الرحلة المعينية

- ماء العينين ابن العتيق المزيد...
395 /
5

[تمهيد]

و بمجرد وصولنا إلى هذه الحجرة و جلوسنا فيها، قد أتت عدّة نساء و أحضرن أمام كل واحد منا خوانا صغيرا لأجل وضع الأكل عليه، فجلسنا على هذه المقاعد متربعين كالعادة العربية. ثم أحضروا لنا الأكل، فأوّلا قد أحضروا لنا المرقة المعروفة بالشربة و لم يحضروا لنا ملاعق لأجلها، بل إنهم من غريب أمرهم أنهم قد استعاضوا عنه بكاسات صغيرة يشربونها بها. و بعد ذلك أحضروا لنا نوعا من السمك حسن الصنع، و عدة من أنواع الخضراوات و الأرز. و كان الأكل بواسطة خشبتين صغيرتين يقبضهما الإنسان و يجعلهما شبه (الكماشة) ثم يأكل بهما، و كل شخص له آنية مخصوصة ...

من نص الرحلة ص 60 و في اليوم التالي قد أصبح الهواء معتدلا و الجو رائقا و السماء مصحية، فرأينا أن هذه الفرصة لزيارة المعبد الذي على قمة الجبل. و لما أخبرونا أن هذا المعبد في محل في غاية الارتفاع و أن الواصل إليه لا بد أن يجتاز 000، 20 (ألف) درجة حتّى يصل إليه، رأينا أن هذا أمر صعب و تعب كثير، فأخبرونا أن هناك رجالا يحملون الإنسان و هو جالس على كرسي من الخيزران حتّى يوصلوه إليه و سهلوا لنا الأمر، فتوجهنا إليه و وجدنا هذه الكراسي يجلس فيها و يحمل كل واحد منها أربعة رجال، كل اثنين من جهة. و الذي يظهر في الأمر أنها سهلة، و لكنها في الحقيقة متعبة تعبا كثيرا ...

من نص الرحلة ص 89

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

استهلال‏

تهدف هذه السّلسلة بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيّات أدب الرّحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب و رحّالة عرب و مسلمين جابوا العالم و دوّنوا يوميّاتهم و انطباعاتهم، و نقلوا صورا لما شاهدوه و خبروه في أقاليمه، قريبة و بعيدة، لا سيما في القرنين الماضيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية لدى النّخب العربية المثقفة، و محاولة التعرّف على المجتمعات و النّاس في الغرب، و الواقع أنه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرة الاستشراق و المستشرقين الذين ملأوا دروب الشّرق، و رسموا له صورا ستملأ مجلدات لا تحصى عددا، خصوصا في اللغات الإنكليزية و الفرنسية و الألمانية و الإيطالية، و ذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم و العلم، و من منطلق المستأثر بالأشياء، و المتهي‏ء لترويج صور عن «شرق ألف ليلة و ليلة» تغذّي أذهان الغربيين و مخيّلاتهم، و تمهّد الرأي العام، تاليا، للغزو الفكري و العسكري لهذا الشرق. و لعل حملة نابليون على مصر، بكل تداعياتها العسكرية و الفكرية في ثقافتنا العربية، هي النموذج الأتمّ لذلك.

فقد دخلت المطبعة العربية إلى مصر مقطورة وراء عربة المدفع الفرنسي لتؤسس للظاهرة الاستعمارية بوجهيها العسكري و الفكري.

8

على أن الظّاهرة الغربية في قراءة الآخر و تأويله، كانت دافعا و محرضا بالنسبة إلى النخب العربية المثقفة التي وجدت نفسها في مواجهة صور غربيّة لمجتمعاتها جديدة عليها، و هو ما استفز فيها العصب الحضاري، لتجد نفسها تملك، بدورها، الدوافع و الأسباب لتشدّ الرحال نحو الآخر، بحثا و استكشافا، و تعود و معها ما تنقله و تعرضه و تقوله في حضارته، و نمط عيشه و أوضاعه، ضاربة بذلك الأمثال للناس، و لينبعث في المجتمعات العربية، و للمرة الأولى، صراع فكري حاد تستقطب إليه القوى الحيّة في المجتمع بين مؤيد للغرب موال له و متحمّس لأفكاره و صياغاته، و بين معاد للغرب، رافض له، و مستعدّ لمقاتلته.

و إذا كان أدب الرحلة الغربي قد تمكن من تنميط الشرق و الشرقيين، عبر رسم صور دنيا لهم، بواسطة مخيّلة جائعة إلى السّحري و الأيروسيّ و العجائبيّ، فإن أدب الرحلة العربي إلى الغرب و العالم، كما سيتّضح من خلال نصوص هذه السلسلة، ركّز، أساسا، على تتبع ملامح النهضة العلميّة و الصناعيّة، و تطوّر العمران، و مظاهر العصرنة ممثلة في التطور الحادث في نمط العيش و البناء و الاجتماع و الحقوق. لقد انصرف الرّحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة في تلك المجتمعات، مدفوعين، غالبا، بشغف البحث عن الجديد، و بالرغبة العميقة الجارفة لا في الاستكشاف فقط، من باب الفضول المعرفي، و إنما، أساسا، من باب طلب العلم، و استلهام التجارب، و محاولة الأخذ بمعطيات التطور الحديث، و اقتفاء أثر الآخر للخروج من حالة الشّلل الحضاريّ التي وجد العرب أنفسهم فريسة لها. هنا، على هذا المنقلب، نجد أحد المصادر الأساسية المؤسّسة للنظرة الشرقية المندهشة بالغرب و حضارته، و هي نظرة المتطلّع إلى المدنيّة و حداثتها من موقعه الأدنى على هامش الحضارة الحديثة، المتحسّر على ماضيه التليد، و التّائق إلى العودة إلى قلب الفاعلية الحضارية.

إن أحد أهداف هذه السّلسلة من كتب الرحلات العربية إلى العالم، هو

9

الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكّل عن طريق الرحلة، و الأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرّحالة، و الانتباهات التي ميّزت نظرتهم إلى الدول و الناس و الأفكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكّل ثروة معرفيّة كبيرة، و مخزنا للقصص و الظواهر و الأفكار، فضلا عن كونه مادة سرديّة شائقة تحتوي على الطريف و الغريب و المدهش مما التقطته عيون تتجوّل و أنفس تنفعل بما ترى، و وعي يلمّ بالأشياء و يحلّلها و يراقب الظواهر و يتفكّر بها.

أخيرا، لابد من الإشارة إلى أن هذه السّلسة التي قد تبلغ المائة كتاب من شأنها أن تؤسس، و للمرة الأولى، لمكتبة عربية مستقلّة مؤلّفة من نصوص ثريّة تكشف عن همّة العربيّ في ارتياد الآفاق، و استعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة، و هي إلى هذا و ذاك تغطي المعمور في أربع جهات الأرض و في قارّاته الخمس، و تجمع إلى نشدان معرفة الآخر و عالمه، البحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب و المسلمين من خلال تلك الرحلات التي قام بها الأدباء و المفكرون و المتصوفة و الحجاج و العلماء، و غيرهم من الرّحالة العرب في أرجاء ديارهم العربية و الإسلامية.

محمد أحمد السويدي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المقدّمة

يشكل تراث الصحراء المغربية جزءا هاما من التراث المغربي، و رافدا متميزا من روافده الثرة، و كان هذا التراث و حتى بداية القرن الماضي معروفا في سائر المراكز الثقافية المغربية، و خاصة في مراكش و الرباط و مكناس و تطوان، يتداوله العلماء و المهتمون، تقريظا و تذييلا و تهميشا، و يتنافس رجال المطابع و المكتبات في طبعه و إخراج متونه، و خاصة مؤلفات علماء مدرسة السمارة.

و قد حاول المستعمر القضاء على هذا التراث في إطار سياسته القائمة على ضرب مقومات وحدة الشعوب المستعمرة، فقام بإحراق خزانة الشيخ ماء العينين خلال الهجوم الفرنسي على مدينة السمارة سنة 1913، و خرب و نهب العديد من الذخائر العلمية و المآثر التاريخية، لكن قوة و أصالة هذا التراث، و تشبث المغاربة به، و حرصهم على صيانته و المحافظة عليه جعله يتخطى كل التحديات، و يواصل فعاليته الإشعاعية.

و بعد استرجاع المغرب لأقاليمه الصحراوية، قامت حركة علمية نشيطة للتعرف بهذا التراث و إبراز قيمته العلمية، فأنجزت بعض الدراسات القيمة (1)

____________

(1) من هذه الدراسات- ثقافة الصحراء لأستاذنا الدكتور عباس الجراري- الصحراء من خلال بلاد تكنة، مصطفى ناعمي- مناقب الصحراء، للأستاذ عبد الوهاب بنمصور، تحقيق ديوان الأبحر

12

التي حاولت إعادة الاعتبار له و نفض الغبار عن بعض ذخائره العلمية، لكن هذه الدراسات رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى الإلمام بهذا التراث و الإحاطة بجوانبه المتنوعة ..

من هنا جاء الاهتمام بإخراج هذا العمل الذي بادر مشروع ارتياد الآفاق إلى إعادة طبعه و تعميم الاستفادة منه، رغبة منه في التعريف بالتراث الجغرافي العربي، و حرصا منها على إبراز قيمته العلمية.

و قد حظيت الرحلة المعينية بهذا الاهتمام قبل غيرها من النصوص التراثية الصحراوية لعدة اعتبارات منها:

1. قيمتها العلمية، فهي تقدم للملتقى مادة متنوعة قلما يجدها مجتمعة في كتاب واحد، من أحاديث و أخبار و أشعار و بيانات جغرافية و ببليوغرافية و تاريخية و اجتماعية و غيرها، و تحلق به في فضاءات ثقافية مختلفة قلما يحصلها في رحلة واحدة، فينتقل بين طرفاية و طنطان و سيدي إفني و تطوان و الأندلس و طرابلس و مصر و مكة و المدينة و غيرها، و يتعرف على عدد من العلماء، و الأدباء و الشعراء و رجال الفكر و السياسة، و يقف على المآثر التاريخية و العمرانية و الأشعار و الإجازات و الرسائل، و غيرها من العناصر التي تشكل مادتها و تساهم في بنائها.

و تتضاعف القيمة العلمية لهذه الرحلة و تزداد قبولا عند الباحثين و العلماء بما تحتوي عليه من شهادات و نصوص شعرية و فتاوى فقهية و إفادات اجتماعية و ثقافية ضاعت مصادرها الأصلية، و لم يبق لها أثر في الخزانات العامة و الخاصة، فهي تتضمن نقولا من كتب أصبحت في حكم المفقود، كما هو الشأن بالنسبة لرحلة الشيخ ماء العينين، و أشعارا لا أثر لها فيما تبقى من الدواوين و المختارات، كقصيدة العتيق بن محمد فاضل بن احمد الملقب بالليل، والد المؤلف في مدح‏

____________

المعينية الجزء الأول و الثاني، أحمد مفدي، المداح محمد المختار،- الشعر العربي في الصحراء المغربية، مفدي أحمد- الحياة الأدبية في الزاوية المعينية، محمد الظريف،- الحركة الصوفية و أثرها في أدب الصحراء المغربية لمحمد الظريف، أيضا، و غيرها.

13

السلطان مولاي الحسن، و قصيدة المؤلف نفسه في تخميس رائية الشيخ أحمد الهيبة في مدح الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم)، و بعض أشعار الشيخ مربيه ربه و الشيخ محمد الإمام و إبراهيم الإلغي و إدريس الجاي، و غيرها من الأشعار و الرسائل و الإجازات، و تحيل على بعض المصادر التي لم يعد لها أثر في فهارس الخزانات العامة و لا في دلائل المكتبات الخاصة، مثل كتاب المؤلف الذي يجمع بعض مساجلاته الشعرية و مذكراته العلمية مع أدباء فاس و مكناس وسلا و الرباط و الدار البيضاء و مراكش‏ (2) و فتاويه الفقهية في أكل ذبائح النصارى و نكاح نسائهم و رقي مرضاهم‏ (3)، و غيرها من الكتب و المصادر التي تحيل عليها و تلفت الانتباه إلى وجودها.

2. مكانة صاحبها، فمؤلفها ماء العينين بن العتيق- كما يبدو من خلالها، و كما عرف به غير واحد من العلماء- يعد مثالا للمشاركة العلمية و الالتزام الديني و الوطني، و نموذجا حيا لعلماء الصحراء، تأليفا و صرامة و بديهة و قرظا للشعر.

و يكفي أنه سبط الشيخ ماء العينين و خريج مدرسة السمارة.

3. قيمتها الوحدوية: فهي تمثل مظهرا بارزا من مظاهر التواصل بين شمال المغرب و جنوبه من جهة و بين المغرب و باقي بلدان العالم الإسلامي من جهة ثانية، و من الصور التي تعكس هذا البعد الوحدوي الذي يميزها، قول المؤلف في وصف اجتماع أعضاء المركز العام لبيت الوحدة الغربية بتطوان بوفد الحجاج الصحراويين المتوجهين إلى الديار المقدسة عبر المنطقة الخليفية بشمال المغرب:

«و مما زارنا أقوام أدباء من أهل الوحدة المغربية، منهم الشيخ أحمد بن محمد معنينو السلوي، و رئيس المركز العام للوحدة المغربية و مدير جريدتها السيد عبد السلام بن المقدم، و الحاج احمد التمسماني، و صنوه القائد السيد الحاج محمد بن المقدم، و السيد الحاج المختار بن الصادق أحرضان الطنجي، و الكاتب السيد محمد بن الفقيه و السيد محمد الزواق التطواني، و الشاب الشاعر الشريف عبد

____________

(2) الرحلة المعينية.

(3) نفس المصدر.

14

الوهاب بن عبد الرحمان بنمنصور ... و الأستاذ الجليل مؤسس الوحدة المغربية الشيخ المكي الناصري ... فقام الشاب الأديب عبد الوهاب بنمنصور، و ألقى خطبة حسنة مشتملة على الترحيب بنا و على الاستبشار و الفرح بمقدمنا، و على أن لهم محبة زائدة بجنابنا، و أنشد بعد الخطبة هذه الأبيات:

إن جيد العلى بكم قد تحلى‏* * * و شعاع الصلاح منكم تجلى‏

و غرام في الله يجمعنا اليو* * * م وحب الإله من شهد أحلى‏

أيها الزائرون شرفتمونا* * * مرحبا بالكرام أهلا و سهلا

فأجزني يا إبن العتيق أجزني‏* * * إنكم في الشعر أسمى و أعلى‏

فأجازه ابن العتيق، و ألقى خطبة تقتضي جواب الخطب التي ألقيت في هذا الاجتماع، و أنشد ارتجالا:

يا إخوة المجد يا أعلام سبسبه‏* * * و النازلين بأعلى ذروة الرتب‏

لله إيخاؤكم هذا فبينكم‏* * * آخت لبان العلى و العلم و الأدب‏

قد سرنا اليوم ما ألقيتموه لنا* * * تبارك الله من شعر و من خطب‏

ثم قام الأديب إبراهيم الإلغي السوسي، و أنشد قصيدة في الترحيب بسائر الوفد، يقول في مطلعها:

خطر النسيم مبشرا بالأسعد* * * ويد الصباح تبل وجه الأنجد

15

إلى أن يقول:

فاليوم لاحظت السعادة خلسة* * * بعيونها قلب الغريب المبعد

من قبل كان البين فرق بيننا* * * فالآن أمسينا كعقد منضد

إن صح ترحيب الغريب بمثله‏* * * فأنا أرحب بالوفود الورد (4)

هذه الوفود النازلات برحبنا* * * لبّت نداء الله دون تردد

و يتكرر مثل هذا اللقاء الوحدوي الذي شهدته تطوان بين رجال الحركة الوطنية المغربية في شمال المغرب و جنوبه بصور أخرى في طرابلس و السويس و مكة و المدينة فيشمل أطراف الأمة الإسلامية كلها شرقا و غربا و شمالا و جنوبا. و من الصور التي تجسده قول المؤلف في ذكر أعلام الفكر و السياسة الذين اجتمع بهم في مكة: «و من الأعيان و الرؤساء الذين أتونا زائرين بمكة المشرفة للتبرك بالشيخ و وفده، و اجتمعنا بهم، و تذاكرنا مع بعضهم، و استمد بعضهم من سيادة الشيخ، الأمير شكيب أرسلان ... الشيخ محمد خليل بن عبد القادر اطيبة، الشيخ جعفر بن صالح الكثيري من أرض حضر موت، الشيخ محمد بن أمير جان بن غلام جان بن أمير الله، من الأفغان، و ناصر السنة الشيخ مصطفى المحامي المصري، مدرس و خطيب في مقام السيدة زينب، الشيخ السيد محمد زبارة، أمير من أمراء اليمن، السيد عبد القيوم ولد سبائبة حيدراباد، من الهند، خلف الله الصالح من سودان مصر ...»

و هذا البعد الوحدوي يخرج بهذه الرحلة من إطارها التاريخي و الجغرافي المحددين و يزيدها عمقا و اتساعا، فلا يشعر القارئ و هو يتبع مراحل هذه الرحلة الممتدة بين طنطان و المدينة المنورة بأنه ينتقل من كيان إلى كيان آخر مختلف عنه، أو يحس‏

____________

(4) نفسه ص 14- 15.

16

بوجود شروخ فاصلة بين الفضاءات المكونة لها أو ينتابه شعور بالغربة و هو يجوبها و يذاكر أهلها و يساجلهم، و لكنه يشعر بالاطمئنان و الانسجام و التناغم معها، و لعل هذا البعد الوحدوي الذي يميز هذه الرحلة و غيرها من الرحلات الحجازية راجع بالإضافة إلى نوعية هذه الرحلات و مقاصدها، إلى نظرة الإسلام إلى الذات و إلى الكيان الإسلامي بصفة عامة، و هي نظرة تقوم عل مبدإ وحدة كيان الأمة الإسلامية على الرغم من تعدد ألسنتها و اختلاف شعوبها و قبائلها، و هو مبدأ ظل حاضرا في اللاشعور الجمعي الإسلامي، على الرغم من التشرذم الذي أصاب هذه الأمة على امتداد التاريخ، و سيظل أفق انتظار واعد لنهضتها و تطلعات شعوبها.

4. قيمتها الجمالية: و تتمثل في كيفية حوارها للفضاءات الزمانية و المكانية التي تتحرك داخلها، و أسلوب عرضها لشريط الذكريات التي عاشها المؤلف و هو ينتقل داخل هذه الفضاءات، فهي تتعامل مع المكان كخلفية مؤطرة لأمكنة تحرك رحلة الشيخ مربيه ربه و مرافقيه من جهة، و تضفي على هذه الأمكنة جمالية من جهة أخرى، و هذا الأمر جعلها تتحرك داخل ثنائيات مكانية و زمانية متعددة تحمل دلالات رمزية تحكمها قيم الاتساع و الضيق و الحرية و السجن، و المقدس الخالد و العرضي الزائل، و المألوف و الغريب و الشرعي و العرفي، و غيرها من الثنائيات التي تتقابل داخلها، و رغم هذا التعدد الزماني و المكاني الذي يميزها فإن السياق الوحدوي العام الذي يؤطرها أهل صاحبها لتحويل المطلق الزماني و المكاني إلي تحديدات مكانية قابلة للرؤية البصرية، فهو لا يكاد يذكر مغادرة أو وصولا أو لقاء أو واقعة دون ذكر السنة و اليوم أو الليلة و الشهر و السنة التي حصل فيها ذلك، و هي سمة لازمة في جميع مؤلفاته‏ (5)

لهذه الاعتبارات و غيرها استقر العزم على إخراج هذه الرحلة، لتساهم ضمن غيرها من الأعمال الجغرافية في إكمال الصورة العامة للأدب الجغرافي المغربي بصفة خاصة و العربي بصفة عامة.

و لم يكن إنجاز هذه المهمة سهلا، و ذلك لأسباب كثيرة، منها:

____________

(5) نفسه ص 8.

17

1- صعوبة التحقيق أساسا، فهو عمل علمي شاق، يقتضي الأمانة و الدقة و الصبر، و هي أمور عزت في هذا الزمان.

2- اختلاف الأصول المعتمدة في إخراج هذه الرحلة، فقد انتهت إلينا منها نسختان مختلفتان في الحجم و المادة، الأولى مصورة على شريط ميكرو فيلم مستخرج من نسخة أصلية مكتوبة بخط مؤلفها. و تتألف من قسمين، الأول يتكون من 93 ورقة من الحجم المتوسط، و الثاني يتكون من 115 ورقة من نفس الحجم، و هي مليئة بالأشعار و الأخبار و أسماء الرجال و الإجازات و النقول و الرسائل و الإفادات الفقهية و الأدبية، و مكتوبة بخط مغربي صحراوي واضح، لكن إخراجها من المكرو فيلم، قراءة أو تصويرا لا يتأتى بسهولة، و قد استخرجت منها صورة توجد بالخزانة الحسنية بالرباط. و يبدو أنها أقدم النسخ و أسلمها و أكملها و أقربها إلى تاريخ إنجازها. فقد انتهى المؤلف من نسخها- كما جاء في آخر ورقة منها- في متم صفر 1358 ه، أي بعد شهر من عودته من الديار المقدسة، و لذلك اعتمدتها في هذا الإخراج، و اعتبرتها النسخة الأم. و يوجد هذا الشريط بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم 80.

الثانية، بخط مؤلفها أيضا، و تتكون في مجموعها من 67 ورقة من الحجم الكبير. و تخلو ممّا في النسخة الأولى من أشعار و إجازات و فوائد علمية و أدبية، و مع ذلك توجد بها بعض الإفادات التي لا توجد في النسخة الأولى. و يبدو من خلال ورقتها الأخيرة أنها كتبت في رمضان سنة 1358 ه، أي بعد ستة أشهر من كتابة النسخة الأولى، و لذلك اعتبرتها نسخة تكميلية. و قد استخرج منها المرحوم علي مربيه ربه سنة 1963 نسخة مرقونة في 53 صفحة، و زودني بها- جازاه الله خيرا- سنة 1983. و توجد بخزانة الأستاذ شيبة ماء العينين.

و يبدو أنها ملخص للنسخة الأم.

3- خلو المتن المخطوط من علامات الترقيم، من نقط و فواصل و أقواس، مما يجعل التمييز بين كلام المؤلف و النصوص المستشهد بها صعبا في كثير من الأحيان.

4- كثرة أسماء أعلام الرحلة و اختلاف درجاتهم و مستوياتهم و أماكنهم، و عدم وجود مصادر لتراجم الكثير منهم، و خاصة الأعلام المغمورين الذين وردت أسماؤهم‏

18

في الرحلة لمجرد مشاركتهم فيها، أو لالتقاء المؤلف بهم عرضا في تطوان و طرابلس و الحجاز.

5- كثرة النصوص الشواهد في الرحلة و تنوعها، فقد جمع فيها صاحبها أنواعا مختلفة من الشواهد و فنون القول من آيات قرآنية و أحاديث نبوية و أشعار و رسائل و إجازات و فوائد فقهية و تاريخية و جغرافية، و كثيرا ما يهمل ذكر أصحابها و مظانها، مما يجعل توثيقها صعبا، و يضيع الكثير من الجهد في البحث عن مصادرها.

و قد تمكنت بعون الله و قوته من تخطي كل هذه الصعوبات، فاعتمدت النسخة الأولى أساسا في إخراج هذا العمل، و أكملتها بما ينقصها مما ورد في النسخة الثانية من إفادات، و أضفت عناوين للفقرات المهمة اعتمادا على فهرس الموضوعات الذي أثبته المؤلف في نهاية هذه الرحلة، و حاولت التعريف ببعض الأعلام الذين ذكرت أسماؤهم فيها اعتمادا على ما توافر لي من مصادر شفوية و مخطوطة، مثل كتاب «الأبحر المعينية» للشيخ محمد الغيث النعمة، و «سحر البيان» للمؤلف نفسه، و كتاب «النفحة الأحمدية» للشيخ أحمد بن الشمس، و مرددات و محفوظات بعض الصحراويين، ما عدا الأعلام الذين لم يتركوا أثرا يذكر، أو الذين لم تحفظ الرواية الشفوية أو كتب التراجم أخبارهم.

كما قمت بتخريج الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية التي لم يذكر المؤلف مصادرها، و الأشعار التي تتخللها، و حاولت ضبط أوزانها، و شرح بعض غوامضها و شكل بعض كلماتها، و قدمت لذلك بمقدمة مركزة حاولت فيها التعريف بصاحبها و تلخيص محتوياتها، فجاء العمل- كما يبدو في صورته المطبوعة- متكاملا يجمع بين كمال النسخة الأم و إضافات النسخة الفرع.

التعريف بالمؤلف‏

تمثل حياة ابن العتيق سجلا حافلا بالعطاءات، جامعا للمزايا، مثيرا للدهشة، فقد جمعت سيرته كل صفات النبل و الكمال، من تواضع و نزاهة علمية و التزام ديني‏

19

و وطني.

ولد سنة 1307 ه- 1887 م. بالساقية الحمراء، و ما كاد يتجاوز سن الرضاع حتى توفي والده، فكفله جده الشيخ ماء العينين، و تولى تربيته بنفسه. قضى معظم شبابه بالسمارة ينعم بطيبها، و ينهل من معارفها إلى أن دعى داعي البين إلى مغادرتها إلى تزنيت سنة 1910، بعد اشتداد الضغط الأجنبي عليها. بعد وفاة جده الشيخ ماء العينين، لازم خاليه الشيخ أحمد الهيبة و الشيخ مربيه ربه و آزرهما فيما اضطلعا به من أمور الجهاد في الحوز و سوس، فكان يشجعهما و يشيد ببطولاتهما، و يتصل بالعلماء و أهل الحل و العقد من أهل سوس لمساندتهما إلى أن تم تطويق المقاومة في الجنوب و تصفية آخر معاقلها سنة 1934، فعاد إلى الصحراء مرة ثانية و اشتغل فيها بالقضاء بمدينة طانطان و نواحيها.

في سنة 1357 ه- 197 م. قام بزيارة الديار المقدسة على نفقة المخزن المغربي ضمن الوفد الصحراوي الذي ترأسه الشيخ مربيه ربه، التقى خلالها بعدد من العلماء و رجال الفكر و السياسة في تطوان و طرابلس و السويس و الحجاز و أشبيلية و غيرها، مثل عبد الوهاب بنمنصور و المكي الناصري و أحمد معنينو و شكيب أرسلان و ابن مايابا الجكني و غيرهم.

بعد استقلال الجزء الشمالي من المغرب، توجه ضمن أول وفد صحراوي لتجديد البيعة و الولاء للسلطان محمد الخامس و تهنئته بالعودة من المنفى و تكسير قيود الحماية.

في أواخر سنة 1956 عين أستاذا بالكلية اليوسفية بمراكش، و ظل يدرس بها إلى أن توفي سنة 1376 ه- 1957 م. بعد سبعين سنة من العطاء و المساهمة في بناء الوطن.

و يمكن أن نميز في حياته ثلاث محطات بارزة، أشاد بها معظم الذين عاصروه أو ترجموا له.

المحطة الأولى: تتعلق بنسبه، فهو ينتمي إلى أسرة شريفة طبقت شهرتها الآفاق هي أسرة الطالب المختار، فأبوه هو العتيق محمد فاضل بن محمد الليل ابن محمد بن أحمد الطالب المختار، وجدته لأبيه هي الرحمة بنت الشيخ محمد فاضل بن مامين،

20

و أمه هي العالي أمّ ابنة الشيخ ماء العينين.

و قد حظيت هذه الأسرة باحترام كبير داخل الصحراء و خارجها، و تميز أبناؤها بالنبوغ و المشاركة العلمية و الغيرة الوطنية، فجده الشيخ ماء العينين كان من العلماء العاملين الذين ذاع صيتهم في المشرق و المغرب، و قصده القريب و البعيد، فكانت زاويته بالسمارة منارا للعلم و قلعة للجهاد، و قد جعله ملوك المغرب نائبا عنهم في الأقاليم الصحراوية منذ عهد المولى عبد الرحمان، و كلفوه بتعميرها و حمايتها مما كان يهددها من أخطار أجنبية، و شهرته تغنى عن التعريف به.

و أبوه العتيق- كما ذكر صاحب سلوة الأنفاس‏ (6) و غيره ممن ترجم له- كان من العلماء المشاركين و الشعراء المفلقين، شارك في معركة الداخلة سنة 1302 ه- 1884 م، و أبلى فيها بلاء حسنا، و له فيها قصيدة ينتصر فيها للحق، و يدعو إلى مقاومة المستعمر (7)، و قد حظي بلقاء السلطان مولاي الحسن سنة 1309 ه- 1891 م بفاس، و مدحه بقصيدة يقول في بعض أبياتها:

أميرنا و أرى الأوصاف توضحه‏* * * ما يوضح الموضحان الإسم و اللقب‏

من هو ملجأ أهل الأرض يلجئها* * * لبابه الملجئان الخوف و الرغب‏

فللضعيف عطوف منحن أبدا* * * كأنه المشفقان أمه و الأب‏

و في الحروب إذا نار الوغى اشتعلت‏* * * كأنه الحارقان الجمر و اللهب‏ (8)

و كان ينوي الحج، و يتهيأ للخروج إليه من فاس، لكنه أصيب بالجذري و توفي‏

____________

(6) سلوة الأنفاس ج. 3، ص 356.

(7) الأبحر المعينية ج. 1 ص، 535، تحقيق أحمد مفدي- مرقونة كلية الآداب فاس.

(8) الرحلة المعينية، و 57- 58.

21

بسبه سنة 1910 ه- 1892 م، فحضر جنازته السلطان مولاي الحسن و أعيان الدولة و القضاء و العلماء و دفن بزاوية الشيخ عبد القادر الجيلالي‏ (9).

و قد ساهم هذا النسب بدور كبير في تشكيل ملامح شخصيته و تحديد مسار حياته، فلم يسلك مسلك البسطاء من سائر أبناء حسان و الزوايا، و لم يخض فيما كان يشغلهم من هموم و مشاغل عابرة، بل اتبع نهج أسلافه في الحياة، و اقتفى أثرهم في العلم و الاستقامة، فكانت حياته مجمعا للمثل و سجلا حافلا بالعطاءات.

المحطة الثانية، تتصل بتربيته و تعليمه، فقد تلقى تربية متكاملة تقوم على الجمع بين علوم الظاهر و الباطن، و تولى تربيته مجموعة من علماء السمارة، فأخذ مبادئ الفقه و العربية على يد أمه العالي، و التصوف و علم الحديث و الكلام على يد جده الشيخ ماء العينين، و القرآن على يد الفقيه زين، و الأدب على يد خاليه الشيخ النّعمة و الشيخ أحمد الهيبة، و النحو على يد الشيخ محمد بن سيدين و علم الأصول على يد الشيخ محمد العاقب بن مايا با الجكني.

و ترتبط بتعليمه الأولي حكاية مثيرة يتداولها أبناؤه و كثير من العارفين بأحواله، فبعد أن آنست منه أسرته القدرة على التحصيل، بادرت بإرساله إلى العلامة ابن انبالة، أحد أساتذة مدرسة السمارة، لكن هذا المربي ما كاد يستأنس به و يطمئن إليه حتى أرجعه إلى بيته يائسا من تعليمه، فارتاعت أمه لهذا الأمر و ثارت ثائرتها، و أسرعت به إلى والدها الشيخ ماء العينين، و دخلت عليه، و هو في مجلسه و رمت به إليه، «و كلها أمل في أن يكون الولد في المستوى الذي تريده له‏ (10)». فما كان من والدها إلا أن طمأنها و هدأ من روعها قائلا: دعيه هنا، فسترين ما يسرك، و كلفها بالسهر على تكوينه، فكان ما كان من نبوغه و انقداح عين بصيرته‏ (11).

و كان الشيخ ماء العينين يوليه عناية خاصة و «يرجو من اللّه أن يجعله له مثل أبيه‏

____________

(9) الرحلة المعينية، و. 57- 58.

(10) في الأدب و المقاومة، ذماء العينين ص 107.

(11) نفس المصدر 107.

22

العتيق، بل فوقه في العلم و غيره من حفظ و نجابة» (12). و قد تحققت آمال جده فيه، فنبغ في مختلف علوم عصره من فقه و أصول و تاريخ و تصوف و أدب، و غيرها. و أجازه مجموعة من العلماء منهم، الشيخ ماء العينين الذي أجازه في القرآن الكريم رسما و قراءة، و زين بن البكاي الذي أجازه في قراءة نافع و رواية ورش و قالون، و ابن مايابا الذي أجازه في علم الأصول، و غيرهم. و قد نظم بعض هذه الإجازات، و أورد بعضها في رحلته، منها قوله في نظم إجازة العلامة زين:

هذا و ذي سلسلتي منظوم‏* * * في سند الإجازة المعلوم‏

أسندها إلى النبي الهادي‏* * * رواية موصولة الإسناد

فيما روى ورش و قالون عن‏* * * شيخنا أب رويم المدني‏

أجازني في المقرإ المذكور* * * لنافع بأخذه المشهور

أستاذي المدعو زين القلقمي‏* * * إلى محمد الأمين القلقمي‏

و هو عن الأستاذ شيخنا الكبير* * * ماء العيون القدوة القطب الشهير (13)

و منذ أن نال هذه الإجازة سنة 1319 ه- 1902 م‏ (14). كلفه جده الشيخ ماء العينين بقراءة الحزب على يمينه، فدوام على ذلك إلى أن توفي سنة 1328 ه، كما

____________

(12) الأبحر المعينية، ج. 2 ص. تحقيق المداح محمد المختار، مرقونة كلية الآداب، الرباط.

(13) الرحلة المعينية، القسم الثاني، و 45.

(14) جعل الأستاذ ماء العينين تاريخ هذه الإجازة سنة 1219 ه، و قد تابع في هذا الخطأ صاحب الرحلة نفسه الذي ذكر سهوا أن تاريخها كان سنة 1219 ه- 1804 م.

23

أسند إليه التدريس بمدرسة السمارة، فكان لذلك أثره في اختبار معارفه، و تعميق ما حصله من علوم.

المحطة الثالثة، تتعلق بإنتاجه العلمي و الأدبي، و هو إنتاج يتميز بالغنى و التنوع و العمق فقد ألف في علوم مختلفة و فنون كثيرة، من فقه و تصوف و رحلات و مناقب، و غيرها و تعتبر مؤلفاته مصدرا أساسيا من مصادر الحركة الفكرية في الصحراء المغربية، و صورة حية لما تميز به علماء الصحراء من نبوغ و مشاركة علمية.

و من أبرز مؤلفاته، غير «الرحلة المعينية»:

1. «بحور البدائع المحتوية على درر الأشعار المصطفوية» (15) و هو ديوان يضم بعض منتخبات الشيخ مربيه ربه في عدد من فنون الشعر العربي، و يحتوي على مقدمة و ثمانية أبواب و خاتمة.

الباب لأول: في الثناء على الله من شعر محمد المصطفى مربيه ربه.

الباب الثاني: في أمداحه لنبوية.

الباب الثالث: في مدحه لوالده الشيخ ماء العينين.

الباب الرابع: في مخاطبته لإخوانه.

الباب الخامس: في مخاطبته لمعاصريه.

الباب السادس: في النسيب.

الباب السابع: في الحكم و الفوائد.

الباب الثامن: في التضرع إلى الله.

الخاتمة: في قصائد الذين مدحوه من الصحراويين و من السوسيين.

2. «البغية من ملخص الأحكام الشرعية على المستمد من مذهب المالكية»، و هي منظومة فقهية تتألف من 980 بيت، توخى فيها تجديد الأساليب المتبعة في‏

____________

(15) نسب أ. ش. هذا المؤلف للشيخ مربيه ربه، و المرجح أنه لأبن العتيق، صحراؤنا، ص 113 غشت 1967، ع. 23، أنظر: خلال جزولة، ج. 2، ص، 186.

24

الإفتاء و تدبير الأمور القضائية، و تتألف من أربعة أقسام.

الأول: يتعلق بالقضاء و متعلقاته.

و الثاني: يتعلق بالحقوق العائلية و الأحوال الشخصية.

و الثالث: يتعلق بالمعاملات و النزاعات.

و الرابع: يتناول الدماء و الحدود و المواريث.

و قد انتهى من تأليفها في 26 من شعبان 1359 ه- 1939 م.

3. «تحفة المكاتب بقراءة شيخنا الشيخ ماء العينين لحزبه الراتب» (16). و هو كتاب استوعب فيه أحوال الشيخ ماء العينين كلها، العادية و العبادية، و خاصة كيفية قراءته للحزب.

4. ديوانه الكبير، و هو ديوان ضخم يتجاوز ثلاثة آلاف بيت، تتناول مختلف أغراض الشعر العربي، و المعروف أن الشاعر قد ترك هذا الديوان مجموعا، و يبدو أنه كان من الكتب التي انتقلت إلى خزانة الشيخ محمد الإمام بعد وفاة صاحبه. و قد اشتغلت بجمعه منذ سنوات، و سيتم إخراجه قريبا إن شاء الله.

5. سحر البيان في شمائل شيخنا الشيخ ماء العينين الحسان» و هو كتاب ضخم في مناقب الشيخ ماء العينين، و يتألف من خطبة و مقدمة و ثمانية أبواب.

الأول: في أوصاف الشيخ ماء العينين و أخلاقه و علومه الوهبية و الكسبية.

الباب الثاني: في ذكر مؤلفاته، و ما أثر عنه من كلمات حكمية.

الباب الثالث: في سيرته العادية.

الباب الرابع: في بعض ما منحه الله من الكرامات الظاهرة و خوارق العادة الباهرة.

الباب الخامس: في جملة أحواله مدة حياته من يوم مولده إلى وقت وفاته،

الباب السادس: في نسبه الشريف و سلسلة أشياخه في الطريقة الصوفية.

الباب السابع: في ذكر أولاده و بعض صفاتهم.

____________

(16) أنظر حوله: سحر البيان في شمائل شيخنا الشيخ ماء العينين الحسان و 45- و قد ذكر الشيخ لارباس ماء العينين في لقاء إخواني بسلا أنه يتوفر على نسخة منه بخط مؤلفه.

25

الباب الثامن: في ذكر من وصل على يده من المريدين.

و تنتهي هذه الأبواب بخاتمة تتضمن عددا من القصائد الشعرية التي صدرت عن مشاهير العلماء و الأدباء في مدح الشيخ ماء العينين و تأكيد ولايته، و قد انتهى تحريره في ربيع النبوي من سنة 1375 ه. و توجد منه مجموعة من النسخ المخطوطة.

6. كتاب محاضرات المؤلف و مساجلاته مع بعض علماء و شعراء فاس و مكناس و مراكش و سلا و الرباط و الدار البيضاء (17).

7. مجموعة من الفتاوى الفقهية و الرسائل و الإجازات و المنظومات‏ (18).

8. مسرح الأفكار بسيرة النبي المختار» و هي منظومة في السيرة النبوية في مائتين و اثنين و سبعين بيتا، استعرض فيها المؤلف سيرة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) من بعثته إلى وفاته، كما تطرق فيها إلى أخبار الخلفاء الراشدين و أنسابهم و مآثرهم و وفياتهم، و هي لا تزال مخطوطة أيضا (19).

9. «مطالع الأنوار في مديح المختار» و هو ديوان في ثمانية و عشرين قصيدة في مدح الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم)، مرتبة على الحروف الهجائية (20).

10. منظومة في سيرة فقهاء المدينة و أعيان المذهب، و هي لمع مقتضبة في تاريخ بعض أعيان الفقه الإسلامي كالإمام أبي حنيفة و الشافعي و مالك و ابن حنبل و شعبة بن المسيب و عروة و ابن يسار، و غيرهم‏ (21).

و لم تنحصر اهتمامات ابن العتيق في التأليف و قرض الشعر فقط، و لكنها شملت مجالات أخرى أكثر أهمية و اتصالا بالحياة. فساهم بدور فعال في مقاومة المستعمر و الدفاع عن وحدة المغرب و سيادته، و له قصائد كثيرة في ذلك منها قوله في الحث على المقاومة:

____________

(17) الرحلة المعينية، القسم الثاني، و 66.

(18) نفس المصدر، و 76- 84- 85- 108.

(19) مجموع إسلم من الورقة 153 إلى 16، مخطوط خاص.

(20) نفس المصدر من و. 46 إلى 72.

(21) نفس المصدر من الورقة 140 إلى 151.

26

كفى المرء غيا للغواة صغاره‏* * * كذا بكبار الإثم تغرى صغاره‏

و يوشك أن يغشى الحمى الراتع الذي‏* * * رعى حوله و الجار يعديه جاره‏

و إن الرضى بالذنب ذنب، و إن يقع‏* * * عذاب يعم الفقرتين تباره‏

و دين المهدي للشرك ضد، فمن يرم‏* * * مقارنة الضدين يبدو ابتهاره‏

و من ليس يبدي نصرة الدين مخطئ‏* * * فكيف بباد للنصارى انتصاره‏

فيا إخوة الإيمان، دعوة مشفق‏* * * نصوح دجا مما دهاكم نهاره‏

إلا هل لدين الله منكم مشيد* * * فقد كاد أن ينقض أصلا جداره‏ (22)

و من ذلك أيضا قوله في الإشارة بجيش التحرير و التغني ببطولاته:

بزغت علينا أنجم التحرير* * * فتباشر الأوطان بالتطهير

من رجس الاستعمار بعد مبشر* * * في الغرب، بل في سائر المعمور

لازال جيشهم المطهر ناصرا* * * أعلام عرش إمامنا المنصور (23)

____________

(22) بلاد شنقيط المنارة و الرباط، ابن الخليل النحوي، ص 409.

(23) ديوان الشاعر، مخطوطة خاصة ستصدر قريبا إن شاء الله.

27

و من ذلك أيضا قوله في تهنئة السلطان محمد الخامس بالعودة من المنفى و عيد الاستقلال و عيد الفطر:

تتابعت البشائر و الخيور* * * بحمد الله و اتصل السرور

و صبح السعد لاح له ضياء* * * و روض الفوز فاح له عبير

إمام العصر محمود السجايا* * * محمد ابن يوسف الشهير

إلى أن يقول:

ألا فاهنأ قرير العين أن لا* * * تفارقك المسرة و الحبور

بأعياد ثلاثة استهلت‏* * * أهلتها بأفقك تستنير

بعيد الفطر شعبك مستقل‏* * * و عيد العود لله الشكور

و عصرك كله أيام عيد* * * بك اغتبطت سعادتها العصور (24)

كما شارك في الإصلاح الاجتماعي و الديني، فأبدى فيما أسند إليه من مسؤوليات قضائية و تربوية «من الرفق بالضعفاء و العمل على الأخذ بأيدي المساكين و المظلومين و إنصافهم من المعتدين، و الشدة في الدين و الورع و الزهد و إعطاء كل ذي حقه، و محاربة أهل الفساد و القضاء على الرشوة و التشهير بمتناوليها و آخذيها ما يعلمه‏

____________

(24) نفس المرجع‏

28

الخاص و العام» (25).

و له أشعار في ذلك تدل على صرامته و غيرته الدينية، منها قوله في إدانة الرشوة و التحذير من عواقب السقوط في حبائلها:

يقول الناس مالك حيث تقضي‏* * * تحامي ما به الأوطار تقضي‏

فقلت إن استجبت لما عرضتم‏* * * فما جوابي يوم عرضي‏

أفي عرض من الدنيا دنيئ‏* * * أبيع ديانتي و أبيح عرضي‏

معاذ الله أن ينتاط إلا* * * بإصر الحق إبرامي و نقضي‏

و ما يغني رضى المخلوق فيما* * * إلى سخط من الخلاق يفضي‏

و أرجو الله إصلاحي و رشدي‏* * * و توفيقي لما إياه يرضي‏ (26)

و قد انعكس ذلك على إنتاجه العلمي و الأدبي، و طبعه بطابع خاص ميزه عن غيره، فجاء متنوعا، غنيا، يجمع بين عبقريته الفذة و خصوصيات الفضاء الثقافي الذي عاش فيه و ترعرع في أجوائه.

____________

(25) فقيد المغرب الشيخ ابن العتيق، الشيخ المصطفى ماء العينين صحراؤنا 15 أبريل 1957، ص 10.

(26) نفس المرجع، ص 10، مجموع يحجب، و 30.

29

مسار الرحلة

تندرج الرحلة المعينية ضمن الرحلات الحجازية، و هي كما يدل على ذلك على عنوانها تسجل رحلة ما العينين بن العتيق إلى الحجاز ضمن الوفد الصحراوي الذي أدى فريضة الحد سنة 1938 برئاسة الشيخ مربيه ربه، على نفقة المخزن. و قد استغرقت هذه الرحلة ثلاثة أشهر و نصف تبتدئ من خروج المؤلف من طنطان، يوم الجمعة 16 شوال 1357 ه 9 دجنبر 1938 م، و تنتهي بعودته إلى أهله بالطنطان أيضا يوم الثلاثاء 29، 2 حرم 1358 ه 1939 م ..

و يمكن تلخيص المسار العام لهذه الرحلة في اللحظات التالية:

1- انطلاق ركب حجاج الساقية الحمراء بحرا من ميناء طرفاية نحو مدينة «لاص بالماص» بجزر الكناري في 22 شوال 1357 ه، 15 دجنبر 1938.

2- توجه الركب نحو مدينة قادس على ظهر سفينة إسبانية تسمى «باركو سيبي» بعد وصول الشيخ مربيه ربه إلى أرض «لاص بالماص» من طرفاية جوا.

3- توجه الركب برا إلى الجزيرة الخضراء، ثم ركوب البحر إلى سبتة على متن سفينة إسبانية تسمى «سيوداد سبتة» في 28 من شوال 1357 ه، 21 دجنبر 1938 م.

4- توجه الركب إلى تطوان برا و الإقامة بها في ضيافة المخزن لمدة اثنين و عشرين يوما و زيارة مآثرها و تجديد أواصر المحبة و الأخوة مع أعيانها و علمائها.

5- توجه الركب برا إلى سبتة بع وصول وفد حجاج سيدي أفني و أيت بعمران‏

30

برئاسة الشيخ محمد الإمام، و وفد وادي الذهب برئاسة سيداتي بن الشيخ الولي في 17 من ذي القعدة 1357 ه.

6- رسو الباخرة بميناء طرابلس لمدة ثلاثة أيام، و زيارة أضرحتها و مآثرها التاريخية و الاجتماع ببعض علمائها و أعيانها في 20 من ذي القعدة 1357 ه.

7- توقف الباخرة ببور سعيد ثم السويس في 27 من ذي القعدة، و لقاء ولي عهد الخليفة السلطاني و من كان معه من رجال الوحدة المغربية بمصر لطلب العلم.

8- الإقامة بمكة لمدة سبعة عشر يوما، و أداء مناسك الحج بها و زيارة مساجدها و قبور الصحابة بها، و الاجتماع ببعض علماء و قادة الدول الإسلامية بها.

9- التوجه إلى المدينة المنورة عبر جدة بواسطة السيارات يوم الجمعة 20 من ذي الحجة 1357 و الإقامة بها مدة ثمانية أيام، و زيارة مساجدها و رياضها و قبور أبطال الإسلام بها.

10- رجوع الركب إلى جدة لركوب الباخرة في 29 من ذي الحجة.

11- عودة الباخرة إلى سبتة بعد رسوها عند جبل الطور و السويس و بور سعيد و طرابلس و مليلية.

12- توجه الركب إلى تطوان لحضور مجلس افتتحه الخليفة السلطاني لأمر الأوقاف و استقلال أحوالها في 16 محرم 1358 ه.

13- رجوع الركب إلى سبتة ثم الجزيرة الخضراء، ثم أشبيلية، و زيارة المآثر الإسلامية بها في 19 محرم 1358.

14- عودة ركب الحجاج إلى جزر الكناري يوم الثلاثاء 22 محرم 1358 ه.

15- عودة الركب إلى طرفاية جوا يوم الأحد 27 محرم 1358 ه.

16- عودة المؤلف إلى أهله بطنطان يوم 29 محرم 1358 ه، بعد اجتماعه بالشيخ مربيه ربه و بعض إخوانه.

و تتخلل هذه اللحظات مجموعة من الفوائد التي سجلها المؤلف طيلة هذه الرحلة، كأخبار الذين شاركوا فيها و أسمائهم و قبائلهم و مراتبهم و الأنشطة التي قاموا بها، و اللقاءات التي أجروها مع عدد من العلماء و رجال الفكر و السياسة في شمال المغرب و ليبيا و مصر و الحجاز مثل، الفقيه محمد بن عبد القادر ابن موسى، وزير الأحباس‏

31

في المنطقة الخليفية في الشمال و القائد محمد المصطفى ابن ادريس بن يعيش و أخيه الباشا محمد فاضل بن يعيش، و رئيس الحزب الإصلاحي الوطني السيد عبد الخالق الطريس، و عبد الوهاب بنمنصور، مؤرخ المملكة حاليا، و المكي الناصري و ادريس الجاي و إبراهيم بن علي الدرقاوي، و غيرهم من رجال الفكر و السياسة بتطوان، و الشيخ محمد بن محمد بن برخيص قاضي طرابلس، و الشيخ أحمد الشارف الحاكم بالمحكمة الشرعية بها، و الشاعر أحمد بن محمد فقيه حسن، و الشيخ محمد بن عامر من بنغازي، و غيرهم من علماء و أدباء ليبيا، و الأمير شكيب أرسلان و الشيخ جعفر بن صالح الكثيري من أرض حضر موت و الشيخ محمد بن أمير جان ابن غلام بن أمير الله، من الأفغان، و الشيخ محمد زباره من أمراء اليمن، و الشيخ عبد القيوم ولد الحاج سائبة حيدر أباد من السند، و الشيخ أمين الكتيبي، و غيرهم من الأعيان و الرؤساء الذين اجتمعوا بهم في مكة و المدينة.

و تندرج ضمنها أيضا مجموعة من الإجازات و الرسائل و المساجلات و الفوائد الفقهية و الجغرافية و التاريخية التي تطول أحيانا حتى تقطع التسلسل الكرونولوجي للأحداث، كبعض قصائد المؤلف، و قصائد الشيخ مربيه ربه و قصائد الشيخ محمد الإمام، و إجازة المؤلف في القرآن، و إجازته لأبن موسى، و رسائله إلى عبد الرحمان ابن زيدان و خاليه الشيخ مربيه ربه و الشيخ محمد الإمام، و تقاريره حول الكعبة و قياساتها و أساطينها، و لباسها، و ماء زمزم و خواصه و فوائده، و أبواب مسجد الله الحرام و مناراته، و غير ذلك من النصوص و الفوائد.

كما تتخللها أيضا قصائد و مقتطفات من بعض الكتب التي عبثت بها يد الضياع، مثل رحلة الشيخ ماء العينين و رائية المؤلف في تخميس رائية الشيخ أحمد الهيبة، و كتابه الذي يضم مساجلاته مع أدباء و شعراء الأقاليم المغربية الشمالية، و غيرها من الآثار النادرة التي تميزها عن غيرها من الرحلات الحجازية التي كتبت في بداية القرن الماضي، و تجعلها رحلة علم و أدب و وحدة، فضلا عن مقاصدها الدينية.

32

الرموز المستعملة في إخراج الرحلة

أ: النسخة الأصلية

ب: النسخة الفرعية

و: ورقة

م، خ: مخطوط خاص‏

[]: أشير بهما إلى أن ما بداخلها ليس موجودا في النسخة الأصلية، مع التنصيص في الهامش على مصدر الإضافة.

«»: أشير بهما إلى ما بداخلهما من النصوص المستشهد بها في الرحلة.

(): أشير بهما إلى عناوين الكتب المعتمدة في الرحلة.

(): أشير بهما إلى أن ما بداخلهما يوجد بهامش المخطوطة.

و لا يسعني في نهاية هذه المقدمة إلا أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى الأستاذ ماء العينين مربيه ربه الذي كان وراء اهتمامي بإخراج هذا العمل، فقد شجعني على الاشتغال به وهيأ لي ظروف تحقيقه، و لم يبخل علي بما أنشده في بيته من معلومات ضالة، و فوائد شاردة، فقرب لي كل بعيد، و سهل علي كل صعب شريد، و لم يكتف بذلك، بل تفضل جازاه الله خيرا بكتابة كلمة لهذه الرحلة باعتبار جده الشيخ مربيه ربه رئيسها الديني و واحدا من أعلامها البارزين و شاهدا على ما تجسده في تاريخنا الحديث من عمق فكري و وطني تمتد جذوره في أعماق التاريخ، كما أتوجه بالشكر بصفة خاصة إلى أستاذنا الفاضل الدكور عباس الجراري الذي يعود إليه فضل الريادة في الاهتمام بتراث أقاليم المغرب الجنوبية و توجيه الباحثين إلى الاعتناء به بصفة عامة، و تشجيعه لي بصفة خاصة على تعميق هذا الاهتمام، بعد أن ألقى بذوره الأولى في أعماقي، و رعاه بعلمه الغزير و أخلاقه العالية. كما أتوجه بالشكر إلى الأستاذ الفاضل سيد القوم حفيد المؤلف و كذا المرحوم الأستاذ سعيد الفاضلي و غيرهم من الباحثين الذين ساهموا من قريب أو بعيد في إخراج هذا العمل‏

33

ضبطا و تصحيحا.

كما أتوجه بالشكر أيضا إلى المشروع الجغرافي العربي «ارتياد الآفاق» على إخراجه لهذا العمل و رعايته له، متمنيا للقائمين عليه المزيد من التوفيق و النجاح لتحقيق الأهداف النبيلة التي أسس من أجلها.

د. محمد الظريف 2004

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

نصّ الرّحلة

النصف الأول بدء الرحلة من خروج المؤلف من طنطان في 16 شوال 1357 ه- دجنبر 1939 م إلى مغادرته مكة في 18 ذي الحجة 1357 ه- فبراير 1939 م‏

بسم الله الرحمن الرحيم،

و على سيدنا محمد و آله أزكى صلاة و سلم.

حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، و هو رب العرش العظيم، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.

«إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» (1). «وَ إِذْ بَوَّأْنا

____________

(1) سورة آل عمران، آية 96.

36

لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ» (2).

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام و الإيمان و الإحسان، فشرف بتلك النعم على أجناس مخلوقاته الإنسان، و شرع من الدين ما وصى به نوحا و إبراهيم، فجلى بأنواره عنا غياهب ليل الشرك البهيم، ببعثة خاتم النبيئين و إمام المرسلين، شفيع المذنبين و قائد الغر المحجلين، معدن الشرف، و مظهر الفضل و الكرم صفوة العرب و إنسان عين الحرم، سيدنا محمد الطاهرة ملته من الأدناس، الوارد في أمته، «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» (3) فأظهر به شعائر الدين، و شيد قواعده، و أعلى يده و قوى عضده و شد ساعده، فكان أعدل من نهى و أمر، و أفضل من حج بيته و اعتمر، و صل الله عليه و سلم تسليما ما قضيت به أمته الحاج، و ما تيمم من كل فج عميق بيت الله الحرام الحاج.

مطلب في بعض الآثار الواردة في فضل الحج و زيارة قبره (صلّى اللّه عليه و سلم)

و بعد فيقول أسير ذنبه، أفقر العبيد إلى ربه، ما العينين بن العتيق بن محمد فاضل، وقاهم الله شر المخاوف و المعاضل، الحسني الإدريسي القلقمي نسبا، الشنجيطي إقليما، المالكي مذهبا، خديم شيخه الشيخ ماء العينين و مريده و سميه و ابن عمه و حفيده:

إنه مما لا يخفى أن الرحلة لبيت الله الحرام من أعظم القربات التي تؤذن بنيل المرام، و ذلك لمن استطاع إليه سبيلا، و سقي من أكوس العناية سلسبيلا، ليؤدي‏

____________

(2) سورة الحج، آية 24- 29.

(3) سورة آل عمران، آية 110.

37

فريضة الحج و سنة العمرة، فإن المتابعة بينهما تزيد رزقه و عمره.

قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «تابعوا بين الحج و العمرة، فإن متابعة ما بينهما تزيد في العمر و الرزق، و تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» (4). و قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «الحجاج و العمار وفد الله و زواره، إن سألوه أعطاهم، و إن استغفروه غفر لهم، و إن دعوا استجيب لهم، و إن تشفعوا شفعوا» (5). و قال عليه الصلاة و السلام: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، و الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (6)، و قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «من حج هذا البيت فلم يرفث، و لم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (7). و في صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال له: أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، و أن الهجرة تهدم ما كان قبلها، و أن الحج يهدم ما كان قبله، إلى غير ذلك مما يطول جلبه و تطيب به نفس الحاج و يطمئن قلبه، و ناهيك من رحلة لم يبعث لها إلا حج بيته تعالى الحرام، و زيارة قبر نبيه عليه الصلاة و السلام التي تتأكد مشروعيتها و قربها من درجة الوجوب حتى أطلقه بعضهم عليها، و على كل حال فمفروضيتها من مذهب محبته (صلّى اللّه عليه و سلم) واضحة لمن نظر إليها، قال صاحب (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى) (8) في الباب الثامن في زيارة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): روى الدارقطني و الطبراني في الكبير و الأوسط و غيرهما من طريق حفص بن داوود القارئ عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): «من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي» (9). و فيه أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): «من حج البيت و لم يزرني فقد

____________

(4) الجامع الصغير، حديث رقم 3227.

(5) نفس المرجع، حديث رقم 3790.

(6) نفس المرجع، حديث رقم 5734.

(7) نفس المرجع، الحديث رقم 8626.

(8) وفاء الوفا بأخبار المصطفى. هذا الكتاب هو لنور الدين السهمودي (804 ه- 911 ه)، و قد طبع بمطبعة الآداب و المؤيد سنة 1326 ه. في جزئين.

(9) نفس المرجع، حديث رقم 8626.

38

جفاني»، و فيه عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، قال: «من زار قبري، حلت له شفاعتي» (10). و في رواية عنه رضي اللّه عنه: «من زار قبري وجبت له شفاعتي». و فيه عن علي رضي اللّه عنه، قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): «من زار قبري بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي، و من لم يزرني، فقد جفاني»، إلى غير ذلك مما هو كثر، و دليله النقلي و العقلي شهير. و قال عياض (رحمه الله تعالى): زيارة قبره (صلّى اللّه عليه و سلم) سنة بين المسلمين يجمع عليها، و فضيلة مرغب فيها، و قال أبو عمران المالكي: زيارة قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) واجبة. قال عبد الحق: يعني من السنن الواجبة، و يستدل أيضا بقوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» (11) الآية، على مشروعية السفر للزيارة وشد الرحال إليها. و إذا ثبت أن الزيارة قربة، فالسفر إليها كذلك، و قد ثبت خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من المدينة لزيارة قبور الشهداء، فإذا جاز الخروج للقريب، جاز للبعيد، و حينئذ فقبره (صلّى اللّه عليه و سلم) أولى، و قد انعقد الإجماع على ذلك لإطباق السلف و الخلف عليه. نرجوه تعالى أن يسعدنا بزيارته دنيا و أخرى، و أن يجعل الاعتصام بحبل سنته (صلّى اللّه عليه و سلم) لنا ذخرا.

تاريخ ولادة شيخنا الشيخ ماء العينين و وفاته رضي اللّه عنه‏

و لحب الحج و الزيارة، ما زلت من عنفوان شبابي، و إن كنت في وطني بين أقربائي و أترابي و أحبابي معلق البال بالرحلة إلى الحرمين، على أن العوائق إذ ذاك تصرخ بأن حديث النفس بها عين، لكوني لا إرادة لي و لا عزم و لا همة مع أستاذ الأساتذة و إمام الأئمة، قطب المشارق و المغارب، المعد لقضاء الحوائج و المشارب، مجمع مراشد الطرائق، مركز الشرائع و الحقائق، مجدد القرن الرابع عشر، المعترف بأفضليته جميع البشر، المخصوص بكمال الخلافة النبوية، الجاري على جادة السنة النبوية، من عجزت عن كنه محامده الأفهام و الأحلام، و ضاقت عن جمع مدائحه القراطيس‏

____________

(10) نفس المرجع، حديث رقم 8715. ج‏

(11) سورة النساء، الآية 64.

39

و الأقلام، أستاذنا و ملاذنا و معاذنا شيخنا الشيخ ماء العينين، المعلوم علمه، الطائر صيته في كلا الكونين. و رحم الله والدنا العتيق، حيث يقول من قصيدة في مدحه:

[الطويل‏]

لعمري مأمون لفقد المجانس‏* * *هو الشيخ ماء العينين و اللبس هاهنا

فقد نشأت بحمد الله في حجره و كفالته، لا تعدو عيناي عن شمس خيبته و جلالته، ملقى في يديه عنان نفسي و زمامها، مبتهجة بأن ليس في الوجود سواه إمامها، متمسكة به تمسك الأعمى بقائده، مغمورة في فيوض إفادته و فوائده، بل لا يمكن أن يسع غيره صدري متيقنا بأنه يدري من حالي ما لا أدري، و كيف لا و هي عين جلالة قلبي من كل رين و غين، و لا أستطيع الصبر عنه و لا طرفة عين، به غذاء جسمي و روحي و روعي، و أقلده غاية التقليد في معتادي و مشروعي، فما صح في حياته رضي اللّه عنه تخلفي عن جنابه المحترم، و لو كانت تعتريني بعض الساعات أشواق الحرم، مع أن شيخنا يرى أن فريضة الحج ساقطة لأسباب عديدة في تلك المدة عن أكثر الشناقطة، إلى أن قضى تعالى بقبضه إليه، و إيثاره بما من الأفضال و الإكرام اعتمد عليه، و ذلك في منتصف ليلة الثلاثاء الحادية و العشرين من شوال عام ألف و ثلاثمائة و ثمانية و عشرين من هجرته (صلّى اللّه عليه و سلم) بمدينة تيزنيت إحدى قرى السوس الأقصى، و عمره رضي اللّه عنه و أرضاه إثنان و ثمانون سنة و ثلاثة و خمسون يوما، لأن ميلاده وقت المقيل يوم الثلاثاء السابع و العشرين من شعبان الأبرك عام ستة و أربعين بعد المائتين و الألف، كما نظمه رضي اللّه عنه بقوله:

في عام رومش بشهر شعبان‏* * * في يوم زك مولدي و ذا استبان‏

____________

(12) من قصيدة في مدح الشيخ ماء العينين مطلعها:

أرقت لبرق آخر الليل طامس‏* * * و قومي حولي بين غاف و ناعس‏

الأبحر المعينية في الأمداح المعينية، ص. 553، تحقيق أحمد مفدي.

40

يوم الثلاثاء مقيلا و الشكور* * * أشكر لنعمتي مدى الدّهور (13)

و ذيّلهما جامعه بهاذين البيتين في تاريخ وفاته رضي اللّه عنه:

و قد توفى بلا احتمال‏* * * في الحادي و العشرين من شوال‏

في عام حكسش لدى انتصاف‏* * * ليل الثلاثاء بلا خلاف‏

(قدس الله روحه) و رضي عنه و أرضاه و جعل في أعلى الفراديس مثواه، «ثم شاء الله أن زالت تلك الأسباب الشنيعة التي كان يرى شيخنا أنها سقوط الحج ذريعة» (14) فتزايدت يومئذ أشواقي و توالت تباريحي و أتواقي إلى مزار البقاع الطاهرات، و مشاهدة الحضرات الباهرات، لكن لم تزل كثرة العوائق مانعة، و نوائب الدهر العظام دافعة، و إنما أعلل نفسي بعسى و لعل، و الأمر لله فما شاء فعل، و أنشد بيتين في المعني:

هوّن عليك فإن كلّ مقدّر* * * سيكون كيف تغالب الأقدار

و ارم الأزمّة للمكوّن تسترح‏* * * فلكل شي‏ء عنده مقدار

____________

(13) رومس: تساوي بحساب الجمل 1246، و هي السنة الهجرية التي ولد فيها الشيخ ماء العينين.

زك: تساوي 27 اليوم الذي ولد فيه الشيخ من شعبان.

حكسش: 1328 بحساب الجمل، و هي السنة الهجرية التي توفي فيها الشيخ ماء العينين‏

(14) أ- و. 6.

41

مطلب في بيان أسلوب المديحيات التي فتح الله بها على صاحب الرحلة و تاريخها

فلما كانت سنة تسع و أربعين و ثلاثمائة و ألف 1349، فتح الله تعالى علي بقصائد خدمت بها جانب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) الكريم في بعض المستطاع، من مدائح قدره العظيم، نظمتها على أسلوب لم أر من سبقني إليه مراعاة للتفنن في أساليب، الثناء عليه، و ذلك أني جعلت في كل قصيدة منها ثمانية و عشرين بعدد الحروف، و كل بيت من القصيدة افتتحته بحرف على سبيل الترتيب المعروف، فجعلت عدة القصائد ثمانية و عشرين كذلك، و كل واحدة تخص برويها من الحروف على المتابعة كما هناك، و أفتتح بالحرف الذي هو روي القصيدة بيتها الأول ثم أتابع من لدنه سرد الحروف حتى تستكمل، إلى أن أختم بالحرف الذي قبل الحرف المفتتح به، كما وصف، و التزمت في كل بحر قصيدة تيامنا بكمال الأرب حتى اكتملت البحور الخمسة عشر التي استعملتها العرب. ثم أعدت بعد ذلك ما دعت له القريحة منها، و جعلت آخر قصيدة منها في بعض أوصاف ذاته (صلّى اللّه عليه و سلم) الشريفة، و سميتها (مطالع الأنوار في مدائح المختار) (15). فلما من الله علي بإتمامها و النفس في غاية شوقها و غرامها، رجوت من الله و بجاهه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن ييسر لي إنشادها عنده في مدينته المنورة، فحست نفسي بفضل الله عند ذلك بالإجابة و بلوغ الأمنية من بركة مديحه (صلّى اللّه عليه و سلم) و اطمأنت بأن الفرج حصل. و من ذلك الوقت لم أشكّ بحمد الله في أن الله ييسر لي فضلا منه زيارة نبيه (عليه السلام)، و حج بيته الحرام، لكن لكل أجل كتاب، و ليس على من غلبه الشوق عتاب.

و لا بأس بذكر القصيدتين الأوليين و القصيدة الأخيرة من هذه القصائد المذكورة هاهنا ليتبين للسامع حالها، و يزول عنه إشكالها، و للتبرك و التيامن بمدحه (صلّى اللّه عليه و سلم).

____________

(15) مجموع اسلم، من الورقة 44 إلى 72 مخطوط.

42

القصيدتان الأوليان من المديحات المذكورة و القصيدة الأخيرة منهن‏

القصيدة الأولى‏ (16):

[الطويل‏]

أثار الهوى بعد الحبيب أداؤه‏* * * فوجدي به حقّ عليّ أداؤه‏ (17)

بأن أبكي الرّبع المحيل بجنبه‏* * * فحتما على عين المعنّي بكاؤه‏ (18)

تعاوره أيدي العواصف فانجلى‏* * * بلبس جديدات السّوافي عفاؤه‏ (19)

ثوت فيه إذ بانت شبيهاتها المها* * * على أنه بين الضّلوع ثواؤه‏ (20)

جنحت له رعيا لعهد الألى به‏* * * عهدت و إن هاج اشتياقي انتحاؤه‏ (21)

حقوق الهوى أرعى، فلا أرعوي و من‏* * * يراعي الهوى يصعب عليه إرعواؤه‏

خسرت إذا إن لم يجرني محمد* * * فكلّ خسار بالنّبيّ اتّقاؤه‏

____________

(16) مجموع سلم، و. 47.

(17) أداؤه: الأولى اسم موضع بالصحراء و الثانية: القيام به، و في البيت جناس.

(18) الربع المحيل: الذي أتت عليه الأحوال و غيرته.

(19) تعاوره: تداولته الرياح مرة تهب جنوبا و مرة شمالا، مرة قبولا و مرة دبورا.

- السوافي: الرياح اللواتي يسفين التراب‏

- عفاؤه: ترابه.

(20) ثوت: أقامت به طويلا.

(21) انتحاؤه: الميل إليه.

43

دعوت رسول الله و الداء معضل‏* * * و من يدعه يذهب على الفور داؤه‏

ذنوبي منها بالشفّع أحتمي‏* * * و من يستجر يغفر بطه خطاؤه‏

رسول حباه الله بالحمد و الورى‏* * * وراء ثناء الله كيف ثناؤه؟

زعيم النبيئين المتاح بيمنه‏* * * لسائر خلق الله منه عطاؤه‏

سراج منير لا يلوح بذرّة* * * من الكون إلا نوره و ضياؤه‏

شفيع إذا لم يلف في الحشر شافع‏* * * و لولاه لم تشفع به شفعاؤه‏

صراط الهدى منه استنار و لم يجز* * * سوى من به فوق الصراط اهتداؤه‏

ضمير الليالي ضاق عنه فبشّرت‏* * * به كلّ وقت قومها أنبياؤه‏

طريقته المثلى نفت كلّ ملّة* * * فلم ينج إلا من حماه اقتفاؤه‏

ظماء غد مورودها العذب حوضه‏* * * و آية فوز العبد منه ارتواؤه‏

عوائده فضل، و جزل كلامه‏* * * و أحكامه فضل و عدل قضاؤه‏

غلوّ النصارى في المسيح ضلالة* * * فذرها و قل ما في علاه تشاؤه‏ (22)

____________

(22) علاه: مدحه في «أ»

44

فغاية أسنى المرسلين افتتاحه‏* * * و كل سناء مبتداه سناؤه‏

قد اصطنع الله البرايا لأجله‏* * * عموما، فعمّ العالمين غناؤه‏

كفاه من الآي الكتاب و حسبه‏* * * من المدح، ما تتلوا به علماؤه‏

لكلّ نبيّ دعوة مستجابة* * * دعاها، و للميعاد يرجى دعاؤه‏

مدى الدهر محمود المقام مقامه‏* * * و أمّا لواء الحمد فهو لواؤه‏

نبي تني الأفكار دون خلاله‏* * * و حسبك ما منها جلت خلفاؤه‏

هم أبوا بكر و حفص و صهره‏* * * علي و عثمان المهيب حياؤه‏

و باقي الصّحاب المصطفين، فكلهم‏* * * من المصطفى إذ صاحبوه اصطفاؤه‏

يصلي على المختار و الصحب ربّه‏* * * و يوتى به للمرتجيه رجاؤه‏

القصيدة الثانية (23):

[البسيط]

بادى الهوى لم تفد نجوى مؤنّبه‏* * * و الدمع يوضح سرّ المستكنّ به‏

____________

(23) مجموع اسلم، و 48.

45

ترى اللّحاة الهوى للّوم داعية* * * و الحب ما لهم علم بموجبه‏ (24)

ثرّب أو اعذر فما تجدي عذول و في‏* * * أذن المتيّم وقر عن مثرّ به‏ (25)

جيل المحبّة أشتات مذاهبه‏* * * و المهتدي منه ينحو بمذهبه‏

حبّ النبي فجنّب غير جانبه‏* * * ولذ به، و تباعد عن مجنّبه‏

خير النبئين من مدّوا بأبحره‏* * * فما لهم مشرب إلا بمشربه‏

دانوا له و رعاياهم لأمته‏* * * دانوا و دانت مبانيهم ليثربه‏

ذلّت لدعوته الأملاك و اعتصموا* * * بظهره حين أصماهم بمنكبه‏ (26)

رامت معارضة التنزيل فصهم‏* * * أولوا النهى، فتناهوا دون معجبه‏ (27)

زواجر الحقّ بالآيات من فمه‏* * * تهدي بالبيض من راحات موكبه‏ (28)

____________

(24) اللحاة: العذل.

(25) ثرب: أنب و بالغ في اللوم‏

- وقر: ثقل‏

(26) الأملاك: الملوك‏

- أصماهم: أصابهم.

(27) فصحهم: بلغاؤهم‏

(28) زواجر: أوامر و نواهي‏

46

سل إخوة الحرب عن مرهوب صارمه‏* * * و إخوة السلم عن مسكوب صيّبه‏

(29)

شاء المكوّن إيجاد المكوّن من‏* * * نور النبي، فكان العالمون به‏ (30)

صبح الظهور به عمّ العصور، فمن‏* * * يعشو بمشرقه عنه و مغربه‏ (31)

ضوء به حالك الجهل انجلى به‏* * * ليل العمى انكشفت عمياء غيهبه‏ (32)

طوبى لمن نال تقبيلا لأخمصه‏* * * و عفّر الوجه في موطوء تيربه‏ (33)

ظلّ ظليل أظلته السّحاب و هو* * * نور، فكيف يرى ظلّ لكوكبه؟

عروجه لشهود القرب كان مكا* * * ن القاب فيه أو أدنى من مقرّبه‏

غاضت لميلاده الأنهار و انطفأ الني* * * ران، و الشرك ساه غير منتبه‏

فبان إذ ذاك و الإيوان منصدع‏* * * في دولة الكفر صدع غير مشتبه‏

____________

(29) صيبه: منحه: و عطاياه‏

(30) المكون: الخالق.

(31) يعشو: يظلم بصره، و في البيت إشارة إلى قوله تعالى: «وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» سورة الزخرف، الآية 43.

(32) غيهبه: شدة ظلامه‏

(33) تيربه: ترابه.

47

قال الهواتف و الكهان حان أوا* * * ن الهاشمي كريم الأصل طيبه‏ (34)

كذلك الحقّ لا تخفى دلائله‏* * * و لو طغت ضلة عينا مكذّبه‏

لا تال جهدك في مدح النبي، فمن‏* * * يقصد به مأربا يظفر بمأربه‏

ما القصد إحصاؤه إذ لا سبيل له‏* * * فموجز القول في هذا كمطنبه‏

نهدي المديح إلى الهادي الأمين على‏* * * مقدار طاقتنا لا قدر منصبه‏

هل يختشى العلة الراجي بحرمته‏* * * برءا أو الشدة اللاجي لمهربه؟ (35)

وا رحمتا منه لي فهو الرحيم، و هل‏* * * سوى رحيم الورى يرثى لمذنبه؟

يا ربّ صلّ على الماحي و الآل و الاعلام‏* * * الألى خلفوه من بني أبه‏ (36)

أبا بكر و حفص و الحسين‏* * * و عبد الله و المقتفي آثار نيسبه‏

____________

(34) الهوائف المخبرون.

(35) مهربه: ملجئه.

(36) الماحي، من أسماء الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم)، محا الله به الكفر و آثاره‏

48

القصيدة الأخيرة (37):

[الوافر]

يحار لنعت ما اشتمل النبيّ‏* * * عليه من الجمال اليلمعيّ‏ (38)

أما و من اصطفى وصفيه ما إن‏* * * له في الخلق و الأخلاق سيّ‏ (39)

بهيج الوجه، في تدوير حسن‏* * * لشمس الصّحو منظره البهيّ‏

ثناياه مفلجة، سناها* * * ينسّى البرق ساطعه السنيّ‏ (40)

جليل مشاش، أبيض مشرب، با* * * دن، متماسك، لين قوي‏ (41)

حلاوة نطقه الصهباء ذامت‏* * * و ذمّ لطيبه الروض النّديّ‏ (42)

خميص الأخمصين أزجّ أقنى‏* * * كحيل الجفن في دعج حييّ‏ (43)

دقيق أنيق مسربه، و منه‏* * * سواها البطن عار و التّديّ‏ (44)

____________

(37) مجموع اسلم، و 71.

(38) اليلمعي: الداهي الذي يتظنن الأمور فلا يخطئ، الذكي المتوقد.

(39) سي: مثل‏

(40) ثناياه: أسنانه الأربع في مقدمة فمه، ثنتان من فوق و ثنتان من أسفل.

(41) مشاش: رؤوس العظام مثل الركبتين و المرفقين و المنكبين، و جمالها من صفات الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم).

(42) ذامت: عابت.

(43) أزج: من الزجج و هو دقة الحاجبين و طولهما، و هي من صفاته (صلّى اللّه عليه و سلم).

(44) المسربة: الشعر المستدق النابت وسط الصدر إلى البطن.

49

ذريع المشي في قصد و قلع‏* * * كأن لخطاه من صبب هويّ‏ (45)

رحيب الرّاح، شتن الكفّ ما بي* * * ن منكبه و منكبه قصيّ‏ (46)

زرى جيد الدّمى منه و أزرى‏* * * بصافي الفضّة العنق النقيّ‏

سواء صدره و البطن فيه‏* * * جميل الخلق، معتدل سويّ‏

شعاع الجسم عنه الظلّ حسا* * * نفى و أحاط منه المعنويّ‏ (47)

صبيح أزهر اللون ابتلاجا* * * رخيم صوته، حسن شهيّ‏ (48)

ضليع فم، أسيل الخدّ، طلق‏* * * كثير الخفض ناظره العليّ‏ (49)

طويل زنده، ضخم كراديسه،* * * و جبينه فسح، وضيّ‏ (50)

____________

(45) ذريع المشي: سريع المشي- قلع: ضرب من الشي يمشي فيه صاحبه و كأنه ينحدر- صبب: نهر أو طريق يكون في حدور- هوي: كأنما يهبط من فوق، و هي من صفاته (صلّى اللّه عليه و سلم)

(46) شتن الكف: غليظها- قصي: بعيد.

(47) الظل: منصوب على المفعولية.

(48) ابتلاجا: إشراقا.

(49) ضليع فم: عظيمه، و هي من صفاته (صلّى اللّه عليه و سلم)، أسيل خذ: طويله، و هي صفة من صفاته (صلّى اللّه عليه و سلم)- طلق:

ذو بشر حسن.

(50) زنده: موصل طرف ذراعه في الكف- كراديسه: مفاصله.

50

ظهارة حسنه الأوصاف عنها* * * تكلّ فكيف باطنه الخفيّ؟ (51)

عظيم الرأس، و الأطراف منه‏* * * سوائل، و الحجا يقظ ذكيّ‏

غسيل القلب من دنس، و كم من‏* * * عظيم فيه صبّ، و هو صبيّ‏

فصيح أهدب الأشفار رجل‏* * * مليح كثّ لحية، أحوديّ‏ (52)

قسامة ذاته الحسناء أنّى‏* * * يقاس بها الجمال اليوسفيّ‏ (53)

كساها ذو الجلال حلى جلال‏* * * له نسي الجلال الموسويّ‏ (54)

لقد كملت مبالغ كلّ فكر* * * و ما بلغ الكمال الأحمديّ‏

محمدنا إليك المدح نهدي‏* * * و إنّك عن مدائحنا غنيّ‏ (55)

نؤمّل ما يومّل منك أيا* * * و بالمامول ما دحك الحريّ‏ (56)

____________

(51) ظهارة: ما علا و ظهر و لم يل الجسد.

(52) رجل، شعر رجل، بين البسوطة و الجعودة، و هي صفة من صفاته (صلّى اللّه عليه و سلم)

(53) اليوسفي: نسبة إلى يوسف (عليه السلام).

(54) الموسوي: نسبة إلى موسى (عليه السلام).

(55) المدح: منصوب على المفعولية.

(56) أيا: كل ما يؤمل.

51

همت ديم الصلاة عليك تترا* * * و مدرار السلام السّرمديّ‏ (57)

و دام على صحابتك التّرضّي‏* * * و أولانا رضاه بك الوليّ‏

بعض فوائد هذه القصيدة الأخيرة

و هذه القصيدة مشتملة على جل نعوت ذاته (صلّى اللّه عليه و سلم) الشريفة. و أوصافه (صلّى اللّه عليه و سلم) مجربة لنيل الحوائج و الحفظ من المكاره لمن حفظها نظما أو نثرا، و كذلك من جعلها في موضع يأمن من الحرق و الغرق و السرقة و النهب، إلى غير ذلك. و هذه القصيدة من رجائنا في الله أن من حفظها أو جعلها في محله، ينال ذلك و أكثر، و الأمر كذلك إن شاء الله، و كيف لا، و بركاته (صلّى اللّه عليه و سلم) لا نهاية لها، و إنما الشأن في الاعتقاد، و الله يوفي المراد.

تاريخ قدوم صاحب الرحلة على الشيخ مربيه ربه في الطفاية إذ تعاهدا في الحج مرافقة

ثم لما كانت سنة أربع و خمسين بعد ثلاثمائة و ألف، قدمت على الإمام الأستاذ العلامة، القدوة الملاذ، جامع الشريعة و الحقيقة، المتحافظ على سلوك أقوم طريقة، كامل الفتوة و المروءة و الأبوة، سيدنا الشيخ مربيه ربه‏ (58) بن شيخنا الشيخ ماء العينين‏

____________

(57) همت: سالت و سقطت- ديم: مطر دائم في سكون.

(58) الشيخ مربيه ربه، هو محمد المصطفى الملقب بالشيخ مربيه ربه، ولد سنة 1298 ه 1880 م. بوادي الذهب، تولى قيادة الحركة الجهادية بعد وفاة والده الشيخ ماء العينين رفقة أخيه الشيخ أحمد الهيبة و باقي إخوانه، توفي بتفدارت سنة 1942، و هو من علماء الصحراء و شعرائها البارزين. خلف عدة أعمال أدبية و علمية منها: «قرة العينين في كرامات الشيخ ماء العينين»، «لبانة المجاهدين و بغية الطالبين»، «صولة الكار و ملجأ الفار في تحريم الإقامة مع الكفار»، «ديوان ضخم» و غيرها. أنظر ترجمته في جوانب وحدوية من ثقافة الصحراء المغربية- سحر البيان، و. 130، و غيرهما.

52

- دام عزه و علاه- في مدينة الطرفاية، و وجدته منبعث الهمة إلى الحج، عازما عليه تلك السنة، إن ساعدته المقادير، و قال لي: كنت أود مجيئك هذا و أتمناه لمرافقة في الرحلة إلى الحج، فسررت بذلك غاية السرور، و حمدت الله عليه. و كان مقدمي عليه في رجب من السنة المذكورة، فأقمت عنده إلى يوم عيد النحر، و قد بذل جهده في توجهنا إلى الحج هذه السنة، فلم يساعد الحال في ذلك، و كل شي‏ء عنده بمقدار، ثم رجعت إلى الأهل بأحياء العرب الصحراوية بعد ما عاهدني الشيخ (قدس الله روحه) أنه متى تيسر له السفر إلى الحج يبعث لي للمرافقة، مع أنه لا يال جهدا في الحال التي يتيسر بها بحول الله.

تاريخ حجة الشيخ مربيه ربه الأولى و قصيدة لصاحب الرحلة في مدحه و تهنئته بحجته‏

فلما كانت سنة ست و خمسين، يسر الله بفضله للشيخ مربيه ربه الرحلة (59) إلى الحج، فبعث إلي حسبما عاهدني رغبة منه في صحبتي إياه، و إحسانا و إفضالا علي فيما هو الغاية القصوى و المنية العظمى، فلم يبلغني رسوله، لأنا تلك الأيام، قادنا المرعى إلى صحراء بعيدة، فلم يمكن الرسول بلوغنا، و لم نعلم بحج الشيخ إلا بعد إيابه، فمسني حزن من الأسف و الندم على ما فاتني من مرافقته- أعزه الله- إلى الحرم، فقلت: إنا لله و إنا إليه راجعون، سيجعل الله بعد عسر يسرا.

فلما كانت السنة القابلة، سنة سبع و خمسين، قدمت على الشيخ- أعزه الله- بمدينة الطرفاية في جمادى الأولى للسلام عليه و الزيارة منه و تهنئته بالحج و زيارة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أنشدته هذه القصيدة في مدحه و تهنئته، و هي‏ (60):

____________

(59) يقصد رحلته الأولى إلى الديار المقدسة سنة 1356 ه الموافق لسنة 1937 عن طريق تطوان.

(60) مجموع علي مربيه ربه، ورقة 3، مخطوط.

53

[الطويل‏]

هو الشّعر للأكفاء شهدته تحلو* * * إذا صاغه من كنز باعثه الفحل‏ (61)

فينساغ عذبا للفهوم كأنما* * * بأثنائه تلقى مجاحتها النحل‏ (62)

و أبلغه ما ليس فيه تكلّف‏* * * على حسن سبك فهو ممتنع سهل‏

و أبياته يستوعب الظرف نسجها* * * إذا من سداها حيك في غزل غزل‏

و يزدان بالدّر المديحي نظمها* * * كما زان أطراف الخدلجة الحجل‏ (63)

فينفث في الألباب سحرا سماعها* * * كما تنفث السحر المباسم و النجل‏

فصدّر و أوجز في النسبيب و بعده‏* * * تخلّص و أطنب في المديح و لا تغلو

و لم يغل من لبّى دعاية موجب‏* * * لإنشائه الأمداح فيمن لها أهل‏

و لا بدع أن جادت ببكر قريحة* * * تزفّ عروسا، و الجواد لها بعل‏

و أي جواد كالمربّيه ربّه‏* * * إذا ضاقت الأحلام و اتسع المحل‏

فتى لم يجب إن سيل سيبا لسانه‏* * * بغير نعم، و القول يصحبه الفعل‏

____________

(61) صاغه: صاغها في مجموع علي مربيه ربه.

(62) فينساغ: فينساق في المصدر السابق.

(63) الخدلجة: الممثلئة الذراعين و الساقين.

54

به تضرب الأمثال في كل مدحة* * * و ما في ضروب المكرمات له مثل‏

بسنّة طه و الكتاب اعتصامه‏* * * هما الحبل حبل الله، يا حبّذا الحبل‏

بناديه لا ينفكّ يتلوهما معا* * * فلهجته تتلو، و منهجه يتلو

و كم جعلت للمرملين إلى الغنى‏* * * يداه سبيلا حيث تنقطع السّبل‏

تظاهر بين اللّثم و البذل كفّه‏* * * فظاهرها لثم و باطنها بذل‏

و يفرق بين الحق و البطل هديه‏* * * فماموره حقّ و منهيه بطل‏

إذا ما خصال المجد عدّت، فإنما* * * له قصبات السبق منهنّ و الخصل‏

بنو فاضل سادوا، و قد ساد فيهم‏* * * و من ساد في مامين حقّ له الفضل‏ (64)

هم الحكماء الحاكمون على الورى‏* * * و لكن عليهم يحكم الفضل و العدل‏

إذا رغبوا لا يستفزّهم الهوى‏* * * و إن غضبوا لا يستخفّهم الجهل‏

و إن خطبوا لا يستربّهم الخطا* * * و إن وهبوا لا يستميلهم المطل‏

____________

(64) بنو فاضل: يقصد أحفاد الشيخ محمد فاضل بن مامين والد الشيخ ماء العينين.

- مامين: جد الشيخ ماء العينين، و في البيت تجنيس.