ترحال في الجزيرة العربية - ج2

- جان لوئيس بوركهارت المزيد...
289 /
5

[الجزء الثاني‏]

المحتويات‏

الحج 7

الرحلة من مكة إلى المدينة (المنورة) 62

المدينة (المنورة) 93

وصف المدينة المنورة 97

البساتين و المزارع 134

وصف بعض أماكن الزيارة 144

سكان المدينة المنورة 153

حكومة المدينة المنورة 179

مناخ المدينة المنورة و أمراضها 185

الرحلة من المدينة المنورة إلى ينبع 187

ينبع 197

الرحلة من ينبع إلى القاهرة 216

الملاحق 235

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الحج‏

يتواصل مرور الأزمان مع استمرار مجى‏ء الحجاج من سائر أنحاء العالم الإسلامى كل عام بأعداد كبيرة؛ ابتغاء زيارة أماكن الحجاز المقدسة. عدم الاكتراث المتزايد بالدين، و المصروفات الزائدة للرحلة يمنعان قسما كبيرا من المسلمين من العمل بنصوص القرآن التى تنص على حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، حتى و لو لمرة واحدة فى العمر كله. أما أولئك الذين يضطرون إلى البقاء فى أوطانهم، فالشرع يسمح لهم بأن ينيبوا عنهم من يدعو لهم، و لكن أولئك الذين يعملون بهذه النصيحة قليلون جدا، أو قد يتفادون ذلك عن طريق إعطاء بضعة دولارات لحاج من الحجاج، الذين يأخذون عمولات مماثلة من أشخاص عدة، لكى يدعوا لهم عقب الصلوات التى يؤدونها فى الأماكن المقدسة. فى زمن الحماس الإسلامى كان الناس يتحملون المصاعب و مشاق الرحلة ابتغاء زيادة الأجر، إلى حد أن الكثيرين من هؤلاء الحجاج كانوا ينضمون إلى القوافل طمعا فى القيام برحلة الحج كلها عن طريق البر، لكن فى الوقت الحالى لا يلتحق السواد الأعظم من الحجاج بالقوافل، أو بالأحرى قوافل الحج، و إنما يصلون إلى جدة بطريق البحر قادمين إليها من مصر أو من الخليج الفارسى، يزاد على ذلك أن بعض الدوافع الرئيسية وراء هذه الرحلة هو الاتجار و التكسب.

فى عام 1814 م، وصل عدد كبير من الحجاج إلى مكة، قبل موسم الحج بثلاثة أشهر أو أربعة. مسألة صيام رمضان فى مكة (المكرمة) حافز كبير لمن يستطيعون إليه السبيل، و لذلك تراهم يعجلون بالوصول إلى مكة، ليطيلوا مقامهم فيها. فى غضون الوقت المحدد لوصول قوافل الحج المنتظمة، كان هناك ما لا يقل عن أربعة آلاف حاج تركى، جاءوا بطريق البحر، و كانوا مجتمعين فعلا فى مكة (المكرمة)،

8

و ربما كان نصف هذا العدد من أصقاع بعيدة من العالم الإسلامى. من بين قوافل الحج المنتظمة التى يتراوح عددها بين خمس قوافل و ست قوافل اعتادت الوصول إلى مكة قبل أيام قلائل من الحج، لم يظهر هذا العام سوى قافلتين؛ هاتان القافلتان كانتا من سوريا و من مصر، كانت القافلة المصرية مكونة من أناس ينتمون إلى حاشية قائد الحج هو و قواته، و لم يأت أحد من الحجاج عن طريق البر على الرغم من سلامة الطريق و أمنه.

كانت القافلة السورية هى الأقوى دوما، منذ زمن الخلافة، يوم أن كان الخلفاء شخصيا يرافقون الحجاج من بغداد إلى مكة. تبدأ القافلة السورية من القسطنطينية و ينضم إليها حجاج شمالى آسيا أثناء مرورها عبر الأناضول و سوريا إلى أن تصل إلى دمشق، التى تمضى فيها أسابيع عدة. و على امتداد الطريق من القسطنطينية إلى دمشق، يعمل الجميع على راحة القافلة، و سلامتها، و ترافقها قوات الحكام من بلد إلى آخر، و قد قام السلاطين السابقون ببناء النّزل و الخانات فى كل محطة من المحطات، و زودوها بأسبلة المياه، لكى تفيد منها القافلة أثناء مرورها الذى كان يحظى بحفاوة كبيرة و فرح شديد. فى دمشق يجرى الاستعداد لرحلة تستمر ثلاثين يوما عبر صحراء المدينة (المنورة)، يزاد على ذلك أن الإبل التى تنقل القافلة إلى هذه المسافة يتعين استبدالها؛ و السبب فى ذلك أن الجمل الأناضولى لا يقوى على تحمل متاعب رحلة من هذا القبيل. يضاف إلى ذلك أن مدن القسم الشرقى من سوريا كلها تقدم إبلها لهذا الغرض؛ و لذلك يتعاقد كبار شيوخ البدو فى المناطق الحدودية، مع حكومة دمشق على أعداد كبيرة من هذه الإبل. هذا يعنى أن تلك الإبل تكون بأعداد كبيرة جدا، حتى و إن كان المسافرون مع هذه القافلة قليلى العدد، و بخاصة إذا ما أخذنا بعين اعتبارنا من ناحية تلك الإبل التى تستخدم فى حمل الماء، و حمل التموينات المطلوبة للحجاج، و الجنود، و الخيول، و من الناحية الأخرى تلك الإبل الإضافية التى يجرى إحضارها لاستعواض الإبل التى قد تنفق على الطريق، و التى تستخدم فى جلب العلف اليومى الذى تحتاجه الإبل و نقله، هذا بالإضافة أيضا إلى‏

9

نقل و حمل المؤن و التموينات المخزّنة فى القلاع التى على طريق الحج، لتكون بمثابة التموينات اللازمة لرحلة العودة. و ينتبه البدو إلى عدم زيادة حمولة الجمل الواحد، الأمر الذى يستلزم أيضا زيادة عدد الإبل. فى عام 1814 م، على الرغم من أن القافلة لم تكن تضم أكثر من أربعة آلاف أو خمسة آلاف شخص، بما فى ذلك الجنود و الخدم، إلا أنها كانت تضم خمسة عشر ألف جمل‏ (*).

القافلة السورية منظمة تنظيما جيدا، على الرغم من- كما هو الحال فى شئون الحكم الشرقى- وجود كثير من الإساءات و الاستثناءات. يقوم باشا دمشق أو أحد كبار ضباطه بمرافقة القافلة و هو الذى يعطى إشارة التخييم و البدء عن طريق طلقة نارية يطلقها من بندقيته. أثناء السير تتصدر القافلة قوة من الخيالة تمشى فى المقدمة، و قوة أخرى تسير فى مؤخرة القافلة، لالتقاط أولئك الذين يضلون الطريق، و يجرى تمييز الحجاج بعضهم عن بعض، عن طريق تجمع كل جماعة بحيث لا يفارقون بعضهم بعضا، و كل جماعة من هذه الجماعات تعرف معرفة جيدة مكانها الثابت الذى لا يتغير فى القافلة، و يتحدد ذلك المكان فى ضوء الموقع الجغرافى الذى تجى‏ء منه هذه‏

____________

(*) يقول الفاسى إن أم الخليفة المعتصم باللّه، آخر الخلفاء العباسيين، عند ما قامت بأداء فريضة الحج فى عام 631 ه كانت قافلتها تضم مائة و عشرين جملا، و عند ما قام سليمان بن عبد الملك بأداء فريضة الحج فى عام 97 ه، استخدم تسعمائة جمل لنقل الملابس فقط. و تجدر الملاحظة هنا أن أحدا من خلفاء العثمانيين فى القسطنطينية لم يؤد فريضة الحج بشخصه. و قد أنفق الخليفة المهدى أبو عبد اللّه محمد، فى رحلة حجه فى عام 160 ه ثلاثين مليون درهم. كان الرجل يحمل معه عددا هائلا من الألبسة لتوزيعها على سبيل الهدايا، كما بنى الخليفة المهدى أيضا منازل فاخرة فى كل محطة من المحطات من بغداد إلى مكة، و أمر بتأثيثها تأثيثا جيدا، كما أمر الرجل أيضا بإقامة العلامات الإرشادية، التى توضح المسافات على طول الطريق. و كان أول خليفة يحمل معه الثلج لتبريد الشربات على الطريق، و قد حذا حذوه كثير من الخلفاء الذين جاءوا بعده. أما هارون الرشيد الذى أدى فريضة الحج تسع مرات، فقد أنفق فى واحدة منها مبلغ مليون و خمسين ألف دينار على شكل هدايا للمكيين و الفقراء من الحجاج.

و المملوك نصير الدين أبو المعالى، سلطان مصر، أخذ معه و هو يؤدى فريضة الحج فى عام 719 ه، خمسمائة جمل لنقل السكر و الحلوى فقط، و مائتين و ثمانين جملا لنقل الرمان، و اللوز، و الفواكه الأخرى، و فى حملة حفظ الطعام كان لدى نصير الدين أبو المعالى ألف إوزّة و ثلاثة آلاف دجاجة. (راجع المقريزى" من حج من الخلفاء")

10

الجماعات. و عند ما تخيم هذه الجماعات، فإنها تراعى و تلتزم بالنظام المفروض عليها؛ هذا يعنى أن أولئك الذين يأتون من حلب على سبيل المثال يكونون مجاورين لأولئك الذين جاءوا من حمص .. إلخ. هذه القاعدة أمر ضرورى تجنبا لحدوث الفوضى أثناء المسير الليلى‏ (*).

جرت العادة أن يتعاقد الحجاج على الرحلة مع واحد من المقوّمين؛ و المقوّم هو واحد من أولئك الذين يتعهدون بتوفير الإبل و المؤن و التموينات المطلوبة للحج. و المقوم الواحد يتولى أمر عدد من الحجاج يتردد بين عشرين حاجا و ثلاثين حاجا، و المتعهد هو الذى يوفر الخيام و يوفر على الحجاج متاعب الطريق و مشاقه، هذا يعنى أن المقوّم هو الذى يقوم على أمر الخيام، و إعداد القهوة، و توفير الماء، و إعداد الفطور و الغذاء اللازمين للحجاج، و بذلك لا يشارك الحجاج على أى نحو من الأنحاء فى هذه الأمور.

و إذا ما نفق جمل من الإبل تعين على المقوّم الإتيان بغيره، و بغض النظر عن عدم توفر التموينات على الطريق، فإن المقوّم هو المسئول عن توفير الواجبات المطلوبة للحجاج.

فى عام 1814 م، كان أجر المقوّم، بما فى ذلك الطعام يقدر بحوالى مائة و خمسين دولارا من دمشق إلى المدينة المنورة، يضاف إليها خمسين دولارا أخرى من المدينة (المنورة) إلى مكة (المكرمة). يدفع المقوّم من هذا المبلغ حوالى ستين دولارا للجمّال الذى يقتاد الجمل أثناء السير فى الليل، و هذا احتياط ضرورى فى مثل هذه القوافل الكبيرة، تحاشيا لنوم الراكب أثناء السفر، الأمر الذى يجعل الجمل يسير على هواه و يخرج عن خط السير المحدد. يتلقى المقوّم علاوة على الأجر المحدد، بعض الهدايا من الحجاج. و عند العودة إلى سوريا، يكون المبلغ أقل، نظرا لعودة عدد كبير من الإبل بلا أحمال.

____________

(*) فى كتاب بوركهارت المعنون" ترحال فى سوريا" يجد القارئ فى صفحة 242 (النص الإنجليزى) المزيد من المعلومات عن قافلة الحج، و فى ملحق ذلك الكتاب (الملحق رقم 3) يجد القارئ أيضا وصفا للطريق بين دمشق و مكة. (المعد)

11

قلة قليلة من المسافرين هم الذين يؤثرون القيام بالرحلة على مسئوليتهم الخاصة، أو باستعمال إبلهم الخاصة؛ و السبب فى ذلك أن مثل هؤلاء الناس إذا لم يحمهم الجنود أو رئيس القافلة، قد يجدون بعض المصاعب بسبب سوء معاملة المقوّمين على المساقى، أو إن شئت فقل: أماكن السقيا، و أثناء السير؛ هذا يعنى أن هؤلاء المقوّمين يحاولون بشتى الطرق، عرقلة السفر بغير طريقهم، الأمر الذى يجعل من الرحلة التى من هذا القبيل حكرا على الحجاج الأثرياء، الذين لديهم المقدرة على تشكيل جماعات خاصة بهم تضم ما بين أربعين حاجا و خمسين حاجا.

توقد الشعلات أثناء الليل، و يجرى قطع المسافة اليومية فيما بين الساعة الثالثة عصرا و بعد شروق الشمس بساعة أو ساعتين من اليوم التالى. و البدو الذين يحملون التموين لا يتحركون إلا أثناء النهار فقط، و فى مقدمة القافلة، التى يتجاوزون مخيمها فى الصباح، ثم يجرى بعد ذلك تجاوز هؤلاء البدو، ثم تتجاوز القافلة فى الليلة التالية، و هم فى مكان راحتهم. و الرحلة مع بدو المؤن و التموينات أسهل من السير مع القافلة الرئيسية؛ نظرا لأن بدو التموينات يحظون براحة ليلية منتظمة، لكن طابع هؤلاء البدو السيئ هو الذى يمنع الحجاج من اصطحابهم.

فى كل مسقى من المساقى التى على الطريق، توجد قلعة صغيرة و خزان كبير، تسقى منه الإبل. هذه القلاع تقوم على حراستها مجموعات صغيرة، تظل طوال العام تحرس المؤن المخزّنة فى تلك القلاع. شيوخ القبائل يلتقون القافلة عند هذه المساقى، و المعروف أن هذه المساقى مملوكة للبدو، و يحصل الشيوخ فى تلك اللقاءات على الإتاوة المحددة. الماء وفير على الطريق؛ هذه المساقى أو المحطات لا تبعد الواحدة منها عن الأخرى مسافة تزيد على مسير إحدى عشرة ساعة أو اثنتى عشرة، و فى فصل الشتاء يتوفر الكثير من برك مياه المطر، يضاف إلى ذلك أن الحجاج الذين يحملون صناديق فوق ظهور الإبل، أو على سرج الإبل الشبيهة بالهودج، قد ينامون فى الليل، و يمضون الرحلة بلا مضايقات، لكن هؤلاء الفقراء، أو أولئك الذين تتملكهم رغبة الحصول على مبلغ كبير من المال يرضون بالسير مع القافلة سيرا على الأقدام، لكى يعملوا خدما، و لذلك يموت الكثيرون منهم على الطريق بسبب التعب.

12

القافلة المصرية التى تبدأ من القاهرة، تخضع للقواعد و النظم نفسها التى تسير عليها القافلة السورية، لكن يندر أن تتساوى مع القافلة السورية من حيث العدد؛ نظرا لأنها لا تضم سوى المصريين فقط، علاوة على الحرس العسكرى المرافق.

الطريق الممتد بطول ساحل البحر الأحمر، يمر عبر أراضى القبائل البدوية المحبة للحرب، التى تحاول فى معظم الأحيان اقتطاع أو عزل جزء من القافلة عن طريق القوة.

يضاف إلى ذلك أن المساقى تكاد تكون شحيحة على هذا الطريق و ذلك على العكس من الطريق الآخر؛ المسافة بين بئر و أخرى تصل إلى ثلاثة أيام فى معظم الأحيان، و لكن هذه الآبار وفيرة المياه رغم ندرتها، و من بين هذه الآبار لا يوجد سوى بئرين أو ثلاثة، هى التى مياهها مالحة. فى عام 1814 م كانت القافلة المصرية مكونة من الجنود فقط، مع المجموعة الخاصة بالمحمل، و بعض الموظفين العموميين؛ الحجاج المصريين كلهم يؤثرون السفر عن طريق السويس. فى عام 1816 م، التحق بعض أعيان القاهرة بقافلة الحج، و كان الواحد من هؤلاء الأعيان يصاحبه حوالى مائة و عشرة جمال، يستعملها فى نقل أمتعته و حاشيته، كما كانت له أيضا ثمانى خيام، و لا بد أن مصروفات هذا الرجل فى الذهاب و الإياب وصلت إلى ما يقرب من عشرة آلاف جنيه.

كان ضمن هذه القافلة أيضا خمسمائة فلاح، معهم نساؤهم جاءوا من الوجه القبلى و الوجه البحرى، و الذين كانوا لا يخشون الصحراء و أخطارها و متاعبها أكثر من خشيتهم للبحر و أخطاره. شاهدت مع هؤلاء الفلاحين مجموعة من النساء الشعبيات و البنات الراقصات، اللاتى كانت خيامهن و معداتهن من بين أعظم الخيام و المعدات فى القافلة. هناك مجموعة من الحاجّات السوريات من هذا المستوى نفسه يرافقن القافلة السورية أيضا.

توقف الحج الفارسى فى التوقيت نفسه الذى أوقف الوهابيون فيه الحج السورى.

هذا الحج الفارسى كان يأتى عن طريق بغداد، ثم يمر عبر نجد قاصدا مكة المكرمة، و بعد أن أبرم عبد اللّه بن سعود معاهدة سلام مع طوسون باشا فى عام 1815 م، استأنف الحج الفارسى عبوره للصحراء، مرورا بالدرعية دون اعتراض أو مضايقات،

13

لكنه طوال رحلة مقدارها مسير أربعة أيام إلى مكة كان يتعرض للهجوم من جانب بنى الشمر، تلك القبيلة التى ظلت على الحياد أثناء الحرب التى دارت بين طوسون باشا و الوهابيين. و هنا كانت القافلة تعود إلى الدرعية، و من خلال وساطة سعود كان يجرى استعادة البضائع التى جرى سلبها و نهبها، و كان سعود يرسل جماعة من أتباعه لمرافقة القافلة إلى المدينة المقدسة.

كان من عادة عرب العجيل فى بغداد أن يرافقوا القافلة الفارسية. لما كان أفراد القافلة معروفين بأنهم من الشيعة، فقد كانوا يتعرضون لمصاعب كثيرة على الطريق؛ فقد كان سعود يجبى منهم ضريبة ثقيلة يطلق عليها اسم ضريبة الرؤوس أو الأعناق، و كان الشريف غالب فى مكة (المكرمة) يفعل الشى‏ء نفسه، بل إنها وصلت فى السنوات التى تلت ذلك إلى ثلاثين سكوينا (*) على الرأس الواحدة. معروف أن الحجاج الفارسيين كلهم من الأغنياء، و لا يعانى أحد من الحجاج ذلك الذى يعانيه هؤلاء الحجاج الفارسيون على طريق الحج. أعداد كبيرة من هؤلاء الحجاج يأتون عن طريق البحر، و هم يركبون البحر من البصرة إلى المخا، و إذا ما صادفوا الريح التجارية واصلوا إبحارهم إلى جدة، و إذا لم تهب عليهم تلك الرياح قسموا أنفسهم على شكل قافلة و يصلون عن طريق البر الممتد بطول ساحل اليمن. فى عام 1814 م، عند ما كنت أؤدى فريضة الحج، كانت تلك القلة القليلة من الحجاج الفارسيين قد وصلت قادمة من بغداد إلى سوريا، و تبعت القافلة السورية، و بصحبتهم جمالة بغداديون.

يجدر أن نلاحظ هنا أن الفارسيين لم يكن مسموحا لهم دوما بالمجى‏ء إلى المدينة المقدسة؛ بحجة أنهم مهرطقين ألداء، يخفون معتقداتهم أثناء الحج فقط، و ذلك من باب عدم الإساءة إلى السنة. فى عام 1864 م، أى بعد إعادة بناء المسجد الحرام بسنوات قلائل، أمر السلطان مراد الرابع بعدم السماح للحجاج الشيعة بأداء فريضة

____________

(*) السّكوين: نقد ذهبى إيطالى و تركى قديم. (المترجم)

14

الحج أو الدخول إلى بيت اللّه الحرام. جرى الالتزام بذلك الأمر سنوات عدة، لكن المال الذى كان ينفقه الفرس سرعان ما أعاد فتح الطريق إلى عرفات و الكعبة. و نحن نعرف من المؤرخ العصمى، أن شيعيا أميت حيا على الخازوق لأنه رفض التخلى عن مذهبه.

ظلت قافلة الحج المغربية غير منتظمة طوال سنوات كثيرة. هذه القافلة عادة ما يصحبها واحد من أقارب ملك مراكش (المغرب)، و القافلة تبدأ من محل إقامة ذلك القريب، و تتقدم على شكل مسيرات بطيئة فى اتجاه تونس و طرابلس، لتصحب معها المزيد من الحجاج من المناطق التى تمر خلالها. طريق هذه القافلة من ناحية طرابلس، يسير محاذيا لشواطئ سيرتيس إلى أن تصل إلى درنة، و من درنة بمحاذاة الساحل إلى مصر، مرورا بالإسكندرية، أو تسير فى اتجاه بحيرات النطرون قاصدة القاهرة مباشرة، لتستأنف منها السير فى طريق الحج المعتاد. هذه القافلة، و هى فى طريق عودتها من مكة، تقوم دوما بزيارة المدينة (المنورة)، التى لا يزورها الحج المصرى مطلقا، و قد تمر هذه القافلة أثناء عودتها فى بعض الأحيان وصولا إلى القدس.

مجموعة صغيرة من القوات هى التى ترافق القافلة المغربية، لكن حجاج هذه القافلة يكونون مسلحين تسليحا جيدا، و على استعداد للدفاع عن أنفسهم، أما القافلتان الأخريان فلا يقاتل أحد منهم سوى الحرس المرافق لهما.

مرت آخر قافلة مغربية عبر الأراضى المصرية فى عام 1811 م، و سمح لهم الوهابيون بزيارة مكة، بعد أن تأكدوا أنهم أقلعوا عن الممارسات المشينة التى كانوا يسمون بها كلا من المصريين و السوريين، و لكن القافلة ألمت بها مصائب كثيرة فى طريق عودتها، من جانب أعدائها من ناحية، و افتقارها من ناحية ثانية إلى المرشدين، و التموينات، الأمر الذى أسفر عن وفاة الكثيرين من أفراد هذه القافلة. حجاج البربر يأتون حاليا عن طريق البحر من الإسكندرية، ثم يبحرون بعد ذلك من السويس بواقع خمسين حاجا أو مائة حاج فى المرة الواحدة. و على الرغم من أن هؤلاء الحجاج البربر يرتدون ملابس بسيطة تنم عن الفقر فإنهم يحملون معهم من المال‏

15

ما يكفى احتياجاتهم، و قلة قليلة من هؤلاء البربر هم الذين يمارسون الشحاذة، و أنا لم أر من هذه الفئة سوى مجموعة صغيرة جدا، و هم عبارة عن عرب من درعة فى الجانب الجنوبى الشرقى من جبل أطلس؛ هذه المجموعة انضمت إلى القافلة المصرية عن طريق البر فى شهر سبتمبر من العام 1816، و قد أبلغونى أنهم حصلوا على ترخيص مجانى بالمرور عن طريق البحر من تونس إلى الإسكندرية. كان واحد من هذه المجموعة من بدو البربر، الذين كان مخيمهم يبعد، عند ما غادره، مسير عشرين يوما عن مدينة تمبكتو فى قافلة المغربين (المغاربة أو المغربيين) جرت العادة أن يكون فيها بعض المواطنين من جزيرة جربة، الذين تدور حولهم شكوك قوية بأنهم من شيعة علىّ رضي اللّه عنه؛ كما يتركز البعض منهم فى كثير من الأحيان، فى القاهرة، إذ يسكنون المنطقة التى تدعى منطقة طولون، و يحافظون تماما على عزل أنفسهم عن سائر المغربيين المقيمين فى المدينة. لكن الغالبية العظمى من القافلة تكون مكونة من أفراد من المملكة المغربية.

و أنا أعتقد أن ألفى حاج هو أعلى رقم يمكن أن يصل إليه عدد الحجاج البربر.

كانت القوافل الأخيرة تضم ما بين ستة آلاف و ثمانية آلاف رجل.

جرت العادة أن تصل إلى مكة قافلتان يمنيتان، كانتا تأتيان عن طريق البر فى الأزمان السابقة. كان الناس يطلقون على القافلة الأولى من هاتين القافلتين اسم:

الحج القبصى، الذى كان يبدأ من مدينة صعدة فى اليمن، و يشق طريقه عبر الجبال إلى الطائف، و منها إلى مكة. و يمكن العثور على اثنين من يوميات هذه القافلة مع بعض الملاحظات الخاصة بها فى ملاحق هذا الكتاب. القافلة اليمنية الثانية، التى شكلها المواطنون اليمنيون، و المواطنون الفارسيون، و كذلك المواطنون الهنود الذين كانوا يصلون إلى موانئ اليمن، كانت تسير محاذية للساحل، و قد توقفت تلك القافلة فى حوالى عام 1803 م، و لم يجر تشكيلها بعد ذلك. كانت تلك القافلة، ذات يوم، واحدة من القوافل الكبيرة، العامرة بالتجارة و تحمل كميات كبيرة من البن،

16

و كانت تشرف أحيانا بوجود أئمة اليمن على رأسها. القافلة اليمنية، شأنها شأن القافلتين السورية و المصرية، كان لها مكان محدد بالقرب من مكة، و كانت تنصب فيه خيامها. و قد جرى بناء خزان كبير من الحجر فى هذا المكان لكى يستخدم فى إمداد القافلة بالماء.

لقد اطلعت على طريق لقافلة حج هندية، رأيت هذا الطريق موقعا على شكل مسار فى خرائط عدة، و أن ذلك الطريق كان يبدأ من مدينة مسقط، مرورا بنجد إلى مكة؛ لكنى لم أستطع الحصول على أية معلومات خاصة بهذه القافلة، و مع ذلك، فإن مسألة وجود هذه القافلة فى الأزمان السابقة، ورد ذكرها عند المؤرخ العصمى.

أما هؤلاء الذين سألتهم عن هذه القافلة، فلم يؤكدوا لى ورود قافلة من هذا القبيل على أذهانهم، لكنى أرى أن الشحاذين الهنود، و الفارسيين، و كذلك الشحاذين العرب، كانوا يجيئون، فى زمن السلم، من هذا الطريق على شكل جماعات صغيرة.

قبل قيام كبير الأشراف سرور، بكسر شوكة الأشراف الآخرين، كان أولئك الأشراف يجبون من كل القوافل التى تأتى إلى مكة مبالغ كبيرة، علاوة على الصّرّة التى كانت مخصصة لأولئك الأشراف. كان أولئك الأشراف، إذا ما علموا باقتراب وصول قافلة من القوافل، يخرجون من مكة و معهم أتباعهم المسلمين، و أصدقاؤهم من البدو، و كانوا يتناقشون طوال أيام مع قادة القوافل قبل الاتفاق على مبلغ الإتاوة.

و نحن هنا يجب أن نضيف إلى القوافل سالفة الذكر تلك المجموعات البدوية الكبيرة التى تلجأ إلى مكة، فى وقت السلم، وافدة عليها من سائر أنحاء الصحراء؛ و السبب فى ذلك أن لقب حاج يحظى بكثير من الاحترام من البدو قليلى التدين، و نجد ترسل بدوها لأداء فريضة الحج شأنها فى ذلك شأن بدو الجنوب أيضا. عند ما كان الوهابيون قابضين على زمام السلطة فى مكة، كانت جحافل من هؤلاء البدو يأتون إلى سهل عرفات، لسبب رئيسى و ليس لأى سبب آخر، ربما كان التعبير عن ولائهم‏

17

للرئيس الوهابى، الذى عرف عنه، بأنه، كان يحب أن يرى أعرابه متجمعين فى عرفات. فى عام 1811 م قام الوهابيون بأداء فريضة الحج لآخر مرة، أى بعد الهزيمة الأولى لطوسون بك بوقت قصير فى منطقة الجديدة؛ كان بصحبة الوهابيين فى تلك المرة عدد كبير من البدو و بخاصة القحطان، و العسير، مع بعض آخر من بدو المناطق الصحراوية الداخلية، و كان يجرى بيع المسلوبات و المسروقات و الغنائم التى أخذها الوهابيون من الجيش التركى، للمكيين فى سوق عرفات. و أنا هنا يجب أن أشير إلى أن على بك العباسى، قد وقع فى خطأ جسيم فيما يتعلق بعدد الوهابيين الذين رآهم يدخلون مكة فى ذلك الوقت، أى فى زمن الحج؛ فقد ظن على بك العباسى أن الوهابيين جاءوا للاستيلاء على المدينة، و راح يتباهى بأنه كان موجودا أثناء استيلاء الوهابيين على مكة فى المرة الأولى، فى الوقت الذى بوسع أى طفل من أطفال مكة أن يقول لعلى بك العباسى إن ذلك الحادث وقع قبل ثلاث سنوات من مجيئه إلى مكة، أو بالأحرى إلى منطقة الحجاز.

فى الوقت الراهن، يأتى السواد الأعظم من الحجاج- كما سبق أن قلت- عن طريق البحر إلى جدة، أما هؤلاء الذين يأتون من الشمال فيبحرون من السويس أو القصير قاصدين جدة و معهم عدد كبير من الحجاج البربر، و كثير من الحجاج الأتراك القادمين من الأناضول، و من تركيا الأوروبية، و كثير من الحجاج السوريين، و عدد كبير من الدراويش الذين يفدون من بلاد فارس، و من بعض المناطق التى يرويها نهر إندوس‏ (*). يزاد على ذلك أن فقر الحالة الملاحية فى البحر الأحمر، و الذى تصادف مع الطلب المتزايد على السفن اللازمة لنقل مؤن و تموينات إعاشة جيش الحجاز، يزيد من تأرجح عملية المرور و عدم ثباتها؛ الأمر الذى كان يضيع الفرص على‏

____________

(*) أحد الأنهار الكبيرة فى شبه القارة الهندية، يصل طوله إلى حوالى 1700 ميل، و ينبع من سلسلة جبال كيلاس فى الهيمالايا فى جنوب غرب التبت. هذا النهر ينساب من الشمال إلى الغرب تحت اسم سنج خمباب، ثم ينساب بعد ذلك فى اتجاه شمالى غرب خلال كشمير بين سلسلتى جبال لاداخ وزسكر.

18

الحجاج فى بعض الأحيان، و يصلون متأخرين عن موعد الحج، و قد حدث ذلك لإحدى الجماعات فى عام 1814 م، التى وصلت إلى مكة بعد فوات موعد الحج بثلاثة أيام، نظرا لاحتجاز هذه الجماعة طيلة ثلاثة أيام فى ميناء السويس. أضف إلى ذلك أن حال السفن السيئ، و ازدحامها لا يمكن أن يضفى على هذه الرحلة شيئا من الراحة على الحجاج، و على العكس من ذلك فقد فرض محمد على باشا ضريبة على الحجاج، تحت مسمى عقد المرور إلى جدة نظير مبلغ مرتفع (و قد بلغت الضريبة فى عام 1814 م ثمانية عشر دولارا على الرأس الواحدة)، و ذلك عن طريق واليه فى السويس الذى كان يوزع هذه العقود على ظهور السفن العربية، و لم يكن يدفع لأصحاب السفن من ذلك المبلغ سوى ستة دولارات فقط عن الرأس الواحد. فى الماضى كان الحجاج مسموحا لهم بأن يأخذوا معهم من السويس، كمية كبيرة من المؤن حسبما يريدون، لكى يبيعوا جزءا منها بعد الحج مقابل ربح مجز؛ لكن الحجاج، فى الوقت الراهن، لا يسمح لهم إلا بما يكفى استهلاكهم فقط طوال فترة الحج، يزاد على ذلك، أن مسألة حمل الحجاج لمؤنهم و تمويناتهم معهم، و بخاصة الزبد، و الدقيق، و البسكويت، و السمك المملح الذى يشترونه بأسعار رخيصة من مصر، طوال هذه المدة هى التى جعلت الحجاج يفضلون رحلة البحر على رحلة البر؛ و سبب ذلك أن من يسافرون بطريق البر يضطرون إلى شراء تمويناتهم من مكة، حيث الأسعار العالية جدا.

إذا ما وصل الحجاج الأجانب إلى القاهرة، و لم يجدوا سفنا راسية فى ميناء السويس، فقد جرت العادة أن يواصلوا الإبحار فى النيل إلى أن يصلوا إلى قنا، و من قنا يعبرون الصحراء وصولا إلى القصير، و الرحلة من القصير إلى جدة قصيرة جدا.

و عند العودة من الحجاز يفضل السواد الأعظم من الحجاج الأتراك ذلك المسار.

مواطنو الوجه القبلى يعودون عن طريق القصير، و هذا هو ما يفعله كثير من الحجاج الزنوج، بعد أن يسيروا بطول الساحل النيلى من سنار إلى قنا. و الأجر الذى يدفعه الحاج من القصير إلى جدة يقدر بحوالى ستة إلى ثمانية دولارات.

19

فى أواخر أيام المماليك، و عند ما كانوا يحتلون أو يسيطرون على الوجه القبلى، فى الوقت الذى كان محمد على فيه قد غزا الوجه البحرى، كان الكثيرون من الحجاج الأتراك، الذين انتقلوا إلى الحجاز بأعداد صغيرة، على الرغم من وقوعه تحت السيطرة الوهابية، يلقون معاملة سيئة على أيدى المماليك عند عودتهم إلى مصر، كان المماليك يجردون هؤلاء الحجاج الأتراك من أشيائهم و من ملابسهم، بل يقتلونهم أحيانا أثناء إبحارهم فى النيل. كان السفاح اليونانى، المدعو حسان بك اليهودى، يتفاخر بأنه هو نفسه قتل خمسمائة من هؤلاء الحجاج الأتراك. هذه المذابح التى أقيمت لهؤلاء الحجاج الذين لا ذنب لهم و لا جريرة، هى التى أعطت محمد على باشا ذريعة لقتل المماليك فى مذبحة القلعة.

بعض آخر من الحجاج يأتون عن طريق البحر قادمين من اليمن، و من جزر الهند الشرقية، و بخاصة من المسلمين الهندوس، و من مسلمى الملايو، و منهم أيضا بعض الكشميريين، و أناس آخرون من جوزيرات، و منهم أيضا بعض الفرس، و أيضا بعض حجاج الخليج الفارسى؛ كما يفد عن طريق البحر أيضا بعض حجاج البصرة، و مسقط، و عمان، و حضر موت؛ فضلا عن أولئك الذين يأتون من المدينة (المنورة) و من ممباسا، الذين يندرجون تحت اسم أهل السواحل، أو بالأحرى الساحل المستوى، يضاف إلى ذلك المسلمون الأحباش، و كثير من الحجاج الزنوج الذين يأتون من الطريق نفسه. و هنا نجد أن كل المسلمين الذين يعيشون على سواحل المحيط، يتأكدون خلال موسم الحج، من وجود سفينة تبحر من أحد الموانئ المجاورة قاصدة البحر الأحمر، لكن السواد الأعظم من حجاج الساحل يأتون عن طريق رحلات الأسطول الهندى المنتظمة فى شهر مايو، و يبقون فى مكة أو المدينة (المنورة) إلى أن يدخل موسم الحج، الذين يرحلون بعد أدائه مباشرة على ظهر السفن الوطنية من ميناء جدة إلى اليمن، التى يبقون فيها إلى أن يبدأ هبوب الرياح التجارية فيبدءون فى تجاوز باب المندب. جموع كبيرة من الشحاذين يفدون من البلاد سالفة الذكر على مكة، و هم يسافرون على حساب المحسنين فى بلادهم، أو قد يدفع الأجر عنهم أولئك الذين‏

20

يستخدمونهم معينين و خادمين لهم فى أداء فريضة الحج، لكنهم عند ما يصلون إلى الحجاز يعتمدون كلية على إحسان الحجاج الآخرين، و على الصدقات التى يجمعونها، و التى لا بد أن تكون كافية لإعادتهم إلى بلادهم.

قلة قليلة من الحجاج، باستثناء المتسولين منهم، يصلون إلى الحجاز دون أن يحضروا معهم بعض منتجات بلادهم لكى يبيعونها، و هذه الملاحظة تنطبق أيضا على التجار، الذين يعتبرون الاتجار هدفا رئيسيا من أهداف أدائهم للحج، شأنهم فى ذلك شأن من يحجون بدافع من الحماس الدينى؛ و سبب ذلك عند من يحجون بدافع من الحماس الدينى، هو أن الربح الذى يجنونه من بيع هذه المجموعات الصغيرة من السلع المحلية فى مكة، يقلل إلى حد ما، التكاليف الباهظة للرحلة. المغربيون (المغاربة) على سبيل المثال، يحضرون طرابيشهم الحمراء و عباءاتهم الصوفية، و الأتراك الأوروبيون يحضرون معهم الأحذية، و الشباشب، و الخردوات المعدنية، و الأقمشة المطرزة، و المسكّرات، و الكهرمان، و الحلى الصغيرة أوروبية الصنع، و أكياس النقود و الحافظات المصنوعة من الحرير .. إلخ، أما أتراك الأناضول فيحضرون معهم السجاد، و الحرير، و الشيلان المصنوعة من صوف الأنجورا، أما الفرس فيحضرون معهم الشيلان الكشميرية و الغتر المصنوعة من الحرير، و لكن الأفغان يحضرون معهم المساويك، التى يطلق الناس عليها اسم المساويك القطرية، التى يصنعونها من الأغصان الإسفنجية لشجرة تنمو فى بخارى، كما يحضرون معهم أيضا الخرز الذى يصنعونه من حجر أصفر يشبه الصابون، كما يحضرون معهم أيضا شيلانا سادة خشنة، يصنعونها فى بلادهم، أما الهنود فيجلبون معهم المنتجات المتعددة التى تنتجها بلادهم الواسعة الثرية، أما حجاج اليمن فيحضرون معهم الثعابين و الأفاعى، التى تعد من مستلزمات الشيش و الغلايين الفارسية، كما يجلبون معهم أيضا النعال، و مصنوعات جلدية أخرى متباينة، و الأفارقة يحضرون معهم سلعا مختلفة تناسب تجارة العبيد. و مع ذلك، يخيب ظن الحجاج فى كثير من الأحيان فى الآمال التى يعلقونها على هذا الكسب؛ و السبب فى ذلك، أن احتياج هؤلاء الناس إلى‏

21

النقود يدفعهم إلى بيع مقتنياتهم الصغيرة الثمينة بأسعار مخفضة و فى مزاد علنى يضطرهم إلى قبول أسعار شديدة التدنى.

الزنوج أو التكارنة، كما يسميهم الناس هنا، هم الوحيدون، من بين كل الحجاج الفقراء الذين يصلون إلى الحجاز، الذين لهم طابع فى الشحاذة أكثر احتراما فى هذا النوع من الصناعة؛ هذا يعنى أن أفراد الطبقة الفقيرة من الهنود يتحولون إلى شحاذين عقب نزولهم إلى أرض جدة. كثير من السوريين و المصريين يمتهنون هذه المهنة نفسها، لكن الزنوج لا ينحون هذا المنحى. و سبق أن قلت فى تقرير من التقارير إن الزنوج، أو بالأحرى التكارنة يصلون إلى الحجاز عن طريق المرافئ الثلاثة:

مصوّع، و سواكن، و القصير. هؤلاء الزنوج الذين يأتون عن طريق سنار و الحبشة إلى ميناء مصوع، يكونون كلهم من الفقراء المعدمين. و مبلغ دولار واحد يكفى لنقل هؤلاء المعدمين من مصوّع إلى ساحل اليمن، و هم غالبا ما ينزلون فى ميناء الحديّدة. و فى الحديدة ينتظر أولئك الزنوج وصول أعداد كبيرة من أبناء جلدتهم، لكى يشكل الجميع قافلة صغيرة، ثم يبدءون بعد ذلك فى الصعود إلى جبال اليمن، الممتدة بطول الوديان الخصبة، التى يسكنها عرب كرماء، و يروحون يستجدونهم مصاريف الطريق إلى جدة أو مكة (*). هؤلاء الفقراء المعدمين إذا ما أثرى الواحد منهم و أصبح فى حوزته دولارين، استطاع أن ينتقل بهما من مصوع إلى جدة مباشرة، التى يلتقون فيها مع أبناء جلدتهم الذين يكونون قد وصلوا إلى جدة عن طريق كل من سواكن أو القصير.

هؤلاء التكارنة يؤجرون أنفسهم فور وصولهم إلى جدة أو مكة؛ بعض منهم يعمل شيّالا فى نقل البضائع و القمح من السفن إلى المخازن، و بعض آخر يعمل‏

____________

(*) فى العام 1813 الميلادى، سلكت جماعة من هؤلاء التكارنة تقدر بحوالى ستين تكرونيا، هذا الطريق نفسه، و ظن عرب هذه الجبال الذين هم من الوهابيين، الذين شاهدوا مرارا العبيد السود بين الجنود الأتراك، ظنوا أن الحجاج السود يعملون لحساب الأتراك، و منعا لهذه الجماعة من المرور دون التعرض لها، أضلوا هؤلاء التكارنة عن طريقهم، و قتلوا الكثيرين منهم.

22

فى تنظيف الأحواش، و جلب الحطب من الجبال المجاورة، و أهل جدة و مكة يعتمدون اعتمادا تاما على هؤلاء التكارنة فى جلب ذلك الحطب؛ نظرا لأن الفقراء من أهل جدة و أهل مكة لا يقومون بهذا العمل، على الرغم من أن الواحد منهم قد يحصل على أربعة قروش كل يوم نظير القيام بهذه المهمة. فى مكة يصنع هؤلاء التكارنة مدافئ أو وجارات صغيرة من الطين، (يسمونها كانون) و يدهنونها باللونين الأصفر و الأحمر، و الحجاج يشترون هذه المواقد، أو بالأحرى الوجارات، و يستعملونها فى غلى أوانى القهوة، بعض ثالث من هؤلاء التكارنة يصنع سلالا صغيرة، و حصيرا من سعف النخيل، أو يقوم بإعداد و تحضير الشراب المسكر الذى يسمونه البوظة، و بعض رابع من هؤلاء الزنوج يخدم فى مجال السقاية، بمعنى أنهم يعملون سقائين و جالبى مياه. خلاصة القول: إنه فى حال الاحتياج إلى العمل اليدوى يجرى جلب تكرونى من السوق للقيام بهذا العمل. هؤلاء التكارنة إذا ما مرض أحدهم سهر رفاقه على رعايته و قسموا مصروفاته فيما بينهم. و أنا لم أر أحدا من هؤلاء التكارنة يستجدى الناس إحسانا، اللهم إلا باستثناء الأيام الأولى لوصوله، أى قبل تمكنه من الحصول على العمل. و من مكة يسافر هؤلاء التكارنة إلى المدينة (المنورة) بطريق البحر من ميناء ينبع، و فى المدينة المنورة يعمل هؤلاء الناس فى جلب حطب الوقود أيضا. واقع الأمر، أنهم يمكن أن يقعوا فى حيص بيص إذا لم يتمكنوا من الحصول على خدمات الأعمال المضنية التى يقوم بها هؤلاء الزنوج. و قد استمر هؤلاء التكارنة فى أداء فريضة الحج طوال فترة الغزو الوهابى، و يقال إن سعود كان يقدر هؤلاء التكارنة تقديرا خاصا (*).

هؤلاء الزنوج يعودون بعد الحج و زيارات مكة إلى جدة ليستأنفوا العمل من جديد، إلى أن تتهيأ لهم فرصة الإبحار إلى سواكن؛ نظرا لأن قلة قليلة من هؤلاء الزنوج هم‏

____________

(*) يقول المقريزى عن الخلفاء الذين أدوا الحج فى العام 724 الهجرى: إن ملكا زنجيا يدعى موسى وصل إلى القاهرة و هو فى طريقه إلى مكة، و استقبله قلاوون سلطان مصر استقبالا طيبا، و كان بصحبة ذلك الملك- على حد قول المقريزى- أربعة عشر ألف أمة منتقاة.

23

الذين يعودون عن طريق الحبشة، و هم عند ما يغادرون الحجاز تكون بحوزتهم جميعا مبالغ كبيرة، و فروها عن طريق العمل، ليشتروا بها بعض الأشياء الصغيرة، أو يستعينون بها، فى أضعف الأحوال، فى إعاشة أنفسهم عند ما يصلون إلى سواكن، و بذلك تكون رحلة عودتهم أيسر من رحلة الذهاب التى لاقوا فيها مشقة كبيرة، ثم يواصلون بعد ذلك مسيرهم إلى بلدانهم عن طريق شندى و كردفان. عدد كبير من هؤلاء الزنوج ينتشرون بعد أداء فريضة الحج فى سائر أنحاء الجزيرة العربية، و يزورون المسجد الأقصى فى القدس، أو مقام (سيدنا) إبراهيم فى حبرون، و بذلك يتغيب هؤلاء الزنوج عن أوطانهم سنوات طوال، يعيشون خلالها على ناتج العمل الذى يؤدونه أو يقومون به.

لقد غاب عن ذهن المحسنين تأسيس مؤسسة تعمل على تسهيل أداء هؤلاء الزنوج الفقراء لفريضة الحج و كذلك الهنود الفقراء، أو حتى لتسهيل نقل هؤلاء الحجاج الفقراء عبر الخليج الفارسى إلى الحجاز؛ هذا النقل لا يكلف الفقير سوى دولار واحد أو دولارين يشكلان عبئا ثقيلا على كل فقير من هؤلاء الفقراء من الزنوج أو الهنود.

هؤلاء الحجاج الفقراء يصلون إلى موانئ الجانب الإفريقى من الخليج، بعد أن يكونوا قد أنفقوا ذلك القليل الذى أخذوه معهم من أوطانهم، أو يكون قد سرق منهم على الطريق أثناء الرحلة، و عند ما يكتشفون أو يجدون أنفسهم عاجزين عن كسب ما يمكنهم من دفع أجر عبور البحر الأحمر، يضطرون إلى انتظار عودة رفاقهم الأثرياء من الحجاز، ليقوموا بدفع أجر العبور بدلا عنهم على سبيل الإحسان.

فقراء الهنود على العكس من ذلك تماما من حيث المظهر و المخبر؛ وجوه هؤلاء الحجاج الهنود الفقراء توحى ببؤس لا يتصوره عقل؛ إذ يبدو عليهم الضعف و فقدان الأمل. أجسام هؤلاء الهنود تبدو كأنها لا تقوى على تحمل مجرد لفحة الهواء، و أصواتهم ضعيفة و خافتة و واهنة، و هم جديرون بأن يرثى لهم الناس، اللهم إلا إذا أثبتت الخبرة اليومية أنهم تنشرح صدورهم لظهورهم على هذا الحال، الذى يضمن لهم الحصول على الصدقات من المحسنين و أهل الخير، و يكفيهم مؤونة العمل و المشقة.

24

شوارع مكة تعج بالهنود الذين من هذا القبيل، أشد هؤلاء الهنود بؤسا يستجدون المارة و يتوسلون إليهم، و هم رقود على ظهورهم فى منتصف الشارع، و هم يحاصرون أبواب المساجد بصورة دائمة، و البعض منهم يجعلون المقاهى و أسبلة الماء مقاصد لهم، و لا يستطيع أى أحد من الحجاج ابتياع شى‏ء من التموينات فى الأسواق دون مضايقات من هؤلاء الهنود الذين يطلبون أو يشحذون شيئا من هذه التموينات.

شاهدت بعضا منهم و الذين يكثر وجودهم فى شمال الهند و بلاد فارس؛ كان واحد من هؤلاء الشحاذين يضع ذراعه فوق رأسه مباشرة، و قد ثبته على هذا الوضع منذ فترة من الزمن، الأمر الذى يتعذر وضعه فى أى موضع آخر غير هذا الموضع، و من شدة الفضول الذى استثاره لدىّ، صدقت أن تلك الشخصيات يندر أن تشق طريقها إلى الحجاز.

الدراويش من مختلف المذاهب و الطرق فى سائر أنحاء الإمبراطورية التركية يمكن العثور على البعض منهم بين الحجاج. الكثيرون منهم معتوهون، أو يتظاهرون بالعته فى أضعف الأحوال، الأمر الذى يجعل الحجاج يحترمونهم احتراما كبيرا من ناحية و يملأون جيوبهم بالمال من ناحية أخرى. يبلغ سلوك بعض هؤلاء الدراويش من العنف و المكر حدا يجعل الحجاج الميالين إلى فعل الخير يعطونهم شيئا من المال عن طيب خاطر بغية الهرب و الفكاك منهم. هؤلاء الدراويش يأتون فى أغلب الأحيان من بلاد أخر؛ إذ نجد بين العرب أنفسهم قلة قليلة من هؤلاء المجانين، و لكنهم يقلون بين العرب عنهم فى بلاد الشرق الأخرى. مصر، بصفة خاصة عامرة بعدد كبير من هؤلاء الدراويش، بل إن كل قرية من قرى وادى النيل فيها بعض المساليب، أو إن شئت فقل المجانين، الذين ينظر السكان إليهم باعتبارهم ملهمين، و أنهم مباركون من السماء (*).

____________

(*) فى العام 1813 الميلادى، شرفت الأقلية المسيحية فى قوص، فى الوجه القبلى، بوجود شاب كان يمشى فى الأسواق عاريا تماما، و لكن مسلمى هذا البلد، عند ما ازداد غيظهم من ذلك الشاب، أمسكوا به فى إحدى الليالى و حولوه إلى ولىّ مسلم عن طريق إجراء الختان له.

25

وصول الأجانب و الغرباء من سائر أنحاء العالم الإسلامى بدءا من تمبكتو إلى سمرقند. و من جورجيا إلى بورنيو، هو الذى يجعل من جدة هدفا مبتغى لعينى الرحال الأوروبى الفضولى، الذى يستطيع عن طريق تقديم المساعدة و العون للحجاج الفقراء، و إنفاق مبلغ صغير على المؤن و التموينات المطلوبة لهم، جذب أعداد كبيرة منهم إلى منزله الذى يقيم فيه، و قد يحصل على معلومات كثيرة عن كثير من الأجزاء و الأماكن البعيدة و غير المعروفة فى كل من آسيا و إفريقيا. كل هؤلاء الغرباء، باستثناء الطبقات العليا من المكيين، يؤجرون منازلهم أثناء الحج، و يطلبون من مستأجر الباطن أجرا عن أسابيع أو أشهر قليلة يعادل ما يدفعونه للمالك عن عام كامل.

و أنا شخصيا، دفعت أجرة عن غرفة واحدة و مطبخ صغير و مكان أو ملحق صغير لخادمى، خمسة عشر دولارا، عن مدة ستة أسابيع، هذا المبلغ يساوى إجمالى القيمة الإيجارية للمنزل بكامله عن عام واحد، و كان يتعين علىّ دفع هذا المبلغ لو أنى استأجرت هذا السكن خلال الأربعة عشر يوما السابقة للحج أو التالية له. كان البيت الذى استأجرت فيه ذلك السكن مقسما إلى مساكن عدة، و كان مؤجّرا كله لحجاج متباينين بمبلغ مائة و عشرين دولارا، بعد أن رضى صاحب المنزل لنفسه العيش فى سكن وضيع يرفض الغرباء السكنى أو الإقامة فيه.

بعض الذين يأتون إلى مكة بأعداد كبيرة قبل القافلة، يكونون من التجار المحترفين، و آخرون كثيرون يحضرون معهم بعض البضائع الصغيرة طلبا لبيعها، الأمر الذى يجعلهم يتخلصون منها بلا تعب أو مشقة. من هنا يقضى هؤلاء الناس الفترة السابقة للحج فى متعة و سرور، بعيدا عن الهموم و المخاوف فى فراغ ممتع و مريح على حد قول الآسيويين. و نحن إذا ما استثنينا أفراد الطبقة الراقية جدا، نجد أن الحجاج يعيشون مع بعضهم البعض عيشة حرية و مساواة، و هم لا يلجأون إلى استخدام الخدم إلا فى قليل من الأحيان، بل إن الكثيرين منهم لا يستعملون الخدم مطلقا، و يقسمون مختلف الأعمال المنزلية فيما بينهم، مثل إحضار التموينات من السوق و طهو الطعام، على الرغم من اعتياد الحجاج على استخدام الخدم فى هذه‏

26

الأغراض فى بلادهم. هذا يعنى أن المتاعب و المشاق التى يكابدها الحجاج أثناء السفر، تجعل من هذه الفترة فترة تمتع بين أهل الشرق كما هو الحال عند الأوروبيين، يضاف إلى ذلك أن وجودهم فى مكة يولّد السعادة فى داخلهم، فى حين تزيد قراءة القرآن، هى و التدخين فى الشوارع أو المقاهى، و كذلك الصلاة و تجاذب أطراف الحديث داخل الحرم المكى، كل ذلك يزيد من تفاخر الحجاج بقربهم من بيت اللّه الحرام، كما يزيد أيضا من المكارم و التشريفات التى يحظى بها لقب الحاج طوال بقية الحياة، يزاد على ذلك إشباع المشاعر و العواطف الدينية و كذلك الآمال المستقبلية، التى لها تأثيرها على الحجاج. و الحجاج الذين يجيئون عن طريق القوافل يزجون وقتهم بطريقة مختلفة تماما، هؤلاء الحجاج بعد أن ينتهوا من رحلتهم المضنية يتعين عليهم القيام بالاحتفائيات المتعبة التى تتمثل فى زيارة الكعبة و العمرة، و بعد ذلك مباشرة يعجلون بالذهاب إلى عرفات ثم مكة، و مع شدة الإرهاق الناجم عن الرحلة يتعرضون لهواء جبال الحجاز الذى لا يحميهم منه سوى ملابس الإحرام الخفيفة، ثم يعودون بعد ذلك إلى مكة، و لا يكون أمامهم سوى أيام قلائل يستجمعون قوتهم خلالها، و القيام بزيارة بيت اللّه مرات عدة، و بعدها تبدأ القافلة رحلة العودة، و يتحول الحج كله إلى محاكمة قاسية للقوة الجسدية، و سلسلة مستمرة من المتاعب و الحرمان. و مع ذلك، فإن هذا الأسلوب من أساليب زيارة هذه المدينة المقدسة (مكة)، فى رأى كثير من أهل العلم المسلمين، الذين يظنون أن طول الإقامة فى الحجاز، و بغض النظر عن حسن النية، لا يفيد العقيدة الحقة كثيرا؛ نظرا لأن النظر يوميا إلى الأماكن المقدسة يقلل و يضعف من الانطباع الذى يحدث فى نفوس الزائرين عند ما يشاهدون بيت الله للمرة الأولى، و على الرغم من تناقص الحماس الإسلامى بشكل عام، فإن هناك أيضا بعض المسلمين الذين لا يزال إيمانهم يدفعهم إلى زيارة الأماكن المقدسة مرارا. تعرفت على بعض الأتراك الذين كانوا يقيمون فى القاهرة، و الذين كانوا يؤدون فريضة الحج كل عام، على الرغم من وجود الأماكن المقدسة فى أيدى الوهابيين، و كانوا يسافرون لأداء الحج عن طريق ميناء القصير فى مصر. يضاف إلى ذلك، أن هناك قلة قليلة من الناس يقيمون فى مكة بصفة دائمة، أملا فى أن يمضوا ما تبقى من حياتهم فى أعمال التقوى‏

27

و الابتعاد عن الدنيا. أثناء مقامى فى مكة وصل إليها أحد أعيان الأتراك قادما من القسطنطينية؛ كان ذلك الرجل يعمل قهوجى باشا مع السلطان سليم، و قد سمح له الحاكم الجليل الحالى بالذهاب إلى مكة على أمل أن يتوفاه اللّه فى تلك الأراضى المقدسة، و قد أعلن عن وصول ذلك الرجل عن طريق الهبات الأميرية التى قدمها للمسجد الحرام.

القافلة السورية و القافلة المصرية تصلان دوما فى مواعيد محددة، و عادة ما يكون ذلك قبل يوم أو يومين من الصعود إلى جبل عرفات. القافلتان تمران على منطقة بدر، إما فى اليوم نفسه، و إما بفاصل يوم واحد فقط. و القافلة السورية تأتى من المدينة (المنورة) فى حين تأتى القافلة المصرية من ينبع النخل، و تسلكان طريقهما من بدر إلى مكة، بفارق مسافة قصير فيما بينهما. و فى اليوم الخامس من شهر ذى الحجة من العام 1229 الهجرى، المصادف لليوم الحادى و العشرين من شهر نوفمبر من عام 1814 م، أعلن أحد مقوّمى القافلة السورية عن وصول القافلة، بعد أن وصل جريا إلى مكة، أملا فى الحصول على الجائزة المخصصة للسباق فى مثل هذه المناسبة، أو لمن يحمل أول أنباء وصول هذه القافلة بسلام. و كانت أصوات الدهماء العالية ترافق ذلك السباق إلى بيت والى المدينة، الذى نفق عنده حصان ذلك السباق فور وصوله إلى المكان. كان خبر وصول القافلة مهما جدا؛ نظرا لأن الناس لم يسمعوا شيئا عن تلك القافلة، بل كانت هناك شائعات عن مهاجمة البدو لتلك القافلة و سلبها و نهبها عند ما كانت على الطريق المؤدى إلى شمال المدينة (المنورة)، بعد ذلك بساعتين، بدأ أناس كثيرون من أفراد القافلة يصلون إلى مكة، و عند ما دخل الليل كانت القافلة قد وصلت بكاملها، و نصبت خيامها، و باشا دمشق على رأسها، فى سهل الشيخ محمود.

وصلت القافلة المصرية فى ساعة مبكرة من صباح اليوم التالى، و جرى إرسال الأمتعة و الإبل إلى المكان المعتاد لتخييم الحج المصرى، فى المعابدة، و لكن المحمل، أو إن شئت فقل الجمل الموقر، فقد بقى فى الشيخ محمود، حتى يمكن له أن ينطلق‏

28

من الشيخ محمود، فى موكب اليوم التالى، متجولا فى سائر أنحاء مدينة مكة. و يصل محمد على باشا، بصورة مفاجئة فى صباح ذلك اليوم قادما من الطائف لأداء الحج، و للتفتيش على الخيالة التى جاءت برفقة القافلة المصرية، و التى كانت بمثابة دعم زاد آمال الرجل فى الانتصار على الوهابيين. كان محمد على يرتدى ملابس إحرام غاية فى الأناقة؛ إذ كان يلف شالا كشميريا ناصع البياض حول وسطه، و آخر ناصع البياض أيضا حول كتفيه، كان رأس الرجل عاريا، لكن كان هناك ضابط يحمل شمسية يظلل بها ذلك الرأس و يحيمه من الشمس أثناء تجوال محمد على باشا و هو راكب جواده فى شوارع مكة. فى صباح هذا اليوم نفسه، ارتدى الحجاج المقيمون فى مكة ملابس الإحرام فى منازلهم، متبعين فى ذلك الطقوس المعتادة، فى مسألة الصعود إلى عرفات، و عند الظهر تجمع الجميع فى المسجد، حيث ألقيت خطبة قصيرة بهذه المناسبة. كان الحجاج الذين جاءوا مع القافلة قد ارتدوا ملابس الإحرام فى عصفان، التى تبعد عن مكة مسير محطتين، لكن عددا كبيرا من هؤلاء الحجاج و بخاصة الخدم و الجمّالة لم يخلعوا ملابسهم المعتادة، بل ظهروا فى عرفات و هم يرتدون هذه الملابس، دون أن يتسبب ذلك فى إحداث شى‏ء من القلق أو المفاجات.

المكان هنا خال من الشرطة الدينية أو شرطة التفتيش، و كل إنسان هنا يفعل ذلك الذى يمليه عليه ضميره فيما يتصل بمراعاة أحكام الشريعة أو عدم مراعاتها.

يسود المدينة فى ذلك المساء نشاط مهتاج و صاخب. كان الجميع منشغلين بالاستعداد للصعود إلى عرفات، راح الحجاج السوريون يبحثون عن المساكن المخصصة لهم، و يتساءلون عن أحوال الأسواق، و يقومون بزياراتهم الأولى للكعبة.

غادر بعض الباعة الجائلين، و معهم أصحاب المحلات الصغيرة ليقيموا لأنفسهم محلات فى عرفات، و يستعدوا لوصول الحجاج. قام بعض الجمّالة المصريين و السوريين باقتياد إبلهم غير المحملة عبر الشوارع و هم يعرضون تأجير تلك الإبل لمن يريد الصعود إلى عرفات. كان سعر استئجار الإبل فى ذلك العام معتدلا تماما؛ نظرا لوفرة دواب الحمل بأعداد كبيرة، و قد استأجرت اثنين من هذه الإبل لرحلة مدتها أربعة أيام إلى عرفات ثم العودة منها، نظير ثلاث دولارات.

29

فى اليوم الثامن من ذى الحجة، و فى الصباح الباكر، مر الحج السورى على شكل موكب خلال شوارع المدينة، و بصحبته كل الجنود المرافقين له للحراسة، فى حين كان المحمل يتقدم موكب الحج. كان الحج السورى قد ترك أمتعته كلها فى الشيخ محمود، فيما عدا الخيام التى سيجرى نصبها فى عرفات. كان السواد الأعظم من الحجاج يركبون داخل شبريات، التى هى نوع من الهوادج التى توضع على ظهور الإبل، لكن الأعيان هم و باشا دمشق كانوا يركبون فى تختاروانات؛ و التختاروان عبارة عن صندوق مغلق يحمله جملان، أحدهما فى الأمام و الثانى فى الخلف، و التختاروان عبارة عن نقالة مريحة باستثناء أنه يحتاج إلى سلم نقالى للصعود إليه و النزول منه. و يجرى تزيين رأس الجملين باستعمال الريش و الشراريب، و الأجراس، لكن رءوس الإبل المتدلية نحو الأسفل، توضح مدى الإرهاق الذى أصابها بسبب الرحلة. بينما كانت تلك الإبل تمر فى الشوارع، التى كانت عامرة و مزدحمة بأناس من مختلف الطبقات، كانوا يحيّون القافلة بالهتافات و الثناء و الإعجاب. كانت الموسيقى العسكرية الخاصة بباشا دمشق، و المكونة من حوالى عشرة أفراد يركبون الخيول، تتقدم" تختاروان" الباشا، و التختاروان الفاخر الذى كانت تركب فيه نساء الباشا، و الذى كان يسترعى الانتباه بصورة خاصة.

جاء الموكب المصرى عقب مرور الموكب السورى مباشرة، و كان مكونا من المحمل (نظرا لأن القافلتين لكل منهما محمل خاص بها)، ثم بعد ذلك الشبريات التى كان يركب فيها الموظفون العموميون الذين يصاحبون الحج بصورة دائمة، و لم أر حاجا واحدا ضمن هذا الموكب. و قد نال المظهر الجميل للجنود المرافقين للموكب، هو و المحمل الرائع الفخم، و كذلك مظاهر الأبهة المحيطة بأمير الحج، الذى كان قائدا للخيالة الأتراك، و الذى كان يدعى دلهيس، نال كل ذلك إعجاب المكيين، و كثيرا من علامات الاستحسان، مثلما حدث مع الموكب الذى سبق الموكب المصرى. واصلت القافلتان سيرهما إلى عرفات بلا توقف.

قبل دخول وقت الظهيرة كان الحجاج كلهم، الذين يقيمون فى مكة منذ مدة، قد ركبوا إبلهم أيضا، و ازدحمت بهم شوارع مكة و هم يمشون فى موكب الحج، و انضم إليهم السواد الأعظم من سكان مكة، الذين اعتادوا الذهاب كل عام إلى عرفات،

30

كما انضم إلى ذلك الركب أيضا بعض من أهل جدة الذين كانوا يتجمعون فى مكة منذ فترة قصيرة. و تبقى بوابات جدة مغلقة طوال خمسة أيام أو ستة بعد أن يهجرها هذا العدد الكبير من السكان.

غادرت سكنى ماشيا على قدمىّ، و بعد ظهر ذلك اليوم، و بصحبة رفيق و عبد ركبنا جملين، استأجرتهما من جمّال سورى، من مواطنى بلدة حمص. هناك اعتقاد مفاده أن ثواب الرحلة التى تقدر بمسير ست ساعات إلى عرفات يكون أكبر و أجزى إذا ما قطعها الحاج سيرا على الأقدام، و بخاصة عند ما يكون حافى القدمين. فعل كثير من الحجاج ذلك الشى‏ء، أى صعدوا إلى عرفة سيرا على الأقدام و هم حفاة، و أنا فضلت ذلك نظرا لأنى عشت حياة ثبات و قلة حركة طوال بضعة أشهر. أمضينا ساعات عدة قبل أن نصل إلى الحدود الخارجية للمدينة فى المنطقة الواقعة خلف المعابدة، كانت هناك أعداد كبيرة من الإبل، و وقعت أحداث كثيرة؛ كان من بين الحجاج المرتدين ملابس الإحرام طائفة جالسة تقرأ القرآن و هم راكبون جمالهم، بعض آخر من هؤلاء الحجاج كان يلهج بالدعاء بصوت عال، بعض ثالث كانوا يلعنون جمّاليهم و يسبونهم، و يتشاجرون مع القريبين منهم الذين كانوا يزاحمونهم على الطريق. خلف المدينة، يبدأ الطريق فى الاتساع، و مضينا خلال الوديان، فى مسيرة بطيئة، مدة ساعتين، إلى أن وصلنا وادى منى الذى حدث تزاحم شديد عند مدخله الضيق. الشرع ينص على أن الحاج يتعين عليه تمضية خمس صلوات فى منى؛ إذ كان محمد (صلى اللّه عليه و سلم) يفعل الشى‏ء نفسه، و يبقى فى منى إلى صباح اليوم التالى، إلى أن يصلى العصر، و المغرب، و العشاء، ثم صلاة فجر اليوم التالى. و قد أدى الارتباك الناتج عن التأخير فى الطريق إلى إهمال هذا الشرط إلى حد ما فى الماضى، و أصبح الحاج اليوم يمر بمنى و هو فى طريقه إلى عرفات.

قبل منى شاهدنا عن يميننا مسجد مزدلفة، الذى قصده كثير من الحجاج لأداء صلاة العصر و صلاة المغرب، و لكن القافلة واصلت مسيرها. خلف مزدلفة، دخلنا الجبل من جديد عن طريق الممر الذى يطلقون عليه اسم المأزومين، على الجانب الشرقى الذى انطلقنا منه إلى جبل عرفات. فى هذا المكان يمر الحجاج بين عمودين يسميان العلمين، و عند ما يصل الحجاج إلى مقربة من المناطق المجاورة لعرفات،

31

يتفرقون فوق السهل بحثا عن أماكن التخييم. وصلت المخيم بعد ثلاث ساعات من غروب الشمس، لكن الشاردين الآخرين لم يصلوا إلا بعد منتصف الليل، و شاهدت النيران التى شبها الحجاج على رقعة من الأرض يصل طولها إلى ثلاثة أميال أو أربعة، و كانت هناك ثريات ساطعة تضى‏ء مصابيحها سائر أنحاء المخيم الخاص بمحمد على باشا، و سليمان باشا، و أمير الحج فى القافلة المصرية. شاهدت الحجاج و هم يتجولون بين الخيام بحثا عن رفاقهم، الذين تاهوا منهم على الطريق، و لم تهدأ الضوضاء أو يقل ذلك الارتباك إلا بعد مضى ساعات عدة. نامت قلة قليلة من الناس أثناء الليل، و بقى المتقون ساهرين طوال الليل يدعون اللّه و يسبحونه و هم يترنمون بأصوات عالية، و بخاصة أهل المخيم السورى، فى حين شكل المكيون أنفسهم على شكل جماعات، و هم يرددون الأذكار الربانية التى يطلقون عليها اسم الجوق، و يصحبون التغنى بها بالتصفيق بالأيدى، و بقيت المقاهى المنتشرة على سهل عرفة مزدحمة بالزبائن طوال الليل.

كان الليل حالك الظلام و باردا و تساقطت على الناس حبات المطر، و كنت قد شكلت لنفسى مكانا للراحة عن طريق سجادة كبيرة ربطتها فى الجزء الخلفى من خيمة أحد المكيين، و رحت أتجول طوال القسم الأكبر من الليل، كنت قد أسلمت نفسى للنوم، عند ما سمعت طلقتين من بندقيتين، واحدة منهما فى الحج السورى و الثانية فى الحج المصرى، تعلنان دخول فجر يوم الحج، و تدعوان المؤمنين إلى الاستعداد لأداء صلاة الصبح.

و لتوضيح الرواية التالية، أرفق هنا مخططا لسهل عرفات، و الأرقام و العلامات الموضحة فى ذلك المخطط على النحو التالى‏ (*):

____________

(*) 1- جبل عرفات. 2- المكان الذى صلى فيه محمد (صلى اللّه عليه و سلم) عند قمة الجبل. 3- حلبة الخطيب.

4- موضع سيدنا آدم. 5- جامع الصخرة. 6- وادى أماه. 7- خيمة زوجة محمد على باشا.

8- القافلة المصرية. 9- خيمة محمد على باشا. 10- مخيم خيالة محمد على. 11- القافلة السورية.

12- خيمة سليمان باشا. 13- مخيم خيالة سليمان باشا. 14- خيمة عائلة الجيلانى. 15- مخيم كبار شخصيات مكة و الحجاج الأتراك الذين لم يجيئوا بصحبة القافلة. 16- مخيم الهنود و مكان الطبقة الدنيا الذى يحمل الرمزb ، و قافلة اليمن المكية، و المكان الذى اضطررت إلى التخييم فيه.

17- السوق. (انظر الخارطة رقم (1): سهل عرفة).

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

مع شروق شمس اليوم التاسع من شهر ذى الحجة يخرج كل حاج من خيمته، ليتمشى فى سهل عرفة و يلقى نظرة على الجماهير الحاشدة المتجمعة فوق السهل.

شوارع طويلة من الخيام، مجهزة للعمل كأسواق شرقية، تبيع كل أنواع المؤن و التموينات. كان الخيالة المصريون و الخيالة السوريون قد جرى تسريحهم بواسطة رؤسائهم فى الصباح الباكر، فى حين كانت آلاف الجمال ترعى العشب الجاف الموجود فى سائر أنحاء المخيم. صعدت جبل عرفات لكى أتمتع منها بمنظر أكثر وضوحا و تميزا للوادى بكامله. هذا التل الجرانيتى الذى يطلقون عليه أيضا اسم جبل الرحمة يرتفع فى الناحية الشمالية الشرقية من سهل عرفات بالقرب من الجبال التى هو جزء منها و لكن يفصله عنها واد صخرى، و سهل عرفة يتردد محيطه بين ميل واحد، و ميل و نصف الميل، و أجناب السهل محددة، كما أن قمة السهل يصل ارتفاعها إلى حوالى مائتى قدم فوق مستوى السهل. على الجانب الشرقى نجد أن السلم الحجرى العريض يؤدى إلى قمة السهل، كما نجد فى الجانب الغربى أيضا ممرا عريضا غير ممهد، فوق كتل من الجرانيت الغشيم الذى يستر انحدار السهل. بعد أن ارتقيت حوالى أربعين درجة من درجات ذلك السلم العريض، عثرت على بقعة تنحدر قليلا إلى الشمال، و يطلقون عليها اسم موضع سيدنا آدم، أو إن شئت فقل: المكان الذى كان يدعو فيه سيدنا آدم، و الناس يقولون: إن أبا البشر كان يتوقف فى ذلك المكان برهة و هو يدعو اللّه (سبحانه و تعالى)، و الحديث الشريف يقول: إن (سيدنا) جبريل علم آدم أول مرة كيف يعبد خالقه (سبحانه و تعالى)، و هناك لوح من الرخام، عليه نقش حديث، مثبت على جانب الجبل. و بعد أن ارتقيت السلم إلى الدرجة الستين، وصلت إلى حلبة ممهدة على الجانب الأيمن، على جزء مستو من التل، يقف عليها الخطيب، و هو يخطب فى الحجاج فى عصر ذلك اليوم، على النحو الذى سأوضحه فيما بعد.

عند هذا الارتفاع، تتسع درجات السلم و تسهل على نحو يتمكن معه الحصان أو الجمل من الصعود، لكن فى الارتفاعات الأعلى من ذلك تصبح تلك الدرجات أكثر انحدارا و غير مستوية، و عند قمة السهل يتضح المكان الذى اعتاد سيدنا محمد (صلى اللّه عليه و سلم)

34

الجلوس فيه أثناء الحج؛ كان هناك مسجد صغير من قبل فى هذا الموضع، و لكن الوهابيين دمروا ذلك المسجد، و قد جرت العادة أن يصلى الحجاج ركعتين فى هذا المكان، من باب التحية لعرفات. هذا الدرج هو و القمة مغطيان بالغتر و المناديل لاستقبال أو تلقى العطايا الناجمة عن التقوى و الورع، و كل أسرة من الأسر المكية، أو البدو المنتمين إلى قريش لهم مكان محدد لهذا الغرض. و قمة السهل تستحوذ على منظر مترام فريد، و تناولت البوصلة لكى أرصد بعض الزوايا و لكن الزحام الشديد حال بينى و بين ما أريد. فى أقصى الطرف الغربى من السهل شاهدت بير بازان و العلمين، و على مقربة من منى فى اتجاه الجنوب، يقع المسجد الذى يسمونه مسجد نمرة، أو بالأحرى جامع سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، و فى الجنوب الشرقى، يوجد منزل صغير جرت العادة أن يقيم فيه شريف مكة أثناء الحج. و تمتد من هذا المكان أرض صخرية مستوية مرتفعة داخل السهل متجهة صوب جبل عرفات. و على الجانب الشرقى من الجبل، و بالقرب من سفحه، توجد أنقاض مسجد صغير، مبنى على أرض صخرية، و يطلق عليه اسم جامع الصخرات، الذى صلى فيه سيدنا محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و الذى يؤدى المسلمون فيه أربع ركعات تأسيا بالنبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و تنتشر فوق السهل خزانات عدة مبطنة بالحجر؛ اثنان أو ثلاثة من هذه الخزانات تقع بالقرب من سفح جبل عرفات، و هناك أيضا بعض هذه الخزانات المائية بالقرب من منزل الأشراف، هذه الخزانات تملأ من المجرى المائى الدقيق الذى يزود مكة كلها بالماء، و الذى يبعد مصدره مسير ساعة و نصف الساعة عن هذا المكان، فى الجبال الشرقية. هذا المجرى مكشوف هنا فى سهل عرفة لكى يفيد منه الناس (الحجاج) و يجرى توجيهه حول الجوانب الثلاثة للجبال مرورا بموضع سيدنا آدم‏ (*).

____________

(*) نقلا عن قطب الدين؛ نجد أن ساحل عرفات كله كان منزرعا فى أواخر القرن السادس عشر.

35

من قمة جبل عرفات استطعت إحصاء، حوالى ثلاثة آلاف خيمة كانت منتشرة فى سائر أنحاء السهل، كان ثلثا هذا العدد من الخيام خاص بالحجاج و قوافلهم، و لحاشية محمد على باشا و جنوده، أما الثلث المتبقى فكان يخص عرب الشريف، و الحجاج البدو، و أهل مكة وجدة. هذه الجماهير الحاشدة كان القسم الأكبر منها بلا خيام مثلى تماما. كانت القافلتان قد خيمتا بلا نظام إلى حد بعيد، هذا يعنى أن كل جماعة من الحجاج أو الجنود كانت قد نصبت خيامها على شكل دوائر كبيرة أو على شكل دواوير، وضعوا إبلهم فى منتصفها. كان السهل يحتوى على ما بين عشرين ألف جمل و خمسة و عشرين ألفا، منتشرة فى أجزاء مختلفة؛ كان من بين هذا العدد حوالى اثنى عشر ألف جمل تابعة لقافلة الحج السورية، و حوالى خمسة آلاف جمل أو ستة آلاف تابعة لقافلة الحج المصرية، إضافة إلى ثلاثة آلاف جمل أخرى اشتراها محمد على باشا من البدو فى الصحراء السورية، و أحضرها إلى مكة مع قافلة الحج المصرية، لنقل الحجاج إلى هذا المكان، قبل استعمالها فى نقل مؤن الجيش إلى الطائف.

كانت قافلة الحج السورى مخيمة على الجانب الجنوبى الغربى من الجبل، فى حين كانت قافلة الحج المصرى مخيمة على الجانب الجنوبى الشرقى من الجبل نفسه.

كانت قوات البدو مخيمة حول منزل الشريف يحيى، و بجوار هذا المنزل كان أهل الحجاز مخيمين. كانت قافلتا اليمن قد اعتادتا التخييم فى هذا المكان و تجعلان منه محطة لهما. كان لمحمد على باشا، هو و سليمان باشا دمشق، و معهما ضباط عدة، خيام غاية فى الروعة و الجمال، و لكن أجمل جميلات تلك الخيام كانت خيمة زوجة محمد على باشا، أو إن شئت فقل: أم طوسون باشا و إبراهيم باشا، التى كانت قد وصلت مؤخرا قادمة من القاهرة لأداء فريضة الحج، و بصحبتها معدات و مستلزمات ملكية بحق و حقيقة، و استلزم الأمر استعمال خمسمائة جمل لنقل أمتعتها من جدة إلى‏

36

مكة. واقع الأمر إن خيمة زوجة محمد على باشا كانت مخيما مكونا من حوالى عشر خيام متباينة الأحجام، تنزل فيها النساء المرافقات لها، و كانت الخيمة كلها محاطة بسور من قماش الكتان، و نقدر محيطه بحوالى ثمانمائة خطوة، و كان يحرس مدخل هذه الخيمة بعض الطواشية الذين يرتدون ملابس رائعة. داخل هذا المسوّر كانت تنصب خيام الرجال الذين يدخلون ضمن حاشيتها الكبيرة. هذا التطريز الجميل الذى يزين ذلك القصر الكتانى من الخارج، و كذلك الألوان المتباينة التى فى كل جزء أو ركن من أركان هذا القصر، كل ذلك كان يشكل شيئا ذكرنى ببعض الأوصاف الواردة فى ثنايا حكايات ألف ليلة و ليلة. لم يبرز من بين حاشيات الحجاج الأثرياء، أو من بين أهل مكة، أحد مثل عائلة الجيلانى، ذلك التاجر الذى نصبت خيمته على شكل نصف دائرة، و كانت تضارع من حيث الجمال و الأبهة خيمة محمد على باشا، و خيمة سليمان باشا، كما كانت تتفوق تماما على خيمة الشريف يحيى. فى أجزاء أخرى من بلاد الشرق، قد يجرّ التاجر الثرى الهلاك على نفسه، إذا ما راح يستعرض ثراءه فى حضرة باشا من الباشوات، لكن الجيلانى لم يتخل عن التقاليد التى تعلمها المكيون فى ظل الحكم القديم، و بخاصة زمن الشريف غالب، الذى لم يحدث أن مارس ضغطا على أى فرد من الأفراد، يضاف إلى ذلك أن هؤلاء التجار يعتمدون حاليا على وعود محمد على باشا، التى تقضى باحترامه لثرواتهم و ممتلكاتهم.

و يتكرر طوال الفترة الصباحية إطلاق دانات المدافع التى جلبها كل من محمد على و سليمان باشا معهما. قلة قليلة فقط من الحجاج هم الذين اتخذوا لأنفسهم مناطق خيموا فيها على جبل عرفات نفسه، و بخاصة فى المناطق التى يتوفر فيها بعض التجاويف الصغيرة أو الصخور المعلقة التى قد تحميهم من أشعة الشمس. هناك اعتقاد عام فى الشرق، يزكيه الحجاج عند ما يعودون إلى أوطانهم، مفاده أن الحجاج فى ذلك اليوم، يكونون جميعا فوق جبل عرفات، و أن الجبل له خاصية المعجزات، و أنه يتمدد و يتسع فى ذلك اليوم، لكى يتسع عند قمته ليضم عددا غير محدود من المؤمنين.

37

الشريعة تنص على أن الوقفة، أو مكان الحج، ينبغى أن تكون على جبل عرفات، لكن الشرع بحكم الضرورة ينص أيضا على أن السهل فى الأرض المجاورة مباشرة لجبل عرفات يمكن اعتباره أيضا داخلا فى مصطلح" الجبل" أو بالأحرى جبل عرفات.

و أنا شخصيا، قدرت عدد الأفراد المتجمعين بما يصل إلى حوالى سبعين ألف نسمة، و كان طول المخيم يتراوح بين ثلاثة أميال و أربعة أميال أما عرضه فكان يتردد بين ميل واحد و ميلين تقريبا. و ليس هناك مكان فى الدنيا كلها، صغير على هذا النحو، و يضم هذه اللغات المتباينة؛ تعرفت حوالى أربعين لغة من هذه اللغات، و لا يخامرنى أى شك فى وجود عدد من اللغات أكبر بكثير من العدد الذى أحصيته. و قد بدا الأمر لى كأنى وضعت داخل معبد مقدس لا يضم سوى المسافرين و المترحلين، و لم يسبق لى قبل الآن الإحساس بهذه الرغبة الشديدة فى اختراق أعماق فجوات بلدان كثير من هؤلاء الأشخاص الذين أراهم الآن أمامى، متخيلا أنى لا يمكن أن أواجه أية صعوبات فى الوصول إلى بلادهم، و ذلك على العكس من المصاعب التى خبروها و مروا بها فى رحلاتهم التى قطعوها وصولا إلى هذا المكان.

الذهن عند ما ينشغل بهذا العدد الهائل من الموضوعات، يجعل الوقت يمضى سريعا؛ كل ما فعلته هو أنى نزلت من جبل عرفات، و رحت أتجول فى سائر أنحاء المخيم لفترة قصيرة؛ كنت أتجول هنا و هناك و أدخل فى حوارات مع الحجاج؛ باحثا فى المخيم السورى عن بعض أصدقائى، و كنت أتجول أيضا بين البدو السوريين؛ بحثا و تصيدا لأخبار عن صحرائهم، إلى أن انقضت فترة الظهيرة. الصلاة يجب أن تؤدى داخل أو بالقرب من مسجد نمرة، و هو المكان الذى لجأ إليه محمد على باشا و سليمان باشا تحقيقا لهذا الهدف. القسم الأكبر من الحجاج يتحللون من مراعاة هذا الطقس، كما يتغاضى الكثيرون منهم عن صلاة الظهر تماما؛ و السبب فى ذلك أن الناس فى عرفة لا يشغلون أنفسهم بمسألة ما إذا كان جيرانهم يواظبون أو لا يواظبون على أداء

38

الطقوس المحددة. بعد الظهر، يتعين على الحجاج الاغتسال و تطهير البدن، عن طريق الوضوء الكامل حسبما هو منصوص عليه فى الشرع، و هو ما يسمى الغسل، الذى نصبت من أجله خيام عدة فى السهل، لكن الجو كان ملبدا بالغيوم، و باردا إلى حد ما، الأمر الذى أقنع تسعة أعشار الحجاج، الذين كانوا يرتعشون تحت ملابس الإحرام الخفيفة، بالتغاضى عن طقس الغسل هذا، و الاستغناء عنه بالوضوء المعتاد.

دخل وقت العصر (حوالى الساعة الثالثة بعد الظهر) و هو الوقت المحدد لحدوث ذلك الطقس من طقوس الحج، الذى من أجله جاء هذا الجمع كله إلى هذا المكان. و هنا همّ الحجاج و راحوا يتجهون صوب جبل عرفات، و غطوا جوانبه من القمة إلى القاع، و فى التوقيت المحدد للعصر صعد الواعظ، أو بالأحرى الخطيب و وقف على الحلبة التى على الجبل، و راح يخطب فى الجموع. هذه الخطبة التى تستمر إلى غروب الشمس تشكل الطقس المقدس من طقوس الحج، و الذى يطلقون عليه اسم خطبة الوقفة، و أى حاج حتى إن كان قد زار أماكن مكة المقدسة كلها، لا يمكن أن يقال له حاج إلا إذا كان حاضرا لخطبة الوقفة هذه على جبل عرفات، و بعد الانتهاء من صلاة العصر يبدأ تقويض الخيام، و حزم الأشياء كلها، و تبدأ القوافل عملية التحميل، و يبدأ الحجاج فى ركوب الإبل، و يتزاحمون فى سائر أنحاء جبل عرفات، لكى يكونوا على مقربة من الخطيب، إذ يكفى أن يكون الحجاج على مقربة من الخطيب. هذا هو محمد على باشا، و سليمان باشا، و قد وقف الخيالة من خلفهما على شكل سريتين، بحيث كان موقعهما فى مؤخرة صفوف إبل الحجاج المتراصة، و كان أهل الحجاز قد انضموا إلى هذا العدد الغفير من الحجاج، و راح الجميع ينصتون فى خشوع و احترام إلى أن تنتهى خطبة الوقفة. كان الشريف يحيى يجلس على بعد مسافة كبيرة من الخطيب، و معه مجموعة حرسه الصغيرة، التى كان جنودها يتميزون عما حولهم، لأنهم كانوا يحملون بيارق خضراء اللون يضعونها أمامهم، و شق المحملان، اللذان يحمل كل منهما البيرق المميز لقافلته، طريقهما بصعوبة بالغة عبر صفوف الإبل التى كانت تحيط

39

بالجانبين الجنوبى و الشرقى من التل المقابل للخطيب، و اتخذا لهما مكانا أسفل الحلبة المواجهة لهما مباشرة فى حين كان الحرس يحيطون بهما. (*)

كان الخطيب، أو بالأحرى الواعظ، الذى عادة ما يكون هو قاضى مكة، راكبا على جمل أنيق جرى اقتياده إلى الحلبة عن طريق السلم، و الموروث يقول إن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) كان يجلس دوما و هو يتحدث إلى أتباعه، و هذا هو ما يفعله الخلفاء اقتداء به (صلى اللّه عليه و سلم) عند ما يأتون للحج، و الذين بدأوا اعتبارا من ذلك التاريخ يتحدثون إلى رعاياهم حديثا شخصيا مباشرا. و مع ذلك لم يستطع أتراك القسطنطينية، الذين لم يعتادوا ركوب الإبل، المحافظة على جلستهم مثلما كان يفعل النبى البدوى القوى؛ نظرا لأن ركوب‏

____________

(*) المحمل (الذى قدم له دى أوليسون‏D`olisson وصفا دقيقا) عبارة عن إطار خشبى عال مجوف، على شكل مخروط، و له قمة هرمية الشكل مغطاة بستارة من الحرير الفاخر و مزينة بريش النعام، و فيها كتاب صغير فيه دعوات و أوراد، موضوع فى منتصف هذه القمة هرمية الشكل، و ملفوف فى قطعة من الحرير.

(الوصف الذى أورده هنا مأخوذ عن المحمل المصرى.) و المحمل أثناء السير يكون بمثابة البيرق الشريف للقافلة، و عند عودة القافلة المصرية، يجرى عرض الكتاب فى مسجد الحسين، فى القاهرة، يقوم رجال الطبقات الدنيا و نساؤهم بتقبيله، و يطلبون البركة بأن يروحوا يحكّون وجوههم فى هذا الكتاب.

محمل القاهرة لا يوضع فيه أى كتاب آخر غير كتاب الدعوات. و قد أعلن الوهابيون أن هذا الطقس ضرب من ضروب عبادة الأصنام، و يتعارض مع الدين الحقيقى، و أن هذا الطقس كان سببا من الأسباب الرئيسية التى جعلتهم يعترضون القافلة و يمنعون وصولها إلى مكة، و قالوا: إن الأمويين و العباسيين لم يكن لهم محمل فى قرون الإسلام الأولى. و هذا هو المقريزى فى حديثه عن" الخلفاء و السلاطين الذين أدوا فريضة الحج بشخصهم" يقول: إن الظاهر بيبرس البندقدارى، سلطان مصر، كان أول من أدخل مسألة المحمل هذه فى عام 670 ه على وجه التقريب. و اعتبارا من ذلك التاريخ، أصبح السلاطين الذين كانوا يرسلون قوافلهم إلى مكة، يعدون مسألة المحمل هذه علامة و إشارة إلى جلالتهم. جاء أول محمل من اليمن فى العام 960 ه، و فى العام 1049 ه، جاء المؤيد باللّه، ملك و إمام اليمن- الذى كان يعتنق المذهب الزيدى- جاء إلى جبل عرفات و معه محمل، يضاف إلى ذلك أن قوافل بغداد، و دمشق، و القاهرة، كانت كل واحدة منها تجيى‏ء و معها محمل. و فى العام 730 ه أحضرت القافلة البغدادية المحمل على ظهر فيل (راجع العصمى). و أنا أرى أن هذه العادة نشأت عن بيرق القتال عند البدو، الذى يسمونه مركب، و الذى سبق أن أشرت إليه فى ملاحظاتى عن البدو، و الذى يشبه المحمل من حيث إنه إطار خشبى موضوع فوق جمل.

40

الجمل يكون غير مريح، فذلك يضطر التركى إلى النزول عن الجمل. و الخطيب يقرأ خطبته من كتاب مكتوب باللغة العربية، يمسكه بين يديه، و بعد مضى ساعة يتوقف الخطيب خمس دقائق و يرفع ذراعيه يطلب الرحمة و البركة من العلى (القدير)؛ فى حين تروح الجموع المحيطة به، و من أمامه تلوح بأطراف ملابس الإحرام فوق الرءوس، و يزلزلون الهواء و هم يصيحون قائلين:" لبيك اللهم لبيك"، أثناء هذا التلويح بأطراف ملابس الإحرام، يبدو جانب الجبل، المكتظ بالناس الذين يرتدون ملابس الإحرام البيضاء، كأنه شلال من شلالات المياه، فى حين تبدو المظلات الخضراء التى يرفعها راكبوا الإبل فوق رءوسهم، كما لو كانت سهلا أخضر.

طوال الخطبة التى دامت ما يقرب من ثلاث ساعات كان الحجاج يشاهدون القاضى و هو يجفف أو يمسح دموعه دوما بمنديل؛ لأن الشرع ينص على أن يجهش الخطيب خوفا من اللّه و طمعا فى رحمته، و يضيف أنه كلما اغرورقت عيناه بالدموع و سالت على خديه فتلك إشارة إلى رحمة اللّه به، و إرهاص بقبول دعائه. كان الحجاج الذين يحيطون بى و يقفون بالقرب منى، على صخور الجرانيت الكبيرة التى تغطى جوانب جبل عرفات، يبدون لى كأنهم واقعون تحت تأثيرات أمور متباينة. البعض منهم، و معظمهم من الأجانب، كانوا يصيحون و يبكون بصوت عال، و هم يضربون صدورهم بأيديهم و يعترفون بالخطأ أمام اللّه، آخرون (و هؤلاء أقل عددا من السابقين) كانوا يقفون فى صمت تأملى عميق، و تعبد، و قد اغرورقت أعينهم بالدموع. فى ذات الوقت كان الكثيرون من مواطنى الحجاز، هم و كثير من الجنود الأتراك يتسامرون و يمزحون، و بينما كان الآخرون يلوحون بأطراف ملابس إحرامهم، كان أولئك الجنود يأتون حركات عنيفة كما لو كانوا يسخرون مما يحدث. لاحظت فوق التل الذى فى الخلف جماعات عدة من العرب و من الجنود الذين كانوا يدخنون" شياشيهم" فى هدوء، و فى تجويف قريب لاحظت امرأة كانت تبيع القهوة، بينما راح زائروها يقاطعون جوع التقوى و الورع السائد بين الحجاج، عن طريق الضوضاء و الضحك بصوت عال.

كان هناك عدد كبير من البشر الذين كانوا مرتدين ملابسهم العادية. و قبيل انتهاء الخطبة كان القسم الأكبر من الجمع يبدون مرهقين و مهمومين، بل إن الكثيرين منهم‏

41

نزلوا من فوق الجبل قبل أن ينتهى الخطيب من خطبته. و مع ذلك، ينبغى أن نلاحظ هنا أن الجموع التى تجمعت فوق الجبل قبل أن ينتهى الخطيب من خطبته، كانت فى معظمها من الطبقات الدنيا، أما الحجاج أصحاب المقامات العالية فقد كانوا راكبين إبلهم أو خيولهم فى السهل.

أخيرا مالت الشمس إلى الغروب خلف الجبال الغربية، و عندها أغلق القاضى كتابه، و استمع إلى التلبية الأخيرة، و تدافعت الحشود نازلة من الجبل، و مغادرة عرفات. و الشرع ينصح بالتعجيل فى النزول، و لذلك يحول الكثيرون النزول من عرفة إلى سباق، و هم يطلقون على هذا السباق اسم" الدّعدفة من عرفات" (و هو ما يطلق عليه حاليا النفرة من عرفات). فى الأزمان الماضية و عند ما كانت القافلتان المصرية و السورية متوازنتان تقريبا، كانت تقع حوادث دامية كل عام بين القافلتين، عند ما تحاول كل منهما سباق الأخرى، لتضع محملها قبل محمل القافلة الأخرى، الشى‏ء نفسه كان يحدث عند ما كان المحملان يتقدمان صوب الحلبة مع بداية الخطبة؛ الأمر الذى أدى إلى وفاة مائتى إنسان فى زعم ذلك الذى يظنون أنه تشريف خاص بالقوافل سلطة محمد على باشا هى السائدة فى الوقت الراهن، و لذلك يكشف الحجاج السوريون عن تواضع كبير فى هذا الشأن.

هذه هى القوافل الموحدة بل و الحجاج جميعهم يتحركون إلى الأمام عبر السهل؛ بعد أن طويت الخيام استعدادا للنفرة. بدأ الحجاج يمرون على العلمين اللذين يتعين عليهم المرور عبرهما أثناء العودة، و حل الليل قبل أن يدخل الحجاج المنحدر الذى يسمونه المأزومين. أضيئت شعلات لا تعد و لا تحصى، و كانت هناك أربع و عشرون شعلة تتقدم كل باشا، و كان شرر النار يتطاير من تلك الشعلات عبر السهل. كانت دانات المدفعية مستمرة و أصواتها تدوى فى كل مكان، و راح الجنود يطلقون نيران بنادقهم، و كانت الفرقة الموسيقية العسكرية تعزف فى مقدمة الموكب، و كانت صواريخ الألعاب النارية تطلق بواسطة ضباط الباشا، فضلا عن الصواريخ و الألعاب النارية التى كان يطلقها بعض الحجاج، فى حين كان الحج يسير بسرعة عالية و فى غير نظام،

42

وسط الضوضاء التى تصم الآذان، و بخاصة أثناء المرور خلال المأزومين، التى تؤدى إلى مزدلفة، التى حل عليها جميع الحجاج بعد مسير دام ساعتين. فى مزدلفة لم يتبع النظام فى مسألة التخييم، و كان كل واحد يخيم فى أول مكان يلاقيه، و لم يجر نصب أية خيام فيما عدا خيام الباشوات و حاشيتهم، و أما خيام الباشوات أضيئت المصابيح على شكل عقود عالية، و ظلت مشتعلة طوال الليل، و تواصل إطلاق دانات المدافع بلا انقطاع.

خلال الفوضى التى لا يمكن وصفها و التى تنتج عن نفرة الحجيج من عرفات، تضيع من كثير من الحجاج إبلهم، و تراهم هنا و هم ينادون بصوت عال على جمّالتهم، و هم يبحثون عنهم فى أرجاء السهل، و أنا شخصيا كنت من بين هؤلاء الذين كانوا ينادون بصوت عال على جمّالتهم، و أنا عند ما ذهبت إلى جبل عرفات أمرت جمّالى و عبدى أن يكونا مستعدين فى المكان الذى كانا فيه، إلى أن أعود لهما بعد غروب الشمس، لكنهما عند ما رأيا- عقب انصرافى عنهما- الجمال المحملة الأخرى و هى تتجه نحو الجبل حذوا حذوها، و عند ما عدت إلى المكان الذى تركتهما فيه لم أعثر عليهما. و هنا اضطررت إلى النزول إلى مزدلفة سيرا على الأقدام، حيث نمت فيها على الرمل و تغطيت بملابس الإحرام، بعد أن قمت بالبحث عن رفاقى ساعات عدة.

فى اليوم العاشر من شهر ذى الحجة، أو بالأحرى فى يوم العيد الذى يسمونه نهار الضحية، أو نهار النحر، يوقظ مدفع الصباح الحجاج قبل طلوع الفجر. و مع انبلاج أول خيوط النهار يتخذ القاضى مكانه على الحلبة المرتفعة التى تطوق جامع مزدلفة، و التى يسمونها المشعر الحرام، و يبدأ فى إلقاء خطبة شبيهة بالخطبة التى ألقاها فى اليوم السابق. كان الحجيج يحيطون بالمسجد من كل جانب و معهم شعلات مشتعلة، و يتابعون الخطبة و هم يلبون أيضا قائلين:" لبيك اللهم لبيك" لكن على الرغم من أن هذه الخطبة تعد إحدى الطقوس الرئيسية فى الحج، فإن عددا كبيرا من الحجاج بقوا إلى جوار أمتعتهم، و لم يحضروا تلك الخطبة. هذه الخطبة لم تكن طويلة جدا؛ إذ استمرت من طلوع الفجر إلى شروق الشمس، و هذه الفترة الزمنية أقصر

43

بطبيعة الحال فى هذه البلاد عنها فى بلادنا الشمالية. صلاة العيد يؤديها المجتمع كله طبقا لطقوسها و تقاليدها. مع شروق الشمس، و عند ما تبدأ أشعتها تتخلل السماء الملبدة بالغيوم، يتحرك الحجاج على شكل مسيرة بطيئة الخطى فى اتجاه وادى منى، التى تبعد عن هنا مسافة مسير ساعة واحدة.

عند ما يصل الحجاج إلى وادى منى تقوم كل جماعة أو أمة بالتخييم فى المكان الذى اعتادت التخييم فيه من قبل خلال مواسم الحج السابقة. بعد أن يتخلص الحجاج من أمتعتهم يسارعون إلى رمى الجمار. يقال إن إبراهام أو إبراهيم عند ما عاد من عرفات و وصل إلى وادى منى وضع الشيطان- أو إن شئت فقل إبليس- نفسه أمام سيدنا إبراهيم فى مدخل الوادى، لكى يمنعه من المرور، و عند ما نصح جبريل أبا الأنبياء بإلقاء الأحجار على إبليس، و هو ما فعله (سيدنا) إبراهيم بالفعل، و بعد أن قذفه بالأحجار سبع مرات تراجع إبليس، و عند ما وصل (سيدنا) إبراهيم إلى منتصف الوادى، ظهر له إبليس مرة ثانية، ثم ظهر له مرة أخيرة فى الطرف الغربى من الوادى، و لفظه (سيدنا) إبراهيم بأن ألقى عليه العدد نفسه من الجمار. و نقلا عن المؤرخ الأزرقى، كان العرب الوثنيون يؤبنون هذا التقليد بإلقاء أحجار فى هذا الوادى عند ما كانوا يعودون من الحج، ثم أقاموا بعد ذلك سبعة أصنام فى منى، كان منها صنم واحد فى كل موضع من المواضع التى ظهر فيها الشيطان، و كانوا يلقون على كل واحد منها ثلاث حصوات. لكن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) الذى جعل الجمار ركنا أساسيا من أركان الحج، هو الذى زاد عدد الحصى من ثلاث حصوات إلى سبع حصوات.

عند مدخل الوادى فى اتجاه المزدلفة، يوجد عمود حجرى غشيم، أو بالأحرى مذبح يتردد ارتفاعه بين ستة أقدام و سبعة، فى منتصف الشارع، يجرى رمى الجمار السبعة الأولى عليه، باعتبار أن ذلك هو الموقع الأول الذى ظهر فيه إبليس أول مرة (لسيدنا) إبراهيم، و فى اتجاه منتصف الوادى يوجد نصب مماثل، و فى الطرف الغربى من الوادى يوجد جدار من الحجر، جرى صنعه لخدمة الغرض نفسه. تزاحم الحجاج فى موجات متتالية حول النصب الأول الذى يسمونه" الجمرة الأولى"، و ألقى كل حاج‏

44

على تلك الجمرة سبع حصوات متتالية؛ ثم انتقل الحجاج بعد ذلك إلى المكانين أو الموقعين الثانى و الثالث اللذين يطلقون عليهما اسم (" الجمرة الأوسط و الجمرة السفلى" أو قد يقولون لهما" جمرة العقبة أو الأقصى"). و قد كرر الحجاج الرمى نفسه على هاتين العقبتين. و الحجاج عند رمى الجمار يقولون:" بسم اللّه، اللّه أكبر، (بمعنى أننا نفعل ذلك درءا للشيطان و جنوده)." و الجمار المستخدمة فى هذا الرمى تكون الواحدة منها فى حجم حبة الفول أو ما يقرب منها؛ و ينصح الحجاج بجمع هذه الحجارة من مزدلفة، لكن بوسعهم أيضا التقاط هذه الجمار من منى أيضا، كما أن أناسا كثيرين يقال إنهم يخالفون الشرع عند ما يجمعون الحصى نفسه الذى سبق استعماله من قبل.

بعد الانتهاء من رمى الجمار، يقوم الحجاج بذبح الأضحيات التى يحضرونها معهم، يضاف إلى ذلك أن المسلمين جميعهم حيثما كانوا فى العالم، يتعين عليهم ذبح الأضحيات فى ذلك الموعد. كانت هذه المناسبة تحتوى على ما يتردد بين ستة آلاف رأس و ثمانية آلاف رأس من الغنم و الماعز، أحضرها البدو (الذين كانوا يطلبون أثمانا مرتفعة لها). مسألة الأضحية نفسها لا تنطوى على أية طقوس غير توجيه رأس الأضحية، عند ذبحها، ناحية القبلة أو الكعبة، و أن يردد من يقوم بالذبح العبارة التى تقول:

" بسم اللّه الرحمن الرحيم، اللّه أكبر!" و يمكن ذبح هذه الأضحية فى أى مكان من وادى منى؛ لكن المكان المفضل هو تلك الصخرة الناعمة الموجودة فى الطرف الغربى من وادى منى، التى جرى فيها ذبح آلاف عدة من الأضحيات خلال ربع ساعة (*).

بعد الذبح، يرسل الحجاج فى طلب الحلاقين، أو قد يذهبون إلى محلاتهم، التى جرى إنشاؤها بالقرب من مكان الذبح، و يصل عدد محلات الحلاقة فى هذا المكان إلى حوالى ثلاثين محلا أو أربعين. و يحلق الحجاج رءوسهم، ما عدا أتباع المذهب الشافعى،

____________

(*) يروى قطب الدين أن الخليفة المقتدر عند ما أدى الحج فى العام 350 الهجرى، ضحى فى ذلك اليوم بأربعين ألف جمل و بقرة، و خمسين ألف رأس من الغنم. و إلى يومنا هذا لا يزال الأثرياء من الناس يضحون بالإبل. و الشرع يبيح الذبح بالوكالة.

45

الذين يحلقون هنا ربع الرأس فقط، و يبقون على الأرباع الثلاثة المتبقية إلى ما بعد زيارة الكعبة و العودة من مكة. و يخلعون ملابس الإحرام و يرتدون ملابسهم المعتادة، و من استطاع يلبس ثيابا جديدة، نظرا لأن ذلك يكون يوم عيد. و بذلك تكون فريضة الحج قد اكتملت، و يهنئ الحجاج بعضهم بعضا، و يرجون من اللّه قبول ذلك الحج قائلين:" تقبل اللّه!"، كنت أسمع هذه العبارة تتردد فى كل مكان، و كان الجميع يبدو عليهم الرضا و القناعة، لكن ذلك لم يكن حالى؛ نظرا لأن الجهود التى بذلتها فى البحث عن إبلى باءت كلها بالفشل؛ بسبب الجماهير الحاشدة التى كانت تملأ الوادى، يضاف إلى ذلك أن الحجاج الأخرين كانوا قد ارتدوا ملابسهم المعتادة فى حين رحت أنا أتجول بحثا عن إبلى مرتديا ملابس الإحرام، و من حسن الطالع، أن كيس نقودى، الذى كنت أعلقه فى عنقى، طبقا لأعراف الحج (معروف أن ملابس الإحرام ليس بها جيوب)، مكننى من شراء خروف للأضحية، و دفع أجر الحلاق. لم أعثر على رفاقى و إبلى إلا بعد غروب الشمس، عند ما وجدتهم مخيمين على الجبل الشمالى، و كانوا ينتظروننى بقلق بالغ فى ذلك المكان.

يبقى الحجاج مدة يومين فى منى. و عند ظهر أو منتصف نهار اليوم الحادى عشر من ذى الحجة، يجرى رمى سبع حصوات صغار على كل نصب من النصب الثلاثة التى ظهر الشيطان فيها، و يفعل الحجاج الشى‏ء نفسه فى اليوم الثانى عشر من ذى الحجة، و بذلك يصبح إجمالى عدد الحصوات التى تلقى فى الأيام الثلاثة إلى ثلاث و ستين حصوة بواقع إحدى و عشرين حصوة عن اليوم الواحد، موزعة بواقع سبع حصوات لكل جمرة من الجمرات الثلاث. كثير من الحجاج يجهلون المغزى الحقيقى للشرع فى هذا الصدد، شأنهم فى ذلك شأن جهلهم بكثير من طقوس الحج الأخرى، قد يبكرون برمى الجمار التى يتعين رميها عند وقت الزوال، أو قد يرمون عددا أقل من العدد المنصوص عليه. بعد الرمى الأخير الذى يصادف اليوم الثانى عشر من ذى الحجة يعود الحجاج إلى مكة فى فترة العصر.

46

منى‏ (*) عبارة عن واد ضيق، يمتد على شكل خط مستقيم من الغرب إلى الشرق، مسافة ألف و خمسمائة خطوة من حيث الطول، و يتباين عرضه من مكان لمكان و تحيط به من الجانبين صخور جرانيتية جرداء منحدرة على امتداد منتصف الوادى، على الجانبين، يوجد صف من البنايات، القسم الأكبر منه عبارة عن خرائب، هذه البنايات من ممتلكات المكيين أو البدو، أقصد بدو قريش، و هذه البنايات يجرى تأجيرها بواسطة المكيين أو البدو، أو قد يشغلونها طوال أيام الحج الثلاثة، ثم تترك خالية بقية العام، و هى الفترة التى لا يسكن أحد خلالها فى منى مطلقا. بعض هذه البنايات عبارة عن بنايات من الحجر و مكونة من طابقين، لكن المرمم من تلك البنايات لا يزيد على عشر بنايات بأى حال من الأحوال. فى أقصى الطرف الشرقى من الوادى، يوجد منزل جيد، مملوك للشريف الحاكم فى مكة، و يقيم الرجل فيه طوال أيام الحج الثلاثة. هذا المنزل كان مشغولا فى ذلك الحين بواسطة زوجات محمد على؛ فقد عاد الشريف يحيى إلى مكة فور تحلله من ملابس الإحرام، و كثير من الحجاج يحذون حذو الشريف يحيى، إذ يعودون إلى مكة على الفور عقب التحلل من ملابس الإحرام، لكن مهمة هؤلاء الحجاج تتمثل فى العودة إلى منى عند ظهر اليوم الحادى عشر أو الثانى عشر من شهر ذى الحجة، لكى يرموا الجمار، لأن إهمال هذا المنسك يجعل الحج ناقصا و غير مكتمل. و الحجاج يمضون بقية هذين اليومين فى أى مكان يروق لهم.

و فى مساء يوم الأضحية يعود الحجاج التجار إلى مكة لكى يفكوا و يعرضوا البضاعة التى جلبوها معهم.

فى البرحة الواسعة التى بين منزل الشريف يحيى و مساكن المكيين يقع المسجد الذى يطلقون عليه اسم مسجد الخيف، هذا المسجد عبارة عن بناية جيدة من الحجر، و ميدان هذا المسجد الفسيح مربع الشكل يحيط به سور عال متين. فى منتصف هذا الميدان توجد عين عامة عليها قبة، و فى الجانب الغربى حيث يوجد المحراب،

____________

(*) يقال إن الاسم منى مأخوذ عن آدم (عليه السلام) الذى قال أثناء مقامه فى الوادى، عند ما طلب اللّه إليه أن يسأله الفضل فرد قائلا:" أتمنى الجنة". و بالتالى أخذ هذا المكان اسمه من تلك العبارة. بعض آخر من الناس يقولون: إن الاسم مشتق، أو مأخوذ من الدم الذى يراق فى يوم الأضحية.

47

يوجد بهو يضم ثلاثة صفوف من الأعمدة. و المسجد واحد من المساجد القديمة جدا، و قد أعيد إنشاؤه حديثا فى عام 559 ه، و صلاح الدين الأيوبى هو الذى أعاد إنشاء ذلك المسجد، و لكن قايتباى حاكم مصر هو الذى أعاد بناءه على الشكل الذى هو عليه حاليا، و كان ذلك فى عام 874 ه. يقول الفاسى: إن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) استقبل الوحى مرات عدة عند سفح الجبل الموجود خلف هذا المسجد، و إن (سيدنا) آدم (عليه السلام) دفن فى هذا المسجد. بالقرب من مسجد الخيف يوجد خزان للماء، و نقلا عن قطب الدين، فإن هذا الخزان، أو السبيل جرى إنشاؤه بواسطة قايتباى، كان ذلك السبيل جافا تماما، و كان هناك سبيل جاف آخر كانت القافلة السورية تخيم بالقرب منه. افتقار وادى منى إلى الماء يضع أمام الحجاج الفقراء صعابا كثيرة؛ كان يجرى جلب بعض الماء من مزدلفة، أو من خزان مقام خلف وادى منى، على الطريق المؤدى إلى مكة، و كانت القربة تملأ نظير أربعة قروش، و فى زمن الفاسى، كان هناك خمسة عشر بئرا مالحة المياه فى منى‏ (*)، و يبدو أن الماء يمكن العثور عليه على أعماق محددة فى سائر أنحاء مكة و المنطقة المحيطة بها، و المخطط الأرضى المرفق (الخارطة رقم 2) يوضح ذلك الذى تجدر ملاحظته فى بلدة أو قرية منى.

____________

(*) فى هذا المخطط الرمز 1-hg يشير إلى منزل الشريف.

2- خيمة محمد على باشا.

3- خيالة محمد على باشا.

4- القافلة المصرية.

5- خيام سليمان باشا و حاشيته.

6- خيمة أحمد بك قائد الخيالة السورية.

7- القافلة السورية.

8- الخيالة السورية.

9- الجامع الذى يطلق عليه اسم" جامع الخيف".

10- مستودعات أو خزانات مياه كانت جافة فى ذلك الوقت.

11- مخيم فقراء الهنود، و فقراء اليمن و الزنوج.

12- خيام المقاهى.

13- بيوت مهدمة يسكنها أهل مكة.

14- أول نصب لإبليس (الجمرة الكبرى).

15- منزل الجيلانى التاجر.

16- صف من الدكاكين.

17- الجمرة الوسطى (النصب الثانى لإبليس).

18- منزل قاضى مكة.

19- بهو ذو عقود به دكاكين على الجانبين.

20- مسجد مدمر.

21- دكان كبير كان العبيد الأحباش معروضين فيه للبيع.

22- منزل سقّاط أحد التجار الأثرياء فى مكة.

23- مخيم الحجاج الأتراك و البدو، و الحجازيين (الأرض كلها هنا غير مستوية و صخرية).

24- الجمرة الثالثة (أو نصب إبليس الثالث).

25- صف من دكاكين الحلاقين.

26- الصخرة التى كانت تذبح عليها الأضحيات.

27- درج ممهد على الطريق المؤدى إلى مكة.

28- منزل صغير من منازل الشريف، يتحلل فيه من ملابس الإحرام.

29- المكان الذى استعد فيه إبراهيم للتضحية بولده و بالقرب منه المكان الذى ولد فيه إسماعيل (عليه السلام).

30- جبل زبير.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

منزل الجيلانى أفضل المنازل فى منى، كان يزدحم دوما بالزائرين الذين كان يعاملهم معاملة سخية و طيبة. كان منزل القاضى و منازل عائلات السقّاط الغنية قريبة من بيت الجيلانى، و على الجانب نفسه من الطريق، كانت هناك صالة ضيقة طويلة جرى مؤخرا ترميمها و تجهيزها، حيث كان يعرض فيها حوالى خمسون من أصحاب الدكاكين الأتراك و من المكيين بضائعهم. منازل الصف الشمالى كلها مخربة و مهدمة تقريبا. صف الدكاكين (رقم 16) كان مفتوحا و بلا أبواب. كانت هناك أيضا مظلات كثيرة جرى إنشاؤها أو نصبها فى وسط الشارع، و كانت تبيع الأطعمة بكميات وفيرة، لكن بأسعار عالية.

عند منحدر الجبل فى الناحية اليسرى، و الذى يطلقون عليه جبل الزبير، يوجد مكان يزوره الحجاج، هذا المكان، على حد بعض الروايات، هو المكان الذى دعا فيه إبراهيم ربه أن يسمح له بالتضحية بولده. فى هذا المكان توجد صخرة جرانيتية مشقوقة إلى نصفين، بفعل سقوط السكين الذى كان فى يد (سيدنا) إبراهيم، فى اللحظة التى ظهر له (سيدنا) جبريل و أراه الكبش بالقرب منه، و بعد أن لمس السكين الصخرة انشقت إلى قسمين؛ و لذلك فإنه من باب تأبين هذه الأضحية يتعين على المؤمنين بعد الانتهاء من الحج، أن يذبحوا أضحياتهم. لا يتفق المعلقون على الشريعة حول الشخصية التى أراد (سيدنا) إبراهيم التضحية بها؛ البعض يقولون إنه (سيدنا) يعقوب، لكن الغالبية تقول: إنه (سيدنا) إسماعيل. و إلى جوار هذه الصخرة مباشرة يوجد تجويف صغير، يتسع لحوالى أربعة أشخاص أو خمسة، و يقال إن (ستنا) هاجر قد ولدت فيه (سيدنا) إسماعيل، و هذا يتعارض تعارضا صريحا مع الحديث النبوى الذى يقول: إن (سيدنا) إسماعيل ولد فى سوريا، و إن أمه هاجر حملته إلى الحجاز، عند ما كان طفلا يتغذى من صدرها، لكن التجويف الصغير يدل دلالة واضحة على استبدال منى بسوريا باعتبارها محلا لميلاد أبى البدو، و بخاصة أن هذا المكان يدر كثيرا من عطايا الإحسان على المكيين، الذين يتحلقون حول المكان ناشرين فيه مناديلهم. و فى المنطقة التى ينتهى الوادى عندها من ناحية مكة، يوجد منزل صغير للشريف يحيى، لكى يذبح فيه أضحيته، و يتحلل فيه من ملابس الإحرام. و قد ذكر أن هناك مسجدا يسمى مسجد العشرة، و الذى اعتاد

50

محمد (صلى اللّه عليه و سلم) الصلاة فيه؛ هذا المسجد، قيل إنه يقع فى واد جانبى يؤدى إلى جبل النور، لكنى لم أزر هذا المسجد. و نقلا عن الأزرقى هناك مسجد آخر يدعى مسجد الكبش، يقع بالقرب من التجويف سالف الذكر، أما الفاسى فيقول: إنه كان هناك مسجد فيما بين النصب الأول و النصب الثانى لإبليس، و ربما كان ذلك المسجد هو الذى يحمل الرقم 20 فى المخطط أو بالأحرى (الخارطة رقم 2).

فى وادى منى أو فى سهل عرفات يحدد لكل قسم من الحجاج المكان الذى يتعين على أفراده التخييم فيه، لكن المساحة هنا فى وادى منى أضيق بكثير من سهل عرفات. الحج المصرى ينزل بالقرب من بيت الشريف يحيى، فى المكان الذى نصب فيه محمد على باشا خيمته، لتكون بجوار خيالته. كانت هناك قربتان كبيرتان مصنوعتان من الجلد و مملوءتان بالماء بصفة مستمرة، و موضوعتان أمام خيمته لاستعمال الحجاج. و على بعد مسافة قصيرة من هذه الخيمة، و فى ناحية مسجد الخيف، نصبت خيمة سليمان باشا دمشق، الذى كان خيالته مخيمين على الجانب المقابل من الطريق، و أمام خيمته كانت هناك عشر قطع من مدافع الميدان التى أحضرها معه من دمشق. كانت ذخيرة سليمان باشا قد انفجرت أثناء سيره فى الطريق، عند ما توقفت القافلة فى بدر، و ترتب على ذلك الحادث وفاة خمسين فردا، لكن محمد على باشا زوده بذخيرة جديدة، و راحت المدافع تنطلق فى معظم الأحيان، و كان هناك أيضا اثنا عشر مدفعا ميدانيا موضوعة أمام خيمة محمد على باشا.

كان القسم الأكبر من الحجاج قد خيموا بلا نظام فوق السهل الصخرى غير المستوى خلف القرية من الناحية الشمالية. كانت خيام المكيين مرتبة ترتيبا جيدا، و لما كان الوقت وقت عيد فقد كان الرجال و النساء و الأطفال مرتدين أبهى ثيابهم. عند ما أرخى الليل سدوله، لم يجرؤ الناس على النوم، تخوفا من اللصوص الذين يكثر وجودهم فى وادى منى، و كان أحد الحجاج قد جرت سرقته فى الليلة السابقة، فقد سرق اللصوص منه ثلاثمائة دولار، كما سرق البدو من عرفات عددا كبيرا من الإبل، و جرى مطاردة اثنين من اللصوص و تم الإمساك بهما، و جرى إحضارهما أمام محمد على باشا فى منى، و حكم بقطع رأسيهما، و بقيت جثتيهما بلا رأسين أمام خيمته طوال أيام ثلاثة، و عليهما حارس يمنع أصدقاءهما من أخذ الجثتين. العروض التى من هذا القبيل‏

51

لا تثير الرعب أو الاشمئزاز فى صدور العثمانيين، بل إن تكرار مثل هذه العروض يغلظ مشاعر العثمانى، و تجعله لا يستشعر عواطف الرحمة و العطف و الشفقة. سمعت بدويا، و ربما كان من أصدقاء القتيلين، عند ما كان يقف بالقرب من البدو، و هو يتعجب قائلا:" يرحمهما اللّه؛ و لكن لعل اللّه لا يرحم من قتلهما!".

كان الشارع الذى يمتد بطول وادى منى، قد تحول إلى سوق، و سوق شرقية؛ كل بوصة من الأرض غير المبنية تحولت إلى مظلة أو حوانيت صغيرة، بناها أصحابها من الحصير، أو إلى خيام صغيرة، جرى تجهيزها على شكل دكاكين. كانت هناك مؤن و تموينات، و سلع من كل الأنواع، جرى إحضارها من مكة إلى وادى منى، و على العكس مما يجرى فى بعض البلاد الإسلامية، التى تتوقف التجارة فيها فى أيام الأعياد، نجد هنا التجار كلهم، و أصحاب الدكاكين، و الوسطاء، كلهم مشغولون فى عملية البيع و الشراء. هؤلاء هم التجار الذين جاءوا مع القافلة السورية، بدءوا مساوماتهم لشراء البضاعة الهندية، و راحوا يعرضون عينات من السلع التى جلبوها معهم، و التى كانت مخزنة فى مكة. هذا عدد آخر من الحجاج الفقراء، يصيحون و هم ينادون على بضائهم الصغيرة، و هم يحملونها على رءوسهم و يدورون بها فى الشوارع، و نظرا لأن المعاملات المالية و التجارية كانت مقصورة على وادى منى، فإن اختلاط الشعوب، و اختلاط العادات، و اختلاط السلع، كان يعد مسألة واضحة و أكثر بروزا مما هى عليه فى مكة (*).

____________

(*) هذا الحج عند العرب قبل الإسلام كان، كما هو الحال فى كل الأزمان السابقة، مرتبطا بسوق كبيرة كانت تعقد فى مكة. كانوا يزورون فى الشهور السابقة للحج بعض الأسواق المجاورة الأخرى، و بخاصة سوق عكاظ، أو بالأحرى سوق قبيلة كنانة، و سوق المدينة و سوق ذو المجاز، و أسواق قبيلة هذيل، و أسواق الحسا، أو بالأحرى أسواق بنى‏Beni لازد. و بعد أن يمضوا وقتهم فى التمتع فى تلك الأسواق يعودون إلى الحج فى عرفات، ثم بعد ذلك يعودون إلى مكة، التى كانت تنعقد فيها سوق كبيرة أخرى (راجع الأزرقى). أما فى عرفات و فى منى، و على العكس من ذلك فقد كان أولئك العرب الوثنيون يمتنعون عن التجارة طوال أيام تجولهم فى هذين المكانين، و أثناء أدائهم للطقوس المقدسة، و لكن القرآن نهى عن ذلك، و سمح فى آية من آيات السورة رقم 2 بالاتجار حتى فى أيام الحج، أو شى‏ء من هذا القبيل.

(راجع الفاسى)

52

فى عصر اليوم الأول من أيام منى، تبادل محمد على باشا الزيارات مع سليمان باشا، و كانت خيالة الرجلين تستعرض أمام خيمتيهما. أمام خيمة سليمان باشا، كان هناك حوالى أربعون سمبارك (و يصح فيه أيضا زمبورك) يشدون الانتباه: هؤلاء السمبارك هم رجال المدفعية، المحمولون على إبل، و من أمام كل واحد منهم وصلة متراوحة تمكن من تحريك المدفع بسهولة؛ هذه الوصلة المتراوحة تدور على محور مثبت فى مقدمة سرج الجمل. هذا يعنى أن هؤلاء السمبارك يستطيعون إطلاق نيران مدافعهم و هم ركوب، و أثناء خبب الإبل، و يتحمل الجمل فى هدوء الصدمة الناتجة عن إطلاق المدفع. كانت الخيالة السورية مكونة من حوالى ألف و خمسمائة رجل، السواد الأعظم منهم من أهل دلهى، و لم يكن مع الخيالة جندى واحد من المشاة، و فى هذا اليوم يظهر سليمان باشا و معه حاشية شديدة الألمعية؛ كان الحرس الخاص لسليمان باشا يرتدون زيا مطرزا مصنوعا من قماش لا مع موشّى بالذهب، و كانوا جميعهم ركوب على الرغم من أن فرس الباشا لم يكن مختلفا أبدا عن خيولهم. و بعد أن تبادل محمد على باشا، و سليمان باشا الزيارات، حذا ضباطهما حذوهما، و سمح لهم بتقبيل أيدى الباشوات، و هم يتسلمون منهما العطايا المالية، كل حسب رتبته.

كما قام القاضى، و أغنياء تجار مكة، و كبار الشخصيات بين الحجاج بتقديم فروض الطاعة و الولاء لكل من محمد على باشا و سليمان باشا، و قد استغرقت كل زيارة من تلك الزيارات خمس دقائق تقريبا. يزاد على ذلك، كان هناك جمع كبير من الناس، قد تجمع على شكل شبه دائرة حول خيمتى الباشايين مفتوحتى البابين، لمشاهدة طلعة الباشوات البهية. فى فترة العصر، تقدمت مجموعة من الحجاج الزنوج، بقيادة واحد منهم، و شقوا طريقم خلال الحشد الجماهيرى، و اتجهوا مباشرة ناحية سليمان باشا، (الذى كان جالسا يدخن على انفراد فى الجزء الخلفى من الخيمة) و تشجعوا و ألقوا عليه التحية، و تمنوا له السعادة و الحج المقبول، و حصلوا مقابل ذلك على شى‏ء من العملات الذهبية. و قام هؤلاء الزنوج بعمل التجربة نفسها مع محمد على باشا، لكنهم حصلوا فى المقابل على ضربات على ظهورهم من ضباط محمد على، كان من بين الأشياء التى استرعت انتباه الجموع الكبيرة ذلك الحنطور الخاص بزوجة

53

محمد على باشا، و الذى كان يقف فى مدخل بيت الشريف. كانت تلك الزوجة قد نقلت ذلك الحنطور على ظهر المركب الشراعى إلى جدة، ثم استقلته من جدة إلى مكة و عرفات، و كان ذلك الحنطور يخفى شخصها تماما؛ كان حصانان يجران ذلك الحنطور، و قد شاهده الناس مرارا بعد ذلك فى شوارع مكة.

كان الوادى كله عامرا بالأضواء أثناء الليل؛ إذ كان كل منزل و كل خيمة مضاءة؛ كانت الأضواء ساطعة أمام خيمة محمد على باشا و أمام خيمة سليمان باشا، فى حين شب البدو نيرانهم على قمم الجبال. و استمرت الضوضاء الناتجة عن دانات المدافع طوال الليل، و جرى تقديم عروض الألعاب النارية، و أطلق المكيون صواريخ الألعاب النارية.

مضى ثانى أيام العيد فى منى مثل اليوم الأول تماما، لكن رائحة جثث الأغنام المتحللة فى بعض أنحاء الوادى كانت لا تطاق، و السبب فى ذلك أن قلة قليلة من الحجاج الأثرياء هم الذين يستطيعون استهلاك لحوم الأضحيات التى يذبحونها، يضاف إلى ذلك أن أتباع المذهب الحنفى لا يسمح لهم إلا بأكل ثمن الضحية فقط.

هذا يعنى أن القسم الأكبر من الأضحية يذهب لفقراء الحجاج، أما أحشاء الضحية و أمعائها فيجرى الإلقاء بها فى سائر أنحاء الوادى و فى الشارع. و كان يجرى استخدام الزنوج و الهنود فى تقطيع اللحم إلى قطع صغيرة، و تقديده لكى يستعملوه فى رحلة العودة (*).

____________

(*) كانت تلك هى القاعدة المتبعة فى القرن السادس عشر، أثناء حكم السلاطين لمصر، و قد سرت هذه القاعدة أيضا على سلاطين القسطنطينية، و كانت تلك القاعدة تقضى بتزويد فقراء الحجاج بالطعام فى وادى منى على حساب الخزانة الملكية. و قد تميز العرب الوثنيون أثناء الحج بكرمهم السخى، كما أن الكثيرين من هؤلاء البدو، عند ما كانوا يقومون بأداء فريضة الحج، كان يجرى استقبالهم و إكرام و فادتهم من قبل الخيام التى يمرون عليها؛ هؤلاء البدو يكونون مستعدين من قبل لمثل هذه الاستقبالات، بتجهيز كميات كبيرة من الطعام. (راجع قطب الدين). من بين العجائب التى تميز وادى منى عن الوديان الأخرى، على حد قول المؤرخ الفاسى، أن وادى منى يمدد أبعاده بين الحين و الآخر لكى يستوعب أى عدد من الحجاج، إلى حد أن النسور فى يوم الأضحية لا تجرؤ على حمل الحملان المذبوحة، تاركة إياها للحجاج الفقراء، و أنا على الرغم من كثرة كميات اللحم النيئ، فإن الذباب لا يضايق أحدا من زوار وادى منى. و أنا أقول إن هذه الملاحظة الأخيرة غير دقيقة فقد خبرت بنفسى وجود الذباب فى وادى منى.

54

اليوم أدى كثير من الحجاج صلواتهم فى مسجد الخيف، الذى وجدته مزدحما بالهنود الذين اتخذوا من أركانه مقاما لهم. كان رصيف الشارع عامرا بالجيف المتناثرة، و على الحبال المنتشرة بين الأعمدة كان الناس يعلقون قطع اللحم طلبا لتقديدها. كان المنظر و الرائحة يثيران الاشمئزاز، و بدا علىّ كثير من الاندهاش جراء السماح بمثل هذه الممارسات. على العموم، يرى كثير من الحجاج الأجانب كثيرا من الممارسات غير المحسوبة الأمر الذى لا يوحى لهؤلاء المكيين بإضفاء المزيد من الاحترام و التقدير على الأماكن المقدسة فى دينهم، و على الرغم من أن بعض المكيين يحتفظون بحماسهم الدينى كاملا، فإن بعضا آخر منهم يفقدون هذا الحماس بسبب ذلك الذى يشاهدونه فى موسم الحج. فقدان هذا الاحترام للدين، هو و الممارسات المخزية التى يضفى عليها تكرارها شيئا من الشرعية فى المدينة المقدسة، هما اللذان يمكن أن نعزى إليهما تلك الأمثال التى تصف الحجاج بقلة التدين، و بعدم الوثوق فى أشخاصهم، و ذلك على العكس من الناس الآخرين. لكن أرضنا المسيحية المقدسة معرضة لشى‏ء من الانتقاد كذلك، جراء بعض الممارسات التى من هذا القبيل. السواد الأعظم من المسلمين المتشددين يقرون وجود مثل هذا الشر، و يعربون عن ندمهم لوجوده، و يؤكدون أنهم أصحاب بصيرة أو أكثر إخلاصا من شاتوبرياند ذلك الحاج المسيحى‏ (*).

عند ظهر اليوم الثانى عشر من شهر ذى الحجة، و عقب رمى الإحدى و العشرين حصوة الأخيرة مباشرة، غادر الحجاج وادى منى، و عادوا عن طريق الوادى إلى مكة (المكرمة)، و هم يرفعون أرواحهم المعنوية بترديد الأغانى و الأهازيج، و الحوارات الطويلة و الضحك؛ و ذلك على العكس من الوجوم الذى كان يخيم على الجميع و هم يتقدمون صوب هذا المكان قبل أربعة أيام. و الحجاج عند ما يصلون إلى مكة يتعين‏

____________

(*) ربما كانت دوافع مونس شاتوبرياند دوافع سياسية عند ما أورد فى مذكراته اليومية صورة زاهية الألوان عن فلسطين و قساوستها، لكنه بوصفه رحالا لا بد من توجيه اللوم إليه فى ابتعاده عن الحقيقة، و إساءة تصويره تماما للحقائق التى حصل عليها عن طريق الملاحظة.