المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية - ج1

- أحمد بن علي المقريزي المزيد...
463 /
3

الجزء الاول‏

تقديم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

ها نحن أيها القارئ العربي العزيز نضع بين يديك كتابا جليلا من كتب تراثنا العربي ليكون لك عونا في التعرف على ماضي من سبقوا و وضعوا لبنة في بناء الحضارة العالمية، و في مهد الحضارات و أمّ الدنيا مصر العزيزة.

هذا الكتاب، كتاب المواعظ و الاعتبار بذكر الخطط و الآثار و المعروف بالخطط المقريزية، نسبة لمؤلفه العلامة الجليل تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي المقريزي المتوفى سنة 845 ه.

و الذي يؤرخ فيه لأمّ الدنيا مصر العزيزة خلال الفترة الممتدة من سنة عشرين للهجرة النبوية الشريفة و حتى سنة ست و تسعمائة. مبينا فيه ما للنيل العظيم من أثر في حياة مصر، متعرضا لمناخها و طقسها، مؤرخا للكيفية التي تمّ بها إنشاء كل من مصر و القاهرة. القاهرة التي اختط أساسها القائد جوهر من الطوب الني‏ء، مبتدئا بحارات القاهرة و ظواهرها معددا سبعا و ثلاثين حارة مبينا كيفية بناءها و من قام على هذا البناء منطلقا إلى ما لا يطلق عليه اسم حارة أو درب بل يسمّى خطا، و هي كثيرة و كل قليل تتغير أسماؤها و قد أورد ما تيسّر له منها فكانت ثلاثون خطا، مبينا ما كان عليه كل خط و ما آل إليه و من أمر بإنشائه و من قام على إنشائه و أسباب إنشائه. منتقلا إلى ذكر الدروب و الأزقة مبينا أسماءها التي كانت و ما ذا أصبحت و إلى من تنسب من الأشخاص و ما فيها من محال و دكاكين، و كان عددها خمس و ستون دربا و ثمان أزقة. ثم يعدد الخوخ، و الخوخة نافذة في باب كبير و عددها أربع عشرة خوخة. ثم ينتقل إلى الرحاب، و الرحبة تعني الموضع الواسع و الرحاب كثيرة لا تتغيّر إلّا بأن يبنى فيها و قد ذكر تسع و أربعون رحبة ثم ينتقل إلى ذكر الدور الهامة و عددها ست و خمسون دارا مسمّيا إياها بأسماء أصحابها. ثم ينتقل إلى ذكر الحمامات و القياسر و الفنادق و الخانات و الأسواق و السويقات و الحكر أو الأحكار، مترجما لها و للأمراء و السلاطين الذين عملوا على بنائها.

ثم ينتقل إلى الخلجان و القناطر و البرك و الجسور التي تمّ بناءها لجرّ مياه النيل إلى الحارات و الخطط.

4

ثم يؤرخ للملوك و السلاطين الذين تعاقبوا عليها منذ بناء قلعة الجبل مبتدئا بمن حكم من الأكراد، بدءا بالقائد أبو الحسن جوهر الذي قدم إلى إفريقيا بعساكر مولاه المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ في سنة عشرين للهجرة، منتهيا بالملك الأشرف قانصوه الغوري الأشرفي قايتباي سنة ست و تسعمائة.

مترجما لحياتهم و كيفية وصولهم إلى السلطة و فتوحاتهم و غزواتهم و ما قاموا به من خير أو شر لرعيتهم، و ما بنوا و ما هدموا و كان عددهم ست و خمسون سلطانا و ملكا.

ثم انتقل إلى الجوامع ذاكرا بناتها و الكيفية التي تمّ عليها البناء و عددها ثمان و ثمانون جامعا. ثم ذكر مذاهب أهل مصر و نحلهم منذ افتتح عمرو بن العاص أرض مصر إلى أن صاروا إلى اعتقاد مذاهب الأئمة و ما كان من الأحداث في ذلك.

ثم ذكر فرق الخليقة و اختلاف عقائدها و تباينها، و فرق أهل الإسلام و انحصار الفرق المتهالكة في عشر طوائف هي: المعتزلة و المشبهة و القدرية و المجبرة و المرجئة و الحرورية و البخارية و الجهمية و الروافض و الخوارج، كما ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعرية.

ثم انتقل إلى ذكر المدارس و من قام على بنائها و الأوقاف الموقوفة عليها و ما حلّ بها من تبدّل و تغير و عددها ثلاث و سبعون مدرسة. ثم انتقل إلى ذكر المساجد و المارستانات و الخوانك و الربط و الزوايا و المشاهد و المقابر و القرافات و مساجد القرافات و الجواسق و المصليّات و المعابد.

ثم انتقل إلى ذكر الملل غير الإسلامية الموجودة في مصر و القاهرة و هم اليهود و النصارى و ذكر أحوالهم و كنائسهم و دياراتهم و ما كان منهم و عليهم و ما آلوا إليه من فرق و خلافات فيما بينهم و مع المسلمين.

و رغم كل ما يقدمه هذا العالم الجليل يعترف بتقصيره عن إتمام الكمال الذي لا يصله إلّا اللّه وحده.

و يختتم كتابه بحمد اللّه و الاتكال عليه.

5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[مقدمة المؤلف‏]

الحمد للّه الذي عرّف و فهم، و علم الإنسان ما لم يكن يعلم، و أسبغ على عباده نعما باطنة و ظاهره، و والى عليهم من مزيد آلائه مننا متظافرة متواترة، و بثهم في أرضه حينا يتقلبون، و استخلفهم في ماله فهم به يتنعمون، و هدى قوما إلى اقتناص شوارد المعارف و العلوم، و شوّقهم للتفنن في مسارح التدبر و الركض بميادين الفهوم و أرشد قوما إلى الانقطاع من دون الخلق إليه، و وفقهم للاعتماد في كل أمر عليه و صرف آخرين عن كل مكرمة و فضيلة، و قيض لهم قرناء قادوهم إلى كل ذميمة من الأخلاق و رذيلة، و طبع على قلوب آخرين فلا يكادون يفقهون قولا، و ثبطهم عن سبل الخيرات، فما استطاعوا قوّة و لا حولا، ثم حكم على الكل بالفناء و نقلهم جميعا من دار التمحيص و الابتلاء إلى برزخ البيود و البلاء، و سيحشرهم أجمعين إلى دار الجزاء ليوفي كل عامل منهم عمله، و يسأله عما أعطاه و خوّله.

و عن موفقه بين يديه سبحانه و ما أعدّ له لا يسأل عما يفعل و هم يسألون. أحمده سبحانه حمد من علم أنه إله لا يعبد إلا إياه، و لا خالق للخلق سواه حمدا يقتضي المزيد من النعماء، و يوالي المنن بتجدّد الآلاء، و صلى اللّه على سيدنا محمد و عبده و رسوله و نبيه و خليله سيد البشر و أفضل من مضى و غبر الجامع لمحاسن الأخلاق و السير، و المستحق لاسم الكمال على الإطلاق من البشر الذي كان نبيا و آدم بين الماء و الطين، و رقم اسمه من الأزل في عليين، ثم تنقل من الأصلاب الفاخرة الزكية إلى الأرحام الطاهرة المرضية حتى بعثه اللّه عزّ و جلّ إلى الخلائق أجمعين، و ختم به الأنبياء و المرسلين و أعطاه ما لم يعط أحدا من العالمين و على آله و صحابته و التابعين و سلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

و بعد، فإنّ علم التاريخ من أجل العلوم قدرا، و أشرفها عند العقلاء مكانة و خطرا، لما يحويه من المواعظ و الإنذار بالرحيل إلى الآخرة عن هذه الدار و الاطلاع على مكارم الأخلاق ليقتدى بها، و استعلام مذامّ الفعال ليرغب عنها أولو النهي، لا جرم إن كانت الأنفس الفاضلة به وامقة و الهمم العالية إليه مائلة و له عاشقة. و قد صنف فيه الأئمة كثيرا، و ضمّن الأجلّة كتبهم منه شيئا كبيرا، و كانت مصر هي مسقط رأسي، و ملعب أترابي و مجمع ناسي، و مغنى عشيرتي و حامتي، و موطن خاصتي و عامّتي، و جؤجؤي الذي ربى جناحي‏

6

في وكره و عش مأربي فلا تهوى الأنفس غير ذكره لا زلت مذ شذوت العلم و آتاني ربي الفطانة و الفهم أرغب في معرفة أخبارها و أحبّ الأشراف على الاغتراف من آبارها، و أهوى مسائلة الركبان عن سكان ديارها فقيدت بخطى في الأعوام الكثيرة، و جمعت من ذلك فوائد قل ما يجمعها كتاب، أو يحويها لعزتها و غرابتها أهاب إلّا أنها ليست بمرتبة على مثال و لا مهذبة بطريقة ما نسج على منوال، فأردت أن ألخص منها أنباء ما بديار مصر من الآثار الباقية، عن الأمم الماضية و القرون الخالية، و ما بقي بفسطاط مصر من المعاهد غير ما كاد يفنيه البلى و القدم و لم يبق إلّا أن يمحو رسمها الفناء و العدم، و أذكر ما بمدينة القاهرة من آثار القصور الزاهرة، و ما اشتملت عليه من الخطط و الأصقاع، و حوته من المباني البديعة الأوضاع، مع التعريف بحال من أسس ذلك من أعيان الأماثل، و التنويه بذكر الذي شادها من سراة الأعاظم و الأفاضل و أنثر خلال ذلك نكتا لطيفة، و حكما بديعة شريفة من غير إطالة و لا إكثار، و لا إجحاف مخل بالغرض و لا اختصار، بل وسط بين الطرفين، و طريق بين بين.

فلهذا سميته (كتاب المواعظ و الاعتبار في ذكر الخطط و الآثار)، و إني لأرجو أن يحظى إن شاء اللّه تعالى عند الملوك و لا ينبو عنه طباع العاميّ و الصعلوك و يجله العالم المنتهي، و يعجب به الطالب المبتدي، و ترضاه خلائق العابد الناسك، و لا يمجه سمع الخليع الفاتك و يتخذه أهل البطالة و الرفاهية سمرا، و يعدّه أولو الرأي و التدبير موعظة و عبرا، يستدلون به على عظيم قدرة اللّه تعالى في تبديل الأبدال، و يعرفون به عجائب صنع ربنا سبحانه من تنقل الأمور إلى حال بعد حال، فإن كنت أحسنت فيما جمعت و أصبت في الذي صنعت و وضعت، فذلك من عميم منن اللّه تعالى و جزيل فضله و عظيم أنعمه عليّ، و جليل طوله، و إن أنا أسأت فيما فعلت و أخطأت إذ وضعت فما أجدر الإنسان بالإساءة و العيوب إذا لم يعصمه و يحفظه علام الغيوب:

و ما أبرّئ نفسي أنني بشر* * * أسهو و أخطى‏ء ما لم يحمني قدر

و لا ترى عذرا أولى بذي زلل‏* * * من أن يقول مقرّا أنني بشر

فليسبل الناظر في هذا التأليف على مؤلفه ذيل ستره إن مرّت به هفوة، و ليغض تجاوزا و صفحا إن وقف منه على كبوة، أو نبوة فأيّ جواد و إن عنق ما يكبو، و أيّ عضب مهند لا يكل و لا ينبو لا سيما و الخاطر بالأفكار مشغول، و العزم لالتواء الأمور و تعسرها فاتر محلول، و الذهن من خطوب هذا الزمن القطوب كليل و القلب لتوالي المحن، و تواتر الإحن عليل:

يعاندني دهري كأني عدوّه‏* * * و في كل يوم بالكريهة يلقاني‏

فإن رمت شيئا جاءني منه ضدّه‏* * * و إن راق لي يوما تكدّر في الثاني‏

7

اللهمّ غفرا ما هذا من التبرّم بالقضاء، و لا التضجر بالمقدور، بل إنه سقيم و نفثة مصدور يستروح أن أبدي التوجع و الأنين، و يجد خفا من ثقله إذا باح بالشكوى و الحنين:

و لو نظروا بين الجوانح و الحشا* * * رأوا من كتاب الحب في كبدي سطرا

و لو جرّبوا ما قد لقيت من الهوى‏* * * إذا عذروني أو جعلت لهم عذرا

و اللّه أسأل أن يحلي هذا الكتاب بالقبول عند الجلة و العلماء، كما أعوذ به من تطرّق أيدي الحساد إليه و الجهلاء، و أن يهديني فيه و فيما سواه من الأقوال و الأفعال إلى سواء السبيل، إنه حسبنا و نعم الوكيل و فيه جلّت قدرته لي سلوّ من كل حادث، و عليه عز و جل أتكل في جميع الحوادث، لا إله إلا هو و لا معبود سواه.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

ذكر الرءوس الثمانية

اعلم أنّ عادة القدماء من المعلمين قد جرت أن يأتوا بالرؤوس الثمانية قبل افتتاح كل كتاب، و هي: الغرض و العنوان و المنفعة، و المرتبة، و صحة الكتاب، و من أيّ صناعة هو و كم فيه من أجزاء، و أيّ أنحاء التعاليم المستعملة فيه فنقول:

(أما الغرض) في هذا التأليف فإنه جمع ما تفرّق من أخبار أرض مصر، و أحوال سكانها كي يلتئم من مجموعها معرفة جمل أخبار إقليم مصر و هي التي إذا حصلت في ذهن إنسان اقتدر على أن يخبر في كل وقت بما كان في أرض مصر من الآثار الباقية و البائدة و يقص أحوال من ابتدأها، و من حلها و كيف كانت مصائر أمورهم و ما يتصل بذلك على سبيل الاتباع لها بحسب ما تحصل به الفائدة الكلية بذلك الأثر.

(و أمّا عنوان هذا الكتاب) أعني الذي و سمته به فإني لما فحصت عن أخبار مصر وجدتها مختلطة متفرّقة فلم يتهيأ لي إذ جمعتها أن أجعل وضعها مرتبا على السنين لعدم ضبط وقت كل حادثة لا سيما في الأعصر الخالية، و لا أن أضعها على أسماء الناس لعلل أخر تظهر عند تصفح هذا التأليف فلهذا فرّقتها في ذكر الخطط و الآثار، فاحتوى كل فصل منها على ما يلائمه و يشاكله، و صار بهذا الاعتبار قد جمع ما تفرّق و تبدّد من أخبار مصر، و لم أتحاش من تكرار الخبر إذا احتجت إليه بطريقة يستحسنها الأريب، و لا يستهجنها الفطن الأديب كي يستغني مطالع كل فصل بما فيه عما في غيره من الفصول، فلذلك سميته:

(كتاب المواعظ و الاعتبار بذكر الخطط و الآثار).

(و أما منفعة هذا الكتاب) فإنّ الأمر فيها يتبين من الغرض في وضعه، و من عنوانه أعني أنّ منفعته هي أن يشرف المرء في زمن قصير على ما كان في أرض مصر من الحوادث و التغييرات في الأزمنة المتطاولة و الأعوام الكثيرة، فتتهذب بتدبر ذلك نفسه و ترتاض أخلاقه فيحب الخير و يفعله، و يكره الشرّ و يتجنبه، و يعرف فناء الدنيا فيحظى بالإعراض عنها، و الإقبال على ما يبقى.

(و أما مرتبة هذا الكتاب) فإنه من جملة أحد قسمي العلم اللذين هما العقليّ و النقليّ، فينبغي أن يتفرّغ لمطالعته و تدبر مواعظه بعد إتقان ما تجب معرفته من العلوم النقلية و العقلية، فإنه يحصل بتدبره لمن أزال اللّه أكنة قلبه و غشاوة بصره نتيجة العلم بما صار إليه‏

10

أبناء جنسه بعد التخوّل في الأموال و الجنود من الفناء و البيود، فإذا مرتبته بعد معرفة أقسام العلوم العقلية و النقلية ليعرف منه كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبل.

(و أما واضع هذا الكتاب و مرتّبه) فاسمه أحمد بن عليّ بن عبد القادر بن محمد، و يعرف بالمقريزيّ رحمه اللّه تعالى ولد بالقاهرة المعزية من ديار مصر بعد سنة ستين و سبعمائة من سني الهجرة المحمدية، و رتبته من العلوم ما يدل عليه هذا الكتاب و غيره مما جمعه و ألفه.

(و أما من أيّ علم هذا الكتاب) فإنه من علم الأخبار و بها عرفت شرائع اللّه تعالى التي شرعها، و حفظت سنن أنبيائه و رسله، و دوّن هداهم الذي يقتدى به من وفقه اللّه تعالى إلى عبادته، و هداه إلى طاعته، و حفظه من مخالفته، و بها نقلت أخبار من مضى من الملوك و الفراعنة و كيف حل بهم سخط اللّه تعالى لما أتوا ما نهوا عنه، و بها اقتدر الخليقة من أبناء البشر على معرفة ما دوّنوه من العلوم و الصنائع، و تأتي لهم على ما غاب عنهم من الأقطار الشاسعة، و الأمصار النائية و غير ذلك مما لا ينكر فضله، و لكل أمّة من أمم العرب و العجم على تباين آرائهم و اختلاف عقائدهم أخبار عندهم معروفة مشهورة ذائعة بينهم، و لكل مصر من الأمصار المعمورة حوادث قد مرّت به يعرفها علماء ذلك المصر في كل عصر و لو استقصيت ما صنف علماء العرب و العجم في ذلك لتجاوز حدّ الكثرة، و عجزت القدرة البشرية عن حصره.

(و أما أجزاء هذا الكتاب فإنها سبعة): أولها: يشتمل على جمل من أخبار أرض مصر، و أحوال نيلها و خراجها و جبالها.

و ثانيها: يشتمل على كثير من مدنها و أجناس أهلها.

و ثالثها: يشتمل على أخبار فسطاط مصر و من ملكها.

و رابعها: يشتمل على أخبار القاهرة و خلائقها و ما كان لهم من الآثار.

و خامسها: يشتمل على ذكر ما أدركت عليه القاهرة و ظواهرها من الأحوال.

و سادسها: يشتمل على ذكر قلعة الجبل و ملوكها.

و سابعها: يشتمل على ذكر الأسباب التي نشأ عنها خراب إقليم مصر.

و قد تضمن كل جزء من هذه الأجزاء السبعة عدّة أقسام.

و أما أيّ أنحاء التعاليم التي قصدت في هذا الكتاب، فإني سلكت فيه ثلاثة أنحاء، و هي النقل من الكتب المصنفة في العلوم، و الرواية عمن أدركت من شيخه العلم و جلة الناس، و المشاهدة لما عاينته و رأيته. فأما النقل من دواوين العلماء التي صنفوها في أنواع العلوم فإني أعزو كل نقل إلى الكتاب الذي نقلته منه لأخلص من عهدته، و أبرأ من جريرته فكثيرا ممن ضمني و إياه العصر، و اشتمل علينا المصر صار لقلة إشرافه على العلوم و قصور

11

باعه في معرفة علوم التاريخ، و جهل مقالات الناس يهجم بالإنكار على ما لا يعرفه و لو أنصف لعلم أن العجز من قبله و ليس ما تضمنه هذا الكتاب من العلم الذي يقطع عليه، و لا يحتاج في الشريعة إليه و حسب العالم أن يعلم ما قيل في ذلك و يقف عليه.

و أما الرواية عمن أدركت من الجلة و المشايخ فإني في الغالب و الأكثر أصرح باسم من حدّثني إلا أن لا يحتاج إلى تعيينه، أو أكون قد أنسيته و قلّ ما يتفق مثل ذلك.

و أمّا ما شاهدته فإني أرجو أن أكون و للّه الحمد غير متهم و لا ظنين، و قد قلت في هذه الرءوس الثمانية ما فيه قنع و كفاية، و لم يبق إلا أن أشرع فيما قصدت، و عزمي أن أجعل الكلام في كل خط من الأخطاط و في كل أثر من الآثار على حدة ليكون العلم بما يشتمل عليه من الأخبار أجمع و أكثر فائدة و أسهل تناولا و اللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم و فوق كلّ ذي علم عليم.

(فصل): أوّل من رتب خطط مصر و آثارها، و ذكر أسبابها في ديوان جمعه: أبو عمر محمد بن يوسف الكنديّ‏ (1)، ثم كتب بعده القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعيّ‏ (2) كتابه المنعوت بالمختار في ذكر الخطط و الآثار، و مات في سنة سبع و خمسين و أربعمائة قبل سني الشدّة، فدثر أكثر ما ذكر اه.

و لم يبق إلا يلمع و موضع بلقع بما حل بمصر من سني الشدّة المستنصرية من سنة سبع و خمسين إلى سنة أربع و ستين و أربعمائة من الغلاء و الوباء، فمات أهلها و خربت ديارها و تغيرت أحوالها، و استولى الخراب على عمل فوق من الطرفين بجانبي الفسطاط الغربيّ و الشرقيّ. فأما الغربيّ فمن قنطرة بني وائل حيث الوراقات الآن قريبا من باب القنطرة خارج مدينة مصر إلى الشرف المعروف الآن بالرصد، و أنت مار إلى القرافة الكبرى. و أما الشرقيّ فمن طرف بركة الحبش التي تلي القرافة إلى نحو جامع أحمد بن طولون، ثم دخل أمير الجيوش بدر الجمالي مصر في سنة ست و ستين و أربعمائة، و هذه المواضع خاوية على عروشها خالية من سكانها و أنيسها قد أبادهم الوباء و التباب، و شتتهم الموت و الخراب و لم يبق بمصر إلا بقايا من الناس كأنهم أموات قد اصفرّت وجوههم و تغيرت سحنهم من غلاء الأسعار، و كثرة الخوف من العسكرية، و فساد طوائف العبيد و الملحية، و لم يجد من يزرع الأراضي. هذا و الطرقات قد انقطعت بحرا و برّا إلا بخفارة و كلفة كثيرة، و صارت القاهرة

____________

(1) أبو عمر محمد بن يوسف الكندي المؤرخ الكبير صاحب كتاب (ولاة مصر و قضاتها) المتوفى سنة 350 ه. و بعض المؤرخين يخطئ في نسبة كتابه (فضائل مصر) له. علما أنّ كتاب فضائل مصر هو لابنه عمر بن محمد بن يوسف الكندي و هو أيضا مؤرخ. النجوم الزاهرة ج 1/ 51.

(2) مؤرخ مفسر كان كاتبا للوزير الجرجرائي أيام الفاطميين له عدة مؤلفات منها (تفسير القرآن) عشرون مجلدا و (خطط مصر) و (تاريخ الخلفاء). توفي سنة 454 ه. الأعلام ج 6/ 146.

12

أيضا يبابا داثرة، فأباح للناس من العسكرية و الملحية و الأرض، و كل من وصلت قدرته إلى عمارة أن يعمر ما شاء في القاهرة مما خلا من دور الفسطاط بموت أهلها فأخذ الناس في هدم المساكن و نحوها بمصر، و عمروا بها في القاهرة، و كان هذا أوّل وقت اختط الناس فيه بالقاهرة.

ثم كان المنبه بعد القضاعي على الخطط و التعريف بها تلميذه أبو عبد اللّه محمد بن بركات النحويّ في تأليف لطيف نبه فيه الأفضل أبا القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي على مواضع قد اغتصبت و تملكت بعد ما كانت أحباسا ثم كتب الشريف محمد بن أسعد الجواني‏ (1) (كتاب النقط بعجم ما أشكل من الخطط) نبه فيه على معالم قد جهلت و آثار قد دثرت، و آخر من كتب في ذلك القاضي تاج الدين محمد بن عبد الوهاب بن المتوّج‏ (2) (كتاب إيعاظ المتأمّل و إيقاظ المتغفل) في الخطط بيّن فيه جملا من أحوال مصر و خططها إلى أعوام بضع و عشرين و سبعمائة قد دثرت بعده معظم ذلك في وباء سنة تسع و أربعين و سبعمائة ثم في وباء سنة إحدى و ستين ثم في غلاء سنة ست و سبعين و سبعمائة.

و كتب القاضي محيي الدين عبد اللّه بن عبد (3) الظاهر (كتاب الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة) ففتح فيه بابا كانت الحاجة داعية إليه، ثم تزايدت العمارة من بعده في الأيام الناصرية محمد بن قلاوون بالقاهرة و ظواهرها إلى أن كادت تضيق على أهلها حتى حل بها و باء سنة تسع و أربعين و سنة إحدى و ستين ثم غلاء سنة ست و سبعين فخربت بها عدّة أماكن فلما كانت الحوادث و المحن من سنة ست و ثمانمائة شمل الخراب القاهرة و مصر و عامّة الإقليم، و سأورد من ذكر الخطط ما تصل إليه قدرتي إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) عالم بالأنساب أصله من الموصل و مولده و وفاته بمصر له مؤلفات عديدة منها: (تاج الأنساب) و (طبقات الطالبيين). ولد سنة 525 ه و توفي سنة 588 ه. الأعلام ج 6/ 31.

(2) مؤرخ مصري كتب عن أحوال مصر و خططها إلى سنة 725 ه. ولد سنة 639 ه و توفي سنة 730 ه.

الأعلام ج 6/ 256.

(3) أبو الفضل ابن رشيد الدين: قاض أديب مؤرخ من أهل مصر مولدا و وفاة كان كاتب الإنشاء في الديار المصرية. له عدة مؤلفات. ولد سنة 620 ه و توفي سنة 692 ه. الأعلام ج 4/ 98.

13

ذكر طرف من هيئة الأفلاك‏

اعلم أنه لما كانت مصر قطعة من الأرض تعيّن قبل التعريف بموقعها من الأرض و تبيين موضع الأرض من الفلك أن أذكر طرفا من هيئة الأفلاك، ثم أذكر صورة الأرض و موضع الأقاليم منها، و أذكر محل مصر من الأرض، و موضعها من الأقاليم و أذكر حدودها و اشتقاقها و فضائلها و عجائبها و كنوزها و أخلاق أهلها، و أذكر نيلها و خلجانها و كورها و مبلغ خراجها، و غير ذلك ممّا يتعلق بها قبل الشروع في ذكر خطط مصر و القاهرة فأقول: علم النجوم ثلاثة أقسام: (الأوّل): معرفة تركيب الأفلاك، و كمية الكواكب، و أقسام البروج، و أبعادها و عظمها و حركتها و يقال لهذا القسم: علم الهيئة. (و القسم الثاني): علم الزيج، و علم التقويم. (و القسم الثالث): معرفة كيفية الاستدلال بدوران الفلك و طوالع البروج على الحوادث قبل كونها و يسمى هذا القسم علم الأحكام، و الغرض هنا إيراد نبذ من علم الهيئة تكون توطئة لما يأتي ذكره. اعلم أن الكواكب أجسام كريات و الذي أدرك منها الحكماء بالرصد ألف كوكب و تسعة و عشرون كوكبا، و هي على قسمين: سيارة، و ثابتة. فالسيارة سبعة و هي: زحل، و المشتري، و المرّيخ، و الشمس، و الزهرة، و عطارد، و القمر، و قد نظمت في بيت واحد و هو:

زحل شرى مرّيخه من شمسه‏* * * فتزاهرت بعطارد الأقمار

و يقال لهذه السبعة: الخنّس، و قيل: إنها التي عناها اللّه تعالى بقوله: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ‏ [التكوير/ 15] و التي عناها اللّه تعالى بقوله: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً [النازعات/ 5]، و قيل لها: الخنس لاستقامتها في سيرها و رجوعها، و قيل لها: الكنس لأنها تجري في البروج ثم تكنس أي تستتر كما يكنس الظبي، و قيل: الكنس و الخنس منها خمسة و هي: ما سوى الشمس و القمر سميت بذلك من الانحناس و هو الانقباض، و في الحديث:

«الشيطان يوسوس للعبد فإذا ذكر اللّه خنس» أي انقبض و رجع فيكون الخنس على هذا في الكواكب بمعنى الرجوع و سميت بالكنس من قولهم: كنس الظبي إذا دخل الكناس و هو مقرّة فالكنس على هذا في الكواكب بمعنى اختفائها تحت ضوء الشمس و يقال لهذه الكواكب المتحيرة لأنها ترجع أحيانا عن سمت مسيرها بالحركة الشرقية و تتبع الغربية في رأي العين فيكون هذا الارتداد لها شبه التحير، و هذه الأسماء التي لهذه الكواكب يقال: إنها مشتقة من صفاتها.

14

فزحل مشتق من زحل فلان إذا أبطأ سمي بذلك لبطء سيره، و قيل: للزحل و الزحل الحقد، و هو بزعمهم يدل على ذلك و يقال: إنه المراد في قوله تعالى: وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ‏ [الطارق/ 1- 3]. و المشتري سمي بذلك لحسنه كأنه اشترى الحسن لنفسه، و قيل: لأنه نجم الشراء و البيع، و دليل الريح و المال في قولهم.

و المرّيخ مأخوذ من المرخ و هو شجر يحتك بعض أغصانه ببعض فيوري نارا سمي بذلك لاحمراره، و قيل: المرّيخ سهم لا ريش له إذا رمي به لا يستوي في ممرّه، و كذا المرّيخ فيه التواء كثير في سيره و دلالته بزعمهم تشبه ذلك، و الشمس لما كانت واسطة بين ثلاثة كواكب علوية لأنهم من فوقها، و ثلاثة سفلية لأنهم من تحتها سميت بذلك لأنّ الواسطة التي في المخنقة تسمى شمسة، و الزهرة من الزاهر و هو الأبيض النير من كل شي‏ء، و عطارد هو النافذ في كل الأمور و لذلك يقال له أيضا الكاتب فإنه كثير التصرّف مع ما يقارنه و يلابسه من الكواكب، و القمر مأخوذ من القمرة و هي البياض و الأقمر الأبيض.

و يقال لزحل كيوان، و للمشتري تبر و البرجيس أيضا، و للمرّيخ بهرام، و للشمس مهر، و للزهرة أياهيد و سدحت أيضا، و لعطارد هرمس، و للقمر ماه، و قد جمعت في بيت واحد و هو هذا:

لا زلت تبقى و ترقى للعلى أبدا* * * ما دام للسبعة الأفلاك أحكام‏

مهر و ماه و كيوان و تبر معا* * * و هرمس و أياهيد و بهرام‏

و يقال: لما عدا هذه الكواكب السبعة من بقية نجوم السماء الكواكب الثابتة.

سميت بذلك لثباتها في الفلك بموضع واحد، و قيل: لبطء حركتها فإنها تقطع الفلك بزعمهم بعد كل ستة و ثلاثين ألف سنة شمسية مرّة واحدة.

و لكل كوكب من الكواكب السبعة السيارة فلك من الأفلاك يخصه، و الأفلاك أجسام كريات مشقات بعضها في جوف بعض و هي تسعة أقربها إلينا فلك القمر، و بعده فلك عطارد، ثم بعده فلك الزهرة، و بعده فلك الشمس، و فوقه فلك المريخ، ثم فلك المشتري، و فوقه فلك زحل، ثم فلك الثوابت و فيه كل كوكب يرى في السماء سوى السبعة السيارة، و من فوق فلك الثوابت الفلك المحيط و هو الفلك التاسع، و يسمى الأطلس، و فلك الأفلاك، و فلك الكل، و قد اختلف في الأفلاك فقيل: هي السماوات، و قيل: بل السماوات غيرها، و قيل: بل هي كرية، و قيل غير ذلك. و قيل: الفلك الثامن هو الكرسي، و الفلك التاسع هو العرش، و قيل غير ذلك. و هذا الفلك التاسع دائم الدوران كالدولاب و يدور في كل أربعة و عشرين ساعة مستوية دورة واحدة، و دورانه يكون أبدا من المشرق إلى المغرب، و يدور بدورانه جميع الأفلاك الثمانية و ما حوته من الكواكب دورانا حركته قسرية لإدارة

15

التاسع لها و عن حركة التاسع المذكور يكون الليل و النهار فالنهار مدّة بقاء الشمس فوق أفق الأرض و الليل مدّة غيبوبة الشمس تحت أفق الأرض، و فلك الكواكب الثابتة مقسوم باثني عشر قسما كحجز البطيخة كل قسم منها يقال له: برج و هي: الحمل، و الثور، و الجوزاء، و السرطان، و الأسد، و السنبلة، و الميزان، و العقرب، و القوس، و الجدي، و الدلو، و الحوت. و كل برج من هذه البروج الاثني عشر ينقسم ثلاثين قسما يقال: لكل قسم منها درجة، و كل درجة من هذه الثلاثين مقسومة ستين قسما يقال لكل قسم منها دقيقة و كل دقيقة من هذه الستين مقسومة ستين قسما يقال لكل قسم منها ثانية و هكذا إلى الثوالث و الروابع و الخوامس إلى الثواني عشر و ما فوقها من الأجزاء و كل ثلاثة بروج تسمى فصلا. فالزمان على ذلك أربعة فصول: و هي الربيع، و الصيف، و الخريف، و الشتاء. و جهات الأقطار أربعة: الشرق، و الغرب، و الشمال، و الجنوب. و الأركان أربعة: النار، و الهواء، و الماء، و التراب. و الطبائع أربعة: الحرارة، و البرودة، و الرطوبة، و اليبوسة. و الأخلاط أربعة:

الصفراء، و السوداء، و البلغم، و الدم. و الرياح أربعة: الصبا، و الدبور، و الشمال، و الجنوب.

فالبروج منها ثلاثة ربيعية صاعدة في الشمال زائدة النهار على الليل و هي: الحمل، و الثور، و الجوزاء، و ثلاثة صيفية هابطة في الشمال آخذة الليل من النهار و هي: السرطان، و الأسد، و السنبلة، و ثلاثة خريفية هابطة في الجنوب زائدة الليل على النهار و هي: الميزان، و العقرب، و القوس، و ثلاثة شتوية صاعدة في الجنوب آخذة النهار من الليل و هي: الجدي، و الدلو، و الحوت، و الفلك المحيط كما تقدم دائم الدوران كالدولاب يدور أبدا من المشرق إلى المغرب فوق الأرض، و من المغرب إلى المشرق تحتها فيكون دائما نصف الفلك، و هو ستة بروج بمائة و ثمانين درجة فوق الأرض و نصفه الآخر و هو ستة بروج بمائة و ثمانين درجة تحت الأرض، و كلما طلعت من أفق المشرق درجة من درجات الفلك التي عدّتها ثلثمائة و ستون درجة غرب نظيرها في أفق المغرب من البرج السابع فلا يزال دائما ستة بروج طلوعها بالنهار، و ستة بروج طلوعها بالليل، و الأفق عبارة عن الحدّ الفاصل من الأرض بين المرئيّ و الخفيّ من السماء، و الفلك يدور على قطبين شماليّ و جنوبيّ كما يدور الحق على قطبي المخروطة، و يقسم الفلك خط من دائرة تقسمه نصفين متساويين بعدهما من كلا القطبين سواء، و تسمى هذه الدائرة دائرة معدّل النهار فهي تقاطع فلك البروج و دائرة فلك البروج تقاطع دائرة معدّل النهار، و يميل نصفها إلى الجانب الشمالي بقدر أربع و عشرين درجة تقريبا و هذا النصف فيه قسمة البروج الستة الشمالية و هي من أوّل الحمل إلى آخر السنبلة و يميل نصفها الثاني عنها إلى الجنوب بمثل ذلك و فيه قسمة البروج الستة الجنوبية.

و هي من أوّل برج الميزان إلى آخر برج الحوت، و موضع تقاطع هاتين الدائرتين أعني دائرة معدّل النهار، و دائرة فلك البروج من الجانبين هما: نقطتا الاعتدالين أعني رأس الحمل‏

16

و رأس الميزان، و مدار الشمس و القمر، و سائر النجوم على محاذاة دائرة فلك البروج دون دائرة معدّل النهار و تمرّ الشمس على دائرة معدّل النهار عند حلولها بنقطتي الاعتدالين فقط لأنها موضع تقاطع الدائرتين، و هذا هو خط الاستواء الذي لا يختلف فيه الزمان بزيادة الليل على النهار و لا النهار على الليل. لأنّ ميل الشمس عنه إلى كلا الجانبين الشماليّ و الجنوبيّ سواء فالشمس تدور الفلك و تقطع الاثني عشر برجا في مدّة ثلثمائة و خمسة و ستين يوما و ربع يوم بالتقريب. و هذه هي: مدّة السنة الشمسية و تقيم في كل برج ثلاثين يوما و كسرا من يوم، و تكون أبدا بالنهار ظاهرة فوق الأرض، و بالليل بخلاف ذلك و إذا حلت في البروج الستة الشمالية التي هي: الحمل، و الثور، و الجوزاء، و السرطان، و الأسد، و السنبلة فإنها تكون مرتفعة في الهواء قريبة من سمت رؤوسنا و ذلك زمن فصل الربيع و فصل الصيف، و إذا حلت في البروج الجنوبية و هي: الميزان، و العقرب، و القوس، و الجدي، و الدلو، و الحوت، كان فصل الخريف و فصل الشتاء، و انحطت الشمس و بعدت عن سمت الرءوس.

و زعم وهب بن منبه أن أوّل ما خلق اللّه تعالى من الأزمنة الأربعة الشتاء فجعله باردا رطبا، و خلق الربيع فجعله حارا رطبا، و خلق الصيف فجعله حارا يابسا، و خلق الخريف فجعله باردا يابسا، و أوّل الفصول عند أهل زماننا الربيع و يكون فصل الربيع عندما تنتقل الشمس من برج الحوت، و قد اختلف القدماء في البداية من الفصول فمنهم من اختار فصل الربيع و صيّره أوّل السنة، و منهم من اختار تقديم الانقلاب الصيفيّ، و منهم من اختار تقديم الاعتدال الخريفيّ، و منهم من اختار تقديم الانقلاب الشتويّ، فإذا حلت أوّل جزء من برج الحمل استوى الليل و النهار و اعتدل الزمان و انصرف الشتاء و دخل الربيع، و طاب الهواء، و هبّ النسيم، و ذاب الثلج، و سالت الأودية، و مدّت الأنهار فيما عدا مصر، و نبت العشب، و طال الزرع، و نما الحشيش و تلألأ الزهر و أوراق الشجر، و تفتح النور، و اخضرّ وجه الأرض و نتجت البهائم، و درت الضروع، و أخرجت الأرض زخرفها، و ازينت و صارت كصبية شابة قد تزينت للناظرين و للّه درّ القائل، و هو الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد اليعمريّ رحمه اللّه تعالى:

و استنشقوا لهوا الربيع فإنه‏* * * نعم النسيم و عنده ألطاف‏

يغذي الجسوم نسيمه و كأنه‏* * * روح حواها جوهر شفاف‏

و قال ابن قتيبة: و من ذلك الربيع يذهب الناس إلى أنه الفصل الذي يتبع الشتاء و يأتي فيه النور، و الورد، و لا يعرفون الربيع غيره، و العرب تختلف في ذلك فمنهم من يجعل الربيع الفصل الذي تدرك فيه الثمار، و هو الخريف و فصل الشتاء بعده ثم فصل الصيف بعد الشتاء و هو الوقت الذي تدعوه العامّة الربيع ثم فصل القيظ و هو الذي تدعوه العامّة الصيف، و من العرب من يسمي الفصل الذي يعتدل و تدرك فيه الثمار و هو الخريف الربيع الأوّل، و يسمى الفصل الذي يتلوه الشتاء و يأتي فيه الكمام و النور الربيع الثاني و كلهم مجتمعون على‏

17

أن الربيع هو الخريف فإذا حلت الشمس آخر برج الجوزاء، و أوّل برج السرطان تناهي طول النهار، و قصر الليل و ابتدأ نقص النهار و زيادة الليل و انصرم فصل الربيع، و دخل فصل الصيف، و اشتدّ الحرّ، و حمى الهواء، و هبت السمائم، و نقصت المياه إلا بمصر، و يبس العشب، و استحكم الحب، و أدرك حصاد الغلال، و نضجت الثمار، و سمنت البهائم، و اشتدّت قوّة الأبدان، و درت أخلاف النعم، و صارت الأرض كأنها عروس فإذا بلغت آخر برج السنبلة و أوّل برج الميزان تساوى الليل و النهار مرّة ثانية و أخذ الليل في الزيادة و النهار في النقصان و انصرم فصل الصيف و دخل فصل الخريف فبرد الهواء، و هبت الرياح، و تغير الزمان، و جفت الأنهار، و غارت العيون، و اصفرّ ورق الشجر، و صرّمت الثمار، و درست البيادر، و اختزن الحبّ، و اقتنى العشب، و اغبرّ وجه الأرض إلا بمصر، و هزلت البهائم، و ماتت الهوامّ، و انحجرت الحشرات، و انصرف الطير و الوحش يريد البلاد الدافئة، و أخذ الناس يخزنون القوت للشتاء و صارت الدنيا كأنها امرأة كهلة قد أدبرت و أخذ شبابها يولي و للّه درّ القائل و هو الإمام عز الدين أبو الحسن أحمد بن عليّ ابن معقل الأزديّ المهلبيّ الحمصيّ حيث يقول:

للّه فصل الخريف المستلذ به‏* * * برد الهواء لقد أبدى لنا عجبا

أهدى إلى الأرض من أوراقه ذهبا* * * و الأرض من شأنها أن تهدي الذهبا

و قال أيضا:

للّه فصل الخريف فصلا* * * رقت حواشيه فهو رائق‏

فالماء يجري بقلب سال‏* * * و الدمع يبدو بوجه عاشق‏

فبرد هذا و لون هذا* * * يلذه ذائق و وامق‏

و قال أيضا:

أتى فصل الخريف بكل طيب‏* * * و حسن معجب قلبا و عينا

أرانا الدوح مصفرّا نضارا* * * و صافي الماء مبيضا لجينا

فأحسن كلّ إحسان إلينا* * * و أنعم كلّ إنعام علينا

و قال آخر يذم الخريف:

خذ في التدثر في الخريف فإنه‏* * * مستو بل و نسيمه خطاف‏

يجري مع الأجسام جري حياتها* * * كصديقا و من الصديق يخاف‏

و قال آخر:

يا عائبا فصل الخريف و غائبا* * * عن فضله في ذمه لزمانه‏

لا شي‏ء ألطف منه عندي موقعا* * * أبدا يعرّي الغصن من قمصانه‏

18

و تراه يفرش تحته أثوابه‏* * * فأعجب لرأفته و فرط حنانه‏

و ألذ ساعات الوصال إذا دنا* * * وقت الرحيل و حان حين أوانه‏

فإذا حلّت الشمس آخر برج القوس و أوّل برج الجدي تناهى طول الليل و قصر النهار، و أخذ النهار في الزيادة و الليل في النقصان، و انصرم فصل الخريف، و حلّ فصل الشتاء، و اشتدّ البرد، و خشن الهواء، و تساقط ورق الشجر، و مات أكثر النبات، و غارت الحيوانات، في جوف الأرض و ضعف قوى الأبدان و عري وجه الأرض من الزينة، و نشأت الغيوم و كثرت الأنداء، و أظلم الجوّ و كلح وجه الأرض إلا بمصر، و امتنع الناس من التصرّف، و صارت الدنيا كأنها عجوز هرمة قد دنا منها الموت. فإذا بلغت آخر برج الحوت و أوّل برج الحمل عاد الزمان كما كان عام أوّل و هذا دأبه ذلك تقدير العزيز العليم و تدبير الخبير الحكيم لا إله إلّا هو. و قد شبه بطليموس فصل الربيع بزمان الطفولية، و فصل الصيف بالشباب، و الخريف بالكهولة، و الشتاء بالشيخوخة، و عن حركة الشمس و تنقلها في البروج الاثني عشر المذكورة تكون أزمان السنة و أوقات اليوم من الليل و النهار و ساعاتهما، و عن حركة القمر في البروج الاثني عشر تكون الشهور القمرية و السنة القمرية، فالقمر يدور البروج الاثني عشر و يقطع الفلك كله في مدّة ثمانية و عشرين يوما و بعض يوم، و يقيم في كل برج يومين و ثلث يوم بالتقريب، و يقيم في كلّ منزلة من منازل القمر الثمانية و العشرين منزلة يوما و ليلة، فيظهر عند إهلاله من ناحية الغرب بعد غروب جرم الشمس، و يزيد نوره في كل ليلة قدر نصف سبع حتى يكمل نوره، و يمتلئ في ليلة الرابع عشر من إهلاله، ثم يأخذ من الليلة الخامسة عشر في النقصان فينقص من نوره في كلّ ليلة نصف سبع كما بدا إلى أن يمحق نوره في آخر الثمانية و عشرين يوما من إهلاله و يمرّ في هذه المدّة منذ يفارق الشمس، و يبدو في ناحية الغرب، و يستمرّ إلى أن يجامعها بثمانية و عشرين منزلة و هي: السرطان‏ (1)، و البطين، و الثريا، و الدبران، و الهقعة، و الهنعة، و الذراع، و النثرة، و الطرف، و الجبهة، و الزبرة، و الصرفة، و العوّا، و السماك، و الغفر، و الزبانا، و الإكليل، و القلب، و الشولة، و النعائم، و البلدة، و سعد الذابح، و سعد بلع، و سعد السعود، و سعد الأخبية، و الفرغ المقدّم، و الفرغ المؤخر، و بطن الحوت. و لحساب ذلك كتب موضوعة و فيما ذكر كفاية و اللّه يعلم و أنتم لا تعلمون.

ذكر صورة الأرض و موضع الأقاليم منها

و لما تقدّم في الأفلاك من القول ما يتبين به لمن ألهمه اللّه تعالى كيف تكون الحركة التي بها الليل و النهار، و تركب الشهور و الأعوام منهما جاز حينئذ الكلام على الأرض.

____________

(1) السرطان: في بعض المراجع: الشرطين. سر الأسرار لأرسطوطاليس.

19

فأقول: الجهات من حيث هي ست: الشرق و هو حيث تطلع الشمس. و القمر، و سائر الكواكب في كل قطر من الأفق، و الغرب و هو حيث تغرب، و الشمال و هو حيث مدار الجدي و الفرقدين، و الجنوب و هو حيث مدار سهيل، و الفوق و هو مما يلي السماء، و التحت و هو مما يلي مركز الأرض.

و الأرض جسم مستدير كالكرة، و قيل: ليست بكرية الشكل و هي واقفة في الهواء بجميع جبالها و بحارها و عامرها و غامرها، و الهواء محيط بها من جميع جهاتها كالمحّ في جوف البيضة و بعدها من السماء متساو من جميع الجهات و أسفل الأرض ما تحقيقه هو عمق باطنها مما يلي مركزها من أيّ جانب كان. ذهب الجمهور إلى أن الأرض كالكرة موضوعة في جوف الفلك كالمح في البيضة، و أنها في الوسط و بعدها في الفلك من جميع الجهات على التساوي.

و زعم هشام بن الحكم: أن تحت الأرض جسما من شأنه الارتفاع و هو المانع للأرض من الانحدار، و هو ليس محتاجا إلى ما بعده، لأنه ليس يطلب الانحدار بل الارتفاع، و قال:

إن اللّه تعالى وقفها بلاد عماد.

و قال ديمقراطس: أنها تقوم على الماء، و قد حصر الماء تحتها حتى لا يجد مخرجا فيضطرّ إلى الانتقال، و قال آخر: هي واقفة على الوسط على مقدار واحد من كلّ جانب و الفلك يجذبها من كل وجه فلذلك لا تميل إلى ناحية من الفلك دون ناحية، لأنّ قوة الأجزاء متكافئة، و ذلك كحجر المغناطيس في جذبه الحديد فإنّ الفلك بالطبع مغناطيس الأرض، فهو يجذبها فهي واقفة في الوسط، و سبب وقوفها في الوسط سرعة تدوير الفلك و دفعه إياها من كل جهة إلى الوسط.

كما إذا وضعت ترابا في قارورة و أدرتها بقوّة فإنّ التراب يقوم في الوسط.

و قال محمد بن أحمد الخوارزمي‏ (1): الأرض في وسط السماء، و الوسط هو السفلى بالحقيقة، و هي مدوّرة مضرسة من جهة الجبال البارزة و الوهاد الغائرة، و ذلك لا يخرجها عن الكرية إذا اعتبرت جملتها لأنّ مقادير الجبال و إن شمخت يسيرة بالقياس إلى كرة الأرض، فإن الكرة التي قطرها ذراع، أو ذراعان مثلا إذا أنتأ منها شي‏ء أو غار فيها لا يخرجها عن الكرية، و لا هذه التضاريس لإحاطة الماء بها من جميع جوانبها و غمرها، بحيث لا يظهر منها شي‏ء. فحينئذ تبطل الحكمة المؤدّية المودعة في المعادن، و النبات و الحيوان، فسبحان من لا يعلم أسرار حكمه إلا هو. و أما سطحها الظاهر المماس للهواء من جميع‏

____________

(1) باحث من أهل خراسان له كتاب (مفاتيح العلوم) و يعد كتابه من أقدم ما صنفه العرب على الطريقة الموسوعية. توفي سنة 387 ه. الأعلام ج 5/ 312.

20

الجهات فإنه فوق، و الهواء فوق الأرض يحيط بها و يجذبها من سائر الجهات، و فوق الهواء الأفلاك المذكورة فيما تقدّم واحدا فوق آخر إلى الفلك التاسع الذي هو أعلى الأفلاك، و نهاية المخلوقات بأسرها، و قد اختلف فيما وراء ذلك فقيل: خلا.

و قيل: ملاء، و قيل: لا خلاء و لا ملاء و كل موضع يقف فيه الإنسان من سطح الأرض فإنّ رأسه أبدا يكون مما يلي السماء إلى فوق، و رجلاه أبدا تكون أسفل مما يلي مركز الأرض، و هو دائما يرى من السماء: نصفها و يستر عنه النصف الآخر حدبة الأرض، و كلما انتقل من موضع إلى آخر ظهر له من السماء بقدر ما خفي عنه.

و الأرض غامرة بالماء كعنبة طافية فوق الماء قد انحسر عنها نحو النصف، و انغمر النصف الآخر في الأرض، و صار المنكشف من الأرض نصفين، كأنما قسم بخط مسامت لخط معدّل النهار يمرّ تحت دائرته، و جميع البلاد التي على هذا الخط، لا عرض لها البتة، و القطبان غير مرتبين فيها، و يكونان هناك على دائرة الأفق من الجانبين.

و كلما بعد موضع بلد عن هذا الخط إلى ناحية الشمال قدر درجة ارتفع القطب الشماليّ الذي هو: الجدي على أهل ذلك البلد درجة، و انخفض القطب الجنوبيّ الذي هو: سهيل درجة، و هكذا ما زاد و يكون الأمر فيما بعد من البلاد الواقعة في ناحية الجنوب كذلك من ارتفاع القطب الجنوبيّ، و انحطاط القطب الشماليّ، و بهذا عرف عرض البلدان، و صار عرض البلد عبارة عن ميل دائرة معدّل النهار عن سمت رؤوس أهله، و ارتفاع القطب عليهم، و هو أيضا بعد ما بين سمت رؤوس أهل ذلك البلد، و سمت رؤوس أهل بلد لا عرض له، فأمّا ما انكشف من الأرض مما يلي الجنوب من خط الاستواء، فإنه خراب، و النصف الآخر الذي يلي الشمال من خط الاستواء، فهو الربع العامر، و هو المسكون من الأرض، و خط الاستواء لا وجود له في الخارج، و إنما هو فرض بوهمنا أنه خط ابتداؤه من المشرق إلى المغرب تحت مدار رأس الحمل، و سمي بذلك من أجل أنّ النهار، و الليل هناك أبدا سواء لا يزيد و لا ينقص أحدهما عن الآخر شيئا البتة في سائر أوقات السنة كلها، و نقطتا هذا الخط ملازمتان للأفق إحداهما على مدار سهيل في ناحية الجنوب، و الأخرى مما يلي الجدي في ناحية الشمال.

و العمارة من المشرق إلى المغرب مائة و ثمانون درجة من الجنوب إلى الشمال من خط أريس إلى بنات نعش: ثمان و أربعون درجة، و هو مقدار ميل الشمس مرّتين، و خلف خط أريس، و هو مقدار: ستة عشر درجة، و جملة معمور الأرض نحو من: سبعين درجة لاعتدال مسير الشمس في هذا الوسط، و مرورها على ما وراء الحمل و الميزان مرّتين في السنة، و أما الشمال و الجنوب، فالشمس لا تحاذيهما إلّا مرّة واحدة، و لأنّ أوج الشمس مرّتين في جهة الشمال، كانت العمارة فيه لارتفاعها و انتفاء ضرر قربها عن ساكنيه، و لأن‏

21

حضيضها في الجنوب، عدمت العمارة هنالك.

و قد اختلف الناس في مسافة الأرض، فقيل: مسافتها خمسمائة عام ثلث عمران، و ثلث خراب، و ثلث بحار، و قيل: المعمور من الأرض مائة و عشرون سنة: تسعون ليأجوج و مأجوج، و اثنا عشر: للسودان، و ثمانية للروم، و ثلاثة للعرب، و سبعة لسائر الأمم.

و قيل: الدنيا سبعة أجزاء: ستة ليأجوج و مأجوج، و واحد لسائر الناس، و قيل:

الأرض خمسمائة عام: البحار ثلثمائة، و مائة خراب، و مائة عمران، و قيل: الأرض أربعة و عشرون ألف فرسخ: للسودان اثنا عشر ألف، و للروم ثمانية آلاف، و لفارس ثلاثة آلاف، و للعرب ألف.

و عن وهب بن منبه: ما العمارة من الدنيا في الخراب إلا كفسطاط في الصحراء.

و قال أزدشير بن بابك: الأرض أربعة أجزاء: جزء منها للترك، و جزء للعرب، و جزء للفرس، و جزء للسودان، و قيل: الأقاليم سبعة: و الأطراف أربعة، و النواحي خمسة و أربعون، و المدائن عشرة آلاف، و الرساتيق مائتا ألف و ستة و خمسون ألفا، و قيل: المدن و الحصون أحد و عشرون ألفا و ستمائة مدينة و حصن، ففي الإقليم الأوّل ثلاثة آلاف و مائة مدينة كبيرة، و في الثاني ألفان و سبعمائة و ثلاثة عشر مدينة و قرية كبيرة، و في الثالث ثلاثة آلاف و تسع و سبعون مدينة و قرية، و في الرابع و هو بابل ألفان و تسعمائة و أربع و سبعون مدينة، و في الخامس ثلاثة آلاف مدينة و ست مدائن، و في السادس ثلاثة آلاف و أربعمائة و ثمان مدن، و في السابع ثلاثة آلاف و ثلاثمائة مدينة في الجزائر.

و قال الخوارزميّ: قطر الأرض سبعة آلاف فرسخ، و هو نصف سدس الأرض و الجبال و المفاوز و البحار، و الباقي خراب يباب لا نبات فيه و لا حيوان، و قيل: المعمور من الأرض مثل: طائر، رأسه الصين، و الجناح الأيمن الهند و السند، و الجناح الأيسر الخزر، و صدره مكة و العراق و الشام و مصر، و ذنبه الغرب، و قيل: قطر الأرض سبعة آلاف و أربعمائة و أربعة عشر ميلا و دورها عشرون ألف ميل و أربعمائة ميل، و ذلك جميع ما أحاطت به من برّ و بحر.

و قال أبو زيد أحمد بن سهل البلخيّ‏ (1): طول الأرض من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب نحو أربعمائة مرحلة، و عرضها من حيث العمران الذي من جهة الشمال، و هو مساكن يأجوج و مأجوج إلى حيث العمران الذي من جهة الجنوب، و هو مساكن السودان‏

____________

(1) أحمد بن سهل أبو زيد البلخي: أحد الكبار الأفذاذ من علماء الإسلام جمع بين الشريعة و الأدب و الفلسفة و الفنون ولد سنة 235 ه و توفي سنة 322 ه. له عدة مؤلفات منها: (الأسماء و الكنى و الألقاب). الأعلام ج 1/ 134.

22

مائتان و عشرون مرحلة و ما بين براري يأجوج و مأجوج إلى البحر المحيط في الشمال، و ما بين براري السودان، و البحر المحيط في الجنوب خراب ليس فيه عمارة، و يقال: إن مسافة ذلك: خمسة آلاف فرسخ، و هذه أقوال لا دليل على صدقها.

و الطريق في معرفة مساحة الأرض أنّا لو سرنا على خط نصف النهار من الجنوب إلى الشمال بقدر ميل دائرة معدّل النهار عن سمت رؤوسنا إلى الجنوب درجة من درج الفلك التي هي جزء من ثلاثمائة و ستين جزءا، و ارتفع القطب علينا درجة نظير تلك الدرجة فإنا نعلم أنا قد قطعنا من محيط جرم الأرض جزءا من ثلاثمائة و ستين جزءا، و هو نظير ذلك الجزء من الفلك، فلو قسنا من ابتداء مسيرنا إلى انتهاء مكاننا الذي وصلنا إليه حيث ارتفع القطب علينا درجة، فإنا نجد حقيقة الدرجة الواحدة من الفلك قد قطعت من الأرض ستة و خمسين ميلا، و ثلثي ميل عنها خمسة و عشرون فرسخا فإذا ضربنا حصة الدرجة الواحدة، و هو ما ذكر من الأميال في ثلاثمائة و ستين خرج من الضرب عشرون ألفا، و أربعمائة ميل، و ذلك مساحة دور الأرض فإذا قسمنا هذه الأميال التي هي مساحة دور الأرض على ثلاثة و سبع خرج من القسمة ستة آلاف و أربعمائة، و أربعون ميلا، و هي مساحة قطر الأرض، فلو ضربنا هذا القطر في مبلغ دور الأرض، لبلغت مساحة بسط الأرض بالتكسير مائة ألف ألف و اثنين و ثلاثين ألف ألف و ستمائة ألف ميل بالتقريب. فعلى هذا مساحة ربع الأرض المسكون بالتكسير ثلاثة و ثلاثون ألف ألف ميل و مائة و خمسون ألف ميل، و عرض المسكون من هذا الربع بقدر بعد مدار السرطان عن القطب، و هو خمسة و خمسون جزءا و سدس جزء، و هذا هو سدس الأرض و انتهاؤه إلى جزيرة تولي في برطانية، و هي آخر المعمور من الشمال، و هو من الأميال ثلاثة آلاف و سبعمائة و أربعة و ستون ميلا، فإذا ضربنا هذا السدس الذي هو مساحة عرض الأرض في النصف، و هو مقدار الطول، كان المعمور من الشمال قدر نصف سدس الأرض. و أما الطول فإنه يقل لتضايق أقسام كرة الأرض، و مقداره مثل خمس الدور، و هو بالتقريب أربعة آلاف و ثمانون ميلا، و في الربع المسكون من الأرض: سبعة أبحر كبار، و في كل بحر منها عدة جزائر، و فيه خمسة عشر بحيرة منها ملح و عذب، و فيه مائتا جبل طوال، و مائتا نهر، و أربعون نهرا طوالا، و يشتمل على سبعة أقاليم تحتوي على سبعة عشر ألف مدينة كبيرة.

و قال في كتاب هروشيوس: لما استقامت طاعة بوليس الملقب قيصر الملك في عامّة الدنيا، تخير أربعة من الفلاسفة سماهم، فأمرهم أن يأخذوا له وصف خدود الدنيا، و عدّة بحارها، و كورها أرباعا فولّى أحدهم أخذ وصف جزء المشرق، و ولى آخر أخذ وصف جزء المغرب، و ولى الثالث أخذ وصف جزء الشمال. و ولى الرابع أخذ وصف جزء الجنوب، فتمت كتابة الجميع على أيديهم في نحو من ثلاثين سنة، فكانت جملة البحار المسماة في الدنيا تسعة و عشرين بحرا قد سمّوها: منها بجزء الشرق ثمانية، و بجزء الغرب ثمانية،

23

و بجزء الشمال أحد عشر، و بجزء الجنوب اثنان، و عدّة الجزائر المعروفة الأمهات: إحدى و سبعون جزيرة منها: في الشرق ثمان، و في الغرب ست عشرة، و في جهة الشمال إحدى و ثلاثون، و في جهة الجنوب ست عشرة. و عدّة الجبال الكبار المعروفة في جميع الدنيا ستة و ثلاثون و هي أمّهات الجبال و قد سموها فيما فسروه منها: في جهة الشرق سبعة، و في جهة المغرب خمسة عشر، و في الشمال اثنا عشر، و في الجنوب اثنان، و البلدان الكبار ثلاثة و ستون منها: في المشرق سبعة، و في المغرب خمسة و عشرون، و في الشمال تسعة عشر، و في الجنوب اثنا عشر. و قد سموها، و الكور الكبار المعروفة تسع و مائتان منها: في المشرق خمس و سبعون، و في المغرب ست و ستون، و في الشمال ست، و في الجنوب اثنان و ستون. و الأنهار الكبار المعروفة في جميع الدنيا ستة و خمسون منها: لجزء الشرق سبعة عشر، و لجزء الغرب ثلاثة عشر، و لجزء الشمال تسعة عشر، و لجزء الجنوب سبعة.

و الأقاليم السبعة كل إقليم منها كأنه بساط مفروش قد مدّ طوله من الشرق إلى الغرب، و عرضه من الشمال إلى الجنوب و هذه الأقاليم مختلفة الطول و العرض. فالإقليم الأوّل منها يمرّ وسطه بالمواضع التي طول نهار الأطول ثلاثة عشر ساعة و السابع منها يمرّ وسطه بالمواضع التي طول نهارها الأطول ست عشر ساعة لأنّ ما حاذى حدّ الإقليم الأوّل إلى نحو الجنوب يشتمل عليه البحر و لا عمارة فيه و ما حاذى الإقليم السابع إلى الشمال لا يعلم فيه عمارة فجعل طول الأقاليم السبعة من الشرق إلى الغرب مسافة اثنتي عشرة ساعة من دور الفلك و صارت عروضها تتفاضل نصف ساعة من ساعات النهار الأطول فأطولها و أعرضها الإقليم الأوّل و طوله من المشرق إلى المغرب نحو ثلاثة آلاف فرسخ، و عرضه من الشمال إلى الجنوب مائة و خمسون فرسخا.

و أقصرها طولا و عرضا الإقليم السابع و طوله من الشرق إلى الغرب ألف و خمسمائة فرسخ، و عرضه من الشمال إلى الجنوب نحو من سبعين فرسخا، و بقية الأقاليم الخمسة فيما بين ذلك، و هذه الأقاليم خطوط متوهمة لا وجود لها في الخارج وضعها القدماء الذين جالوا في الأرض ليقفوا على حقيقة حدودها، و يتيقنوا مواضع البلدان منها، و يعرفوا طرق مسالكها هذا حال الربع المسكون، و أما الثلاثة الأرباع الباقية فإنها خراب، فجهة الشمال واقعة تحت مدار الجدي قد أفرط هناك البرد، و صارت ستة أشهر ليلا مستمرّا، و هي مدّة الشتاء عندهم لا يعرف فيها نهار، و يظلم الهواء ظلمة شديدة، و تجمد المياه لقوّة البرد، فلا يكون هناك نبات و لا حيوان، و يقابل هذه الجهة الشمالية ناحية الجنوب حيث مدار سهيل، فيكون النهار ستة أشهر بغير ليل، و هي مدّة الصيف عندهم، فيحمي الهواء و يصير سموما محرقا يهلك بشدّة حرّه الحيوان و النبات، فلا يمكن سلوكه و لا السكنى فيه، و أما ناحية الغرب، فيمنع البحر المحيط من السلوك فيه لتلاطم أمواجه و شدّة ظلماته و ناحية الشرق تمنع من سلوكها الجبال الشامخة، و صار الناس أجمعهم قد انحصروا في الربع المسكون من‏

24

الأرض و لا علم لأحد منهم بالأرض أي بالثلاثة الأرباع الباقية، و الأرض كلها بجميع ما عليها من الجبال، و البحار نسبتها إلى الفلك كنقطة في دائرة، و قد اعتبرت حدود الأقاليم السبعة بساعات النهار، و ذلك أن الشمس إذا حلت برأس الحمل، تساوى طول النهار و الليل في سائر الأقاليم كلها، فإذا انتقلت في درجات برج الحمل و الثور و الجوزاء اختلفت ساعات نهار كل إقليم، فإذا بلغت آخر الجوزاء و أوّل برج السرطان، بلغ طول النهار في وسط الإقليم الأوّل ثلاث عشرة ساعة سواء، و صارت في وسط الإقليم الثاني ثلاث عشرة ساعة و نصف ساعة، و في وسط الإقليم الثالث أربع عشرة ساعة، و صارت في وسط الإقليم الثاني ثلاث عشرة ساعة و نصف ساعة، و في وسط الإقليم الثالث أربع عشرة ساعة، و في وسط الإقليم الرابع أربع عشرة ساعة و نصف ساعة، و في وسط الإقليم الخامس خمس عشرة ساعة، و في وسط الإقليم السادس خمس عشرة ساعة و نصف ساعة، و في وسط الإقليم السابع ست عشرة ساعة سواء، و ما زاد على ذلك إلى عرض تسعين درجة يصير نهارا كلّه.

و معنى طول البلد: هو بعدها من أقصى العمارة في الغرب، و عرضها هو بعدها عن خط الاستواء، و خط الاستواء كما تقدّم هو الموضع الذي يكون فيه الليل و النهار طول الزمان سواء، فكل بلد على هذا الخط لا عرض له، و كل بلد في أقصى الغرب لا طول له، و من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، مائة و ثمانون درجة، و كل بلد يكون طوله تسعين درجة، فإنه في وسط ما بين الشرق و الغرب، و كل بلد كان طوله أقل من تسعين درجة فإنه أقرب إلى الغرب و أبعد من الشرق، و ما كان طوله من البلاد أكثر من تسعين درجة، فإنه أبعد عن الغرب، و أقرب إلى الشرق.

و قد ذكر القدماء أن العالم السفليّ مقسوم سبعة أقسام، كل قسم يقال له: إقليم، فإقليم الهند لزحل، و إقليم بابل للمشتري، و إقليم الترك للمرّيخ، و إقليم الروم للشمس، و إقليم مصر لعطارد، و إقليم الصين للقمر.

و قال قوم: الحمل و المشتري لبابل، و الجدي و عطارد للهند، و الأسد و المريخ للترك، و الميزان و الشمس للروم، ثم صارت القسمة على اثني عشر برجا، فالحمل و مثلاه للمشرق، و الثور و مثلاه للجنوب، و الجوزاء و مثلاها للمغرب، و السرطان و مثلاه للشمال، قالوا و في كل إقليم مدينتان عظيمتان بحسب بيتي كل كوكب إلا إقليم الشمس، و إقليم القمر فإنه ليس في كل إقليم منهما سوى مدينة واحدة عظيمة. و جميع مدائن الأقاليم السبعة، و حصونها أحد و عشرون ألف مدينة، و ستمائة مدينة و حصن بقدر دقائق درج الفلك.

و قال هرمس: إذا جعلت هذه الدقائق روابع كانت أناس هذه الأقاليم، و إذا مات أحد ولد نظيره و يقال: إن عدد مدن الإقليم الأول من مطلع الشمس و قراها ثلاثة آلاف و مائة

25

مدينة و قرية كبيرة، و أنّ في الثاني ألفان و سبعمائة و ثلاث عشرة مدينة و قرية كبيرة، و في الثالث ثلاثة آلاف و تسع و سبعون، و في الرابع و هو بابل ألفان و تسعمائة و أربع و سبعون، و في الخامس ثلاثة آلاف و ست مدن، و في السادس ثلاثة آلاف و أربعمائة و ثمان مدن، و في السابع ثلاثة آلاف و ثلاثمائة مدينة و قرية كبيرة في الجزائر.

فالإقليم الأوّل يمرّ وسطه بالمواضع التي طول نهارها الأطول ثلاث عشرة ساعة، و يرتفع القطب الشماليّ فيها عن الأفق ست عشرة درجة و ثلثا درجة، و هو العرض و انتهاء عرض هذا الإقليم من حيث يكون طول النهار الأطول فيه ثلاث عشرة ساعة و ربع ساعة، و ارتفاع القطب الشماليّ، و هو العرض عشرون درجة و نصف درجة، و هو مسافة أربعمائة و أربعين ميلا، و ابتداؤه من أقصى بلاد الصين، فيمرّ فيها إلى ما يلي الجنوب، و يمرّ بسواحل الهند، ثم ببلاد السند، و يمرّ في البحر على جزيرة العرب و أرض اليمن، و يقع بحر القلزم فيمرّ ببلاد الحبشة، و يقطع نيل مصر إلى بلاد الحبشة، و مدينة دنقلة من أرض النوبة، و يمرّ في أرض المغرب على جنوب بلاد البربر إلى نحو البحر المحيط، و في هذا الإقليم عشرون جبلا فيها ما طوله من عشرين فرسخا إلى ألف فرسخ، و فيه ثلاثون نهرا طويلا منها ما طوله ألف فرسخ إلى عشرين فرسخا، و فيه خمسون مدينة كبيرة، و عامّة أهل هذا الإقليم سود الألوان، و لهذا الإقليم من البروج الحمل و القوس، و له من الكواكب السيارة المشتري، و هو مع فرط حرارته كثير المياه كثير المروج و زرع أهله الذرة و الأرز إلّا أنّ الاعتدال عندهم معدوم، فلا يثمر عندهم كرم و لا حنطة، و البقر عندهم كثير لكثرة المروج، و في مشرقه البحر الخارج وراء خط الاستواء، بثلاث عشرة درجة، و في مغربه النيل، و بحر الغرب و من هذا الإقليم يأتي نيل مصر، و شرقهم معمور بالبحر الشرقيّ الذي هو بحر الهند و اليمن.

و الإقليم الثاني: حيث يكون طول النهار الأطول ثلاث عشرة ساعة و نصف، و يرتفع القطب الشماليّ فيه قدر أربعة و عشرين جزءا و عشر جزء، و عرضه من حدّ الإقليم الأوّل إلى حيث يكون النهار الأطول ثلاث عشرة ساعة و نصف و ربع ساعة، و ارتفاع القطب الشماليّ، و هو العرض سبعة و عشرون درجة و نصف درجة، و مساحة هذا الإقليم أربعمائة ميل و يبتدئ من بلاد الشرق مارّا ببلاد الصين إلى بلاد الهند و السند، ثم بملتقى البحر الأخضر و بحر البصرة، و يقطع جزيرة العرب في أرض نجد و تهامة، فيدخل في هذا الإقليم اليمامة، و البحران، و هجر، و مكة، و المدينة، و الطائف، و أرض الحجاز، و يقطع بحر القلزم، فيمرّ بصعيد مصر الأعلى و يقطع النيل، فيصير فيه مدينة قوص، و اخميم و أسنى و أنصنا و أسوان، و يمرّ في أرض المغرب على وسط بلاد إفريقية، فيمرّ على بلاد البربر إلى البحر في المغرب، و في هذا الإقليم سبعة عشر جبلا، و سبعة عشر نهرا طوالا و أربعمائة و خمسون مدينة كبيرة، و ألوان أهل هذا الإقليم ما بين السمرة و السواد، و له من البروج الجدي، و من السيارة زحل، و يسكن هذا الإقليم الرحالة، ففي المغرب منهم حدا له و صنهاجة و لمتونة

26

و مسوفة، و يتصل بهم رحالة مصر من ألواح و في هذا الإقليم يكون يحل، و فيه مكة و المدينة و منه السماوة من أهل العراق إلى رحالة الترك.

و الإقليم الثالث: وسطه حيث يكون طول النهار الأطول أربع عشرة ساعة و ارتفاع القطب، و هو العرض ثلاثون درجة و نصف و خمس درجة، و عرض هذا الإقليم من حدّ الإقليم الثاني إلى حيث يكون النهار الأطول أربع عشرة ساعة و ربع ساعة، و ارتفاع القطب و هو العرض ثلاث و ثلاثون درجة و مسافته ثلاثمائة و خمسون ميلا و يبتدئ من الشرق، فيمر بشمال الصين، و بلاد الهند، و فيه مدينة الهندهار ثم بشمال السند، و بلاد كابل، و كرمان، و سجستان إلى سواحل بحر البصرة، و فيه اصطخر و سابور، و شيراز و سيراف و يمرّ بالأهواز و العراق، و البصرة، و واسط، و بغداد، و الكوفة، و الأنبار و هيت، و يمرّ ببلا الشام إلى سلمية و صور و عكا، و دمشق و طبرية و قيسارية و بيت المقدس و عسقلان و غزة و مدين و القلزم و يقطع أسفل أرض مصر من شمال انصنا إلى فسطاط مصر، و سواحل البحر، و فيه الفيوم و الإسكندرية و العرما و تنيس و دمياط و يمرّ ببلاد برقة إلى إفريقية فيدخل فيه القيروان و ينتهي في البحر إلى الغرب و بهذا الإقليم ثلاث و ثلاثون جبلا كبارا و اثنان و عشرون نهرا طوالا و مائة و ثمانية و عشرون مدينة و أهله سمر الألوان و من له من البروج العقرب، و من السيارة الزهرة، و في هذا الإقليم العمائر المتواصلة من أوّله إلى آخره اه.

و الإقليم الرابع: وسطه حيث يكون النهار الأطول أربع عشرة ساعة و نصف ساعة، و ارتفاع القطب الشماليّ، و هو العرض ست و ثلاثون درجة و خمس درجة، و حدّ هذا الإقليم من حدّ الإقليم الثالث إلى حيث يكون النهار الأطول أربع عشرة ساعة و نصف و ربع ساعة، و العرض تسعا و عشرين درجة و ثلث درجة، و مسافة هذا الإقليم: ثلاثمائة ميل و يبتدئ من الشرق فيمر ببلاد التبت، و خراسان و خجندة و فرغانة و سمرقند و بخارى و هراة و مرو الروذ و سرخس و طوس و نيسابور و جرجان و قومس و طبرستان و قزوين و الديلم و الريّ و أصفهان و همذان و نهاوند و دينور و الموصل و نصيبين و آمد و رأس العين و شميساط و الرقة و يمرّ ببلاد الشام فيدخل فيه بالس، و مسح و ملطية و حلب و أنطاكية و طرابلس و المصيصة و حماه و صيدا و طرسوس و عمورية و اللاذقية، و يقطع بحر الشام على جزيرة قبرس و رودس، و يمرّ ببلاد طنجة، فينتهي إلى بحر المغرب، و في هذا الإقليم: خمسة و عشرون جبلا كبارا و خمسة و عشرون نهرا طوالا و مائتا مدينة و اثنتا عشرة مدينة، و ألوان أهله ما بين السمرة و البياض، و له من البروج الجوزاء، و من السيارة عطارد، و فيه البحر الرومي من مغربه إلى القسطنطينية، و من هذا الإقليم ظهرت الأنبياء و الرسل (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، و منه انتشر الحكماء و العلماء فإنه وسط الأقاليم، ثلاثة جنوبية، و ثلاثة شمالية، و هو في قسم الشمس، و بعده في الفضيلة الإقليم الثالث و الخامس فإنهما على جنبيه، و بقية الأقاليم منحطة أهلوها ناقصون و منحطون عن الفضيلة لسماجة صورهم و توحش أخلاقهم كالزنج،

27

و الحبشة و أكثر أمم الإقليم الأوّل و الثاني و السادس و السابع يأجوج و مأجوج، و التغرغر و الصقالبة و نحوهم.

و الإقليم الخامس: وسطه حيث يكون النهار الأطول خمس عشرة ساعة، و ارتفاع القطب الشمالي، و هو العرض إحدى و أربعون درجة و ثلث درجة، و ابتداؤه من نهاية عرض الإقليم الرابع إلى حيث يكون النهار الأطول خمس عشرة ساعة و نصف ساعة، و العرض ثلاثا و أربعين درجة، و مسافته خمسون و مائتا ميل و يبتدئ من المشرق إلى بلاد يأجوج و مأجوج، و يمرّ بشمال خراسان، و فيه خوارزم و اسبيجاب و أذربيجان و بردعة و سجستان و أردن و خلاط و يمرّ على بلاد الروم إلى رومية الكبرى و الأندلس، حتى ينتهي إلى البحر الذي في المغرب و في هذا الإقليم من الجبال الطوال: ثلاثون جبلا، و من الأنهار الكبار خمسة عشر نهرا، و من المدائن الكبار مائتا مدينة، و أكثر أهله بيض الألوان و له من البروج الدلو، و من السيارة القمر.

و الإقليم السادس: وسطه حيث يكون النهار الأطول خمس عشرة ساعة و نصف ساعة، و ارتفاع القطب الشماليّ، و هو العرض خمسا و أربعين درجة و خمسي درجة، و ابتداؤه من حدّ نهاية عرض الإقليم الخامس إلى حيث يكون النهار الأطول خمس عشرة ساعة و نصف و ربع ساعة، و العرض سبعا و أربعين درجة و ربع درجة.

و مسافة هذا الإقليم مائتا ميل و عشرة أميال، و يبتدي من المشرق، فيمرّ بمساكن الترك من أبحر خير و التغرغر إلى بلاد الخزر من شمال نجومهم على اللان و الشرير، و أرض برحان و القسطنطينية، و شمال الأندلس إلى البحر المحيط الغربي، و في هذا الإقليم من الجبال الطوال: اثنان و عشرون جبلا، و من الأنهار الطوال: اثنان و ثلاثون نهرا، و من المدن الكبار تسعون مدينة و أكثر أهل هذا الإقليم ألوانهم ما بين الشقرة و البياض، و له من البروج السرطان، و من السيارة المرّيخ.

و الإقليم السابع: وسطه حيث يكون النهار الأطول ست عشرة ساعة سواء، و ارتفاع القطب الشمالي و هو العرض ثمانيا و أربعين درجة و ثلثي درجة، و ابتداء هذا الإقليم من حدّ نهاية الإقليم السادس إلى حيث يكون النهار الأطول ست عشرة ساعة و ربع ساعة، و العرض خمسين درجة و نصف درجة، و مسافته مائتا و خمسة و ثمانون ميلا، فتبين أن ما بين أوّل حدّ الإقليم الأوّل، و آخر حدّ الإقليم السابع ثلاث ساعات و نصف، و أن ارتفاع القطب الشماليّ ثمانية و ثلاثون درجة تكون من الأميال، ألفين و مائة و أربعين ميلا، و يبتدي الإقليم السابع من المشرق على بلاد يأجوج و مأجوج، و يمرّ ببلاد الترك على سواحل بحر جرجان مما يلي الشمال، و يقطع بحر الروم على بلاد جرجان و الصقالبة إلى أن ينتهي إلى البحر المحيط في المغرب، و بهذا الإقليم عشرة جبال طوال و أربعون نهرا طوالا، و اثنتان و عشرون مدينة

28

كبيرة، و أهله شقر الألوان، و له من البروج الميزان، و من السيارة الشمس، و في كل إقليم من هذه الأقاليم السبعة أمم مختلفة الألسن، و الألوان، و غير ذلك من الطبائع و الأخلاق و الآراء و الديانات و المذاهب، و العقائد و الأعمال و الصنائع، و العادات و العبادات لا يشبه بعضهم بعضا، و كذلك الحيوانات و المعادن و النبات مختلفة في الشكل و الطعم و اللون و الريح بحسب اختلاف أهوية البلدان، و تربة البقاع، و عذوبة المياه و ملوحتها على ما اقتضته طوالع كل بلد من البروج على أفقه و ممرّ الكواكب على مسامته البقاع من الأرض، و مطارح شعاعاتها على المواضع كما هو مقرّر في مواضعه من كتب الحكمة ليتدبر أولو النهي، و يعتبر ذوو الحجى بتدبير اللّه في خلقه، و تقديره لما يشاء و فعله لما يريد لا إله إلّا هو و مع ذلك فإن الربع المسكون من الأرض على تفاوت أقطاره مقسوم بين سبع أمم كبار: و هم الصين، و الهند، و السودان، و البربر، و الروم، و الترك، و الفرس، فجنوب مشرق الأرض في يد الصين و شماله في يد الترك و وسط جنوب الأرض في يد الهند و في وسط شمال الأرض الروم و في جنوب مغرب الأرض السودان و في شمال مغرب الأرض البربر و كانت الفرس في وسط هذه الممالك قد أحاطت بهم الأمم الست.

ذكر محل مصر من الأرض و موضعها من الأقاليم السبعة

و إذ يسر اللّه سبحانه بذكر جمل أحوال الأرض، و معرفة ما في كل إقليم من أقاليم الأرض، فلنذكر محل مصر من ذلك فنقول:

ديار مصر بعضها واقع في الإقليم الثاني، و بعضها واقع في الإقليم الثالث، فما كان منها في الصعيد الأعلى كقوص، و اخميم و أسنى و أنصنا و أسوان، فإنّ ذلك واقع في أقسام الإقليم الثاني، و ما كان من ديار مصر في جهة الشمال من أنصنا، و هو الصعيد الأدنى من أسيوط إلى فسطاط مصر، و الفيوم و القاهرة و الإسكندرية و الفرما و تنيس و دمياط فإن ذلك من أقسام الإقليم الثالث، و طول مدينة مصر الفسطاط و القاهرة، و هو بعدهما من أوّل العمارة في جهة المغرب: خمس و خمسون درجة، و العرض و هو البعد من خط الاستواء ثلاثون درجة، و طول النهار الأطول أربع عشرة ساعة، و غاية ارتفاع الشمس في الفلك بها ثلاث و ثمانون درجة و ثلث و ربع درجة، و فسطاط مصر مع القاهرة من مكة شرّفها اللّه تعالى واقعان في الربع الجنوبيّ الشرقيّ، و الصعيد الأعلى أشدّ تشريقا لبعده عن مدينة الفسطاط بأيام عديدة في جهة الجنوب، فيكون على ذلك مقابلا لمكة من غربيها، و مصر لا يتوصل إليها إلا من مفازة، ففي شرقيها بحر القلزم من وراء الجبل الشرقي، و في غربيها صحراء المغرب، و في جنوبها مفازة النوبة و الحبشة، و في شمالها البحر الشامي، و الرمال التي فيها بين بحر الروم، و بحر القلزم و بين مصر و بغداد على ما ذكره ابن خرداذبه‏ (1) في كتاب‏

____________

(1) ابن خرداذبه: عبيد اللّه بن أحمد بن خرداذبة أبو القاسم مؤرخ جغرافي فارسي الأصل له كتاب‏

29

الممالك و المسالك: ألف و سبعمائة و عشرة أميال، يكون خمسمائة و سبعين فرسخا، و مائة و بعضا و أربعين بريدا، و بين مصر و الشام أعني دمشق: ثلاثمائة و خمسة و ستون ميلا تكون من الفراسخ مائة و إحدى و عشرين فرسخا و ثلثي فرسخ، عنها ثلاثون بريدا و كسر.

و قال ابن خرداذبه: أرض الحبشة و السودان مسيرة سبع سنين، و أرض مصر جزءا واحد من ستين جزءا من أرض السودان، و أرض السودان جزء واحد من الأرض كلها.

و في كتاب هردوشيش: بلد مصر الأدنى شرقه فلسطين، و غربه أرض ليبية، و أرض مصر الأعلى تمتدّ إلى ناحية الشرق، و حدّه في الشمال خليج الغرب، و في الجنوب البحر المحيط، و في الغرب مصر الأدنى، و في الشرق بحر القلزم، و فيه من الأجناس ثمانية و عشرون جنسا.

____________

(المسالك و الممالك) و (الندماء و الجلساء) توفي سنة 280 ه. الأعلام ج 4/ 190.

30

ذكر حدود مصر و جهاتها

اعلم أن التحديد هو صفة المحدود على ما هو عليه، و الحدّ هو نهاية الشي‏ء، و الحدود تكثر و تقل بحسب المحدود و الجهات التي تحدّ بها المساكن.

و البقاع أربع جهات و هي: جهة الشمال: التي هي إشارة إلى موضع قطب الفلك الشماليّ المعروف من كواكبه الجدي، و الفرقدان، و يقابل جهة الشمال الجهة الجنوبية، و الجنوب عبارة: عن موضع قطب الفلك الجنوبيّ الذي يقرب منه سهيل، و ما يتبعه من كواكب السفينة، و الجهة الثالثة: جهة المشرق و هو مشرق الشمس في الاعتدالين اللذين هما رأس الحمل أوّل فصل الربيع، و رأس الميزان أوّل فصل الخريف، و الجهة الرابعة: جهة المغرب و هو مغرب الشمس في الاعتدالين المذكورين، فهذه الجهات الأربع ثابتة بثبوت الفلك غير متغيرة بتغير الأوقات و بها تحدّ الأراضي و نحوها من المساكن، و بها يهتدي الناس في أسفارهم و بها يستخرجون سمت محاريبهم.

فالمشرق و المغرب معروفان، و الشمال و الجنوب جهتان مقاطعتان لجهتي المشرق و المغرب على تربيع الفلك، فالخط المار بنقطتي الشمال و الجنوب يسمى: خط نصف النهار، و هو مقاطع للخط المار بنقطتي المشرق و المغرب المسمى: بخط الاستواء على زوايا قائمة، و أبعاد ما بين هذين الخطين متساوية فالمستقبل للجنوب يكون أبدا مستدبرا للشمال، و يصير المغرب عن يمينه، و المشرق عن يساره، و هذه الجهات الأربع هي التي ينسب إليها ما يحد من البلاد، و الأراضي و الدور إلا أن أهل مصر يستعملون في تحديدهم بدلا من الجهة الجنوبية لفظة القبلية، فيقولون الحدّ القبليّ ينتهي إلى كذا، و لا يقولون الحدّ الجنوبيّ، و كذلك يقولون الحدّ البحريّ ينتهي إلى كذا، و يريدون بالبحريّ الحدّ الشماليّ، و قد يقع في هاتين الجهتين الغلط في بعض البلاد و ذلك أن البلاد التي توافق عروضها عرض مكة إذا كانت أطوالها أقل من طول مكة، فإن القبلة تكون في هذه البلاد نفس الشرق بخلاف التي توافق عروضها عرض مكة، إلا أن أطوالها أطول من طول مكة، فإنّ القبلة في هذه البلاد تكون نفس الغرب، فمن حدّد في شي‏ء من هذه البلاد أرضا أو مسكنا بحدود أربعة، فإنه يصير حدّان منها حدّا واحدا، و كذلك جهة البحر لما جعلوها قبالة جهة القبلة، و حدّدوا ما بينهما من الأراضي، و الدور بما يسامتها منه، فإنهم أيضا ربما غلطوا، و ذلك أن‏

31

القبلة و البحر يكونان في بعض البلاد في جهة واحدة، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن أرض مصر: لها حدّ يأخذ من بحر الروم و من الإسكندرية، و زعم قوم من برقة في البرّ حتى ينتهي إلى ظهر الواحات، و يمتدّ إلى بلد النوبة، ثم يعطف على حدود النوبة في حدّ أسوان على حدّ أرض السبخة في قبليّ أسوان حتى ينتهي إلى بحر القلزم، ثم يمتدّ على بحر القلزم و يجاوز القلزم إلى طور سينا، و يعطف على تيه بني إسرائيل مارا إلى بحر الروم في الجفار خلف العريش و رفح، و يرجع إلى الساحل مارّا على بحر الروم إلى الإسكندرية، و يتصل بالحدّ الذي قدمت ذكره من نوحي برقة.

و قال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز في رسالته المصرية: أرض مصر بأسرها واقعة في المعمورة في قسمي الإقليم الثاني، و الإقليم الثالث، و معظمها في الثالث، و حكى المعتنون بأخبارها و تواريخها أنّ حدّها في الطول من مدينة برقة التي في جنوب البحر الروميّ إلى أيلة من ساحل الخليج الخارج من بحر الحبشة و الزيج و الهند و الصين، و مسافة ذلك قريب من أربعين يوما، و حدّها في العرض من مدينة أسوان و ما سامتها من الصعيد الأعلى المتآخم لأرض النوبة إلى رشيد، و ما حاذاها من مساقط النيل في البحر الروميّ و مسافة ذلك قريب من ثلاثين يوما، و يكتنفها في العرض إلى منتهاها جبلان أحدهما في الضفة الشرقية من النيل، و هو المقطم، و الآخر في الضفة الغربية منه، و النيل متسرب فيما بينهما، و هما جبلان أجردان غير شامخين يتقاربان جدّا في وضعهما من لدن أسوان إلى أن ينتهيا إلى الفسطاط، ثم يتسع ما بينهما، و ينفرج قليلا، و يأخذ المقطم منهما مشرّقا و الآخر مغرّبا على وراب في مأخذيهما، و تفريج في مسلكيهما، فتتسع أرض مصر من الفسطاط إلى ساحل البحر الرومي الذي عليه الفرماء و تنيس و دمياط و رشيد و الإسكندرية، فهناك تتقطع في عرضها الذي هو مسافة ما بين أوغلها في الجنوب، و أوغلها في الشمال، و إذا نظرنا بالطريق البرهانية في مقدار هذه المسافة من الأميال لم تبلغ ثلاثين ميلا، بل تنقص عنها نقصانا ما له قدر، و ذلك لأن فضل ما بين عرض مدينة أسوان التي هي أوغلها في الجنوب، و عرض مدينة تنيس التي هي أوغلها في الشمال تسعة أجزاء و نحو سدس جزء و ليس بين طوليها فضل له قدر يعتدّ به، و ينوب ذلك نحو خمسمائة و عشرين ميلا بالتقريب، و ذلك مسافة عشرين يوما أو قريب منها و في هذه المدّة من الزمان تقطع السفار ما بين البلدين بالسير المعتدل أو أكثر من ذلك لما في الطريق من التعويج و عدم الاستقامة.

و قال القضاعي: الذي يقع عليه اسم مصر من العريش إلى آخر لوبية و مراقيه و في آخر أرض مراقيه تلقى أرض انطابلس و هي برقة، و من العريش فصاعدا يكون ذلك مسيرة أربعين ليلة، و هو ساحل كله على البحر الرومي، و هو بحريّ أرض مصر، و هو مهب الشمال منها إلى القبلة شيئا ما فإذا بلغت آخر أرض مراقيه عدّت ذات الشمال، و استقبلت الجنوب، و تسير في الرمل و أنت متوجه إلى القبلة يكون الرمل من مصبه عن يمينك إلى إفريقة و عن‏

32

يسارك من أرض مصر إلى أرض الفيوم منها و أرض الواحات الأربعة فذلك غربيّ مصر، و هو ما استقبلته منه ثم تعوج من آخر أرض الواحات، و تستقبل المشرق سائرا إلى النيل تسير ثماني مراحل إلى النيل، ثم على النيل فصاعدا و هي آخر أرض الإسلام هناك، و يليها بلاد النوبة ثم ينقطع النيل فتأخذ من أسوان في المشرق منكبا عن بلد أسوان إلى عيداب ساحل البحر الحجازيّ، فمن أسوان إلى عيداب خمس عشرة مرحلة، و ذلك كله قبليّ أرض مصر و مهب الجنوب منها ثم ينقطع البحر الملح من عيداب إلى أرض الحجاز فينزل الحوراء أوّل أرض مصر و هي متصلة بأعراض مدينة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و هذا البحر المحدود: هو بحر القلزم، و هو داخل في أرض مصر بشرقيه و غربيه و بحريه فالشرقيّ منه أرض الحوراء و طنسه و النبك و أرض مدين و أرض أيلة فصاعدا إلى المقطم بمصر، و الغربيّ منه ساحل عيداب إلى بحر النعام إلى المقطم، و البحريّ منه مدينة القلزم و جبل الطور و من القلزم إلى الفرماء مسيرة يوم و ليلة و هو الحاجز فيما بين البحرين طحر الحجاز و بحر الروم و هذا كله شرقيّ أرض مصر من الحوراء إلى العريش، و هو مهب الصبا منها فهذا المحدود من أرض مصر، و ما كان بعد هذا من الحدّ الغربيّ، فمن فتوح أهل مصر، و ثغورهم من البرقة إلى الأندلس.

ذكر بحر القلزم‏ (1)

القلازم: الدواهي و المضايقة و منه بحر القلزم لأنه مضيق بين جبال، و لما كانت أرض مصر منحصرة بين بحرين هما بحر القلزم من شرقيها و بحر الروم من شماليها، و كان بحر القلزم داخلا في أرض مصر كما تقدّم صار من شرط هذا الكتاب التعريف به.

فنقول: هذا البحر إنما عرف في ناحية ديار مصر: بالقلزم لأنه كان بساحله الغربيّ في شرقيّ أرض مصر مدينة تسمى: القلزم و قد خربت كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى في موضعه من هذا الكتاب عند ذكرى قرى مصر و مدنها فسمّى هذا البحر باسم تلك المدينة، و قيل له: بحر القلزم على الإضافة، و يقال له بالعبرانية: (ثم تسوب) و هذا البحر إنما هو خليج يخرج من البحر الكبير المحيط بالأرض الذي يقال له: بحر اقيانس و يعرف أيضا:

ببحر الظلمات لتكاثف البخار المتصاعد منه، و ضعف الشمس عن حله فيغلظ و تشتدّ الظلمة، و يعظم موج هذا البحر، و تكثر أهواله، و لم يوقف من خبره إلّا على ما عرف من بعض سواحله، و ما قرب من جزائره، و في جانب هذا البحر الغربيّ الذي يخرج منه البحر الرومي الآتي ذكره إن شاء اللّه.

الجزائر الخالدات و هي فيما يقال: ست جزائر يسكنها قوم متوحشون، و في جانب‏

____________

(1) بحر القلزم: المقصود به هو البحر الأحمر.

33

هذا البحر الشرقيّ مما يلي الصين ست جزائر أيضا تعرف: بجزائر السبلي نزلها بعض العلويين في أوّل الإسلام خوفا على أنفسهم من القتل، و يخرج من هذا المحيط ستة أبحر أعظمها اثنان: و هما اللذان عناهما اللّه تعالى بقوله: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ‏ [الرحمن/ 19]، و قوله: وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً [النمل/ 61]، فأحدهما: من جهة الشرق، و الآخر:

من جهة الغرب. فالخارج من جهة الشرق يقال له: البحر الصينيّ، و البحر الهنديّ، و البحر الفارسيّ، و البحر اليمنيّ، و البحر الحبشيّ، بحسب ما يمرّ عليه من البلدان. و أما الخارج من الغرب فيقال له: البحر الروميّ. فأما البحر الهنديّ الخارج من جهة الشرق فإن مبدأ خروجه من مشرق الصين وراء خط الاستواء بثلاثة عشر درجة و يجري إلى ناحية الغرب فيمرّ على بلاد الصين و بلاد الهند إلى مدينة كنبانة و إلى التبير من بلاد كمران فإذا صار إلى بلاد كمران ينقسم هناك قسمين: أحدهما يسمى: بحر فارس، و الآخر يسمى: بحر اليمن فيخرج بحر اليمن من ركن جبل خارج في البر يسمى هذا الركن: رأس الجمجمة فيمتد من هناك إلى مدينة ظفار و يسير إلى المسجر و ساحل بلاد حضرموت إلى عدن و إلى باب المندب، و طول هذا البحر الهنديّ ثمانية آلاف ميل في عرض ألف و سبعمائة ميل عند بعض المواضع و ربما ضاق عن هذا القدر من العرض فإذا انتهى إلى باب المندب يخرج إلى بحر القلزم، و المندب جبل طوله اثنا عشر ميلا وسعة فوهته قدر ما يرى الرجل الآخر من البرّ تجاهه فإذا فارق باب المندب مرّ في جهة الشمال بساحلي زبيد و الحرون إلى عثر و كانت عثر مقر الملك في القديم و يمرّ من هناك على حلى إلى عسفان و أنمار و هي فرضة المدينة النبوية على الحال بها أفضل الصلاة و السلام و التحية و الإكرام، و منها على ما يقابل الجحفة حيث يسمى اليوم رابغ إلى الحوراء و مدين و أيلة و الطور و فاران و مدينة القلزم، فإذا وصل إلى القلزم انعطف من جهة الجنوب و مرّ إلى القصير و هي فرضة قوص و من القصير إلى عيداب و هي فرضة البجه‏ (1)، و يمتدّ من عيداب إلى بلد الزيلع، و هو ساحل بلاد الحبشة و يتصل ببربر و طول هذا البحر ألف و خمسمائة ميل و عرضه من أربعمائة ميل إلى ما دونها و هو بحر كريه المنظر و الرائحة و في هذا البحر مصب دجلة و الفرات و على أطرافه بلاد السند، و بلاد اليمن كأنها جزائر أحاط بها الماء من جهاتها الثلاث و هو: يردع نهر مهران كردع البحر الرومي لنيل مصر. و فيه فيما بين مدينة القلزم، و مدينة أيلة مكان يعرف: بمدينة قاران و عندها جبل لا يكاد ينجو منه مركب لشدّة اختلاف الريح و قوّة ممرّها من بين شعبتي جبلين و هي بركة سعتها ستة أميال تعرف: ببركة الغرندل، يقال: إن فرعون غرق فيها فإذا هبت ريح الجنوب لا يمكن سلوك هذه البركة، و يقال: إن الغرندل اسم صنم كان في القديم هناك قد وضع ليحبس من خرج من أرض مصر مغاضبا للملك أو فارا منه، و أنّ موسى (عليه السلام) لما خرج ببني إسرائيل من مصر و سار بهم مشرقا أمره اللّه سبحانه و تعالى: أن‏

____________

(1) الفرضة من البحر: هي محط السفن. ابن الأثير ج 1/ 48.

34

ينزل تجاه هذا الصنم فلما بلغ ذلك فرعون ظنّ أنّ الصنم قد حبس موسى و من معه و منعهم من المسير كما يعهدونه منه فخرج بجنوده في طلب موسى و قومه ليأخذهم بزعمه فكان من غرقه ما قصه اللّه تعالى و سيرد خبر موسى (عليه السلام) عند ذكر كنيسة دموة من هذا الكتاب في ذكر كنائس اليهود.

و في بحر القلزم هذا خمس عشرة جزيرة منها: أربع عامرات و هي: جزيرة دهلك، و جزيرة سواكن، و جزيرة النعمان، و جزيرة السامريّ و يخرج من هذا البحر خلجان: خليج لطيف ببلاد الهند المتصلة بالبحر الأعظم، و خليج يحول بين بلاد السودان، و بلاد اليمن عرض دقاقه نحو من فرسخين، و يقرب هذا البحر من البحر الرومي في أعمال بلاد الشام و ديار مصر حتى يكون بينهما نحو يوم.

ذكر البحر الرومي‏ (1)

و لما كانت عدّة بلاد من أرض مصر مطلة على البحر الرومي كمدينة الإسكندرية، و دمياط و تنيس، و الفرماء، و العريش و غير ذلك، و كان حدّ أرض مصر ينتهي في الجهة الشمالية إلى هذا البحر و هو نهاية مصب النيل حسن التعريف بشي‏ء من أخباره، و قد تقدّم أن مخرج البحر الرومي هذا من جهة الغرب و هو يخرج في الإقليم الرابع بين الأندلس، و الغرب سائرا إلى القسطنطينية، و يقال: إن إسكندر الجبار حفره و أجراه من البحر المحيط الغربيّ و أن جزيرة الأندلس و بلاد البربر كانت أرضا واحدة يسكنها البربر و الأشبان فكان بعضهم يغير على بعض إلى أن ملك إسكندر الجبار بن سلقوس بن اعريقس بن دوبان فرغب إليه الأشبان في أن يجعل بينهم و بين البربر خليجا من البحر يمكن به احتراز كل طائفة عن الأخرى فحفر زقاقا طوله ثمانية عشر ميلا في عرض اثني عشر ميلا، و بنى بجانبيه سكرين و عقد بينهما قنطرة يجاز عليها و جعل عندها حرسا يمنعون البربر من الجواز عليها إلا بإذن و كان قاموس البحر أعلى من أرض هذا الزقاق فطما الماء حتى غطى السكرين مع القنطرة و ساق بين يديه بلادا كثيرة و طغى على عدّة بلاد و يقال: إن المسافرين في هذا الزقاق بالبحر يخبرون أن المراكب في بعض الأوقات يتوقف سيرها مع وجود الريح فيجدون المانع لها كونها قد سلكت بين شرافات السور و بين حائطين ثم عظم هذا الزقاق في الطول و العرض حتى صار بحرا عرضه ثمانية عشر ميلا و يذكرون أن البحر إذا جزر ترى القنطرة حينئذ و هذا الخبر أظنه غير صحيح فإن أخبار هذا البحر و كونه بسواحل مصر لم يزل ذكره في الدهر الأوّل قبل إسكندر بزمان طويل، فإما أن يكون ذلك قد كان في أوّل الدهر مما عمله بعض الأوائل، و إما أن يكون‏

____________

(1) البحر الرومي: هو البحر الأبيض المتوسط.

35

خبرا واهيا و إلا فزمان إسكندر حادث بعد كون هذا البحر، و اللّه أعلم.

و هذا الزقاق صعب السلوك شديد الهول متلاطم الأمواج، و إذا خرج البحر من هذا الزقاق مرّ مشرقا في بلاد البربر و شمال الغرب الأقصى إلى وسط بلاد المغرب على إفريقية و برقة و الإسكندرية و شمال التيه و أرض فلسطين، و السواحل من بلاد الشام، ثم يعطف من هناك إلى العلايا و أنطاكية إلى ظهر بلاد القسطنطينية حتى ينتهي إلى البحر المحيط الذي خرج منه و طول هذا البحر خمسة آلاف ميل، و قيل: ستة آلاف ميل، و عرضه من سبعمائة ميل إلى ثلاثمائة ميل، و فيه مائة و سبعون جزيرة عامرة فيها أمم كثيرة معروفة إلا أنه ليس من شرط هذا الكتاب منها صقلية و صورقة و أقريطش و قبالة البحر الهنديّ من جهة المغرب بحر خارج من المحيط في مغرب بلاد الزنج ينتهي إلى قريب من جبل القمر و فيه مصب النيل المار على بلاد الحبشة و في أسفله جزائر الخالدات التي هي منتهى الطول في المغرب، و يقابل البحر الشاميّ من نحية المشرق بحر جرجان و قيل: إنه يتصل بالبحر المحيط من بين جبال شامخة و بحر الصقلب بحر يخرج من جهة المغرب بين الإقليم السادس، و الإقليم السابع، و هو متسع و فيه جزائر كثيرة، و منها جزيرة الأندلس إلا أنها تتصل بالبرّ الكبير و هو جبل كالذراع يتصل بهذا البرّ عند برشلونة و لهم بحر يعرف يأجوج و مأجوج غزير و فيه عجائب إلا أنه ليس من شرط هذا الكتاب ذكرها و يقال: إن مسافة هذا البحر الروميّ نحو أربعة أشهر.

و قال أبو الريحان محمد بن أحمد البيرونيّ‏ (1)، في كتاب تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن: و قد كان حرّض بعض ملوك الفرس في بعض استيلائهم على مصر على أن يحفروا ما بين البحرين القلزم و الروميّ و يرفعوا من بينهما البرزخ و كان أوّلهم شاسيس بن طراطس الملك ثم من بعده دارنوش الملك فلم يتمكن لهم ذلك لارتفاع ماء القلزم على أرض مصر.

فلما كانت دولة اليونانيين: جاء بطليموس الثالث ففعل ذلك على يد أرسمدس بحيث يحصل الغرض بلا ضرر. فلما كانت دولة الروم القياصرة طموه منعا لمن يصل إليهم من أعدائهم و ذكر بعض أصحاب السير من الفلاسفة أن ما بين الإسكندرية و بلادها و بين القسطنطينية كان في قديم الزمان أرضا تنبت الجميز و كانت مسكونة وخمة و كان أهلها من اليونانية، و أن الإسكندر خرق إليها البحر فغلب على تلك الأرض و كان بها فيما يزعمون:

الطائر الذي يقال له قفنس، و هو طائر حسن الصوت و إذا حان موته زاد حسن صوته قبل‏

____________

(1) فيلسوف رياضي مؤرخ اطلع على فلسفة اليونانيين و الهند. له مؤلفات عديدة منها: (الآثار الباقية عن القرون الخالية) و (تاريخ الأمم) و غير ذلك. ولد سنة 362 ه. و توفي سنة 440 ه. الأعلام ج 5/ 314.

36

ذلك بسبعة أيام حتى لا يمكن أحد يسمع صوته لأنه يغلب على قلبه من حسن صوته ما يميت السامع و أنه يدركه قبل موته بأيام طرب عظيم و سرور فلا يهدأ من الصياح، و زعموا أن عامل الموسيقى من الفلاسفة أراد أن يسمع صوت قفنس في تلك الحال فخشي إن هجم عليه أن يقتله حسن صوته فسدّ أذنيه سدّا محكما ثم قرب إليه فجعل يفتح من أذنيه شيئا بعد شي‏ء حتى استكمل فتح الأذنين في ثلاثة أيام يريد أن يتوصل إلى سماعه رتبة بعد رتبة فلا يبغته حسنه في أوّل مرّة فيأتي عليه، و زعموا: أن ذلك الطائر هلك و لم يبق منه و لا من فراخه شي‏ء بسبب هجوم ماء البحر عليه، و على رهطه بالليل في الأوكار فلم يبق له بقية، و يقال: إن بعض الفلاسفة أراد ملك من الملوك قتله فأعطاه قدحا فيه سمّ ليشربه فأعلمه بذلك فظهر منه مسرّة و فرح فقال له: ما هذا أيها الحكيم؟ فقال: هل أعجز أن أكون مثل قفنس.

ذكر اشتقاق مصر و معناها و تعداد أسمائها

و يقال: كان اسمها في الدهر الأوّل قبل الطوفان جزلة، ثم سميت مصر، و قد اختلف أهل العلم في المعنى الذي من أجله سميت هذه الأرض بمصر فقال قوم: سميت بمصر ابن مركابيل بن دوابيل بن عرياب بن آدم و هو مصر الأوّل. و قيل: بل سميت بمصر الثاني و هو مصرام بن يعراوش الجبار بن مصريم الأوّل و به سمي مصر بن بنصر بن حام بعد الطوفان، و قيل: بل سميت بمصر الثالث و هو مصر بن بنصر بن حام بن نوح و هو اسم أعجميّ لا ينصرف. و قال آخرون: هي اسم عربيّ مشتق فأمّا من ذهب إلى أنّ مصر اسم أعجميّ فإنه استدل بما رواه أهل العلم بالأخبار من نزول مصر بن بنصر بهذه الأرض و قسمها بين أولاده فعرفت به اه.

و ذكر الحسن بن أحمد الهمداني‏ (1): أنّ مصر بن حام و هو مصريم، و قيل: أنّ بنصر بن هرمس بن هردوس جدّ الإسكندر قال: و نكح لوما بن حام بنت شاويل بن يافث بن نوح فولدت له بوقير و قبط أبا القبط قبط مصر، و من ههنا أن مصر بن حام و إنما هو مصر بن هرمس بن هردش بن بيطون بن روي بن ليطي بن يونان و به سميت مصر فهي مقدونية.

و ذكر أبو الحسن المسعوديّ‏ (2) في كتاب أخبار الزمان: أنّ بني آدم لما تحاسدوا و بغى عليهم بنو أقابيل بن آدم ركب نقراوس الجبار ابن مصريم ابن مركابيل بن دوابيل بن عرياب بن آدم (عليه السلام) في نيف و سبعين راكبا من بني عرياب جبابرة كلهم يطلبون موضعا من‏

____________

(1) أبو العلاء الحسن بن أحمد شيخ همدان. له باع في التفسير و الحديث و الأنساب و التاريخ. له مؤلفات غزيرة مولده سنة 488 ه و وفاته سنة 569 ه. الأعلام ج 1/ 181.

(2) علي بن الحسين بن علي من ذريّة عبد اللّه بن مسعود. مؤرخ رحالة بحاثة من أهل بغداد. له عدة مؤلفات منها: (مروج الذهب) أقام بمصر و توفي فيها سنة 346 ه. الأعلام ج 4/ 277.

37

الأرض يقطنون فيه فرارا من بني أبيهم فلم يزالوا يمشون حتى وصلوا إلى النيل، فأطالوا المشي عليه فلما رأوا سعة البلد فيه و حسنه أعجبهم و قالوا: هذه بلد زرع، و عمارة فأقطنوا فيه، و استوطنوا و بنوا فيه الأبنية المحكمة، و الصنائع العجيبة.

و بنى نقراوس مصر و سماها باسم أبيه مصريم و كان نقراوس جبارا له قوّة، و كان مع ذلك عالما و له ائتمر الجنّ في هلاك بني أبيه و لم يزل مطاعا و قد كان وقع إليه من العلوم التي كان زواميل علمها لآدم (عليه السلام) ما قهر به الجبابرة الذين كانوا قبله و ملوكهم، ثم أمر حين ملك ببناء مدينة في موضع خيمته فقطعوا له الصخور من الجبال، و أثاروا معادن الرصاص و بنوا مدينة سماها: أمسوس و أقاموا فيها أعلاما طول كل لم منها: مائة ذراع و زرعوا و عمروا الأرض، ثم أمرهم ببناء المدائن، و القرى و أسكن كل ناحية من الأرض من رأى ثم حفروا النيل حتى أجروا ماءه إليهم و لم يكن قبل ذلك معتدل الجري إنما كان ينبطح و يتفرّق في الأرض حتى يتوجه إلى النوبة فهندسوه و ساقوا منه أنهارا إلى مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها، و ساقوا منه نهرا إلى مدينتهم أمسوس يجري في وسطها، ثم سميت مصر بعد الطوفان بمصر بن بنصر بن حام بن نوح و ذلك أن قليمون الكاهن خرج من مصر و لحق بنوح (عليه السلام) و آمن به هو و أهله و ولده و تلامذته و ركب معه في السفينة، و زوّج ابنته من بنصر بن حام بن نوح فلما خرج نوح من السفينة و قسم الأرض بين أولاده، و كانت ابنة قليمون قد ولدت لبنصر ولد أسماه مصرايم، فقال قليمون لنوح: ابعث معي يا نبيّ اللّه ابني حتى أمضي به بلدي، و أظهره على كنوزي و أوقفه على علومه و رموزه فأنفذه معه في جماعة من أهل بيته و كان غلاما مرفها فلما قرب من مصر بنى له عريشا من أغصان الشجر، و ستره بحشيش الأرض ثم بنى له بعد ذلك في هذا الموضع مدينة و سماها: درسان أي باب الجنة، فزرعوا و غرسوا الأشجار و الأجنة من درسان إلى البحر فصارت هناك زروع و أجنة و عمارة و كان الذي مع مصرايم جبابرة فقطعوا الصخور و بنوا المعالم و المصانع و أقاموا في أرغد عيش و يقال: إن أهل مصر أقاموا عليهم مصرايم بن بنصر ملكا في أيام تالغ بن عابر بن شامخ بن أرفخشد بن سام بن نوح فملك مصر و هي مدينة منيعة على النيل و سماها باسمه و يقال: إن مصرايم غرس الأشجار بيده و كانت ثمارها عظيمة بحيث يشق الأترجة نصفين فيحمل على البعير نصفها و كان القثاء في طول أربعة عشر شبرا و يقال: إنه أوّل من صنع السفن بالنيل و إنّ أوّل سفينة كانت ثلثمائة ذراع طولا في عرض مائة ذراع.

و يقال: إن مصرايم نكح امرأة من بني الكهنة فولدت له ولدا فسماه قبطيم، و نكح قبطيم بعد سبعين سنة من عمره امرأة ولدت له أربعة نفر: قبطيم، و أشمون، و أتريب، وصا، فكثروا و عمروا الأرض و بورك لهم فيها و قيل: إنه كان عدد من وصل معهم ثلاثين رجلا فبنوا مدينة سموها نافة و معنى نافة ثلاثون بلغتهم و هي (منف) و كشف أصحاب قليمون الكاهن عن كنوز مصر و علومهم و أثاروا المعادن، و علومهم علم الطلسمات‏

38

و وضعوا لهم علم الصنعة، و بنوا على غير البحر مدنا منها رقودة مكان الإسكندرية و لما حضر مصرايم الوفاة عهد إلى ابنه قبطيم، و كان قد قسم أرض مصر بين بنيه فجعل لقبطيم من قفط إلى أسوان و لأشمون من أشمون إلى منف و لأتريب الحوف كله و لصا من ناحية صا البحرية إلى قرب برقة و قال لأخيه: فارق لك من برقة إلى الغرب فهو صاحب إفريقة و والد الأفارقة و أمر كل واحد من بنيه أن يبني لنفسه مدينة في موضعه و أمرهم عند موته أن يحفروا له في الأرض سربا و أن يفرشوه بالمرمر الأبيض، و يجعلوا فيه جسده، و يدفنوا معه جميع ما في خزائنه من الذهب، و الجوهر، و يزبروا عليه أسماء اللّه تعالى المانعة من أخذه فحفروا له سربا طوله مائة و خمسون ذراعا و جعلوا في وسطه مجلسا مصفحا بصفائح الذهب، و جعلوا أربعة أبواب على كل باب منها تمثال من ذهب عليه تاج مرصع بالجوهر و هو جالس على كرسيّ من ذهب قوائمه من زبرجد و زبروا في صدر كل تمثال آيات مانعة و جعلوا جسده في جمد مرمر مصفح بالذهب و زبروا على مجلسه مات مصرايم بن بنصر بن حام بن نوح بعد سبعمائة عام مضت من أيام الطوفان و لم يعبد الأصنام إذ لا هرم، و لا سقام، و لا حزن، و لا اهتمام و حصنه بأسماء اللّه العظام، و لا يصل إليه إلا ملك ولدته سبعة ملوك تدين بدين الملك الديان و يؤمن بالمبعوث بالفرقان الداعي إلى الإيمان آخر الزمان، و جعلوا معه في ذلك المجلس: ألف قطعة من الزبرجد المخروط، و ألف تمثال من الجوهر النفيس، و ألف برنية مملوءة من الدرّ الفاخر و الصنعة الإلهية و العقاقر، و الطلسمات العجيبة، و سبائك الذهب و سقفوا ذلك بالصخور، و هالوا فوقها الرمال بين جبلين و ولي ابنه قبطيم الملك.

قال أبو محمد عبد الملك بن هشام‏ (1) في كتاب التحائف: أنّ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود أخي عاد ابن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح (عليه السلام) و اسم عبد شمس هذا: عامر، و عرف بعبد شمس لأنه أوّل من عبد الشمس و قيل له أيضا: (سبأ) لأنه أوّل من سبأ و هو سبأ الأكبر أبو حمير و كهلان ملك بعد أبيه يشجب بأرض اليمن جميع بني قحطان و بني هود (عليه السلام)، و حثهم على الغزو ثم سار بهم إلى أرض بابل ففتحها و قتل من كان بها من الثوار حتى بلغ أرض أرمينية، و ملك أرض بني يافث بن نوح و أراد أن يعبر من هناك إلى الشام، و أرض الجزيرة فقيل له: ليس لك مجاز غير الرجوع في طريقك فبنى قنطرة على البحر و جاز عليها إلى الشام فأخذ تلك الأراضي إلى الدرب، و لم يكن خلف الدرب إذ ذاك أحد ثم نهض يريد بلاد العرب فنزل على النيل، و جمع أهل مشورته و قال لهم: إني رأيت أن أبني مصرا إلى حدّ بين هذين البحرين يعني بحر الروم، و بحر القلزم. فيكون فاصلا بين الشرق و الغرب فقالوا: نعم الرأي أيها الملك، فبنى مدينة سماها مصر، و ولى عليها ابنه بابليون و مضى إلى بني حام بن نوح‏

____________

(1) مؤرخ عالم بالأنساب و اللغة و أخبار العرب أشهر كتبه: (السيرة النبوية). ولد بالبصرة و توفي في مصر سنة 213 ه. الأعلام ج 4/ 166.

39

و هم نزول في البراري إلى قمونية و يعمونية القبط فأوقع بجميع تلك الطوائف و سبى ذراريهم كما فعل ببلاد الشرق فقيل له: من أجل ذلك سبأ ثم عاد إلى مصر و مضى فيها إلى الشام يريد الحجاز و أوصى ابنه بابليون عند رحيله اه:

ألا قل لبابليون و القول حكمة* * * ملكت زمام الشرق و الغرب فأجمل‏

و خذ لبني حام من الأمر وسطه‏* * * فإن صدفوا يوما عن الحق فأقبل‏

و إن جنحوا بالقول للرفق طاعة* * * يريدون وجه الحق و العدل فأعدل‏

و لا تظهرنّ الرأي في الناس يجتروا* * * عليك به و اجعله ضربة فيصل‏

و لا تأخذن المال في غير حقه‏* * * و إن جاء لا تدينه نحوك و ابذل‏

و داوي ذوي الأحقاد بالسيف إنه‏* * * متى يلق منك العزم ذو الحقد يجمل‏

وجد لذوي الأحساب لينا و شدّة* * * و لا تك جبارا عليهم و أجمل‏

و كن لسؤال الناس غوثا و رحمة* * * و من يك ذا عرف من الناس يسأل‏

و إياك و السفر القريب فإنه‏* * * سيغني بما يوليه في كل منهل‏

ثم عاد إلى اليمن، و بنى سد مأرب و هو سدّ فيه سبعون نهرا، و يصل إليه السيل من مسيرة ثلاثة أشهر في مثلها، ثم مات عن خمسمائة سنة، و قام من بعده ابنه حمير بن سبا فعتا بنو حام على بابليون و أرادوا تخريب مصر فاستدعى أخاه حمير لينجده عليهم فقدم عليه مصر، و مضى إلى بلاد المغرب فأقام بها مائة عام يبني المدائن، و يتخذ المصانع فمات بابليون بن سبأ بمصر. و ولى بعده ابنه امرئ القيس بابليون ثم مات حمير بن سبأ عن أربعمائة سنة و خمس و أربعين سنة منها في الملك أربعمائة سنة، و أقام من بعده وائل بن حمير. ثم مات فقام من بعده ابنه السكسك بن وائل الذي يقال له: مقعقع الحمد و قد افترق ملك حمير، فحارب الثوار، و سار إلى الشام فلقيه عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن سبأ بالرملة و قد ملك بعد أبيه و قدّم له هدية فأقرّه على مصر حتى قدم عليه إبراهيم الخليل (عليه السلام) و وهبه هاجر.

و قال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم‏ (1) في كتاب فتوح مصر و أخبارها عن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما قال: كان لنوح (عليه السلام) أربعة من الولد:

سام، و حام، و يافث، و يخطون، و أنّ نوحا رغب إلى اللّه عزّ و جلّ و سأله أن يرزقه الإجابة في ولده و ذريته حين تكاملوا بالنماء و البركة فوعده ذلك فنادى نوح ولده و هم نيام عند السحر فنادى ساما فأجابه يسعى و صاح سام في ولده فلم يجبه أحد منهم إلا ابنه أرفخشد فانطلق به معه حتى أتياه فوضع نوح يمينه على سام و شماله على أرفخشد بن سام و سأل اللّه‏

____________

(1) مؤرخ مصري صاحب كتاب (فتوح مصر و المغرب و الأندلس) ولد سنة 187 ه و توفي سنة 257 ه.

النجوم الزاهرة ج 1/ 7.

40

عزّ و جل أن يبارك في سام أفضل البركة و أن يجعل الملك و النبوّة في ولد أرفخشد، ثم نادى حاما و تلفت يمينا و شمالا فلم يجبه و لم يقم إليه هو و لا أحد من ولده فدعا اللّه عز و جل نوح أن يجعل ولده أذلاء و أن يجعلهم عبيدا لولد سام، و كان مصر بن بنصر بن حام نائما إلى جنب جدّه فلما سمع دعاء نوح على جدّه و ولده قام يسعى إلى نوح و قال: يا جدّي قد أجبتك إذ لم يجبك جدّي و لا أحد من ولده فاجعل لي دعوة من دعائك ففرح نوح و وضع يده على رأسه و قال: اللهمّ إنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه و في ذريته و أسكنه الأرض المباركة التي هي أمّ البلاد، و غوث العباد التي نهرها أفضل أنهار الدنيا و أجعل فيها أفضل البركات، و سخر له و لولده الأرض و ذللها لهم و قوّهم عليها، ثم دعا ابنه يافث فلم يجبه و لا أحد من ولده، فدعا اللّه عليهم أن يجعلهم شرار الخلق، و عاش سام مباركا إلى أن مات و عاش ابنه أرفخشد بن سام مباركا حتى مات و كان الملك الذي يحبه اللّه و النبوّة و البركة في ولد أرفخشد بن سام و كان أكبر ولد حام: كنعان بن حام، و هو الذي حمل به في الرجز في الفلك فدعا عليه نوح فخرج أسود و كان في ولده الملك و الجبروت و الجفاء و هو:

أبو السودان و الحبش كلهم و ابنه الثاني: كوش بن حام، و هو أبو السند و الهند و ابنه الثالث:

قوط بن حام و هو: أبو البربر و ابنه الأصغر الرابع: بنصر بن حام، و هو أبو القبط كلهم فولد بنصر بن حام أربعة: مصر بن بنصر و هو أكبرهم و الذي دعا له نوح بما دعا له. و فارق بن بنصر، و ماح بن بنصر، و قيل: ولد مصر أربعة: قفط بن مصر، و أشمن بن مصر، و أتريب بن مصر، وصا بن مصر؛ و عن ابن لهيعة و عبد اللّه بن خالد أوّل من سكن مصر بنصر بن حام بن نوح (عليه السلام) بعد أن أغرق اللّه تعالى قومه و أوّل مدينة عمرت بمصر منف فسكنها بنصر بولده و هم: ثلاثون نفسا منهم أربعة أولاد له قد بلغوا و تزوجوا و هم:

مصر، و فارق، و ياح، و ماح، و كان مصر أكبرهم فبنوا مصر، و كانت إقامتهم قبل ذلك بسفح المقطم، و نقروا هناك منازل كثيرة، و كان نوح (عليه السلام) قد دعا لمصر أن يسكنه اللّه الأرض الطيبة المباركة التي هي أمّ البلاد، و غوث العباد، و نهرها أفضل الأنهار، و يجعل له فيها أفضل البركات و يسخر له الأرض و لولده و يذللها لهم و يقوّيهم عليها، فسأله عنها فوصفها له و أخبره بها قالوا: و كان مصر بن بنصر مع نوح في السفينة لما دعا له و كان بنصر بن حام قد كبر و ضعف فساق ولده مصر، و جميع إخوته إلى مصر فنزلوها و بذلك سميت مصر فلما قرّ قرار بنصر و بنيه بمصر قال لمصر إخوته فارق و ماح و ياح و بنوا بنصر قد علمنا أنك أكبرنا و أفضلنا و أن هذه الأرض التي أسكنك إياها جدّك نوح، و نحن نضيق عليك أرضك، و ذلك حين كثر ولده و أولادهم، و نحن نطلب إليك البركة التي جعلها فيك جدّنا نوح أن تبارك لنا في أرض نلحق بها و نسكنها و تكون لنا و لأولادنا، فقال: نعم عليكم بأقرب البلاد إليّ و لا تباعدوا مني فإنّ لي في بلادي مسيرة شهر من أربعة وجوه أحوزها لنفسي فتكون لي و لولدي و لأولادهم، فحاز مصر بن بنصر لنفسه ما بين الشجرتين التي بالعريش‏

41

إلى أسوان طولا، و من برقة إلى أيلة عرضا، و حاز فارق لنفسه ما بين برقة إلى إفريقية، و كان ولده الأفارقة و لذلك سميت إفريقية، و ذلك مسيرة شهر، و حاز ماح ما بين الشجرتين من منتهى حدّ مصر إلى الجزيرة مسيرة شهر، و هو أبو قبط الشام، و حاز باح ما وراء الجزيرة كلّها ما بين البحر إلى الشرق مسيرة شهر، و هو أبو قبط العراق، ثم توفي بنصر بن حام، و دفن في موضع دير أبي هرميس غربيّ الأهرام، فهي أوّل مقبرة قبر فيها بأرض مصر، و كثر أولاد مصر و كان الأكابر منهم قفط، و أتريب، و أشمن، و صا، و القبط من ولد مصر هذا و يقال: إنّ قبط أخو قفط، و هو بلسانهم قفطيم و قبطيم و مصرايم، قال: ثم إنّ بنصر بن حام و توفي و استخلف ابنه مصر، و حاز كل واحد من إخوة مصر: قطعة من الأرض لنفسه سوى أرض مصر التي حازها لنفسه و لولده، فلما كثر ولد مصر و أولاد أولادهم قطع مصر لكل واحد من ولده قطيعة يحوزها لنفسه و لولده، و قسم لهم هذا النيل فقطع لابنه قفط موضع قفط فسكنها و به سميت قفط قفطا، و ما فوقها إلى أسوان، و ما دونها إلى أشمون في الشرق و الغرب، و قطع لأشمن من أشمون فما دونها إلى منف في الشرق و الغرب فسكن أشمن أشمون فسميت به، و قطع لأتريب ما بين منف إلى صا فسكن أتريبا فسميت به، و قطع لصا ما بين صا إلى البحر فسكن صا فسميت به فكانت مصر كلها على أربعة أجزاء: جزأين بالصعيد، و جزأين بأسفل الأرض.

قال البكري: و مصر مؤنثة قال تعالى: أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الزخرف/ 51]، و قال:

ادْخُلُوا مِصْرَ [يوسف/ 99]. و قال عامر بن أبي واثلة الكناني لمعاوية: أما عمرو بن العاص، فأقطعته مصر، و أما قوله سبحانه: اهْبِطُوا مِصْراً [البقرة/ 61] فإنه أراد مصرا من الأمصار، و قرأ سليم الأعمش: اهبطوا مصر، و قال: هي مصر التي عليها سليم بن عليّ فلم يجرّها.

و قال القضاعي: و كان بنصر بن حام قد كبر، و ضعف فساقه ولده مصر، و جميع إخوته إلى مصر، فنزلوها و بذلك سميت مصر، و هو اسم لا ينصرف في المعرفة لأنه اسم مذكر سميت به هذه المدينة فاجتمع فيها التأنيث و التعريف، فمعناها الصرف، ثم قيل: لكل مدينة عظيمة يطرقها السفار: مصر فإذا أريد مصر من الأمصار صرف لزوال إحدى العلتين، و هي التعريف، و أما قوله تعالى إخبارا عن موسى (عليه السلام): اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ‏ [البقرة/ 61] فإنه مصروف في قراءة سائر القراء، و في قراءة الحسن و الأعمش:

غير مصروف فمن صرفها فله و جهان: أحدهما: أنه أراد هبوط مصرا من الأمصار لأنهم كانوا يومئذ في التيه، و الآخر: أنه أراد مصر هذه بعينها و صرفها لأنه جعل مصرا اسما للبلد، و هو اسم مذكر سمي به مذكّر فلم يمنعه الصرف، و أما من لم يصرفه فإنه أراد بمصر هذه المدينة، و كذلك قوله تعالى إخبارا عن يوسف (عليه السلام): ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ‏ [يوسف/ 99]، و قول فرعون: أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الزخرف/ 51] إنما يراد به مصر

42

هذه، فأما المصر في كلام العرب فهو الحدّ بين الأرضين، و يقال: إن أهل هجر يقولون:

اشتريت الدار بمصورها أي بحدودها.

و قال الجاحظ في كتاب مدح مصر: إنما سميت مصر بمصر لمصير الناس إليها، و اجتماعهم بها. كما سمي مصير الجوف مصيرا و مصرانا لمصير الطعام إليه، قال: و جمع المصر من البلدان أمصار، و جمع مصير الطعام مصران، و ليس لمصر هذه جمع لأنها واحدة قال: و قال الأخطل: هممت بالإسلام، ثم توقفت عنه، قيل: و لم ذلك؟ قال: أتيت امرأة لي و أنا جائع فقلت: أطعميني شيئا، فقالت: يا جارية ضعي لأبي مالك مصيرا في النار، ففعلت، فاستعجلتها بالطعام فقالت: يا جارية أين مصير أبي مالك؟ قالت: في النار، قال:

فتطيرت و هممت بأن أسلم فتوقفت.

و قال الجوهريّ‏ (1) في كتاب الصحاح: مصر هي المدينة المعروفة تذكر و تؤنث عن ابن السراج و المصران الكوفة و البصرة، و قال ابن خالويه‏ (2): في كتاب ليس ليس أحد: فسّر لنا لم سميت مصر مقدونية قديما إلا في اللسان العبرانيّ، قال: مقدونية مغيث و إنما سميت مصر لما سكنها بنصر بن حام، و تزعم الروم أن بلاد مقدونية جميعا وقف على الكنيسة العظمى التي بالقسطنطينية، و يسمون بلاد مقدونية الأوصفية و هي عندهم الإسكندرية، و ما يضاف إليها و هي مصر كلها بأسرها إلا الصعيد الأعلى، و يقال لمصر: أم خنور، و تفسيره النعمة و المصر الفرق بين الشيئين. قال الشاعر يصف اللّه تعالى:

و جاعل الشمس مصرا لا خفاء به‏* * * بين النهار و بين الليل قد فصلا

هذا البيت قائله عديّ بن زيد العباديّ و يروى لأمية بن الصلت الثقفيّ و هو من أبيات أوّلها:

اسمع حديثا كما يوما تحدّثه‏* * * عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا

كيف بدا ثم ربى اللّه نعمته‏* * * فيها و علمنا آياته ألا و لا

كانت رياح و سيل ذو كرانية* * * و ظلمة لم تدع فتقا و لا خللا

فآمر الظلمة السوداء فانكشفت‏* * * و عزل الماء عما كان قد شغلا

و بسط الأرض بسطا ثم قدّرها* * * تحت السّماء سواميل و ما نقلا

و جاعل الشمس مصرا لا خفاء به‏* * * بين النهار و بين الليل قد فصلا

و في السماء مصابيح تضي‏ء لنا* * * ما إن تكلفنا زيتا و لا فتلا

قضى لستة أيام خليقته‏* * * و كان آخر شي‏ء صوّر الرجلا

____________

(1) أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الجوهري من أعلام رجال الحديث توفي سنة 247 ه. الأعلام ج 1/ 40.

(2) ابن خالويه: الحسين بن أحمد بن خالويه من كبار النحاة أصله من همدان زار اليمن و الشام و استوطن حلب و عظمت شهرته أيام سيف الدولة الحمداني، توفي في حلب سنة 370 ه. الأعلام ج 2/ 231.

43

فأخذ اللّه من طين فصوّره‏* * * لما رأى أنه قد تم و اعتدلا

دعاه آدم صوتا فاستجاب له‏* * * فنفخ الروح في الجسم الذي جبلا

ثمة أورثه الفردوس يسكنها* * * و زوجه ضلعة من جنبه جعلا

لم ينهه ربه عن غير واحدة* * * من شجر طيب إن شم أو أكلا

و كانت الحية الرقشاء إذ خلقت‏* * * كما ترى ناقة في الخلق أو جملا

فلامها اللّه إذ أطغت خليفته‏* * * طول الليالي و لم يجعل لها أكلا

تمشي على بطنها في الأرض ما عمرت‏* * * و الترب تأكله حزنا و إن سهلا

و قال الحافظ أبو الخطاب مجد الدين عمر بن دحية: و مصر أخصب بلاد اللّه و سماها اللّه بمصر و هي هذه دون غيرها بإجماع القرّاء على ترك صرفها، و هي اسم لا ينصرف في معرفة لأنه اسم مذكر سميت به هذه المدينة، و اجتمع فيه التأنيث و التعريف فمنعاه الصرف، و هي عندنا مشتقة من مصرت الشاة إذا أخذت من ضرعها اللبن فسميت: مصر لكثرة ما فيها من الخير مما ليس في غيرها فلا يخلو ساكنها من خير يدرّ عليه منها كالشاة التي ينتفع بلبنها، و صوفها، و ولادتها. و قال ابن الأعرابيّ: المصر الوعاء، و يقال للمعا المصير، و جمعه مصران و مصارين، و كذلك هي خزائن الأرض. قال أبو بصرة الغفاريّ من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): مصر خزائن الأرض كلها ألا ترى إلى قول يوسف (عليه السلام): اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏ [يوسف/ 55] فأغاث اللّه بمصر يومئذ و خزائنها كل حاضر و باد ذكره الحوفيّ في تفسيره.

و قال البكري: أمّ خنور بفتح أوّله و تشديد ثانيه و بالراء المهملة اسم لمصر، و قال أرطاة بن شهبة: يا آل ذبيان! ذودوا عن دمائكم، و لا تكونوا كقوم أم خنور. يقول: لا تكونوا أذلاء ينالكم من أراد، يجب التأمل في هذه الجملة، و هي أم خنور. قال كراع: أم خنور:

النعمة و لذلك سميت مصر أم خنور لكثرة خيرها. و قال عليّ بن حمزة: سميت أم خنور لأنها يساق إليها القصار الأعمار، و يقال للضبع: خنور و خنوز بالراء و الزاي، و قال ابن قتيبة في غرائب الحديث: و مصر الحدّ، و أهل هجر يكتبون في شروطهم اشترى فلان الدار بمصورها كلها أي بحدودها، و قال عديّ بن زيد:

و جاعل الشمس مصرا لا خفاء به‏* * * بين النهار و بين الليل قد فصلا

أي حدّا.

ذكر طرف من فضائل مصر

و لمصر فضائل كثيرة منها: أنّ اللّه عزّ و جلّ ذكرها في كتابه العزيز بضعا و عشرين مرّة تارة بصريح الذكر و تارة إيماء. قال تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ‏ [البقرة/ 61].

قال أبو محمد عبد الحق بن عطية في تفسيره: و جمهور الناس يقرءون مصرا بالتنوين و هو

44

خط المصاحف إلا ما حكي عن بعض مصاحف عثمان رضي اللّه عنه، و قال مجاهد و غيره:

من صرفها أراد مصرا من الأمصار غير معين، و استدلوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، و بما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه، و قالت طائفة ممن صرفها: أراد مصر فرعون بعينها و استدلوا بما في القرآن أن اللّه تعالى أورث بني إسرائيل ديار فرعون و آثاره، و أجازوا صرفها. قال الأخفش: لخفتها و شبهها بهند و دعد، و سيبويه لا يجير هذا.

و قال غير الأخفش: أراد المكان فصرف. و قرأ الحسن و أبان بن ثعلب و غيرهما: اهبطوا مصر بترك الصرف؛ و كذلك هي في مصحف أبيّ بن كعب. و قال: هي مصر فرعون. قال الأعمش‏ (1): هي مصر التي عليها صالح بن علي، و قال أشهب: قال لي مالك: هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون، قال تعالى: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ‏ [يوسف/ 99]. قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن فرقد الشيخي.

قال: خرج يوسف (عليه السلام) يتلقى يعقوب (عليه السلام)، و ركب أهل مصر مع يوسف، و كانوا يعظمونه فلما دنا أحدهما من صاحبه و كان يعقوب يمشي و هو يتوكأ على رجل من ولده يقال له: يهوذا فنظر يعقوب إلى الخيل، و إلى الناس، فقال: يا يهوذا هذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ابنك فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه قال يعقوب (عليه السلام): عليك يا ذاهب الأحزان عني. هكذا قال: يا ذاهب الأحزان عني.

و قال تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ [يونس/ 87]. قال الطبري‏ (2) عن ابن عباس و غيره: كانت بنو إسرائيل تخاف فرعون، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد يصلون فيها. قال قتادة: و ذلك حين منعهم فرعون الصلاة فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم و أن يوجهوا نحو القبلة، و عن مجاهد: بيوتكم قبلة قال: نحو الكعبة حين خاف موسى و من معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرّا، و عن مجاهد في قوله: أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً [يونس/ 87] قال: مصر: الإسكندرية.

و قال تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال: أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ‏ [الزخرف/ 51]. قال ابن عبد الحكم، و أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس، و غيرهما عن أبي رهم السماعي أنه قال في قوله تعالى: أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي‏ [الزخرف/ 51] قال: و لم يكن يومئذ في الأرض ملك أعظم من‏

____________

(1) هو سليمان بن مهران الأسدي الملقب بالأعمش، تابعي مشهور كان عالما بالقرآن و الحديث و الفرائض. ولد سنة 61 ه و توفي سنة 154 ه. الأعلام ج 3/ 135.

(2) هو محمد بن جرير الطبري المؤرخ المفسر الإمام. ولد بآمد سنة 224 ه و استوطن بغداد عرض عليه القضاء فامتنع. له عدة مؤلفات بالتفسير و الفقه و هو من ثقات المؤرخين و هو صاحب التاريخ المشهور به، توفي سنة 310 ه. الأعلام ج 6/ 69.

45

ملك مصر، و كان جميع أهل الأرضيين يحتاجون إلى مصر، و أما الأنهار فكانت قناطر و جسورا بتقدير و تدبير حتى أن الماء يجري من تحت منازلها و أفنيتها فيحبسونه كيف شاءوا، فهذا ما ذكره اللّه سبحانه في مصر من آي الكتاب العزيز بصريح الذكر.

(و أما) ما وقعت إليه الإشارة فيه من الآيات فعدّة.

قال تعالى: وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ‏ [يونس/ 93]، و قال تعالى:

وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏ [المؤمنون/ 50]. قال ابن عباس، و سعيد بن المسيب، و وهب بن منبه: هي مصر، و قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه: هي الإسكندرية، و قال تعالى: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ‏ [الشعراء/ 57]، و قال تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ‏ [الدخان/ 25]. قال ابن يونس في قول اللّه سبحانه: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ‏ [الشعراء/ 57]. قال أبو رهم: كانت الجنات بحافتي النيل من أوّله إلى آخره من الجانبين ما بين أسوان إلى رشيد، و سبعة خلج: خليج الإسكندرية، و خليج سخا، و خليج دمياط، و خليج سردوس، و خليج منف، و خليج الفيوم، و خليج المنهى متصلة لا ينقطع منها شي‏ء عن شي‏ء و زروع ما بين الجبلين كله من أوّل مصر إلى آخرها مما يبلغه الماء، و كان جميع أرض مصر كلها تروي يومئذ من ستة عشر ذراعا لما قد دبروا من قناطرها، و جسورها. قال: و المقام الكريم: المنابر كان بها ألف منبر. و قال مجاهد و سعيد بن جبير: المقام الكريم: المنابر، و قال قتادة: و مقام كريم أي حسن و نعمة كانوا فيها فاكهين ناعمين. قال: أي و اللّه أخرجه اللّه من جنانه، و عيونه، و زروعه حتى ورطه في البحر. و قال سعيد بن كثير بن عفير: كنا بقبة الهواء عند المأمون لما قدم مصر فقال لنا:

ما أدري ما أعجب فرعون من مصر حيث يقول: أليس لي ملك مصر؟ فقلت: أقول: يا أمير المؤمنين، فقال: قل يا سعيد، فقلت: إنّ الذي ترى بقية مدمّر لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول:

وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ‏ [الأعراف/ 137] قال: صدقت، ثم أمسك، و قال تعالى: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ [القصص/ 5]، و قال تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال: يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ‏ [غافر/ 29]، و قال تعالى: وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى‏ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ‏ [الأعراف/ 137]، و قال تعالى مخبرا عن قوم فرعون: أَ تَذَرُ مُوسى‏ وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ‏ [الأعراف/ 127] يعني أرض مصر، و قال تعالى حكاية عن يوسف (عليه السلام) أنه‏ قالَ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏ [يوسف/ 55]. روى ابن يونس عن أبي نضرة الغفاريّ رضي اللّه عنه قال: مصر خزائن الأرض كلها، و سلطانها سلطان الأرض كلها ألا

46

ترى إلى قول يوسف (عليه السلام) لملك مصر: اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ‏ ففعل فأغيث بمصر و خزائنها يومئذ كل حاضر، و باد من جميع الأرض، و قال تعالى: وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ [يوسف/ 56]، فكان ليوسف بسلطانه بمصر جميع سلطان الأرض كلها لحاجتهم إليه، و إلى ما تحت يديه، و قال تعالى مخبرا عن موسى (عليه السلام) أنه قال: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ‏ [يونس/ 88]، و قال تعالى: عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‏ [الأعراف/ 129]، و قال تعالى: وَ قالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى‏ وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [غافر/ 26] يعني أرض مصر، و قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ‏ [القصص/ 4] يعني أرض مصر، و قال تعالى حكاية عن بعض إخوة يوسف (عليه السلام): فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ‏ [يوسف/ 80] يعني أرض مصر، و قال تعالى: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ‏ [القصص/ 19] يعني أرض مصر. قال ابن عباس رضي اللّه عنه: سميت مصر بالأرض كلها في عشرة مواضع من القرآن، فهذا ما يحضرني مما ذكرت فيه مصر من آي كتاب اللّه العزيز.

و قد جاء في فضل مصر أحاديث: روى عبد اللّه بن لهيعة من حديث عمرو بن العاص أنه قال: حدّثني عمر أمير المؤمنين رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «إذا فتح اللّه عليكم بعدي مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض». قال أبو بكر رضي اللّه عنه: و لم ذلك يا رسول اللّه؟ قال: «لأنهم في رباط إلى يوم القيامة». و عن عمرو بن الحمق‏ (1): أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «... تكون فتنة أسلم الناس فيها أو خير الناس فيها الجند الغربيّ ...». قال: فلذلك قدمت عليكم مصر، و عن تبيع بن عامر الكلاعيّ قال: أقبلت من الصائفة فلقيت أبا موسى الأشعريّ رضي اللّه عنه فقال لي: من أين أنت؟

فقلت: من أهل مصر، قال: من الجند العربيّ؟ فقلت: نعم، قال: الجند الضعيف؟ قال:

قلت: أهو الضعيف؟ قال: نعم، قال: أما إنه ما كادهم أحد إلا كفاهم اللّه مؤنته، اذهب إلى معاذ بن جبل حتى يحدّثك قال: فذهبت إلى معاذ بن جبل فقال لي: ما قال لك الشيخ فأخبرته، فقال لي: و أيّ شي‏ء تذهب به إلى بلادك أحسن من هذا الحديث، أكتبت في أسفل ألواحك، فلما رجعت إلى معاذ أخبرني أن بذلك أخبره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و روى ابن وهب من حديث صفوان بن عسال قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «... فتح اللّه بابا للتوبة في الغرب عرضه سبعون عاما لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه ...». و روى ابن لهيعة من حديث عمرو بن العاص: حدّثني عمر أمير المؤمنين رضي اللّه عنه، أنه سمع‏

____________

(1) صحابي شهد مع علي حروبه، و رحل إلى مصر ثم الموصل فطلبه معاوية فأخذ عامل الموصل رأسه و بعثه إلى معاوية سنة 50 ه. الأعلام ج 5/ 77.

47

رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «إن اللّه عز و جل سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإنّ لهم منكم صهرا و ذمّة ...». و روى ابن وهب قال: أخبرني حرملة بن عمران التجيبي عن عبد الرحمن بن شماسة المهريّ قال: سمعت أبا ذر رضي اللّه عنه يقول: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإنّ لهم ذمّة و رحما فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فأخرجوا منها ...». قال: فمرّ بربيعة و عبد الرحمن ابني شرحبيل يتنازعان في موضع لبنة فخرج منها، و في رواية:

«ستفتحون مصر و هي أرض يسمى فيها القيراط فإذا افتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمّة و رحما أو قال: ذمّة و صهرا» الحديث، و رواه مالك، و الليث و زاد: فاستوصوا بالقبط خيرا. أخرجه مسلم في الصحيح عن أبي الطاهر عن ابن وهب. قال ابن شهاب: و كان يقال إنّ أمّ إسماعيل منهم، قال الليث بن سعد: قلت لابن شهاب: ما رحمهم، قال: إن أمّ إسماعيل بن إبراهيم (صلوات اللّه عليهما) منهم، و قال محمد بن إسحاق‏ (1): قلت للزهريّ‏ (2): ما الرحم التي ذكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ قال: كانت هاجر أمّ إسماعيل منهم، و روى ابن لهيعة من حديث أبي سالم الجيشاني: أن بعض أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أخبره أنه سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «إنكم ستكونون أجنادا و إن خير أجنادكم أهل الغرب منكم فاتقوا اللّه في القبط لا تأكلوهم أكل الخضر»، و عن مسلم بن يسار: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «استوصوا بالقبط خيرا فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال العدوّ»، و عن يزيد بن أبي حبيب: أن أبا سلمة ابن عبد الرحمن حدّثه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أوصى عند وفاته أن تخرج اليهود من جزيرة العرب، و قال: «اللّه اللّه في قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم، و يكونون لكم عدّة، و أعوانا في سبيل اللّه»، و روى ابن وهب عن موسى بن أيوب الغافقي عن رجل من الرّند: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مرض فأغمي عليه ثم أفاق فقال: «استوصوا بالأدم الجعد» ثم أغمي عليه الثانية، ثم أفاق فقال مثل ذلك، ثم أغمي عليه الثالثة، فقال مثل ذلك، فقال القوم: لو سألنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الأدم الجعد، فأفاق فسألوه، فقال: «قبط مصر، فإنهم أخوال، و أصهار، و هم أعوانكم على عدوّكم و أعوانكم على دينكم»، قالوا: كيف يكونون أعواننا على ديننا يا رسول اللّه؟ قال: «يكفونكم أعمال الدنيا و تتفرّغون للعبادة فالراضي بما يؤتى إليهم كالفاعل بهم و الكاره لما يؤتى إليهم من الظلم كالمتنزه عنهم»، و عن عمرو بن حريب و أبي عبد الرحمن الحلبي أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إنكم ستقدمون على قوم جعد رؤوسهم فاستوصوا بهم خيرا فإنهم قوّة لكم و بلاغ إلى عدوّكم بإذن اللّه» يعني قبط مصر.

____________

(1) من أقدم مؤرخي العرب. له: (السيرة النبوية) و (كتاب الخلفاء). توفي سنة 151 ه. الأعلام ج 6/ 28.

(2) أبو إسحاق إبراهيم بن سعد الزهري من العلماء الثقات بالحديث روى له البخاري و مسلم ولادته سنة 109 ه و وفاته سنة 184 ه. الأعلام ج 1/ 40.

48

و عن ابن لهيعة: حدّثني مولى عفرة، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «اللّه اللّه في أهل المدرة السوداء السجم الجعاد فإن لهم نسبا و صهرا»، قال عمرو مولى عفرة صهرهم أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تسرّى فيهم، و نسبهم أن أمّ إسماعيل (عليهم السلام) منهم. قال ابن وهب:

فأخبرني ابن لهيعة أن أمّ إسماعيل هاجر من أمّ العرب قرية كانت أمام الفرما من مصر و قال مروان القصاص: صاهر إلى القبط من الأنبياء ثلاثة: إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) تسرّى هاجر، و يوسف تزوّج بنت صاحب عين شمس، و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تسرّى مارية. و قال يزيد بن أبي حبيب: قرية هاجر باق التي عندها أمّ دنين، و قال هشام: العرب تقول:

هاجر، و آجر، فيبدلون من الهاء الألف كما قالوا: هراق الماء، و أراق الماء، و نحوه.

و عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال: الأمصار سبعة. فالمدينة مصر، و الشأم مصر، و مصر، و الجزيرة، و البحرين، و البصرة، و الكوفة. و قال مكحول: أول الأرض خرابا أرمينة، ثم مصر. و قال عبد اللّه بن عمر: و قبطة مصر أكرم الأعاجم كلها، و أسمحهم يدا، و أفضلهم عنصرا، و أقربهم رحما بالعرب عامة، و بقريش خاصة، و من أراد أن يذكر الفردوس، أو ينظر إلى مثلها في الدنيا فلينظر إلى أرض مصر حين يخضر زرعها و تنور ثمارها. و قال كعب الأحبار (1): من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلى مصر إذا أخرقت، و في رواية: إذا أزهرت.

(و من فضائل مصر): أنه كان من أهلها السحرة، و قد آمنوا جميعا في ساعة واحدة، و لا يعلم جماعة أسلمت في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط، و كانوا في قول يزيد بن أبي حبيب، و غيره اثني عشر ساحرا رؤساء، تحت يد كل ساحر منهم عشرون عريفا، تحت يد كل عريف منهم ألف من السحرة، فكان جميع السحرة مائتي ألف و أربعين ألفا و مائتين و اثنين و خمسين إنسانا بالرؤساء، و العرفاء، فلما عاينوا ما عاينوا أيقنوا أن ذلك من السماء و أن السحر لا يقوم لأمر اللّه فخرّ الرؤساء الاثنا عشر عند ذلك سجدا، فأتبعهم العرفاء، و اتبع العرفاء من بقي، و قالوا: آمنا برب العالمين رب موسى و هارون. قال تبيع: كانوا من أصحاب موسى (عليه السلام) و لم يفتتن منهم أحد مع من افتتن من بني إسرائيل في عبادة العجل. قال تبيع: ما آمن جماعة قط في ساعة واحدة مثل جماعة القبط، و قال كعب الأحبار: مثل قبط مصر كالغيضة كلما قطعت نبتت حتى يخرّب اللّه عز و جل بهم و بصناعتهم جزائر الروم، و قال عبد اللّه بن عمرو: خلقت الدنيا على خمس صور: على صورة الطير برأسه، و صدره، و جناحيه، و ذنبه. فالرأس مكة، و المدينة، و اليمن. و الصدر الشأم، و مصر و الجناح الأيمن العراق، و خلف العراق أمّة يقال لها: واق، و خلف واق أمّة يقال‏

____________

(1) هو كعب بن ماتع الحميري تابعي كان من كبار علماء اليهود في اليمن أسلم في زمن أبي بكر أخذ عنه الصحابة كثيرا من أخبار الأمم الغابرة توفي بحمص سنة 32 ه. الأعلام ج 6/ 228.

49

لها: واق واق و خلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا اللّه عز و جل، و الجناح الأيسر السند، و خلف السند الهند، و خلف الهند أمّة يقال لها: ناسك، و خلف ناسك أمّة يقال لها:

منسك، و خلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا اللّه عز و جل، و الذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس، و شرّ ما في الطير الذنب، و قال الجاحظ: الأمصار عشرة: الصناعة بالبصرة، و الفصاحة بالكوفة، و التحنيث ببغداد، و العيّ بالري، و الجفا بنيسابور، و الحسن بهراة، و الطرمذة بسمرقند، و المروءة ببلخ، و التجارة بمصر، و البخل بمرو، الطرمذة: كلام ليس له فعل، و عن يحيى بن داخر الغافريّ أنه سمع عمرو بن العاص يقول في خطبته:

و اعملوا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لمكث الأعداء حولكم، و لإشراف قلوبهم إليكم، و إلى داركم معدن الزرع، و المال، و الخير الواسع، و البركة النامية.

و عن عبد الرحمن بن غنم الأشعريّ: أنه قدم من الشأم إلى عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقال: ما أقدمك إلى بلادنا؟ قال: كنت تحدّثني أن مصر أسرع الأرض خرابا ثم أراك قد اتخذت منها، و بنيت فيها القصور، و اطمأننت فيها، قال: إن مصر قد أوفت خرابها حطّمها البخت نصر، فلم يدع فيها إلا السباع، و الضباع، فهي اليوم أطيب الأرضين ترابا، و أبعدها خرابا، و لا يزال فيها بركة ما دام في شي‏ء من الأرض بركة، و يقال: مصر متوسطة الدنيا، قد سلمت من حرّ الإقليم الأوّل و الثاني، و من برد الإقليم السادس و السابع، و وقعت في الإقليم الثالث، فطاب هواها، و ضعف حرّها، و خف بردها، و سلم أهلها من مشاتي الأهواز، و مصايف عمان، و صواعق تهامة، و دماميل الجزيرة، و جرب اليمن، و طواعين الشأم، و برسام العراق، و عقارب عسكر مكرم، و طحال البحرين، و حمى خيبر، و أمنوا من غارات الترك، و جيوش الروم، و هجوم العرب، و مكايد الدّيلم، و سرايا القرامطة، و نزف الأنهار، و قحط الأمطار، و بها ثمانون كورة ما فيها كورة إلا و بها طرائف، و عجاب من أنواع البرّ، و الأبنية، و الطعام، و الشراب، و الفاكهة، و سائر ما تنتفع به الناس، و تدخره الملوك يعرف بكل كورة، و جهاتها و ينسب كل لون إلى كورة، فصعيدها أرض حجازية حرّة حرّ العراق، و ينبت النخل، و الأراك، و القرظ، و الدوم، و العشر، و أسفل أرضها شامي يمطر مطر الشأم، و ينبت ثمار الشأم من الكروم، و الزيتون، و اللوز، و التين، و الجوز، و سائر الفواكه، و البقول، و الرياحين، و يقع به الثلج، و البرد.

و كورة الإسكندرية، و لوبية، و مراقيه براري، و جبال، و غياض تنبت الزيتون، و الإعناب، و هي بلاد إبل، و ماشية، و عسل، و لبن. و في كل كورة من كور مصر مدينة، في كل مدينة منها آثار كريمة من الأبنية، و الصخور، و الرخام، و العجائب، و في نيلها السفن التي تحمل السفينة الواحدة منها ما يحمله خمسمائة بعير، و كل قرية من قرى مصر تصلح أن تكون مدينة يؤيد ذلك قول اللّه سبحانه و تعالى: وَ ابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ‏ [الشعراء/ 36]، و يعمل بمصر معامل كالتنانير يعمل بها البيض بصنعة يوقد عليه، فيحاكي نار

50

الطبيعة في حضانة الدجاجة لبيضها، و يخرج من تلك المعامل الفراريج، و هي معظم دجاج مصر، و لا يتم عمل هذا بغير مصر. و قال عمر بن ميمون: خرج موسى (عليه السلام) ببني إسرائيل، فلما أصبح فرعون أمر بشاة، فأتى بها فأمر بها أن تذبح، ثم قال: لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندي خمس مائة ألف من القبط، فاجتمعوا إليه، فقال لهم فرعون: إن هؤلاء لشرذمة قليلون، و كان أصحاب موسى (عليه السلام) ستمائة ألف و سبعين ألفا.

و وصف بعضهم مصر، فقال: ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، و ثلاثة أشهر مسكة سوداء، و ثلاثة أشهر زمردة خضراء، و ثلاثة أشهر سبيكة ذهب حمراء، فأما اللؤلؤة البيضاء، فإن مصر في أشهر أبيب و مسرى و بوت يركبها الماء، فترى الدنيا بيضاء، و ضياعها على روابي، و تلال مثل الكواكب قد أحيطت بها المياه من كل وجه، فلا سبيل إلى قرية من قراها إلا في الزوارق، و أما المسكة السوداء، فإن في أشهر بابه، و هاتور، و كيهك ينكشف الماء عن الأرض فتصير أرضا سوداء، و في هذه الأشهر تقع الزراعات، و أما الزمرذة الخضراء فإن في أشهر طوبه و امشير و برمهات يكثر نبات الأرض، و ربيعها فتصير خضراء كأنها زمرذة، و أما السبيكة الحمراء فإن في أشهر برمودة و بشنس و بؤنة يتورد العشب، و يبلغ الزرع الحصاد، فيكون كالسبيكة التي من الذهب منظرا و منفعة، و سأل بعض الخلفاء الليث بن سعد عن الوقت الذي تطيب فيه مصر؟ فقال: إذا غاض ماؤها، و ارتفع و باها و جف ثراها و أمكن مرعاها، و قال آخر: نيلها عجب، و أرضها ذهب، و خيرها جلب، و ملكها سلب، و مالها رغب، و في أهلها صخب، و طاعتهم رهب، و سلامهم شعب، و حربهم حرب، و هي لمن غلب. و قال آخر: مصر من سادات القرى و رؤساء المدن، و قال زيد بن أسلم في قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ‏ [البقرة/ 265] هي: مصر إن لم يصبها مطر أزكت، و إن أصلبها مطرا ضعفت، قاله المسعودي في تاريخه، و يقال: لما خلق اللّه آدم (عليه السلام) مثل له الدنيا شرقها، و غربها، و سهلها، و جبلها، و أنهارها، و بحارها، و بناءها، و خرابها، و من يسكنها من الأمم و من يملكها من الملوك، فلما رأى مصر أرضا سهلة ذات نهر جار مادّته من الجنة تنحدر فيه البركة، و رأى جبلا من جبالها مكسوّا نورا لا يخلو من نظر الرب إليه بالرحمة في سفحه أشجار مثمرة، و فروعها في الجنة تسقى بماء الرحمة، فدعا آدم (عليه السلام) في النيل بالبركة، و دعا في أرض مصر بالرحمة، و البرّ و التقوى، و بارك في نيلها و جبلها سبع مرّات و قال: يا أيها الجبل المرحوم: سفحك جنة، و تربتك مسكة يدفن فيها غراس الجنة أرض حافظة مطيعة رحيمة لا خلتك يا مصر بركة، و لا زال بك حفظ و لا زال منك ملك و عزيا أرض مصر فيك الخبايا، و الكنوز، و لك البرّ و الثروة، و سال نهرك عسلا كثر اللّه زرعك، و درّ ضرعك، و زكى نباتك و عظمت بركتك، و خصبت و لا زال فيك خير ما لم تتجبري و تتكبري، أو تخوني فإذا فعلت ذلك عد النشر، ثم يغور خيرك، فكان آدم أوّل من دعا لها بالرحمة، و الخصب و الرأفة و البركة.

51

و عن ابن عباس: أن نوحا (عليه السلام) دعا لمصر بن بيصر بن حام فقال: اللهمّ إنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه و في ذريته و أسكنه الأرض المباركة التي هي أم البلاد، و غوث العباد التي نهرها أفضل أنهار الدنيا، و اجعل فيها أفضل البركات، و سخر له و لولده الأرض، و ذللها لهم و قوّهم عليها.

و قال كعب الأحبار: لولا رغبتي في بيت المقدس لما سكنت إلا مصر فقيل له: لم؟

فقال: لأنها بلد معافاة من الفتن و من أرادها بسوء أكبه اللّه على وجهه و هو بلد مبارك لأهله فيه. و قال ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب عن خالد بن يزيد عن ابن أبي هلال: أن كعب الأحبار كان يقول: إني لأحب مصر و أهلها، لأن مصر بلد معافاة و أهلها أصحاب عافية، و هم بذلك مفارقون، و يقال: إن في بعض الكتب الإلهية: مصر خزائن الأرض كلها فمن أرادها بسوء قصمه اللّه تعالى.

و قال عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة يعني إذا جمع الخراج مع الإمارة، و قال أحمد بن مدبر: تحتاج مصر إلى ثمانية و عشرين ألف ألف فدان، و إنما يعمر منها ألف ألف فدّان، و قد كشفت أرض مصر، فوجدت غامرها أضعاف عامرها، و لو اشتغل السلطان بعمارتها لوفت له بخراج الدنيا. و قال بعضهم: إنّ خراج العراق لم يكن قط أوفر منه في أيام عمر بن عبد العزيز، فإنه بلغ ألف ألف درهم و سبعة عشر ألف ألف درهم، و لم تكن مصر قط أقل من خراجها في أيام عمرو بن العاص، و أنه بلغ اثني عشر ألف ألف دينار، و كانت الشامات بأربعة عشر ألف ألف سوى الثغور. و من فضائل مصر: أنه ولد بها من الأنبياء موسى، و هارون، و يوشع (عليهم السلام)، و يقال: إن عيسى بن مريم (صلوات اللّه عليه) أخذ على سفح الجبل المقطم، و هو سائر إلى الشام، فالتفت إلى أمّه و قال: يا أمّاه هذه مقبرة أمّة محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و يذكر أنه ولد في قرية اهناس من نواحي صعيد مصر و أنه كانت به نخلة يقال: إنها النخلة المذكورة في القرآن بقوله سبحانه و تعالى: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم/ 25] و هذا القول و هم، فإنه لا خلاف بين علماء الأخبار من أهل الكتاب، و من يعتمد عليه من علماء المسلمين أن عيسى (صلوات اللّه عليه) ولد بقرية بيت لحم من بيت المقدس، و دخل مصر من الأنبياء، إبراهيم خليل الرحمن، و قد ذكر خبر ذلك عند ذكر خليج القاهرة من هذا الكتاب. و دخلها أيضا يعقوب و يوسف و الأسباط، و قد ذكر ذلك في خبر الفيوم، و دخلها أرميا، و كان من أهلها مؤمن آل فرعون الذي أثنى عليه اللّه جلّ جلاله في القرآن.

و يقال: إنه ابن فرعون لصلبه، و أظنه أنه غير صحيح، و كان منها جلساء فرعون الذين أبان اللّه فضيلة عقلهم بحسن مشورتهم في أمر موسى و هارون (عليهما السلام)، لما استشارهم فرعون في أمرهما فقال تعالى: قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ‏

52

أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ وَ ابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ‏ [الشعراء/ 34- 37]، و أين هذا من قول أصحاب النمرود في إبراهيم (صلوات اللّه عليه)، حيث أشاروا بقتله قال تعالى حكاية عنهم: قالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ‏ [الأنبياء/ 68] و من أهل مصر، امرأة فرعون التي مدحها اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله:

وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ [التحريم/ 11] و من أهلها، ماشطة بنت فرعون و آمنت بموسى (عليه السلام)، فمشطها فرعون بأمشاط الحديد كما يمشط الكتان، و هي ثابتة على إيمانها بالله.

و قال صاعد اللغوي‏ (1) في كتاب طبقات الأمم: إن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأوّل الساكن بصعيد مصر الأعلى، و هو أوّل من تكلم في الجواهر العلوية، و الحركات النجومية، و هو أوّل من ابتنى الهياكل، و مجد اللّه فيها، و أوّل من نظر في علم الطب، و ألف لأهل زمانه قصائد موزونة في الأشياء الأرضية و السماوية، و قالوا: إنه أوّل من أنذر بالطوفان، و رأى أن آفة سماوية تصيب الأرض من الماء، و النار فخاف ذهاب العلم، و اندراس الصنائع فبنى الأهرام، و البرابي‏ (2) التي في صعيد مصر الأعلى، و صوّر فيها جميع الصنائع، و الآلات و رسم فيها صفات العلوم حرصا على تخليدها لمن بعده، و خيفة أن يذهب رسمها من العالم، و هرمس هذا هو: إدريس (عليه السلام).

و قال أبو محمد الحسن بن إسماعيل بن الفرات في أخبار مصر: إن الخضر جاز البحر مع موسى (عليه السلام)، و كان مقدّما عنده، و كان بمصر من الحكماء جماعة ممن عمرت الدنيا بكلامهم و حكمهم و تدبيرهم، و كان من علومهم علم الطب، و علم النجوم، و علم المساحة، و علم الهندسة، و علم الكيمياء، و علم الطلسمات، و يقال: كانت مصر في الزمن الأوّل يسير إليها طلاب العلوم لتزكو عقولهم، و تجود أذهانهم و يتميز عندهم الذكاء و تدق الفطنة.

و من فضائل مصر: أنها تمير أهل الحرمين و توسع عليهم و مصر فرضة الدنيا يحمل خيرها إلى ما سواها، فساحلها بمدينة القلزم يحمل منه إلى الحرمين و اليمن و الهند و الصين و عمان و السند و الشحر، و ساحلها من جهة تنيس و دمياط و الفرما فرضة بلاد الروم،

____________

(1) هو أبو القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن الأندلسي مؤرخ بحاث أصله من قرطبة. له مؤلفات عديدة منها: (جوامع أخبار الأمم) و (تاريخ الإسلام) و (طبقات الأمم) توفي سنة 462 ه. الأعلام ج 3/ 186.

(2) البرابي: جمع بربا أو برباة هو اسم أطلقه المصريون القدماء على جميع المعابد و الآثار القديمة و يقال: إن بربا كلمة قبطية اسم للبناء المحكم القديم أو بيت الحكمة و كان يستعمل موضعا للسحر.

النجوم الزاهرة ج 1/ 49.