ترحال في الجزيرة العربية - ج1

- جان لوئيس بوركهارت المزيد...
305 /
5

[الجزء الأول‏]

المحتويات‏

- مقدمة الترجمة 7

- تصدير المعد 15

- مقدمة المؤلف 23

الوصول إلى جدة 25

- الطريق من جدة إلى الطائف 80

- الإقامة فى الطائف 98

- الرحلة إلى مكة 116

- الوصول إلى مكة 124

- وصف مكة 133

- أحياء مكة 143

- وصف بيت الله 171

- ملاحظات تاريخية 205

- ملاحظات عن سكان مكة و سكان جدة 225

- حكومة مكة 270

- مناخ كل من مكة و جدة و أمراضهما 294

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تقديم المترجم‏

إذا كان بالجريف قام برحلته فى عام كامل و أسفرت عن كتابه المعنون:" وسط الجزيرة العربية و شرقها" الذى يقع فى جزأين، و من بعده دوتى الذى أمضى عامين فى الجزيرة العربية، و أسفرا عن كتابه المعنون:" ترحال فى صحراء الجزيرة العربية"، الذى يقع فى جزأين كذلك، و من بعد بالجريف و دوتى يجى‏ء فيلبى الذى أصدر كتابا بعنوان:" قلب الجزيرة العربية" (*) فى جزأين أيضا، فإن بوركهارت قد سبق كل هؤلاء فى العام 1810 م، و زار الجزيرة العربية ليؤلف كتابى:" تجوال فى الجزيرة العربية" فى جزأين، و" ملاحظات عن البدو و الوهابيين" فى جزأين أيضا، و الذى لم ينشر إلا فى العام 1928 م.

ترحال فى الجزيرة العربية

أحد الكتب القيمة التى ألفها واحد من أدق الرحالة، و أكثرهم علما، فضلا عن أنه أيضا من الرحالة المحدثين الذين يشيعون الأنس و الود فيما يكتبون.

الكتاب عبارة عن تاريخ للحجاز خلال عام 1810 م، أو إن شئت فقل إنه تاريخ للأرض المقدسة و المسلمين، و هذه المنطقة لم تكن معروفة فى أوروبا فى زمن بوركهارت. كما يشمل الكتاب أيضا وصفا لمدينة مكة [المكرمة]، و المدينة [المنورة]،

____________

(*) هذه الكتب الثلاثة من منشورات المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومى للترجمة، و كلها ترجمة صبرى محمد حسن.

8

و ينبع. و الكتاب يستثير فضول قارئه إلى أبعد حد ممكن، و بخاصة إذا ما عرفنا أن بوركهارت أقام فى تلك المدن على أنه مسلم بين أناس كان يعلم أن أحدا من الرحالة لم يستطع أن يكتب أى شى‏ء عنهم، و بخاصة غير المسلمين الذين لم يكن مسموحا ببقائهم فى البلاد. هذا الكتاب كنت أبحث عنه منذ زمن طويل، و لم أوفق إلا فى العثور على الجزء الثانى منه لدى كتبى عتيق يعيش خارج مصر.

يقسم بوركهارت الجزء الأول إلى اثنى عشر فصلا، أولها: الوصول إلى جدة.

و ثانيها: الطريق إلى الطائف. و ثالثها: الإقامة فى الطائف. أما الفصل الرابع فقد اختار بوركهارت له عنوان: الرحلة إلى مكة. و أعطى الفصل الخامس عنوان: الوصول إلى مكة. و أطلق على الفصل السادس عنوان: وصف مكة. أما الفصل السابع فقد تناول الرجل فيه وصف أحياء مكة. و خصص الفصل الثامن لوصف بيت الله. أما الفصل التاسع فهو عبارة عن: بعض الملاحظات التاريخية عن الكعبة و المسجد المكى.

و الفصل العاشر: ملاحظات عن سكان مكة و سكان جدة. و الفصل الحادى عشر خصصه المؤلف لحكومة مكة. و فى الفصل الأخير يتناول المؤلف مناخ و أمراض كل من مكة و جدة.

يقسم بوركهارت الجزء الثانى إلى عشرة فصول، أولها بعنوان: الرحلة من مكة إلى المدينة المنورة. و ثانيها بعنوان: المدينة المنورة. أما الفصل الثالث فعنوانه:

وصف المدينة المنورة. اختار بوركهارت للفصل الرابع عنوان: مزارات المدينة المنورة.

و أعطى الرجل الفصل الخامس عنوان: سكان المدينة المنورة. و الفصل السادس يتناول: حكومة المدينة المنورة. و الفصل السابع يقع تحت عنوان: سكان و مناخ و أمراض المدينة المنورة. و الفصل الثامن عنوانه: رحلة من المدينة المنورة إلى ينبع.

أما الفصل التاسع فقد اختار المؤلف له عنوان: ينبع، أما الفصل العاشر فعنوانه:

من ينبع إلى القاهرة.

يضاف إلى ذلك مجموعة الملاحق القيمة. التى ذيل بها المؤلف الكتاب.

9

مكانة بوركهارت بين الباحثين‏

فى عالم البحث و الباحثين، و بخاصة فيما يتعلق بمن جاءوا بعد بوركهارت، لا نجد اسما من بين أسماء أولئك الذين استكشفوا الجزيرة العربية، يستحق الثناء و التقدير أكثر من اسم بوركهارت، و هو لا يستحق كل هذا الثناء و التقدير على كبر اكتشافاته و زخمها (على الرغم من ادعائه الأولوية فى كثير من الأمور)، و إنما لأن ترحّل هذا الرجل غطى مساحة أقل من المساحة التى غطاها نيبور. لم يواجه بوركهارت أخطارا كبيرة، و لم يواجه صعوبات غير مسبوقة، و لم يدخل فى مغامرات تثير الدهشة و العجب. كان إبراهيم بن عبد الله (بوركهارت) واحدا من تلك الجماعة الصغيرة صاحبة الحكمة الحكيمة، و واحدا من أولئك الرحالة المستبصرين الذين يمضون فيما يفعلون بسهولة و يسر، فى الوقت الذى يكابد فيه رحالة آخرون المتاعب و المشاق، و لا يعلمون شيئا عن اللحظات المثيرة فى أرض يمكن أن تعمر بالمخاطر فى أى وقت من الأوقات. و إبراهيم بن عبد الله هذا يشهد و يقر أنه لم ينعم بالسلام و الطمأنينة إلا عند ما كان فى مكة، كما يشهد و يقر أيضا أنه لم يلاق فى الجزيرة العربية أحداثا أسوأ من الأحداث التى يمكن أن تقع لعابرى السبيل أو الحجاج العاديين فى الحجاز، و لو لا الأمراض الكثيرة التى أصابت جسمه لسجل لنا ذلك الرجل رواية مثيرة. كان إبراهيم بن عبد الله (بوركهارت) ضليعا فى الشريعة و الأعراف الإسلامية، و لم يكن ينكر أنه أوروبى، و لكنه كان يدعى ادعاء منطقيا بأنه مرتد عن دينه و دخل فى دين الإسلام منذ بضع سنين، و أن الرجل لم يفعل فى حياته اليومية أى شى‏ء غير ذلك الذى يفعله أى رجل من الرجال المتعلمين المستنيرين أصحاب الدين، كما كان الرجل يتكلم العربية بطلاقة، و كانت لغته العربية سليمة، يزاد على ذلك أن بوركهارت لم يهيئ الفرصة التى يمكن أن تمكن منه أيّا من الباشا المصرى الذكى، أو أهل المدينتين المقدستين الواعين المتنبهين، أو أولئك المتشددين الذين يتجمعون فى موسم الحج، أو البدو الأجلاف الذين صادفهم على الطريق.

بقى أن نقول أن بوركهارت كان يحكم على الأمور من وجة نظره الميثولوجية المحدودة و هذا ما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار.

10

فضل بوركهارت‏

الفضل المنسوب إلى بوركهارت لا يرجع إلى رؤية هذا الرجل لأشياء كثيرة فى الجزيرة العربية، و إنما للأشياء الكثيرة التى وقف عليها فى هذا العدد القليل من الأشياء التى رآها، و هذا راجع إلى رؤية الرجل الواضحة و استعداده الذهنى نتيجة دراسته للسلطات المحلية. عظمة بوركهارت لا تتجلى فيما هو جديد على العلم الغربى، و إنما فى أنه صادق و لا يزال صادقا و حقيقيا إلى الآن. كان بوركهارت الأول من بين رحالة الجزيرة العربية، الذى فهم مسألة التزام المستكشف باستخدام التقصى بكل أنواعه و صنوفه، كما أن قلة قليلة من المستكشفين هم الذين تركوا وراءهم شيئا قليلا لذلك الرجل الذى جاء بعدهم. يضاف إلى ذلك أن وصف بوركهارت لكل من جدة و مكة [المكرمة] إنما هو وصف موسوعى، الثمرة الطيبة لعين متأنية و فاحصة لم تغمض مطلقا عن الاهتمام بكل ما يتعلق بالبشر. و بيرتون عندما تحتم عليه تقديم روايته الخاصة لزيارته التى قام بها إلى العاصمة الدينية بعد ذلك بأربعين عاما لم يكن أمامه أفضل من الاقتباس عن بوركهارت، و عندما يجد بيرتون‏Burton ما يضيفه إلى الوصف الذى قدمه سلفه للمدينة [المنورة]، فإن السبب فى ذلك يكون راجعا إلى المرض الذى أصاب بوركهارت و أودى بحياته خلال عامين.

ليس لدينا ما يزيد على ما قلناه عن الرحلات الحقيقية التى قام بها بوركهارت فى الجزيرة العربية. كل ما فى الأمر أن الرجل ذهب مباشرة من جدة إلى الطائف، مارا بذلك على ركن من أركان مكة [المكرمة]، كما مر أيضا من فوق جبل قورة. و بعد أن تحسنت علاقته بمحمد على عاد فى ثوب التقوى و الدين إلى المدينة المقدسة ليكون فى انتظار مجى‏ء قوافل الحج. و بصحبة المؤمنين أدى الرجل فريضة الحج فى شهرى نوفمبر و ديسمبر، و لكن ضاعت منه فرصة العودة، و غادر مكة [المكرمة] مع بعثة الحج السورية، و كان السبب فى ذلك هو هروب الجمّالة المرافقين له و مع ذلك، عندما عثر الرجل على جماعة صغيرة متجهة إلى المدينة [المنورة] فى شهر يناير

11

من العام 1815 الميلادى، رافق تلك الجماعة على الطريق الساحلى وزار قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن يلازم الفراش إلى شهر إبريل. و بعد أن تعافى الرجل تراجع عن الرحلة البرية إلى مصر، لأنه كان يود زيارة الآثار الحجرية فى الحجر (مدائن صالح)، و وصل الرجل إلى ينبع، و منها استقل سفينة من السفن ليصل إلى القاهرة التى وافته المنية فيها.

بقى أن أقول إن الجزء الثانى مذيّل بملحق قيم يحتوى على الرسالة التى أرسلها محمد على باشا إلى المدينة [المنورة] يعلمهم فيها بانتصاره على الوهابيين، و رسالة أخرى أرسلها عبد الله بن سعود إلى طوسون باشا ولد محمد على بعد أن قرر مغادرة القصيم عائدا إلى المدينة [المنورة]. و الغريب فى الأمر أن رعاة بوركهارت يقولون إنه لديه الأصل العربى لهاتين الرسالتين. و هذا يعنى أن بوركهارت كان من المقربين إلى محمد على باشا، و هذه نقطة غاية فى الأهمية. كما تحتوى الملاحق على خطبة من خطب عبد الله بن سعود الدينية الموجهة إلى أهل مكة و هى تستحق الدراسة بعناية فائقة.

صبرى محمد حسن‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الخريطة

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

تصدير المعد

مضت الآن بضع سنوات على تقديم قسمين من مؤلفات بوركهارت (هما:

أسفار فى النوبة و سوريا) للجمهور، و استقبال الجمهور لهذين القسمين استقبالا لائقا. كان نجاح هذين الكتابين مؤكدا لا بحكم فائدتهما، و إنما بحكم شهرة من قام بإعدادهما للنشر؛ حيث إنه كان باحثا و أثريا، و رحالا و جغرافيا أيضا. و هنا يجب ألا ينظر إلى التأخر فى نشر هذين الجزأين على أن محتوياتهما أقل أو أدنى أهمية من تلك الأجزاء التى ثبتت أهميتها و غزارة مادتها عند جمهور كبير من القراء. كان قد تقرر لهذه اليوميات، و المؤلفات الأخرى لذلك المؤلف الذى لقى ربه، أن تصدر متتالية من المطبعة على حد قول العقيد ليك فى التصدير الذى كتبه لكتاب ترحال فى سوريا:

" كانت المخطوطات كافية لإصدار جزأين: جزء منهما خاص بأسفار الرجل فى الجزيرة العربية، التى كانت مقصورة على الحجاز أو أرض المسلمين المقدسة، ذلك الجزء الذى يصعب وصول المسيحيين إليه.

و فيما يتصل بذلك الجزء المعروض حاليا على القارئ، نجد العقيد ليك، يعبر فى موضع آخر عن رأى ينطوى على كثير من التملق. يقول العقيد ليك:" نقل بوركهارت إلى الجمعية أكمل رواية و أدقها عن الحجاز، بما فى ذلك مكة [المكرمة] و المدينة [المنورة]، و قد تمكن بوركهارت بفضل معرفته للغة العربية و العادات الإسلامية من انتحال شخصية المسلم انتحالا دقيقا، إلى حد أنه أقام فى مكة طوال فترة الحج، و أدى المناسك، دون أن يتطرق الشك إلى شخصيته". (راجع سيرة بوركهارت الملحقة بكتابه أسفار فى النوبة، طبعة عام 1819 م.

16

فى ضوء الاحتياج الشديد إلى هذه النوعية من الكتب، قام المعد القدير الذى سبق أن أشرف على مؤلفات بوركهارت السابقة، بتصحيح هذه المخطوطة فى بعض أجزائها، بحيث تصبح صالحة للنشر، لكن بعض المشكلات الأدبية المهمة التى حالت بين العقيد ليك و بين الإشراف على نشر هذا الجزء من الخطة التى سار عليها العقيد ليك، و بخاصة ما يتعلق بتعبير المؤلف عن مشاعره فى المناسبات كلها، و المحافظة على رشاقة الأسلوب، و اختيار المصطلحات، و على لغة المؤلف الأصلية فى المناسبات التى يتعذر فيها تماما الاتفاق مع عباراتنا و أساليبنا التعبيرية، و كذلك التراكيب النحوية الخاصة ببعض المصطلحات المسكوكة الأجنبية، التى تسللت إلى مؤلفاتنا الإنجليزية (*).

قد تبدو الخريطة الملحقة ببداية الكتاب غير ذات بال، من منطلق أن مواقع كل من جدة و مكة و المدينة، و كذلك ينبع، و هى المدن الرئيسية التى زارها بوركهارت فى الحجاز، سبق التعرف عليها من خلال خرائط سبق نشرها توضح ترحال الرجل فى كل من النوبة و سوريا. و لكن نظرا لأن قارئ هذا الكتاب سيكون بحاجة دوما إلى مرجع يعاود الرجوع إليه، فقد رأينا إيراد هذه الخريطة عوضا عن المؤلفين السابقين من مؤلفات بوركهارت هذه الخريطة جرى إعدادها بواسطة السيد سيدنى هول‏Hall ، الذى التزم فى تنفيذ الخارطة بكل ما أوصى به معد الكتاب: الذى جرى- بناء على توصية منه- تدوين أسماء الأماكن من الناحية الهجائية بطريقة بوركهارت بغض النظر عن اختلاف هذه الطريقة عن الطريقة المعتادة (**).

____________

(*) رأينا من باب الإسراع و التعجيل بإصدار الكتاب أن نورد الكلمات العربية الواردة فى النص الأصلى عقب الكلمة الإنجليزية مباشرة، و لكن ارتأينا فى النهاية وضعها فى نهاية الكتاب فى شكل فهرس، مع الإشارة إلى الصفحة التى وردت فيها الكلمة.

(**) من هنا نجد أن بعض الأسماء مثل‏Mekka كان يمكن أن تكون‏Mecca ، و الحجازHejaz ، وجدةJedda ، و نجدNajed يمكن أن تكون معبرة عن الأصوات الصحيحة فى هذه الكلمات:Hedjaz ،Djidda ، و نجدNadjed ، يضاف إلى ذلك أن هذا الهجاء أقرب ما يكون إلى الحروف العربية التى يجرى فيها استعمال حرف‏j الإنجليزى (كما هو فى كلمةJar ، و جيمس‏James ، إلخ) بدون إضافة حرف‏d ؛ و ذلك على الرغم من أن وضع حرف‏d قبل حرف‏j يمنع المواطن الفرنسى من نطقها على النحو الذى ترد عليه فى الكلمةJour (يوم)،jamais (مطلقا)، إلخ.

17

و عملا بنصيحة معد الكتاب، جرى فى الخريطة إدراج كثير من الأماكن الواقعة على الحدود الشرقية للحجاز، و ذلك من منظور بعض المواضع التى وردت فيها هذه الأماكن، و تطرق بوركهارت إلى ذكرها، على الرغم من عدم زيارته لها.

يزاد على ذلك أن مسألة عدم دخول هذه الأماكن ضمن منطقة الحجاز تعد أمرا شديد الوضوح، لكن إلى أى مدى يمتد إقليم الحجاز، تلك قضية لا يسهل تحديدها.

أضف إلى ذلك أن الصعوبة نفسها تتكرر فى مواضع مختلفة، و قد رجع معد الكتاب- من باب تأكيد تسليمنا بانفصال الحجاز عن مناطق الجزيرة العربية الأخرى- إلى عدد كبير من المؤلفين الأوروبيين و الشرقيين. و مع ذلك، لم يكن التحرى و الاستقصاء الذى قام به معد الكتاب أمرا طيبا أو مرضيا؛ و سبب ذلك أن بعض هؤلاء المؤلفين نسبوا إلى البلدان المحيطة مدنا بعينها و محطات بعينها، بل و أحياء بعينها، و أن هذه المدن و المحطات و الأحياء نسبها إلى الحجاز مؤلفون ثقات آخرون.

هذا الخلط يرجع فى بعض أجزائه إلى التصريحات المختلفة عن عدد و مدى و أسماء الأقسام الداخلة ضمن الاسم نفسه، فى الوقت الذى قد يكون الخطأ فيه من منظور المؤلفين الأوروبيين، واقعا ضمن الأقاليم الثلاثة الكبيرة: الحجرى، و الصحراء، أو اليمن السعيد، و إذا كان المؤرخون الشرقيون يقسمون المكان إلى قسمين، أو خمسة أقسام أو ستة أو سبعة أو أكثر من ذلك تحت مسميات لا علاقة لها بالكنى و النعوت التى أوردناها، و التى اقترضناها بدورنا من الإغريق و الرومان.

مسألة صعوبة، أو بالأحرى استحالة، تحديد كل منطقة من المناطق العربية تحديدا دقيقا، أمر يقره و يعترف به دانفيل ذلك الجغرافى الشهير، بسبب الخلط بين الإقليم الذى يشمل كلا من مكة و جدة و ينبع (و كلها على حد علمنا من مناطق الحجاز) و بين اليمن السعيد. (*) و هذا أيضا هو هربيلوت، فى أحد المواضع يقول إن‏

____________

(*) دانفيل، الجغرافيا القديمة.

18

الحجاز هو الجزيرة العربية، (*) و نراه فى موضع آخر يشير إلى الحجاز باعتباره صحراء الجزيرة العربية (**).

بعض المؤلفين الشرقيين يقسمون الجزيرة العربية إلى قسمين: اليمن و الحجاز، و بعض آخر يقسمونها إلى خمسة أقسام كبيرة: اليمن و الحجاز و نجد و تهامة و اليمامة. و قد أدرجت البحرين أيضا ضمن هذا التقسيم؛ كما جرى أيضا تسمية العارض على أنها منطقة من مناطق الجزيرة العربية، لكن يبدو أن العارض هذه مثل اليمامة تماما. يرى بعض المؤلفين أن حضرموت، و المهرة، و شيجر، و عمان، و التقسيمات الأخرى مناطق مستقلة، كما يخلط بعض المؤلفين الآخرين بين هذا، و المناطق و الأقاليم الأكبر منها مثل اليمن، الحجاز. بل تجرى إضافة نجد نفسها، فى كثير من الأحيان، إلى الحجاز.

فيما يتصل بحدود هذه المناطق، نجد أن الأقوال المتعارضة الصادرة عن كثير من الجغرافيين الشرقيين، أسفرت عن كثير من الخلط و التعارض؛ عند كل من الإدريسى، و أبى الفداء، و الميدانى، و ابن حوقل، و ابن الفارض، و آخرين. يقول السيد روميل، أحد المعلقين النجباء على أبى الفداء: تضطر" الجزيرة العربية" فى أحيان كثيرة إلى الاعتراف بصعوبة الوقوف على بداية التقسيم و على نهايته أيضا.

و فيما يتعلق بحدود الحجاز بصفة خاصة، نجد أبا الفداء يلزم الصمت، لكن يبدو أن رأى أبى الفداء، فى ضوء ما استطاع السيد/ روميل جمعه من الروايات المتفرقة عن‏

____________

(*) راجع المكتبة الشرقية حيث ورد الآتى: الحجازHegiaz أو-Higiaz اسم إقليم من أقاليم الجزيرة العربية، و نحن نطلق على هذه المنطقة اسم‏Pierreuse . و هذا ريتشاردسون فى معجمه العربى الفارسى يشرح الحجاز قائلا:" مكة و البلاد المجاورة لها". و هذا أيضا ديمترياس السكندرى الذى ترجم بعض أجزاء من جغرافية أبى الفداء إلى اللغة اليونانية، (طبع فيينا، فى العام 1807 الميلادى، 8 أجزاء) يقول أيضا إن الحجاز هو الجزيرة العربيةpetraea .

(**) منطقة تهامة و منطقة اليمامة ... نحن نسميها" الصحراء العربية". المكتبة الشرقية، مادة" عرب".

19

الأماكن التى فى هذه المنطقة و المناطق المجاورة، لم ينطبق فى كل الأحيان على ما قاله كبار الجغرافيين الآخرين‏ (*).

قد نتساءل عن السبب الذى جعل رحالنا البحاثة فى كل الأحيان لا يتعلم من أحد المواطنين النابهين الامتداد الدقيق للحجاز و الحدود الدقيقة له، و الرد على هذا السؤال نجده فى المقطوعة التى كتبها بوركهارت فى نهاية الكتاب، و التى هى موجهة للملاحق)، كما توضح هذه المقطوعة أيضا أن السكان أنفسهم لا يتفقون على مدلول اسم الحجاز و مداه. يقول بوركهارت:" الاسم حجاز لا يستخدمه بدو الجزيرة العربية بالمدلول المعتاد لهذا الاسم؛ البدو يقصرون دلالة الحجاز على المنطقة الجبلية التى تضم كثيرا من الوديان الخصبة الواقعة جنوبى الطائف، و الممتدة إلى مضارب سكن عرب عسير، التى تبدأ عندها زراعة أشجار البن على نطاق واسع. هذا هو التطبيق العام، أو إن شئت فقل: الدلالة العامة لذلك المصطلح بين بدو هذه البلاد، و حضر مكة و جدة يستعملون هذا المصطلح فيما بينهم بهذه الدلالة نفسها. لكنهم عندما يتحدثون مع الآخرين، الذين يحترمون أفكارهم، يسحبون دلالة هذا المصطلح على كل من الطائف، و مكة و المدينة المنورة، و ينبع، و جدة. و البدو يطلقون اسم الغور أو إن شئت فقل: الأرض الخفيضة، على المنطقة كلها الواقعة غربى الجبال من مكة إلى بدر و ينبع، فى حين نجد أن الجبال الواقعة شمالى الطائف يسميها البدو باسم حجاز الشام، أو بالأحرى حجاز الشمال‏ (**)".

____________

(*) راجع كتاب كريستوفورى روميل عن أبى الفداء طبع جوتنجاى فى العام 1802 الميلادى، أربعة أجزاء.

(**) هذا يؤكد اشتقاق الحجاز (التى وردت عند جوليوس‏(Golius من كلمة(ahhtedjezet) التى معناهاHhegiaz )، لكن آخرين يشتقون كلمة حجاز من الكلمة العربية" يحجز"، و سبب ذلك أن الحجاز يفصل نجد عن تهامة، أو لأن الحجاز يصل اليمن بسوريا، و هو (الحجاز) يقع فيما بينهما. و يجب أيضا النظر إلى الملاحظة بالغة القصر التى كتبها بوركهارت على أن لها قيمتها، و بخاصة أنها تجى‏ء على النحو التالى:" أنا أقدر سكان المنطقة التى يطلق عليها بصورة عامة اسم الحجاز، و التى تشمل أرض شريف مكة كلها، و أرض المدينة المنورة، و البلدان الواقعة فى هذه الأراضى، و كل القبائل البدوية، بما يصل إلى حوالى مائتين و خمسين ألف نسمة، و أنا على يقين أن هذا الرقم أزيد و ليس أقل من الرقم الصحيح، و القسم الأكبر من هؤلاء السكان من البدو الذين يعيشون فى الجبال، و بخاصة القبائل الكبيرة من بنى حرب".

20

و نحن إذا ما عدنا إلى الجزء الثانى من الكتاب، و بالتحديد فى صفحتى 287 و 288 نجد أن هناك ملاحظة خاصة بالاستعمالات المختلفة للاسم" حجاز" بين هؤلاء الذين يسكنون ساحل البحر، و أولئك البدو الذين يعيشون فى الداخل، و يتبدى لنا أن هناك شكوكا حول عدم دخول المدينة [المنورة] ضمن نجد باعتبارها أقرب إلى الحجاز.

محاولة تتبع حدود أى بلد من البلدان تتبعا دقيقا باستخدام العبارات القديمة التى من هذا القبيل لا تفضى إلى شى‏ء و تبوء بالفشل، ذلك الإقليم الذى يقع على حدود البحر الأحمر، و الذى نعرف أن المواطنين يطلقون عليه بشكل بيّن اسم" الحجاز"، موقّع على خرائطنا، و فى الخرائط المنشورة بهذا الاسم وحده، و أول حرف من هذا الاسم يوضع فى المكان الذى يقصد به المعد منطقة الحجاز، أما الحرف الأخير فهو يضعه فى المكان الذى يفصل الحجاز عن تهامة (*).

و أنا هنا أزكى لمن يبحثون عن أدق المعلومات الخاصة بالأماكن التى لا يعرف الناس عنها سوى النزر اليسير، ذلك السفر الذى وضعه بوركهارت، هو و البلاد التى أتى الرجل على وصفها فى هذا الكتاب، يقول السير وليام جونز:" منذ زمن [سيدنا] سليمان، و إلى يومنا هذا، لا تزال سلوكيات عرب الحجاز مستمرة و متواصلة، مع ذلك يتعين على من يقرأ هذا التصدير ألا يتراجع عن تتبع رواية بوركهارت الأصلية و المهمة عن الأماكن التى زارها، و روايته عن الطقوس غير العامية التى شهدها، و روايته أيضا عن البشر الذين عاش بينهم منتحلا شخصية المسلم" (**).

____________

(*) فى كتابه المعنون" أسفار سورية"، و فى الصفحة رقم 511 يقتبس بوركهارت عن المقريزى، المؤرخ المصرى قوله فى الفصل الذى أورده عن عيلةAila (أى العقبة):" من هذه المنطقة يبدأ الحجاز، فى الزمن السابق كان ذلك أحد الحدود الخاصة بالإغريق، إلخ".

(**) الإمبراطورية الرومانية، الفصل رقم 50، ملاحظة رقم 18.

21

فى الصفحة التالية نورد بعض الملاحظات المقتضبة التى دونها المؤلف على ورقة مستقلة، لكن من الواضح أنه كتب هذه الملاحظات لتكون مقدمة. من هنا يمكن القول إن كتاب أسفار فى الجزيرة العربية سيظهر بالشكل الذى أراده بوركهارت، و هذا هو ما وضعه المعد نصب عينيه طول الوقت.

وليام كيسلى‏

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

مقدمة المؤلف‏

اقتبست الكثير من صفحات هذه اليوميات عن بعض مؤلفات المؤرخين العرب، و هذه الكتب التى اقتبست عنها موجودة فى حوزتى، و يؤسفنى أنى لم تكن معى تلك المخطوطات فى الحجاز. أول مؤلّفين من تلك المخطوطات اشتريتهما من القاهرة، فور عودتى من الجزيرة العربية.

هذه المؤلفات، أو إن شئت فقل «المخطوطات» هى:

1- تاريخ مكة، الذى يعنونه مؤلفه أخبار مكة، و هو كتاب مكون من أربعة مجلدات، لمؤلفه أبى الوليد الأزرقى الذى اشتهر فى العام 223 الهجرى، و تتبع حوليات موطنه التاريخية إلى تلك الفترة. هذا الكتاب مهم جدا فى ضوء ملاحظاته الطبوغرافية و معرفة المؤلف الوثيقة بأحوال الجزيرة العربية قبل الإسلام. و المخطوط يبدو من الخط المستعمل فى تدوينه كأن عمره حوالى سبعمائة عام.

2- تاريخ مكة، المعنون العقد الثمين و هو يقع فى ثلاثة مجلدات، و هو من تأليف تقى الدين الفاسى، الذى كان هو نفسه قاضيا لمكة. هذا الكتاب التاريخى يصل إلى العام 829 الهجرى، و هو متضمن فى المجلد الأول، المجلدان الآخران يحتويان على نتف طريفة من سير مواطنى مكة البارزين.

3- تاريخ المسجد المكى، الذى يشتمل أيضا على تاريخ المدينة نفسها، و عنوان الكتاب هو: الإعلام هى أعلام بلد الله و يقع فى مجلد واحد. و مؤلف هذا الكتاب هو قطب الدين المكى، و يغطى الكتاب الفترة الممتدة إلى العام 990 الهجرى.

24

4- تاريخ الحجاز أو بالأحرى تاريخ مكة لمؤلفه العصمى. و ليس لدىّ من هذا الكتاب سوى المجلد الثانى، الذى هو مخطوط كبير، يشتمل على تسجيلات تاريخية من أيام بنى أمية إلى العام 1097 الهجرى. و لم أتمكن من تأكيد عنوان هذا الكتاب الزاخر بالكثير من المعلومات الثمينة. كان العصمى مؤلف الكتاب مواطنا من أهل مكة.

5- تاريخ المدينة المنورة و مسجدها. عنوان هذا الكتاب هو خلاصة الوفا، لمؤلفه نور الدين على بن أحمد السمهودى‏ (*)، و هو عبارة عن مجلد واحد، و يصل بتاريخ المدينة المنورة و مسجدها إلى العام 911 الهجرى.

____________

(*) بوركهارت يرجع إلى هذا المؤلف و يشير إليه فى صفحة 323 بالأحرف التى تفيد" الرجوع إلى السمهودى".

25

الوصول إلى جدة

كان وصولى إلى الحجاز محفوفا ببعض الظروف غير المواتية. و عندما دخلت مدينة جدة، فى صباح اليوم الخامس عشر من شهر يوليو من العام 1814 الميلادى، قصدت منزل شخص سبق أن حملت إليه خطاب توصية جرى تسليمه إلىّ، عندما رحلت عن القاهرة، فى شهر يناير من العام 1818 الميلادى، فى الوقت الذى لم أكن قد قررت تجديد ترحالى ليشمل الجزيرة العربية. و قد لقيت من ذلك الشخص استقبالا باردا؛ يبدو أن الخطاب كان بتاريخ قديم، مما جعله غير جدير بالاهتمام، و يبدو أن مظهرى المهلهل ربما يكون قد أثار الحذر فى نفس هذا الشخص حول مسألة التزامه أمام مراسليه، بأن يدفع لى مبلغا كبيرا من المال لحساب هؤلاء المراسلين. يزاد على ذلك أن الكبيالات و خطابات الائتمان يجرى العبث بها فى المعاملات المتبادلة بين التجار الشرقيين. من هنا فقد تلقيت من ذلك الرجل رفضا قاطعا، مصحوبا بعرض للسكن عنده. و قد قبلت ذلك العرض لليومين الأولين فقط، ظنا منى أن المعرفة الحميمة قد تقنع الرجل أننى لم أكن أفّاقا أو محتالا، لكنى عندما وجدت ذلك الرجل متشددا و غير مرن انتقلت إلى خان من الخانات العامة المنتشرة فى المدينة، و كان كل ما لدىّ من مال عبارة عن دولارين و بضع سكوينات كنت أحفظها فى محفظة كنت أحملها على ذراعى، لم يكن أمامى متسع من الوقت لكى أندب الحال الذى كنت عليه، و سبب ذلك أنى فى اليوم الرابع لوصولى إلى جدة أصابتنى حمى عنيفة، و قد تصادف ذلك مع انغماسى التام فى أكل الفاكهة الطازجة التى كانت تملأ أسواق جدة فى ذلك الوقت، هذه الحماقة التى أعتبرها ذنبا لا يغتفر، نظرا لنظام غذائى المعتدل طوال اثنى عشر شهرا، كما ترتبت على تلك الحماقة أيضا نتائج أكثر

26

سوءا عندما أصابنى الهذيان أياما عدة، و كان يمكن لصحتى أن تتدهور تماما، لو لا عون القبطان اليونانى الذى كان زميل سفر لى، اعتبارا من بلدة سواكن فى السودان. لقد شملنى ذلك القبطان برعايته فى فترة من أشد فترات مرضى، و قام الرجل بناء على طلبى، بإحضار حلاق، أو بالأحرى طبيب الأرياف، الذى شلّح مواضع جسمى لاستنزاف كمية كبيرة من الدم، على الرغم من تردده و رفضه، لأنه كان يرى أن علاجى الوحيد البديل عن استنزاف الدم، هو محلول من الخل و جوزة الطيب و القرفة. و خلال أسبوعين أصبحت قادرا على الحركة، و لكن الضعف الذى اعترانى و الوهن الذى رافق الحمى لم يستسلما للجو الحار الرطب فى جدة، و أنا أعرف أن شفائى التام كان بفضل مناخ الطائف المعتدل؛ و الطائف تقع فى الجبال الواقعة خلف مكة، و قد انتقلت بعد ذلك إليها.

سوق جدة يشبه إلى حد ما الأسواق الزنجية، التى يمكن فيها شراء مؤن و تموينات تكفى أسبوعين أو ثلاثة أسابيع بدولار واحد فقط، و هذه المؤن تقتصر على الذرة و الزبد. أسعار السلع هنا ارتفعت ارتفاعا كبيرا إلى مستويات غير عادية؛ نظرا لتوقف الواردات التى تأتى من داخل الجزيرة العربية توقفا تاما هنا، فى الوقت الذى يكسب السكان كلهم بما فيهم أرباب الأسر المحترمة، طوال مقامهم فى الحجاز، عن طريق العمل اليدوى، لكنى قبل اللجوء إلى هذا الملاذ الأخير كنت قد فكرت فى تجربة الانتقال إلى مكان آخر. واقع الأمر أنى كنت قد أحضرت معى رسالة تقديم و تزكية من محمد المحروقى‏ (*)، التاجر الأول فى القاهرة، إلى عربى الجيلانى، أغنى تجار جدة، لكنى كنت أعلم أن تلك الرسالة كانت عديمة الجدوى، نظرا لأنها لم تكن خطاب ائتمان؛ و لذلك آثرت عدم تقديم الرسالة لذلك الجيلانى‏ (**). قررت مؤخرا التحدث إلى الباشا، محمد على نفسه. كان محمد على باشا قد وصل إلى الحجاز فى أواخر

____________

(*) الشيخ المحروقى هو شيخ مشايخ التجار فى القاهرة. (المراجع)

(**) تعرفت بعد ذلك على ذلك الجيلانى فى مكة، و ما بدر منه أقنعنى بأنى لم أكن مخطئا فى تقييمى له فى مسألة مساعدتى باعتبارى غريبا فى بلده.

27

فصل الربيع من العام 1813 الميلادى، و كان مقيما فى الطائف فى ذلك الوقت، و الطائف هو المكان الذى أنشأ فيه محمد على مركز رئاسته الخاص بالجيش، الذى كان ينتوى استخدامه فى الهجوم على معاقل الوهابيين. كان قد سبق لى مقابلة الباشا مرات عدة فى القاهرة قبل سفرى إلى الوجه القبلى، و كنت قد أبلغته بهوسى و ولعى الشديد بالسفر (و هذا هو منطلق الوصف الذى وصفنى به فى الطائف بعد ذلك). و هنا ينبغى أن أسوق ملاحظة مفادها.، أنه نظرا لفقر تجار الوجه القبلى بشكل عام، فلا يرحب أحد منهم بكمبيالة أو صك يفيد السداد الفورى، فقد تحتم علىّ أثناء مقامى هنا، و من باب تسهيل حصولى على المال، أن طلبت إلى مراسلى فى القاهرة أن يدفع المبلغ الذى طلبته إلى خزانة الباشا، و أن آخذ منه إذنا مسحوبا على ولده إبراهيم باشا، الذى كان حاكما على الوجه القبلى فى ذلك الوقت، بأن يعيد دفع المبلغ إلىّ أنا شخصيا. و نظرا لأنه كانت لى بعض المعاملات المالية مع الباشا فقد خطر ببالى تجديد تلك التعاملات فى الحجاز دون أن أسبب للرجل ضيقا أو حرجا، و ليتنى أفعل ذلك، خاصة أن محمد على سبق أن أعرب عن رضاه عنى شخصيا و عن اهتماماتى. و بعد أن انتهت الحمى الشديدة و انحسرت، كتبت رسالة لطبيب الباشا، و هو أرمينى اسمه بوسارى‏Bosari ، كان وقتئذ مرافقا لسيده فى الطائف. رجوت ذلك البوسارى أن يضع حالى التعيس أمام الباشا، و أن يبلغه أن خطابى الائتمانى المسحوب على جدة لم يحظ بالقبول، و أن يسأل الباشا عما إذا كان مستعدا لقبول كمبيالة له مسحوبة على مراسلى فى القاهرة، و أن يأمر مسئول خزانته فى جدة بدفع الكمبيالة له إلىّ.

و على الرغم من أن الطائف لا تبعد مسير خمسة أيام عن جدة، فإن حال البلاد لم يكن يسمح إلا نادرا للمسافرين الخصوصيين بعبور الجبال فيما بين مكة

28

و الطائف، يضاف إلى ذلك أن القوافل التى كانت تنقل رسائل الناس كانت تتحرك على فترات تتردد ما بين ثمانية أيام و عشرة أيام، من هنا لم أكن أتوقع وصول رد على رسالتى قبل عشرين يوما. طوال هذه الفترة كنت أشغل وقت فراغى فى جدة فى تدوين محتويات أسفارى عن بلاد النوبة لكنى أحسست بشدة الحرارة فى ذلك الفصل من العام، و بخاصة فى ظل حال الضعف الذى كنت عليه، الأمر الذى جعلنى ألوذ بعد الساعات القلائل الصباحية بالظل الوارف الناتج عن بوابة الخان الكبيرة، ذلك الخان الذى كنت مقيما فيه، فى ظلال تلك البوابة كنت أمضى القسم الأكبر من النهار، مسترخيا على مقعد من الحجر. كان مراسل بوسارى فى جدة، الذى أرسلت من خلاله رسالتى إلى الطائف، قد أتى على ذكر اسمى أمام يحيى أفندى طبيب طوسون باشا ولد محمد على باشا، الذى كان فى ذلك الوقت حاكما لجدة، و قبل ذلك كان طوسون حاكما للوجه القبلى، يوم أن كنت أنا فى الوجه القبلى، لكنى لم ألق طوسون باشا عند ما كنت فى الوجه القبلى. هذا الطبيب سمع اسمى يتردد عندما كان فى القاهرة، صار يتطلع شغفا للقائى، و طلب إلى صديقى بوسارى أن يقدمنى إليه.

استقبلنى الرجل بأدب جم، و دعانى مرات كثيرة إلى منزله، و من خلال المزيد من الشروح و التفسيرات أصبح الرجل على علم باحتياجاتى، و بالخطوات التى أتخذها لعلاج مسألة الاحتياجات هذه. تصادف أن كان ذلك الرجل يستعد فى ذلك الوقت للقيام برحلة إلى المدينة المنورة بصحبة طوسون باشا، و كان الرجل يعيد كل أمتعته غير الضرورية إلى القاهرة، و مع هذه الأمتعة المعادة إلى القاهرة كان الرجل يود أن يحول لأسرته مدخرات العام الماضى التى تقدر بحوالى ثلاثة آلاف قرش (حوالى 100 جنيه إنجليزى)، كما كان الرجل عطوفا جدا عند ما عرض علىّ إعطائى المبلغ بناء على إذن مالى مسحوب على القاهرة، يدفع فورا عند الاطلاع، و تلك ميزة كان هو يعرفها جيدا؛ نظرا لأن تجار جدة لا يأمنون مطلقا لأولئك الذين يأخذون منهم أوامر الدفع أو الكمبيالات، العرض الذى من هذا القبيل لا يترتب عليه أى التزام فى البلدان التجارية الأوروبية، لكن فى الشرق و فى ظل الظروف التى كانت تحيط بى، كان ذلك العرض يعد أمرا غير عادى. و أضاف يحيى أفندى، أن بعضا من أصدقائه‏

29

كانوا قد رسموا لى شخصية جذابة عند ما كنت فى القاهرة، و من ثم فإنه لن يخامره الشك فى قدرتى على الوفاء بالدين، أو احترامى الذى تأكد منه بعد أن قرأ خطاب الائتمان الذى أحضرته معى. و لما كانت مسألة تقدمى للباشا فى الطائف أمرا غير مؤكد، فقد حدا ذلك بى على قبول عرض يحيى أفندى، و على الفور جرى دفع المبلغ لى مباشرة و جرى سحب الإذن، بعد ذلك بأيام قلائل رحل صديقى العزيز بصحبة طوسون باشا إلى المدينة المنورة، حيث سعدت بلقائه هناك للمرة الثانية فى مطلع العام التالى.

أصبح بحوزتى عندئذ مبلغ من المال لدرء كل مخاوفى من الفقر قبل أن تصل إلىّ إمدادات مالية جديدة من القاهرة (مصر)، بغض النظر عن مطالبى من الباشا، لكن المؤسف أن يحيى أفندى كان موجودا، و مع ذلك وصلنى رد على الرسالة التى سبق أن أرسلتها إلى الطائف. يبدو أن بوسارى، لم يكن يرغب فى إعلام الباشا بمطلبى، و ربما كان بوسارى خائفا مما يمكن أن يلحق بى لو أنى لم أوف بما وعدت به. كان الباشا قد علم قبل ذلك بوجودى فى جدة، و قد جاء ذلك العلم عن طريق شخص ثالث كان ضمن حاشية الباشا، و كنت قد التقيت به فى جدة، ثم حضر بعد ذلك إلى الطائف، و عند ما علم الرجل أنى أتجول فى أسمال مهلهلة، قام على الفور بإيفاد مراسل و معه جملين إلى محصل الجمارك فى جدة، المدعو سيد على أو جقلى، و الذى كان يتولى إدارة شئون المدينة كلها، و طلب إليه تزويدى بطاقم من الملابس و كيس نقود يحتوى على خمسمائة قرش على سبيل بدل سفر، و طلب منه ضرورة عودتى على الفور إلى الطائف بصحبة المراسل نفسه الذى حمل إليه الرسالة.

الدعوة الموجهة من باشا تركى تعد أمرا مهذبا. و عليه، و مهما كان ترددى فى الذهاب إلى الطائف فى ذلك الوقت، لم يكن أمامى خيار سوى الالتزام بما يريده الباشا بدلا من القرض، و لم يكن بوسعى رفض الملابس و النقود دون الإساءة إلى كبرياء الرئيس و استثارة غضبه، و بخاصة أنى كنت فى ذلك الوقت فى مسيس الحاجة

30

إلى الحصول على نعمه و رضاه‏ (*). و أنا أفهم معنى الحاشية، على الرغم من أن سيد على لم يكن على علم بفحوى تلك الحاشية، و لكنى فى هذا المسألة قررت أن أكون ندا للباشا و رجاله.

نظرا لأن الدعوة كانت أمرا ملحا و عاجلا، فقد اضطررت إلى مغادرة جدة فى مساء اليوم الذى وصل فيه المراسل إليها، و ذلك بعد تناول العشاء مع سيد على، بصحبة عدد كبير من الحجاج الذين جاءوا من سائر أنحاء العالم؛ و كان شهر رمضان قد دخل بالفعل و الناس هذا يكشفون فى شهر رمضان عن أقصى ما لديهم من كرم ضيافة، و بخاصة فى مائدة الإفطار بعد غروب الشمس. و لما كنت أتشكك فى بعض نوايا الباشا، فقد ارتأيت أن أحمل معى إلى الطائف كيسا مليئا بالنقود. من هنا، كنت قد غيرت ثلاثة الآلاف قرش التى أخذتها من يحيى أفندى إلى ذهب، و وضعت قطع الذهب فى حافظة حزامى. الشخص عند ما يكون لديه المال لا يخشى من وجوده بين العثمانيين، اللهم باستثناء خسارة مثل هذه النقود أو ضياعها، لكن خطر ببالى أنى قد أكون بحاجة إلى ما معى من مال، لدفعه على سبيل الرشوة أو لتسهيل رحيلى عن الطائف. و مع ذلك كنت مخطئا فى هذين الزعمين.

____________

(*) يرى بعض الناس أن قبول الهدايا من الباشوات إنما هو نوع من التشريف، و لكنى أنظر إلى هذا الأمر نظرة مختلفة، أنا أعرف أن الهدف الحقيقى لأى تركى من الأتراك من وراء تقديم الهدايا هو إما الحصول على ضعف هذه الهدية (و هذا لم يكن حالى) أو إشباع فخره و تباهيه أمام حاشيته بالكرم و السخاء مع شخص ينظر هو إليه باعتباره أدنى منه كثيرا من حيث المكانة أو القيمة. و أنا بنفسى شاهدت بعينىّ نظرات ذلك المعطى و نظرات أفراد شعبه فى مثل هذه الظروف، بل إنهم يعبرون عن مشاعرهم فى مثل هذه المناسبات بقولهم" انظر لقد رمى بكسرة خبز إلى ذلك الكلب!" قد لا يتفق معى فى ذلك سوى قلة قليلة من الأوروبيين، لكن معرفتى تسمح لى بتقديم هذا الرأى، و النصيحة الوحيدة التى يمكن تقديمها هنا للرحالة الذين لا يريدون الحط من قدرهم أمام أعين الأتراك، هى أن يكونوا دائما مستعدين و فى المناسبات التى من هذا القبيل لإعادة الجميل المقدم مضاعفا. و فيما يتعلق بى شخصيا، لم تتح لى فرصة تقديم الهدايا إلا نادرا خلال أسفارى، و كانت تلك الهدية الوحيدة التى أجبرت على قبولها.

31

سأورد هنا بعض الملاحظات عن كل من جدة و سكانها. جدة مقامة على أرض مرتفعة ارتفاعا طفيفا، و أكثر جوانب جدة انخفاضا هو ذلك الجانب الذى يلامسه البحر، و من ناحية شاطئ البحر نجد أن طول ذلك الجانب يصل إلى حوالى ألف و خمسمائة خطوة، فى حين أن العرض لا يزيد فى أى جانب من جوانب جدة على نصف هذه المسافة، أى ما يقرب من حوالى سبعمائة و خمسين خطوة. و جدة محاطة من ناحية البر بسور تجرى صيانته بشكل أو بآخر لكنه ليس قويا. هذا السور جرى بناؤه منذ سنوات قلائل فقط، عن طريق الجهد المشترك بين السكان أنفسهم الذين كانوا يعون أنهم ليسوا فى مأمن من الوهابيين فى وجود ذلك السور القديم شبه المهدم، و الذى بنى فى العام 917 الهجرى بواسطة قنصوه الغورى سلطان مصر (*). السور الحالى يعد حاجزا أمام العرب الذين ليست لديهم مدفعية، و على مسافة حوالى أربعين خطوة أو خمسين، تجرى تقوية السور بأبراج للمراقبة و بداخل الأبراج توجد بعض البنادق التى علاها الصدأ. و جرى حول ذلك السور حفر خندق ضيق، من باب تقوية دفاعات المدينة. من هنا نجد أن جدة تتمتع فى الجزيرة العربية بذيوع صيتها على أنها قلعة يصعب اختراقها أو اقتحامها. على شاطئ البحر و من أمام المدينة نجد أن السور القديم لا يزال باقيا على ما كان عليه من قبل، لكنه اعتراه التحلل و القدم. فى الطرف الشمالى و بالقرب من المنطقة التى يلامس البحر عندها السور الجديد نشاهد مبنى أو منزل حاكم المدينة، و فى الناحية الجنوبية توجد قلعة صغيرة، مركب فيها ثمانى بنادق أو عشر. و إلى جانب ذلك، هناك بطارية لحراسة مدخل البلدة من ناحية البحر، و للسيطرة على الميناء كله.

هنا فى هذا المكان نجد قطعة من المدفعية القديمة كبيرة الحجم، مركبا عليها دانة على شكل كرة تزن حوالى 500 رطل، و يذيع صيت هذه القطعة فى سائر مناطق البحر الأحمر إلى الحد الذى يجعل من هذه الشهرة الذائعة حماية لبلدة جدة نفسها.

____________

(*) راجع قطب الدين فى كتابه المعنون: تاريخ مكة.

32

يجرى الوصول إلى جدة من ناحية البحر عن طريق رصيفين، تقوم القوارب الصغيرة بنقل شحنات السفن الكبيرة إليهما؛ نظرا لاضطرار تلك السفن الكبيرة إلى الرسو فى المياه العميقة التى تبعد قرابة ميلين عن الشاطئ، و القوارب صغيرة الحجم التى يطلقون عليها اسم السّاى (و هى أصغر القوارب التى تبحر فى البحر الأحمر) هى الوحيدة التى تقترب من الشاطئ، هذان الرصيفان يغلقان يوميا عند غروب الشمس. هذا يعنى أن الاتصال يتوقف أثناء الليل بين البلدة و حركة الملاحة.

جدة من ناحية البر لها بوابتان: البوابة التى يقال لها باب مكة و توجد فى الجانب الشرقى، و البوابة التى يطلقون عليها اسم بوابة المدينة و هى فى الجانب الشمالى، و قد جرى مؤخرا إحداث بوابة صغيرة فى السور الجنوبى. المساحة التى يطوقها السور الجديد (و التى يقدر محيطها بحوالى ثلاثمائة خطوة) هو و البحر ليست كلها مغطاة بالمبانى، هناك قطعة عريضة من الأرض المفتوحة تمتد بطول السور الداخلى، كما أن هناك إلى جانب ذلك مساحة كبيرة من الأرض الخراب بالقرب من باب المدينة، و فى الطرف الجنوبى من جدة. و لما كنت قد عبرت تلك الأرض الفضاء أثناء قدومى من البوابة، فقد دخلت الضواحى التى ليس فيها سوى أكواخ بناها أصحابها من البوص و الغاب و الأخشاب و أغصان أشجار الأراك، و هذه الأكواخ التى تطوق المدينة من الداخل عبارة عن بنايات من الحجر. هذه الأكواخ لا يسكنها سوى البدو أو الفلاحين و العمال الفقراء الذين يعيشون هنا حياة البدو، هناك أحياء أو ضواح شبيهة بهذه الضاحية يعيش فيها أناس بالمواصفات نفسها فى سائر أنحاء الجزيرة العربية.

جدة من الداخل مقسمة إلى أحياء مختلفة، أهل سواكن الذين يترددون على هذا المكان يسكنون بالقرب من باب المدينة، و يسميها الناس حارة السواكنى. الناس هنا يعيشون فى منازل قليلة متواضعة، لكنهم يعيشون فى أكواخ بصفة أساسية، و الطبقة الدنيا من البشر هم الذين يلجأون إلى مثل هذه الأكواخ، كما تسكن فى تلك‏

33

الأكواخ أيضا نساء شعبيات كثيرات، كما يسكن الأكواخ أيضا تلكم النساء اللاتى يبعن ذلك المشروب المسكر الذى يسمونه البوظة. أما السكان المحترمون أصحاب الجاه فيسكنون بالقرب من البحر، حيث يوجد شارع طويل يمتد موازيا للشاطئ، و فيه صفوف من الدكاكين، و فيه أيضا حانات كثيرة لا يتردد عليها بصورة دائمة سوى التجار، بل و تكاد تكون مقصورة عليهم.

جدة مبنية بطريقة جيدة، و هى أفضل من أى مدينة تركية أخرى مساوية لها فى الحجم من بين المدن التى سبق أن شاهدتها. شوارع جدة غير ممهدة، لكنها واسعة و متجددة الهواء، و المنازل عالية و كلها مبنية بالحجر الذى يحضرون القسم الأكبر منه من شاطئ البحر، و المكوّن من المرجان المتشعّب و الحفريات البحرية الأخرى. كل منزل من منازل جدة مكون من طابقين و به نوافذ كثيرة صغيرة، و لكل نافذة شيش من الخشب يشكل استعراضا جميلا لصناعة خشبية يدوية. عند مدخل كل منزل من المنازل توجد صالة أو ردهة فسيحة، يجرى فيها استقبال الغرباء، هذه الردهة تكون رطبة بصورة مستمرة. توزع الغرف فى منازل جدة يكاد يكون هو التوزع نفسه فى المنازل المصرية و السورية، و لكن بفارق واحد هو أن جدة ليس فيها شقق كثيرة فارهة كما هو الحال فى كل من مصر و سوريا، اللتين ليس فيهما سوى منازل قليلة جدا مكونة من طابقين، فى حين تكون الغرف الموجودة فى الطابق الأرضى مرتفعة تماما عن مستوى الأرض، و بذلك يحدث فى كثير من الأحيان أن غالبية منازل الحجاز تكون حارة، اللهم إلا باستثناء ردهة المدخل. فى هذه الردهة، و فى وقت الظهيرة، يجلس رب البيت و معه مساعدوه و خدمه أو عبيده لقضاء فترة القيلولة (*). و نظرا لارتفاع تكلفة البناء فى جدة، فإن الاهتمام بالشكل الخارجى للمبنى لا يعول عليه كثيرا، إذ يعتمد على الأعمال الشبكية و النوافذ المنخفضة، هذه المنازل و النوافذ يجرى دهانها بألوان مبهرجة

____________

(*) على الرغم من أن النسيم العليل لا يهب إلا من ناحية الشمال لا يحاول أهل الجزيرة العربية الاستفادة من ذلك فى منازلهم كما هو الحال عند المصريين الذين يخططون لأن تفتح الغرف الرئيسية على الشمال.

يزاد على ذلك أن فتحات التهوية التى يحدثها المصريون فى شرف منازلهم كى توزع الهواء على المنزل بكامله، هذه الفتحات غير معروفة فى الحجاز.

34

من الداخل و الخارج. فى كثير من المنازل نجد أن الزوجة الأصلية تعيش فى جزء من المنزل، أما إماء الزوج الحبشيات فيسكنّ فى مساكنهن الخاصة بهن، هذا يعنى أن صلاحية المسكن هى التى يركز عليها أصحاب المنازل بدلا من الحجم أو الجمال، و مع ذلك، نجد فى مصر كثيرا من المنازل العادية فيها غرف متسعة و أنيقة.

التنسيق المعمارى أمر غير وارد فى جدة. بعض المنازل يبنيها أصحابها من الأحجار الصغيرة، و البعض الآخر يبنى باستعمال الأحجار الكبيرة مربعة الشكل، بحيث يكون السطح الأملس ناحية الخارج أما الداخل فيجرى حشوه بالطين. و فى بعض الأحيان قد تبنى الجدران كلها من الحجر، و كثير من المنازل يضع الناس فيها، على ارتفاعات تقدر بحوالى ثلاثة أقدام، طبقات من الألواح فى الجدار ظنا منهم أن هذه الألواح تزيد من قوة المبنى عند ملط الجدران بالجبس، يترك المملط الخشب بلونه الطبيعى، الذى يضفى على المبنى مظهرا بهيجا يسر الخاطر، كما لو كان المبنى بعدد كبير من الأحزمة. و لكن لون الحوائط الأبيض البراق يؤذى العين أثناء سطوع الشمس. السواد الأعظم من البوابات لها عقود مدببة، قلة قليلة من هذه العقود هى التى لها الشكل المستدير، و هذه العقود المستديرة لا ترى إلا فى بوابات المنازل الخاصة فى كل جزء من أجزاء مصر. جدة لا تراعى فيها طرز المبانى القديمة، و المعروف أن طبيعة المشبكات سرعان ما تتحلل إذا ما تعرضت للمطر و الجو الرطب السائد هنا فى جدة (*). يضاف إلى ذلك أن كثيرا من المساجد الصغيرة موجود فى جدة، و من بين هذه المساجد مسجدان كبيرا الحجم، و قد بنى الشريف سرور واحدا منهما. منزل الحاكم الذى ينزل فيه الشريف فى معظم الأحيان، عبارة عن بيت‏

____________

(*) يمكن القول بشكل عام إن جدة بلدة حديثة، و سبب ذلك أن أهمية جدة بوصفها سوقا للبضائع الهندية يرجع إلى بداية القرن الخامس عشر، على الرغم من أن جدة كانت تعرف منذ قديم الأزل فى التاريخ العربى على أنها ميناء لمكة المكرمة.

35

حقير، و بيت جابى الجمارك نفسه من هذا القبيل أيضا. فى جدة أيضا بعض الخانات العامة جيدة البناء، و هذه الخانات تقدم إعاشات جيدة، و التجار الأجانب يقيمون فى تلك الخانات أثناء مقامهم القصير فى جدة، بعض الميادين الكبيرة المفتوحة التى فيها ممرات ذات عقود، توفر ظلا باردا للتجار طوال الجزء الأكبر من النهار. و إذا ما استثنينا فترة الرياح الموسمية، نجد أن زائر جدة يستطيع الحصول على سكن خاص فى الأحياء النائية من المدينة، و سبب ذلك أن جدة تزدحم بالسكان فى فترة الرياح الموسمية. أفضل المساكن الخاصة فى جدة تملكها مؤسسة الجيلانى التجارية، هذا الجيلانى يعيش هو و أسرته فى ميدان صغير خلف الشارع الرئيسى.

هذا الميدان، أو المربع السكنى مكون من ثلاث بنايات كبيرة، و هى تشكل أعلى المساكن الخاصة و أكثرها راحة فى الحجاز كله. كل منزل من هذه المنازل له خزانه المائى الخاص به، و لكن نظرا لعدم انتظام المطر أو وفرته على النحو الذى يكفى لمل‏ء هذه الخزانات من أعالى سطوح المنازل (كما هو الحال فى سائر أنحاء سوريا) فإن تلك الخزانات يجرى تزويدها بالماء من الآبار التى تتكون مياهها من الأمطار خارج المدينة.

ماء هذه الخزانات لا يكفى استهلاك جدة مطلقا، و من ثم يعد الماء شيئا عزيزا فى جدة. القسم الأكبر من ماء الشرب فى جدة يجرى جلبه من بعض الآبار التى تبعد عن المدينة ميلا و نصف الميل فى الناحية الجنوبية من المدينة. واقع الأمر أن الماء يمكن العثور عليه على عمق خمسة عشر قدما، لكنه ليس طيب المذاق، بل غير صالح للشرب فى بعض الأماكن. بئران فقط هما اللتان توفران ماء يمكن أن يقال عنه إنه عذب، لكن هذا الماء يعد ماء ثقيلا، و إذا ما قدر له أن يبقى أربعا و عشرين ساعة فى إناء، فإنه يصبح عامرا بالحشرات. و نظرا لأن بئرا من هاتين البئرين عزيز و نادر، فهو يصعب الحصول عليه دون مساعدة صديق قوى، واقع الأمر أن عدد الأفراد اللازمين لجلب الماء من هاتين البئرين يتردد بين مائتى شخص و ثلاثمائة شخص، أما بقية سكان المدينة فيرضون لأنفسهم بالماء الذى يجرى جلبه من آبار أخرى، و سبب‏

36

اعتلال صحة الناس فى جدة ربما يكون راجعا إلى الماء. و نظرا لأن جدة تحمل اسم إحدى القلاع التركية، فنحن يحق لنا القول إن الآبار كانت تجرى حمايتها بقلعة من القلاع، لكن الأتراك أهملوا هذا التحوط، و عند ما خشى الناس فى شهر ديسمبر عام 1814 م. تقدم الوهابيين على جانب بلدة القنفذة، سارع حاكم جدة بمل‏ء خزانات المياه التابعة للمنازل الحكومية بمياه الآبار، و منع استعمال السكان لتلك الضرورة من ضروريات الحياة أياما عدة؛ نظرا لأن الرجل كان يستخدم إبل جلب الماء كلها لمصلحته هو. عدد كبير من تلك الآبار يدخل فى إطار الملكية الخاصة و تعود على أصحابها بدخول كبيرة.

جدة بلد بلا حدائق أو حياة نباتية من أى نوع كان، اللهم إلا باستثناء بعض النخيل الذى يجاور مسجدا من المساجد. و حتى خارج المدينة ترى الأرض كلها جرداء تغطيها قشرة ملحية من ناحية شاطئ البحر، و على المستوى الأعلى من ذلك تجد رمالا، هنا فى هذه الرمال توجد بعض الشجيرات و بعض أشجار السنط المنخفضة. تتزايد أعداد الآبار حول المدينة، و الماء الذى يجلب منها يستخدم فى أغراض الرى، لكن سكان جدة يعدون إقامتهم فى البلد مسألة مؤقتة، و هم مثل سائر سكان الحجاز، يكرسون كل اهتماماتهم للتجارة و جمع الثروات. و هم من هذا المنطلق لا يميلون إلى الترويح أو العمل بالمهن الريفية أكثر من أية سلالة أخرى من سلالات المسلمين الذين سبق أن عرفتهم.

فيما وراء باب مكة و بالقرب من المدينة، توجد أكواخ عدة يمر فى وسطها الطريق المؤدى إلى مكة. هذه الأكواخ يسكنها الجمالة الذين يتنقلون فى عملهم ما بين مكة و جدة، و يسكن هذه الأكواخ أيضا البدو الفقراء الذين يتعيشون من جمع الحطب من مسافات بعيدة فى الجبال، كما يسكنها أيضا الحجاج الزنوج الذين يتعيشون من هذه المهنة نفسها أثناء مقامهم فى جدة. فى هذا المكان ينعقد سوق الماشية الحية و الخشب و الفحم النباتى و الفواكه و الخضراوات، و كل ذلك يباع بالجملة لا بالقطعة. البن أيضا يباع هنا فى دكاكين صغيرة، لا يتردد الناس عليها إلا لفترة

37

قصيرة فى ساعة مبكرة من النهار، و الذين يترددون على هذه الدكاكين التى تبيع البن هم الطبقة المتدنية من التجار، الذين يجيئون إلى هنا لتصيد الأخبار القادمة من مكة، التى يحملها البريد كل صباح بعد شروق الشمس مباشرة. بعد هذه الأكواخ بميل واحد، و فى الناحية الشرقية من المدينة، يوجد مدفن جدة الرئيسى الذى يضم مقابر شيوخ متعددين، لكن هناك جبانات صغيرة محاطة بأسوار. و على بعد مسافة ميلين شمالى جدة يوجد قبر جدتنا حواء أم البشر، القبر على حد ما قيل لى عبارة عن حفرة فى الحجر طولها حوالى أربعة أقدام، و ارتفاعها حوالى قدمين أو ثلاثة أقدام، و عرضها حوالى قدمين أو ثلاثة أقدام أيضا، و بذلك يكون قبر حواء شبيها بقبر نوح الذى شاهدته فى سهل البقاع فى سوريا.

أثناء سيطرة الوهابيين على جدة كانت المدينة تمر بمرحلة تدهور؛ فقد تحولت بنايات كثيرة فيها إلى خرائب، و لم يبن أحد منزلا جديدا واحدا، و كسدت التجارة فى ضوء توقف مجى‏ء الحجاج من تركيا، و عزوف التجار عن إحضار بضاعتهم لبيعها فى جدة. و بعد تعافى المدينتين المقدستين، و بعد استعادة مواكب الحج و وصول الجنود يوميا إلى المدينة، و بعد عودة بعض التجار و أفراد الجيش، أدى ذلك إلى الإسراع فى استعادة مدينة جدة لحالها الذى كانت عليه من قبل. و يقدر عدد سكان جدة بحوالى اثنى عشر ألفا أو خمسة عشر ألفا فى الأشهر السابقة للحج، ثم بعد ذلك فى شهور الصيف التى تصادف موسم الرياح الموسمية، يحدث تدفق و تدافع من الأغراب على المدينة، الأمر الذى يجعل العدد يزداد ليبلغ ما بين ثمانية عشر ألفا، و اثنين و عشرين ألفا و نصف الألف.

سكان جدة شأنهم شأن سكان كل من مكة [المكرمة] و المدينة [المنورة] يكادون يكونون جميعا من الأجانب. هذا يعنى أن أحفاد العرب القدامى الذين سكنوا هذه المدينة، قد اندثروا على أيدى الحكام، أو أنهم عادوا إلى بلدانهم و مناطقهم. هؤلاء الذين يمكن وصفهم بأنهم و طنيون قلة قليلة من عائلات الأشراف، و كلهم من أصحاب العلم، و مرتبطون بالمساجد أو المحاكم، الجداويون الآخرون جميعهم من الأجانب‏

38

أو أحفاد لهم. هؤلاء الأحفاد منهم الحضارمة و منهم اليمنيون الذين يمثلون القسم الأكبر من سكان جدة. هناك جاليات من كل بلد من بلدان حضرموت و اليمن مستقرة فى جدة، و تربطهم تجارة رائجة بمساقط رءوسهم فى بلادهم. هناك ما يزيد على مائة أسرة هندية (و هى أصلا من سورات و مجموعة قليلة من بومباى)، كل هؤلاء مقيمون فى جدة، و يمكن أن نضيف إلى هذه الجاليات بعضا من أهل الملايو و بعضا آخر من أهل مسقط. هناك أيضا المقيمون من كل من مصر و سوريا و بارباى و من تركيا الأوروبية و من الأناضول، صور كل من هؤلاء و سماته يمكن أن يراها المتفحص فى وجوه أحفادهم الذين تحولوا إلى كتلة عامة مختلطة، و يعيشون بالطريقة العربية و يرتدون أيضا ثيابهم بالطريقة العربية. الهنود فقط هم الذين بقوا عرقا مميزا من حيث السلوكيات و الملابس و العمالة. ليس هناك مسيحيون مقيمون فى جدة، لكن هناك قلة قليلة من اليونانيين الذين يأتون من أرخبيل الجزر اليونانية بين الحين و الآخر، و يحضرون معهم من مصر بضاعة لبيعها فى سوق جدة. فى زمن الأشراف كان هؤلاء اليونانيون يجبرون على ارتداء ملابس محددة، و محرم عليهم الاقتراب من بوابة مكة، لكن بعد أن أصبح الأتراك سادة على الحجاز ألغوا هذه القيود، و أصبح بوسع المسيحى الآن التمتع بالحرية المطلقة هنا فى جدة، و إذا ما توفى المسيحى فإنه لا يجرى دفنه على الشاطئ (باعتبار هذه أرض مقدسة داخلة ضمن المدينة المقدسة أيضا)، و إنما يجرى دفنه فى جزيرة من الجزر الصغيرة الموجودة فى خليج جدة كان اليهود فى الأزمان السابقة يعملون سماسرة و وسطاء فى جدة، و لكنهم طردوا منها قبل أربعين عاما على أيدى سرور، الحاكم الذى جاء قبل الشريف غالب، و جاء ذلك نتيجة سوء تصرف البعض من هؤلاء اليهود. تراجع هؤلاء اليهود إلى اليمن أو إلى صنعاء. خلال موسم الرياح الموسمية يقوم بعض البنيانيين بزيارة جدة فى سفن هندية، لكنهم يعودون دوما مع تلك السفن و لا يبقى منهم أحد للإقامة فى جدة.

39

هذا الخليط من الأعراق فى جدة ناتج عن الحج الذى يقوم خلاله التجار الأثرياء بزيارة الحجاز و معهم صفقات كبيرة من البضاعة. بعض هؤلاء التجار يعجزون عن التعجيل بتحصيل مديونياتهم و تسوية حساباتهم، مما يضطرهم إلى البقاء عاما آخر، خلال هذه الفترة يسكن هؤلاء، حسب تقاليد البلاد و أعرافها، مع بعض الإماء الحبشيات اللاتى سرعان ما يتزوجونهن، و عند ما يجد هؤلاء التجار أنفسهم بصحبة أسرة يقتنعون بالبقاء فى جدة و الإقامة فيها. و بذلك نجد أن كل موسم من مواسم الحج يضيف أعدادا جديدة إلى السكان لا فى جدة وحدها، و إنما فى مكة أيضا، و هذا أمر ضرورى نظرا لأن معدل الوفاة فى المدينتين أعلى بكثير من معدل المواليد.

أهل جدة يكادون يكونون جميعا يعملون بالتجارة، و لا يمارسون أى نوع من الصناعات أو الحرف اللهم إلا باستثناء الأشياء الملحة من تلك الصناعات أو الحرف.

أهل جدة جميعا على وجه التحديد إما يعملون فى البحر، أو فى حرف البحر، أو يعملون فى حركة النقل فقط بالسفن مع الجزيرة العربية. و جدة تستمد أهميتها لا من كونها ميناء لمكة [المكرمة]، و إنما لأنها ميناء لمصر، أو الهند، أو الجزيرة العربية كلها؛ فكل صادرات هذه الدولة المتجهة إلى مصر تمر أول ما تمر من خلال أيدى تجار جدة. من هنا نجد أن جدة أغنى من أى مدينة مماثلة لها فى الممتلكات التركية. الاسم العربى لجدة معناه" الثراء أو الغنى"، و بذلك فهو اسم على مسمى بحق. و أهم تاجرين فى جدة هما: الجيلانى و السكّات، و هما من أصل مغربى‏ (*)، و قد استقر جداهما هنا فى جدة، و معروف أنهما يمتلكان ما يتردد بين مائة و خمسين ألف جنيه إنجليزى و مائتى ألف. هناك عديد من الهنود الذين جمعوا رءوس أموال مساوية لتلك التى سبقت الإشارة إليها، و هناك ما يزيد على اثنى عشر منزلا (بيتا) يمتلك كل واحد من أصحاب هذه البيوت ما يتردد بين أربعين ألف جنيه إنجليزى و خمسين ألفا. تجارة الجملة تجرى هنا بسهولة و يسر و تحقق أرباحا كبيرة، و يقل‏

____________

(*) مغربيين، بمعنى" سكان الغرب"، و هذا الاسم يطلقه عرب الشرق على مواطنى دول الباربارى.

40

فيها الغش و الخداع عن أى مكان آخر من أماكن الليفانت التى سبق أن قمت بزيارتها؛ و السبب الرئيسى وراء كل ذلك هو أن الصفقات كلها يجرى دفع أثمانها نقدا، و أن نسبة الفائدة قد تكون معدومة أو قليلة جدا. و يجب عدم تفسير ذلك على أنه راجع إلى شخصية التجار المشهورين بفساد ذممهم و ثرواتهم الكبيرة، و مع ذلك فإن طبيعة التجارة، و العادات الثابتة المتأصلة، كل ذلك هو الذى يجعل التجارة هنا أقل متاعب و تآمرا عنها فى أى بلد آخر من بلدان الشرق.

يمكن تقسيم تجارة جدة إلى فرعين رئيسيين هما: تجارة البن، و التجارة الهندية، و تجارة مصر لها علاقة بهذين الفرعين. السفن المحملة بالبن تأتى من اليمن على مدار العام دون الالتزام بفصل بعينه، و طوال الرحلة تحاول تلك السفن الإبحار بالقرب من الساحل، حتى تتمكن من الاستفادة من ميزة نسيم البر خلال الموسم الذى تسود فيه الرياح الشمالية، التى تجعل الإبحار فى منتصف المجرى أمرا صعبا. هذه السفن تتخلص من حمولتها نظير مبالغ من الدولارات، التى هى بمثابة السلعة الوحيدة التى يأخذها التجار اليمنيون مقابل ذلك البن. تجارة البن هذه تتعرض لتقلبات كثيرة، و يمكن اعتبارها شكلا من أشكال اليانصيب الذى لا يقبل عليه سوى هؤلاء الذين لديهم رءوس أموال كبيرة تحت تصرفهم، و الذين يقوون على تحمل الخسائر الكبيرة بين الحين و الآخر. كما كانت أسعار البن فى جدة يجرى تحديدها، بناء على توجيهات و نصائح من القاهرة، فإن هذا السعر يتباين مع وصول السفن التى تجى‏ء من السويس. أسعار البن فى السويس تعتمد على طلب بن المخا فى تركيا، و بذلك يكون ذلك السعر متقلبا أيضا. عند ما وصلت إلى جدة كانت أسعار البن خمسة و ثلاثين دولارا للوزنة التى مقدارها مائة ثقل، و بعد ذلك بثلاثة أسابيع انخفضت أسعار البن إلى أربع و عشرين دولارا، تأسيسا على معاهدة السلام بين إنجلترا و أمريكا، و على إثر توقع استيراد البن من غربى الهند بكميات كبيرة فى كل من سمرناSmyrna و إسطنبول. الطبيعة الخطرة لتجارة البن تحتم وجود كثير من التجار الذين لا يورطون أنفسهم فيها، اللهم إلا إذا كانوا يقومون بدور العملاء الوكلاء

41

بعض آخر من هؤلاء التجار يشحنون البن على حسابهم الخاص إلى القاهرة، حيث إن القسم الأكبر من تجارة البن فى أيدى تجار الحجاز المقيمين فيها. و على امتداد السنوات الست الماضية، نجد أن تجارة البن بين الجزيرة العربية و البحر الأبيض المتوسط، عانت معاناة كبيرة من استيراد البن من غربى الهند إلى الموانئ التركية، هذه الموانئ التى كان يجرى من قبل إمدادها بالبن الذى كان يأتى من المخا فى اليمن، ذلك البن الذى أصبح يتفوق عليه تماما بن غربى الهند، و بخاصة فى تركيا الأوروبية، و فى آسيا الصغرى، و فى سوريا. و اعتبارا من ذلك التاريخ أصدر باشا مصر تعليمات تقضى بمنع استيراد البن من غربى الهند، و عدم دخول ذلك البن إلى ممتلكات الباشا.

الاتجار فى البضائع الهندية آمن و أكثر ربحا من العمل فى تجارة البن.

و المعروف أن الأساطيل التى تأتى أصلا من كلكتا و سورات و بومباى تصل إلى جدة مع بداية شهر مايو، لتجد التجار مستعدين و جاهزين لها بالفعل، بأن جمعوا من الدولارات و السكوينات كل ما لا تسمح به ظروفهم، و ذلك من باب تمكين أنفسهم من الدخول فى صفقات الجملة فور وصول السفن. يزاد على ذلك أن تجار القاهرة أيضا يرسلون مبالغ كبيرة إلى جدة لشراء البضائع لحسابهم، و لكن القسم الأكبر من حمولات هذه السفن يشتريه تجار جدة، الذين يرسلون هذه البضاعة فيما بعد إلى القاهرة لتباع لحسابهم. و الأساطيل الهندية تعود إما فى شهر يونية أو يولية، و هذا هو الوقت الذى ترتفع فيه أسعار البضائع التى تجلبها تلك السفن‏ (*)، و عادة ما يحدث فى اليوم الذى تغادر فيه آخر السفن ميناء جدة أن يحصل التجار على ربح يعادل‏

____________

(*) تغادر السفن القادمة من البنغال جدة فى شهر يونية، و السفن القادمة من سورات و بومباى فتغادر جدة فى شهر يولية أو بداية شهر أغسطس. أما السفن القادمة من مسقط و من باسورة و كذلك سفن العبيد القادمة من ساحل موزمبيق فتصل إلى جدة فى ذلك الوقت تقريبا.

42

عشرة فى المائة من سعر الشراء. و مع ذلك لا يبيع التجار بضاعتهم، اللهم إلا إذا كانوا بحاجة إلى المال، و يفضلون الاحتفاظ بالبن و البضاعة فى مخازنهم لمدة أربعة أشهر أو خمسة، يتواصل خلالها ارتفاع الأسعار، و إذا ما آثروا الانتظار إلى حلول شهر يناير أو فبراير من العام التالى فإنهم يحققون مكاسب أكيدة تصل إلى ما يتردد بين ثلاثين فى المائة و أربعين فى المائة، و إذا ما نقل التجار جزءا من بضاعتهم إلى مكة لبيعها أثناء موسم الحج ازدادت أرباحهم أكثر و أكثر. طبيعة هذه التجارة هى التى تجعل جدة تزدحم بالناس أثناء بقاء تلك الأساطيل فى الميناء. الناس يحضرون إلى جدة من سائر أنحاء مناطق البحر الأحمر استهدافا لشراء الصفقات بالسعر الأول للبضاعة، يزاد على ذلك أن تجار مكة و ينبع و جدة يكنزون الدولارات التى فى حوزتهم لكى يستثمروها فى تلك المشتروات‏ (*). سبب آخر من أسباب أمان التجارة الهندية مع جدة، و زيادة الأرباح الناتجة عنها، هو وصول السفن التجارية مرة واحدة فى العام إلى جدة و فى فترة محددة، و هذا كله لا يستغرق سوى أسابيع قليلة، و بالتالى لا يكون هناك ما يمكن أن يسى‏ء إلى السوق. هذا يعنى أن سعر البضاعة يتحدد فى ضوء الطلب على كمية الواردات، و معروف أن هذا السعر لا يمكن أن ينزل مطلقا إلا بعد وصول الأسطول الذى يليه، أما فى تجارة البن فالوضع على العكس من ذلك تماما.

فى سوريا و مصر تستغرق مسألة عقد صفقة بين تاجرين قيمتها ألف دولار، أياما عدة و عمل ثلاثة أو أربعة سماسرة أو وسطاء. فى جدة تجرى المبيعات و المشتروات على شكل حمولات سفن كاملة و فى زمن يستغرق حوالى نصف ساعة، و يجرى دفع النقود فى اليوم التالى. و يجرى شحن هذه المشتروات التى تتم بهذه‏

____________

(*) حدث أن كنت حاضرا بعد مغادرة الأسطول الهندى مكة، عندما كان أحد التجار الأثرياء المحترمين يقوم بزيارة واحد من معارفى ليقترض مائة دولار، و هو يقول إنه وضع كل مليم فى البضائع الهندية التى لا يريد بيعها فى الوقت الراهن، و أنه لم يعد معه ما يكفى مصروفاته اليومية. هذا أمر دائم الحدوث بين هؤلاء التجار.

43

الطريقة عن طريق السفن إلى السويس، ليجرى بيعها فى القاهرة، و من القاهرة تنفذ كل تلك المشتروات لتشق طريقها إلى البحر الأبيض المتوسط. و تجى‏ء العائدات من تلك المشتروات إما على شكل بضائع يجرى تصريفها فى الحجاز، أو على شكل دولارات و سكوينات يجرى نقل كمية كبيرة منها كل عام إلى خارج جدة عن طريق الأسطول الهندى، و هذا بحد ذاته يعد سببا رئيسيا فى ندرة العملة الفضية فى مصر. سفن البن التى تأتى من اليمن تعود إلى بلادها حاملة بعض السلع القليلة المصنوعة فى مصر، مثل الملاءات (التى هى عبارة عن قماش قطنى مقلم أزرق اللون)، و قماش الكتان الذى تصنع منه القمصان، و السبح المصنوعة من الزجاج، لكن القسم الأكبر من المبيعات يكون بالنقد و ليس بالأجل.

لو قدر للسويس المشاركة فى التجارة الهندية بصورة مباشرة فسوف يؤدى ذلك إلى التقليل كثيرا من حالة الانتعاش التى تشهدها جدة، و هذا يعنى أن جدة سوف تعود إلى وضعها الحقيقى الذى ينبغى أن تكون عليه، أى ميناء الحجاز فقط، و ليس ميناء لمصر بالشكل الذى هى عليه الآن. كان من الطبيعى لأشراف مكة الذين فى أيديهم مقاليد الجمارك أن يعملوا من خلال كل الوسائل المتوفرة لديهم على جعل جدة مركزا للتجارة الهندية، حيث تشكل الجمارك المفروضة عليها المصدر الرئيسى لدخول هؤلاء الأشراف. السويس، على العكس من ذلك، لا توجد فيها رءوس الأموال الكبيرة بصورة مستمرة، و الجاهزة للدخول فى المشتروات، يزاد على ذلك أن القاهرة نفسها لم تكن قادرة على الدخول- على وجه السرعة فى أضعف الأحوال- فى التجارة الهندية، من باب الامتياز، لو قدر لتلك التجارة الانتقال إلى السويس. و سبب ذلك طبقا للأعراف و التقاليد القديمة التى يندر أن يتخلى الشرقيون عنها، هو أن الشراء بالنقد يكاد يكون غير معروف فى المعاملات التجارية فى تلك المدينة، أضف إلى ذلك أن البضائع الهندية، طبقا لهذه الأعراف و التقاليد، لاتباع فى هذه المدينة إلا بعمليات ائتمانية طويلة الأجل، و الذى لا شك فيه أن المال يمكن أن يشق طريقه فى الوقت المناسب إلى جدة، لكن القنوات التجارية كانت على نحو لا يسمح لأسطول السفن‏

44

التجارية القادم من الهند إلى السويس ببيع حمولته بطريقة مربحة أو حتى فى الوقت المناسب. سبب آخر من الأسباب التى هى لصالح جدة يتمثل فى أن السفن الهندية، على الرغم من أن السواد الأعظم منها يبحر حاملا العلم البريطانى فإن أطقم تلك السفن و قياداتها كانوا من أهل هذه البلاد، أى من العرب أو للّسكار (*)Las -cars . يزاد على ذلك أن هؤلاء البحارة و القباطنة يلزمون خط الملاحة الساحلى، الذى يسلكه كل من يبحرون فى البحر الأحمر، لذا يتعين على السفن المرور بكل من جدة و ينبع. و هذان الميناءان يتبعان شريف مكة، الذى يستطيع إجبار هذه السفن بسهولة و يسر على الرسو فى هذين الميناءين و دفع الرسوم، طبقا لما هو سار مع كثير من سفن البن المتجهة من اليمن إلى السويس. هذه الأسباب لم تعد قائمة، و سبب ذلك أن محمد على باشا والى مصر، بعد أن استولى على هذين الميناءين، و بعد استيلائه على جمارك الحجاز، قد ينقل جمارك جدة إلى السويس، و من السويس يمكن أن يكون هناك اتصال مباشر مع الهند. العقبة الرئيسية التى تعترض ذلك التغيير تتمثل فى غيرة تجار جدة و حقدهم، و جهل الباشا بمصالحه الخاصة، إضافة إلى الخوف من احتمال إغضاب سيده. و على الرغم من ذلك كان الباشا يفكر جديا فى تغيير النظام المعمول به، إلى النظام المعمول به فى أحد البيوتات الإنجليزية المحترمة فى الإسكندرية، و بخاصة أن هذا البيت قام بالتنسيق مع مراسليه فى بومباى فى عام 1812 م، عند ما لم يكن الحجاز فى أيدى الباشا، و تمكن من إبرام معاهدة مع الباشا تسمح للسفن الإنجليزية بالمجى‏ء مباشرة إلى السويس. على أن يؤمن الباشا انتقال‏

____________

(*) للّسكار: بحار أو خادم عسكرى أو جندى مدفعية فى جزر الهند الشرقية. لم يكن هناك قبطان إنجليزى واحد فى جدة طوال خمس سنوات، إلى أن وصلت السفينة ريسول‏Resoul فى العام 1814 الميلادى بقيادة القبطان بوآج‏Boag قادمة من بومباى و محملة بالأرز. السفن لا يجرى تشغيلها أو قيادتها بواسطة الإنجليز، كما أن قلة قليلة من التجار الإنجليز المقيمين فى الهند هى التى تتطلع أو تفكر فى الدخول فى تجارة البحر الأحمر، التى تكاد تكون مقصورة كلية على رءوس أموال التجار المسلمين فى كل من جدة و مسقط و بومباى و سورات و كلكتا، أما الأمريكان فيندر أن يذهبوا إلى أى ميناء آخر فى البحر الأحمر غير ميناء جدة. (المترجم)

45

التجارة عبر الصحراء إلى القاهرة. و قد حالت التقارير الواردة عن الحرب الوهابية، هى و الطرادات المعادية فى البحر الأحمر، بين التجار و الاستفادة من مزايا تلك المعاهدة إلى عام 1815 م، عند ما قامت السفينة المرسلة من بومباى بالوصول إلى السويس. و مع ذلك فإن الباشا الذى تصادف أن كان فى مكة يوم أن رست السفينة فى ميناء جدة، و ذلك فى انتهاك مباشر للترتيبات التى جرى الاتفاق عليها، لذا فقد أوقفت السفينة، و منعت من مواصلة رحلتها إلى السويس، و أجبر ربانها على بيع حمولتها بالخسارة، يوم أن كان الطاعون مستعرا فى جدة، و جرى تحصيل الرسوم من السفينة أسوة بسفن الدول الأخرى، و ذلك على العكس مما هو متفق عليه بين بريطانيا العظمى و الباب العالى. هذا الإجراء الذى أغضب تماما الأوروبيين، كان بالإمكان معالجته علاجا ناجحا، عن طريق الثأر من سفن الباشا التى تتاجر مع مالطة، الأمر الذى كان يمكن أن يلقن الباشا درسا فى احترام العلم البريطانى، و مع ذلك فإن الضباط البريطانيين، نتيجة جهلهم بقوة الباشا و أهميته من ناحية، و نتيجة أيضا لرغبتهم فى الإبقاء على علاقتهم الودية مع الرجل من ناحية ثانية، آثروا الصمت و تحمل الغضب، ناسين أن الحصول على حظوة الحاكم التركى لا تكون بالمهادنة و إنما عن طريق التحدى. و تأسيسا على ذلك كله اضطر التجار إلى توقيع معاهدة ثانية مع الباشا، جرى إقرارها رسميا من الطرفين. و كان طلب الباشا الأول فى تلك المعاهدة هو أن تدفع السفن فى السويس الرسوم مجمعة- أى عن ميناءى جدة و السويس- فى جمارك ميناء السويس، و كانت تلك الرسوم الجمركية تقدر بحوالى 12 فى المائة، لكنه وافق فى نهاية المطاف، على وعد بحوالى 9 فى المائة جمارك على الواردات الهندية كلها التى تصل إلى السويس، و كانت تلك الرسوم الجمركية أعلى بحوالى ستة فى المائة عن الرسوم التى يجرى تحصيلها من التجار الأوروبيين فى موانئ الباب العالى. كان مفترضا لهذه الإجراءات أن تؤدى إلى تجارة نشطة. لكن الباشا كان ميالا إلى المضاربة لحسابه الخاص، و جاءت مغامرته الأولى عندما أرسل إلى بومباى، فى ربيع العام 1816 الميلادى، لشراء فيل من الهند لتقديمه هدية للباب العالى فى إسطنبول. و مع ذلك كنت لا أزال أخشى ألا يحترم‏

46

المعاهدة الثانية مثلما فعل مع المعاهدة الأولى. و سبب ذلك أن جشع الرجل إذا لم تتم السيطرة عليه فلن يقف عند حد من الحدود، و قد يصل الأمر به إلى حد جباية رسوم إضافية، بالقدر الذى يسمح به ذلك الطريق التجارى الجديد، و ذلك عن طريق تهديد أمن الطريق من السويس إلى القاهرة، نظرا لأن بدو الصحراء المجاورة لذلك الطريق كانوا كلهم تحت أمر محمد على باشا و رهن إشارته.

كان حاكم جدة السابق (الشريف غالب) مشغولا تماما بالتجارة الهندية؛ كان الرجل صاحب سفينتين، حمولة كل منهما أربعمائة طن، و تعملان فى تجارة الهند، إضافة إلى سفن كثيرة أخرى صغيرة كانت تعمل فى تجارة البن مع اليمن. واقع الأمر أن الشريف غالب كان مضاربا واعيا و حصيفا فى كل أفرع تجارة البحر الأحمر البحرية. كان الرجل يفوق تجار جدة كلهم عن طريق الرسوم الثقيلة و المنافسة القوية، لكن لم يعرف مطلقا عن الرجل أنه كان يمارس الجباية على هؤلاء التجار. كان الرجل إذا ما اقترض ما لا أعاده فى الوقت المحدد، و لم يحاول مطلقا فرض إتاوات غير عادية على الأفراد، على الرغم من أنه كان يحصّل تلك الإتاوة من الطائفة أو الجالية كلها عن طريق زيادة الرسوم بطريقة تعسفية. كان الأمن الذائع الذى تمتعت به الممتلكات فى ظل حكم الشريف غالب هو الذى أقنع التجار الأجانب بزيارة ميناء جدة، حتى بعد أن أصبح الرجل يعانى معاناة شديدة أيام حكم الوهابيين. لم يكن سلوك الشريف غالب فى هذا الاتجاه ناتجا عن حبه للعدل و العدالة، لأنه كان حاكما مستبدا، و لأن الرجل كان يعرف جيدا أن التجار إذا ما خافوا و تركوا جدة، فإن المدينة ستصبح بلا قيمة. فى أواخر حكم الشريف غالب زادت الجمارك المفروضة على البن من دولارين و نصف الدولار، إلى خمسة دولارات على القنطار الواحد، أى ما يعادل خمسة عشر فى المائة من ثمن شراء القنطار. كانت الجمارك المفروضة على البضائع الهندية تتردد بين ستة فى المائة و عشرة فى المائة، طبقا لنوعية البضاعة. كان غالب، إذا لم يستطع على الفور بيع البن أو البضاعة الهندية المستورة لحسابه، يقوم بتوزيع حمولات سفنه بين التجار الوطنيين الموجودين فى جدة بالسعر السائد فى‏

47

السوق، و بكميات تتناسب مع إمكانيات كل تاجر من التجار، الذين كانوا يجبرون على دفع الثمن نقدا. لم يكن الشريف غالب الوحيد الذى يفعل ذلك، فى مصر على سبيل المثال، كان الباشا يقوم فى معظم الأحيان بتوزيع البن على التجار و بفارق واحد عن الشريف غالب، و هو أن السعر الذى كان يحصله الباشا يكون دوما أعلى من سعر السوق الحقيقى.

حركة المال و الأعمال فى جدة تجرى من خلال الممارسة و الوسطاء الذين هم فى معظمهم من الهنود من أصحاب رءوس الأموال الصغيرة، و سيئى السمعة.

عدد السفن المسجلة فى ميناء جدة كبير جدا. و نحن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار السفن الصغيرة كلها المستخدمة فى تجارة البحر الأحمر، نجد أن هناك حوالى مائتين و خمسين سفينة إما مملوكة لتجار المدينة، أو لملاكها الذين يتولون تشغيلها، و الذين ينظرون إلى ميناء جدة باعتباره منزلا أو موطنا لهم. و الأسماء المختلفة التى تطلق على هذه السفن، و التى من قبيل السّاى، و السيوم، و المركب، و السمبوك و الدهو، كلها توحى و تعبر عن أحجام هذه السفن و الدهو هو أكبر هذه السفن، و هو الذى يقوم بالرحلات إلى الهند. هذه السفن يجرى أصلا تشغيلها بواسطة أناس من اليمن، و من الساحل الصومالى (المقابل لعدن، فيما بين الحبشة و رأس جوارادافيو(Guaradafui ، و من العبيد الذين يوجد منهم ثلاثة أو أربعة على أقل تقدير فى كل مركب من المراكب. يحصل الطاقم على مبلغ معين نظير كل رحلة، يضاف إلى ذلك أن كل بحار من البحارة يعد فى الوقت ذاته تاجرا من تجار التجزئة و يعمل لحسابه الخاص، و هذا سبب آخر من أسباب لجوء الأجانب إلى جدة خلال موسم الرياح التجارية، من المنبع مباشرة، عن طريق أطقم هذه السفن. فى جدة لا يجرى بناء أى نوع من أنواع السفن بسبب ندرة الأخشاب، واقع الأمر أن من الصعوبة بمكان- على الوسائل اللازمة لإصلاح السفن. ينبع نفسها تعانى من هذه المسألة. السويس و الحديّدة و المخا هى الموانئ الوحيدة فى البحر الأحمر، التى يجرى فيها بناء السفن، و الخشب الذى يجرى استعماله فى السويس ينقل إليها برا

48

من القاهرة، و يأتى أصلا من سواحل آسيا الصغرى‏ (*). أما الخشب الذى يستعمل فى الحديّدة و فى المخا فيأتى جزء منه من اليمن، أما الجزء الثانى فيأتى من الساحل الإفريقى. و يجرى شراء كثير من السفن من بومباى و من مسقط، أما السفن التى يجرى بناؤها فى السويس فيشيع استعمالها فى البحر شمالى اليمن. كانت الحاجة ماسة إلى السفن فى جدة على امتداد السنوات الثلاث الأخيرة، و سبب ذلك هو استيلاء الباشا على عدد كبير من السفن، و إجبار أصحابها على نقل المؤن و الذخيرة و الأمتعة من مصر إلى الحجاز، نظير ناولون (رسوم نقل) منخفضة جدا. أثناء مقامى فى جدة، لم يمض يوم واحد دون أن أشاهد وصول بعض السفن القادمة من ينبع و من القصير، و كانت فى الميناء بصفة مستمرة مجموعة من السفن لا يقل عددها بحال من الأحوال عن حوالى أربعين سفينة أو خمسين. هناك ضابط يلقبونه بأمير البحر يعمل رئيسا للميناء، و يتقاضى من كل سفينة من السفن مبلغا محددا نظير رسوها فى الميناء. كانت تلك الوظيفة تحظى باحترام كبير فى زمن الشريف غالب، لكنها أصبحت عديمة القيمة و القدر فى هذه الأيام. و لقد اندهشت عندما وجدت أن ميناء مطروقا مثل ميناء جدة، كان خاليا من قوارب النزهة بكل أنواعها، و أن الميناء كان خاليا أيضا من بحارة القوارب العامة، لكنى عرفت أن ذلك كان راجعا إلى غيرة ضباط الجمارك الذين كانوا يمنعون القوارب التى من هذا القبيل، بل كانوا يصرون على عودة قوارب السفينة إليها عقب غروب الشمس مباشرة.

جدة ليست لها تجارة برية مع أى مكان سوى المدينة المنورة و مكة [المكرمة].

هناك قافلة تتجه من جدة إلى المدينة المنورة مرة واحدة كل أربعين يوما أو خمسين، حاملة إليها البضاعة و العقاقير الهندية، و غالبا ما تكون مثل هذه القافلة مصحوبة

____________

(*) القلاع المستخدمة هنا فى سائر أنحاء البحر الأحمر كلها صناعة مصرية، أما الحبال فهى تصنع من ليف النخيل، و السفن التى تأتى من جزر الهند الشرقية تكون حبالها مصنوعة من ألياف نخيل جوز الهند، التى يجرى إحضار كميات منها لبيعها هنا فى جدة.

49

بعدد من الحجاج الذاهبين إلى المدينة المنورة لزيارة قبر [سيدنا] محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

القافلة التى من هذا القبيل تتكون من عدد من الإبل يتراوح بين ستين جملا و مائة جمل، و يقودها بدو حرب. و مع ذلك، فإن التواصل بين جدة و المدينة المنورة يغلب أن يتم عن طريق واحد من الطرق، يسمونه طريق ينبع الأوسط، و يجرى بواسطة شحن البضاعة بالبحر من ينبع. و علاوة على القوافل سالفة الذكر، هناك بعض القوافل الأخرى التى تتجه إلى مكة مساء كل يوم، أو مرتين كل أسبوع فى أضعف الأحوال، و تكون تلك القوافل محملة بالمؤن و التموينات، و طوال الأشهر الأربعة التى تسبق الحج، و هو الوقت الذى تجلب فيه السفن القادمة إلى جدة الحجاج استعدادا لأداء فريضة الحج. تتزايد الحركة فى جدة أكثر و أكثر، و هنا تبدأ القوافل فى الخروج بصورة منتظمة من البوابة التى يطلقون عليها اسم باب مكة، مساء كل يوم بعد غروب الشمس مباشرة. و الإبل المحملة تستغرق ليلتين فى هذه الرحلة، و تحصل على قسط من الراحة أثناء النهار فى منطقة الهدا التى تقع فى منتصف الطريق، و إلى جانب هذه القوافل، هناك قافلة حمير أخرى تكون محملة بأحمال خفيفة، و هى الأخرى تبدأ أيضا مساء كل يوم عقب غروب الشمس، و تقطع الرحلة التى تستغرق ما بين خمس عشرة ساعة أو ست عشرة فى ليلة واحدة؛ إذ تصل قافلة الحمير هذه بصورة منتظمة إلى مكة فى مطلع الصباح الباكر (*). قافلة الحمير هذه هى التى يجرى بواسطتها نقل الرسائل فيما بين المدينتين، و فى زمن السلم يلتقى الناس القوافل على شاطئ البحر فى اتجاه اليمن، و فى داخل تهامة، و فى المخواه التى يجرى استيراد أو جلب القمح منها. (راجع الملحق رقم 5 عن جغرافيا الحجاز).

____________

(*) فى حالة توفر الإبل يجرى تأجير الجمل الواحد للقيام برحلة من جدة إلى مكة نظير ما يتردد بين عشرين قرشا و خمسة و عشرين قرشا. و عندما تتوفر الإبل، أو بالأحرى و مع اقتراب موسم الحج، يتردد هذا المبلغ بين ستين قرشا و سبعين قرشا. و أثناء مقامى فى جدة كان إيجار الحمار من جدة إلى مكة يقدر بحوالى عشرين قرشا. هذه الأسعار تعد مرتفعة جدا فى أى مكان آخر فى الليفانت؛ الجمل الذى يقطع المسافة من القاهرة إلى السويس يحصل صاحبه على خمسة عشر قرشا، و المسافة بين السويس و القاهرة تقدر بضعف المسافة التى بين جدة و مكة.

50

الحصر الذى أورده هنا للدكاكين المختلفة الواقعة فى الشارع الرئيسى فى جدة قد يلقى شيئا من الضوء على تجارة هذه البلدة، و على أسلوب الحياة التى يحياها سكان هذه البلدة.

الدكاكين هنا (شأنها شأن الدكاكين فى سائر أنحاء تركيا) تكون مرتفعة أقداما عدة عن مستوى الأرض، و تكون لها مصطبة من الحجر بارزة فى الشارع، ليجلس عليها المشترون. هذه المصطبة تكون محمية من أشعة الشمس بواسطة مظلة، عادة ما تكون مصنوعة من الحصير المثبت فى أعمدة عالية. كثير من الدكاكين يكون عرضها حوالى ستة أقدام أو سبعة من الأمام، أما عمق المحل فيتراوح بين عشرة أقدام و اثنى عشر قدما، و تكون للدكان غرفة خاصة أو إن شئت فقل مخزن فى الخلف.

هناك نحو سبعة و عشرين مقهى فى الشارع. الناس فى الحجاز يبالغون فى شرب القهوة، و لا يعد الأمر غريبا إذا ما شرب الرجل هنا ما يتردد بين عشرين كوبا و ثلاثين كوبا من القهوة فى اليوم الواحد، و أفقر العمال هنا لا يقل شربهم قهوة القشر، عن ثلاثة أكواب أو أربعة فى اليوم الواحد، و فى قلة قليلة من المحلات يمكن شرب قهوة القشر؛ و القشر هنا هو عبارة عن القشرة التى تغطى حبة البن، و يقدر أن تكون أدنى مذاقا من مذاق حبة البن نفسها. هذا واحد من الدكاكين التى يرتادها مرارا أولئك الذين يدخنون الحشيش الذى هو عبارة عن توليفة من زهور نبات القنب و التبغ، التى ينتج عنها نوع من الفتور فى العقل و الإدراك. و الحشيش لا يزال يستعمل‏ (*) بكثرة فى مصر و بخاصة بين الفلاحين.

____________

(*) يستخدم الناس لهذا الغرض، من زهور القنب، تلك الأوراق الصغيرة التى تحيط بالبذور، و هم يطلقون على هذه الأوراق اسم (الشرانق)، عامة الناس يضعون بعضا من تلك الشرانق مع التبغ الذى يعمرون به غلايينهم. أما الطبقات الراقية فيأكلون تلك الشرانق على بالوظة أو معجون يضعونه بالطريقة التالية: يجرى خلط العصير الناتج عن هذه العملية بشى‏ء من عسل النحل، و العقاقير الأخرى حلوة الطعم، و يباع فى مصر على الملأ، فى دكاكين مخصصة لهذا الفرض. و الناس يطلقون على معجون الحشيش اسما مؤدبا هو" البهجة"bast أما من يبيعون ذلك المعجون فيسمونهم" المبهجون"basty . و فى مناسبة الاحتفال بزواج الأبناء، و بخاصة أبناء الأعيان و علية القوم فى القاهرة، و عند ما يجرى الاحتفال بالمهن و الحرف المختلفة فى البلدة، تجد المبهجين بين هؤلاء الأعيان، على الرغم من معرفتهم أنهم يمارسون عملا غير قانونى. كثير من أصحاب المراتب يستعملون" البهجة" بشكل أو بآخر، هذه البهجة تنبه الحواس و تستثير الخيال مثل الأفيون تماما. بعض الناس يخلطون المعجون ببذور البانجو التى تأتى من سوريا.

51

فى كل هذه الدكاكين ترى الناس و هم يدخنون النرجيلة (الشيشة) الفارسية التى تنقسم إلى ثلاثة أنواع:

1- القدرة و هى أكبر هذه النرجيلات، و هى ترتكز على حامل ثلاثى، و يجرى تقديمها بطريقة أنيقة جدا، و لا وجود لها إلا فى المنازل و البيوتات الخاصة.

2- الشيشة (و يسميها الناس الأرجيلة فى سوريا)، و هى أصغر حجما من القدرة، و يتصل بها أنبوب حلزونى طويل (يسمونه اللّى)، و هو الذى يجرى من خلاله شفط الدخان.

3- البورى و له بوصة سميكة تقوم بدور الأنبوب الحلزونى، هذا الغليون هو الرفيق الدائم لأفراد الطبقات الدنيا، و رفيق كل بحارة البحر الأحمر المتيمون باستعماله، و التبغ الذى يجرى تدخينه فى كل من القدرة و الشيشة يأتى من الخليج الفارسى، و أفضل أنواع التبغ تلك التى تأتى من شيراز. هناك نوع أقل جودة من هذا التبغ (يسمونه التمباك) و هو يأتى من البصرة و من بغداد. و ورقة التمباك لونها يميل إلى الاصفرار، و هو أقوى من التبغ العادى، و يجرى غسل التمباك قبل استعماله للتخفيف من قوته. و التمباك الذى يستعمل فى البورى يأتى من اليمن، و هو من النوع نفسه الذى يأتى من البصرة و بغداد، لكنه أقل منه جودة. و الاتجار فى هذه السلعة (التبغ و التمباك) يعد تجارة كبيرة جدا، فالاستهلاك فى الحجاز كبير جدا، كما يجرى شحن كميات كبيرة جدا من ذلك التمباك إلى مصر. البورى يندر استعماله فى الحجاز، اللهم إلا من الجنود الأتراك و البدو، و التبغ يأتى من مصر، أو قد يأتى من سنار، التى ينقل منها إلى سواكن. كمية صغيرة جدا من التبغ السورى الجيد هى التى تشق طريقها إلى مكان آخر غير البحر الأحمر.

تمتلئ المقاهى بالناس طوال النهار، و أمام المقهى تقام تعريشة يجلس الناس تحتها أيضا. الغرف و المقاعد و كذلك الكراسى الصغيرة المنخفضة، شديدة الاتساخ، و بذلك تكون على النقيض تماما من مقاهى دمشق النظيفة و الأنيقة. الأشخاص‏

52

المحترمون لا يشاهدهم أحد مطلقا على المقهى، و لكن أفراد الطبقة الثالثة، هم و البحارة يجعلون من المقهى ملاذهم الدائم. كل إنسان هنا له منزله الخاص الذى يلتقى فيه كل أولئك الذين تربطه بهم صلة مال أو أعمال، و العربى الذى لا يقوى على مصاريف عزومة صديقه على الغذاء يدعوه إلى القهوة عند ما يمر عليه، ليدخل و يتناول معه كوبا من القهوة، و يحزن حزنا شديدا إذا ما رفض صديقه الدعوة. و عند ما يدخل الصديق يطلب إلى النادل إحضار كوب و عند ما يحضر الكوب، يتعجب بصوت عال حتى يسمعه الحاضرون كلهم و هو يقول جدا! (شكرا). هذا الرجل قد يغش دائنيه، أو قد يتّهم بحلف يمين باطلة فى معاملاته، و مع ذلك يهرب من انتقاد عامة الناس له، لكن مثل هذا الرجل يمكن أن يشعر بالخزى إذا ما اتضح أنه يحاول مغالطة النادل فى حساب المقهى. بذل الجنود الأتراك قصارى جهدهم فى هذا الاتجاه ليزيدوا من احتقار العرب لهم، و أنا لم يحدث أن رأيت فى مقهى من المقاهى أى أحد من الشعراء الشعبيين الذين يكثر وجودهم فى مصر، و يزيد وجودهم أكثر و أكثر فى سوريا. المنقلة يجرى لعبها فى المقاهى كلها، و كذلك لعبة الدامة، و هى تختلف عن اللعبة الأوروبية الشبيهة بها، لكنى لم يحدث أن شاهدت مطلقا أحدا يلعب الشطرنج فى الحجاز على الرغم من أنى سمعت أنه يشيع لعبه بين الناس، و أن الأشراف متيمون به بصفة خاصة.

يوجد بالقرب من كل مقهى من المقاهى تقريبا شخص يقف أمام طاولة، يبيع ماء باردا فى جرار صغيرة معطرة (*).

يوجد فى المدينة أيضا واحد و عشرون بائعا يبيعون الزبد، كما يبيعون العسل و الزيت و الخل على مستوى التجزئة. يشكل الزبد مادة رئيسية فى المطبخ العربى، الذى يعد أكثر دسما من المطبخ الإيطالى، الزبد الطازج الذى يطلق العرب عليه اسم زبدة،

____________

(*) من عادة الشرقيين أن يشربوا الماء قبل القهوة و ليس بعدها مباشرة. و لقد عرفنى الناس ذات مرة عندما كنت فى سوريا على أنى أجنبى أو أوروبى، بعد أن طلبت شيئا من الماء عقب شرب القهوة مباشرة، قال النادل: لو كنت من أهل هذا البلد لما أضعت مذاق القهوة من فمك عن طريق محوه بشرب الماء.

53

نادرا ما يراه أهل الحجاز. يشيع بين جميع الطبقات هنا، شرب كوب من السمن، يجرى بعدها شرب القهوة. و هم يعتقدون أن السمن مصدر للقوة، و هم معتادون تماما على ذلك منذ عهد الصبا و الشباب، الأمر الذى يجعلهم يحسون بالضيق إذا لم يمارسوا هذه العادة. الطبقات الراقية تقتصر على شرب كمية الزبد، لكن الطبقات الأدنى تضيف إلى الكوب نصف كوب آخر، يستنشقونه من خلال فتحات أنوفهم، متصورين أن ذلك يحول دون دخول الهواء الملوث من خلال فتحتى الأنف إلى أجسادهم. هذا التصرف يشيع أيضا بين سكان المدينة و بين البدو أيضا، الطبقات الدنيا من عادتها أيضا دعك الصدور و الأكتاف و الأذرع و الأرجل بالزبد و بالسمن مثلما يفعل الزنوج، و ذلك من باب إنعاش أو ترطيب الجلد و البشرة. لا يكفى إنتاج الزبد استهلاك مدينة جدة، و يجرى جلب شى‏ء من الزبد أيضا من مدينة سواكن، لكن أفضل أنواع الزبد، و الذى يتوفر بكميات كبيرة، هو الذى يأتى من" ما سواه"، و يطلق الناس عليه هنا اسم الدهلاك أو زبد الدهلاك. سفن كاملة تأتى محملة بذلك الزبد من بلدة ما سواه إلى مدينة جدة، و ينقل القسم الأكبر من ذلك الزبد إلى مدينة مكة. يجرى استيراد الزبد أيضا من بلدة القصير، هذا النوع من الزبد يأتى من الوجه القبلى فى مصر، و هو يصنع من لبن الجاموس، أما زبد و سمن سواكن و دهلاك فيجرى الحصول عليهما من ألبان الأغنام.

الحجاز عامر بعسل النحل، فهو موجود فى كل ركن من أركان الجبال. أفضل أنواع العسل هو ذلك الذى يأتى من تلك المناطق التى يسكنها بدو النواصرة، فى جنوب الطائف. الطبقات الدنيا هنا يكون إفطارها مكونا من الزبد و العسل المسكوب على قطع الخبز بعد خروجها من الفرن مباشرة، يزاد على ذلك أن العرب المغرمون بالفطير لا يأكلونه مطلقا بدون عسل.

الزيت المستخدم فى القناديل هو زيت السمسم (السيرج الذى يجرى استيراده من مصر). العرب لا يستخدمون الزيت فى أغراض الطبخ، اللهم إلا باستثناء قلى السمك، أو فى عمل الفطير الذى يوزعونه على الفقراء. السلطة التى يغرم بها الأتراك الشماليون، لا وجود لها على المائدة العربية.

54

هناك ثمانى عشرة طاولة لبيع الخضراوات أو الفاكهة. و قد تزايد عدد تلك الطاولات تزايدا كبيرا، بسبب زيادة عدد الجنود الأتراك الذين يغرمون بتناول الخضراوات. الفواكه كلها تأتى من بلدة الطائف التى تكثر فيها الحدائق و قد وجدت هنا فى شهر يولية أعنابا من أفضل الأنواع التى تكثر فى الجبال الواقعة خلف مكة [المكرمة] و الرمان هنا أيضا و هو من نوع ممتاز، و السفرجل نيئا، الخوخ و الليمون موجودان هنا أيضا و لكن أحجامهما صغيرة كما هو الحال فى القاهرة، النّارنج موجود هنا أيضا، و كذلك الموز، لكنهما لا يزرعان فى الطائف، و لكن يجرى جلبهما عن طريق المدينة [المنورة] من الصفراء، و من الحديّدة و من الخليص. هذه الفواكه تستمر إلى شهر نوفمبر، و فى شهر مارس يجرى جلب البطيخ من وادى فاطمة، و يقال إن ذلك البطيخ صغير الحجم و لكنه لذيذ الطعم. العرب لا يأكلون كثيرا من الفاكهة باستثناء العنب، و هم يقولون إن الإكثار من فالفاكهة يسبب الصفراء و التطبل، و هما على صواب فى ذلك، فالفاكهة التى تباع فى جدة ليست صحية، لأن تعبئة الفاكهة فى الطائف قبل أن تنضج يجعلها تنضج نضجا غير طبيعى عن طريق التخمر طوال رحلة نقلها، و ها هم الأتراك يتشاجرون و يتقاتلون صباح كل يوم أمام الدكاكين، و هم يحاولون الحصول على الفاكهة التى لا تجنى إلا بكميات صغيرة و تكاد تكون نادرة جدا. الفاكهة يجرى إحضارها إلى جدة من وادى فاطمة الذى يبعد مسافة خمسة أميال أو ستة فى اتجاه الشمال، و وادى فاطمة يمد مكة أيضا بالفاكهة و الخضراوات- و أكثر تلك الخضراوات شيوعا هى الملوخية و البامية و الباذنجان الرومى و الباذنجان العروس و الخيار و اللفت و البنجر الذى يأكل الناس أوراقه و يتخلصون من الجذور باعتبارها عديمة النفع.

الفجل و الكراث وحدهما هما من الخضراوات التى يجرى استعمالها يوميا و بصورة منتظمة فى المطبخ العربى؛ الفجل و الكراث صغيران جدا و لكن الناس يأكلانهما هنا مع الخبز. العرب بشكل عام لا يستهلكون الخضراوات إلا بكميات قليلة، و هم يصنعون أطباقهم من اللحم و الأرز و الدقيق و الزبد. فى دكاكين الفاكهة يجرى أيضا بيع التمر الهندى الذى يطلقون عليه هنا اسم" الحمار"، هذا التمر يأتى من جزر الهند الشرقية، لا على شكل أقراص، مثل ذلك التمر الذى يأتى من بلاد