح عن مكانها فيكون قد مرّ على الرخامة الخضراء إلى عامنا هذا عام 1376 للهجرة (1135) سنة و اللّه تعالى أعلم.

و نحن لم نقم بالكشف عما يوجد بالحجر و المطاف من الرخام النادر الوجود، فلو قمنا و بحثنا لعثرنا على أشياء ثمينة جدا مما يدلنا على عناية الملوك و السلاطين الأقدمين بهذا المكان المقدس، و البقعة الطاهرة المباركة، و ما ذكرنا تلك الرخامات الخضر إلا للمناسبة.

و قبل أن نختم هذا الفصل نشير إلى قيمة الرخامات الخضر عند ذوي الخبرة من رجال الآثار القديمة، فإننا لا نبالغ إن قلنا أن قيمة بعضها قد تبلغ نحوا من ألف جنيه مصري بل أكثر.

و لا نعتقد أن أحدا ممن كان قبلنا و لا ممن هو في عصرنا التفت إلى هذه الرخامة الخضراء و لا توصل إلى ملاحظاتنا فيها، هذه الملاحظات الدقيقة الفنية فالحمد للّه على التوفيق.

هذا و لم نر بمصر رخامة تشبه الرخامة الخضراء التي بحجر إسماعيل بمكة، مع أن مصر غنية بالزخارف و الفنون الجميلة، إلا على رخامة صغيرة على شكل دائرة

11

قطرها نحو خمس و عشرين سنتيمترا و ذلك في دار الآثار المصرية «الانتيكخانة» بقصر النيل بميدان إسماعيل باشا، و كانت هذه الرخامة موضوعة في إطار خشبي معلقة بجدار الرواق (39) الخاص بالعصر اليوناني الروماني، على رخامة الحجر بمكة أجمل بكثير من هذه الرخامة الصغيرة، مع العلم بأن هذه محفوظة في غرفة خاصة بالدار، و تلك التي عندنا معرضة للشمس و الهواء و السيول و الأمطار و صلاة الناس فوقها منذ أكثر من ألف عام.

و بالسؤال من مدير الانتيكخانة عن أصل هذه الرخامة التي يحتفظونها بالدار، قال لنا «إنها نوع من الرخام الأخضر الثمين و هو من إيطاليا من العصر الروماني و لا يوجد بالدار غيرها و لو لا قيمتها التاريخية لم تبقه الدار من ضمن محتوياتها القيمة».

و كان ذلك حينما كنا بمصر سنة (1369) هجرية.

نقش أرضية حجر إسماعيل‏

اعلم أن أرضية حجر إسماعيل (عليه السلام) مفروشة بالرخام المرمر الأصلي الجميل، و منقوشة بألوان الحجارة الظريفة المرمرية نقشا فنيا بديعا بصورة هندسية دقيقة و قياسات محررة، على طراز المساجد العظيمة بمصر و غيرها، فإن من عادة المصريين أنهم يزخرفون مساجدهم الشهيرة بالرخام الملون لعدم تغير لونه مهما تقادم عهده، و هذا الرخام الملون النقي كالأسود و الأحمر و الوردي و الأخضر و الأزرق و الأصفر، قليل الوجود و غالب ما يوجد منه يكون صغير الحجم، أما الرخام الأبيض فيوجد منه شي‏ء كثير بمختلف القياسات.

و لقد كان حجر إسماعيل (عليه السلام)، منقوشا بالرخام الجميل من قديم الزمان، فلقد وصف العلامة ابن جبير (رحمه اللّه تعالى) نقش حجر إسماعيل في رحلته التي كانت سنة (578) هجرية سنة ثمان و سبعين و خمسمائة كما يأتي:

و دائر جدار الحجر رخام كله مجزع بديع الألصاق، فيه قضبان صفر مذهبة و صنع منها في صفحه أشكال شطرنجية متداخلة بعضها على بعض و صفات محاريب، فإذا ضربت الشمس فيها لاح لها بصيص و لألاء يخيل للناظر إليها أنها ذهب يرتمي‏

12

بالأبصار في شعاعه، و ارتفاع جدار هذا الحجر الرخام خمسة أشبار و نصف وسعته أربعة أشبار و نصف.

قال: و داخل الحجر بلاط واسع ينعطف عليه الحجر كأنه ثلثا دائرة، و هو مفروش بالرخام المجزع المقطع في دور الكعب إلى دور الدينار إلى ما فوق ذلك، ثم ألصق بانتظام بديع و تأليف معجز الصنعة، غريب الإتقان، رائق الترصيع و التجزيع، رائع التركيب و الوصف، يبصر الناظر فيه من التعاريج و التقاطيع، و الخواتم و الأشكال الشطرنجية و سواها على اختلاف أنواعها و صفاتها ما يقيد بصره حسنا، فكأنه تجلية في أزهار مفروشة مختلفات الألوان، إلى محاريب قد انعطفت عليها الرخام انعطاف القسي، و داخلها هذه الأشكال الموصوفة و الصنائع المذكورة.

قال: و بإزائها رخامتان متصلتان بجدار الحجر المقابل للميزاب، أحدث الصانع فيهما من التوريق الرقيق و التشجير و التقضيب ما لا يحدثه الصنع باليدين في الكاغد قطعا بالجلمين «و هو شي‏ء يشبه المقص» فمرآهما عجيب، أمر بصنعته على هذه الصفة أمام المشرق أبو العباس أحمد الناصر بن المستضي‏ء باللّه أبي محمد الحسن بن المستنجد باللّه أبي المظفر يوسف العباسي، (رحمه اللّه تعالى)، و يقابل الميزاب في وسط الحجر و في نصف جداره الرخامي رخامة قد نقشت أبدع نقش و حفت بها طرة منقوشة نقشا مكحلا عجيبا، فيه مكتوب مما أمر بعمله عبد اللّه و خليفته أبو العباس أحمد الناصر لدين اللّه أمير المؤمنين و ذلك في سنة (576) ست و سبعين و خمسمائة.

قال: و الميزاب في أعلا الصفح الذي على الحجر المذكور و هو من صفر مذهب قد خرج إلى الحجر بمقدار أربعة أذرع وسعته مقدار شبر، و هذا الموضوع تحت الميزاب هو أيضا مظنة استجابة الدعوة بفضل اللّه تعالى، و كذلك الركن اليماني و يسمى المستجار ما يليه، و هذا الصفح المتصل به من جهة الركن الشامي، و تحت الميزاب في صحن الحجر بمقربة من جدار البيت الكريم قبر إسماعيل (عليه السلام)، و علامته رخامة خضراء مستطيلة قليلا شكل محراب تتصل بها رخامة خضراء مستديرة و كلتاهما غربية المنظر فيهما نكت تنفتح عن لونها إلى الصفرة قليلا كأنها تجزيع، و هي أشبه الأشياء بالنكت تبقى في البيدق من حل الذهب فيه، و إلى جانبه مما يلي الركن العراقي قبر أمه هاجر، رضي اللّه عنهما،

13

و علامته رخامة خضراء سعتها مقدار شبر و نصف يتبرك الناس بالصلاة في هذين الموضعين من الحجر، و حق لهم ذلك لأنهما من البيت العتيق، انتهى من ابن جبير.

هذا ما وصف به ابن جبير أرضية حجر إسماعيل و نقشها، و أما كلامه عن قبر إسماعيل عليه الصلاة و السلام، و أمه هاجر فقد حققنا عن مكان دفنهما بالحجر في الصحائف المتقدمة.

أما نفس الجدار الدائر بالحجر، فإن في وسط الجدار من الداخل مما يواجه الكعبة صورة قبة بيت المقدس منقوشة على رخامة، و ذلك إشارة إلى أن بيت المقدس واقع في هذه الجهة، و بقية الرخامات التي بالجدار فمنقوشة نقشا خفيفا.

الكتابة التي في أعلى جدار الحجر

ننقل ما كتب على رخام جدار حجر إسماعيل عليه الصلاة و السلام، من الأعلى من تاريخ الغازي، (رحمه اللّه تعالى)، فقد قال: و كتب في علوه في الرخام الأبيض اسم من عمل من الملوك و تاريخ عمارتهم و عمارته الأخيرة و صورة العمارة الأخيرة كما يأتي:

«بعد البسملة وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ‏ (الآية) هذا الحجر الشريف و الحرم المنيف لما ظهر به الخلل و احتاج إلى الإصلاح و العمل أمر بإنشائه و تجديده و إحكامه و تشييده المفتقر إلى رحمة ربه المتضرع إليه في توفيقه و مغفرته ذنبه من يرى في اللّه بحسن الاعتقاد فملك المماليك و أنفذ حكمه في قاصي البلاد من ذلك إليه و عليه و تعطف و عاد بإحسانه لديه و تلطف و ألهمه لعمارة هذا الحجر المشرف فهو السلطان الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري رزقه اللّه في الدارين السعد الدوري و نصره و أيده و أسعده قاصدا به وجه اللّه تعالى و نوى به خيرا و له سموا برحمته يوم إحسانه بحق محمد و آله و أصحابه و ذلك بتاريخ شوال أحد شهور سنة سبعة عشر و تسعمائة من الهجرة النبوية و ذلك بعد ترخيمه برسم المنصور في سنة أربعين و مائة و جدده بعده الملك المظفر صاحب اليمن و جدده الملك الناصر بن قلاوون في سنة عشرين و سبعمائة و الملك المنصور علي بن شعبان في سنة إحدى و ثمانين و سبعمائة و الملك الظاهر برقوق في سنة إحدى و ثمانمائة و الملك الظاهر جقمق في سنة ثلاث و أربعين و ثمانمائة و الملك‏

14

الأشرف قايتبائي في سنة ثمانية و ثمانين و ثمانمائة سقى اللّه عهدهم صوب الرحمة و الرضوان و أسكنهم فسيح الجنان و أدام أيام منشى‏ء ذا الحجر العظيم و محا معالم هذا الحطيم صاحب القبلة خادم الحرمين الشريفين الفاتك في أعداء اللّه سيفه المرهف السلطان الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري أدامه اللّه لإقامة كل مقام محمود و أضحى به مهابط العامرين الركع و السجود و بمباشرة العبد الفقير الراجي عفو ربه القدير المقر بالمعاصي السيفي خير بك العلائي أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية و باش المماليك السلطانية و ناظر الحسبة المشرفة و شاد العمائر السلطانية أعز اللّه أنصاره و غفر اللّه لهم و لنفسه و لسائر معلميه و من أعانهم فيه و للوافدين و الطائفين و المشاهدين و لجميع المسلمين و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه أجمعين. انتهى.

و في مرآة الحرمين مكتوب على الحجر قبالة الميزاب من الأعلى:

نعم المطاف ترابه‏* * * في عين أرمد أثمد

و يطوفه بالليل و الأسحار* * * قوم هجد

اللّه بارك فرشه‏* * * مع من بناه يخلد

زان المطاف بمرمر* * * ملك الأنام محمد

تم في تاريخ للسلطان سليمان سنة 940

و بعده:

لا سيما من نسلهم‏* * * سلطاننا المستمجد

بزلال صارم سيفه‏* * * للظى الصلال محمد

اللّه خلد ملكه‏* * * و العدل فيه مؤيد

كالبدر يشرق نوره‏* * * إذ جن ليل أسود

و تاريخ للسلطان محمد خان سنة (1073) و في أول حائط الحجر في الأعلى من الجهة الشرقية:

الحمد للّه الذي‏* * * جعل المطاف منورا

بضيا جبينه زين‏* * * كالشمس أضحى‏

انتهى من تاريخ الغازي.

15

الحطيم و حجر إسماعيل و ما كتب عليه‏

قال في كتاب مرآة الحرمين لإبراهيم رفعت باشا (رحمه اللّه تعالى) ما نصه:

الحطيم يطلق الآن على الجدار المطيف بالحجر و بذلك قال ابن عباس، و قيل:

إن الحطيم ما بين الحجر الأسود و مقام إبراهيم و زمزم و حجر إسماعيل أي البقعة المحصورة بين الكعبة و الحجر غربا و المقام و زمزم شرقا. و هذا ما حكاه الأزرقي عن ابن جريج، و في كتب الحنفية أن الحطيم المكان الذي فيه الميزاب و ذلك أليق بالاستناق لأن ذلك المكان حطم من الكعبة و فصل منها و الأكثرون على القول الثاني.

و الحجر ما أطاف به الحطيم- الجدار- و قد ذكر الأزرقي: أن إبراهيم (عليه السلام) جعل الحجر إلى جنب البيت عريشا من أراك يقتحمه العنز و كان زربا لغنم إسماعيل و قد تقدم أن قريشا أدخلت في الحجر أذرعا من الكعبة حين بنتها لما قصرت عليهم النفقة الحلال التي أعدوها لعمارة الكعبة عن إدخال ذلك فيها، و أن الزبير أدخل ذلك في الكعبة حين عمرها، و أن الحجاج أخرجه منها و استمر ذلك ليومنا، و على ذلك فبعض الحجر من الكعبة و بعضه ليس منها، و يدل لذلك ما في الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا عائشة! لو لا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض و لجعلت لها بابا شرقيا و بابا غربيا و زدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا استقصرتها حيث بنت الكعبة، و في رواية فإن بدا لقومك من بعدي أن بينوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع، و في مسلم عن عطاء أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: لو لا أن الناس حديث عهدهم بكفر و ليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت من الحجر خمسة أذرع، و ذكر عطاء أن ابن الزبير زاد في البيت خمسة أذرع من الحجر، و أنه بداء له أساس نظر إليه الناس فبنى عليه، و أما ما رواه الشيخان من حديث عائشة قالت: سألت النبي (صلى الله عليه و سلم) عن الحجر أمن البيت؟ قال: نعم: قالت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة الخ، فلا يعارض ما ذكرنا من أن بعضه من البيت الآن حديث عائشة هذا مطلق و أحاديثها السابقة مقيدة، و المطلق يحمل على المقيد، و قد اختلف الفقهاء هل يصح الطواف من الحجر بعد السبعة الأذرع من البيت أم لا يصح‏

16

الطواف إلا من وراء الحطيم كما فعل النبي (صلى الله عليه و سلم)؟ قال كثيرون بالأول و قال آخرون بالثاني.

و نذكر لك طرفا من عمارة الحجر فنقول: لما حج المنصور العباسي سنة 140 ه. دعا زياد بن عبيد اللّه الحارثي أمير مكة و قال له: إني رأيت الحجر بادية حجارته فلا أصبحن حتى يستر جداره بالرخام فدعا زياد بالعمال فرخموه ليلا على ضوء المصابيح، ثم جدد المهدي رخامه سنة 161 ه. و لم يزل به حتى رث فقلع و ألبس رخاما جميلا في عهد المتوكل العباسي سنة 241 ه. و عمّر الحجر المعتضد العباسي سنة 283 ه و الوزير جمال الدين المعروف بالجواد في العقد الخامس بعد سنة 500 ه و عمّر قبله أيضا و في زمن الناصر العباسي سنة 576 ه.

و عمّره المستنصر العباسي و الملك المظفر صاحب اليمن، و الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة 720 ه و الأشرف شعبان سنة 781 ه و ذلك بأمر الأميرين بركة و برقوق مدبري دولته، و عمّره أيضا الظاهر برقوق سنة 801 ه و المكتوب على الحجر من الجهة الغربية تاريخ 780 و ثبت كثير من رخام الحجر بالجبس في سنة 822 ه. و أصلح قسم كبير من رخام الجدار و أرض الحجر سنة 826 ه. و ذلك بأمر الأمير زين مقبل القديري، و عمّره السلطان جقمق سنة 843 ه. و قايتباي سنة 880 ه. و السلطان سليمان سنة 940 ه و السلطان محمد خان سنة 1073 ه. و قد تقدم لك وصف الحجر الآن و مقاسه في صحيفة 266. و نزيد على ذلك أن فيه رخامة خضراء تحت الميزاب يقال أنها موضع قبر إسماعيل (عليه السلام) و الناس ينحرون هذه الرخامة للصلاة عندها، مع أن الصلاة إلى القبور أو عليها منهي عنها، و في الحديث الصحيح: (لعن اللّه اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) و أكثر المؤرخين على أنه مدفون بالحجر و يؤيد ذلك قول ضرار بن الخطاب:

لم يحظ بالحجر فيما مضى‏* * * من البرية لا عرب و لا عجم‏

بعد ابن هاجر أن اللّه فضله‏* * * إلا الزهير له التفضيل و الكرم‏

بيان جبهة بيت المقدس‏

و من لطيف الإشارات من الدولة العثمانية التركية، أنهم لما عمروا حجر إسماعيل عليه الصلاة و السلام جعلوا في وسط جدار الحجر من الداخل رخامة

17

و رسموا عليها قبة جميلة و هي قبة بيت المقدس و ذلك إشارة إلى أن بيت المقدس يقع في هذه الجهة أي يقع في الجهة المقابلة لجدار حجر إسماعيل الذي هو على شكل نصف دائرة. و هذا صحيح لأن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يؤمر بالصلاة إلى الكعبة، كان يصلي فيما بين الركن الأسود و الركن اليماني جاعلا الكعبة المشرفة أمامه بينه و بين بيت المقدس فكان وجهه الشريف يقابل حجر إسماعيل عليه الصلاة و السلام. فما أبعد نظر الدولة التركية العثمانية و ما أحكم صنعتهم و أعمالهم.

الرخامات الصفر التي على الشاذروان‏

أما الرخامات الصفر الموضوعة بأعلى شاذروان الكعبة المشرفة عند بابها، فهي رخامات نفيسة جدا، نادرة الشكل و المثال كالرخامة الخضراء التي تحت ميزاب الكعبة المعظمة و لونها يضرب إلى الصفرة الخالصة، بل هي صفراء مائلة إلى الحمرة قليلا، يتخللها نقوش بديعة جدا، لونها أصفر فاقع أكسبت الرخامات حسنا و جمالا، كل ذلك من أصل الخلقة أيضا.

و هذه الرخامات ثمانية أحجار، متقاربة الأحجام، متلاصقة ببعضها، كل حجر منها مستطيل الشكل أكبرها طوله 33 سنتيمترا، و عرضه 21 سنتيمترا، و كلها مرصوصة و موضوعة بأعلى الشاذروان في محل على هيئة المربع، طوله 74 سنتيمترا، و عرضه كذلك و الظاهر أنها وضعت في محلها فوق الشاذروان حين عمارة المطاف، التي كانت سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة حسبما هو مكتوب بالنقر على الحجر الأزرق الذي تحت الرخامات الصفر، و هو حجر ثمين من الرخام الأزرق الصافي، طوله 69 سنتيمترا، و عرضه 32 سنتيمترا، فيكون قد مضى على هذه الرخامات الصفر و الرخامة الزرقاء إلى عامنا هذا 736 سنة، و مضى على الرخامة الخضراء التي تحت الميزاب إلى عامنا هذا أيضا 1126 سنة.

فالرخامة الخضراء التي تحت الميزاب و الرخامات الصفر التي على الشاذروان تكون من أفخم الآثار العربية و أغلاها و أندرها و أبركها، فلولا أنها من القدر و القيمة بمكان ما وضعها ولاة الأمر الأقدمون في أشرف بقعة عند الكعبة فكانوا أعرف منا بنفائس الأشياء و جواهرها و اختيار الأمكنة لحفظها و صيانتها.

انظر: صورة رقم 75، للثمانية الأحجار الصفر الظاهرة

18

و كانت أعمالهم الجليلة في غاية الجودة و الإتقان تمر عليها مئات الأعوام، و هي على حالها ما أصابها تلف و لا خراب، و نحن لم نقم بالكشف عما يوجد بالحجر و المطاف من الرخام النادر الوجود، فلو قمنا و بحثنا لعثرنا على أشياء ثمينة جدا مما يدلنا على عناية الملوك و السلاطين الأقدمين بهذا المكان المقدس، و البقعة الطاهرة المباركة، و ما ذكرنا تلك الرخامات الخضر و الصفر إلا للمناسبة. و قبل أن نختتم هذا الفصل نشير إلى قيمة الرخامات الخضر و الصفر عند ذوي الخبرة من رجال الآثار القديمة، فإننا لا نبالغ إن قلنا أن قيمة بعضها قد تبلغ نحوا من عشرة آلاف جنيه مصري. و لا نعتقد أن أحدا ممن كان قبلنا و لا ممن هو في عصرنا التفت إلى هاتين الرخامتين و لا توصل إلى ملاحظاتنا فيهما، هذه الملاحظات الدقيقة الفنية، فالحمد للّه على التوفيق. انتهى كل ذلك من كتابنا .. مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

و اليوم لا يوجد قط في جميع البلدان مثل هذه الرخامات الصفر، فرحم اللّه الملوك و السلاطين الأقدمين حيث يهدون الأشياء النفيسة إلى الحرمين الشريفين.

البناية الخامسة و السادسة: بناء جرهم و العمالقة الكعبة

جاء في تاريخ الغازي عن ذلك ما نصه: و أما بناء العمالقة و جرهم، فقد قال في الإعلام، ذكر الأزرقي بسنده إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال في خبر بناء إبراهيم الكعبة: ثم انهدم فبنتها العمالقة ثم انهدم فبنته قبيلة من جرهم، و ذكر الفاكهي بسنده إلى علي بن أبي طالب أنه قال: أول من بنى البيت إبراهيم ثم تهدم فبنتها جرهم ثم انهزم فبنتها العمالقة. قال السيد التقي: قلت: بهذا يقتضي أن جرهما بنت البيت الشريف قبل العمالقة و الخبر الأول يقتضي أن العمالقة بنتها قبل جرهم و بها جزم المحب الطبري في القرى و ذكر المسعودي في مروج الذهب أن الذي بنى الكعبة من جرهم هو الحارث بن مضاض الأصغر و أنه زاد في بناء البيت و رفعه كما كان عليها بناء إبراهيم (عليهما السلام) و اللّه أعلم بحقيقة ذلك و قد تقدم من رواية الأزرقي خبر العمالقة ما يقتضي سبقهم على جرهم. انتهى من تاريخ الغازي.

نقول: إن بناء الكعبة المشرفة من عهد إبراهيم عليه الصلاة و السلام إلى قبل بناء قريش كان بالرضم فقط بدون طين و لا نورة، و لذلك كانت معرضة لسرعة

19

الهضم و الخراب، ثم من بناء قريش إلى اليوم ما زال فن البناء في تقدم حتى أصبح اليوم على ما نراه و بذلك يمكث البناء زمنا طويلا.

و اختلاف المؤرخين في قبيلتي «جرهم و العمالقة» أيتهما كانت أسبق في بناء الكعبة، كان سببه القبيلتين كانتا بمكة في عصر واحد و جرت بينهما حروب.

و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

أما نحن فرأينا الخاص: هو أن قبيلة جرهم قد تكون أسبق إلى بناء الكعبة من العمالقة، كما سبقوهم إلى الإقامة و السكن بمكة منذ وصول هاجر بابنها إسماعيل إليها، حتى إن إسماعيل (عليه السلام) لما كبر تزوج امرأة من جرهم فهم أصهاره و سكان الحرم يومئذ. و مع هذا فاختلافهم في أسبقية العمالقة أو جرهم للبناء لا يتوقف عليه شي‏ء.

الكعبة في عهد خزاعة

كانت ولاية مكة بعد أبناء إسماعيل عليه الصلاة و السلام بيد جرهم، فلما استخفوا بحرمة البيت الحرام و طغوا و بغوا، سلط اللّه تعالى عليهم خزاعة فأجلوهم عن مكة فصارت ولاية مكة و أمر البيت الحرام بيد خزاعة، فبنت حول الكعبة المشرفة و حجر إسماعيل بناء يحفظها من السيول، فقد ذكر الإمام الأزرقي في تاريخه عن محمد بن عبد العزيز ما نصه: إن وادي مكة سال في الجاهلية سيلا عظيما و خزاعة تلي الكعبة و إن ذلك السيل هجم على أهل مكة فدخل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة و رمى بالشجر بأسفل مكة و جاء برجل و امرأة ميتين فعرفت المرأة و كانت تكون بأعلا مكة يقال لها «فارة» و لم يعرف الرجل، فبنت خزاعة حول البيت بناء أداروه عليه و أدخلوا الحجر فيه ليحصنوا البيت من السيل، فلم يزل ذلك البناء على حاله حتى بنت قريش الكعبة، فسمي ذلك السيل «سيل فارة» و سمعت أنها امرأة من بني بكر. انتهى من تاريخ الأزرقي.

نقول: إن أمر مكة كان بيد خزاعة، ثم صار بيد قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم) كما بينا ذلك في محله، لكن خزاعة لم تبن الكعبة، و إنما أدارت حولها هذا البناء الذي ذكره الأزرقي ليحصنوها من السيل، و قصي بنى الكعبة و لم يتعرض للبناء الذي حولها الذي عملته خزاعة حتى إذا بنت قريش الكعبة لم يبق لبناء خزاعة من أثر كما هو صريح عبارة الأزرقي.

20

و نرى أن ارتفاع بناء خزاعة حول الكعبة و حجر إسماعيل كان نحو قامة واحدة، أي بقدر ما يرتفع السيل في ذلك الزمن فإنه لم يكن ليرتفع أكثر من ذلك لأن حول الكعبة كان منخفضا و واد، بخلاف زماننا كما هو مشاهد، أما ارتفاع الكعبة فعلى ما جعله إبراهيم عليه الصلاة و السلام أي تسعة أذرع، و كان لبناء خزاعة باب لاصق بالأرض كباب الكعبة و بابه مقابل لبابها فهذا هو المعقول لدى التأمل.

و نرى أيضا: أن بين بناء خزاعة و الكعبة نحو نصف مقدار المطاف الآن، أي كانت خزاعة تطوف داخل البناء المحيط بالكعبة التي عملته لتحصينها من السيل، إذ لا يعقل أن تلصقه بالكعبة كما لا يعقل أن تبعد به عنها كثيرا، فتأمل جيدا يظهر لك صواب ما قلناه إن شاء اللّه تعالى فإنك لا تجد هذا المبحث في كتاب.

و اللّه أعلم بالغيب.

البناية السابعة: بناء قصي بن كلاب الكعبة

جاء في تاريخ الغازي ما نصه: و أما بناء قصي فقال في الإعلام: ذكر الزبير بن بكار قاضي مكة في كتاب النسب أن قصي بن كلاب لما ولي أمر البيت جمع نفقته ثم هدم الكعبة فبناها بنيانا لم يبنها أحد ممن بناها قبله مثلها و ذكر أبو عبد اللّه محمد بن عايد الدمشقي في مفاذيه أن قصي بن كلاب بنى البيت الشريف و جزم بها الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية فإنه قال فيها: أول من جدد بناء الكعبة من قريش لبعد إبراهيم قصي بن كلاب و سقفها بخشب الدوم و جريد النخل.

انتهى من تاريخ الغازي.

و جاء في تاريخ الكعبة المعظمة عند الكلام على بناء قصي: أنه بناها على خمسة و عشرين ذراعا، و سقفها بخشب الدوم الجيد و بجريد النخل. اه.

يقول الفاسي (رحمه اللّه تعالى): قوله أنه بناها على خمسة و عشرين ذراعا، فيه نظر، و نحن نقول: يمكننا أن نفسر هذا المقدار من الأذرع في الارتفاع فقط، لأن الزيادة في ارتفاع الكعبة لا بأس فيه، لكن الزيادة في الطول و العرض أي في قواعد إبراهيم (عليه السلام) التي هي الأساس ممنوعة منعا باتا، و لم تقع الزيادة في القواعد مطلقا قط، في جميع البنايات التي وقعت في الكعبة زادها اللّه شرفا و تعظيما و مهابة و تكريما.

21

و قصي هو الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم) كان قبل الهجرة بنحو مائة و ثلاثين سنة، تولى أمر مكة فأطاعه قومه و كان بيده أمور مكة الستة التي هي: الحجابة و الرفادة و السقاية و الندوة و اللواء و القيادة، و هو الذي جمع قومه بطون قريش و أمرهم أن يبنوا بيوتهم حول الكعبة و قسم جهاتها بينهم. و ستأتي ترجمته مفصلة إن شاء اللّه تعالى.

ترجمة قصي بن كلاب‏

لما كان قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم)، و هو قد بنى الكعبة المشرفة بعد جرهم، صار من الواجب علينا ذكر شي‏ء من ترجمته ملخصا من كتاب" حياة سيد العرب" للشيخ حسين عبد اللّه باسلامة و من تاريخ الأزرقي رحمهما اللّه تعالى و إليك شي‏ء من ذلك:

قصي اسمه زيد و يقال له مجمع لأنه جمع قبائل قريش بعد تفرقها، و هو ابن كلاب و اسمه حكيم و لقب بكلاب لأنه كان يصطاد بها، و اسم أمه فاطمة بنت سعد بن سيل (و في الأزرقي: فاطمة بنت عمرو بن سعد بن سيل) و نظن أن عمرو سقط سهوا من كتاب حياة سيد العرب.

فلما هلك كلاب ترك قصيا و أخاه زهرة مع أمهما فاطمة بنت عمرو بن سعد بن سيل، ثم تزوجت أمهما فاطمة على ربيعة بن حرام القضاعي و قصي فطيم أو على سن الفطام و أما أخوه زهرة فرجل بالغ، فاحتمل ربيعة زوجته فاطمة مع ولدها قصي إلى بلاده من أرض بني عذرة من أشراف الشام، و تخلف زهرة في قومه، و شب قصي في حجر ربيعة لا يعلم لنفسه أبا غير ربيعة و لا ينتمي إلا إليه، فلما صار غلاما يفعة سابّه رجل من قضاعة فعيره بالدعوة و قال له:

لست منا و إنما أنت فينا ملصق، فدخل على أمه و قد وجد في نفسه مما قال له القضاعي فقالت له: يا بني صدق إنك لست منهم و لكن رهطك خير من رهطه و آباؤك أشرف من آبائه و إنما أنت قرشي و أخوك و بنو عمك بمكة و هم جيران بيت اللّه الحرام، فأجمع قصي على الخروج إلى قومه و اللحاق بهم و كره الغربة في أرض قضاعة، فقالت له أمه: يا بني لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام فتخرج في حاج العرب فإني أخشى عليك أن يصيبك بعض البأس. فبقي حتى خرج حاج قضاعة، فخرج معهم حتى قدم مكة فلما فرغ من الحج أقام‏

22

بها، و كان رجلا جليلا نسيبا فعرفت قريش قدره و فضله و عظمته و أقرت له بالرئاسة و السؤدد، و كان أبعدها رأيا و أصدقها لهجة و أوسعها بذلا و أبينها عفافا.

فخطب قصي إلى حليل بن حبشية بن سلول الخزاعي ابنته حبى فعرف حليل نسبه و رغب في الرجل فزوجه، و حليل يومئذ يلي الكعبة و أمر مكة، فأقام قصي معه حتى ولدت حبى لقصي عبد الدار و هو أكبر ولده، و عبد مناف، و عبد العزى، و عبدا بني قصي.

فكان حليل يفتح البيت فإذا اعتل أعطى ابنته حبى المفتاح فإذا اعتلت أعطت المفتاح زوجها قصيا أو بعض ولدها فيفتحه، فلما حضرت حليلا الوفاة نظر إلى قصي و إلى ما انتشر له من الولد من ابنته فرأى أن يجعلها في ولد ابنته فدعا قصيا فجعل له ولاية البيت و أسلم إليه المفتاح و كان يكون عند حبّى، فلما هلك حليل أبت خزاعة أن تدعه و ذاك أخذوا المفتاح من حبى فمشى قصي إلى رجال من قومه من قريش و بني كنانة و دعاهم إلى أن يقوموا معه في ذلك و أن ينصروه و يعضدوه فأجابوه إلى نصره، و أرسل قصي إلى أخيه لأمه رزاح بن ربيعة و هو ببلاد قومه من قضاعة يدعوه إلى نصره و يعلمه ما حالت خزاعة بينه و بين ولاية البيت و يسأله الخروج إليه بمن أجابه من قومه، فقام رزاح في قومه و أجابوه إلى ذلك، فخرج رزاح بن ربيعة و معه إخوته من أبيه حن و محمود و جلهمة بنو ربيعة بن حرام فيمن تبعهم من قضاعة في حاج العرب مجتمعين لنصر قصي و القيام معه.

فلما اجتمع الناس بمكة خرجوا إلى الحج فوقفوا بعرفة و بجمع و نزلوا منى، و قصي مجمع على ما أجمع عليه من قتالهم بمن معه من قريش و بني كنانة و من قدم عليه مع أخيه رزاح من قضاعة، فلما كان آخر أيام منى أرسلت قضاعة إلى خزاعة يسألونهم أن يسلموا إلى قصي ما جعل له حليل و عظموا عليهم القتال في الحرم و حذروهم من الظلم و البغي بمكة و ذكروهم ما كانت فيه جرهم و ما صارت إليه حين ألحدوا فيه بالظلم و البغي، فأبت خزاعة أن تسلم ذلك فاقتتلوا بمفضى مأزمي منى، قال: فسمي ذلك المكان المفجر لما فجر فيه و سفك فيه الدماء «و المفجر معروف إلى اليوم بمنى» فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا، و حاج العرب من مصر و اليمن مستكفون ينظرون إلى قتالهم.

ثم تداعوا إلى الصلح و دخلت قبائل العرب بينهم و عظموا على الفريقين سفك الدماء و الفجور في الحرم، فاصطلحوا على أن يحكموا بينهم رجلا من العرب فيما

23

اختلفوا فيه، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن عامر، و كان رجلا شريفا فقال لهم موعدكم فناء الكعبة غدا، فلما اجتمع إليه الناس بفناء الكعبة قام يعمر بن عوف فقال: ألا إني شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدمي هاتين فلا تباعة لأحد على أحد في دم، و إني قد حكمت لقصي بحجابة الكعبة و ولاية أمر مكة دون خزاعة لما جعل له حليل و أن يخلي بينه و بين ذلك، و أن لا تخرج خزاعة عن مساكنها من مكة.

فسلمت ذلك خزاعة لقصي و عظموا سفك الدماء في الحرم، و افترق الناس، فولي قصي بن كلاب حجابة الكعبة و أمر مكة و جمع قومه من قريش من منازلهم إلى مكة يستعز بهم و تملك على قومه فملكوه و خزاعة مقيمة بمكة على رباعهم و سكناتهم لم يحركوا و لم يخرجوا منها فلم يزالوا على ذلك حتى الآن.

فكان قصي أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا و أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة و الرفادة و السقاية و الندوة و اللواء و القيادة، فحاز قصي شرف مكة و أنشأ دار الندوة، و فيها كانت قريش تقضي و لم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصي إلا ابن أربعين سنة للمشورة، و كان يدخلها ولد قصي أجمعون.

و قبل قصي كانت القبائل من عمالقة و جرهم و خزاعة و قريش و غيرهم، يسكنون في شعاب مكة و يتركون حول الكعبة احتراما لها و تعظيما لشأنها فلا يجترئ أن بيني أحد بجوارها دارا و لا جدارا.

فلما آل الأمر إلى قصي بن كلاب و استولى على مكة و على مفتاح الكعبة من خزاعة، جمع قومه بطون قريش و أمرهم أن بينوا حول الكعبة بيوتا من جهاتها الأربعة حيث كانوا يقطنون بظاهر مكة و لا يقيمون بها إلا نهارا و لا يدخلونها على جنابة، فإذا أمسوا خرجوا إلى الحل، فقال لهم قصي: إن سكنتم حول البيت هابتكم الناس و لم تستحل قتالكم و الهجوم عليكم، فبدأ قصي أولا فبنى دار الندوة، ثم قسم باقي الجهات بين القبائل من قريش فبنت دورها حول الكعبة المعظمة و قد تركوا للطائفين مقدار المطاف الآن و جعلوا ارتفاع بيوتهم أقل من ارتفاع الكعبة احتراما و تعظيما لها.

و في قصي حين جمع قومه يقول القائل:

أبوكم قصي كان يدعى مجمعا* * * به جمع اللّه القبائل من فهر

و أنتم بنو زيد و زيد أبوكم‏* * * به زيدت البطحاء فخرا على فخر

24

و قصي هو أول من حفر بئرا يقال له العجول كان موضوعها في دار أم هانئ بنت أبي طالب بالحزورة «بباب الوداع» و قد دخلت هذه البئر مع دار أم هانئ في المسجد الحرام في زيادة المهدي، على أن قصيا حفر آبارا عديدة بمكة و كان الماء بها غزيرا و الناس يشربون من آبار خارجة عن الحرم، و البئر المنسوبة إلى جبير بن مطعم التي عند مسجد الراية بالجودية أول من حفرها قصي ثم دثرت.

انتهى كل ذلك ملخصا من تاريخ الأزرقي و من حياة سيد العرب.

قال إبراهيم رفعت باشا في الجزء الأول من كتابه «مرآة الحرمين» بصحيفة 152: كان ظهور قصي بن كلاب حوالي منتصف القرن الخامس الميلادي. فعلى هذا القول و إذا قدرنا أيضا أن قصيا ظهر سنة (450) ميلادية يكون ظهوره قبل الهجرة بمائة و ثلاثين سنة و هذا هو المعقول، و لكن التقدير المضبوط اللّه أعلم به.

البناية الثامنة: بناء قريش الكعبة

نذكر أولا سبب بناء قريش الكعبة نقلا عن تاريخ الغازي، (رحمه اللّه تعالى) فقد قال فيه ما نصه: و أما بناء قريش الكعبة، فقال في الإعلام: قال خاتمة الحفاظ و المحدثين الشيخ محمد الصالحي، (رحمه اللّه تعالى)، في كتاب «سبيل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد» و هو أحسن كتاب للمتأخرين و أبسطه في السيرة النبوية: أن امرأة جمرت الكعبة بالبخور فطارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة فاحترق أكثر أخشابها و دخلها سيل عظيم فتصدعت جدرانها بعد توهينها فأرادوا أن يشدوا بنيانها و يرفعوا بابها حتى لا يدخلها إلا من شاؤا، و كان البحر قد رمى بسفينة إلى ساحل جدة لتاجر رومي اسمه باقوم و كان بناءا نجارا فخرج الوليد بن المغيرة في نفر قريش إلى جدة فابتاعوا خشب السفينة و كلموا باقوم الرومي أن يقدم معهم إلى مكة فقدم إليها و أخذوا أخشاب السفينة أعدوها لسقف الكعبة الشريفة. قال الأموي: كانت هذه السفينة لقيصر ملك الروم و يحمل فيها الرخام و الخشب و الحديد مع باقوم إلى الكنيسة التي أحرقها الفرس بالحبشة فلما بلغت قريب مرسى جدة بعث اللّه عليها ريحا فحطمتها. انتهى.

قال ابن إسحاق: و كان بمكة قبطي يعرف بنجر الخشب و تسويته فوافقهم أن يعمل لهم سقف الكعبة و يساعده باقوم. انتهى ما في الإعلام.

25

و إن شاء اللّه تعالى سنذكر ترجمة باقوم الرومي بعد ترجمة الوليد بن المغيرة في آخر هذا المبحث.

ثم قال الغازي أيضا: و في الجامع اللطيف روي أن امرأة ذهبت تجمر الكعبة فطارت شرارة من مجمرتها فاحترقت كسوتها و كانت ركاما بعضها فوق بعض فحصل في الأحجار تصدع و وهن ثم تواترت السيول بعد ذلك فجاء سيل عظيم فدخل البيت فازداد تصدع الجدران ففزعت قريش لذلك فزعا شديدا و هابوا هدمها و خافوا إن مسوها أن ينزل عليهم العذاب فبينما هم على تلك الحال يتشاورون إذ أقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانت بمحل يقال له الشعيبة بضم الشين المعجمة و هي يومئذ ساحل مكة قبل جدة انكسرت فلما انكسرت السفينة بالشعيبة و بلغ ذلك قريشا فقصدوها و اشتروا أخشابها و أذنوا لأهلها أن يدخلوا مكة فيبيعون ما معهم من المتاع على أن لا يعشروهم، قال: و كانوا قبل ذلك يعشرون من دخلها من تجار الروم و كانت الروم تعشر قريشا إذا دخلوا بلادهم و يروى أن قريشا لما هابوا هدمها قال الوليد: إن اللّه لا يهلك من يريد الصلاح فارتقى على ظهرها و معه الناس ثم هدم فلما رأوه سالما تابعوه. و في بعض الروايات أن قريشا كلما أرادوا هدم البيت بدت لهم حية فاتحة فاها فبعث اللّه طيرا أعظم من النسر فغرز مخاليبه فيها و ألقاها نحو أجياد فهدمتها قريش و بنوها بحجارة الوادي. انتهى.

ثم قال الغازي: و في الإعلام: و كانت حية عظيمة تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى إلى الكعبة تشرف على جدار الكعبة لا يدنو منها أحد إلا نشت و فتحت فاها و كانوا يهابونها و يزعمون أنها تحفظ الكعبة و هداياها و أن رأسها كرأس الجدي و ظهرها و بطنها أسود و أنها قامت فيها خمسمائة سنة.

قال ابن عيينة: فبعث اللّه طائرا فاختطفها و ذهب بها فقالت قريش نرجو أن يكون اللّه تعالى رضي لنا بما أردنا فعله فأجمع رأيهم على هدمها و بنائها. قال ابن هشام: فتقدم عائد بن عمران بن مخزوم و هو خال النبي (صلى الله عليه و سلم)، فتناول حجرا من الكعبة فوثب من يده حتى رجع إلى مكانه فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من مالكم إلا حلالا طيبا ليس فيه مهر بغي و لا ربا و لا مظلمة.

ثم إن قريشا اقتسمت جوانب البيت فكان شق الباب لبني زهرة و بني عبد مناف و ما بين الركن الأسود و الركن اليماني لبني مخزوم و من انضم إليهم من‏

26

قريش و كان ظهر الكعبة لبني جمح و بني سليم و كان شق الحجر لبني عبد الدار و بني أسد بن عبد العربي و بني عدي بن كعب و جمعوا الحجارة و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ينقل معهم حتى انتهى الهدم إلى الأساس فأفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة فضربوا عليها بالمعول فخرج برق يكاد أن يخطف البصر فانتهوا عند ذلك الأساس. انتهى.

ثم قال الغازي: و في تحصيل المرام حتى انتهى بهم الهدم إلى أساس إبراهيم (عليه السلام)، فأفضوا إلى حجارة كالأسنمة إلى أسنمة الإبل فأدخل رجل بمن كان يهدم عتلة بين حجرين ليقلع بها بعضها فلما تحرك الحجر انتفضت مكة أي تحركت بأسرها و أبصر القوم برقة خرجت من تحت الحجر كادت تخطف بصر الرجل فانتهوا عن ذلك الأساس. انتهى من تاريخ الغازي.

جاء في تاريخ الكعبة المعظمة: قال الزبير بن عبد المطلب فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها ما يأتي:

عجبت بأن تسلطت العقاب‏* * * على الثعبان و هي لها اضطراب‏

و قد كانت يكون لها كشيش‏* * * و أحيانا يكون لها و ثاب‏

إذا قمنا إلى التأسيس شدت‏* * * تهيبنا البناء و قد تهاب‏

فلما أن خشينا الرجز جاءت‏* * * عقاب تتلئب لها انصباب‏

فضمتها إليها ثم خلت‏* * * لنا البنيان ليس لها حجاب‏

فقمنا حاشدين إلى بناء* * * لنا منه القواعد و التراب‏

غداة نرفع التأسيس فيه‏* * * و ليس على مساوينا ثياب‏

أعز به المليك بني لؤي‏* * * فليس لأصله منهم ذهاب‏

و قد حشدت هناك بنو عدي‏* * * و مرة قد تقدمها كلاب‏

فبوأنا المليك بذاك عزا* * * و عند اللّه يلتمس الثواب‏

و جاء في تاريخ الأزرقي عند ذكر بناء قريش الكعبة ما نصه: حدثني جدي قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن أبي نجيح عن أبيه قال: جلس رجال من قريش في المسجد الحرام فيهم حويطب بن عبد العزى و مخرمة بن نوفل فتذاكروا بنيان قريش الكعبة و ما هاجهم على ذلك و ذكروا كيف كان بناؤها قبل ذلك قالوا: كانت الكعبة مبنية برضم يابس ليس بمدر و كان بابها بالأرض و لم‏

27

يكن لها سقف و إنما تدلى الكسوة على الجدر من خارج و تربط من أعلى الجدر من بطنها و كان في بطن الكعبة عن يمين من دخلها جب يكون فيه ما يهدى إلى الكعبة من مال و حلية كهيئة الخزانة و كان يكون على ذلك الجب حية تحرسه بعثها اللّه منذ زمن جرهم و ذلك أنه عدا على ذلك الجب قوم من جرهم فسرقوا مالها و حليتها مرة بعد مرة فبعث اللّه تلك الحية فحرست الكعبة و ما فيها خمسمائة سنة فلم تزل كذلك حتى بنت قريش الكعبة و كان قرنا الكبش الذي ذبحه إبراهيم خليل الرحمن معلقين في بطنها بالجدر تلقاء من دخلها، يخلقان و يطيبان إذا طيب البيت فكان فيها معاليق من حلية كانت تهدى إلى الكعبة فكانت على ذلك من أمرها، ثم إن امرأة ذهبت تجمر الكعبة فطارت من مجمرتها شرارة فاحترقت كسوتها و كانت الكسوة عليها ركاما بعضها فوق بعض فلما احترقت الكعبة توهنت جدرانها من كل جانب و تصدعت و كانت الخرف الأربعة عليهم مظللة و السيول متواترة، و لمكة سيول عوارم فجاء سيل عظيم على تلك الحال فدخل الكعبة و صدع جدرانها و أخافهم ففزعت قريش فزعا شديدا و هابوا هدمها و خشوا إن مسوها أن ينزل عليهم العذاب.

قال: فبينا هم على ذلك يتناظرون و يتشاورون إذ أقبلت سفينة للروم حتى إذا كانت بالشعيبة و هي يومئذ ساحل مكة قبل جدة انكسرت فسمعت قريش فركبوا إليها فاشتروا خشبها و أذنوا لأهلها أن يدخلوا مكة فيبيعون ما معهم من متاعهم على أن لا يعشروهم، قال: و كانوا يعشرون من دخلها من تجار الروم كما كانت الروم تعشر من دخل منهم بلادها، فكان في السفينة رومي نجار بناء يسمى «باقوم» فلما قدموا بالخشب مكة قالوا: لو بنينا بيت ربنا فأجمعوا لذلك و تعاونوا عليه و ترافدوا في النفقة و ربعوا قبائل قريش أرباعا ثم اقترعوا عند هبل في بطن الكعبة على جوانبها، فطار قدح بني عبد مناف و بني زهرة على الوجه الذي فيه الباب و هو الشرقي، و قدح بني عبد الدار و بني أسد بن عبد العزى و بني عدي بن كعب على الشق الذي يلي الحجر و هو الشق الشامي، و طار قدح بني سهم و بني جمح و بني عامر بن لؤي على ظهر الكعبة و هو الشق الغربي، و طار قدح بني تيم و بني مخزوم و قبائل من قريش ضموا معهم على الشق اليماني الذي يلي الصفا و أجياد. نقول: باقوم المذكور هو بالقاف، و بعضهم ينطقها بالخاء، و اليونانيون يقولون «باكاموس» و سيأتي إن شاء اللّه تعالى الكلام على ذلك عند ترجمة باقوم المذكور.

28

ثم قال الأزرقي: فنقلوا الحجارة و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحي ينقل معهم الحجارة على رقبته فبينا هو ينقلها إذ انكشفت نمرة كانت عليه فنودي: يا محمد عورتك، و ذلك أول ما نودي و اللّه أعلم، فما رؤيت لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عورة بعد ذلك و لبج رسول اللّه من الفزع حين نودي، فأخذه العباس بن عبد المطلب فضمه إليه و قال: لو جعلت بعض نمرتك على عاتقك تقيك الحجارة، قال: ما أصابني هذا إلا من التعري، فشد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إزاره و جعل ينقل معهم و كانوا ينقلون بأنفسهم تبررا و تبركا بالكعبة. فلما اجتمع لهم ما يريدون من الحجارة و الخشب و ما يحتاجون إليه عدوا على هدمها، فخرجت الحية التي كانت في بطنها تحرسها سوداء الظهر، بيضاء البطن، رأسها مثل رأس الجدي، تمنعهم كلما أرادوا هدمها. فلما رأوا ذلك اعتزلوا عند مقام إبراهيم و هو يؤمئذ بمكانه الذي هو فيه اليوم فقال لهم الوليد بن المغيرة: يا قوم ألستم تريدون بهدمها الإصلاح؟ قالوا: بلى، قال: فإن اللّه لا يهلك المصلحين و لكن لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلا من طيب أموالكم و لا تدخلوا فيه مالا من ربا، و لا مالا من ميسر، و لا مهر بغي، و جنبوه الخبيث من أموالكم فإن اللّه لا يقبل إلا طيبا ففعلوا ثم وقفوا عند المقام فقاموا يدعون ربهم و يقولون: اللهم إن كان لك في هدمها رضا فأتمه و أشغل عنا هذا الثعبان. فأقبل طائر من جو السماء كهيئة العقاب ظهره أسود و بطنه أبيض، و رجلاه صفروان و الحية على جدر البيت فاغرة فاها، فأخذ برأسها ثم طار بها حتى أدخلها أجياد الصغير. فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون اللّه سبحانه و تعالى قد رضي عملكم و قبل نفقتكم فاهدموه.

فهابت قريش هدمه و قالوا: من يبدأ فيهدمه؟ فقال الوليد بن المغيرة- سنذكر ترجمة الوليد ابن المغيرة في آخر هذا المبحث- أنا أبدؤكم في هدمه، أنا شيخ كبير فإن أصابني أمر كان قد دنا أجلي و إن كان غير ذلك لم يرزأني، فعلا البيت و في يده عتلة يهدم بها، فتزعزع من تحت رجله حجر فقال: اللهم لم ترع؟ إنما أردنا الإصلاح و جعل يهدمه حجر حجرا بالعتلة فهدم يومه ذلك فقالت قريش: إنا نخاف أن ينزل به العذاب إذا أمسى. فلما أمسى لم تر بأسا، فأصبح الوليد بن المغيرة غاديا على عمله، فهدمت قريش معه حتى بلغوا الأساس الأول الذي رفع عليه إبراهيم و إسماعيل القواعد من البيت، فأبصروا حجارة كأنها الإبل الخلف لا يطيق الحجر منها ثلاثون رجلا، يحرك الحجر منها فترتج جوانبها، قد تشبك بعضها ببعض، فأدخل الوليد بن المغيرة عتلته بين الحجرين فانفلقت منه فلقة

29

عظيمة فأخذها أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فنزت من يده حتى عادت في مكانها و طارت من تحتها برقة كادت أن تخطف أبصارهم و رجفت مكة بأسرها، فلما رأوا ذلك أمسكوا عن أن ينظروا ما تحت ذلك فلما جمعوا ما أخرجوا من النفقة قلت النفقة عن أن تبلغ لهم عمارة البيت كله، فتشاوروا في ذلك فأجمع رأيهم على أن يقصروا عن القواعد و يحجروا ما يقدرون عليه من بناء البيت و يتركوا بقيته في الحجر عليه جدار مدار يطوف الناس من ورائه. ففعلوا ذلك و بنوا في بطن الكعبة أساسا يبنون عليه من شق الحجر و تركوا من ورائه من فناء البيت في الحجر ستة أذرع و شبرا، فبنوا على ذلك، فلما وضعوا أيديهم في بنائها قالوا: ارفعوا بابها من الأرض و اكبسوها حتى لا تدخلها السيول و لا ترقى إلّا بسلم و لا يدخلها إلا من أردتم، إن كرهتم أحدا دفعتموه، ففعلوا ذلك و بنوها بساف من حجارة، و ساف من خشب بين الحجارة حتى انتهوا إلى موضع الركن، فاختلفوا في وضعه و كثر الكلام فيه، و تنافسوا في ذلك. فقالت بنو عبد المناف و زهرة: هو في الشق الذي وقع لنا. و قالت تيم و مخزوم: هو في الشق الذي وقع لنا. و قالت سائر القبائل: لم يكن الركن مما استهمنا عليه.

فقال أبو أمية بن المغيرة: يا قوم إنما أردنا البر، و لم نرد الشر فلا تحاسدوا، و لا تنافسوا فإنكم إذا اختلفتم تشتت أموركم، و طمع فيكم غيركم و لكن حكموا بينكم أول من يطلع عليكم من هذا الفج. قالوا: رضينا و سلمنا، فطلع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقالوا: هذا الأمين قد رضينا به، فحكموه، فبسط رداءه ثم وضع فيه الركن فدعا من كل ربع رجلا فأخذوا بأطراف الثوب فكان من بني عبد مناف عتبة بن ربيعة و كان في الربع الثاني أبو زمعة بن الأسود، و كان أسن القوم، و في الربع الثالث العاصي بن وائل، و في الربع الرابع أبو حذيفة بن المغيرة فرفع القوم الركن و قام النبي (صلى الله عليه و سلم) على الجدر ثم وضعه بيده فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي (صلى الله عليه و سلم) حجرا ليشد به الركن، فقال العباس بن عبد المطلب: لا! فناول العباس النبي (صلى الله عليه و سلم) حجرا فشد به الركن فغضب النجدي حيث نحى، فقال النجدي:

و اعجباه لقوم أهل شرف و عقول و سن و أموال عمدوا إلى أصغرهم سنا، و أقلهم مالا فرأسوه عليهم في مكرمتهم و حوزهم كأنهم خدم له. أما و اللّه ليفوتنهم سبقا و ليقسمن عليهم حظوظا و جدودا و يقال: إنه إبليس.

30

فبنوا حتى رفعوا أربعة أذرع و شبرا، ثم كبسوها و وضعوا بابها على هذا الذرع و رفعوها بمدماك خشب و مدماك حجارة حتى بلغوا السقف. فقال لهم باقوم الرومى: أتحبون أن تجعلوا سقفها مكبسا أو مسطحا؟ فقالوا: بل ابن بيت ربنا مسطحا. قال: فبنوه مسطحا و جعلوا فيه ست دعائم في صفين في كل صف ثلاث دعائم من الشق الشامي الذي يلي الحجر إلى الشق اليماني و جعلوا ارتفاعها من خارجها من الأرض إلى أعلاها ثمانية عشر ذرعا و كانت قبل ذلك تسعة أذرع فزادت قريش في ارتفاعها في السماء تسعة أذرع أخر، و بنوها من أعلاها إلى أسفلها بمدماك من حجارة و مدماك من خشب، و كان الخشب خمسة عشر مدماكا و الحجارة ستة عشر مدماكا و جعلوا ميزابها يسكب في الحجر و جعلوا درجة من خشب في بطنها في الركن الشامي يصعد منها إلى ظهرها، و زوقوا سقفها و جدرانها من بطنها و دعائمها و جعلوا في دعائمها صور الأنبياء، و صور الشجر، و صور الملائكة، فكان فيها صورة إبراهيم خليل الرحمن، شيخ يستقسم بالأزلام، و صورة عيسى بن مريم و أمه، و صورة الملائكة (عليهم السلام) أجمعين ...

فلما كان يوم فتح مكة دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) البيت، فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم ثم أمر بثوب و أمر بطمس تلك الصور، فطمست. قال: و وضع كفيه على صورة عيسى بن مريم و أمه (عليهما السلام) و قال: امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدي فرفع يديه عن عيسى بن مريم و أمه و نظر إلى صورة إبراهيم فقال: قاتلهم اللّه جعلوه يستقسم بالأزلام، ما لإبراهيم و للأزلام، و جعلوا لها بابا واحدا فكان يغلق و يفتح، و كانوا قد أخرجوا ما كان في البيت من حلية و مال و قرني الكبش و جعلوه عند أبي طلحة عبد اللّه بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي و أخرجوا هبل و كان على الجب الذي فيه نصبه عمرو بن لحي هنالك و نصب عند المقام حتى فرغوا من بناء البيت فردوا ذلك المال في الجب و علقوا فيه الحلية و قرني الكبش وردوا الجب في مكانه فيما يلي الشق الشامي و نصبوا هبل على الجب كما كان قبل ذلك و جعلوا له سلما يصعد عليه إلى بطنها و كسوها حين فرغوا من بنائها حبرات يمانية. انتهى.

و لقد ورد في صحيح البخاري، نقل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الحجارة للكعبة في بناء قريش، في باب مناقب الأنصار في باب بنيان الكعبة بما نصه: عن جابر بن عبد اللّه، رضي اللّه عنهما، قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي (صلى الله عليه و سلم) و عباس ينقلان‏

31

الحجارة، فقال عباس للنبي (صلى الله عليه و سلم): اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة فخر إلى الأرض، و طمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق فقال: إزاري إزاري فشد عليه إزاره.

حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار و عبيد اللّه بن أبي يزيد قالا: لم يكن على عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) حول البيت حائط كانوا يصلون حول البيت حتى كان عمر، فبنى حوله حائطا قال عبيد اللّه: جدره قصير فبناه ابن الزبير. انتهى.

و مسألة سقوط النبي (صلى الله عليه و سلم) مغشيا عليه لانكشاف عورته، قد وردت في الصحيحين فعن جابر بن عبد اللّه، رضي اللّه تعالى عنهما، قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ينقل معهم الحجارة للكعبة و عليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة، قال: فحله فجعله على منكبيه، فسقط مغشيا عليه، فما رؤي بعد ذلك عريانا (صلى الله عليه و سلم). رواه البخاري و مسلم.

قال شيخنا المحدث الشهير الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) في شرحه على كتابه «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عند هذا الحديث في الجزء السادس من الكتاب المذكور ما يأتي:

(فإن قيل): كيف الجمع بين حديث المتن و ما ذكره ابن إسحاق في السيرة من أنه عليه الصلاة و السلام تعرى و هو صغير عند حليمة، فلكمه لاكم فلم يعد يتعرى بعد ذلك.

(أجيب) بأنه إن ثبت ما ذكره ابن إسحاق، حمل على نفي التعري لغير ضرورة عادية، و حمل الذي في حديث المتن على الضرورة العادية و النفي فيها على الإطلاق، أو يتقيد بالضرورة الشرعية كحالة النوم مع الزوجة أحيانا.

و في هذا الحديث منع التعري بحضرة الناس إلا ما رخص فيه شرعا من رؤية الزوجات لأزواجهن عراة، و فيه أيضا أنه عليه الصلاة و السلام صانه اللّه على كل ما يستقبح قبل البعثة كما صانه عن ذلك بعدها.

ثم قال (رحمه اللّه تعالى): و كان عمره (صلى الله عليه و سلم) في ذلك الوقت خمسا و ثلاثين سنة، و قيل كان ذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة، و قيل: كان عمره عليه‏

32

الصلاة و السلام إذ ذاك خمس عشرة سنة. انتهى باختصار من الجزء السادس من كتاب زاد المسلم المذكور.

قال الأزرقي: حدثني جدي قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن حويطب بن عبد العزى قال: كانت في الكعبة حلق أمثال لجم البهم يدخل الخائف فيها يده فلا يربيه أحد، فجاء خائف ليدخل يده فاجتذبه رجل فشلت يده فلقد رأيته في الإسلام و إنه لأشل.

حدثني جدي قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج قال: سأل سليمان بن موسى الشامي عطاء بن أبي رباح و أنا أسمع أدركت في البيت تمثال مريم و عيسى قال: نعم أدركت فيها تمثال مريم مزوقا في حجرها عيسى ابنها قاعدا مزوقا. قال: و كانت في البيت أعمدة ست سواري وصفها كما نقطت في هذا التربيع:

قال: و كان تمثال عيسى بن مريم و مريم (عليهما السلام)، في العمود الذي يلي الباب. قال ابن جريج: فقلت لعطاء: متى هلك؟ قال: في الحريق في عصر ابن الزبير و قلت: أعلى عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) كان؟ قال: لا أدري و إني لأظنه قد كان على عهد النبي (صلى الله عليه و سلم). قال له سليمان: أفرأيت تماثيل صور كانت في البيت، من طمسها؟ قال: لا أدري غير أني أدركت من تلك الصور اثنين درسهما و اراهما و الطمس عليهما. قال ابن جريج: ثم عاودت عطاء بعد حين فخط لي ست سواري كما خططت ثم قال: تمثال عيسى و أمه (عليهما السلام) في الوسطى من اللاتي تلين الباب الذي يلينا إذا دخلنا. قال ابن جريج: الذي خط هذا التربيع و نقط هذا النقط.

حدثني جدي قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن عن عمرو بن دينار قال: قال:

أدركت في بطن الكعبة قبل أن تهدم تمثال عيسى بن مريم و أمه. انتهى كل ما تقدم من تاريخ الأزرقي.

33

وضع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الحجر الأسود بيده في محلة الكعبة

جاء في تاريخ الأزرقي عند آخر الكلام على بناء قريش الكعبة في مسألة اختصامهم، أي القبائل ترفع الحجر الأسود لوضعه في محله في الكعبة ثم رضوا بحكم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما خلاصته:

قال أبو أمية بن المغيرة: يا قوم إنما أردنا البر، و لم نرد الشر فلا تحاسدوا، و لا تنافسوا. فإنكم إذا اختلفتم تشتت أموركم، و طمع فيكم غيركم، و لكن حكموا بينكم أول من يطلع عليكم من هذا الفج. قالوا: رضينا و سلمنا، فطلع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقالوا: هذا الأمين قد رضينا به، فحكموه، فبسط رداءه ثم وضع فيه الركن فدعا من كل ربع رجلا فأخذوا بأطراف الثوب (و ذكر الأزرقي أسماءهم) فرفع القوم الركن و قام النبي (صلى الله عليه و سلم) على الجدر ثم وضعه بيده، فبنوا حتى رفعوا أربعة أذرع و شبرا ثم كبسوها و وضعوا بابها مرتفعا على هذا الذرع .. إلى آخر الكلام.

و أبو أمية بن المغيرة المذكور هو الذي اقترح على قريش حين اختلفت على بنيان البيت و قال: يا معشر قريش لا تنافسوا و لا تباغضوا و لكن جزؤوا البيت أربعة أجزاء ثم ربعوا القبائل فلتكن أرباعا ثم اقترعوا عند هبل في بطن الكعبة على جوانبها فاختص كل قوم بجانب منها (و قد ذكر الأزرقي أسماءهم).

و في ذلك قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): أنا وضعت الركن بيدي يوم اختلفت قريش في وضعه. و عن ابن أبي تجراة عن أمه قالت: أنا أنظر إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يضع الركن بيده، فقلت: لمن الثوب الذي وضع فيه الحجر؟ قالت: للوليد بن المغيرة، و يقال: حمل الحجر في كساء طاروني كان للنبي (صلى الله عليه و سلم). و الوليد بن المغيرة هو الذي أول من ارتقى على جدر البيت عند هدمه و معه الفأس فقال: اللهم إنا لا نريد إلا الإصلاح ثم هدم فهمدت قريش معه بعد ذلك، و الوليد بن المغيرة أيضا هو الذي أدخل عتلته بين حجرين من الأساس الأول للبيت الذي رفع عليه إبراهيم و إسماعيل القواعد من البيت فانفلقت منه فلقة عظيمة فأخذها أبو وهب بن عمرو فنزت من يده حتى عادت في مكانها، و الوليد بن المغيرة أيضا هو الذي قال لقريش: لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلا من طيب أموالكم فلا تدخلوا فيه مالا من ربا و لا ميسر و لا مهر بغي ففعلوا حسب كلامه، و قيل قائله أبو أحيحة سعيد بن العاصي و اللّه تعالى أعلم.

34

و الوليد بن المغيرة هو أيضا كان أول من خلع الخف و النعل فلم يدخل البيت بهما إعظاما له و ذلك حينما فرغت قريش من بنائه فجرى ذلك سنة.

و قيل اسم القائل: حكموا بينكم من يطلع من هذا الباب حين اختلفت قريش في وضع الركن، هو أبو حذيفة بن المغيرة، و هو أيضا من النفر الذين رفعوا الثوب الذي وضع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيه الحجر الأسود و أبو حذيفة بن المغيرة هو الذي قال لقريش حين بناء الكعبة ارفعوا بابها من الأرض حتى لا يدخل عليكم إلا بسلم فإنه لا يدخل عليكم إلا من أردتم. انتهى مختصرا من الأزرقي.

قال الأزرقي: حدثني محمد بن يحيى عن الواقدي عن الوليد بن كثير عن يعقوب بن عتيبة قال: اجتمع عند معاوية بن أبي سفيان، و هو خليفة نفر من قريش منهم جعدة بن هبير، و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، و الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة، و عبد اللّه بن زمعة بن الأسود، فتذاكروا أحاديث العرب فقال معاوية: من الرجل الذي نزا الحجر من يده حين حفر أساس البيت حتى عاد مكانه؟ قالوا: من أعلم من أمير المؤمنين بهذا. قال: علي ذلك، ليس كل العلم و عيناه و لا حفظناه. لقد علمنا أمورا فنسيناها، قالوا جميعا: هو أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، قال معاوية: كذلك كنت أسمع من أبي و كان حاضرا في ذلك اليوم: قال: فمن قال حين اختلفت قريش في بنيان مقدم البيت: يا معشر قريش لا تنافسوا و لا تباغضوا فيطمع فيكم غيركم و لكن جزءوا البيت أربعة أجزاء ثم ربعوا القبائل فلتكن أرباعا؟ قالوا: إنه أبو أمية بن المغيرة، قال: هكذا كنت أسمع أبي يقول. قال: فمن القائل حين اختلفت قريش في وضع الركن حكموا بينكم أول من يطلع من هذا الباب؟ قال: أبو حذيفة بن المغيرة.

قال: نعم! قال: فمن النفر الذين رفعوا الثوب حين وضعه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:

جدك عتبة بن ربيعة أحدهم، قال: كذلك كنت أسمع أبي يقول. قال: فمن كان من الربع الثاني؟ قالوا: أبو زمعة بن الأسود بن المطلب قال: كذلك كنت أسمع أبي يقول. قال: فمن كان في الربع الثالث؟ قالوا: أبو حذيفة بن المغيرة. قال:

كذلك كنت أسمع أبي يقول. قال: فمن كان في الربع الرابع؟ قالوا: أبو قيس بن عدي السهمي، قال: هذه واحدة قد أخذتها عليكم العاصي بن وائل، قال:

فمن قال يا معشر قريش لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلا طيبا من كسبكم؟

35

قالوا: أبو حذيفة بن المغيرة، قال: هذه أخرى قد أخذتها عليكم القائل هذا و المتكلم به أبو أحيحة سعيد بن العاصي، قال: فأسكت القوم.

جاء في مرآة الحرمين لإبراهيم رفعت باشا ما يأتي:

لما اختلفت قريش فيمن يضع الحجر الأسود في محله حين بنائهم الكعبة و رضوا أن يحكموا بينهم أول رجل من باب المسجد، فكان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فرضوا به، فوضعه في ثوب و أخذ كل قبيلة بناحية حتى إذا بلغوا به موضعه أخذه هو بيده الشريفة و وضعه فيه ثم بنى عليه. و في ذلك يقول هبيرة بن وهب:

تشاجرت الأحياء في عضل حطه‏* * * جرت طيرهم بالخس من بعد أسعد

تلاقوا بها البغضاء بعد مودة* * * و أوقد نارا بينهم شر موقد

فلما رأينا الأمر قد جد جده‏* * * و لم يبق شي‏ء غير سل المهند

رضينا و قلنا العدل أول طالع‏* * * يجي‏ء من البطحاء من غير موعد

ففاجأنا هذا الأمين محمد* * * فقلنا رضينا بالأمين محمد

بخير قريش كلها أمس شيمة* * * و في اليوم مهما يحدث اللّه في غد

فجاء بأمر لم ير الناس مثله‏* * * أعم و أرضى في العواقب و اليد

أخذنا بأطراف الرداء و كلنا* * * له حقه من رفعه قبضة اليد

و قال ارفعوا حتى إذا ما علت به‏* * * أكفهم وافى به خير مسند

و كل رضينا فعله و صنيعه‏* * * فأعظم به من رأي هاد و مهتد

و تلك يد منه علينا عظيمة* * * يروح بها هذا الزمان و يفتدي‏

قال ابن كثير في تفسيره (رحمه اللّه تعالى) عند قوله تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ ما نصه:

ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل (عليه السلام) بمدد طويلة، و قبل مبعث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بخمس سنين، و قد نقل معهم في الحجارة و له من العمر خمس و ثلاثون سنة، (صلوات اللّه و سلامه عليه) دائما إلى يوم الدين.

قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: و لما بلغ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خمسا و ثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة و كانوا يهمون بذلك، ليسقفوها و يهابون هدمها، و إنما كانت رضما فوق القامة فأرادوا رفعها و تسقيفها، و ذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة و إنما كان يكون في بئر جوف الكعبة، و كان الذي‏

36

وجد عنده الكنز دويك مولى بني مليح بن عمرو من خزاعة فقطعت قريش يده، و يزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك، و كان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها، و كان بمكة رجل قبطي نجار فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، و كانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يهدى لها كل يوم فتشرف على جدار الكعبة و كانت مما يهابون، و ذلك أنه كان لا يدنوا منها أحد إلا احزألت و كشت و فتحت فاها فكانوا يهابونها، فبينا هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث اللّه تعالى إليها طائرا فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجوا أن يكون اللّه قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق و عندنا خشب و قد كفانا اللّه الحية، فلما أجمعوا أمرهم في هدمها و بنيانها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران ابن مخزوم فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغي و لا بيع ربا و لا مظلمة أحد من الناس، قال ابن إسحاق: و الناس ينتحلون هذا الكلام للوليد بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو ابن مخزوم.

قال: ثم إن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف و زهرة، و كان ما بين الركن الأسود و الركن اليماني لبني مخزوم و قبائل من قريش انضموا إليهم، و كان ظهر الكعبة لبني جمح و سهم، و كان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي و لبني أسد ابن عبد العزى بن قصي و لبني عدي بن كعب ابن لؤي و هو الحطيم، ثم إن الناس هابوا هدمها و فرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام عليها و هو يقول: اللهم لم ترع، اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة و قالوا ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا و رددناها كما كانت، و إن لم يصبه شي‏ء فقد رضي اللّه ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله فهدم و هدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضا، قال: فحدثني بعض من يروي الحديث أن جلا من قريش ممن كان يهدمها، ادخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر انتفضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك الأساس.

37

قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن يعني الحجر الأسود فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا و تخالفوا و أعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم و بنو عدي ابن كعب بن لؤي على الموت، و أدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا «لعقة الدم»، فمكثت قريش على ذلك أربع ليالي أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا و تناصفوا، فزعم أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم و كان عامئذ أسن قريش كلهم قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه، ففعلوا فكان أول داخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا هذا محمد، فلما انتهى إليهم و أخبروه الخبر قال (صلى الله عليه و سلم): هلم إلي ثوبا، فأتي به فأخذ الركن يعني الحجر الأسود فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده (صلى الله عليه و سلم) ثم بنى عليه، و كانت قريش تسمي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين، فلما فرغوا من البنيان و بنوها على ما أرادوا، قال الزبير بن عبد المطلب فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:

عجبت لما تصوبت العقاب‏* * * إلى الثعبان و هي لها اضطراب‏

و قد كانت يكون لها كشيش‏* * * و أحيانا يكون لها وثاب‏

إذا قمنا إلى التأسيس شدت‏* * * تهيبنا البناء و قد تهاب‏

فلما أن خشينا الرجز جاءت‏* * * عقاب تتلئب لها انصباب‏

فضمتها إليها ثم خلت‏* * * لنا البنيان ليس لها حجاب‏

فقمنا حاشدين إلى بناء* * * لنا منه القواعد و التراب‏

غداة نرفع التأسيس منه‏* * * و ليس على مساوينا ثياب‏

أعز به المليك بني لؤي‏* * * فليس لأصله منهم ذهاب‏

و قد حشدت هناك بنو عدي‏* * * و مرة قد تقدمها كلاب‏

فبوأنا المليك بذاك عزا* * * و عند اللّه يلتمس الثواب‏

38

قال ابن إسحاق: و كانت الكعبة على عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) ثماني عشر ذراعا، و كانت تكسى القباطي ثم كسيت بعد البرود، و أول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف. انتهى كل ذلك من تفسير ابن كثير، (رحمه اللّه تعالى).

نقول: و السبب الذي دفع بني عبد الدار إلى إحضار جفنة مملوءة بالدم و إدخال أيديهم فيها و تعاقدهم مع بني عدي بن كعب بن لؤي على الموت، هو أن بني عبد الدار هم من أشراف قريش، فإنهم من ذرية قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم) و قصي كان ملكا على مكة المشرفة و بيده أمر البيت الحرام، و قد خلف من الأولاد أربعة و هم: (1) عبد مناف، و هو الجد الثالث لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) (2) و عبد الدار، و هو سادن البيت الحرام و بيده مفتاح الكعبة، و من ولده عثمان بن طلحة، و هو الذي أعطاه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مفتاح الكعبة و لابن أخيه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة رأس الشيبيين، و قال: «خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم» (3) و عبد العزى، و هو جدّ الأسديين و منهم أم المؤمنين خديجة، رضي اللّه تعالى عنها (4) و عدي، و منه قريش الظواهر.

و حيث إن بني عبد الدار هم سدنة الكعبة و بيدهم مفتاحها، فقد رأوا أنهم أولى الناس برفع الحجر الأسود و وضعه في محله من البيت، و أخذتهم الحمية و الحماسة لذلك و استعدوا لقتال من يمنعهم عن رفع الركن الأسود، و تعاقدوا مع بني عدي بن كعب على الموت على جفنة الدم، و اختيارهم لبني عدي بن كعب في المعاقدة، لأنهم شركاؤهم في شق الحجر و هو الحطيم، عندما جزأت قريش الكعبة كما تقدم بيانه، لكن هذه الغمة قد انجلت و انكشفت بفضل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و عظيم حكمته، حيث رضي الجميع به حكما و قاموا باتباع رأيه السديد، و كفى اللّه عباده القتال.

الخلاصة في كيفية بناء قريش‏

فخلاصة الكلام المتقدم كما ذكرناها في كتابنا «مقام إبراهيم (عليه السلام)» المطبوع بمصر: هي أن قريشا بنت الكعبة قبل بعثة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، بخمس سنين على الأشهر، أي سنة خمس و ثلاثين من ولادته عليه الصلاة و السلام، و لقد اشترك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مع قريش في بناء بيت اللّه المعظم فكان يحمل الحجارة على‏

39

كتفه و لما وصل البناء إلى محل الحجر الأسود اختلفوا فيما بينهم على من يضعه في مكانه ثم اتفقوا على أن يضعه النبي الأمي الأمين فوضعه (صلى الله عليه و سلم) بيده الشريفة و أحكم محله كما هو مفصل في كتب السير، ثم إن قريشا نقصوا من عرض الكعبة من جهة الحجر ستة أذرع و شبرا لقلة النفقة الحلال التي جمعوها لعمارتها و أداروا على الحجر جدارا قصيرا يطوف الناس من ورائه، و جعلوا بابها مرتفعا عن الأرض و كبسوه بالحجارة حتى لا تدخل السيول فيها و حتى يدخلوا فيها من شاؤوا و يمنعوا من أرادوا و جعلوا الباب مصراعا واحدا و أبقوا فيها جب الكعبة، أي خزانتها التي يلقى فيها ما يهدى إليها، و جعلوا في داخلها ست دعائم في صفين في كل صف ثلاث دعائم، و جعلوا لها سقفا و ميزابا من الجهة الشمالية مصبة على حجر إسماعيل (عليه السلام)، و كانت قبل ذلك بلا سقف، و جعلوا ارتفاعها من الأرض إلى السماء ثمانية عشر ذراعا، و جعلوا لها ركنين، و لم يجعلوا لها أركانا من جهة الحجر بل جعلوها مدورة على صفة بناء إبراهيم (عليه السلام)، و كان الناس كذلك يبنون بيوتهم مدورة تعظيما للكعبة. فأول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير فقالت قريش: ربع حميد بيتا إما حياة و إما موتا. و بعد أن تم بناؤها كسوها كسوة معتبرة.

و سبب بناء قريش للكعبة: أن امرأة منهم أجمرت الكعبة فطارت شرارة مجمرتها في كسوتها فاحترقت و تصدعت و توهنت جدارنها من كل جانب، و كانت الكعبة قبل بناء قريش مبنية برضم يابس ليس بمدر، تدلى الكسوة على الجدر من خارج و تربط من أعلى الجدر من باطنها. فبنتها قريش بالطين و الذي بناها لهم اسمه «باقوم الرومي» و قد بنت قريش الكعبة من جبل حراء و من جبل ثبير و من المقطع، و من قافية الخندمة، و من جبل عند الثنية البيضاء في طريق جدة، و من جبل بأسفل مكة يقال له مقلع الكعبة، و من مزدلفة من حجر بها يقال له المفجر كما في تاريخ الأزرقي، و فيه قال مسلم بن خالد: و لم يثبت أنها بنيت من غير هذه الأجبل.

مميزات بناء قريش‏

1- بنت قريش الكعبة المعظمة قبل بعثة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بخمس سنين على الأشهر.

40

2- كان عليه الصلاة و السلام، بيني معهم و يحمل الحجارة على عاتقه.

3- و بنت قريش الكعبة المعظمة على أساس بناء إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

4- و نقصوا من عرض الكعبة من جهة حجر إسماعيل ستة أذرع و شبرا، كما هي عليه اليوم.

5- و زادوا في ارتفاعها من الأرض إلى السماء فصار ثمانية عشر ذراعا.

6- و جعلوها مدورة من جهة حجر إسماعيل فقط كما كانت في بناء إبراهيم (عليه السلام).

7- و أبقوا فيها جب و خزانتها كما كانت.

8- و أداروا على حجر إسماعيل جدارا قصيرا، و كان في بناء إبراهيم من شجر الأراك.

9- و رفعوا باب الكعبة عن الأرض و كبسوه بالحجارة، حتى لا تدخلها السيول و لا يدخلها كل إنسان.

10- و جعلوا بابها مصراعا واحدا يقفل و يفتح.

11- و جعلوا لها سقفا و ميزابا لتصريف مياه الأمطار من سطحها يكون مصبها في الحجر.

12- و جعلوا في داخل الكعبة ست دعائم في صفين في كل صف ثلاث دعائم من الشق الشامي الذي فيه حجر إسماعيل إلى الشق اليماني.

13- و جعلوا في داخلها من الركن الشامي درجة من خشب من الركن الشامي يصعد فيها إلى ظهرها.

14- و بنوها بالطين و كانت من قبل مبنية بالرضم، بناها لهم باقوم الرومي، و كسوها كسوة جميلة، و كانت الكسوة على الكعبة من قبل هذه البناية و من بعدها.

15- و زوقوا سقفها و جدرانها من بطنها و دعائمها، و رسموا في دعائمها صور الأنبياء و الملائكة و الشجر، فلما كان يوم الفتح أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بطمس تلك الصور فطمست.

41

ترجمة الوليد بن المغيرة المخزومي‏

الوليد بن المغيرة هو عم أبي جهل، كان من عظماء قريش و كان ميسور الحال في سعة من العيش مات كافرا، و لما بنت قريش الكعبة و هابوا من هدمها، كان هو أول من بدأ في هدمها، فأخذ المعول ثم قام على الكعبة و هو يقول: اللهم لم ترع اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس في تلك الليلة و قالوا: ننظر إن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت، و إن لم يصبه شي‏ء فقد رضي اللّه ما صنعنا فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله فهدم و هدم الناس معه، و هو الذي قال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيان الكعبة من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغي و لا بيع ربا و لا مظلمة أحد من الناس. و قيل: قائل ذلك هو أبو وهب بن عمرو ابن عائذ و هو خال عبد اللّه والد النبي (صلى الله عليه و سلم) و اللّه تعالى أعلم.

و لما بعث اللّه عز و جل نبينا محمدا (صلى الله عليه و سلم) إلى الناس كافة ليخرجهم من الظلمات إلى النور، و جهر بالدعوة الى عبادة اللّه تعالى و ترك الأصنام، ناصبته قريش العداء و استهزؤا به و آذوه، فكان منهم الوليد بن المغيرة المذكور، و من العجيب أنه كان عاقلا فطنا ذكيا لبيبا، و مع ذلك لم يرشده عقله إلى الخير و المبادرة إلى الإيمان باللّه و رسوله. لقد سمع مرة القرآن من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال لقومه بني مخزوم: و اللّه لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس و لا من كلام الجن، و إن له لحلاوة و إن عليه لطلاوة، و إن أعلاه لمثمر و إن أسفله لمغدق، و إنه يعلو و لا يعلى.

فقالت قريش: صبأ و اللّه الوليد، لتصبأن قريش كلها، فقال أبو جهل أنا أكفيكموه، فتوجه و قعد حزينا و كلمه بما أحماه، فقام الوليد فأتاهم فقال:

تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يهوس، و تقولون أنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن، و تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى الشعر قط، و تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا في كل ذلك: اللهم لا، ثم قالوا فما هو؟ ففكر قليلا ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل و أهله و ولده و مواليه، فارتجّ النادي فرحا.

42

إن الوليد لو مضى على تأمله و تفكره لهداه عقله إلى الإيمان برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و لكن استحوذ عليه الشيطان فنكص على عقبيه و استمسك بدين قومه، و اشتدت عداوته لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كثر فساده و صد عن سبيل اللّه فضل و أضل و لذلك اشتد غضب اللّه عليه فأنزل في شأنه بعض آيات في سورة المدثر، فقال عز شأنه و جل جلاله: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَ بَنِينَ شُهُوداً وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إلى قوله تعالى: ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ و أنزل أيضا في حقه بضع آيات في سورة القلم، فقال تبارك و تعالى: وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ‏ إلى قوله عز شأنه: إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ‏.

لم يزل الوليد بن المغيرة على كفره و طغيانه، لا يرتدع و لا يعتبر و لا ينزجر و لا يفتكر، حتى وافاه الأجل المحتوم و أنه لما حضرته الوفاة جزع جزعا شديدا، و كان عنده أبو جهل، فقال له ما جزعك يا عم؟ فقال الوليد: و اللّه ما بي من جزع من الموت و لكن أخاف أن يظهر دين ابن أبي كبشة، فقال له أبو سفيان:

لا تخف، إني ضامن أن لا يظهر. ثم مات الوليد و كان موته بمكة في السنة الأولى من الهجرة.

فانظر عافانا اللّه و إياك من الأمراض الظاهرة و الباطنة و الحسية و المعنوية، إلى هذا الضلال المبين الذي ذهب اليه الوليد بن المغيرة، و إلى عظيم كفره و شدة كراهيته لدين الإسلام، و لرسول السلام إلى جميع الأنام، عليه أفضل الصلاة و أتم السلام أنه في حال احتضاره لا يجزع لموته و مفارقة أهله و أولاده، و لكنه يجزع و يخاف من ظهور الإسلام، إنه يصرح بذلك في لحظة مفارقته للدنيا، بدلا من أن يندم و يتوب و يستغفر، فالحمد للّه الذي شرح صدورنا للإسلام و زين في قلوبنا الإيمان و الخير و التقوى، و كره إلينا الكفر و الفسوق و العصيان، اللهم صل و سلم و بارك على عبدك و نبيك سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

43

ترجمة قريش‏

العرب صفوة البشر و قريش قلب العرب و صفوتها، و لا يمكننا الإسهاب في بيان فضلها و أنسابها و قبائلها، لأن ذلك يحتاج إلى مؤلف خاص، و إنما نذكر عن قريش نبذة يسيرة لمناسبة بنائها الكعبة المشرفة ملخصا من كتاب العقد الفريد و غيره فنقول:

كانت قريش تدعى النضر بن كنانة، و كانوا متفرقين في بني كنانة، فجمعهم قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم) من كل أوب إلى البيت فسموا قريشا، و التقريش: التجميع، و يسمى لذلك قصي بن كلاب مجمعا، قال فيه الشاعر:

قصي أبو كم من يسمى مجمعا* * * به جمع اللّه القبائل من فهم‏

و كانت قريش تسمى آل اللّه و جيران اللّه و سكان اللّه، و في ذلك يقول عبد المطلب بن هاشم:

نحن آل اللّه في ذمته‏* * * لم نزل فيها على عهد قدم‏

إن للبيت لربا مانعا* * * من يرد فيه بإثم يخترم‏

لم تزل للّه فينا حرمة* * * يدفع اللّه بها عنا النقم‏

و لقد ورد في فضل قريش جملة أحاديث منها: قوله (صلى الله عليه و سلم): «الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها، و فجارها أمراء فجارها، و إن أمرت عليكم قريش عبدا حبشيا مجدعا فاسمعوا له و أطيعوا ما لم يخير أحدكم بين إسلامه و ضرب عنقه، فإن خير بين إسلامه و ضرب عنقه فليقدم عنقه». رواه الحاكم في المستدرك و البيهقي في سننه.

و قوله عليه الصلاة و السلام: «قدموا قريشا و لا تقدموها» و قوله (صلوات اللّه و سلامه عليه): «إن اللّه تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، و اصطفى من ولد إسماعيل كنانة، و اصطفى من كنانة قريشا، و اصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفاني من بني هاشم» و قوله عليه الصلاة و السلام: «إن اللّه تعالى خلق الخلق فجعلني في خير فرقهم و خير الفريقين ثم تخير القبائل فجعلني في خير قبيلة ثم تخير البيوت فجعلني في خير بيوتهم فأنا خيرهم نفسا و خيرهم بيتا».

44

هذا و لقد حضر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بناء قريش الكعبة، فكان ينقل الحجارة مع قريش، كما حضر بناءها نخبة من رؤساء قريش و وجهائها منهم الوليد بن المغيرة، و هو أول من علا الكعبة و هدمها و قال: اللهم إنا لا نريد إلا الإصلاح، ثم تبعته قريش فهدموا معه بعد أن هابوا هدمها أولا، و أبو جهل و قد حضر بناء ابن الزبير أيضا و ستأتي ترجمته، و العباس ابن عبد المطلب، و أبو أمية بن المغيرة، و عتبة بن ربيعة، و أبو زمعة بن الأسود ابن المطلب، و العاص بن وائل، و أبو حذيفة بن المغيرة، و أبو وهب بن عمرو ابن عائد بن عمران بن مخزوم، و أبو سفيان، و أبو أحيحة سعيد بن العاص.

و غيرهم ممن لم نبحث عن أسمائهم حيث لم نقصد حصرهم، و إنما ذكرنا هؤلاء للعلم بهم في الجملة، و لم نتعرض لتراجمهم حتى لا يطول بنا الكلام.

و في الأزرقي كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال لعثمان بن طلحة يوما و هو بمكة يدعوه إلى الإسلام و مع عثمان مفتاح الكعبة فقال (صلى الله عليه و سلم): «لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أصنعه حيث شئت» فقال عثمان: لقد هلكت قريش يومئذ و ذلت. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «بل عزت و عمرت يومئذ يا عثمان» اه.

ثم لما كان يوم الفتح أخذ (صلى الله عليه و سلم) المفتاح من عثمان بن طلحة ففتح الكعبة و دخلها ثم لما خرج و المفتاح في يده دعا عثمان و دفعه إليه و قال: خذوها يا بني طلحة تالدة خالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم.

و لما غزا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الطائف و حاصرها ثم رجع قبل فتحها طلب منه بعض الصحابة أن يدعو على ثقيف فقال: (اللهم اهد ثقيفا وائت بهم مسلمين).

و مثل ذلك في قريش اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. و مثله حين فتح مكة بل عزت قريش.

ترجمة باقوم الرومي‏

كان باقوم الرومي نجارا بانيا يتجر جهة ساحل عدن، فحمل في سفينة خشبا فلما وصل إلى الشعيبة قبل جدة تبعد عنها مرحلتين، و هي معروفة إلى اليوم، انكسرت السفينة فسمعت بها قريش فاشتروا خشبها لسقف الكعبة، و أذنوا لأهلها أن يدخلوا مكة ليبيعوا ما معهم من المتاع على أن لا يعشروهم، و اتفقوا مع باقوم أن يقدم معهم مكة و بيني لهم الكعبة بنيان الشام، فلما بنوا الكعبة و بلغوا

45

السقف قال لهم باقوم: أتحبوا أن تجعلوا سقفها مكبسا أو مسطحا فقالوا: بل ابن بيت ربنا مسطحا فبنوا مسطحا، و معنى مكبسا: محدبا كالقبة.

هذا جزء من ترجمة باقوم الرومي، ثم رأينا أن الأستاذ الكبير وزير المعارف المصرية الأسبق، قد كتب عن «باقوم الرومي» قصة طريفة حلوة بقلمه البليغ و بلون من الأدب الرفيع، في الجزء الثاني من كتابه «على هامش السيرة» بعنوان «حديث باخوم» بالخاء المعجمة.

قال حفظه اللّه تعالى بعد أن ذكر في الحكاية ما دار من الحديث بين القوم و القسيس عند اجتماعهم للسمر جزءا يسيرا ما يأتي:

و هنا تكلم «باخوم» فخفتت الأصوات و أنصت الناس، و كان «باخوم» شيخا من شيوخ القرية، قد عرف بطول الصمت خارج الكنيسة و كثرة الصلاة إذا كان فيها، كما عرف بالوقار و الأناة إذا تحرك أو تكلم، و كما عرف بهذه الهيبة التي كانت تفيض على وجهه، و هذه المحبة التي كانت تجذب إليه الناس.

و كان «باخوم» رجلا قد طوف في الأرض أول شبابه فأكثر التطويف و لم يكن يلم بقريته إلا ليمكث فيها العام أو بعض العام، ثم يرتحل عنها فيغيب عنها الأشهر حينا، و العام حينا آخر، و ربما امتدت غيبته فبلغت العامين، و لكنه كان ينتهي دائما بالعودة إلى قريته و الإقامة فيها حينا. و كان لا يعود إلا و معه فضل من مال يبر به خاصته و ذوي قرباه، و يحسن به إلى الفقراء و البائسين، و شي‏ء من الطرف النادرة يتحف به الأغنياء و أصحاب اليسار.

و كان قد نشأ عاملا يرافق البنائين حتى تعلم صناعتهم، و أحسن من فنونهم ما يحسن أهل القرى، و كان ذلك لم يكفه و لم يغنه، فارتحل إلى المدن فجود فنه شيئا، ثم أخذ يتنقل بفنه من مدينة إلى مدينة، و من إقليم إلى إقليم حتى جاب أرض مصر كلها. و كان كلما أحسن من فنه شيئا طمع في أن يضيف إحسانا إلى إحسان، و يرقى بفنه من طور إلى طور، حتى تسامع الناس به، و دعاه الأغنياء و أصحاب الثراء، في إقليمه و في غير إقليمه ليشرف على ما كانوا يريدون أن يشيدوا من الدور و القصور و كأنه قد عرف ما كان عند المصريين من فن البناء، و حذق من ذلك ما كانوا يحذقون. ثم لم يكفه ما عرف، و لم يرضه ما أتقن فأبعد في الرحلة و تجاوز مصر إلى غيرها من البلاد المجاورة، و لكنه استبقى عادته و حفظ لقريته عهدها، فكان يبعد في الرحلة و يطيل الغيبة حتى يستيئس أهل القرية من‏

46

عودته، و يظنوا أنه قد هلك في بعض الطريق، أو عدت إليه عاديات الدهر في بعض أقطار الأرض، و لكنهم يرونه ذات يوم و قد أقبل عليهم مع الصباح أو مع المساء، هادئ النفس دائما و قورا في حركاته و كلامه دائما، طويل الصمت خارج الكنيسة كثير الصلاة إذا كان فيها، يحمل فضلا من مال يبر به الفقراء و البائسين، و شيئا من الطرف يتحف به الأغنياء و الموسرين، و قد كان أول أمره يحب الفن و يكلف بالعمارة و البناء و لكن إلحاحه في السفر و تجويبه للآفاق قد أضافا إلى هذا الحب الفني شيئا آخر، هو حب الرحلة في نفسها و الكلف بزيارة البلاد المختلفة و الإلمام بالأجيال المتباينة من الناس.

فكان يرتحل للبناء أول الأمر، ثم أصبح يرتحل لا لشي‏ء إلا لأن نفسه لا تستطيع أن تسلو عن الرحيل، و كان في أول أمره ينتهز الفرص و يتلمس العلل و المعاذير لما كان يزمع من رحلة أو يعتزم من سفر، فكان يصحب القوافل إلى هذا الوجه أو ذاك من وجوه الأرض. و لكنه انتهى آخر الأمر إلى أن يستقل بتدبير أمره و يهي‏ء أسفاره لا يلتمس لذلك علة و لا ينتحل له معذرة، و لا يصحب هذه القافلة أو تلك، و إنما يعود من رحلة إلى بلده فلا يكاد يستقر في قريته حتى ينبئ الناس بأنه مرتحل إلى بلد آخر، يسميه لهم تسمية العالم به الملم من أمره بما لا يعرفون.

و قد عاد إليهم ذات مرة من بعض أسفاره في بلاد الروم، فلما أقام فيهم شهرا أو بعض شهر أنبأهم بأنه يريد أن يركب هذا البحر الذي لا يركبه الناس إلا قليلا، و أن يرى ما ينبث على سواحله من المدن، و من يعيش حوله من أجيال الناس، و قد سمع من أمر هذه الأجيال و تلك المدن أعاجيب، منها ما يقبله العقل و منها ما لا يستطيع الإنسان له تصديقا. و هو يعلم على كل حال أن شرقي هذا البحر و غير بعيد من ساحله تقوم مدينة قديمة، يسكنها قوم صالحون يعرفون المسيح و يؤمنون به و يخلصون لدينه، و قد امتحنوا في دينهم بأعظم الشر و أشنع النكر فصبروا على المحنة و ثبتوا للخطب و اصطلوا النار التي حرقهم بها اليهود تحريقا. و هو يعلم أن قيصر قد رق لهؤلاء الناس و غضب لما أصابهم من الشر، فأنجدهم و أغاثهم و ثأر لهم من اليهود. و هو يريد أن يزور هذه المدينة، و يرى هؤلاء الناس الصالحين الذين عذبوا في الدين، و يود لو استطاع أن يقيم لهم كنيسة و يترك في مدينتهم تلك أثرا يتقرب به إلى اللّه.

47

و كان أهل القرية يسمعون حديثه، فمنهم من يزين له المضي فيما عزم عليه، و منهم من يصده عن ذلك و يرغبه في لين العيش و استقرار الحياة، و لكنه كان يسمع لأولئك و لهؤلاء، و لا يرد على أولئك و لا على هؤلاء رجع الحديث، و إنما كان يمضي في تدبير أمره كما قدر هو أو كما قدر اللّه له، لا كما أراده الناس عليه.

و أصبح القوم ذات يوم فإذا «باخوم» قد تهيأ للرحلة كما تعود أن يفعل و إذا هو يفارقهم، فتتصل غيبته و تتصل، و تمضي الأعوام دون أن يسمعوا من أمره شيئا، حتى يستيئسوا من عودته ثم تمضي الأعوام و قد تسلوا عنه و كادوا ينسونه، و جعلوا لا يتحدثون عنه إلا قليلا، و جعلوا إذا ذكروه رقت أحاديثهم عنه، و حسن ذكرهم له، و كثر إشفاقهم عليه كدأب الناس حين يذكرون فقيدا كريما كانوا يحبونه و يؤثرونه، ثم حالت بينهم و بينه الخطوب، فأخذوا يتعزون عنه و يذكرونه ذكرا جميلا.

ثم يتسامع أهل القرية ذات يوم بأن «باخوم» قد عاد إليهم بعد أن غاب عنهم عشر سنين، فينكرون أول الأمر ثم يعرفون بعد أن يروا صاحبهم كعهدهم به إلا أن السن قد تقدمت به، و ظهر أثر ذلك في هذا الشيب الذي جلل رأسه، و في هذا الهدوء الذي عظم حظه منه، و في هذا الصمت الذي اشتد إمعانه فيه، و في شي‏ء آخر جديد لم يكونوا ينتظرونه منه، و هو إعلانه إليهم أنه لن يرحل عن قريته بعد هذه المرة، بل سيظل بينهم يشاركهم في الحياة حتى يقضي اللّه فيه بما يشاء.

و كان أهل القرية يكلفون بحديث «باخوم» و يشغفون بالاستماع له، و ليس من شك في أن أولى الجد منهم كانوا ينتظرون أن تنقضي هذه الدعابة بين الفتيان و أبيهم القسيس الشيخ ليطلبوا إلى «باخوم» أن يطرفهم بشي‏ء من أنباء رحلته الطويلة الأخيرة فإنه لم يقص عليهم منها شيئا.

و لم يطمئن أهل القرية قط إلى محدث أو قاص كما اطمأنوا إلى هذه الرحالة من أبناء قريتهم، فقد كانوا يعرفون فيه الصدق و الأمانة و التواضع و الاعتدال و لم يعرفوا قط أنه تزيد أو تكثر أو اعتز بما رأى أو شهد و ما كان أكثر ما رأى و ما شاهد فلما سمع أهل القرية صوته تدانوا منه، و أصغوا إليه، و كف الفتيان عن دعابتهم و رددوا ضحكهم إلى صدورهم و لم يتموه.

48

و كان «باخوم» يتكلم بصوت هادئ غليظ بعض الشي‏ء، عميق أشد العمق كأنه يأتي من أقصى ضميره، فكانت الكلمات التي يحملها هذا الصوت الرزين العميق إلى آذانهم لا تكاد تبلغ آذان القوم حتى تنفذ منها مسرعة إلى قلوبهم، و تستقر فيها و تملؤها عجبا و إعجابا، قال باخوم: «أما أنا فقد رأيت الشيطان، ما أشك في ذلك و لا أرتاب و رأيته في قصة غربية وقعت لي في رحلتي هذه الأخيرة منذ عامين» و سكت قليلا، ثم استأنف حديثه قائلا: «نعم منذ عامين، و قد امتلأت بها نفسي حتى كأنها لم تقع إلا أمس و قد اتصل بها قلبي فطمع في تجددها أشد الطمع، و رجا تكررها أشد الرجاء، حتى كأنها ستكون غدا، و هي آخر ما رأيت من أسفارها من عجيب الأمر، و ما أرى إلا أنها آخر ما سأرى في حياتي من عجيب الأمر، إلا أن تمتد بي الأيام إلى أكثر مما أقدر و ما يقدر أمثالي لأنفسهم من السن.

«و ما أشد ما أتمنى ذلك، و ما أشد ما أحرص عليه، لا لأني أحب الحياة أكثر مما يحبها الناس، أو أرغب في البقاء أكثر مما يرغب فيه الناس، بل لأني موقن بأن لهذه القصة شأنا، و بأنها قد أنبأت عن شي‏ء سيكون، و ما أشد شوقي إلى أن أشهد تحقيق هذا النبأ، و ظهور هذا الحدث العظيم».

و تصور أيها القارئ أثر هذه الجمل التي كانت تصدر عن «باخوم» ملتهبة، فتحرق قلوب المستمعين له تحريقا، تصور أثر هذه الجمل في تشويق أهل القرية إلى هذه القصة التي سيطرفهم بها هذا الشيخ. و إنهم ليريدون أن يتعجلوه، و لكنه مطرق مغرق في الصمت، و قد اتصلت أبصارهم به، و تعلقت قلوبهم بشفتيه، و لبث هو على صمته حينا، و قد سكن الليل و سكت النسيم، كأنما تريد الأرض و السماء و هذه النجوم المتألقة، و هذا النيل الذي يسعى هادئا من بعيد، أن تستمع له و تستمتع بحديثه، كما يستمع له هؤلاء الفلاحون في قرية من قرى الصعيد.

قال باخوم بعد ساعة: «كان ذلك منذ عامين حين انتهت بي الأسفار إلى مكة، تلك القرية التي تسمعون ذكرها أحيانا حين تفد علينا قوافل قريش تحمل إلى مصر تجارة اليمن و الهند. فقد ألممت بها، و إن لي من أهلها لبعض الصديق و كنت أريد أن أقضي فيها أشهرا ثم أرحل مع قافلتهم إلى اليمن لأبلغ تلك المدينة الصالحة التي يسكنها قوم صالحون قد فتنوا في المسيح، فصبروا على الفتنة، و كنت أريد أن أقيم لهم كنيسة و أترك فيها أثرا باقيا.

49

«فما أقضي في مكة شهرا و بعض الشهر حتى يتوسل إلي بعض الصديق من قريش في أن أبني له دارا، فلا أمتنع عليه، و إنما أجيبه إلى ما أراد وفاء ببعض ما بيننا من المودة، و أداء لبعض ما لهؤلاء الناس علي من حق. و قد صحبتهم في سفر شاق بعيد فحموني و حاطوني و رفقوا بي و وفوا لي بذمتهم، و أكدوا لي صادقين أنهم سيبلغونني نجران إذا ارتحلوا إلى اليمن، و سيردونني إلى مأمني إذا عادوا إلى بلاد الروم، فلم يكن بد إذا من أن أستجيب لصديقي فأقيم له داره التي أراد أن بينيها.

و ما هو إلا أن يكون التنافس بين القوم فهؤلاء نفر من سراتهم و عظمائهم يتوسلون إلي في مثل ما توسل إلي ذلك الصديق فيه و كلهم يعظم لي الأجر، و يهدي إلي ما استطاع من الخير. و إني لفي ذلك أجيب منهم من أستطيع إجابته راضيا مسرورا بإرضاء هؤلاء القوم الكرام، و بمعاودة المهنة بعد أن طال إهمالي لها و اعراضي عنها، و إذا خاطر يخطر للملأ من قريش ذات ليلة و هم يسمرون فيفكرون فيه ثم يفكرون ثم يستأنفون به، ثم يعودون إليه، ثم يؤخرونه ثم يستأنفون النظر فيه، ثم يفضون إلي به على أنه شي‏ء يريدونه و تتمناه قلوبهم و لكنهم لا يجرؤون عليه. يشفقون أن يكون في الإقدام عليه ما يغضب آلهتهم، و يجر عليهم ما يكرهون. رأوا بيتهم ذاك الذي يقدسونه و يعبدون ربهم فيه قد طال عليه العهد و بعدت به الأيام، و ظهر عليه الوهن، و تعرض لأخطار السيل، و اجترأ عليه اللصوص فسرقوا بعض ما فيه من متاع فتساءلوا ألا يكون من الخير أن يهدموا بناءه هذا القديم و يقيموا لربهم بيتا جديدا فخما متينا، يلائم مكانته في قلوبهم، و يلائم ثروتهم هذه التي تزداد من يوم إلى يوم، و يلائم هذه الدور التي أخذوا يقيمونها لأنفسهم فخمة متينة، قد يسرت لهم فيها أسباب الترف و النعيم، و لكنهم يفكرون و لا يعزمون يخشون ألا يرضى ربهم عما لا بد لهم منه من هدم البيت إن أرادوا له تجديدا و كان يزيد خوفهم و إشفاقهم و يملأ قلوبهم فزعا و هلعا كلما هموا بالإقدام أن حية كانت تظهر كل يوم فتسعى على جدران البيت صاعدة هابطة دائرة من حوله. و كان منظرها بشعا مخيفا، و كانت إذا دنا منها و إن اتخذت شكلا رهيبا، لا يراه من يدنو منها حتى يرتد عنها مذعورا. فكانوا يخشون أن تكون هذه الحية حارسا لهذا البناء و كانوا يقدرون أنهم إن أتموا رأيهم و أنقذوه لم يدنوا من البيت ليأخذوا في الهدم حتى تردهم عنه مدحورين و إنهم لفي أنديتهم حول البيت ذات يوم و إذا الحية قد خرجت من مخبئها و جعلت تزحف كدأبها، و جعلوا هم ينظرون إليها مروعين، و إذا عقاب تهوي من السماء فتأخذ

50

الحية من ذنبها، ثم ترتفع بها في السماء و هم ينظرون و يعجبون، و قد غابت عنهم العقاب. فما يشكون في أن ربهم قد أذن لهم في أن ينفذوا ما عزموا عليه و قد أحسوا بعد هذا الحادث شجاعة و إقداما، و جعلوا يدبرون أمرهم بينهم، و يدبرون ما لا بد من تدبيره لبناء هذا البيت.

«و إنهم لفي ذلك و إذا الأنباء تصل إليهم ذات صباح بأن سفينة من سفن الروم قد طغى عليها البحر، و عبث بها الموج، و قصفت بها الريح ثم دفعتها إلى الساحل القريب، فيسرعون إلى البحر، و أسرع معهم، و يرون السفينة و قد عطبت، و اضطر أهلها من الروم و المصريين إلى أشد الخوف و أعظم الهلع، لأنهم دفعوا إلى غير مأمن و وقعوا إلى أرض ليس لهم فيها جار. و لكن قريشا يلقون أصحاب السفينة أحسن لقاء و يؤمنونهم على أنفسهم و أموالهم، و لا يرضون حتى يشتروا منهم هذه السفينة التي أدركها القطب، و يقولون لي: «فإنا نستطيع أن نتخذ من خشب هذه السفينة لبيت ربنا سقفا» و لم يرتابوا بعد ذلك في أن ربهم قد أذن لهم بهدم البيت و تجديده، ألم يرسل العقاب إلى تلك الحية فتخطفها، ألم يرسل إليهم هذه السفينة منها للبيت سقفا، ألم يرسلني إليهم لأبني لهم هذا البيت كما نقيم البناء في مدن الروم، و كذلك تمت كلمتهم على إنفاذ ما دبروا. و لم أتردد أنا في أن أكون من بناء البيت عندما يحبون. و كنت أنظر إليهم و إلى ما كانوا يرون و يقدرون في شي‏ء من العطف عليهم و الابتسام لهم، فهم أصحاب سذاجة لم يألفوا من الحضارة ما ألفنا، و لم يبلوا من خطوب الأمام ما بلونا.

فأيسر شي‏ء يدفعهم إلى التفاؤل، و أيسر شي‏ء يردهم إلى التشاؤم، و أيسر شي‏ء يدعوهم إلى الإقدام، و أيسر شي‏ء يضطرهم إلى الإحجام. و لكني لم ألبث أن أحسبت ما يحسون من روع، و شاركتهم فيما كان يملك قلوبهم من تردد و اضطراب. حضرتهم ذات يوم و قد أطافوا ببيتهم و جعل بعضهم يؤكد لبعض تقادم العهد به، و إلحاح الزمان عليه، و حاجته إلى التجديد. و يسعى شيخ من شيوخهم حتى يمس حجرا من أحجار البيت ناتئا بعض الشي‏ء فيجذبه بيديه فينجذب، و قد بعد الشيخ بهذا الحجر عن البيت شيئا و هو يحمله في يده. و لكن ماذا نرى؟ نرى هذا الحجر يفصل عن يد الشيخ، و يمضي وحده في الهواء حتى يرتد إلى مكانه من البيت كأحسن ما يمكن أن يستقر في موضعه. و لست أخفي عليكم أني لم أكن أقل القوم ارتياعا و اضطرابا حين رأيت هذا المنظر البديع، بل ما أشك في أني كنت أشدهم ارتياعا و اضطرابا، و أعظمهم حيرة و أعجزهم عن‏

51

الفهم و التأويل. ذلك أن هذا الحديث قد روعهم شيئا و لكنه لم يذهب بصوابهم و لم يخرجهم عن أطوارهم و ما أسرع ما فهموا و ما أحسن ما أولوا فقد قال قائلهم: «يا معشر قريش أقدموا على أمركم، و لكن احذروا أن تنفقوا في هذا البناء مالا جراما، لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا طيبا. لا تدخلوا فيه مهر بغي، و لا بيع ربا، و لا مظلمة أحد من الناس».

«ثم غدوا إلى البيت يريدون هدمه، و قد صمموا على ذلك، و لكنهم على تصميمهم لا يجرؤون، فيندبون شيخا منهم فيرقى إلى البيت، و يبدأ في الهدم و هو يقول في لهجة ساذجة كان لها في نفسي أبلغ الأثر و أبعده: «اللهم لا ترع، إنما نريد الخير». و كان القوم ينظرون إليه معجبين به، مشفقين عليه من إقدامه دون أن يشاركوه فيما أخذ فيه، و إنما أجمعوا أمرهم بينهم أن ينتظروا ليلتهم، حتى إذا أصبحوا رأوا، فإن كان قد نزل بالشيخ مكروه أو ألم به خطب، علموا أن ربهم غاضب، فأصلحوا ما هدم الشيخ و تركوا البيت على حاله. و إن غدا عليهم سالما موفورا علموا أن ربهم راض، فمضوا في الهدم و أقاموا البناء.

و أصبح الشيخ سليما معافى، فقد أعلى عمله و غدوا معه حتى هدموا البيت.

ثم جعلوا يجمعون الأحجار يسعون في جمعها بأنفسهم لا يستأجرون لذلك أحدا، و لا يكلون ذلك إلى رقيق يرون النهوض بذلك حقا عليهم و شرفا يبقى لهم في أعقابهم. و أخذت أنا أبني لهم البيت أقيمه على أسسه القديمة التي لم يمسوها.

و لهم في هذا البيت حجر يعظمونه و يكرمونه، و يرونه هبة لهم من ربهم فلما بلغ البناء إلى حيث يجب أن يوضع هذا الحجر اختلف القوم بينهم. أيهم يضعه موضعه، فكلهم ابتغى لنفسه هذه المأثرة، و كلهم حرص عليه أشد الحرص، و إذا اختلافهم يستحيل إلى خصومة، و إذا خصومتهم تبلغ من الشر أقصاه، و إذا هم يتلاصون و يتناذرون و يؤذن بعضهم بعضا بالحرب، و قد وقف البناء، و فسد الأمر بين القوم فسادا عظيما، و أقاموا على ذلك أياما و ليالي، و تحالف بعضهم على الشر، فجاؤا بجفنة قد ملؤوها بالدم و غمسوا فيها أيديهم و هم يقسمون ليستأثرن بهذا الشرف أو ليموتن من دونه. ثم يجتمع الملأ منهم صباح يوم فيتناهون و يتناصحون، ثم يشير عليهم شيخ منهم بأن يحكموا في هذه الخصومة أول داخل عليهم من باب من أبواب المسجد يسمونه باب بني شيبة. فلا يلبثون أن يدخل عليهم من الباب رجل شاب لم يروا أجمل منه طلعة، و لا أعظم منه هيبة، و لا

52

أحسن منه سيرة في قومه. سمعت من أنبائه الشي‏ء الكثير، و لكني استيقنت أنه رجل عظيم الخطر حين رأيتهم ينظرون إلى مقدمه مبتهجين و يصيحون: «هذا الأمين، قد رضينا، هذا محمد قد سلمنا» ثم يعرضون عليه الخصومة، فما رأيت وقارا كوقاره، و ما رأيت أناة كأناته، و ما رأيت هدوءا كهدوء نفسه و ما رأيت رجلا أرفق منه بقومه، و أعطف منه عليهم، و أثر منه لهم بالخير. و انظروا إلى قضائه فيهم، فسترون كما أرى أنه لم ينتج عن تفكير إنسان، و إنما كان إلهاما من اللّه.

«نزع الأمين رداءه فألقاه على الأرض، ثم وضع الحجر في وسطه ثم قال لقومه: «لينتدب من كل ربع من أرباع قريش رجل» فلما اجتمع أربعة نفر يمثلون قومه كلهم، قال: «ليأخذ كل واحد منكم بزاوية من زوايا الرداء»، ففعلوا و اشتركت قريش كلها في رفع الحجر، و تقسمت قريش كلها هذا الشرف العظيم قسمة سواء عدلا، حتى إذا انتهوا إلى البناء آثره ربه بخلاصة هذا الشرف و خير ما في هذه المكرمة، فيأخذ الحجر بيده و يضعه في موضعه و القوم راضون فرحون قد اطمأنت قلوبهم إلى هذا العدل، و استبشروا بما كف عنهم من الشر، و بما عصم لهم من الأنفس و حقن لهم من الدماء و هنا استيقنت أني رأيت رجلا هو أحب خلق اللّه إلى اللّه و أكرمهم عليه. و لكني لم ألبث أن رأيت شخصا يجب أن يكون أبغض خلق اللّه إلى اللّه، و شرهم عنده مكانة كان رجلا شيخا حسن الطلعة جميل المنظر، عليه وقار و له سمة، و لم أكن قد رأيته في القوم قط و ما كان شكله ملائما لأشكالهم و لا زيه مشاكلا لأزيائهم و لكني رأيته فجأة لا أدري من أين جاء أنجم من الأرض أم هبط من السماء؟

أقبل هذا الشيخ النجدي يناول الأمين حجرا يثبت به الركن الأسود في موضعه فيقبل رجل من عمومة الأمين فيأبى على هذا النجدي و ينحيه و يدفع إلى الأمين الحجر الذي يشد به البناء، هنالك غضب الشيخ النجدي فقال له الأمين:

«إنه ليس بينى معنا في هذا البيت إلا من كان منا» فجعل النجدي يقول: «يا عجبا لقوم أهل شرف و عقول و سن و أموال عمدوا إلى أصغرهم سنا و أقلهم مالا، فرأسوه عليهم في مكرمتهم و حرزهم كأنهم خدم له أما و اللّه ليفوتنهم سبقا، و ليقسمن بينهم حظوظا و جدودا».

53

«و تسمع قريش حديث النجدي فتسخط عليه و تثور به، و تريد أن تلحق به الأذى، و لكنا ننظر فلا نجد أحدا و نبحث فما نعرف إلى أين ذهب، كما لم نعرف من أين جاء».

و يقول قائلنا حين استيأسنا منه: «هذا و اللّه إبليس أراد أن تكون له في بيت ربنا يد، فرد عن ذلك مدحورا». ثم سكت «باخوم» و أطرق فأطال الإطراق، كأنه يستعيد في نفسه هذه القصة التي سحر بها قلوب سامعيه و ألبابهم. و لكن القسيس الشيخ يسأل «باخوم» في صوته الهادئ المحطم: «و نجران يا بني أذهبت إليها، أأقمت فيها الكنيسة التي كنت تريد أن تقيمها؟ قال باخوم: «لا يا أبانا، قنعت ببناء هذا البيت لهذا الحي من قريش و ما أدري لماذا استيقنت نفسي منذ ذلك اليوم بأن سيكون لهذا البيت و لهذا الأمين شأن»، قال القسيس: «فإنك تسمي هذا الأمين محمدا» قال باخوم: «نعم! يسميه قومه محمدا، و يسمونه أحمد و يكنونه أبا القاسم، و يتحدثون عنه بالأعاجيب» قال القسيس في شي‏ء من الحيرة و الذهول: «أحمد، أحمد» أليس يمكن أن يكون هذا النبي الذي بشر به المسيح؟

و تفرق القوم من ليلتهم، و إن في قلب كل واحد منهم لأثرا قويا باقيا لهذا الحديث. قال محدثي: و العجب أن أكثر المصريين يجهلون أن لهم في بناء الكعبة يدا و أنهم قد اشتركوا فيه، مع الأمين الذي أصبح بعد سراجا منيرا أخرج اللّه به الناس من الظلمة إلى النور. انتهى.

انتهت هذه القصة اللطيفة التي صاغها في قالب من «الأدب الرفيع» أديب الشرق و وزير المعارف المصرية سابقا الدكتور «طه حسين» و لقد رأيت أنه حفظه اللّه تعالى قد كتب في هذه القصة اسم «باقوم» الذي بنى الكعبة الغراء لقريش بالخاء هكذا «باخوم».

فرأينا أن نتصل بحضرته لسؤاله عن هذا الاسم هل هو «باقوم» (بالقاف) أم «باخوم» (بالخاء)، فكتبنا إلى حضرته بمصر خطابا بذلك، فأجابنا بما يفيد أنه يجوز كتابة هذا الاسم بالخاء و القاف و الكاف، و إليك نص خطابه نثبته هنا لما في ذلك من الفائدة الجليلة في هذا المعنى، و هو هذا:

سيدي الأستاذ الكريم‏

تلقيت كتابك الذي تسألني فيه عن ذلك الذي بنى الكعبة لقريش و الذي سميته أنا (باخوم) و سماه مؤرخوا العرب (باقوم).

54

و لك الحق كل الحق فيما رويت عن مؤرخي العرب، و لكن هذا الاسم مصري قديم عرفه التاريخ لأول مرة في القرن الرابع للمسيح فهو أول من أنشأ نظام الاعتزال في صحراء مصر و الانقطاع للعبادة المسيحية.

و اسمه في لغة اليونانين و الرومانيين «باكوموسى» بالكاف و عربه المؤرخون العرب بالقاف. و لكن الاسم شاع بعده في مصر و لم يزل شائعا بين إخواننا المسيحيين الى الآن و المصريين يجعلونه «باخوم» يضعون الخاء موضع الكاف، و قد آثرت هذا الاسم لأنه عندي أقرب إلى النطق القبطي القديم و ملائم للنطق القبطي الشائع إلى الآن.

فاختر بين الكاف و الخاء و القاف إن شئت. فستكون إن شاء اللّه موفقا مقاربا. و أنا أرجو أن تتفضل فتقبل أصدق تحياتي.

في 17 اكتوبر سنة 1957 طه حسين‏

البناية التاسعة: بناء عبد اللّه بن الزبير الكعبة

لا بد أن نأتي بمقدمة صغيرة عن خلافة و محاربة عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه عنه و عن أبيه أحد المبشرين بالجنة، ثم نأتي بتفصيل للكعبة المعظمة شرفها اللّه تعالى فنقول:

حرب ابن الزبير رضي اللّه عنه‏

جاء في كتاب «الإمامة و السياسة» ما يأتي:

قال: ذكروا أن مسلم بن عقبة لما فرغ من قتال أهل المدينة يوم الحرة مضى إلى مكة المشرفة يريد ابن الزبير حتى إذا كان بقديد حضرته الوفاة فدعا الحصين بن نمير فقال له: إن أمير المؤمنين عصاني فيك فأبى إلا استخلافك بعدي فلا ترسلن بينك و بين قريش رسولا تمكنه من أذنيك إنما هو الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف. و هلك مسلم بن عقبة فدفن بالثنية قال: و سمع بهم عبد اللّه بن الزبير فأحكم مراصد مكة فجعل عليها المقاتلة و جاءه جند أهل المدينة و أقبل ابن نمير حتى نزل على مكة و أرسل خيلا فأخذت أسفلها و نصب عليها العرادات و المجانيق و فرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة في كل يوم يرمونها بها فقال الناس: