المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية - ج3

- أحمد بن علي المقريزي المزيد...
426 /
3

الجزء الثالث‏

ذكر حارات القاهرة و ظواهرها

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

قال ابن سيده: و الحارة كلّ محلّة دنت منازلها، قال: و المحلّة منزل القوم. و بالقاهرة و ظواهرها عدّة حارات و هى:

حارة بهاء الدين: هذه الحارة كانت قديما خارج باب الفتوح الذي وضعه القائد جوهر (1) عند ما اختطّ أساس القاهرة من الطوب الني‏ء، و قد بقي من هذا الباب عقدة برأس حارة بهاء الدين‏ (2)، و صارت هذه الحارة اليوم من داخل باب الفتوح الذي وضعه أمير الجيوش بدر (3) الجمالي، و هو الموجود الآن. و حدّ هذه الحارة عرضا من خطّ باب الفتوح‏ (4) الآن إلى خطّ حارة الورّاقة بسوق المرحلين، و حدّها طولا فيما وراء ذلك إلى خطّ باب القنطرة. و كانت هذه الحارة تعرف بحارة الريحانية و الوزيرية (5) و هما طائفتان من طوائف عسكر الخلفاء الفاطميين، فإنّ بها كانت مساكنهم، و كان فيها لهاتين الطائفتين دور عظيمة و حوانيت عديدة؛ و قيل لها أيضا بين الحارتين، و اتصلت العمارة إلى السور و لم تزل الريحانية و الوزيرية بهذه الحارة إلى أن كانت واقعة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب بالعبيد.

____________

(1) في النجوم الزاهرة 4/ 29: هو أبو الحسن جوهر بن عبد اللّه القائد المعزّي المعروف بالكاتب، مولى العزيز لدين اللّه الفاطمي.

(2) في النجوم الزاهرة 4/ 40: و كانت تسمّى قديما حارة الريحانية، و تنسب إلى بهاء الدين قراقوش.

(3) في شذرات الذهب: 3/ 383: هو بدر الأرمني، ولي أمرة دمشق سنة 455 ه ثم وليها و الشام كلّه سنة 458 ه، ثم سار إلى الدار المصرية- و المستنصر في غاية الضعف- فشيّد دولته و تصرف في الممالك، و ولي وزارة السيف و القلم. توفي سنة 488 ه

(4) في النجوم الزاهرة 4/ 40: شرقا.

(5) انظر الخطط التوفيقية: 3/ 121.

4

ذكر واقعة العبيد (1)

و سببها أنّ مؤتمن الخلافة جوهرا أحد الأستاذين المحنّكين بالقصر تحدّث في إزالة صلاح الدين يوسف بن أيوب من وزارة الخليفة العاضد لدين اللّه عندما ضايق أهل القصر و شدّد عليهم و استبدّ بأمور الدولة و أضعف جانب الخلافة و قبض على أكابر أهل الدولة، فصار مع جوهر عدّة من الأمراء المصريين و الجند. و اتفق رأيهم أن يبعثوا إلى الفرنج ببلاد الساحل يستدعونهم إلى القاهرة، حتّى إذا خرج صلاح الدين لقتالهم بعسكر ثاروا و هم بالقاهرة، و اجتمعوا مع الفرنج على إخراجه من مصر.

فسيروا رجلا إلى الفرنج و جعلوا كتبهم التي معه في نعل، و حفظت بالجلد مخافة أن يفطن بها، فسار الرجل إلى البئر البيضاء قريبا من بلبيس‏ (2)، فإذا بعض أصحاب‏ (3) صلاح الدين هناك، فأنكر أمر الرجل من أجل أنّه جعل النعلين في يده، و رآهما و ليس فيهما أثر المشي، و الرجل رثّ الهيئة؛ فارتاب و أخذ النعلين و شقّهما، فوجد الكتب ببطنهما، فحمل الرجل و الكتب إلى صلاح الدين، فتتبّع خطوط الكتب حتّى عرفت، فإذا الذي كتبها من اليهود الكتّاب، فأمر بقتله، فاعتصم بالإسلام و أسلم، و حدّثه الخبر. فبلغ ذلك مؤتمن الخلافة، فاستشعر الشرّ و خاف على نفسه، و لزم القصر و امتنع من الخروج منه، فأعرض صلاح الدين عن ذلك جملة، و طال الأمد؛ فظنّ الخصيّ أنه قد أهمل أمره، و شرع يخرج من القصر. و كانت له منظرة بناها بناحية الخرقانية في بستان، فخرج إليها في جماعة. و بلغ ذلك صلاح الدين، فأنهض إليه عدّة هجموا عليه و قتلوه في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة سنة أربع و ستّين و خمسمائة، و احتزوا رأسه و أتوا بها إلى صلاح الدين، فاشتهر ذلك بالقاهرة و أشيع، فغضب العسكر (4) المصريّ، و ثاروا بأجمعهم في سادس عشريّة، و قد انضمّ إليهم عالم عظيم من الأمراء و العامّة حتّى صاروا ما ينيف على خمسين ألفا، و ساروا إلى دار الوزارة- و فيها يومئذ ساكنا بها صلاح الدين- و قد استعدّوا بالأسلحة، فبادر شمس الدولة فخر الدين توران شاه أخو صلاح الدين، و صرخ في عساكر الغزّ، و ركب صلاح الدين و قد اجتمع إليه طوائف من أهله و أقاربه و جميع الغزّ و رتبهم، و وقفت الطائفة الريحانية و الطائفة الجيوشية و الطائفة الفرحية و غيرهم من الطوائف السودانية و من انضمّ إليهم بين القصرين، فثارت الحروب بينهم و بين صلاح الدين، و اشتدّ الأمر و عظم الخطب حتّى لم يبق إلا هزيمة صلاح الدين و أصحابه. فعند ذلك أمر توران شاه بالحملة على‏

____________

(1) في الكامل لابن الأثير: 9/ 103: وقعة السودان.

(2) في معجم البلدان: بلبيس.

(3) في الكامل لابن الأثير 9/ 103: تركماني.

(4) في الكامل لابن الأثير 9/ 103: فغضب السودان لقتله للجنسية و لأنّه كان يتعصّب لهم.

5

السودان، فقتل فيها أحد مقدّميهم، فانكفّ بأسهم قليلا، و عظمت حملة الغزّ عليهم، فانكسروا إلى باب الذهب، ثمّ إلى باب الزهومة (1)، و قتل حينئذ عدّة من الأمراء المصريين و كثير ممّن عداهم.

و كان العاضد في هذه الوقعة يشرف من المنظرة، فلمّا رأى أهل القصر كسرة السودان و عساكر مصر رموا على الغزّ من أعلى القصر بالنشّاب و الحجارة حتّى أنكوا فيهم، و كفّوهم عن القتال، و كادوا ينهزمون؛ فأمر حينئذ صلاح الدين النفّاطين بإحراق المنظرة، فأحضر شمس الدولة النفّاطين و أخذوا في تطييب قارورة النفط و صوّبوا بها على المنظرة التي فيها العاضد، فخاف العاضد على نفسه، و فتح باب المنظرة زعيم الخلافة أحد الأستاذين، و قال بصوت عال: أمير المؤمنين يسلّم على شمس الدولة و يقول: دونكم و العبيد الكلاب، أخرجوهم من بلادكم.

فلمّا سمع السودان ذلك ضعفت قلوبهم و تخاذلوا، فحمل عليهم الغزّ فانكسروا، و ركب القوم أقفيتهم إلى أن وصلوا إلى السيوفيين‏ (2)، فقتل منهم كثير و أسر منهم كثير و امتنعوا هناك على الغزّ بمكان، فأحرق عليهم. و كان في دار الأرمن التي كانت قريبا من بين القصرين خلق عظيم من الأرمن كلّهم رماة لهم جار (3) في الدولة يجري عليهم، فعند ما قرب منهم الغزّ رموهم عن يد واحدة حتّى امتنعوا عن أن يسيروا إلى العبيد، فأحرق شمس الدولة دارهم حتّى هلكوا حرقا و قتلا، و مرّوا إلى العبيد، فصاروا كلّما دخلوا مكانا أحرق عليهم و قتلوا فيه إلى أن وصلوا إلى باب زويلة، فإذا هو مغلوق، فحصروا هناك و استمرّ فيهم القتل مدّة يومين. ثمّ بلغهم أنّ صلاح الدين أحرق المنصورة (4) التي كانت أعظم حاراتهم، و أخذت عليهم أفواه السكك‏ (5)، فأيقنوا أنّهم قد أخذوا لا محالة، فصاحوا الأمان، فأمنوا- و ذلك يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة- و فتح لهم باب زويلة، فخرجوا إلى الجيزة، فعدا عليهم شمس الدولة في العسكر و قد قووا بأموال المهزومين و أسلحتهم، و حكّموا فيهم السيف حتى لم يبق منهم إلا الشريد؛ و تلاشى من هذه الواقعة أمر العاضد.

و كان من غرائب الاتّفاقات أن الدولة الفاطمية كان الذي افتتح لها بلاد مصر و بنى القاهرة جوهر القائد؛ و الذي كان سببا في إزالة الدولة و خراب القاهرة جوهر المنعوت بمؤتمن الخلافة هذا. ثمّ لما استبدّ صلاح الدين يوسف بسلطنة الديار المصريّة بعد موت‏

____________

(1) في النجوم الزاهرة: 4/ 37: و هما من أبواب القصر الغربية.

(2) في كشف الممالك: 115: السيفية مماليك الأمراء الذين توفوا أو قتلوا و أسقطت عنهم الإمارة.

(3) جاري: جراية و هي المرتّب.

(4) في الكامل لابن الأثير 9/ 103: و هي محلّتهم.

(5) السكك: الطرق.

6

الخليفة العاضد (1) لدين اللّه سكن هذه الحارة الأمير الطواشيّ الخصيّ بهاء الدين قراقوش بن عبد اللّه الأسدي فعرفت به.

حارة برجوان: منسوبة إلى الأستاذ أبي الفتوح برجوان الخادم، و كان خصيّا أبيض تامّ الخلقة، ربّي في دار الخليفة العزيز (2) بالله، و ولاه أمر القصور. فلمّا حضرته الوفاة وصّاه على ابنه الأمير أبي عليّ منصور، فلمّا مات العزيز بالله أقيم ابنه منصور (3) في الخلافة من بعده، و قام بتدبير الدولة أبو محمد الحسن بن عمّار الكتامي، فدبّر الأمور و برجوان يناكده فيما يصدر عنه و يختصّ بطوائف من العسكر دونه إلى أن أفسد أمر ابن عمّار، فنظر برجوان في تدبير الأمور يوم الجمعة لثلاث بقين من رمضان سنة سبع و ثمانين و ثلاثمائة، و صار الواسطة بين الحاكم و بين الناس، فأمر بجمع الغلمان و نهاهم عن التعرّض لأحد من الكتاميين و المغاربة، و وجّه إلى دار ابن عمّار، فمنع الناس عنها بعد أن كانوا قد أحاطوا بها و انتهبوا منها، و أمر أن يجرى لأصحاب الرسوم الرواتب جميع ما كان ابن عمّار قطعه، و أجرى لابن عمّار ما كان يجرى له في أيام العزيز بالله من الجرايات لنفسه و لأهله و حرمه، و مبلغ ذلك من اللحم و التوابل خمسمائة دينار في كلّ شهر يزيد عن ذلك أو ينقص عنه على قدر الأسعار، مع ما كان له من الفاكهة؛ و هو في كلّ يوم سلّة بدينار، و عشرة أرطال شمع بدينار و نصف، و حمل بلح. و جعل كاتبه أبا العلاء فهد بن إبراهيم النصراني، يوقّع عنه و ينظر في قصص الرافعين و ظلاماتهم، فجلس لذلك في القصر و صار يطالعه بجميع ما يحتاج إليه، و رتّب الغلمان في القصر و أمرهم بملازمة الخدمة و تفقّد أحوالهم، و أزال علل أولياء الدولة، و تفقّد أمور الناس و أزال ضروراتهم، و منع الناس كافة من الترجّل له؛ فكان الناس يلقونه في داره، فإذا تكامل لقاؤهم ركبوا بين يديه إلى القصر ما عدا الحسين بن جوهر و القاضي ابن النعمان فقط، فإنهما كانا يتقدّمانه من دورهما إلى القصر حتّى أنّه لقّب كاتبه فهدا بالرئيس، فصار يخاطب بذلك و يكاتب به.

و كان برجوان يجلس في دهاليز القصر، و يجلس الرئيس فهد بالدهليز الأول يوقّع و ينظر و يطالع برجوان ما يحتاج إليه ممّا يطالع به الحاكم، فيخرج الأمر بما يكون العمل به.

و ترقّت أحوال برجوان إلى أن بلغ النهاية، فقصر عن الخدمة، و تشاغل بلذّاته، و أقبل على سماع الغناء و أكثر من الطرب؛ و كان شديد المحبّة في الغناء، فكان المغنّون من الرجال و النساء يحضرون داره فيكون معهم كأحدهم، ثمّ يجلس في داره حتّى يمضي صدر النهار

____________

(1) في الكامل لابن الأثير: 9/ 111: توفي يوم عاشوراء سنة 567 ه.

(2) في شذرات الذهب: 3/ 121: العزيز بالله أبو منصور نزار بن المعز معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بالله محمد بن المهدي العبيدي كان شجاعا جوادا حليما، له أدب و شعر، تسلم الخلافة سنة 365 ه، و توفي سنة 386 ه.

(3) منصور الحاكم بأمر اللّه.

7

و يتكامل جميع أهل الدولة و أرباب الأشغال على بابه، فيخرج راكبا و يمضي إلى القصر، فيمشي من الأمور ما يختار بغير مشاورة.

فلما تزايد الأمر و كثر استبداده تحرّد له الحاكم، و نقم عليه أشياء من تجرّئه عليه و معاملته له بالإذلال و عدم الامتثال، منها أنّه استدعاه يوما و هو راكب معه، فصار إليه و قد ثنى رجله على عنق فرسه و صار باطن قدمه و فيه الخفّ قبالة وجه الحاكم، و نحو ذلك من سوء الأدب. فلما كان يوم الخميس سادس عشري شهر ربيع الآخر سنة تسعين و ثلاثمائة، أنفذ إليه الحاكم عشيّة للركوب معه إلى المقياس‏ (1)، فجاء بعد ما تباطأ، و قد ضاق الوقت، فلم يكن بأسرع من خروج عقيق الخادم باكيا يصيح: قتل مولاي. و كان هذا الخادم عينا لبرجوان في القصر، فاضطرب الناس، و أشرف عليهم الحاكم، و قام زيدان صاحب‏ (2) المظلّة فصاح بهم: من كان في الطاعة فلينصرف إلى منزله و يبكر إلى القصر المعمور.

فانصرف الجميع.

فكان من خبر قتل برجوان أنّه لما دخل إلى القصر كان الحاكم في بستان يعرف بدويرة التين و العنّاب و معه زيدان، فوافاه برجوان بها و هو قائم، فسلّم و وقف، فسار الحاكم إلى أن خرج من باب الدويرة فوثب زيدان على برجوان و ضربه بسكّين كانت معه في عنقه، و ابتدره قوم كانوا قد أعدّوا للفتك به، فأثخنوه جراحة بالخناجر، و احتزّوا رأسه و دفنوه هناك. ثمّ إنّ الحاكم أحضر إليه الرئيس، فهدأ بعد العشاء الأخيرة و قال له: أنت كابني، و أمّنه و طمّنه، فكانت مدّة نظر برجوان في الوساطة سنتين و ثمانية أشهر تنقص يوما واحدا، و وجد الحاكم في تركته مائة منديل يعني عمامة، كلّها شروب ملوّنة معمّمة على مائة شاشية، و ألف سراويل دبيقية (3) بألف تكّة حرير أرمنيّ، و من الثياب المخيطة و الصحاح‏ (4) و الحليّ و المصاغ و الطيب و الفرش و الصياغات الذهب و الفضّة ما لا يحصى كثرة، و من العين ثلاثة و ثلاثين ألف دينار، و من الخيل الركابيّة مائة و خمسين فرسا و خمسين بغلة، و من بغال النقل و دواب الغلمان نحو ثلثمائة رأس، و مائة و خمسين سرجا، منها عشرون ذهبا؛ و من الكتب شي‏ء كثير. و حمل لجاريته من مصر إلى القاهرة رحل على ثمانين حمارا.

قال ابن خلكان: و برجوان بفتح الباء الموحدة و سكون الراء و فتح الجيم و الواو و بعد

____________

(1) لمعرفة مقياس كمية مياه نهر النيل و الحد الأدنى و الأوسط و الأعلى، انظر النجوم الزاهرة 1/ 93- 94، و حسن المحاضرة 2/ 374.

(2) و هو الذي يحمل المظلّة إلى جانب الخليفة، و هي بألوان محددة بأعلاها طائر من فضة مطلية بالذهب.

صبح الأعشى 4/ 7. في الكامل لابن الأثير 7/ 201: ريدان الصقلبي، و أن الريدانية نسبة إليه.

(3) دبيقي: نوع من القماش الحريري المزركش تصنع في دبيق، بلدة مصرية زالت، و كانت قرب تنيس.

النجوم الزاهرة.

(4) لعل المقصود بذلك الثياب غير المخيطة.

8

الألف نون هكذا وجدته مقيّدا بخطّ بعض الفضلاء. و قال ابن عبد الظاهر: و يسمى الوزغ، سماه به الحاكم.

حارة زويلة: قال ابن عبد (1) الظاهر: لما نزل القائد جوهر بالقاهرة اختطت كلّ قبيلة خطة عرفت بها، فزويلة بنت الحارة المعروفة بها و البئر التي تعرف ببئر زويلة في المكان الذي يعمل فيه الآن الروايا، و البابان‏ (2) المعروفان ببابي زويلة. و قال ياقوت: زويلة بفتح الزاي و كسر الواو و ياء ساكنة و فتح اللام: أربعة مواضع: الأوّل زويلة السودان و هي قصبة أعمال فزّان‏ (3) في جنوب إفريقية مدينة كثيرة النخل و الزرع. الثاني زويلة المهديّة، بلد كالربض للمهديّة اختطّه عبد اللّه الملقّب بالمهدي و أسكنه الرعيّة، و سكن هو بالمهديّة التي استجدّها، فكانت دكاكين الرعية و أمتعتهم بالمهديّة، و منازلهم و حرمهم بزويلة، فكانوا يظلّون بالنهار في المهدية و يبيتون ليلا بزويلة. و زعم المهديّ أنه فعل بهم ذلك ليأمن غائلتهم، قال: أحول بينهم و بين أموالهم ليلا و بينهم و بين نسائهم نهارا. الثالث باب زويلة بالقاهرة من جهة الفسطاط الرابع حارة زويلة محلّة كبيرة بالقاهرة بينها و بين باب زويلة عدّة محال، سمّيت بذلك لأنّ جوهرا غلام المعزّ لما اختطّ محلّه بالقاهرة أنزل أهل زويلة (4) بهذا المكان فتسمّى بهم.

الحارة المحمودية (5): الصواب في هذه الحارة أن يقال حارة المحمودية على الإضافة، فإنّها عرفت بطائفة من طوائف عسكر الدولة الفاطمية كان يقال لها الطائفة المحمودية، و قد ذكرها المسبّحي‏ (6) في تاريخه مرارا قال: في سنة أربع و تسعين و خمسمائة، و فيها اقتتلت الطائفة المحمودية و اليانسية. و اشتبه أمر هذه الحارة على ابن عبد الظاهر، فلم يعرف نسبتها لمن و قال: لا أعلم في الدولة المصريّة من اسمه محمود إلا ركن الإسلام محمود بن أخت الصالح بن رزّيك صاحب التربة بالقرافة، اللهم إلا أن يكون محمود بن مصال الملكيّ الوزير. فقد ذكر ابن القفطيّ أنّ اسمه محمود، و محمود صاحب المسجد بالقرافة، و كان في زمان السّري ابن الحكم قبل ذلك. و هذا و هم آخر، فإنّ ابن‏

____________

(1) في النجوم الزاهرة 4/ 35: هو القاضي عبد اللّه بن عبد الظاهر بن نشوان الجذامي السعدي المتوفي سنة 692 ه، كان صاحب ديوان الإنشاء بمصر لعدّة سلاطين.

(2) في النجوم الزاهرة 4/ 38: و هما البابان اللذان عند مسجد ابن البنّاء و عند الحجّارين، و هما بابا القاهرة.

(3) و تتبع حاليا إلى ليبيا.

(4) انظر النجوم الزاهرة: 4/ 38.

(5) في النجوم 4/ 39: هي إحدى حارات القاهرة القديمة، و كانت تشغل المنطقة التي يتوسطها اليوم شارع الإشراقية و النصف الشرقي من شارع النبوية بقسم الدرب الأحمر (م. رمزي).

(6) المسبّحي صاحب كتاب أخبار مصر.

9

مصال الوزير اسمه سليمان، و ينعت بنجم الدين.

و وقعت في هذه الحارة نكتة، قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة أربع و تسعين و خمسمائة، و السلطان يومئذ بمصر الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين، و كان في شعبان قد تتابع أهل مصر و القاهرة في إظهار المنكرات و ترك الإنكار لها و إباحة أهل الأمر و النهي فعلها، و تفاحش الأمر فيها إلى أن غلا سعر العنب لكثرة من يعصره، و أقيمت طاحون بالمحموديّة لطحن حشيشة للبزر، و أفردت برسمه، و حميت بيوت المزر، و أقيمت عليها الضرائب الثقيلة؛ فمنها ما انتهى أمره في كلّ يوم إلى ستّة عشر دينارا، و منع المزر (1) البيوتي ليتوفر الشراء من مواضع الحمي، و حملت أواني الخمر على رؤوس الأشهاد و في الأسواق من غير منكر، و ظهر من عاجل عقوبة اللّه تعالى وقوف زيادة (2) النيل عن معتادها و زيادة سعر الغلّة في وقت ميسورها.

حارة الجودرية: هذه الحارة عرفت أيضا بالطائفة الجودرية إحدى طوائف العسكر في أيام الحاكم بأمر اللّه على ما ذكره المسبّحي، و قال ابن عبد الظاهر: الجودريّة منسوبة إلى جماعة تعرف بالجودريّة اختطّوها و كانوا أربعمائة، منهم أبو عليّ منصور الجودريّ الذي كان في أيام العزيز بالله، و زادت مكانته في الأيام الحاكمية، فأضيفت إليه مع الأحباس‏ (3) الحسبة (4) و سوق الرقيق و السواحل و غير ذلك، و لها حكاية سمعت جماعة يحكونها، و هي أنّها كانت سكن اليهود، و المعروفة بهم؛ فبلغ الخليفة الحاكم أنّهم يجتمعون بها في أوقات خلواتهم و يغنّون:

و أمّة قد ضلّوا و دينهم معتلّ‏* * * قال لهم نبيّهم: نعم الإدام الخلّ‏

و يسخرون من هذا القول و يتعرّضون إلى ما لا ينبغي سماعه، فأتى إلى أبوابها و سدّها عليهم ليلا و أحرقها، فإلى هذا الوقت لا يبيت بها يهوديّ و لا يسكنها أبدا. و قد كان في الأيام العزيزيّة جودر الصقلبيّ، أيضا ضرب عنقه و نهب ماله في سنة ستّ و ثمانين و ثلثمائة.

حارة الوزيرية: هي أيضا تنسب إلى طائفة يقال لها الوزيرية من جملة طوائف العسكر، و كانت أوّلا تعرف بحارة بستان المصمودي و عرفت أيضا بحارة الأكراد. قال ابن عبد الظاهر: الوزيرية منسوبة إلى الوزير يعقوب‏ (5) بن يوسف بن كلّس؛ و قال ابن الصيرفيّ‏

____________

(1) المزر البيوتي: نبيذ الشعير أو الحنطة الذي يصنع في البيوت.

(2) في النجوم الزاهرة 6/ 130: الماء القديم للنيل أربع أذرع و أربع و عشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا و إصبعان.

(3) لعلّه يريد بذلك السجون.

(4) في صبح الأعشى 3/ 483: الحسبة: وظيفة المحتسب الأمر و النهي فيما يتّصل بالمعايش و الصنائع.

(5) انظر شذرات الذهب 3/ 97.

10

و الطائفة المنعوتة بالوزيرية إلى الآن منسوبة إليه، يعني الوزير يعقوب بن يوسف بن كلّس أبو الفرج. كان يهوديا من أهل بغداد، فخرج منها إلى بلاد الشام و نزل بمدينة الرملة، و أقام بها فصار فيها وكيلا للتجّار بها، و اجتمع في قبله مال عجز عن أدائه، ففرّ إلى مصر في أيّام كافور الإخشيديّ، فتعلّق بخدمته. و وثب إليه بالمتجر، فباع إليه أمتعة أحيل بثمنها على ضياع مصر، فكثر لذلك تردّده على الريف، و عرف أخبار القرى؛ و كان صاحب حيل و دهاء و مكر و معرفة مع ذكاء مفرط و فطنة، فمهر في معرفة الضياع حتّى كان إذا سئل عن أمر غلالها و مبلغ ارتفاعها و سائر أحوالها الظاهرة و الباطنة أتى من ذلك بالغرض، فكثرت أمواله و اتسعت أحواله، و أعجب به كافور لما خبر فيه من الفطنة و حسن السياسة فقال: لو كان هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا. فلمّا بلغه هذا عن كافور تاقت نفسه إلى الولاية و أحضر من علّمه شرائع الإسلام سرا، فلمّا كان في شعبان سنة ستّ و خمسين و ثلثمائة دخل إلى الجامع بمصر و صلّى صلاة الصبح، و ركب إلى كافور و معه محمد بن عبد اللّه بن الخازن في خلق كثير، فخلع عليه كافور، و نزل إلى داره و معه جمع كثير، و ركب إليه أهل الدولة يهنئونه، و لم يتأخّر عن الحضور إليه أحد، فغصّ بمكانه الوزير أبو الفضل جعفر (1) بن الفرات، و قلق بسببه، و أخذ في التدبير عليه، و نصب الحبائل له حتّى خافه يعقوب، فخرج من مصر فارّا منه يريد بلاد المغرب في شوّال سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة. و قد مات كافور، فلحق بالمعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، فوقع منه موقعا حسنا، و شاهد منه معرفة و تدبيرا، فلم يزل في خدمته حتّى قدم من المغرب إلى القاهرة في شهر رمضان سنة اثنين و ستّين و ثلثمائة، فقلّده في رابع عشر المحرّم سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة الخراج و جميع وجوه الأموال و الحسبة و السواحل و الأعشار و الجوالي‏ (2) و الأحباس و المواريث و الشرطتين و جميع ما يضاف إلى ذلك و ما يطرأ في مصر و سائر الأعمال. و أشرك معه في ذلك كله عسلوج بن الحسن، و كتب لهما سجلا بذلك قرى‏ء في يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون فقبضت أيدي سائر العمّال و المتضمّنين، و جلس يعقوب و عسلوج في دار الإمارة في جامع أحمد بن طولون للنداء على الضياع و سائر وجوه الأموال، و حضر الناس للقبالات، و طالبا بالبقايا من الأموال ممّا على الناس من المالكين و المتقبّلين و العمّال، و استقصيا في الطلب، و نظرا في المظالم، فتوفّرت الأموال و زيد في الضياع، و تزايد الناس و تكاشفوا، أو امتنعا أن يأخذا إلا دينارا معزيا (3)، فاتضّع الدينار الراضي‏ (4) و انحطّ و نقص من صرفه أكثر من ربع‏

____________

(1) في شذرات الذهب 3/ 135: هو جعفر بن الفضل بن محمد بن موسى بن الفرات أبو الفضل ابن حنزابة البغدادي وزير الديار المصرية ... توفي سنة 391 ه و دفن بدار في المدينة المنوّرة قرب قبر الرسول (صلى اللّه عليه و سلم).

(2) الجوالي: الغرباء الذين هجروا بلادهم و نزلوا مصر- و تطلق على أهل الذمّة./ المنجد/

(3) نسبة إلى المعزّ لدين اللّه الفاطمي.

(4) نسبة إلى الخليفة العباسي الراضي بالله.

11

دينار، فخسر الناس كثيرا من أموالهم في الدينار الأبيض و الدينار الراضي، و كان صرف المعّزيّ خمسة عشر درهما و نصفا و اشتدّ الاستخراج، فكان يستخرج في اليوم نيّف و خمسون ألف دينار معزّية، و استخرج في يوم واحد مائة و عشرون ألف دينار معزّية، و حصل في يوم واحد من مال تنّيس و دمياط الأشمونين أكثر من مائتي ألف دينار و عشرين ألف دينار، و هذا شي‏ء لم يسمع قطّ بمثله في بلد.

فاستمرّ الأمر على ذلك إلى المحرّم سنة خمس و ستّين و ثلثمائة. فتشاغل يعقوب عن حضور ديوان الخراج، و انفرد بالنظر في أمور المعزّ لدين اللّه في قصره و في الدور الموافق عليها، و بعد ذلك بقليل مات‏ (1) المعزّ لدين اللّه في شهر ربيع الآخر منها و قام من بعده في الخلافة ابنه العزيز بالله أبو منصور نزار (2)، ففوّض ليعقوب النظر في سائر أموره و جعله وزيرا له في أوّل المحرّم سنة سبع و ستّين و ثلثمائة. و في شهر رمضان سنة ثمان و ستّين لقبه بالوزير الأجلّ، و أمر أن لا يخاطبه أحد و لا يكاتبه إلّا به، و خلع عليه و حمل و رسم له في محرّم سنة ثلاث و سبعين و ثلثمائة أن يبدأ له في مكاتباته باسمه على عنوانات الكتب النافذة عنه، و خرج توقيع العزيز بذلك. و في هذه السنة اعتقل في القصر، و ردّ الأمر إلى خير بن القاسم، فأقام معتقلا عدّة شهور ثم أطلق في سنة أربع و سبعين و حمل على عدّة خيول، و قرى‏ء سجلّ بردّه إلى تدبير الدولة. و وهبه خمسمائة غلام من الناشئة و ألف غلام من المغاربة ملّكه العزيز رقابهم، فكان يعقوب أوّل وزراء الخلفاء الفاطميين بديار مصر. فدبّر أمور مصر و الشام و الحرمين و بلاد المغرب و أعمال هذه الأقاليم كلّها من الرجال و الأموال و القضاء و التدبر، و عمل له إقطاعا في كلّ سنة بمصر و الشام مبلغها ثلثمائة ألف دينار، و اتسعت دائرته و عظمت مكانته حتّى كتب اسمه على الطرز (3)، و في الكتب، و كان يجلس كلّ يوم في داره يأمر و ينهي و لا ترفع إليه رقعة إلا وقّع فيها، و لا يسأل في حاجة إلا قضاها، و رتب في داره الحجّاب نوبا، و أجلسهم على مراتب و ألبسهم الديباج، و قلّدهم السيوف، و جعل لهم المناطق‏ (4)، و رتب فرسين في داره للنوبة لا تبرح واقفة بسروجها و لجمها، لهم برد (5)، و نصب في داره الدواوين، فجعل ديوانا للعزيزية فيه عدّة كتّاب، و ديوانا للجيش فيه عدّة كتاب، و ديوانا للأموال فيه عدّة كتّاب، و عدّة جهابذة (6)، و ديوانا للخراج، و ديوانا

____________

(1) انظر النجوم الزاهرة: 4/ 113.

(2) انظر شذرات الذهب: 3/ 121.

(3) الطراز: لباس خاص بالخليفة أو الوزير و الأمراء.

(4) المنطقة: أو الحياصة يتم إلباسها عند التشاريف و إعطاء الخلع. التعريف بمصطلحات صبح الأعشى 114.

(5) البرد: الثوب المخطط.

(6) في النجوم الزاهرة 2/ 286: الجهبذ: أمين الصندوق و الصيرفيّ.

12

للسجلات و الإنشاء، و ديوانا للمستغلّات‏ (1)، و أقام على هذه الدواوين زمانا، و جعل في داره خزانة للكسوة و خزانة للمال و خزانة للدفاتر و خزانة للأشربة، و عمل على كلّ خزانة ناظرا، و كان يجلس عنده في كلّ يوم الأطبّاء لينظروا في حال الغلمان و من يحتاج منهم إلى علاج أو إعطاء دواء، و رتّب في داره الكتّاب و الأطبّاء يقفون بين يديه، و جعل فيها العلماء و الأدباء و الشعراء و الفقهاء و المتكلّمين و أرباب الصنائع، لكلّ طائفة مكان مفرد، و أجرى على كلّ واحد منهم الأرزاق، و ألّف كتبا في الفقه و القراءات، و نصب له مجلسا في داره يحضره في كلّ يوم ثلاثاء، و يحضر إليه الفقهاء و المتكلّمون و أهل الجدل يتناظرون بين يديه. من تأليفه: كتاب في القراءات و كتاب في الأديان- و هو كتاب الفقه و اختصره- و كتاب في آداب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و كتاب في علم الأبدان و صلاحها في ألف ورقة، و كتاب في الفقه ممّا سمعه من الإمام المعزّ لدين اللّه و الإمام العزيز (2) بالله. و كان يجلس في يوم الجمعة أيضا و يقرأ مصنّفاته على الناس بنفسه، و في حضرته القضاة و الفقهاء و القرّاء و أصحاب الحديث و النّحاة و الشهود، فإذا فرغ من قراءة ما يقرأ من مصنّفاته قام الشعراء ينشدون مدائحهم فيه. و كان في داره عدّة كتّاب ينسخون القرآن الكريم و الفقه و الطبّ و كتب الأدب و غيرها من العلوم، فإذا فرغوا من نسخها قوبلت و ضبطت، و جعل في داره قرّاء و أئمة يصلّون في مسجد داره، و أقام بداره عدّة مطابخ لنفسه و لجلسائه و لغلمانه و حواشيه، و كان ينصب مائدة لخاصّته يأكل هو و خواصّه من أهل العلم و وجوه كتّابه و خواصّ غلمانه و من يستدعيه عليها، و ينصب عدّة موائد لبقيّة الحجّاب و الكتّاب و الحواشي. و كان إذا جلس يقرأ كتابه في الفقه الذي سمعه من المعزّ و العزيز لا يمنع أحد من مجلسه، فيجتمع عنده الخاص و العامّ، و رتّب عند العزيز بالله جماعة لا يخاطبون إلا بالقائد، و أنشأ عدّة مساجد و مساكن بمصر و القاهرة، و كان يقيم في شهر رمضان الأطعمة للفقهاء و وجوه الناس و أهل الستر و التعفّف و لجماعة كثيرة من الفقراء، و كان إذا فرغ الفقهاء و الوجوه من الأكل معه يطاف عليهم بالطّيب. و مرض مرّة من علّة أصابت يده، فقال فيه عبد اللّه بن محمد بن أبي الجرع:

يد الوزير هي الدنيا فإن ألمت‏* * * رأيت في كلّ شي‏ء ذلك الألما

تأمّل الملك و انظر فرط علّته‏* * * من أجله و اسأل القرطاس و القلما

و شاهد البيض في الأغماد حائمة* * * إلى العدا و كثيرا ما روين دما

و أنفس الناس بالشكوى قد اتّصلت‏* * * كأنّما أشعرت من أجله سقما

هل ينهض المجد إلا أن يؤيّده‏* * * ساق يقدّم في إنهاضه قدما

لولا العزيز و آراء الوزير معا* * * تحيّفتنا خطوب تشعب الأمما

____________

(1) ديوان المستغلات: و مهمته النظر في مصالح أهل الذمّة و جباية الأموال منهم.

(2) الخليفتان الفاطميان: المعزّ لدين اللّه الفاطمي، و ابنه العزيز بالله نزار أبو منصور.

13

فقل لهذا و هذا أنتما شرف‏* * * لا أوهن اللّه ركنيه و لا انهدما

كلاكما لم يزل في الصالحات يدا* * * مبسوطة و لسانا ناطقا و فما

و لا أصابكما أحداث دهركما* * * و لا طوى لكما ما عشتما علما

و لا انمحت عنك يا مولاي عافية* * * فقد محوت بما أوليتني العدما

و كان الناس يفتون بكتابه في الفقه، و درّس فيه الفقهاء بجامع مصر، و أجرى العزيز بالله لجماعة فقهاء يحضرون مجلس الوزير أرزاقا في كلّ شهر تكفيهم، و كان للوزير مجلس في داره للنظر في رقاع المرافعين و المتظلّمين، و يوقع بيده في الرقاع، و يخاطب الخصوم بنفسه. و أراد العزيز بالله أن يسافر إلى الشام في زمن ابتداء الفاكهة، فأمر الوزير أن يأخذ الأهبة لذلك فقال: يا مولاي؛ لكلّ سفر أهبة على مقداره، فما الغرض من السفر؟ فقال:

إنّي أريد التفرّج بدمشق لأكل القراصيا (1). فقال: السمع و الطاعة. و خرج فاستدعى جميع أرباب الحمام و سألهم عمّا بدمشق من طيور مصر، و أسماء من هي عنده، و كانت مائة و نيّفا و عشرين طائرا، ثمّ التمس من طيور دمشق التي هي في مصر عدّة، فأحضرها و كتب إلى نائبه بدمشق يقول: إنّ بدمشق كذا و كذا طائرا، و عرّفه أسماء من هي عنده، و أمره بإحضارها إليه جميعها، و أن يصيب من القراصيا في كلّ كاغدة (2)، و يشدّها على كلّ طائر منها و يسرّحها في يوم واحد، فلم يمض إلا ثلاثة أيّام أو أربعة حتّى وصلت الحمائم كلّها و لم يتأخر منها إلا نحو عشر، و على جناحها القراصيا، فاستخرجها من الكواغد، و عملها في طبق من ذهب، و غطّاها و بعث بها إلى العزيز بالله مع خادم، و ركب إليه و قدّم ذلك و قال: يا أمير المؤمنين قد حضّرنا قبالك القراصيا ههنا، فإن أغناك هذا القدر و إلا استدعينا شيئا آخر، فعجب العزيز بالوزير و قال: مثلك يخدم الملوك يا وزير؛ و اتفق أنه سابق العزيز بين الطيور، فسبق طائر الوزير يعقوب طائر العزيز، فشقّ ذلك على العزيز، و وجد أعداء الوزير سبيلا إلى الطعن فيه، فكتبوا إلى العزيز أنه قد اختار من كلّ صنف أعلاه و لم يترك لأمير المؤمنين إلا أدناه حتّى الحمام، فبلغ ذلك الوزير فكتب إلى العزيز:

قل لأمير المؤمنين الذي‏* * * له العلى و المثل الثاقب‏

طائرك السابق لكنّه‏* * * لم يأت إلّا و له حاجب‏

فأعجب العزيز ذلك و أعرض عما و شي به، و لم يزل على حال رفيعة و كلمة نافذة إلى أن ابتدأت به علّته يوم الأحد الحادي و العشرين من شوّال سنة ثمانين و ثلثمائة، و نزل إليه العزيز بالله يعوده، و قال له: وددت أنّك تباع فابتاعك بمالي أو تفدى فأفديك بولدي، فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب؟ فبكى و قبّل يده و قال: أمّا فيما يخصّني فأنت‏

____________

(1) القراصيا: شجرة مثمرة من فصيلة الورديات، ثمارها صغيرة ضاربة إلى السواد./ المنجد/.

(2) الكاغد: القرطاس.

14

أرعى‏ (1) بحقّي من أن أسترعيك إياه و أرأف على من أن أوصيك به، و لكنّي أنصح لك فيما يتعلّق بك و بدولتك سالم الروم‏ (2) ما سالموك، و اقنع من الحمدانية بالدعوة و الشكر (3)، و لا تبق على مفرج بن دعقل‏ (4) إن عرضت لك فيه فرصة. و انصرف العزيز فأخذته السكتة، و كان في سياق الموت يقول: لا يغلب اللّه غالب، ثمّ قضى نحبه ليلة الأحد لخمس خلون من ذي الحجّة، فأرسل العزيز بالله إلى داره الكفن و الحنوط، و تولّى غسله القاضي محمد بن النعمان و قال: كنت و اللّه اغسل لحيته و أنا أرفق به خوفا أن يفتح عينه في وجهي.

و كفّن في خمسين ثوبا، ثلاثين مثقلا، يعني: منسوجا بالذهب، و وشي مذهبا، و شرب ديبقي مذهبا، و حقّة كافورا، و قارورتي مسك و خمسين منا ماء ورد؛ و بلغت قيمة الكفن و الحنوط عشرة آلاف‏ (5) دينار.

و خرج مختار الصقلبيّ و عليّ بن عمر العدّاس و الرجال بين أيديهم ينادون لا يتكلّم أحد و لا ينطق، و قد اجتمع الناس فيما بين القصر و دار الوزير التي عرفت بدار الديباج، ثمّ خرج العزيز من القصر على بغلة و الناس يمشون بين يديه و خلفه بغير مظلّة و الحزن ظاهر عليه حتّى وصل إلى داره، فنزل و صلّى عليه، و قد طرح على تابوته ثوب مثقل، و وقف حتّى دفن بالقبّة التي كان بناها و هو يبكي، ثمّ انصرف. و سمع العزيز و هو يقول: و اطول أسفي عليك يا وزير، و اللّه لو قدرت أفديك بجميع ما أملك لفعلت. و أمر بإجراء غلمانه على عادتهم، و عتق جميع مماليكه، و أقام ثلاثا لا يأكل على مائدته و لا يحضرها من عادته الحضور، و عمل على قبره ثوبان مثقلان، و أقام الناس عند قبره شهرا، و غدا الشعراء إلى قبره، فرثاه مائة شاعر أجيزوا كلّهم، و بلغ العزيز أنّ عليه ستّة عشر ألف دينار دينا، فأرسل بها إلى قبره فوضعت عليه و فرّقت على أرباب الديون، و ألزم القرّاء بالمقام على قبره، و أجرى عليهم الطعام، و كانت الموائد تحضر إلى قبره كلّ يوم مدّة شهر، يحضر نساء الخاصّة كلّ يوم و معهنّ نساء العامّة، فتقوم الجواري بأقداح الفضّة و البلّور و ملاعق الفضّة فيسقين النساء الأشربة و السويق‏ (6) بالسكّر، و لم تتأخّر نائحة و لا لاعبة عن حضور القبر مدّة الشهر، و خلّف أملاكا و ضياعا قياسير (7) و رباعا و عينا و ورقا و أواني ذهبا و فضّة و جوهرا و عنبرا و طيبا و ثيابا و فرشا و مصاحف و كتبا و جواري و عبيدا و خيلا و بغالا و نوقا و حمرا و إبلا

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 7/ 146: لحقّي من أن أوصيك بمخلفي.

(2) في الكامل لابن الأثير 7/ 146: سالم الحمدانية ما سالموك.

(3) في النجوم الزاهرة 4/ 161: و السكّة.

(4) في الكامل لابن الأثير 7/ 146: ابن دغفل.

(5) النجوم الزاهرة 4/ 161.

(6) في المنجد: السويق: الناعم من دقيق الحنطة و الشعير.

(7) القياسير: الدكاكين.

15

و غلالا و خزائن ما بين أشربة و أطعمة قوّمت بأربعة آلاف ألف دينار سوى ما جهّز به ابنته و هو ما قيمته مائتا ألف دينار، و خلّف ثمانمائة حظيّة سوى جواري الخدمة، فلم يتعرّض العزيز لشي‏ء ممّا يملكه أهله و جواريه و غلمانه، و أمر بحفظ جهاز ابنته إلى أن زوّجها و أجرى لمن في داره كلّ شهر ستمائة دينار للنفقة سوى الكسوة و الجرايات و ما يحمل إليهم من الأطعمة من القصر، و أمر بنقل ما خلّفه إلى القصر، فلمّا تمّ له من يوم وفاته شهر قطع الأمير منصور بن العزيز جميع مستغلّاته، و أقرّ العزيز جميع ما فعله الوزير و ما ولّاه من العمّال على حاله، و أجرى الرسوم التي كان يجريها، و أقرّ غلمانه على حالهم و قال: هؤلاء صنائعي. و كانت عدّة غلمان الوزير أربعة آلاف غلام عرفوا بالطائفة الوزيريّة، و زاد العزيز أرزاقهم عمّا كانت عليه، و أدناهم، و إليهم تنسب الوزيريّة، فإنّها كانت مساكنهم. و اتّفق أنّ الوزير عمّر قبّة أنفق عليها خمسة عشر ألف دينار، و آخر ما قال: لقد طال أمر هذه القبّة، ما هذه قبّة، هذه تربة. فكانت كذلك، و دفن تحتها، و موضع قبره اليوم المدرسة الصاحبيّة، و اتّفق أنّه وجد في داره رقعة مكتوب فيها:

احذروا من حوادث الأزمان‏* * * و توقّوا طوارق الحدثان‏

قد أمنتم ريب الزمان و نمتم‏* * * ربّ خوف مكمن في الأمان‏

فلمّا قرأها قال: لا حول و لا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، و لم يلبث بعدها إلا أياما يسيرة، و مرض فمات.

حارة الباطلية: عرفت بطائفة يقال لهم الباطلية، قال ابن عبد الظاهر: و كان المعزّ لما قسم العطاء في الناس جاءت طائفة فسألت عطاء فقيل لها: افرغ ما كان حاضرا، و لم يبق شي‏ء؛ فقالوا: رحنا نحن في الباطل، فسمّوا الباطليّة، و عرفت هذه الحارة بهم. و في سنة ثلاث و ستّين و ستّمائة احترقت حارة الباطليّة عند ما كثر الحريق في القاهرة و مصر، و اتّهم النصارى بفعل ذلك، فجمعهم الملك الظاهر بيبرس، و حملت لهم الأحطاب الكثيرة و الحلفاء، و قدّموا ليحرقوا بالنار، فتشفّع لهم الأمير فارس الدين أقطاي أتابك‏ (1) العساكر على أن يلتزموا بالأموال التي احترقت و أن يحملوا إلى بيت المال خمسين ألف دينار فتركوا. و جرى في ذلك ما تستحسن حكايته، و هو أنّه قد جمع مع النصارى سائر اليهود، و ركب السلطان ليحرقهم بظاهر القاهرة، و قد اجتمع الناس من كلّ مكان للتشفّي بحريقهم لما نالهم من البلاء فيما دهوا به من حريق الأماكن لا سيّما الباطليّة، فإنّها أتت النار عليها حتّى حرقت بأسرها. فلمّا حضر السلطان و قدم اليهود و النصارى ليحرقوا برز ابن الكازروني اليهوديّ- و كان صيرفيا- و قال للسلطان: سألتك بالله لا تحرقنا مع هؤلاء الكلاب الملاعين‏

____________

(1) في صبح الأعشى 4/ 18: أتابك لفظة تركية بمعنى والد الأمير، و اصطلاحا هو مربي الأمير و مدبّر المملكة.

16

أعدائنا و أعدائكم، احرقنا ناحية وحدنا؛ فضحك السلطان و الأمراء، و حينئذ تقرّر الأمر على ما ذكر، فندب لاستخراج المال منهم الأمير سيف الدين بلبان المهراني، فاستخلص بعض ذلك في عدّة سنين، و تطاول الحال، فدخل كتّاب الأمراء مع مخادعيهم و تحيّلوا في إبطال ما بقي، فبطل في أيام السعيد (1) بن الظاهر. و كان سبب فعل النصارى لهذا الحريق حنقهم لمّا أخذ الظاهر من الفرنج أرسوف و قيسارية و طرابلس و يافا و أنطاكية. و ما زالت الباطلية خرابا، و الناس تضرب بحريقها المثل لمن يشرب الماء كثيرا فيقولون: كأنّ في باطنه حريق الباطليّة. و لما عمر الطواشي بهادر المقدّم داره بالباطليّة عمر فيها مواضع بعد سنة خمس و ثمانين و سبعمائة.

حارة الروم: قال ابن عبد الظاهر: و اختطّت الروم حارتين: حارة الروم الآن و حارة الروم الجوّانية، فلمّا ثقل ذلك عليهم قالوا: الجوّانية لا غير. و الورّاقون إلى هذا الوقت يكتبون حارة الروم السفلى و حارة الروم العليا المعروفة اليوم بالجوّانية. و في سابع عشر ذي الحجّة سنة تسع و تسعين و ثلثمائة أمر الخليفة الحاكم بأمر اللّه بهدم حارة الروم فهدمت و نهبت.

حارة الديلم: عرفت بذلك لنزول الديلم الواصلين مع هفتكين‏ (2) الشرابي حين قدم و معه أولاد مولاه معزّ الدولة البويهي و جماعة من الدّيلم و الأتراك في سنة ثمان و ستّين و ثلثمائة، فسكنوا بها فعرفت بهم. و هفتكين هذا يقال له الفتكين أبو منصور التركيّ الشرابيّ غلام معزّ الدولة أحمد بن بويه. ترقّى في الخدم حتّى غلب في بغداد على عزّ الدولة مختار بن معزّ الدولة، و كان فيه شجاعة و ثبات في الحرب. فلمّا سارت الأتراك من بغداد لحرب الديلم جرى بينهم قتال عظيم اشتهر فيه هفتكين إلّا أنّ أصحابه انهزموا عنه و صار في طائفة قليلة، فولّى بمن معه من الأتراك و هم نحو الأربعمائة، فسار إلى الرحبة (3) و أخذ منها على البرّ إلى أن قرب من حوشبة إحدى قرى الشام، و قد وقع في قلوب العربان منه مهابة، فخرج إليه ظالم بن مرهوب‏ (4) العقيلي من بعلبك، و بعث إلى أبي محمود إبراهيم بن جعفر أمير (5) دمشق من قبل الخليفة المعزّ لدين اللّه يعلمه بقدومه هفتكين من بغداد لإقامة الخطبة العباسيّة، و خوّفه منه، فأنفذ إليه عسكرا و سار إلى ناحية حوشبة يريد هفتكين، و سار بشارة الخادم من قبل أبي المعالي بن حمدان عونا لهفتكين فردّ ظالم إلى بعلبك من غير حرب، و سار بشارة بهفتكين إلى حمص، فحمل إليه أبو المعالي و تلقّاه و أكرمه. و كان قد ثار

____________

(1) في النجوم الزاهرة 7/ 223: تسلطن عقب وفاة أبيه سنة 676 ه.

(2) في الكامل لابن الأثير 7/ 62: الفتكين التركي.

(3) في معجم البلدان: الرحبة.

(4) في الكامل لابن الأثير 7/ 63: موهوب العقيلي أمير دمشق للمعزّ.

(5) و فيه أيضا: ريان الخادم كان أميرها حينئذ للمعزّ.

17

بدمشق جماعة من أهل الدّعارة و الفساد و حاربوا عمّال السلطان و اشتدّ أمرهم، و كان كبيرهم يعرف بابن الماورد، فلمّا بلغهم خبر هفتكين بعثوا إليه من دمشق إلى حمص يستدعونه، و وعدوه بالقيام معه على عساكر المعزّ و إخراجهم من دمشق ليلي عليهم، فوقع ذلك منه بالموافقة، و سار حتّى نزل بثنية العقاب‏ (1) لأيام بقيت من شعبان سنة أربع و ستّين و ثلثمائة فبلغ عسكر المعزّ خبر الفرنج و أنّهم قد قصدوا طرابلس، فساروا بأجمعهم إلى لقاء العدوّ، و نزل هفتكين على دمشق من غير حرب، فأقام أياما ثم سار يريد محاربة ظالم، ففرّ منه، و دخل هفتكين بعلبكّ، فطرقه العدوّ من الروم و الفرنج و انتهبوا بعلبك و أحرقوا، و ذلك في شهر رمضان، و انتشروا في أعمال بعلبك و البقاع يقتلون و يأسرون و يحرقون، و قصدوا دمشق و قد التحق بها هفتكين، فخرج إليهم أهل دمشق و سألوهم الكفّ عن البلد، و التزموا بمال، فخرج إليهم هفتكين و أهدى إليهم، و تكلّم معهم في أنه لا يستطيع جباية المال لقوّة ابن الماورد و أصحابه، و أمر ملك الروم به، فقبض عليه و قيّده، و عاد فجبى المال من دمشق بالعنف، و حمل إلى ملك الروم ثلاثين ألف دينار، و رحل إلى بيروت ثمّ إلى طرابلس، فتمكن هفتكين من دمشق، و أقام بها الدعوة لأبي بكر عبد الكريم الطائع بن المطيع العباسيّ، و سيّر إلى العرب السرايا، فظفرت و عادت إليه بعده بمن أسرته من رجال العرب فقتلهم صبرا.

و كان قد تخوّف من المعزّ، فكاتب‏ (2) القرامطة يستدعيهم من الأحساء للقدوم عليه لمحاربة عساكر المعزّ، و ما زال بهم حتّى وافوا دمشق في سنة خمس و ستّين، و نزلوا على ظاهرها و معهم كثير من أصحاب هفتكين الذين كانوا قد تشتتوا في البلاد، فقوي بهم، و لقي القرامطة (3)، و حمل إليهم و سرّ بهم، فأقاموا على دمشق أياما، ثمّ رحلوا نحو الرّملة و بها أبو محمود فلحق بيافا، و نزل القرامطة الرملة و نصبوا القتال على يافا حتّى كلّ الفريقان و سئموا جميعا من طول الحرب، و سار هفتكين على الساحل و نزل صيدا، و بها ظالم بن مرهوب العقيليّ و ابن الشيخ من قبل المعزّ، فقاتلهم قتالا شديدا انهزم منه ظالم إلى صور، و قتل بين الفريقين نحو أربعة آلاف رجل، فقطع أيدي القتلى من عسكر المعزّ و سيّرها إلى دمشق، فطيف بها، ثمّ سار عن صيدا يريد عكّا و بها عسكر المعزّ، و كان قد مات المعزّ في ربيع الآخر سنة 365 ه، و قام من بعده ابنه العزيز بالله، و سيّر جوهرا القائد في عسكر عظيم إلى قتال هفتكين و القرامطة، فبلغ ذلك القرامطة و هم على الرملة و وصل الخبر بمسيره إلى هفتكين و هو على عكّا، فخاف القرامطة و فرّوا عنها، فنزلها جوهر، و سار من القرامطة إلى‏

____________

(1) في معجم البلدان: ثنية العقاب.

(2) في الكامل لابن الأثير 7/ 63: بإشارة من أهل دمشق.

(3) في الكامل لابن الأثير 7/ 63: فلما قرب القرمطي من دمشق رحل جوهر- قائد جيش العزيز- عن دمشق.

18

الأحساء التي هي بلادهم جماعة و تأخّر عدّة، و سار هفتكين من عكّا إلى طبريّة و قد علم بمسير القرامطة و تأخّر بعضهم، فاجتمع بهم في طبرية و استعدّ للقاء جوهر، و جمع الأقوات من بلاد حوران و الثنية، و أدخلها إلى دمشق و سار إليها، فتحصن بها، و نزل جوهر على ظاهر دمشق لثمان بقين من ذي القعدة فبنى على معسكره سورا، و حفر خندقا عظيما، و جعل له أبوابا، و جمع هفتكين الناس للقتال.

و كان قد بقي بعد ابن الماورد رجل يعرف بقسّام التراب، و صار في عدّة وافرة من الدعّار، فأعانه هفتكين و قوّاه و أمدّه بالسلاح و غيره، و وقعت بينهم و بين جوهر حروب عظيمة طويلة إلى يوم الحادي عشر من ربيع الأوّل سنة ستّ و ستين و ثلاثمائة، فاختلّ أمر هفتكين و همّ بالفرار، ثمّ إنه استظهر و وردت الأخبار بقدوم الحسن بن أحمد القرمطيّ إلى دمشق، فطلب جوهر الصلح‏ (1) على أن يرحل عن دمشق من غير أن يتبعه أحد، و ذلك أنه رأى أمواله قد قلّت و هلك كثير ممّا كان في عسكره حتّى صار أكثر عسكره رجّالة و أعوزهم العلف، و خشي قدوم القرامطة، فأجابه هفتكين، و قد عظم فرحه و اشتدّ سروره، فرحل في ثالث جمادى الأولى و جدّ في المسير و قد قرب القرامطة؛ فأناخ بطبريّة، فبلغ ذلك القرمطي فقصده، و قد سار عنها إلى الرملة فبعث إليه بسرية كانت لها مع جوهر وقعة قتل فيها جماعة من العرب، و أدركه القرمطي، و سار في أثره هفتكين فمات الحسن بن أحمد القرمطي بالرملة، و قام من بعده بأمر القرامطة ابن عمّه جعفر، ففسد ما بينه و بين هفتكين، و رجع عن الرملة إلى الأحساء، و ناصب هفتكين القتال، و ألح فيه على جوهر حتّى انهزم عنه و سار إلى عسقلان و قد غنم هفتكين ممّا كان معه شيئا يجلّ عن الوصف، و نزل على البلد محاصرا لها. و بلغ ذلك العزيز، فاستعدّ للمسير إلى بلاد الشام، فلما طال الأمر على جوهر راسل هفتكين حتّى يقرّر الصلح على مال يحمله إليه و أن يخرج من تحت سيف هفتكين، فعلق سيفه على باب عسقلان، و خرج جوهر و من معه من تحته و ساروا إلى القاهرة، فوجد العزيز قد برز يريد المسير، فسار معه، و كان مدّة قتال هفتكين لجوهر على ظاهر الرملة و في عسقلان سبعة عشر شهرا. و سار العزيز بالله حتّى نزل الرملة، و كان هفتكين بطبريّة، فسار إلى لقاء العزيز و معه أبو إسحاق و أبو طاهر أخو عز الدولة ابن بختيار بن أحمد بن بويه و أبو اللحاد مر زبان‏ (2) عز الدولة ابن بختيار بن عز الدولة ابن بويه، فحاربوه، فلم يكن غير ساعة حتّى هزمت عساكر العزيز عساكر هفتكين و ملكوه في يوم الخميس لسبع بقين من المحرّم سنة ثمان و ستّين و ثلثمائة، و استأمن أبو إسحاق و مرزبان بن بختيار و قتل أبو طاهر أخو عز الدولة ابن بختيار، و أخذ أكثر أصحابه أسرى، و طلب هفتكين في القتلى فلم يوجد.

____________

(1) انظر الكامل لابن الأثير 7/ 64.

(2) في تاريخ اليعقوبي الجزء الأول: المرزبان: رئيس البلد، و في الكامل لابن الأثير 7/ 88: كبير الفلاحين.

19

و كان قد فرّ وقت الهزيمة على فرس بمفرده، فأخذه بعض العرب أسيرا، فقدم به على مفرّج‏ (1) بن دعقل بن الجراح الطائيّ و عمامته في عنقه، فبعث به إلى العزيز، فأمر به فشهر في العسكر، و طيف به على جمل، فأخذ الناس يلطمونه و يهزّون لحيته حتى رأى في نفسه العبر، ثم سار العزيز بهفتكين و الأسرى إلى القاهرة، فاصطنعه و من معه، و أحسن إليه غاية الإحسان، و أنزله في دار و واصله بالعطاء و الخلع حتّى قال: لقد احتشمت من ركوبي مع مولانا العزيز بالله و تطوّفي إليه بما غمرني من فضله و إحسانه. فلما بلغ ذلك العزيز قال لعمه حيدرة: يا عمّ؛ و اللّه إني أحبّ أن أرى النعم عند الناس ظاهرة، و أرى عليهم الذهب و الفضة و الجوهر و لهم الخيل و اللباس و الضياع و العقار، و أن يكون ذلك كلّه من عندي.

و بلغ العزيز أنّ الناس من العامّة يقولون: ما هذا التركيّ؟ فأمر به فشهّر في أجمل حال، و لمّا رجع من تطوّفه و هب له مالا جزيلا، و خلع عليه و أمر سائر الأولياء بأن يدعوه إلى دورهم، فما منهم إلا من عمل له دعوة، و قدم إليه و قاد بين يديه الخيول، ثمّ إن العزيز قال له بعد ذلك: كيف رأيت دعوات أصحابنا؟ فقال: يا مولانا، حسنة في الغاية و ما فيهم إلا من أنعم و أكرم. فصار يركب للصيد و التفرّج، و جمع إليه العزيز بالله أصحابه من الأتراك و الديلم، و استحجبه و اختصّ به، و ما زال على ذلك إلى أن توفّي في سنة اثنين و سبعين و ثلثمائة، فاتّهم العزيز وزيره يعقوب بن كلّس أنه سمّه لأنّ هفتكين كان يترفّع عليه، فاعتقله مدّة ثمّ أخرجه.

حارة الأتراك: هذه الحارة تجاه الجامع الأزهر، و تعرف اليوم بدرب الأتراك، و كان نافذا إلى حارة الديلم، و الورّاقون القدماء تارة يفردونها من حارة الديلم، و تارة يضيفونها اليها و يجعلونها من حقوقها، فيقولون تارة: حارة الديلم و الأتراك، و تارة يقولون: حارتي الديلم و الأتراك، و قيل لها حارة الأتراك لأنّ هفتكين لما غلب ببغداد سار معه من جنسه أربعمائة من الأتراك، و تلاحق به عند ورود القرامطة عليه بدمشق عدّة من أصحابه، فلما جمع لحرب العزيز بالله كان أصحابه ما بين ترك و ديلم، فلما قبض عليه العزيز و دخل به إلى القاهرة في الثاني و العشرين من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان و ستّين و ثلثمائة كما تقدّم نزل الديلم مع أصحابهم في موضع حارة الديلم، و نزل هفتكين بأتراكه في هذا المكان، فصار يعرف بحارة الأتراك. و كانت مختلطة بحارة الديلم لأنهما أهل دعوة واحدة، إلا أنّ كلّ جنس على حدة لتخالفهما في الجنسيّة ثم قيل بعد ذلك درب الأتراك.

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 7/ 64: و كان ألفتكين قد مضى منهزما فكظّه العطش، فلقيه المفرج بن دغفل الطائي- و كان بينهما أنس قديم- فطلب ألفتكين منه ماء فسقاه و أخذه معه إلى بيته فأنزل و أكرمه و سار إلى العزيز بالله فأعلمه.

20

حارة كتامة (1): هذه الحارة مجاورة لحارة الباطليّة، و قد صارت الآن من جملتها.

كانت منازل كتامة بها عند ما قدموا من المغرب مع القائد جوهر، ثمّ مع العزيز، و موضع هذه الحارة اليوم حمام كواي و ما جاورها مما وراء مدرسة ابن الغنام حيث الموضع المعروف بدرب ابن الأعسر إلى رأس الباطلية، و كانت كتامة هي أصل دولة الخلفاء الفاطميين.

ذكر أبي عبد اللّه الشيعي‏

هو الحسن‏ (2) بن أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي من أهل صنعاء اليمن، ولي الحسبة في بعض أعمال بغداد، ثمّ سار إلى ابن حوشب‏ (3) باليمن، و صار من كبار أصحابه، و كان له علم و فهم و عنده دهاء و مكر، فورد على ابن حوشب موت الحلوانيّ داعي المغرب و رفيقه، فقال لأبي عبد اللّه الشيعي: إنّ أرض كتامة من بلاد المغرب قد خرّبها الحلوانيّ و أبو سفيان، و قد ماتا، و ليس لها غيرك؛ فبادر فإنّها موطّأة ممهّدة لك. فخرج من اليمن إلى مكّة، و قد زوّده ابن حوشب بمال، فسأل عن حجّاج كتامة فأرشد إليهم و اجتمع بهم، و أخفى عنهم قصده، و ذلك أنه جلس قريبا منهم فسمعهم يتحدّثون بفضائل آل البيت فحدّثهم في ذلك و أطال، ثمّ نهض ليقوم فسألوه أن يأذن لهم في زيارته فأذن لهم، فصاروا يتردّدون إليه لما رأوا من علمه و عقله، ثمّ إنهم سألوه أين يقصد؟ فقال: أريد مصر، فسرّوا بصحبته، و رحلوا من مكّة و هو لا يخبرهم شيئا من خبره و ما هو عليه من القصد. و شاهدوا منه عبادة و ورعا و تحرّجا و زهادة، فقويت رغبتهم فيه و اشتملوا على محبّته و اجتمعوا على اعتقاده، و ساروا بأسرهم خدما له. و هو في أثناء ذلك يستخبرهم عن بلادهم و يعلم أحوالهم و يفحص عن قبائلهم و كيف طاعتهم للسلطان بإفريقية، فقالوا له: ليس له علينا طاعة، و بيننا و بينه عشرة أيام، قال: أفتحملون السلاح؟ قالوا: هو شغلنا. و ما برح حتّى عرف جميع ما هم عليه. فلمّا وصلوا إلى مصر أخذ يودّعهم، فشقّ عليهم فراقه و سألوه عن حاجته بمصر فقال: ما لي بها من حاجة، إلا أنّي أطلب التعليم بها. قالوا: فأمّا إذا كنت تقصد هذا فإنّ بلادنا أنفع لك و أطوع لأمرك، و نحن أعرف بحقّك؛ و ما زالوا به حتّى أجابهم إلى المسير معهم، فساروا به إلى أن قاربوا بلادهم، و خرج إلى لقائهم أصحابهم، و كان عندهم حسّ كبير من التشيّع و اعتقاد عظيم في محبّة أهل البيت كما قرّره الحلوانيّ، فعرّفهم القوم خبر

____________

(1) في النجوم الزاهرة 4/ 50: منسوبة إلى قبيلة كتامة، نزلوا بها عند ما قدموا من المغرب مع القائد جوهر، و موضع هذه الحارة اليوم المنطقة التي يتوسطها حارة الأزهري و عطفة الدويداري و ما يتفرع منهما من العطف و الدروب الكائنة في الجنوب الشرقي من الجامع الأزهر. (م. رمزي).

(2) في الكامل لابن الأثير 6/ 127: الحسين.

(3) في الكامل لابن الأثير 6/ 126: رستم بن الحسين بن حوشب بن دادان النجار من أهل الكوفة.

21

أبي عبد اللّه، فقاموا بحقّ تعظيمه و إجلاله، و رغبوا في نزوله عندهم، و اقترعوا فيمن يضيفه، ثمّ ارتحلوا إلى أرض كتامة فوصلوا إليها منتصف الربيع الأوّل سنة ثمان‏ (1) و ثمانين و مائتين، فما منهم إلا من سأله أن يكون منزله عنده، فلم‏ (2) يوافق أحدا منهم و قال: أين يكون فجّ الأخبار؟ فعجبوا من ذلك و لم يكونوا قطّ ذكروه له منذ صحبوه‏ (3) فدلّوه عليه، فقصده و قال: إذا حللنا به صرنا نأتي كلّ قوم منكم في ديارهم و نزورهم في بيوتهم؛ فرضوا جميعا بذلك. و سار إلى جيل ايلحان‏ (4) و فيه فج الأخيار، فقال هذا فج الأخيار و ما سمّي إلا بكم، و لقد جاء في الآثار (5) للمهديّ هجرة ينبو بها عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان، قوم اسمهم مشتقّ من الكتمان، و لخروجكم في هذا الفجّ سمّي فجّ الأخيار، فتسامعت به القبائل و أتته البربر من كلّ مكان، و عظم أمره حتى أنّ كتامة اقتتلت عليه مع قبائل البربر، و هو لا يذكر اسم المهدي و لا يعرّج عليه، فبلغ خبره إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية، فقال أبو عبد اللّه لكتامة: أنا صاحب النذر (6) الذي قال لكم أبو سفيان و الحلوانيّ، فازدادت محبّتهم له و عظم أمره فيهم، و أتته القبائل من كلّ مكان، و سار إلى مدينة تاصروق‏ (7)، و جمع الخيل و صيّر أمرها للحسن بن هارون كبير كتامة، و خرج للحرب فظفر و غنم، و عمل على تاصروق خندقا، فرجعت إليه قبائل من البربر و حاربوه فظفر بهم، و صارت إليه أموالهم، و والى الغزو فيهم حتّى استقام له أمرهم، فسار و أخذ مدائن‏ (8) عدّة، فبعث إليه ابن الأغلب بعساكر كانت له معهم حروب عظيمة و خطوب عديدة و أنباء كثيرة آلت إلى غلب أبي عبد اللّه و انتشار أصحابه من كتامة في البلاد، فصار يقول: المهديّ يخرج في هذه الأيام و يملك الأرض، فيا طوبى لمن هاجر إليّ و أطاعني. و أخذ يغري الناس بابن الأغلب‏ (9)، و يذكر كرامات المهدي و ما يفتح اللّه له، و يعدهم بأنّهم يملكون الأرض كلّها.

و سير إلى عبيد اللّه بن محمد (10) رجالا من كتامة ليخبروه بما فتح اللّه له و أنه ينتظره، فوافوا عبيد اللّه بسلمية من أرض حمص، و كان قد اشتهر بها و طلبه الخليفة المكتفي، ففرّ

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 6/ 127: سنة ثمانين و مائتين.

(2) و فيه أيضا: حتى يقاتلوا دونه، فقال لهم: أين ...

(3) و فيه أيضا: فقالوا عند بني سليمان.

(4) و فيه أيضا: أنكجان.

(5) و فيه أيضا: أنّ.

(6) و فيه أيضا: البدر.

(7) و فيه أيضا 6/ 128: ناصرون.

(8) و فيه أيضا: مدينة ميلة.

(9) في الكامل لابن الأثير 6/ 128: بأبي مضر.

(10) في الكامل لابن الأثير 6/ 129: ابن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

22

منه بابنه أبي القاسم و سار إلى مصر، و كان لهما قصص مع النوشزيّ‏ (1) عامل مصر حتّى خلصا منه و لحقا ببلاد المغرب. و بلغ ابن الأغلب زيادة اللّه خبره مسير عبيد اللّه، فأزكى له العيون و أقام له الأعوان حتّى قبض عليه بسلجماسة، و كان عليها اليسع بن مدرار، و حبس بها هو و ابنه أبو القاسم. و بلغ ذلك أبا عبد اللّه و قد عظم أمره، فسار و ضايق زيادة اللّه بن الأغلب، و أخذ مدائنه شيئا بعد شي‏ء، و صار فيما ينيف على مائتي ألف، و ألحّ على القيروان حتّى فرّ زيادة اللّه إلى مصر، و ملكها أبو عبد اللّه، ثم سار إلى رفادة فدخلها أوّل رجب سنة ست و تسعين و مائتين، و فرّق الدور على كتامة و بعث العمال إلى البلاد، و جمع الأموال و لم يخطب باسم أحد.

فلما دخل شهر رمضان سار من رفّادة (2) فاهتزّ لرحيله المغرب بأسره و خافته زنانة و غيرها، و بعثوا إليه بطاعتهم، و سار إلى سلجماسة (3)، ففرّ منه اليسع بن مدرار و اليها، و دخل البلد فأخرج عبيد اللّه و ابنه من السجن و قال: هذا المهديّ الذي كنت أدعوكم إليه.

و أركبه هو و ابنه و مشى بسائر رؤساء القبائل بين أيديهما و هو يقول: هذا مولاكم و يبكي من شدّة الفرح حتى وصل إلى فسطاط (4) ضرب له، فأنزل فيه و بعث في طلب اليسع فأدركه، و حمل إليه فضربه بالسياط و قتله، ثمّ سار المهدي إلى رفادة فصار بها في آخر ربيع الآخر سنة سبع و تسعين و مائتين.

و لما تمكّن قتل أبا عبد اللّه و أخاه في يوم الاثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان و تسعين و مائتين، فكان هذا ابتداء أمر الخلفاء الفاطميين، و ما زالت كتامة هي أهل الدولة مدّة خلافة المهدي عبيد اللّه و خلافة ابنه القاسم القائم بأمر اللّه و خلافة المنصور بنصر اللّه إسماعيل بن القاسم و خلافة معدّ المعز لدين اللّه ابن المنصور، و بهم أخذ ديار مصر لما سيّرهم إليها مع القائد جوهر (5) في سنة ثمان و خمسين و ثلثمائة، و هم أيضا كانوا أكابر من قدم معه من الغرب في سنة اثنين و ستّين و ثلثمائة. فلما كان في أيّام ولده العزيز (6) بالله نزار اصطنع الدّيلم و الأتراك، و قدّمهم و جعلهم خاصّته، فتنافسوا و صار بينهم و بين كتامة تحاسد إلى أن مات العزيز (7) بالله، و قام من بعده أبو عليّ المنصور الملقّب بالحاكم بأمر اللّه، فقدّم‏

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 6/ 129: عيسى النوشري عامل مصر.

(2) في الكامل لابن الأثير 6/ 132: رقّادة: بلدة بينها و بين القيروان أربعة أميال.

(3) في الكامل لابن الأثير 6/ 133: سجلماسة.

(4) فسطاط: خيمة كبيرة.

(5) في النجوم الزاهرة 4/ 29: هو أبو الحسن جوهر بن عبد اللّه القائد المعزي المعروف بالكاتب مولى المعز لدين اللّه.

(6) في النجوم الزاهرة 4/ 116: ولي سنة 365 ه.

(7) في النجوم الزاهرة 4/ 175: توفي سنة 386 ه.

23

ابن عمار (1) الكتامي و ولّاه الوساطة و هي في معنى رتبة الوزارة، فاستبدّ بأمور الدولة و قدّم كتامة و أعطاهم، و حطّ من الغلمان الأتراك و الديلم الذين اصطنعهم العزيز، فاجتمعوا إلى برجوان‏ (2) و كان صقلبيا و قد تاقت نفسه إلى الولاية فأغرى المصطنعة بابن عمّار حتّى وضعوا منه، و اعتزل عن الأمر، و تقلّد برجوان الوساطة، فاستخدم الغلمان المصطنعين في القصر، و زاد في عطاياهم و قوّاهم، ثمّ قتل الحاكم ابن عمّار و كثيرا من رجال دولة أبيه و جدّه، فضعفت كتامة و قويت الغلمان.

فلما مات الحاكم‏ (3) و قام من بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين اللّه علي، أكثر من اللهو و مال إلى الأتراك و المشارقة، فانحطّ جانب كتامة، و ما زال ينقص قدرهم و يتلاشى أمرهم حتّى ملك المستنصر (4) بعد أبيه الظاهر، فاستكثرت أمّه من العبيد حتّى يقال إنهم بلغوا نحوا من خمسين ألف أسود، و استكثر هو من الأتراك، و تنافس كلّ منهما مع الآخر فكانت الحرب التي آلت إلى خراب مصر و زوال بهجتها إلى أن قدم‏ (5) أمير الجيوش بدر الجمالي‏ (6) من عكّا و قتل رجال الدولة و أقام له جندا و عسكرا من الأرمن، فصار من حينئذ معظم الجيش الأرمن، و ذهبت كتامة و صاروا من جملة الرعيّة بعد ما كانوا وجوه الدولة و أكابر أهلها.

حارة الصالحية: عرفت بغلمان الصالح طلائع‏ (7) بن رزبك، و هي موضعان:

الصالحيّة الكبرى و الصالحيّة الصغرى، و موضعهما فيما بين المشهد الحسيني و رحبة الأيدمري و بين البرقيّة، و كانت من الحارات العظيمة، و قد خربت الآن و باقيها متداع إلى الخراب. قال ابن عبد الظاهر: الحارة الصالحية منسوبة إلى الصالح طلائع بن رزيك، لأنّ غلمانه كانوا يسكنونها، و هي مكانان، و للصالح دار بحارة الديلم كانت سكنه قبل الوزارة، و هي باقية إلى الآن و بها بعض ذرّيته، و المكان المعروف بخوخة الصالح نسبة إليه.

حارة البرقية: هذه الحارة عرفت بطائفة من طوائف العسكر في الدولة الفاطمية، يقال‏

____________

(1) في الكامل لابن الأثر 7/ 177: الحسن بن عمار.

(2) في الكامل لابن الأثير 7/ 178: أرجوان.

(3) في النجوم الزاهرة 4/ 245: توفي سنة 411 ه.

(4) في النجوم الزاهرة 5/ 3: سنة 427 ه.

(5) في النجوم الزاهرة 5/ 23: قدم سنة 466 ه.

(6) في شذرات الذهب 3/ 383: بدر الأرمني أمير الجيوش ولي أمرة دمشق سنة 455 ه ثم الشام كلّه سنة 458 ه، ثم سار إلى الدار المصرية و المستنصر في غاية الضعف، فشيّد دولته و ولي وزارة السيف و القلم. توفي سنة 488 ه.

(7) في شذرات الذهب 4/ 177: طلائع بن رزيك الأرمني ثم المصري وزير الديار المصرية، غلب على الأمور سنة 549 ه، و كان أديبا شاعرا فاضلا ... قتل سنة 556 ه.

24

لها الطائفة البرقية، ذكرها المسبّحي‏ (1). قال ابن عبد الظاهر: و لما نزل بالقاهرة- يعني المعزّ لدين اللّه- اختطّت كلّ طائفة خطة عرفت بها، قال: و اختطت جماعة من أهل برقة الحارة المعروفة بالبرقية، انتهى. و إلى هذه الحارة تنسب الأمراء البرقية.

ذكر الأمراء البرقيّة و وزارة ضرغام‏

و ذلك أنّ الصالح طلائع بن رزيك كان قد أنشأ في وزارته أمراء يقال لهم البرقيّة، و جعل ضرغاما مقدّمهم، فترقّى حتّى صار صاحب الباب، و طمع في شاور السعدي لما ولي الوزارة بعد رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك، فجمع رفقته و تخوّف شاور منه، و صار العسكر فرقتين: فرقة مع ضرغام و فرقة مع شاور. فلمّا كان بعد تسعة أشهر من وزارة شاور ثار ضرغام في رمضان سنة ثمان و خمسين و خمسمائة، و صاح على شاور فأخرجه من القاهرة، و قتل ولده الأكبر المسمّى بطيّئ، و بقي شجاع المنعوت بالكامل، و خرج شاور من القاهرة يريد الشام كما فعل الوزير رضوان بن و لخشي فإنه كان رفيقا له في تلك الكرّة، و استقرّ ضرغام في وزارة (2) الخليفة العاضد لدين اللّه بعد شاور، و تلقّب بالملك المنصور، فشكر الناس سيرته، فإنه كان فارس عصره، و كان كاتبا جميل الصورة فكه المحاضرة عاقلا كريما لا يضع كرمه إلا في سمعة ترفعه أو مداراة تنفعه إلا أنه كان أذنا مستحيلا على أصحابه، و إذا ظنّ في أحد شرّا جعل الشكّ يقينا، و عجّل له العقوبة. و غلب عليه مع ذلك في وزارته أخواه ناصر الدين همام و فخر الدين حسام، و أخذ يتنكّر لرفقته البرقيّة الذين قاموا بنصرته و أعانوه على إخراج شاور و تقليده للوزارة من أجل أنه بلغه عنهم أنّهم يحسدونه و يضعون منه، و أنّ منهم من كاتب شاور و حثّه على القدوم إلى القاهرة و وعده بالمعاونة له، فأظلم الجوّ بينه و بينهم، و تجرّد للإيقاع بهم على عادته في أسرع العقوبة، و أحضرهم إليه في دار الوزارة ليلا و قتلهم بالسيف صبرا و هم: صبح بن شاهنشاه، و الطهر مرتفع المعروف بالجلواص، و عين الزمان، و علي بن الزبد، و أسد الفازي و أقاربهم و هم نحو من سبعين أميرا سوى اتباعهم، فذهبت لذلك رجال الدولة و اختلّت أحوالها و ضعفت بذهاب أكابرها و فقد أصحاب الرأي و التدبير، و قصد الفرنج ديار مصر فخرج إليهم همام أخو ضرغام، و انهزم منهم، و قتل منهم عدّة، و نزلوا على حصن بلبيس‏ (3)، و ملكوا بعض السور، ثمّ ساروا و عاد همام عودا رديئا، فبعث به ضرغام إلى الإسكندرية و بها الأمير مرتفع الجلواص، فأخذه العرب و قاده همام إلى أخيه، فضرب عنقه و صلبه على باب زويلة، فما هو إلا أن قدم رسل الفرنج على ضرغام في طلب مال الهدنة المقرّر في كلّ سنة- و هو ثلاثة

____________

(1) المسبّحي صاحب أخبار مصر.

(2) في الكامل لابن الأثير 9/ 81: و كان في هذه السنة- 558 ه- ثلاثة وزراء: العادل و شاور و ضرغام.

(3) في الكامل لابن الأثير 9/ 99: ملكوها قهرا مستهل صفر- سنة 564 ه- و قتلوا من فيها.

25

و ثلاثون ألف دينار- و إذا بالخبر قد ورد بقدوم شاور من الشام و معه أسد الدين شير كوه في كثير من الغزّ، فأزعجه ذلك، و أصبح الناس يوم التاسع و العشرين من جمادى الأولى سنة تسع و خمسين و خمسمائة خائفين على أنفسهم و أموالهم، فجمعوا الأقوات و الماء و تحوّلوا من مساكنهم، و خرج همام بالعسكر أوّل يوم من جمادى الآخرة، فسار إلى بلبيس و كانت له وقعة مع شاور انهزم فيها، و صار إلى شاور و أصحابه جميع ما كان مع عسكر همام، و أسروا عدّة، و نزل شاور بمن معه إلى التاج ظاهر القاهرة في يوم الخميس سادس جمادى الآخرة، فجمع ضرغام الناس، و ضمّ إليه الطائفة الريحانية و الطائفة الجيوشية بداخل القاهرة، و شاور مقيم بالتاج مدّة أيام- و طوالعه من العربان- فطارد عسكر ضرغام بأرض الطبّالة خارج القاهرة، ثمّ سار شاور و نزل بالمقس، فخرج إليه عسكر ضرغام، و حاربوه فانهزم هزيمة قبيحة، و سار إلى بركة الحبش، و نزل بالشرف الذي يعرف اليوم بالرصد، و ملك مدينة مصر، و أقام بها أياما، فأخذ ضرغام مال الأيتام الذي كان بمودع الحكم، فكرهه الناس و استعجزوه، و مالوا مع شاور، فتنكّر منهم ضرغام و تحدّث بإيقاع العقوبة بهم فزاد بغضهم له، و نزل شاور في أرض اللوق خارج باب زويلة، و طارد رجال ضرغام و قد خلت المنصورة و الهلالية، و ثبت أهل اليانسية بها، و زحف إلى باب سعادة و باب القنطرة، و طرح النار في اللؤلؤة و ما حولها من الدور، و عظمت الحروب بينه و بين أصحاب ضرغام، و فني كثير من الطائفة الريحانية، فبعثوا إلى شاور و وعدوه بأنّهم عون له، فانحلّ أمر ضرغام، فأرسل العاضد إلى الرماة يأمرهم بالكفّ عن الرمي، فخرج الرجال إلى شاور و صاروا من جملته و فترت همة أهل القاهرة، و أخذ كلّ منهم يعمل الحيلة في الخروج إلى شاور، فأمر ضرغام بضرب الأبواق لتجتمع الناس فضربت الأبواق و الطبول ما شاء اللّه من فوق الأسوار فلم يخرج إليه أحد، و انفكّ عنه الناس، فسار إلى باب الذهب‏ (1) من أبواب القصر و معه خمسمائة فارس، فوقف و طلب من الخليفة أن يشرف عليه من الطاق، و تضرّع إليه و أقسم عليه بآبائه فلم يجبه أحد، و استمرّ واقفا إلى العصر و الناس تنحلّ عنه حتّى بقي في نحو ثلاثين فارسا، فوردت عليه رقعة فيها خذ نفسك و انج بها، و إذا بالأبواق و الطبول قد دخلت من باب القنطرة (2) و معها عساكر شاور، فمرّ ضرغام إلى باب زويلة، فصاح الناس عليه و لعنوه، و تخطّفوا من معه، و أدركه القوم فأردوه عن فرسه قريبا من الجسر الأعظم فيما بين القاهرة و مصر (3)، و احتزوا رأسه في سلخ جمادى الآخرة، و فرّ منهم أخوه إلى جهة المطريّة

____________

(1) في النجوم الزاهرة 4/ 37: و هو من الأبواب الغربية، و من أعظم الأبواب و أجلّها، كانت تدخل منه المواكب و جميع أهل الدولة، و كان تجاه البيمارستان المنصوري.

(2) في النجوم الزاهرة 4/ 40: أحد أبواب القاهرة بناه القائد جوهر.

(3) في الكامل لابن الأثير 9/ 85: قتل عند مشهد السيدة نفيسة، و بقي يومين ثم حمل و دفن في القرافة.

26

فأدركه الطلب‏ (1)، و قتل عند مسجد تبر خارج القاهرة، و قتل أخوه الآخر عند بركة الفيل، فصار حينئذ ضرغام ملقى يومين، ثمّ حمل إلى القرافة و دفن بها، و كانت وزارته تسعة أشهر، و كان من أجلّ أعيان الأمراء و أشجع فرسانهم و أجودهم لعبا بالكرة و أشدّهم رميا بالسهام، و يكتب مع ذلك كتابة ابن مقلة و ينظم الموشّحات الجيدة، و لمّا جي‏ء برأسه إلى شاور رفع إلى قفاه و طيف به، فقال الفقيه عمارة:

أرى جنك‏ (2) الوزارة صار سيفا* * * يحزّ بحدّه جيد الرقاب‏

كأنّك رائد البلوى و إلا* * * بشير بالمنيّة و المصاب‏

فكان كما قال عمارة فإن البلايا و المنايا من حينئذ تتابعت على دولة الخلفاء الفاطميين حتّى لم يبق منهم عين تطرف و للّه عاقبة الأمور.

حارة العطوفية: هذه الحارة تنسب إلى طائفة من طوائف العسكر يقال لها العطوفية، و قال ابن عبد الظاهر: العطوفية منسوبة لعطوف أحد خدّام القصر و هو عطوف غلام الطويلة، و كان قد خدم ستّ الملك أخت الحاكم، قال: و سكنت- يعني الطائفة الجيوشية- بحارة العطوفية بالقاهرة، و للّه درّ الأديب إبراهيم المعمار إذ يقول مواليا يشتمل على ذكر حارات بالقاهرة و فيها تورية:

في الجودرية رأيت صورة هلالية* * * للباطليّة تميل لا للعطوفيّة

لها من اللؤلؤة ثغرين منشيّه‏* * * إن حرّكوا وجهها بنت الحسينيّة

و كانت العطوفية من أجلّ مساكن القاهرة، و فيها من الدور العظيمة و الحمامات و الأسواق و المساجد ما لا يدخل تحت حصر، و قد خربت كلّها و بيعت أنقاضها و بيوتها و منازلها، و أضحت أوحش من و تدعير في قاع. و عطوف هذا كان خادما أسود قتله الحاكم بجماعة من الأتراك وقفوا له في دهليز القصر و احتزّوا رأسه في يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من صفر سنة إحدى و أربعمائة قاله المسبّحي.

حارة الجوّانية (3): كان يقال لهذه الحارة أوّلا حارة الروم‏ (4) الجوّانية، ثمّ ثقل على الألسنة ذلك فقال الناس الجوانية، و كان أيضا يقال لها حارة الروم العليا المعروفة بالجوّانية. و قال المسبّحي: و قد ذكر ما كتبه أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه من الأمانات في‏

____________

(1) الطلب: الكتيبة من الجيش.

(2) الجنك: مركب كبير متعدد القلاع./ النجوم الزاهرة 14/ 194/.

(3) في النجوم الزاهرة 4/ 44: بشارع الجمالية، و في داخلها حارة الدير التي بها دير أولئك الأروام. (م.

رمزي).

(4) في النجوم الزاهرة 4/ 44: و هي التي بقرب باب النصر على يسار الداخل إلى القاهرة.

27

سنة خمس و تسعين و ثلثمائة فذكر أنه كتب أمانا للعرافة الجوّانية، فدلّ أنّه كان من جملة الطوائف‏ (1) قوم يعرفون بالجوّانية، قال ابن عبد الظاهر: قال لي مؤلّفه القاضي زين الدين و فقه اللّه: إن الجوّانية منسوبة للأشراف الجوّانيين منهم الشريف النسابة الجوّاني. قال مؤلّفه رحمه اللّه: فعلى هذا يكون بفتح الجيم، فإن الجوّاني بفتح الجيم و تشديد الواو و فتحها و بعد الواو ألف ساكنة ثمّ نون نسبة إلى جوّان- على وزن حرّان- و هي قرية من عمل مدينة طيبة على صاحبها أفضل الصلاة و السلام. و على القول الأوّل تكون الجوّانية بفتح الجيم أيضا مع فتح الواو و تشديدها، فإن أهل مصر يقولون: لما خرج عن المدينة أو الدار برّا، و لمّا دخل جوّا بضم الجيم- و هو خطأ- و لهذا كان الورّاقون يكتبون حارة الروم البرّانية لأنها من خارج القصر، و يكتبون حارة الروم الجوّانية لأنّها من داخل القاهرة، و لا يصار إليها إلا بعد المرور على القصر. و كان موضعها إذ ذاك من وراء القصر خلف دار الوزارة و الحجر (2)، فكأنها في داخل البلد، و لذلك أصل. قال ابن سيده في مادة (ج و) من كتاب المحكم: و جوّا البيت داخله، لفظة شاميّة، فتعيّن فتح الجيم من الجوّانية و لا عبرة بما تقوله العامّة من ضمّها.

و قال الشريف محمد بن أسعد الجوّاني ابن الحسن بن محمد الجواني ابن عبيد اللّه الجواني بن حسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، و قيل لمحمد بن عبد اللّه الجوّانيّ بسبب ضيعة من ضياع المدينة على ساكنها أفضل الصلاة و السلام يقال لها الجوّانية، و كانت تسمّى البصرة الصغرى لخيراتها و غلالها، لا يطلب شي‏ء إلا وجد بها، و هي قريبة من صرار (3) ضيعة الإمام أبي جعفر محمد بن علي الرضى. و كانت الجوّانية ضيعة لعبيد اللّه، فتوفي عنها فورثها بعده ولده و أزواجه، فاشترى محمد الجوّانيّ ولده بما حصل له بالميراث الباقي من الورثة، فحصلت له كاملة، فعرف بها فقيل: الجوّاني. قال: و لم تزل أجداد مؤلّفه ببغداد إلى حين قدوم ولده أسعد النحويّ مع أبيه من بغداد إلى مصر، و مولده بالموصل في سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة.

حارة البستان: و يقال لها حارة بستان المصموديّ و حارة الأكراد أيضا، و هي الآن من جملة الوزيرية التي تقدّم ذكرها.

حارة المرتاحية: هذه الحارة عرفت بالطائفة المرتاحية إحدى طوائف العسكر. قال ابن عبد الظاهر: خطّ باب القنطرة يعرف في كتب الأملاك القديمة بالمرتاحية.

حارة الفرحية: بالحاء المهملة كانت سكن الطائفة الفرحية، و هي بجوار حارة

____________

(1) في النجوم الزاهرة 4/ 44: قال القاضي زين الدين: إن الجوّانية منسوبة للأشراف الجوانيين، منهم الشريف النّسابة محمد بن أسعد بن علي بن معمر الجوّاني المتوفى سنة 588 ه.

(2) في النجوم الزاهرة 4/ 54: الحجر: قريبة من باب النصر قديما على يمين الخارج من القاهرة.

(3) في معجم البلدان: صرار.

28

المرتاحية، فإلى يومنا هذا فيما بين سويقة أمير الجيوش و باب القنطرة زقاق يعرف بدرب الفرحية، و الفرحية كانت طائفة من جملة عبيد الشراء، و كانت عبيد الشراء عدّة طوائف و هم: الفرحية و الحسينية و الميمونية ينسبون إلى ميمون و هو أحد الخدّام.

حارة فرج بالجيم: كانت تعرف قديما بدرب النميري، ثمّ عرفت بالأمير جمال الدين فرج من أمراء بني أيوب. و هي الآن داخلة في درب الطفل من خط قصر الشوك.

حارة قائد القوّاد: هذه الحارة تعرف الآن بدرب ملوخيا (1)، و كانت أوّلا تعرف بحارة قائد القوّاد، لأن حسين بن جوهر الملقّب قائد القوّاد كان يسكن بها فعرفت به. و هو حسين بن القائد جوهر أبو عبد اللّه الملقّب بقائد القوّاد. لما مات أبوه جوهر القائد خلع العزيز بالله عليه و جعله في رتبة أبيه و لقّبه بالقائد بن القائد، و لم يتعرّض لشي‏ء مما تركه جوهر، فلمّا مات العزيز و قام من بعده ابنه الحاكم استدناه ثم إنه قلّده البريد و الإنشاء في شوّال سنة ستّ و ثمانين و ثلثمائة، و خلع عليه و حمله على فرس بموكب، و قاد بين يديه عدّة أفراس، و حمل معه ثيابا كثيرة. فاستخلف أبا منصور بشر بن عبيد اللّه بن سورين الكاتب النصرانيّ على كتابة الإنشاء، و استخلف على أخذ رقاع الناس و توقيعاتهم أمير الدولة الموصلي. و لما تقلّد برجوان النظر في تدبير الأمور و جلس للوساطة بعد ابن عمّار. كان الكافة يلقونه في داره و يركبون جميعا بين يديه من داره إلى القصر ما خلا القائد الحسين و محمد بن النعمان القاضي، فإنهما كانا يسلّمان عليه بالقصر فقط. فلما قتل الحاكم الأستاذ (2) برجوان كما تقدّم خلع على القائد حسين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة تسعين و ثلثمائة ثوبا أحمر و عمامة زرقاء مذهّبة، و قلّده سيفا محلّى بذهب، و حمله على فرس بسرج و لجام من ذهب، و قاد بين يديه ثلاثة أفراس بمراكبها، و حمل معه خمسين ثوبا صحاحا من كلّ نوع، و ردّ إليه التوقيعات و النظر في أمور الناس و تدبير المملكة كما كان برجوان، و لم يطلق عليه اسم وزير، فكان يبكّر إلى القصر و معه خليفته الرئيس أبو العلاء فهد بن إبراهيم النصراني- كاتب برجوان- فينظران في الأمور ثمّ يدخلان و ينهيان الحال إلى الخليفة، فيكون القائد جالسا و فهد من خلفه قائما. و منع القائد الناس أن يلقوه في الطريق أو يركبوا إليه في داره و أنّ من كان له حاجة فليبلغه إياها بالقصر، و منع الناس من مخاطبته في الرقاع بسيدنا، و أمر أن لا يخاطب و لا يكاتب إلا بالقائد فقط، و تشدّد في ذلك لخوفه من غيرة الحاكم، حتّى أنّه رأى جماعة من القوّاد الأتراك قياما على الطريق ينتظرونه، فأمسك عنان فرسه و وقف و قال لهم: كلّنا عبيد مولانا (صلوات اللّه عليه)

____________

(1) في النجوم الزاهرة 4/ 52: درب ملوخية منسوب لأمير اسمه ملوخية، كان صاحب ركاب الخليفة الحاكم بأمر اللّه العبيدي، و كان يعرف بملوخية الفرّاش- أحد فرّاشي القصر.

(2) في النجوم الزاهرة 2/ 193: أستاذ من الألقاب العامة التي استعملت في العصر العباسي، و أطلقت على الخصيان المسمّين: الطواشية.

29

و مماليكه، و لست و اللّه أبرح من موضعي أو تنصرفوا عنّي و لا يلقاني أحد إلا في القصر، فانصرفوا و أقام بعد ذلك خدما من الصقالبة (1) الطرّادين على الطريق بالنوبة لمنع الناس المجي‏ء إلى داره و من لقائه إلا في القصر، و أمر أبا الفتوح مسعود الصقلبي صاحب الستر (2) أن يوصل الناس بأسرهم إلى الحاكم و أن لا يمنع أحدا عنه.

فلمّا كان في سابع عشر جمادى الآخرة قرى‏ء سجل على سائر المنابر بتلقيب القائد حسين بقائد القوّاد و خلع عليه، و ما زال إلى يوم الجمعة سابع شعبان سنة ثمان و تسعين و ثلاثمائة، فاجتمع سائر أهل الدولة في القصر بعد ما طلبوا، و خرج الأمر إليهم أن لا يقام لأحد، و خرج خادم من عند الخليفة فأسرّ إلى صاحب الستر كلاما، فصاح: صالح بن عليّ، فقام صالح بن عليّ الرودباذي متقلّد ديوان الشام، فأخذ صاحب الستر بيده و هو لا يعلم هو و لا أحد ما يراد به، فأدخل إلى بيت المال و أخرج و عليه درّاعة مصمتة و عمامة مذهّبة و معه مسعود، فأجلسه بحضرة قائد القوّاد، و أخرج سجلا قرأه ابن عبد السميع الخطيب، فإذا فيه ردّ سائر الأمور التي ينظر فيها قائد القوّاد حسين بن جوهر إليه. فعند ما سمع من السجل ذكره قام و قبّل الأرض. فلما انتهت قراءة السجلّ قام قائد القوّاد و قبّل خدّ صالح و هنأه. و انصرف، فكان يركب إلى القصر و يحضر الأسمطة (3) إلى اليوم الثالث من شوّال أمره الحاكم أن يلزم داره هو و صهره قاضي القضاة عبد العزيز بن النعمان و أن لا يركباهما و سائر أولادهما، فلبسا الصوف، و منع الناس من الاجتماع بهما، و صاروا يجلسون على حصر. فلمّا كان في تاسع عشر ذي القعدة عفا عنهما الحاكم، و أذن لهما في الركوب، فركبا إلى القصر بزيّهما من غير حلق شعر و لا تغيير حال الحزن، فلمّا كان في حادي عشر جمادى الآخرة سنة تسع و تسعين و ثلاثمائة قبض على عبد العزيز بن النعمان، و طلب حسين بن جوهر ففرّ هو و ابنه في جماعة، و كثر الصياح بدار عبد العزيز، و غلقت حوانيت القاهرة و أسواقها، فأفرج عنه و نودي أن لا يغلق أحد فردّ حسين بعد ثلاثة أيام بابنيه، و تمثلوا (4) بحضرة الحاكم، فعفا عنهم و أمرهم بالمسير إلى دورهم بعد أن خلع على حسين و على صهره عبد العزيز و على أولادهما، و كتب لهما أمانان، ثمّ أعيد عبد العزيز في شهر رمضان إلى ما كان يتقلّده من النظر في المظالم، ثم ردّ الحاكم في شهر ربيع الأوّل سنة أربعمائة على حسين بن جوهر و أولاده و صهره عبد العزيز ما كان لهم من الإقطاعات و قرى‏ء لهم سجل بذلك.

____________

(1) في الوزارة و الوزراء في العصر الفاطمي 171: الصقالبة: السلاف، و يسكنون بين جبال أورال و الأدرياتيكي، و تطلق على جماعة العبيد المجندين بالسلطة.

(2) في صبح الأعشى 5/ 468: البرددار: هو صاحب الستارة أو ممسك الستارة، حيث كان يقف بباب السلطان.

(3) الأسمطة: موائد الطعام.

(4) لعلّ الصواب: و مثلوا.

30

فلمّا كان ليلة التاسع من ذي القعدة فرّ حسين بأولاده و صهره و جميع أموالهم و سلاحهم، فسيّر الحاكم الخيل في طلبهم نحو دجوة (1) فلم يدركهم و أوقع الحوطة على سائر دورهم، و جعلت للديوان المفرد، و هو ديوان أحدثه الحاكم يتعلّق بما يقبض من أموال من يسخط عليه، و حمل سائر ما وجد لهم بعد ما ضبط، و خرجت العساكر في طلب حسين و من معه، و أشيع أنّه قد صار إلى بني قرّة بالبحيرة، فأنفدت إليه الكتب بتأمينه و استدعائه إلى الحضور، فأعاد الجواب بأنه لا يدخل ما دام أبو نصر ابن عبدون النصرانيّ الملقّب بالكافي ينظر في الوساطة و يوقّع عن الخليفة، فإنّي أحسنت إليه أيام نظري فسعى بي إلى أمير المؤمنين و نال منّي كلّ منال، و لا أعود أبدا و هو وزير. فصرف ابن عبدون في رابع المحرّم سنة إحدى و أربعمائة، و قدم حسين بن جوهر و معه عبد العزيز بن النعمان و سائر من خرج معهما، فخرج جميع أهل الدولة إلى لقائه و تلقّته الخلع فأفيضت عليه و على أولاده و صهره، و قيّد بين أيديهم الدواب، فلمّا وصلوا إلى باب القاهرة ترجّلوا و مشوا و مشى الناس بأسرهم إلى القصر فصاروا بحضرة الحاكم، ثمّ خرجوا و قد عفا عنهم، و أذن لحسين أن يكاتب بقائد القوّاد و يكون اسمه تاليا للقبه، و أن يخاطب بذلك. و انصرف إلى داره فكان يوما عظيما، و حمل إليه جميع ما قبض له من مال و عقار و غيره، و أنعم عليه و واصل الركوب هو و عبد العزيز بن النعمان إلى القصر، ثم قبض عليه و على عبد العزيز و اعتقلا ثلاثة أيام، ثمّ حلفا أنّهما لا يغيبان عن الحضرة، و أشهدا على أنفسهما بذلك، و أفرج عنهما، و حلف لهما الحاكم في أمان كتبه لهما. فلما كان في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى و أربعمائة ركب حسين و عبد العزيز على رسمهما إلى القصر، فلمّا خرج للسلام على الناس قيل للحسين و عبد العزيز و أبي علي أخي الفضل: اجلسوا لأمر تريده الحضرة منكم، فجلس الثلاثة، و انصرف الناس فقبض عليهم و قتلوا (2) في وقت واحد، و أحيط بأموالهم و ضياعهم و دورهم، و أخذت الأمانات و السجلات التي كتبت لهم. و استدعي أولاد عبد العزيز (3) بن النعمان و أولاد حسين‏ (4) بن جوهر و وعدوا بالجميل و خلع عليهم، و جملوا و اللّه يفعل ما يشاء.

____________

(1) في معجم البلدان: دجوة (دجوى).

(2) انظر الكامل لابن الأثير 7/ 258- 259.

(3) في الكامل لابن الأثير: 7/ 256: عبد العزيز بن محمد بن النعمان بن محمد بن المنصور بن أحمد بن حيّون المغربي القيرواني الإسماعيلي، ولد في ربع الأول سنة 355 ه، و كان قاضي القضاة للعبيديين.

(4) في الكامل لابن الأثير 7/ 259: هو أبو عبد اللّه حسين بن القائد جوهر بن عبد اللّه المعروف بالكاتب الرومي فاتح مصر سنة 358 ه. تولى حسين المذكور قائد القواد للجيش الفاطمي بعد أبي الفتوح برجوان مدبّر دولة الحاكم بأمر اللّه.

31

حارة الأمراء: و يقال لها أيضا حارة الأمراء الأشراف الأقارب، و موضعها يعرف بدرب شمس‏ (1) الدولة، و سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.

حارة الطوارق: و يقال لها أيضا حارة صبيان الطوارق، و هم من جملة طوائف العسكر، كانوا معدّين لحمل الطوارق. و موضع هذه الحارة في طريق من سلك من الرقيق سوق الخلعيين داخل باب زويلة طالبا الباطلية بالزقاق الطويل الضيّق الذي يقال له اليوم حلق الجمل السالك إلى درب أرقطاي.

حارة الشرابية: عرفت بذلك لأنّها كانت موضع سكن الغلمان الشرابية إحدى طوائف العسكر، و كانت فيما بين الباطلية و حارة الطوارق.

حارة الدميري و حارة الشاميين: هما من جملة العطوفية (2).

حارة المهاجرين: و موضعها الآن من جملة المكان الذي يعرف بالرقيق المعدّ لسوق الخلعيين بجوار باب زويلة، و كان بعد ذلك سوق الخشّابين، ثمّ هو الآن سوق الخلعيين.

و موضع هذه الحارة بجوار الخوخة (3) التي كانت تعرف بالشيخ السعيد بن فشيرة النصرانيّ الكاتب. و هي الخوخة التي يسلك إليها من الزقاق المقابل لحمام الفاضل المعدّ لدخول النساء، و يتوصل منها إلى درب كوز الزير بحارة الروم، و قد صارت هذه الحارة تعرف بدرب ابن المجندار، و سيأتي ذكره إن شاء اللّه.

حارة العدوية: قال ابن عبد الظاهر: العدوية هي من باب الخشيبة إلى أوّل حارة زويلة عند حمّام الحسام الجلدكي الآن منسوبة لجماعة عدويين نزلوا هناك، و هذا المكان اليوم هو عبارة عن الموضع الذي تلقاه عند خروجك من زقاق حمّام خشيبة الذي يتوصّل إليه من سوق باب الزهومة، فإذا انتهيت إلى آخر هذا الزقاق و أخذت على يمينك صرت في حارة العدويّة. و موضعها الآن من فندق بلال المغيثي إلى باب سر المارستان، و تدخل في العدوية رحبة بيبرس التي فيها الآن فندق الرخام، عن يمينك إذا خرجت في الرحبة المذكورة التي صارت الآن دربا إلى باب سرّ المارستان و ما عن يسارك إلى حمّام الكريك و حمام الجوينيّ الذي تقول له العامّة الجهينيّ، و إلى سوق الزجاجيين. و كلّ هذه المواضع هي من حقوق العدويّة و كانت العدويّة قديما واقعة فيما بين الميدان الذي يعرف اليوم بالخرشتف‏ (4) و حارة

____________

(1) في النجوم الزاهرة 4/ 55: درب شمس الدولة لا يزال يعرف إلى اليوم باسم حارة شمس الدولة بين شارع السكة الحديدية و شارع الحمزاوي الصغير (م. رمزي).

(2) في النجوم الزاهرة 4/ 53: منسوبة إلى الخادم عطوف أحد خدّام القصر في دولة الفاطميين، و كان أصله من خدّام أم ست الملك بنت العزيز بالله أخت الحاكم بأمر اللّه.

(3) الخوخة: و هي كل باب كبير يوجد فيه باب صغير للدخول و الخروج.

(4) في النجوم الزاهرة 4/ 51: الخرنشف: كانت هذه الحارة قديما ميدانا للخلفاء.

32

زويلة و بين سقيفة العداس و الصاغة القديمة التي صار موضعها الآن سوق الحريريين الشرابشيين برأس الوراقين و سوق الزجاجيين.

حارة العيدانية: كانت تعرف أوّلا بحارة البديعيين، ثم قيل لها بعد ذلك الحبّانية من أجل البستان الذي يعرف بالحبانية الجاري في وقف الخانقاه الصلاحية (1) سعيد السعداء، و يتوصّل إلى هذه الحارة من تجاه قنطرة آق سنقر، و بعض دورها الآن يشرف على بستان الحبانية، و بعضها يطل على بركة الفيل.

حارة الحمزيين: كانت أوّلا تعرف بالحبانية، ثمّ قيل لها حارة الحمزيين من أجل أن جماعة من الحمزيين نزلوا بها، منهم الحاج يوسف بن فاتن الحمزي، و الحمزيون أيضا ينسبون إلى حمزة بن أدركة (2) الساري، خرج بخراسان في أيام هارون بن محمد الرشيد، فعاث و أفسد و فضّ جموع عيسى بن عليّ عامل خراسان، و قتل منهم خلقا، و انهزم عيسى إلى بابل، ثمّ غرق حمزة بواد في كرمان، فعرفت طائفته بالحمزية. و أخوه ضرغام بن فاتن بن ساعد الحمزيّ و الحاج عوني الطحان ابن يونس بن فاتن الحمزي و رضوان بن يوسف بن فاتن الحمزيّ الحمامي و أخوه سالم بن يوسف بن فاتن الحمزيّ، و كان هؤلاء بعد سنة ستّمائة، و هذه الحارة خارج باب زويلة. و من بلاد أفريقية قرية يقال لها حمزي ينسب إليها محمد بن حمد بن خلف القيسيّ الحمزيّ من أهل القرية و قاضيها، توفي سنة تسع و ثلاثين و خمسمائة، و لا يبعد أن تكون هذه الحارة نسبت إلى أهل قرية حمزة هذه لنزولهم بها كنزول بني سوس و كتامة و غيرهم في المواضع التي نسبت إليهم.

حارة بني سوس: عرفت بطائفة من المصامدة يقال لهم بنو سوس كانوا يسكنون بها.

حارة اليانسية: تعرف بطائفة من طوائف العسكر يقال لها اليانسية منسوبة لخادم خصيّ من خدّام العزيز بالله يقال له أبو الحسن يأنس الصقليّ، خلفه على القاهرة، فلما مات العزيز أقرّه ابنه الحاكم بأمر اللّه على خلافة القصور، و خلع عليه و حمله على فرسين، فلمّا كان في المحرم سنة ثمان و ثمانين و ثلثمائة سار لولاية برقة (3) بعد ما خلع عليه و أعطي خمسة آلاف دينار و عدّة من الخيل و الثياب. قال ابن عبد الظاهر: اليانسية خارج باب زويلة أظنها منسوبة ليأنس وزير الحافظ لدين اللّه الملقب بأمير الجيوش سيف الإسلام و يعرف بيانس‏ (4) الفاصد،

____________

(1) في النجوم الزاهرة 4/ 53: نسبة إلى صلاح الدين بن أيوب، و هي دار سعيد السعداء خادم الخليفة المستنصر معدّ العبيدي أحد خلفاء مصر.

(2) في الكامل لابن الأثير 5/ 102: حمزة بن أترك الخارجي.

(3) انظر ذلك في الكامل لابن الأثير 7/ 199.

(4) في النجوم الزاهرة 5/ 234: استوزر الحافظ مملوكه أبا الفتح يانس الحافظي و لقب أمير الجيوش أيضا، و هو صاحب حارة اليانسية.

33

و كان أرمنيّ الجنس، و سمّي الفاصد لأنه فصد الأمير حسن بن الحافظ و تركه محلولا فصاده حتّى مات. و له خبر غريب في وفاته، كان الحافظ قد نقم عليه أشياء طلب قتله بها باطنا فقال لطبيبه: اكفني أمره بمأكل أو مشرب، فأبى الطبيب ذلك خوفا أن يصير عند الحافظ بهذه العين و ربما قتله بها، و الحافظ يحثّه على ذلك فاتّفق ليانس الوزير المذكور أنه مرض بزحير (1)، و إن الحافظ خاطب الطبيب بذلك فقال: يا مولاي، قد أمكنتك الفرصة و بلغت مقصودك، و لو أنّ مولانا عادة في هذه المرضة اكتسب حسن أحدوثة، و هذه المرضة ليس دواؤه منها إلّا الدعة و السكون، و لا شي‏ء أضرّ عليه من الانزعاج و الحركة، فبمجرّد ما سمع بقصد مولانا له تحرّك و اهتمّ بلقاء مولانا و انزعج، و في ذلك تلاف نفسه. ففعل الخليفة ذلك و أطال الجلوس عنده فمات‏ (2). و هذا الخبر فيه أوهام منها أنه جعل اليانسية منسوبة ليانس الوزير، و قد كانت اليانسية قبل يانس هذا بمدّة طويلة، و منها أنه ادّعى أن حسن بن الحافظ مات من فصادة، و ليس كذلك، و إنما مات مسموما، و منها أنه زعم أن يأنس تولّى فصده و ليس كذلك، بل الذي تولى قتله بالسم أبو سعيد ابن فرقة، و منها أن الذي نقم عليه الحافظ من الأمراء فخانه في ابنه حسن إنما هو الأمير المعظّم جلال الدين محمد المعروف بجلب راغب، و هذا نص الخبر فنزه بالك، و اللّه تعالى أعلم.

ذكر وزارة أبي الفتح ناصر الجيوش يأنس الأرمني‏

و كان من خبر ذلك أن الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبا عليّ منصورا لما قتله النزارية (3) في ذي القعدة سنة أربع و عشرين و خمسمائة أقام هزبر الملوك جوامرد (4) العادل برغش الأمير أبا الميمون عبد المجيد في الخلافة كفيلا للحمل الذي تركه الآمر، و لقّب بالحافظ لدين اللّه، و لبس هزبر الملوك خلع الوزارة، فثار الجند و أقاموا أبا عليّ أحمد الملقّب بكتيفات ولدا لأفضل ابن أمير الجيوش في الوزارة، و قتل هزبر الملوك و استولى كتيفات على الآمر، و قبض على الحافظ و سجنه بالقصر مقيّدا إلى أن قتل كتيفات في المحرّم سنة ستّ و عشرين و خمسمائة. و بادر صبيان الخاص الذين تولّوا قتله إلى القصر، و دخلوا و معهم الأمير يأنس متولّي الباب إلى الخزانة التي فيها الحافظ، و أخرجوه إلى الشبّاك و أجلسوه في منصب الخلافة و قالوا له: و اللّه ما حرّكنا على هذا إلا الأمير يأنس، فجازاه الحافظ بأن فوّض إليه الوزارة في الحال، و خلع عليه فباشرها مباشرة جيّدة. و كان عاقلا مهابا متمسّكا

____________

(1) الزحير: الزحار، الديسنطاريا./ المنجد/.

(2) في النجوم الزاهرة 5/ 234: وضع له فرّاشه في الطهارة ماء مسموما، فاستنجى به، فعمّل عليه سفله و دوّد، ... إلى أن مات.

(3) انظر ذلك في النجوم الزاهرة 5/ 182- 183.

(4) في النجوم الزاهرة 5/ 235: برغوارد.

34

متحفّظا لقوانين الدولة، فلم يحدث شيئا و لا خرج عمّا يعيّنه الخليفة له إلا أنه بلغه عن أستاذ من خواصّ الخليفة شي‏ء يكرهه فقبض عليه من القصر من غير مشاورة الخليفة، و ضرب عنقه بخزانة (1) البنود، فاستوحش منه الخليفة و خشي من زيادة معناه. و كانت هذه الفعلة غلطة منه، ثمّ إنه خاف من صبيان الخاصّ أن يفتكوا به كما فتكوا بكتيفات، فتنكّر لهم، و تخوّفوه أيضا، فركب في خاصّته و أركب العسكر، و ركب صبيان الخاص، فكانت بينهما وقعة قبالة باب التبّانين بين القصرين، قوي فيها يأنس، و قتل من صبيان الخاصّ ما يزيد على ثلثمائة رجل من أعيانهم، فيهم قتلة أبي عليّ كتيفات، و كانوا نحو الخمسمائة فارس، فانكسرت شوكتهم و ضعف جانبهم، و اشتدّ بأس يأنس و عظم شأنه، فثقل على الخليفة. و تحيّل منه فأحسّ بذلك، فأخذ كلّ منهما في التدبير على الآخر، فأعجل يأنس و قبض على حاشية الخليفة، و منهم قاضي القضاة و داعي الدعاة أبو الفخر و أبو الفتح بن قادوس و قتلهما، فاشتدّ ذلك على الحافظ، و دعا طبيبه و قال: اكفني أمر يأنس! فيقال أنّه سمّه في ماء المستراح فانفتح دبره و اتّسع حتّى ما بقي يقدر على الجلوس، فقال الطبيب: يا أمير المؤمنين قد أمكنتك الفرصة و بلغت مقصودك، فلو أنّ مولانا عاده في هذه المرضة اكتسب حسن الأحدوثة، فإنّ هذا المرض ليس له دواء إلا الدّعة و السكون، و لا شي‏ء عليه أضرّ من الحركة و الانزعاج، و هو إذا سمع بقصد مولانا له تحرّك و اهتمّ للقاء و انزعج، و في ذلك تلاف نفسه. فنهض لعيادته، و عند ما بلغ ذلك يأنس قام ليلقاه و نزل عن الفراش و جلس بين يدي الخليفة، فأطال الخليفة جلوسه عنده و هو يحادثه، فلم يقم حتّى سقطت أمعاء يأنس، و مات من ليلته في سادس عشري ذي الحجة سنة ستّ و عشرين و خمسمائة، و كانت وزارته تسعة أشهر و أياما، و ترك ولدين كفلهما الحافظ و أحسن إليهما. و كان يأنس هذا مولى أرمنيّا لباديس جدّ عبّاس الوزير، فأهداه إلى الأفضل بن أمير الجيوش، و ترقّى في خدمته إلى أن تأمّر، ثمّ ولي الباب و هي أعظم رتب الأمراء، و كنّي بأبي الفتح، و لقّب بالأمير السعيد، ثم لمّا ولي الوزارة نعت بناصر الجيوش سيف الإسلام، و كان عظيم الهمّة بعيد الغور كثير الشرّ شديد الهيبة (2).

ذكر الأمير حسن بن الخليفة الحافظ

و لمّا مات الوزير يأنس تولّى الخليفة الحافظ الأمور بنفسه، و لم يستوزر أحدا، و أحسن السيرة. فلمّا كان في سنة ثمان و عشرين و خمسمائة عهد إلى ولده سليمان، و كان أسنّ أولاده و أحبّهم إليه، و أقامه مقام الوزير، فمات بعد شهرين من ولاية العهد، فجعل مكانه أخاه حيدرة في ولاية العهد، و نصّبه للنظر في المظالم، فشق ذلك على أخيه الأمير

____________

(1) خزانة البنود: كانت هذه الخزانة خزانة السلاح في الدولة الفاطمية. النجوم الزاهرة 4/ 50.

(2) انظر الكامل لابن الأثير: 8/ 334- 335.

35

حسن- و كان كثير المال متّسع الحال له عدّة بلاد و مواشي و حاشية و ديوان‏ (1) مفرد- فسعى في نقض ذلك بأن أوقع الفتنة بين الطائفة الجيوشية و الطائفة الريحانية، و كانت الريحانية قويّة الشوكة مهابة مخوفة الجانب، فاشتعلت نيران الحرب بين الفريقين، و صاح الجند: يا حسن يا منصور، يا للحسينية؛ و التقى الفريقان فقتل بينهما ما يزيد على خمسة آلاف نفس، فكانت هذه الوقعة أوّل مصائب الدولة الفاطمية من فقد رجالها و نقص عساكرها، فلم يبق من الطائفة الريحانية إلا من نجا بنفسه من ناحية المقس‏ (2)، و ألقى نفسه في بحر النيل.

و استظهر الأمير حسن و قام بالأمر، و انضمّ إليه أوباش الناس و دعّارهم، ففرّق فيهم الزرد و سمّاهم صبيان الزرد، و جعلهم خاصّته، فاحتفوا به و صاروا لا يفارقونه، فإن ركب أحاطوا به، و إن نزل لازموا داره، فقامت قيامة الناس منهم. و شرع في تتبّع الأكابر، فقبض على ابن العسّاف و قتله، و قصد أباه الخليفة الحافظ و أخاه حيدرة بالضرر حتّى خافا منه و تغيّبا، فجدّ في طلب أخيه حيدرة، و هتك بأوباشه الذين اختارهم حرمة القصر، و خرق ناموسه، و سلّطهم يفتّشون القصر في طلب الخليفة الحافظ و ابنه حيدرة، و اشتدّ بأسهم، و حسّنوا له كلّ رذيلة، و جرّوه على الأذى، فلم يجد الحافظ بدّا من مداراة حسن و تلافي أمره عساه ينصلح، و كتب سجلا بولايته العهد و أرسله إليه فقرى‏ء على الناس، فما زاده ذلك إلا جرأة عليه و إفسادا له، و شدّد في التضييق على أبيه و أخذ بأنفاسه. فبعث حينئذ الخليفة بالأستاذ ابن إسعاف إلى بلاد الصعيد ليجمع من يقدر عليه من الريحانيّة، فمضى و استصرخ الناس لنصرة الخليفة على ولده حسن، و جمع أمما لا يحصيها إلا اللّه، و سار بهم، فبلغ ذلك حسنا فزجّ عسكر اللقاء إسعاف، فالتقيا و كانت بينهما وقعة هبّت فيها ريح سوداء على عسكر إسعاف حتّى هزمتهم، و ركبهم عسكر حسن فلم ينج منهم إلا القليل، و غرق أكثرهم في البحر و أخذ إسعاف أسيرا، فحمل إلى القاهرة على جمل و في رأسه طرطور (3) لبد أحمر. فلمّا وصل بين القصرين رشق بالنشّاب حتّى هلك، و رمي من القصر الغربي بأستاذ آخر، فقتل، و قتل الأمير شرف الدين. فاشتدّ ذلك على الحافظ و خاف على نفسه؛ فكتب ورقة- و كاد ابنه بأن ألقى إليه تلك الورقة- و فيها: يا ولدي؛ أنت على كلّ حال ولدي، و لو عمل كلّ منّا لصاحبه ما يكره الآخر ما أراد أن يصيبه مكروه، و لا يحملني قلبي، و قد انتهى الأمر إلى أمراء الدولة و هم فلان و فلان، و قد شدّدت و طأتك عليهم و خافوك و هم معوّلون على قتلك، فخذ حذرك يا ولدي.

فعند ما وقف حسن على الورقة غضب و لم يتأنّ، و بعث إلى أولئك، فلمّا صاروا إليه‏

____________

(1) في النجوم الزاهرة 14/ 203: ديوان المفرد موكل بالنفقة على المماليك السلطانية.

(2) في النجوم الزاهرة 4/ 56: المقس كانت ضيعة تعرف بأمّ دنين، و إنما سميت المقس لأنّ العشّار و هو المكّاس كان فيها يستخرج الأموال، فقيل له: المكس ثم المقس.

(3) في المنجد: الطرطور: القلنسوة الدقيقة الطويلة.

36

أمر صبيان الزرد بقتلهم، فقتلوا عن آخرهم، و كانوا عدّة من أعيان الأمراء، و أحاط بدورهم و أخذ سائر ما فيها، فاشتدّت المصيبة و عظمت الرزيّة، و تخوّف من بقي من الجند و نفروا منه، فإنّه كان جريئا مفسدا شديد الفحص عن أحوال الناس و الاستقصاء لأخبارهم يريد إقلاب الدولة و تغييرها ليقدّم أوباشه، و أكثر من مصادرة الناس، و قتل قاضي القضاة أبا الثريّا نجم لأنه كان من خواصّ أبيه، و قتل جماعة من الأعيان، و ردّ القضاء لابن ميسّر، و تفاقم أمره و عظم خطبه و اشتدّت الوحشة بينه و بين الأمراء و الأجناد، و همّوا بخلع الحافظ و محاربة ابنه حسن، و صاروا يدا واحدة، و اجتمعوا بين القصرين و هم عشرة آلاف ما بين فارس و راجل، و سيّروا إلى الحافظ يشكون ما هم فيه من البلاء مع ابنه حسن و يطلبون منه أن يزيله من ولاية العهد، فعجز حسن عن مقاومتهم، فإنه لم يبق معه سوى الراجل من الطائفة الجيوشية و من يقول بقولهم من الغزّ الغرباء، فتحيّر و خاف على نفسه، فالتجأ إلى القصر و صار إلى أبيه الحافظ، فما هو إلا أن تمكّن منه أبوه، فقبض عليه و قيّده و بعث إلى الأمراء يخبرهم بذلك، فأجمعوا على قتله، فردّ عليهم أنه قد صرفه عنهم و لا يمكّنه أبدا من التصرّف، و وعدهم بالزيادة في الأرزاق و الإقطاعات و أن يكفّوا عن طلب قتله، فألحّوا في قتله و قالوا: إمّا نحن‏ (1) و إمّا هو.

اشتدّ طلبهم إياه حتّى أحضروا الأحطاب و النيران ليحرقوا القصر، و بالغوا في التجرّؤ على الخليفة فلم يجد بدّا من إجابتهم إلى قتله، و سألهم أن يمهلوه ثلاثا، فأناخوا بين القصرين، و أقاموا على حالهم حتّى تنقضي الثلاث، فما وسع الحافظ إلا أن استدعى طبيبيه و هما أبو منصور اليهوديّ و ابن قرقة (2) النصرانيّ، و بدأ بأبي منصور و فاوضه في عمله سقية قاتله، فامتنع من ذلك و حلف بالتوراة أنه لا يعرف عمل شي‏ء من ذلك، فتركه و أحضر ابن قرقة و كلّمه في هذا فقال: الساعة، و لا يتقطّع منها جسده، بل تفيض النفس لا غير. فأحضر السقية من يومه، فبعثها إلى حسن مع عدّة من الصقالبة، و ما زالوا يكرهونه على شربها حتّى فعل، و مات في العشرين من جمادى الآخرة سنة تسع و عشرين و خمسمائة، فبعث الحافظ إلى القوم سرّا يقول: قد كان ما أردتم، فامضوا إلى دوركم؛ فقالوا: لا بدّ أن يشاهده منّا من نثق به، و ندبوا منهم أميرا معروفا بالجرأة و الشرّ يقال له المعظّم جلال الدين محمد، و يعرف بجلب راغب الآمري، فدخل إلى القصر و صار جنب حسن، فإذا به قد سجّي بثوب، فكشف عن وجهه و أخرج من وسطه آلة من حديد، و غرزه بها في عدّة مواضع من بدنه إلى أن تيقّن أنه قد مات، و عاد إلى القوم و أخبرهم، فتفرّقوا.

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 8/ 347: إما أنك تسلّم ابنك إلينا لنقتله أو نقتلكما جميعا.

(2) في النجوم الزاهرة 5/ 237: كان ابن قرقة يتولى الاستعمالات بدار الديباج و خزائن السلاح، و كان ماهرا في علم الطب و الهندسة.

37

و عند ما سكنت الدهماء حقد الحافظ لابن قرفة و قتله بخزانة البنود، و أنعم بجميع ما كان له على أبي منصور اليهودي، و جعله رئيس الأطباء، فهذا ما كان من خبر يأنس و كيفيّة موته و خبر حسن و الخبر عن قتله.

حارة المنتجبية: قال ابن عبد الظاهر: بلغني أنّ رجلا كان يتحجّب لشمس الدين قاضي زادة كان يقول: إنّ هذه الخطّة (1) منسوبة لجدّة منتجب الدولة.

الحارة المنصورية: هذه الحارة كانت كبيرة متسعة جدا فيها عدّة مساكن السودان، فلمّا كانت واقعتهم في ذي القعدة سنة أربع و ستّين و خمسمائة كما تقدّم في ذكر حارة بهاء الدين، أمر صلاح الدين يوسف بن أيّوب بتخريب المنصورة هذه، و تعفية أثرها، فخرّبها خطلبا بن موسى الملقّب صارم الدين، و عملها بستانا. و كان للسودان بديار مصر شوكة و قوّة، فتبعهم صلاح الدين ببلاد الصعيد حتّى أفناهم بعد أن كان لهم بديار مصر في كلّ قرية و محلّة و ضيعة مكان مفرد لا يدخله وال و لا غيره احتراما لهم. و قد كانوا يزيدون على خمسين ألفا، و إذا ثاروا على وزير قتلوه، و كان الضرر بهم عظيما لامتداد أيديهم إلى أموال الناس و أهاليهم، فلمّا كثر بغيهم و زاد تعدّيهم أهلكهم اللّه بذنوبهم، و في واقعة السودان و تخريب المنصورة و قتل مؤتمن الخلافة الذي تقدّم ذكره يقول العماد (2) الأصفهاني الكاتب يخاطب بهاء الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب:

بالملك الناصر استنارت‏* * * في عصرنا أوجه الفضائل‏

يوسف مصر الذي إليه‏* * * تشدّ آمالنا الرواحل‏

رأيك في الدهر عن رزايا* * * جلى مهماته الجلائل‏

أجريت نيلين في ثراها* * * نيل نجيع و نيل نائل‏

كم كرم من نداك جار* * * و كم دم من عداك سائل‏

و كم معاد بلا معاد* * * و مستطيل بغير طائل‏

و حاسد كاسد المساعي‏* * * و سائد نافق الوسائل‏

أقررت عين الإسلام حتّى‏* * * لم يبق فيها قذى لباطل‏

و كيف يزهى بملك مصر* * * من يستقلّ ذنبا لنائل‏

و ما نفيت السودان حتّى‏* * * حكمت البيض في المقاتل‏

صيّرت رحب الفضا مضيقا* * * عليهم كفّة لجائل‏

____________

(1) الخطة: الحارة، الحيّ من المدينة ..

(2) في شذرات الذهب 4/ 332: و هو الوزير العلّامة أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن حامد الأصبهاني ..

ولد سنة 519 ه تسلم ديوان الإنشاء في دمشق، صنف عدة تصنيفات أدبية و منها خريدة القصر. توفي سنة 597 ه.

38

و كلّ رأي منهم كرا* * * و أرض مصر كلام واصل‏

و قد خلت منهم المغاني‏* * * و أقفرت منهم المنازل‏

و ما أصيبوا إلا بطلّ‏* * * فكيف لو أمطروا بوابل؟

و قد تجلّى بالحقّ ما بال* * * باطل في مصر كان عاجل‏

و السود بالبيض قد تنحّوا* * * فهي بواديهم نوازل‏

مؤتمن القوم خان حتّى‏* * * غالته من شرّه الغوائل‏

عاملكم بالخنا (1) فأضحى‏* * * و رأسه فوق رأس عامل‏ (2)

و حالف الذلّ بعد عزّ* * * و الدهر أحواله حوائل‏

يا مخجل البحر بالأيادي‏* * * قد آن أن تفتح السواحل‏

نقدّس القدس من خباث‏* * * أرجاس كفر غتم أراذل‏ (3)

و كان موضع المنصور على يمنة من سلك في الشارع خارج باب زويلة. قال ابن عبد الظاهر: كانت للسودان حارة تعرف بهم تسمّى المنصورة خرّبها صلاح الدين، و أخذها خطلبا، فعمرها بستانا و حوضا، و هي إلى جانب الباب الحديد، يعني الذي يعرف اليوم بالقوس عند رأس المنتجبية، فيما بينها و بين الهلالية، و قد حكر هذا البستان في الأيام الظاهرية و بعضها يعني المنصورة من جهة بركة الفيل إلى جانب بستان سيف الإسلام، و يسمّى الآن بحكر الغتمي، لأن الغتمي هذا كان شرع بستان سيف الإسلام فحكر في هذه الجهة، و هي الآن أحكار الديوان السلطاني، و حكر الغتمي الذي كان بستان سيف الإسلام يعرف اليوم بدرب ابن البابا تجاه البندقدارية بجوار حمّام الفارقاني قريب من صليبة جامع ابن طولون.

حارة المصامدة: هذه الحارة عرفت بطائفة المصامدة أحد طوائف عساكر الخلفاء الفاطميين، و اختطّت في وزارة المأمون‏ (4) البطائحي و خلافة الآمر بأحكام اللّه بعد سنة خمس عشرة و خمسمائة. قال ابن عبد الظاهر: حارة المصامدة مقدّمهم عبد اللّه المصمودي. و كان المأمون البطائحي وزير الخليفة الآمر بأحكام اللّه قدّمه و نوّه بذكره و سلّم له أبوابه للمبيت عليها، و أضاف إليه جماعة من أصحابه، فلما استخلص المصامدة و قرّبهم سيّر أبا بكر المصمودي ليختار لهم حارة، فتوجّه بالجماعة إلى اليانسية بالشارع، فلم يجد بها مكانا، و وجدها تضيق عنهم، فسيّر المهندسين لاختيار حارة لهم، فاتفقوا على بناء حارة ظاهر باب الحديد على يمنة الخارج على شاطى‏ء بركة الفيل، فقال: بل تكون على يسرة

____________

(1) الخنا: الخنى: الفحش في الكلام.

(2) لعلّ المقصود: جبل عامل في جنوب لبنان.

(3) الغتم: الذين في منطقهم عجمة.

(4) النجوم الزاهرة 5/ 173.

39

الخارج و الفسح قدّامها إلى بركة الفيل. فبنيت الحارة على يسرة الخارج من الباب المذكور، و بني بجانبها مسجد على زلاقة الباب المذكور، و بنى أبو بكر المصمودي مسجدا أيضا، و هذه فيما أعتقد هي الهلالية، و حذّر من بناء شي‏ء قبالتها في الفضاء الذي بينها و بين بركة الفيل لانتفاع الناس، بها و صار ساحل بركة الفيل من المسجد قبالة هذه الحارة إلى آخر حصن دويرة مسعود إلى الباب الحديد، و لم يزل ذلك إلى بعض أيام الخليفة الحافظ لدين اللّه. قال: و بنى في صفّ هذه الحارة من قبليّها عدّة دور بحوانيت تحتها إلى أن اتّصل البناء بالمساجد الثلاثة الحاكميّة المعلّقة و القنطرة المعروفة بدار ابن طولون و بعدها بستان ذكر أنه كان في جملة قاعات الدار المذكورة. قال: و أظنّ المساجد هي التي قبالة حوض الجاولي، قال: و بنى المأمون ظاهره حوضا و أجرى الماء له و ذلك قبالة مشهد محمد الأصغر و مشهد السيّدة سكينة. قال: و أظنّ هذا البستان هو الذي بنته شجر (1) الدرّ بستانا و دارا و حمّامات قريب من مشهد السيّدة نفيسة، قال: و أمر المأمون بالنداء في القاهرة مع مصر ثلاثة أيام بأنّ من كانت له دار في الخراب أو مكان يعمر، و من عجز عن أن يعمره فليؤجّره من غير نقل شي‏ء من أنقاضه، و من تأخّر بعد ذلك فلا حقّ له في شي‏ء منه و لا حكر يلزمه. و أباح تعمير ذلك جميعه بغير طلب بحقّ فيه، فطلب الناس كافة ما هو جار في الديوان السلطانيّ و غيره، و عمروه حتّى صار البلدان لا يتخلّلهما داثر و لا دارس، و بنى في الشارع يعني خارج باب زويلة من الباب الجديد إلى الجبل عرضا و هو القلعة الآن. قال: و كان الخراب استولى على تلك الأماكن في زمن المستنصر (2) في أيام وزارة البازوري حتّى أنه كان بنى حائطا يستر الخراب عن نظر الخليفة إذا توجّه من القاهرة إلى مصر، و بنى حائطا آخر عند جامع‏ (3) ابن طولون. قال: و عمر ذلك حتّى صار المتعيّشون بالقاهرة و المستخدمون يصلّون العشاء الأخيرة بالقاهرة و يتوجّهون إلى مساكنهم في مصر لا يزالون في ضوء و سرج و سوق موقود إلى باب الصفا و هو المعاصر الآن، و ذلك أنه يخرج من الباب الحديد الحاكمي على يمنة بركة الفيل إلى بستان سيف الإسلام و عدّة بساتين، و قبالة جميع ذلك حوانيت مسكونة عامرة بالمتعيّشين إلى مصر و المعاش مستمر الليل و النهار.

حارة الهلالية: ذكر ابن عبد الظاهر أنّها على يسرة الخارج من الباب الحديد الحاكمي.

حارة البيازرة: هذه الحارة خارج باب القنطرة على شاطى‏ء الخليج من شرقيه فيما بين زقاق الكحل و باب القنطرة حيث المواضع التي تعرف اليوم ببركة جنادق و الكدّاشين، و إلى‏

____________

(1) انظر النجوم الزاهرة 6/ 332.

(2) تسلم الخلافة في مصر بين عامي 428- 487 ه. انظر النجوم الزاهرة.

(3) في حسن المحاضرة 2/ 246: و موضعه يعرف بجبل يشكر.

40

قريب من حارة بهاء الدين، و اختطت هذه الحارة في الأيام الآمرية، و ذلك أن زمام‏ (1) البيازرة شكا ضيق دار الطيور بمصر، و سأل أن يفسح للبيازرة في عمارة حارة على شاطى‏ء الخليج بظاهر القاهرة لحاجة الطيور و الوحوش إلى الماء، فأذن له في ذلك، فاختطّوا هذه الحارة و جعلوا منازلهم مناظر على الخليج، و في كلّ دار باب سرّ ينزل منه إلى الخليج و اتّصل بنا هذه الحارة بزقاق الكحل، فعرفت بهم و سميت بحارة البيازرة، واحدهم بازيار (2)، ثم إنّ المختار الصقلبي زمام القصر أنشأ بجوارها بستانا و بنى فيه منظرة عظيمة، و هذا البستان يعرف اليوم موضعه ببستان ابن صيرم خارج باب الفتوح، فلما كثرت العمائر في حارة البيازرة أمر الوزير المأمون بعمل الأقنة (3) لشيّ الطوب على شاطى‏ء الخليج الكبير إلى حيث كان البستان الكبير الجيوشيّ الذي تقدّم ذكره في ذكر مناظر الخلفاء و منتزهاتهم.

حارة الحسينية: عرفت بطائفة من عبيد الشراء يقال لهم الحسينية. قال المسبّحي في حوادث سنة خمس و تسعين و ثلثمائة: و أمر بعمل شونة (4) ممّا يلي الجبل ملئت بالسنط و البوص و الحلفاء فابتدى‏ء بعملها في ذي الحجة سنة أربع و تسعين و ثلثمائة إلى شهر ربيع الأول سنة خمس و تسعين، فخامر قلوب الناس من ذلك جزع شديد، و ظنّ كلّ من يتعلّق بخدمة أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أنّ هذه الشونة عملت لهم. ثمّ قويت الإشاعات و تحدّث العوام في الطرقات أنها للكتّاب و أصحاب الدواوين و أسبابهم، فاجتمع سائر الكتّاب و خرجوا بأجمعهم في خامس ربيع الأوّل و معهم سائر المتصرّفين في الدواوين من المسلمين و النصارى إلى الرماحين بالقاهرة، و لم يزالوا يقبّلون الأرض حتّى وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يدعون و يتضرّعون و يضجّون و يسألون العفو عنهم، و معهم رقعة قد كتبت عن جميعهم إلى أن دخلوا باب القصر الكبير و سألوا أن يعفى عنهم و لا يسمع فيهم قول ساع يسعى بهم، و سلّموا رقعتهم إلى قائد القوّاد الحسين بن جوهر، فأوصلها إلى أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، فأجيبوا إلى ما سألوا، و خرج إليهم قائد القوّاد، فأمرهم بالانصراف و البكور لقراءة سجلّ بالعفو عنهم، فانصرفوا بعد العصر، و قرى‏ء من الغد سجل كتب منه نسخة للمسلمين و نسخة للنصارى و نسخة لليهود بأمان لهم و العفو عنهم. و قال:

في ربيع الآخر، و اشتدّ خوف الناس من أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، فكتب ما شاء اللّه من الأمانات للغلمان الأتراك الخاصّة و زمامهم و أمرائهم من الحمدانية و الكجورية و الغلمان العرفان و المماليك و صبيان الدار و أصحاب الإقطاعات و المرتزقة و الغلمان الحاكميّة القدم‏

____________

(1) زمام البيازرة: كبيرهم.

(2) في المنجد: البازيار: حامل البازي.

(3) القمين: الأتون.

(4) الشونة: هي المركب المعد للجهاد في البحر، و يجهز في أيام الحرب بالسلاح و النفطية و يحشد بالمقاتلة أو الجنود البحرية. كتاب الجيش ص 168 لإحسان هندي.

41

على اختلاف أصنافهم، و كتب أمان الجماعة من خدم القصر الموسومين بخدمة الحضرة بعد ما تجمّعوا و صاروا إلى تربة للعزيز بالله و ضجوا بالبكاء و كشفوا رؤوسهم، و كتبت سجلّات عدّة بأمانات للديلم و الجبل و الغلمان الشرابية و الغلمان الريحانية و الغلمان البشارية و الغلمان المفرّقة العجم و غيرهم و النقباء و الروم المرتزقة، و كتبت عدّة أمانات للزويليين و البنادين و الطبّالين و البرقيين و العطوفيين و للعرافة الجوانية و الجودرية (1) و للمظفرّية و للصنهاجيين و لعبيد الشراء الحسينية و للميمونية و للفرحية و أمان لمؤذني أبواب القصر و أمانات لسائر البيارزة و الفهّادين و الحجّالين و أمانات أخر لعدّة أقوام، كلّ ذلك بعد سؤالهم و تضرّعهم. و قال: في جمادى الآخرة و خرج أهل الأسواق على طبقاتهم كلّ يلتمس كتب أمان يكون لهم، فكتب فوق المائة سجل بأمان لأهل الأسواق على طبقاتهم نسخة واحدة، و كان يقرأ جميعها في القصر أبو عليّ أحمد بن عبد السميع العباسيّ، و تسلم أهل كل سوق ما كتب لهم، و هذه نسخة إحداها.

بعد البسملة: هذا كتاب من عبد اللّه و وليه المنصور أبي عليّ، الإمام الحاكم بأمر اللّه أمير المؤمنين، لأهل مسجد عبد اللّه، أنكم من الآمنين بأمان اللّه، الملك الحق المبين، و أمان جدّنا محمد خاتم النبيين، و أبينا عليّ خير الوصيين، و آبائنا الذريّة النبويّة المهديين، صلى اللّه على الرسول و وصيه و عليهم أجمعين، و أمان أمير المؤمنين على النفس و الحال و الدم و المال، لا خوف عليكم، و لا تمتدّ يد بسوء إليكم إلّا في حدّ يقام بواجبه، و حق يؤخذ بمستوجبه، فليوثق بذلك و ليعوّل عليه إن شاء اللّه تعالى. و كتب في جمادى الآخرة سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة و الحمد للّه، و صلى اللّه على محمد سيد المرسلين، و على خير الوصيين، و على الأئمة المهديين ذرية النبوّة، و سلم تسليما كثيرا. و قال ابن عبد الظاهر:

فأمّا الحارات التي من باب الفتوح ميمنة و ميسرة للخارج منه، فالميمنة إلى الهليلجة، و الميسرة إلى بركة الأرمن برسم الريحانية، و هي الحسينية الآن، و كانت برسم الريحانية الغزاوية و المولدة و العجمان و عبيد الشراء، و كانت ثمان حارات و هي: حارة حامد، بين الحارتين، المنشية الكبيرة، الحارة الكبيرة، الحارة الوسطى، سوق الكبير، الوزيرية (2) و للأجناد بظاهر القاهرة حارات و هي: حارة البيازرة و الحسينية جميع ذلك سكن الريحانية و سكن الجيوشية و العطوفية بالقاهرة، و بظاهرها الهلالية و الشوبك و حلب و الحبانية و المأمونية و حارة الروم و حارة المصامدة و الحارة الكبيرة و المنصورة الصغيرة و اليانسية و حارة أبي بكر و المقس و رأس التبان و الشارع. و لم يكن للأجناد في هذا الوجه غير حارة

____________

(1) في النجوم الزاهرة 4/ 54: الجودرية نسبة إلى جودر خادم المهدي.

(2) في النجوم الزاهرة 4/ 49 وردت الحارات كما يلي:

حارة حامد، المنشية الكبرى، المنشية الصغرى، و الحارة الكبيرة، و الحارة الوسطى، و الوزيرية، و خان السبيل، و اللؤلؤة.

42

عنتر للمؤمنين المترجلة، و كانت كل حارة من هذه بلدة كبيرة بالبزازين و العطارين و الجزارين و غيرهم، و الولاة لا يحكمون عليها، و لا يحكم فيها إلّا الأزمة و نوّابهم، و أعظم الجميع الحارة الحسينية التي هي آخر صف الميمنة إلى الهليلجة، و هي الحسينية الآن، لأنها كانت سكن الأرمن، فارسهم و راجلهم، و كان يجتمع بها قريب من سبعة آلاف نفس و أكثر من ذلك، و بها أسواق عدّة.

و قال في موضع آخر: الحسينية منسوبة لجماعة من الأشراف الحسينيين، و كانوا في الأيام الكاملية قدموا من الحجاز، فنزلوا خارج باب النصر بهذه الأمكنة و استوطنوها، و بنوا بها مدابغ صنعوا بها الأديم المشبه بالطائفي، فسمّيت بالحسينية، ثم سكنها الأجناد بعد ذلك و ابتنوا بها هذه الأبنية العظيمة، و هذا و هم، فإنه تقدّم أنّ جملة الطوائف في الأيام الحاكمية الطائفة الحسينية، و تقدّم فيما نقله ابن عبد الظاهر أيضا أنّ الحسينية كانت عدّة حارات، و الأيام الكاملية، إنما كانت بعد الستمائة، و قد كانت الحسينية قبل ذلك بما ينيف عن مائتي سنة فتدبره.

و اعلم أنّ الحسينية شقتان، إحداهما ما خرج عن باب الفتوح، و طولها من خارج باب الفتوح إلى الخندق، و هذه الشقة هي التي كانت مساكن الجند في أيام الخلفاء الفاطميين، و بها كانت الحارات المذكورة. و الشقة الأخرى ما خرج عن باب النصر و امتدّ في الطول إلى الريدانية، و هذه الشقة لم يكن بها في أيام الخلفاء الفاطميين سوى مصلى العيد تجاه باب النصر، و ما بين المصلى إلى الريدانية فضاء لا بناء فيه، و كانت القوافل إذا برزت تريد الحج تنزل هناك، فلما كان بعد الخمسين و أربعمائة و قدم بدر الجمالي أمير الجيوش، و قام بتدبير أمر الدولة الخليفة المنتصر بالله، أنشأ بحري مصلى العيد خارج باب النصر تربة عظيمة، و فيها قبره هو و ولده الأفضل ابن أمير الجيوش، و أبو عليّ كتيفات بن الأفضل و غيره، و هي باقية إلى يومنا هذا. ثم تتابع الناس في إنشاء الترب هناك حتى كثرت، و لم تزل هذه الشقة مواضع للترب، و مقابر أهل الحسينية و القاهرة إلى بعد السبعمائة، و لقد حدّثت عن المشيخة ممن أدرك، بأنّ ما بين مصلى الأموات التي خارج باب النصر و بين دار كهرداش التي تعرف اليوم بدار الحاجب؛ مكانا يعرف بالمراغة، معدّ لتمريغ الدّواب به، و أنّ ما في صف المصلى من بحريها الترب فقط، و لم تعمر هذه الشقة إلا في الدولة التركية، لا سيما لما تغلب التتر على ممالك الشرق و العراق، و جفل الناس إلى مصر، فنزلوا بهذه الشقة و بالشقة الأخرى، و عمروا بها المساكن، و نزل بها أيضا أمراء الدولة فصارت من أعظم عمائر مصر و القاهرة، و اتخذ الأمراء بها من بحريها فيما بين الريدانية إلى الخندق مناخات الجمال، و اصطبلات الخيل، و من ورائها الأسواق و المساكن العظيمة في الكثرة، و صار أهلها يوصفون بالحسن، خصوصا لما قدمت الأويراتية.

43

ذكر قدوم الأويراتية

و كان من خبر هذه الطائفة: أنّ بيدو بن طرغاي بن هولاكو لما قتل في ذي الحجة، سنة أربع و تسعين و سبعمائة، و قام في الملك من بعده على المغل الملك غازان محمود بن خر بنده بن إيغاني، تخوّف منه عدّة من المغل يعرفون بالأويراتية، و فرّوا عن بلاده إلى نواحي بغداد، فنزلوا هناك مع كبيرهم طرغاي، و جرت لهم خطوب آلت بهم إلى اللحاق بالفرات فأقاموا بها هنالك، و بعثوا إلى نائب حلب يستأذنوه في قطع الفرات ليعبروا إلى ممالك الشام، فأذن لهم، و عدّوا الفرات إلى مدينة بهنسا، فأكرمهم نائبا و قام لهم بما ينبغي من العلوفات و الضيافات، و طولع الملك العادل زين الدين كتيفا، و هو يومئذ سلطان مصر و الشام بأمرهم، فاستشار الأمراء فيما يعمل بهم، فاتفق الرأي على استدعاء أكابرهم إلى الديار المصرية، و تفريق باقيهم في البلاد الساحلية و غيرها من بلاد الشام، و خرج إليهم الأمير علم الدين سنجر الدواداري، و الأمير شمس الدين سنقر الأعسر إلى دمشق، فجهزا أكابر الأويراتية نحو الثلاثمائة للقدوم على السلطان، و فرّقا من بقي منهم بالبقاع العزيزة و بلاد الساحل، و لما قرب الجماعة من القاهرة، و خرج الأمراء بالعسكر إلى لقائهم، و اجتمع الناس من كل مكان حتى امتلأ الفضاء للنظر إليهم، فكان لدخولهم يوم عظيم، و صاروا إلى قلعة الجبل، فأنعم السلطان على طرغاي مقدّمهم بإمرة طبلخانة، و على اللصوص بإمرة عشرة، و أعطى البقية تقادما في الحلقة و اقطاعات، و أجرى عليهم الرواتب، و أنزلوا بالحسينية، و كانوا على غير الملة الإسلامية، فشق ذلك على الناس، و بلوامع ذلك منهم بأنواع من البلاء لسوء أخلاقهم و نفرة نفوسهم و شدّة جبروتهم، و كان إذ ذاك بالقاهرة و مصر غلاء كبير و فناء عظيم، فتضاعفت المضرّة و اشتدّ الأمر على الناس، و قال في ذلك الأديب شمس الدين محمد بن دينار:

ربنا اكشف عنا العذاب فإنّا* * * قد تلفنا في الدولة المغلية

جاءنا المغل و الغلا فانصلقنا* * * و انطبخنا في الدولة المغلية

و لما دخل شهر رمضان من سنة خمس و تسعين و ستمائة لم يصم أحد من الأويراتية، و قيل للسلطان ذلك، فأبى أن يكرههم على الإسلام، و منع من معارضتهم و نهى أن يشوّش عليهم أحد، و أظهر العناية بهم، و كان مراده أن يجعلهم عونا له يتقوّى بهم، فبالغ في إكرامهم حتى أثر في قلوب إمراء الدولة منه احنا و خشوا إيقاعه بهم، فإن الأويراتية كانوا أهل جنس كتيفا، و كانوا مع ذلك صورا جميلة، فافتتن بهم الأمراء و تنافسوا في أولادهم من الذكور و الإناث، و اتخذوا منهم عدّة صيّروهم من جملة جندهم، و تعشّقوهم، فكان بعضهم يستنشد من صاحبه من اختص به و جعله محل شهوته، ثم ما قنع الأمراء ما كان منهم بمصر حتى أرسلوا إلى البلاد الشامية و استدعوا منهم طائفة كبيرة، فتكاثر نسلهم في القاهرة

44

و اشتدّت الرغبة من الكافة في أولادهم على اختلاف الآراء في الإناث و الذكور، فوقع التحاسد و التشاجر بين أهل الدولة إلى أن آل الأمر بسببهم و بأسباب أخر إلى خلع السلطان الملك العادل كتيفا من الملك، في صفر سنة ست و تسعين و ستمائة.

فلما قام في السلطنة من بعده الملك المنصور حسام الدين لاجين، قبض على طرغاي مقدّم الأويراتية، و على جماعة من أكابرهم، و بعث بهم إلى الإسكندرية فسجنهم بها و قتلهم، و فرّق جميع الأويراتية على الأمراء، فاستخدموهم و جعلوهم من جندهم، فصار أهل الحسينية لذلك يوصفون بالحسن و الجمال البارع، و أدركنا من ذلك طرفا جيدا، و كان للناس في نكاح نسائهم رغبة، و لآخرين شغف بأولادهم، و للّه در الشيخ تقيّ الدين السروجيّ إذ يقول من أبيات:

يا ساعي الشوق الذي مذ جرى‏* * * جرت دموعي فهي أعوانه‏

خذ لي جوابا عن كتابي الذي‏* * * إلى الحسينية عنوانه‏

فهي كما قد قيل وادي الحمى‏* * * و أهلها في الحسن غزلانه‏

أمشي قليلا و انعطف يسرة* * * يلقاك درب طال بنيانه‏

و اقصد بصدر الدرب ذاك الذي‏* * * بحسنه تحسّن جيرانه‏

سلم و قل يخشى مسن أي مسن‏* * * اشت حديثا طال كتمانه‏

و سل لي الوصل فإن قال بق‏* * * فقل أوت قد طال هجرانه‏

و ما برحوا يوصفون بالزعارة و الشجاعة، و كان يقال لهم البدورة، فيقال البدر فلان، و البدر فلان، و يعانون لباس الفتوّة و حمل السلاح، و يؤثر منهم حكايات كثيرة و أخبار جمة، و كانت الحسينية قد أربت في عمارتها على سائر اخطاط مصر و القاهرة، حتى لقد قال لي ثقة ممن أدركت من الشيخة: أنّه يعرف الحسينية عامرة بالأسواق و الدور، و سائر شوارعها كافة بازدحام الناس، و من الباعة و المارة و أرباب المعايش، و أصحاب اللهو و الملعوب، فيما بين الريدانية، محطة المحمل يوم خروج الحاج من القاهرة، و إلى باب الفتوح، لا يستطيع الإنسان أن يمرّ في هذا الشارع الطويل العريض طول هذه المسافة الكبيرة إلّا بمشقة من الزحام، كما كنا نعرف شاعر بين القصرين فيما أدركنا. و ما زال أمر الحسينية متماسكا إلى أن كانت الحوادث و المحن منذ سنة ست و ثمانمائة و ما بعدها، فخربت حاراتها، و نقضت مبانيها، و بيع ما فيها من الأخشاب و غيرها، و باد أهلها، ثم حدث بها بعد سنة عشرين و ثمانمائة آية من آيات اللّه تعالى، و ذلك أنّ في أعوام بضع و ستين و سبعمائة، بدا بناحية برج الزيات فيما بين المطرية و سر ياقوس فساد الأرضة التي من شأنها العبث في الكتب و الثياب، فأكلت لشخص نحو ألف و خمسمائة قتة دريس، فكنّا لا نزال نتعجب من ذلك، ثم فشت هناك و شنع عبثها في سقوف الدور، و سرت حتى عاثت في أخشاب سقوف‏

45

الحسينية و غلات أهلها و سائر أمتعتهم، حتى أتلفت شيئا كثيرا، و قويت حتى صارت تأكل الجدران، فبادر أهل تلك الجهة إلى هدم ما قد بقي من الدور، خوفا عليها من الأرضة شيئا بعد شي‏ء حتى قاربوا باب الفتوح و باب النصر، و قد بقي منها اليوم قليل من كثير يخاف إن استمرّت أحوال الإقليم على ما هي عليه من الفساد أن تدثر و تمحى آثارها، كما دثر سواها، و للّه در القائل:

و اللّه إن لم يداركها و قد رحلت‏* * * بلمحة أو بلطف من لديه خفي‏

و لم يجد بتلافيها على عجل‏* * * ما أمرها صائر إلّا إلى تلف‏

حارة حلب: هذه الحارة خارج باب زويلة، تعرف اليوم بزقاق حلب، و كانت قديما من جملة مساكن الأجناد. قال ياقوت في باب حلب: الأوّل حلب المدينة المشهورة بالشام، و هي قصبة نواحي قنسرين و العواصم اليوم، الثاني حلب الساجود من نواحي حلب أيضا الثالث كفر حلب من قراها أيضا، الرابع محلة بظاهر القاهرة بالشارع من جهة الفسطاط. و اللّه تعالى أعلم.

ذكر اخطاط القاهرة و ظواهرها

قد تقدّم ذكر ما يطلق عليه حارة من الأخطاط، و نريد أن نذكر من الخطط ما لا يطلق عليه اسم حارة و لا درب، و هي كثيرة، و كل قليل تتغير أسماؤها، و لا بدّ من إيراد ما تيسر منها.

خط خان الوراقة: هذا الخط فيما بين حارة بهاء الدين و سويقة أمير الجيوش، و في شرقيّة سوق المرجلين، و هو يشتمل على عدّة مساكن، و به طاحون، و كان موضعه قديما اصطبل الصبيان الحجرية لموقف خيولهم كما تقدّم، فلما زالت الدولة الفاطمية اختط مواضع للسكنى و قد شمله الخراب.

خط باب القنطرة: هذا الخط كان يعرف قديما بحارة المرتاحية و حارة الفرحية و الرماحين، و كان ما بين الرماحين الذي يعرف اليوم بباب القوس، داخل باب القنطرة، و بين الخليج، فضاء لا عمارة فيه، بطول ما بين باب الرماحين إلى باب الخوخة، و إلى باب سعادة، و إلى باب الفرج، و لم يكن إذ ذاك على حافة الخليج عمائر البتة، و إنما العمائر من جانب الكافوري‏ (1) و هي مناظر اللؤلؤة (2) و ما جاورها من قبليها إلى باب الفرج، و تخرج‏

____________

(1) في النجوم الزاهرة 4/ 51: حارة الكافوري كانت بستانا للأستاذ الملك كافور الإخشيذي صاحب مصر. هدم في الدولة المعزيّة و بنى اصطبلات و دورا و مساكن.

(2) في النجوم الزاهرة 4/ 49: اللؤلؤة عند باب القنطرة بناها الظاهر لإعزاز دين اللّه الخليفة العبيدي كانت نزهة الخلفاء الفاطميين، و كانت فيها قصورهم.

46

العامّة عصريات كل يوم إلى شاطي‏ء الخليج الشرقي تحت المناظر للتفرّج، فإن بر الخليج الغربيّ كان فضاء ما بين بساتين و برك، كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.

قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع و ثمانين و خمسمائة: في شوّال قطع النيل الجسور و اقتلع الشجر، و غرّق النواحي و هدم المساكن، و أتلف كثيرا من النساء و الأطفال، و كثر الرخاء بمصر، فالقمح كل مائة أردب بثلاثين دينارا، و الخبز البايت ستة أرطال بربع درهم، و الرطب الأمهات ستة أرطال بدرهم، و الموز ستة أرطال بدرهم، و الرمان الجيد مائة حبة بدرهم، و الحمل الخيار بدرهمين، و التين ثمانية أرطال بدرهم، و العنب ستة أرطال بدرهم في شهر بابه بعد انقضاء موسمه المعهود بشهرين، و الياسمين خمسة أرطال بدرهم، و آل أمر أصحاب البساتين إلى أن لا يجمعوا الزهر لنقص ثمنه عن أجرة جمعه، و ثمر الحناء عشرة أرطال بدرهم، و البسرة عشرة أرطال بدرهم من جيده، و المتوسط خمسة عشر رطلا بدرهم، و ما في مصر إلّا متسخط بهذه النعمة.

قال: و لقد كنت في خليج القاهرة من جهة المقس لانقطاع الطرق بالمياه، فرأيت الماء مملوء سمكا، و الزيادة قد طبقت الدنيا، و النخل مملوء تمرا، و المكشوف من الأرض مملوء ريحانا و بقولا، ثم نزلت فوصلت إلى المقس، فوجدت من القلعة التي بالمقس إلى منية السيرج غلالا قد ملأت صبرها الأرض، فلا يدري الماشي أين يضع رجله، متصلا عرض ذلك إلى باب القنطرة، و على الخليج عند باب القنطرة من مراكب الغلة ما قد ستر سواحله و أرضه. قال: و دخلت البلد فرأيت في السوق من الأخباز و اللحوم و الألبان و الفواكه ما قد ملأها، و هجمت منه العين على منظر ما رأيت قبله مثله. قال: و في البلد من البغي و من المعاصي و من الجهر بها و من الفسق بالزنا و اللواط و من شهادة الزور و من مظالم الأمراء و الفقهاء، و من استحلال الفطر في نهار رمضان و شرب الخمر في ليله ممن يقع عليه اسم الإسلام، و من عدم النكير على ذلك جميعه ما لم يسمع و لم يعهد مثله، فلا حول و لا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، و ظفر بجماعة مجتمعين في حارة الروم يتغدّون في قاعة في نهار رمضان، فما كلموا، و بقوم مسلمين و نصارى اجتمعوا على شرب خمر في ليل رمضان، فما أقيم فيهم حدّ، و خط باب القنطرة فيما بين حارة بهاء الدين‏ (1) و سويقة أمير الجيوش‏ (2) و ينتهى من قبليه إلى خط بين السورين.

خط بين السورين: هذا الخط من حدّ باب الكافوري في الغرب إلى باب سعادة، و به الآن صفان من الأملاك، أحدهما مشرف على الخليج، و الآخر مشرف على الشارع المسلوك‏

____________

(1) في النجوم الزاهرة 4/ 52: حارة بهاء الدين: منسوبة إلى بهاء قراقوش.

(2) في النجوم الزاهرة 4/ 52: قيسارية أمير الجيوش المعروفة الآن بسوق مرجوش بناها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي.

47

فيه، من باب القنطرة إلى باب سعادة، و يقال لهذا الشارع بين السورين، تسمية للعّامة بها فاشتهر بذلك، و كان في القديم بهذا الخط البستان الكافوري، يشرف عليه بحده الغربي ثمة مناظر اللؤلؤة، و قد بقيت منها عقود مبنية بالآجر، يمرّ السالك في هذا الشارع من تحتها، ثم مناظر دار الذهب، و موضعها الآن دار تعرف بدار بهادر الأعسر، و على بابها بئر يستقي منها الماء في حوض يشرب منه الدواب، و يجاورها قبو معقود يعرف بقبو الذهب، و هو من بقية مناظر دار الذهب، و بحدّ دار الذهب منظرة الغزالة، و هي بجوار قنطرة الموسكي، و قد بني في مكانها ربع يعرف إلى اليوم بربع غزالة، و دار ابن قرفة، و قد صار موضعها جامع ابن المغربي، و حمام ابن قرفة، و بقي منها البئر التي يستقي منها إلى اليوم بحمام السلطان، و عدّة دور كلها فيما يلي شقة القاهرة من صف باب الخوخة، و كان ما بين المناظر و الخليج براحا، و لم يكن شي‏ء من هذه العمائر التي بحافة الخليج اليوم البتة، و كان الحاكم بأمر اللّه في سنة إحدى و أربعمائة منع من الركوب في المراكب بالخليج، و سدّ أبواب القاهرة التي تلي الخليج، و أبواب الدور التي هناك، و الطاقات المطلة عليه على ما حكاه المسبحيّ.

و قال ابن المأمون في حوادث سنة ست عشرة و خمسمائة، و لما وقع الاهتمام بسكن اللؤلؤة و المقام بها مدّة النيل على الحكم الأوّل، يعني قبل أيام أمير الجيوش بدر و ابنه الأفضل، و إزالة ما لم تكن العادة جارية عليه من مضايقة اللؤلؤة بالبناء، و أنها صارت حارات تعرف بالفرحية و السودان و غيرهما، أمر حسام الملك متولي بابه بإحضار عرفاء الفرحية و الإنكار عليهم في تجاسرهم على ما استجدّوه و أقدموا عليه، فاعتذروا بكثرة الرجال و ضيق الأمكنة عليهم، فبنوا لهم قبابا يسيرة، فتقدّم يعني أمر الوزير المأمون إلى متولي الباب بالإنعام عليهم و على جميع من بنى في هذه الحارة بثلاثة آلاف درهم، و أن يقسم بينهم بالسوية، و يأمرهم بنقل قسمهم، و أن يبنو لهم حارة قبالة بستان الوزير، يعني ابن المغربيّ، خارج الباب الجديد من الشارع، خارج باب زويلة.

قال: و تحوّل الخليفة إلى اللؤلؤة بحاشيته، و أطلقت التوسعة في كل يوم لما يخص الخاص و الجهات و الأستاذين من جميع الأصناف، و انضاف إليها ما يطلق كل ليلة عينا و ورقا و أطعمة للبائتين بالنوبة برسم الحرس بالنهار و السهر في طول الليل، من باب قنطرة بهادر إلى مسجد الليمونة من البرين، من صبيان الخاص و الركاب و الرهجية و السودان و الحجاب، كل طائفة بنقيبها، و العرض من متولي الباب واقع بالعدة في طرفي كل ليلة، و لا يمكن بعضهم بعضا من المنام و الرهجية تخدم على الدوام.

خط الكافوري: هذا الخط كان بستانا من قبل بناء القاهرة و تملك الدولة الفاطمية لديار مصر، أنشأه الأمير أبو بكر محمد بن طفج بن جف، الملقب بالإخشيد، و كان بجانبه ميدان فيه الخيول، و له أبواب من حديد، فلما قدم جوهر القائد إلى مصر، جعل هذا

48

البستان من داخل القاهرة، و عرف ببستان كافور، و قيل له في الدولة الفاطمية البستان الكافوري، ثم اختط مساكن بعد ذلك.

قال ابن زولاق في كتاب سيرة الإخشيد: و لست خلون من شوّال سنة ثلاثين و ثلثمائة، سار الإخشيد إلى الشام في عساكره، و استخلف أخاه أبا المظفر بن طفج. قال:

و كان يكره سفك الدماء، و لقد شرع في الخروج إلى الشام في آخر سفراته، و سار العسكر، و كان نازلا في بستانه في موضع القاهرة اليوم، فركب للمسير، فساعة خرج من باب البستان اعترضه شيخ يعرف بمسعود الصابوني، يتظلّم إليه، فنظر له، فتطير به و قال: خذوه ابطحوه، فبطح و ضرب خمس عشرة مقرعة و هو ساكت. فقال الإخشيد: هو ذا يتشاطر.

فقال له كافور: قد مات. فانزعج و استقال سفرته و عاد لبستانه، و أحضر أهل الرجل و استحلهم و أطلق لهم ثلاثمائة دينار، و حمل الرجل إلى منزله ميتا، و كانت جنازته عظيمة، و سافر الإخشيد فلم يرجع إلى مصر، و مات بدمشق. و قال في كتاب تتمة كتاب أمراء مصر للكندي: و كان كافور الإخشيدي أمير مصر يواصل الركوب إلى الميدان و إلى بستانه في يوم الجمعة و يوم الأحد و يوم الثلاثاء، قال: و في غد هذا اليوم، يعني يوم الثلاثاء، مات الأستاذ كافور الإخشيدي، لعشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع و خمسين و ثلثمائة، و يوم مات الأستاذ كافور الإخشيدي، خرج الغلمان و الجند إلى المنظرة و خرّبوا بستان كافور، و نهبوا دوابه و طلبوا مال البيعة.

و قال ابن عبد الظاهر: البستان الكافوري هو الذي كان بستانا لكافور الإخشيدي، و كان كثيرا ما يتنزه به، و بنيت القاهرة عنده، و لم يزل إلى سنة إحدى و خمسين و ستمائة، فاختطت البحرية و العزيزية به اصطبلات، و أزيلت أشجاره. قال: و لعمري إنّ خرابه كان بحق، فإنه كان عرف بالحشيشة التي يتناولها الفقراء، و التي تطلع به يضرب بها المثل في الحسن. قال شاعرهم نور الدين أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن علي الينبعي لنفسه:

ربّ ليل قطعته و نديمي‏* * * شاهدي هو مسمعي و سميري‏

مجلسي مسجد و شربي من خض* * * راء تزهو بحسن لون نضير

قال لي صاحبي و قد فاح منها* * * نشرها مزريا بنشر العبير

أمن المسك؟ قلت ليست من المس* * * ك و لكنّها من الكافوري‏

و قال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد بن محمد الأسديّ الدمشقيّ، المعروف باليغموري: أنشدني الإمام العالم المعروف بجموع الفضائل، زين الدين أبو عبد اللّه محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي لنفسه، و هو أوّل من عمل فيها:

و خضراء كافورية بات فعلها* * * بألبابنا فعل الرحيق المعتّق‏

إذ نفحتنا من شذاها بنفحة* * * تدبّ لنا في كل عضو و منطق‏

49

غنيت بها عن شرب خمر معتّق‏* * * و بالدلق عن لبس الجديد المزوّق‏

و أنشدني الحافظ جلال الدين أبو المعز ابن أبي الحسن بن أحمد بن الصائغ المغربيّ لنفسه:

عاطني خضراء كافورية* * * يكتب الخمر لها من جندها

أسكرتنا فوق ما تسكرنا* * * و ربحنا أنفسا من حدّها

و أنشدني لنفسه:

قم عاطني خضراء كافورية* * * قامت مقام سلافة الصهباء

يغدو الفقير إذا تناول درهما* * * منها له تيه على الأمراء

و تراه من أقوى الورى فإذا خلا* * * منها عددناه من الضعفاء

و أنشدني من لفظه لنفسه أيضا:

عاطيت من أهوى و قد زارني‏* * * كالبدر وافى ليلة البدر

و البحر قد مدّ على متنه‏* * * شعاعه جسرا من التبر

خضراء كافورية رنحت‏* * * أعطافه من شدّة السكر

يفعل منها درهم فوق ما* * * تفعل أرطال من الخمر

فراح نشوانا بها غافلا* * * لا يعرف الحلو من المرّ

قال و قد نال بها أمره‏* * * فبات مردودا إلى أمري‏

قتلتني قلت نعم سيدي‏* * * قتلين بالسكر و بالبحر

قال: و أمر السلطان الملك الصالح، يعني نجم الدين أيوب، الأمير جمال الدين أبا الفتح موسى بن يغمور، أن يمنع من يزرع في الكافوري من الحشيشة شيئا، فدخل ذات يوم فرأى فيه منها شيئا كثيرا، فأمر بأن يجمع فجمع و أحرق. فأنشدني في الواقعة الشيخ الأديب الفاضل شرف الدين أبو العباس أحمد بن يوسف لنفسه، و ذلك في ربيع الأوّل سنة ثلاث و أربعين و ستمائة:

صرف الزمان و حادث المقدور* * * تركا نكير الخطب غير نكير

ما سالما حيا و لا ميتا و لا* * * طودا سما بل دكدكا (1) بالطور

لهفي و هل يجدي التهلف في ذرى‏* * * طرب الغنيّ و أنس كلّ فقير

أخت المذلة لارتكاب محرّم‏* * * قطب السرور بأيسر الميسور

جمعت محاسن ما اجتمعن لغيرها* * * من كلّ شي‏ء كان في المعمور

____________

(1) الدكداك: من الرّمل، ما التبد منه بالأرض و لم يرتفع. مختار الصحاح.

50

منها طعام و الشراب كلاهما* * * و البقل و الريحان وقت حضور

هي روضة إن شئتها و رياضة* * * يغنى بها عن روضة و خمور

ما في المدامة كلّها منها سوى‏* * * إثم المدام و صحبة المخمور

كلا و نكهة خمرة هي شاهد* * * عدل على حدّ و جلد ظهور

أسفا لدهر غالها و لربما* * * ظلّ الكريم بذلة الماسور

جمعت له الأشهاد كرما أخضرا* * * كعروسة تجلى بخضر حرير

زفوا لها نارا فخلنا جنة* * * برزت لنا قد زوّجت بالنور

ثم اكتست منها غلالة صفرة* * * في خضرة مقرونة بزفير

فكأنها لهب اللظى في خضرة* * * منها و طرف رمادها المنثور

جارى النضار على مذاب زمرّد* * * تركا فتيت المسك في الكافوري‏

للّه درك حية أو ميتة* * * من منظر بهج بغير نظير

أوذيت غير ذميمة فسقى الحيا* * * تربا تضمّن منك ذوب عبير

عندي لذكرك ما بقيت مخلدا* * * سح الدموع و نفثة المصدور

ذكر كافور الإخشيدي‏ (1)

كان عبدا أسود خصيا، مثقوب الشفة السفلى، بطينا قبيح القدمين، ثقيل البدن، جلب إلى مصر و عمره عشر سنين فما فوقها، في سنة عشر و ثلثمائة، فلما دخل إلى مصر تمنى أن يكون أميرها، فباعه الذي جلبه لمحمد بن هاشم، أحد المتقبلين للضياع، فباعه لابن عباس الكاتب، فمرّ يوما بمصر على منجّم فنظر له في نجومه و قال له: أنت تصير إلى رجل جليل القدر، و تبلغ معه مبلغا عظيما، فدفع إليه درهمين لم يكن معه سواهما، فرمى بهما إليه و قال: أبشّرك بهذه البشارة و تعطيني درهمين؟ ثم قال له: و أزيدك، أنت تملك هذه البلد و أكثر منه، فاذكرني.

و اتفق أنّ ابن عباس الكاتب أرسله بهدية يوما إلى الأمير أبي بكر محمد بن طفج الإخشيد، و هو يومئذ أحد قوّاد تكين أمير مصر، فأخذ كافورا و ردّ الهدية، فترقّى عنده في الخدم حتى صار من أخص خدمه.

و لما مات الإخشيد بدمشق، ضبط كافور الأمور و دارى الناس و وعدهم إلى أن سكنت الدهماء، بعد أن اضطرب الناس، و جهز أستاذه و حمله إلى بيت المقدس، و سار إلى مصر

____________

(1) في النجوم الزاهرة ج 4/ 3: الأستاذ: (لقب يطلب على الخصيان) أبو المسك كافور بن عبد اللّه الإخشيذي الخادم الأسود الخصي صاحب مصر و الشام و الثغور.

51

فدخلها. و قد انعقد الأمر بعد الإخشيد لابنه أبي القاسم أونوجور (1)، فلم يكن بأسرع من ورود الخبر من دمشق بأنّ سيف الدولة عليّ بن حمدان أخذها و سار إلى الرملة، فخرج كافور بالعساكر و ضرب الدباديب، و هي الطبول، على باب مضربه في وقت كل صلاة، و سار فظفر و غنم ثم قدم إلى مصر و قد عظم أمره، فقام بخلافة أو نوجور، فخاطبه القوّاد بالأستاذ، و صار القوّاد يجتمعون عنده في داره فيخلع عليهم و يحملهم و يعطيهم، حتى أنه وقع لجانك أحد القوّاد الإخشيدية في يوم بأربعة عشر ألف دينار، فما زال عبدا له حتى مات، و انبسطت يده في الدولة، فعزل و ولى و أعطى و حرم، و دعي له على المنابر كلها إلّا منبر مصر و الرملة و طبرية، ثم دعي له بها في سنة أربعين و ثلثمائة، و صار يجلس للمظالم في كل سبت، و يحضر مجلسه القضاة و الوزراء و الشهود و وجوه البلد، فوقع بينه و بين الأمير أونوجور، و تحرّر كل منهما من الآخر، و قويت الوحشة بينهما، و افترق الجند، فصار مع كل واحد طائفة، و اتفق موت أونوجور في ذي القعدة سنة تسع و أربعين و ثلثمائة، و يقال أنه سمّه. فأقام أخاه أبا الحسن عليّ بن الإخشيد من بعده، و استبدّ بالأمر دونه، و أطلق له في كل سنة أربعمائة ألف دينار، و استقل بسائر أحوال مصر و الشام، ففسد ما بينه و بين الأمير أبي الحسن عليّ، فضيّق عليه كافور و منع أن يدخل عليه أحد، فاعتل بعلة أخيه و مات، و قد طالت به في محرّم سنة خمس و خمسين و ثلثمائة.

فبقيت مصر بغير أمير أياما لا يدعى فيها سوى للخليفة المطيع فقط، و كافور يدبر أمر مصر و الشام في الخراج و الرجال، فلما كان لأربع بقين من المحرّم المذكور، أخرج كافور كتابا من الخليفة المطيع بتقليده بعد عليّ بن الإخشيد، فلم يغير لقبه بالأستاذ، و دعى له على المنبر بعد الخليفة، و كانت له في أيامه قصص عظام، و قدم عسكر من المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ من المغرب إلى الواحات، فجهّز إليه جيشا أخرجوا العسكر و قتلوا منهم، و صارت الطبول تضرب على بابه خمس مرّات في اليوم و الليلة، و عدّتها مائة طبلة من نحاس. و قدمت عليه دعاة المعز لدين اللّه من بلاد المغرب يدعونه إلى طاعته، فلاطفهم، و كان أكثر الإخشيدية و الكافورية و سائر الأولياء و الكتّاب قد أخذت عليهم البيعة للمعز، و قصر مدّ النيل في أيامه. فلم يبلغ تلك السنة سوى اثني عشر ذراعا و أصابع، فاشتدّ الغلاء و فحش الموت في الناس، حتى عجزوا عن تكفينهم و مواراتهم، و أرجف بمسير القرامطة إلى الشام، و بدت غلمانه تتنكر له، و كانوا ألفا و سبعين غلاما تركيا سوى الروم و المولدين، فمات لعشر بقين من جمادى الأوّل سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة، عن ستين سنة، فوجد له من العين سبعمائة ألف دينار، و من الورق و الحلي و الجوهر و العنبر و الطيب و الثياب و الآلات و الفرش و الخيام و العبيد و الجواري و الدواب ما قوّم بستمائة ألف ألف دينار،

____________

(1) في النجوم الزاهرة ج 4/ 3: معنى أنوجور بالعربية محمود.

انظر أيضا النجوم الزاهرة 3/ 334.

52

و كانت مدّة تدبيره أمر مصر و الشام و الحرمين إحدى و عشرين سنة و شهرين و عشرين يوما، منها منفردا بالولاية بعد أولاد أستاذه سنتان و أربعة أشهر و تسعة أيام، و مات عن غير وصية و لا صدقة و لا مأثرة يذكر بها، و دعي له على المنابر بالكنية التي كناه بها الخليفة، و هي أبو المسك، أربع عشرة جمعة، و بعده اختلت مصر و كادت تدمر حتى قدمت جيوش المعز على يد القائد جوهر، فصارت مصر دار خلافة، و وجد على قبره مكتوب:

ما بال قبرك يا كافور منفردا* * * بصائح الموت بعد العسكر اللجب‏

يدوس قبرك من أدنى الرجال و قد* * * كانت أسود الشرى تخشاك في الكثب‏

و وجد أيضا مكتوب:

انظر إلى غير الأيام ما صنعت‏* * * أفنت أناسا بها كانوا و ما فنيت‏

دنياهم أضحكت أيام دولتهم‏* * * حتى إذا فنيت ناحت لهم و بكت‏

خط الخرشتف: هذا الخط فيما بين حارة برجوان و الكافوري، و يتوصل إليه من بين القصرين، فيدخل له من قبو يعرف بقبو الخرشتف، و هو الذي كان يعرف قديما بباب التبانين، و يسلك من الخرشتف إلى خط باب سرّ المارستان، و إلى حارة زويلة، و كان موضع الخرشتف في أيام الخلفاء الفاطميين ميدانا بجوار القصر الغربيّ و البستان الكافوريّ، فلما زالت الدولة اختطّ و صار فيه عدّة مساكن، و به أيضا سوق، و إنما سمّي بالخرشتف لأنّ المعز أوّل من بنى فيه الاصطبلات بالخرشتف، و هو ما يتحجر مما يوقد به على مياه الحمامات من الأزبال و غيرها. قال ابن عبد الظاهر: الحارة المعروفة بالخرشتف كانت قديما ميدانا للخلفاء، فلما ورد المعز بنوا به اصطبلات و كذلك القصر الغربيّ، و قد كان النساء اللاتي أخرجن من القصر يسكنّ بالقصر النافعي، فامتدّت الأيدي إلى طوبه و أخشابه، و بيعت و تلاشى حاله و بني به و بالميدان اصطبلات و دويرات بالخرشتف، فسمي بذلك، ثم بنى به الأدر و الطواحين و غيرها، و ذلك بعد الستمائة، و أكثر أراضي الميدان حكر للأدر القطبية.

خط اصطبل القطبية (1): هذا الخط أيضا من جملة أراضي الميدان، و لما انتقلت القاعة التي كانت سكن أخت الحاكم بأمر اللّه بعد زوال الدولة الفاطمية، صارت إلى الملك المفضل قطب الدين أحمد بن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب، فاستقرّ بها هو و ذريته، فصار يقال لها الدار القطبية، و اتخذ هذا المكان اصطبلا لهذه القاعة، فعرف باصطبل القطبية، ثم لما أخذ الملك المنصور قلاوون القاعة القطبية من مونسة خاتون، المعروفة بدار إقبال ابنة الملك العادل أبي بكر ابن أيوب، أخت المفضل قطب الدين أحمد المعروفة

____________

(1) في النجوم الزاهرة 4/ 50: القطبية نسبة إلى قطب الدين الأفضل و هو من بني أيّوب.