مقالات الأصول‏ - ج1

- الشيخ آقا ضياء الدين العراقي المزيد...
519 /
7

الجزء الأول‏

كلمة المجمع و حياة المحقِّق العراقيّ (قدس سره)

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

كلمة المجمع‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السلام على محمّد و آله الطّاهرين.

يمثّل علم الأصول الأداة الّتي يستخدمها المجتهد الفقيه لاستنباط الحكم الشرعيّ. و إذا كان من الطّبيعيّ أن يتطلّب التطوّر الفقهيّ تطوّرا في أساليب و مناهج الاستنباط، اتّضحت ضرورة تطوّر الفكر الأصولي تبعا للحاجات المستجدّة في المجتمع البشري و الّتي تستدعي بدورها تطوّر الأجوبة الفقهيّة التي تقدّم الحلول اللازمة لتلك الحاجات.

و من هنا يتجلّى لنا أنّ علم الأصول ليس كما قد يتوهّمه البعض ممّا لا صلة له بمشاكل الحياة الإنسانيّة و تطوّراتها و مستجدّاتها.

و لئن كان علم الفقه يمثّل دورا أساسيّا في حياة الإنسان بما يقدّمه من أجوبة و حلول لمشاكل الإنسانيّة المتطوّرة على مرّ الزّمن، فإنّ لعلم الأصول دورا رئيسيّا في إمداد علم الفقه بالعناصر و المقوّمات التي تمكّنه من إنجاز مهمّته الكبرى في حلّ مشاكل الإنسانيّة المتطوّرة و مواكبة مستجدّاتها و متغيّراتها.

و منذ ان أغلقت سائر المذاهب الفقهيّة السائدة بين المسلمين- غير مذهب أهل البيت (عليهم السلام)- على أنفسها أبواب الاجتهاد و الّذي خلّف آثارا واضحة من الجمود و الرّكود و سبّب لها كثيرا من الفشل و الإخفاق في مواجهة المشاكل المستجدّة ... بدأت شمعة الفكر الأصولي في تلك المذاهب يتضاءل نورها

10

حتى خمد، و تحوّل علم الأصول لديها إلى تاريخ لمسائل علم استنفد أغراضه، و انقضى دوره، و ولّى عصره.

و أمّا في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) و بفضل التخطيط الحكيم و البعيد المدى الّذي قام به أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في الإعداد لمرحلة الغيبة الكبرى و تصدّى الفقهاء لقيادة الأمّة فكريّا و عمليّا، فقد أخذت دائرة التفكير الفقهيّ بالاتّساع، و أخذت مناهج الاستدلال الفقهيّ تتطوّر على مرّ الزّمن، فكانت المرحلة الأولى من تطوّر الفكر الأصولي أن تحوّل إلى علم مستقلّ عن الفقه بعد أن كانت مسائله تبحث ضمن مسائل علم الفقه، فأصبح علما مستقلا له قواعده و مصطلحاته، و استمر تطوّر علم الأصول في إطار التفكير الشيعي- بعد أن فقد قابلية التطوّر و النموّ في ظلّ المذاهب الأخرى- إلى القرن الحادي عشر الهجري إذ ظهرت الحركة الأخباريّة التي كادت أن تعصف بحيويّة التفكير الفقهي في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، لو لا المواجهة الرشيدة الصارمة الّتي قام بها أبطال التفكير الأصولي و على رأسهم الوحيد البهبهاني (قدس سره)، إذا تصدّى للحركة الأخباريّة و فنّد مزاعمها و أبطل شبهاتها، فانتقل التفكير الأصولي و بفضل مقاومة الوحيد البهبهاني و أتباع مدرسته للحركة المضادّة إلى مرحلة جديدة من التطوير و الإبداع يمكن أن نعتبرها ولادة جديدة للتفكير الأصولي، لما نجده من عمق و اتساع التغيير الّذي طرأ على التفكير الأصولي بعد هذا التأريخ.

و قد استمرّ الإبداع في التفكير الأصولي على يد زعماء المدرسة الأصوليّة في القرنين الثاني عشر و الثالث عشر الهجريين، و يمكن اعتبار الشيخ الأنصاري أبرز زعماء التجديد في التفكير الأصولي بعد عصر الوحيد البهبهاني إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري.

و جاء القرن الرابع عشر الهجري جالسا على مائدة الفكر الأصولي‏

11

الّذي ورثه من مدرسة الشيخ الأنصاري، و قد كان أبرز تلامذة الشيخ الأنصاري تأثيرا على الفكر الأصولي بعد زمن الشيخ الأنصاري هو المحقّق الآخوند الخراسانيّ صاحب الكفاية الّذي لم يقنع بما ورثه من الإبداع و التجديد في مدرسة أستاذه الأنصاري حتى أكمل مسيرة التجديد بنظرياته و آرائه الّتي جمعت بين الدقّة و المتانة و الإبداع.

هذا و الحقّ أنّ التفكير الأصولي في تاريخه الملي‏ء بالتجديد و الإبداع لا سيّما في القرون الثلاثة الأخيرة، إنّما بلغ ذروة الكمال في العصر الّذي تلا عصر الآخوند، و على يد أبطال المدرسة الأصوليّة الحديثة الثلاثة، و هم: آيات اللَّه الكبرى:

1- المحقّق الميرزا حسين النائيني.

2- و المحقّق الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ.

3- و المحقّق الآقا ضياء الدّين العراقي (قدّس اللَّه أسرارهم).

إذ فتحت على أيديهم آفاق جديدة من مسائل هذا الفنّ و قوي استحكام مبانيه، و جاءوا بنظريّات و آراء جديدة في مختلف أبواب هذا العلم حتى جعلوا منه علما قويّ المباني راسخ الدّعائم قادرا على استيعاب مستجدّات الفقه الإسلامي و إمداده بمناهج الاستدلال و طرائق التفكير، رغم تطوّرات الحياة المعاصرة و اتّساع آفاقها و تعقيد مسائلها و اختلاف مشاكلها و لكلِّ من هؤلاء الإبطال الثلاثة من زعماء المدرسة الأصوليّة الحديثة منهجيّته و طريقته الخاصّة الّتي يتميّز بها عن قرينيه، و التعرّف على تفاصيل هذه المميّزات بحاجة إلى دراسات معمّقة و مطوّلة تنفذ إلى عمق آرائهم و نظريّاتهم و تلتمس الدقائق الخفيّة على الأكثرين من أسرار كلماتهم و أقوالهم، غير أنّ هناك سمات مشتركة في تفكير هؤلاء الأعلام من أهمّها:

1- المنهجيّة.

12

2- الدقّة.

3- التجديد.

و نجد هذه السمات الثلاثة بارزة في مدرسة المحقّق الآقا ضياء الدين العراقي، في كلّ مفردة من مفردات تفكيره الأصولي، فمن المنهجيّة الرائعة التي لا يتخلّف عنها، إلى الدقّة المنقطعة النّظير و التي قلّ أن تفوتها صغائر المحتملات في كلّ مسألة تصدّى لدراستها، إلى التجديد المستوعب حتّى ليمكن القول إنّه لا تكاد تستثنى مسألة أصوليّة من محاولة جديدة إمّا في المضمون أو في طريقة العرض، كلّ هذه سمات بارزة على تفكير مدرسة المحقّق العراقي (قدّس اللَّه سرّه).

و كتاب المقالات- الّذي بين أيدينا- هو الكتاب الّذي يجمع آخر ما توصَّلت إليه المدرسة العراقيّة في التفكير الأصولي و يعدّ من أهمّ مصادر الفكر الأصولي المعاصر، و قد كانت تحول دون الاستفادة الكاملة من هذا الكتاب عوامل منها: تعقيد العبارة، و منها الطباعة غير الفنّيّة و المليئة بالأخطاء الفاحشة المغيّرة للمعنى، و التي كانت في كثير من مواردها تزيد تعقيد العبارة تعقيدا يجعل الوصول إلى المعنى المراد شبه المستحيل، و قد بذل فضيلة حجّة الإسلام الشيخ محسن العراقي و فضيلة السيّد منذر الحكيم جهدا كبيرا في سبيل تصحيح متن الكتاب عن طريق عرض نسخته على النسخ المصحّحة تحت إشراف المصنّف نفسه و بأيدي الموثوقين من تلاميذه، و تقطيع عبائره بالشكل الّذي يسهّل للمراجعين فهم النّصّ، و التعليق عليه في بعض الموارد التي اقتضت المناسبة أو الضرورة توضيح ما أغلق من المتن.

و قد تصدّى مجمع الفكر الإسلامي لعرض هذا الأثر العلميّ القيّم بالشكل الّذي يتناسب و المكانة التي يحتلّها في عالم الفكر، شاكرا المولى سبحانه و تعالى على هذا التوفيق و آملا منه سبحانه الرضا و حسن القبول. و لا يسعنا إلّا أن نتقدّم لسماحة حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّد مهدي الآصفي دام عزّه‏

13

بجزيل الشكر لما أتحفنا به من دراسة عن حياة المحقّق العراقي (قدس سره) راجين منه تعالى له و لسائر الإخوة الذين شاركونا في حسن الإخراج دوام التوفيق و حسن القبول إنّه سميع مجيب.

مجمع الفكر الإسلامي 16 من ذي الحجّة 1412 ه. ق‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

حياة المحقِّق العراقيّ (قدس سره)

1278- 1361

نشأته العلميّة:

ضياء الدين علي بن المولى محمّد العراقي، ولد في سلطان‏آباد العراق سنة 1278 في بيت علم و كان والده المولى محمد العراقي من الفقهاء الأجلّاء كما يقول الشيخ آقا بزرگ في ترجمته له في نقباء البشر (1) و قد أجيز (والده) من السيّد شفيع الجابلاقي.

درس على والده بدء الأمر كما درس على لفيف من شيوخ بلده و كان والده أوّل أساتذته و شيوخه في العلم، ثم هاجر من مسقط رأسه (أراك: العراق) إلى أصفهان و أقام فيها للدراسة، درس متون أصول الفقه و الفقه و الكلام على السيّد ميرزا محمّد هاشم الجهار سوقي و الميرزا أبي المعالي الكلباسي و الآخوند الكاشي. ثمّ هاجر إلى النجف الأشرف لإكمال دراسة مسائله الفقهيّة و الأصوليّة و قد حدّثني تلميذه المحقّق الفقيه الشيخ ميرزا هاشم الآملي حفظه اللَّه أنّه جاء إلى النجف الأشرف مجتهدا حضر فيها على كبار شيوخها و فقهائها و أساتذتها فحضر أبحاث السيّد محمّد الفشاركي الأصفهانيّ ثم حضر دروس الميرزا حسين الخليل و الآخوند الخراسانيّ (صاحب الكفاية) و السيّد محمّد كاظم اليزدي و شيخ الشريعة الأصفهانيّ.

____________

(1) نقباء البشر: 956.

16

و قد لمع اسمه في فضلاء عصره في بحث المحقّق الخراسانيّ. يقول الشيخ آقا بزرگ الطهراني (رحمه اللّه) و هو من زملائه يومئذ في درس الآخوند: (و لا أزال أ تذكّر جيدا إنّه كان من أجلاء تلامذة شيخنا الخراسانيّ و كبارهم و من مدرّسي السطوح المعروفين يوم ذاك) (1).

و تصدّى للتدريس للتدريس السطوح العليا و خارج الفقه و الأصول- كما حدّثني تلميذه الشيخ ميرزا هاشم الآملي (حفظه اللَّه)- ستّين سنة و اشتغل في التدريس على منبر الدراسات العليا (بحث الخارج) أكثر من ثلاثين سنة بعد وفاة أستاذه الشيخ محمّد كاظم الخراسانيّ سنة 1329. و برز في التدريس، و كان مجلس درسه حافلا بفضلاء عصره لما به من دقّة الرّأي و عمق النّظر و سداد التفكير و سلامة الذوق الفقهي و الإحاطة بكلمات الفقهاء و الفهم أو المنهجيّة في البحث و عذوبة البيان و طلاقة المنطق ... و كان كلّ ذلك يحبّبه إلى تلاميذه فيؤثرون درسه على كثير من دروس معاصريه من مشايخ النجف و فقهائها و كان (رحمه اللّه) متميّزا في مجلس درسه بإفساح الفرصة للطلّاب في المناقشة الحرّة و لم يكن صدره ضيّقا بمناقشة طلّابه. و كان طلبته يجدون في سعة صدره فرصة مناسبة لطرح مناقشاتهم بصورة حرّة مع شيخهم في مجلس الدرس و كانت تنقل هذه المناقشات و المطارحات من الشيخ و تلاميذه نكات طريفة كان يتفكّه بها طلبة العلم في مجالسهم الخاصّة يومئذ في النجف الأشرف و لا تزال بعض هذه النكات عالقة في ذاكرة شيوخ العلم في النجف و قم إلى اليوم الحاضر.

تخرّج على يده أكثر من ثلاثة آلاف من الفقهاء و المجتهدين و مراهقي الاجتهاد و الفضلاء كما حدّثني بذلك المحقّق الآملي حفظه اللَّه. و من أبرز تلاميذه الذين تخرّجوا من مجلس درسه و برزوا في الأوساط الدينيّة و السياسيّة و الفقهيّة

____________

(1) نقباء البشر: 957.

17

و التدريس و التأليف و التحقيق:

السيّد عبد الهادي الشيرازي و السيّد محسن الحكيم و السيّد أبو القاسم الخوئي و الشيخ محمّد تقي الآملي و الشيخ محمّد تقي البروجردي و السيّد ميرزا حسن البجنوردي و الشيخ عبد النبي العراقي و السيّد يحيى اليزدي و الميرزا هاشم الآملي و السيّد أحمد الخوانساري و السيّد اليثربي و السيّد محمود الشاهرودي و الشيخ موسى الخوانساري و الشيخ حسين الحلّي و السيّد عبد اللَّه الشيرازي و آقا بزرگ الشاهرودي و غيرهم من فقهاء العصر و قد تولّى جمع منهم مرجعيّة الطائفة و زعامتها في عصره و سوف نأتي بقائمة بأسماء أشهر و أبرز تلاميذه.

درّس الأصول عدّة دورات و درّس الفقه دورة كاملة تقريبا، و قليل من الفقهاء من تمكّن من تدريس الفقه دورة كاملة.

و كان من عادته (رحمه اللّه) أن يكتب ما يدرّسه فدرّس مرات عديدة و كتبها كلّ مرّة كما كتب المكاسب عدّة مرّات و كتب الرضا (عليه السلام) مرّتين.

كان من مراجع عصره و رجع إليه جمعٌ من المؤمنين في العراق و إيران و قد علّق على رسالة الشيخ عبد اللَّه المازندراني العمليّة، و طبعت تعليقته العمليّة لتنبيه أمور المقلّدين الذين يرجعون إليه في التقليد و لكنّه بقي بعيدا عن أجواء الزعامة الدينيّة و آثر أن يتفرّغ للعلم و التحقيق و قد آتاه اللَّه تعالى ما يريد و فتح عليه فتوحا جليلة في الفقه و الأصول و استمرّ في التدريس إلى آخر عمره. و لمّا غلبه الضعف أخريات حياته لم يحب أن ينقطع عن التدريس فكان يركب من بيته إلى مجلس درسه العامر في جامع الشيخ الطوسي في النجف الأشرف و هو أمر لم يألفه المدرّسون يوم ذاك في النجف الأشرف. و كان (رحمه اللّه) كثير الاشتغال عميق النّظر و الرّأي يعدّ في القمّة من فقهائنا المعاصرين، بحّاثا قوي الحجّة دءوبا في الأعمال العلميّة، دائم التفكير لا يفارقه العمل العلمي تفكيرا أو تدريسا أو تأليفا إلّا في أوقات العبادة و الراحة و كان في حياته الشخصيّة زاهدا قانعا باليسير

18

من أسباب الدنيا، معرضا عن الدنيا، مقبلا على أعماله العلميّة، ورعا تقيّا، حلو المعاشرة، تغمّده اللَّه برحمته.

أخلاقه‏

: كان الفقيه العراقي معروفا بالتواضع و طيب الأخلاق و خفّة الروح و الابتعاد عن التكلّفات التي يلتزم بها من شأنه مثله في الفقاهة و العلم و الزعامة الدينيّة. و كان تلاميذه يحبّونه بسبب هذه البساطة في المعاشرة و منهم من كان يختصّ به في كلّ دروسه في الفقه و الأصول مثل جدّنا الفقيه الشيخ محمّد تقي البروجردي (رحمه اللّه) الّذي اختصّ به و لازمه في حياته، و لم يفارقه حتّى فرّق بينهما الأجل الّذي لا بدّ منه. كان يشعر تلاميذه تجاهه بعلاقة أعمق و أوسع من علاقة التلمذة، فقد كان أستاذهم و صديقهم في وقت واحد. فكان (رحمه اللّه) إذا رقى منبر الدراسة يهيمن على عقولهم و أفكارهم يصغون إليه باحترام فإذا نزل المنبر و جلسوا إليه في مجالسه الخاصّة أنس بهم و أنسوا به و بادلهم النكت و الطرف و يحفظ له تلاميذه نكتا ظريفة كثيرة، كانوا يتفكّهون بها عند ما يتذكّرون شيخهم العراقي و يترحّمون عليه. و قلّما رأيت في شيوخ العلم من يحفظ له تلاميذه بين احترام العلم و توقير الفقه و أنس الخلّة فيما يجري بين الأخلّاء من طرف و مرح و مزاح ليس فيه معصية اللَّه و لا تجاوزا لحدود الأدب الّذي يتطلّبه مثل هذه الحالات. و كانت مع ذلك مجالسه الخاصّة مثالا للالتزام بحدود اللَّه و تقوى المعاشرة فلا يسمح لأحد من جالسيه أن يمسّ أحدا بسوء أو ينال منه أو يذكر أحدا في غيابه بما حرّم اللَّه تعالى من الغيبة و كان لهذه التربية العمليّة أثرا حسنا على نفوس تلاميذه.

مواهبه العقليّة:

كان من نوابغ عصره من دون ريب و قد آتاه اللَّه تعالى فكرا قويّا ثاقبا

19

و رؤية صافية و نقيّة لمسائل الفقه و ذوقا سليما سويّا في التفكير و الاستدلال كان سريع الانتباه و الانتقال قويّ الحجّة و العارضة و كان ذلك يمنحه موضعا متفوّقا في البحث و الحوار العلمي و كان مشهودا له بذلك من قبل أقرانه. و ما فتح اللَّه تعالى عليه في الفقه و الأصول من رؤى و تصوّرات و أفكار جديدة و ما فتح اللَّه تعالى على يده من آفاق جديدة يشهد له بذلك. و قد عرف (رحمه اللّه) منذ نشأته الفكريّة الأولى و منذ شبابه المبكّر بحدّة الذكاء و قوّة التفكير و سلامة الذوق و الرّأي و كان موضع احترام و إكبار أساتذته الذين يدرس عندهم، و كان المحقّق العراقي من النفر الّذين يصغي إليهم أستاذهم (الخراسانيّ) و يسكت إذا بدأ بالكلام أثناء الدرس، و كان (الخراسانيّ) معروفا بقوّته في ضبط نظام الدرس و هيمنته على طلبته و من دون ذلك لم يكن بالإمكان أن يحفظ نظام مثل هذا الدرس المهم الّذي يضم أكثر من ألف طالب فيهم الكثير من الفقهاء و المجتهدين و أساتذة الفقه و الأصول فكان يسكّت تلاميذه إذا تكلموا بكلام ضعيف. و كان بين تلاميذه نفرٌ من الفقهاء معروفين بعمق النّظر و دقّة الرّأي و السداد في التفكير و السلامة في الذوق يمنحهم شيخهم الخراسانيّ احتراما و تقديرا أكثر من غيرهم فإذا تكلّم أحدهم توقّف عن الاستمرار في الدرس و أصغى إليه باحترام. و كان من هؤلاء المحقّق العراقي. و قد حدّثني العلّامة السيّد هبة الدين الشهرستاني (رحمه اللّه) قال كان يتفق أنّ شبهة أو نكتة في الدرس كانت تثير النقاش و الحوار من الطلبة فترتفع أصوات الطلبة بالاعتراض و النقاش فإذا تكلّم أحدهم (و منهم السيّد آقا حسين البروجردي (رحمه اللّه) و كان يحدّثني عن فقاهة السيّد البروجردي و نبوغه في شبابه) أشار المحقّق الخراسانيّ إلى الطلبة يطلب منهم أن يسكتوا ليستمع إليه.

و كان المحقّق العراقي (رحمه اللّه) سريع الانتقال قويّ العارضة قويّ الحجّة بحّاثا يدير الحوار العلمي بكفاءة علميّة يوصل محاوره إلى النتيجة من أقرب‏

20

الطرق و أيسرها. كان يقول أحد الفضلاء من تلاميذ المحقّق النائيني قد كنت أسمع من أستاذنا النائيني رأيا يختلف عن رأي زميله المحقّق العراقي فأقتنع برأي شيخنا النائيني بشكل كامل، فإذا جلست إلى الشيخ العراقي و ناقشته فيه أقنعني بخلافه و قمت عنه و أنا مقتنع بصحّة رأيه و عدم صحّة رأي أستاذنا الشيخ النائيني فأرجع إلى المحقّق النائيني فيعيد إليَّ قناعتي الأولى و أعجب من نفسي كيف تغيّرت قناعتي الأولى القائمة على أسس متينة فلمّا أعود إلى المحقّق العراقي و أناقشه في المباني و الأساس الّذي سمعته من أستاذي زلزل قناعتي من جديد و وجدتني من جديد في حيرة من أمري. و قد كان (رحمه اللّه) يواجه معضلة في المبادئ و الأفكار الأصوليّة فيغرق في التفكير، و ينقطع عما حوله حتّى يفتح اللَّه عليه و هو من علامات النبوغ الفكري.

تلاميذه:

تخرّج من مجلس درسه الشريف- كما ذكرنا- عدد من العلماء و فيما يلي نذكر طائفة منهم:

1. السيّد أحمد المستنبط (1325- 1399) نقباء البشر 1: 100.

2. السيّد إسماعيل السدهي (1302- 1373) نقباء البشر 1: 155.

3. الشيخ محمّد بن زين الدين البحراني البصري (1333-) نقباء البشر 1: 179.

4. السيّد محمّد تقي الخوانساري (1305- 1371) نقباء البشر 1: 246.

5. السيّد محمّد تقي آل بحر العلوم (1318- 1393) نقباء البشر 1:

249.

6. الشيخ محمّد تقي البروجردي (- 1391) نقباء البشر 1: 259.

21

7. الشيخ محمّد تقي الآملي (1304- 1391) نقباء البشر 1: 267.

8. السيّد محمّد جعفر الجزائري (1276- 1350) نقباء البشر 1: 291.

9. السيّد محمّد جمال الدين التبريزي (1326- 1369) نقباء البشر 1:

307.

10. السيّد محمّد حسين الدزفولي (1301- 1362) نقباء البشر 2:

521.

11. السيّد حسين الشاهرودي (1315- 1373) نقباء البشر 2: 534.

12. الشيخ الميرزا محمّد حسين الخياباني (1300- 1392) نقباء البشر 2: 559.

13. الشيخ حسين الهمداني النجفي (1303- 1396) نقباء البشر 2:

622.

14. الشيخ محمّد حسين آل مظفّر (1312- 1381) نقباء البشر 2:

646.

15. الشيخ خضر الدجيلي (1303-) نقباء البشر 2: 699.

16. الشيخ راضي التبريزي (1326-) نقباء البشر 2: 717.

17. الشيخ محمّد رضا فرج اللَّه النجفي (1319- 1386) نقباء البشر 2: 756.

18. الشيخ آغا رضا المدني الكاشاني (1320-) نقباء البشر 2:

759.

19. الشيخ محمّد رضا المظفّر (1323- 1383) نقباء البشر 2: 772.

20. السيّد محمّد رضا التبريزي (1296- 1378) نقباء البشر 2: 781.

21. الشيخ سعادت حسين الهندي (1330-) نقباء البشر 2:

810.

22

22. الشيخ محمّد حسين الآيتي (1310-) نقباء البشر 2: 890.

23. الشيخ حسين الحولاوي النجفي (1313- 1388) نقباء البشر 2:

894.

24. الشيخ محمّد رضا الطبسي (1322-) نقباء البشر 2: 899.

25. الشيخ صفر علي العراقي (1303- 1379) نقباء البشر 2: 952.

26. الشيخ عبّاس الطهراني (1289- 1360) نقباء البشر 2: 990.

27. الشيخ عبد الصاحب الجواهري (- 1352) نقباء البشر 2:

1128.

28. الشيخ عبد الكريم مغنية العاملي (1311- 1354) نقباء البشر 2: 1180.

29. الشيخ علي الجشي (1296- 1376) نقباء البشر: 1379.

30. السيّد علي اليثربي الكاشاني (1311- 1379) نقباء البشر: 1432.

31. السيّد محمّد علي الجزائري (1298- 1360) نقباء البشر: 1460.

32. السيّد علي مدد القائني (1301- 1384) نقباء البشر: 1626.

33. السيّد أسد اللَّه النبوي الدزفولي (1313- 1403) تراجم الرّجال:

24.

34. السيّد تقي الرودباري الرشتي (- 1359) تراجم الرّجال:

31.

35: الميرزا عبد اللَّه الهشترودي (ق 13- ق 14) تراجم الرّجال: 89.

36. السيّد علي الإشكوري (1319- 1398) تراجم الرّجال: 96.

37. السيّد علي الشاهرودي (1336- 1376) تراجم الرّجال: 99.

38. الشيخ كاتب الطريحي (1305- 1388) تراجم الرّجال: 122.

23

39. الشيخ محمّد المهدوي اللاهيجي (1317- 1403) تراجم الرّجال:

143.

40. الشيخ محمّد الإشكوري (- 1356) تراجم الرّجال: 160.

41. الشيخ فاضل اللنكراني (1313- 1402) تراجم الرّجال: 266.

آثاره العلميّة:

ضاع- مع الأسف جملة من آثار المحقّق العراقي و ما بقي منها في أيدينا اليوم هو:.

1. استصحاب العدم الأزلي- كتبه سنة 1348 هجريّة قمريّة و طبع مع روائع اللئالي له.

2. أحكام الرضاع. (المفصّل).

3. البيع. طبع في النجف و هو مستلّ من شرحه على التبصرة.

4. تعاقب الأيدي (رسالة). ألّفها سنة 1357 و طبعت مع كتاب القضاء له.

5. تعليقات على رسائل الشيخ الأنصاري. نقلا عن المفصّل في تراجم الأعلام.

6. تعليقات «فوائد الأصول» و الفوائد هو تقريرات الميرزا حسين النائيني كتبها الشيخ محمّد علي الكاظمي طبعت مع الأصل عام (1406) في قم.

7. حاشية جواهر الكلام. نقلا عن «المفصّل».

8. حاشية العروة الوثقى. ذكر في نقباء البشر أنّها طبعت في إيران مع «العروة الوثقى» مع تعليقات السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ و السيّد آقا حسين القمّي و السيّد حسين البروجردي.

و له (رحمه اللّه) حاشية استدلاليّة موسّعة على العروة الوثقى طبعتها أخيرا مؤسّسة النشر الإسلامي لجماعة المدرّسين في قم.

24

9. حاشية كفاية الأصول. و عليها تعليقةٌ للسيّد علي النجف‏آبادي (1287- 1362) و عليها حاشية للسيّد علي التنكابني المتوفّى (1362) ذكرهما في نقباء البشر (4: 1318، 1381).

10. حاشية المكاسب نقلا عن «المفصّل».

11. حجيّة القطع (رسالة) نقلا عن «المفصّل».

12. روائع الأمالي في فروع العلم الإجمالي. ألّفه سنة 1337 طبع بالنجف سنة (1366) و ذكره في نقباء البشر بعنوان «فروع العلم الإجمالي».

13. شرح التّبصرة. طبع ستة أجزاء منه بتحقيق الشيخ محمّد هادي معرفة و قبله طبع في إيران. و ذكره في الذريعة (13: 135).

14. الشرط المتأخّر (رسالة) نقلا عن «المفصّل».

15. الصلاة. فرغ منه في ثاني ذي الحجّة (1337) و له نسخة بخطّ المؤلّف في مكتبة المرعشي (8: 226) برقم (3102).

16. قاعدة الحرج نقلا عن «المفصّل».

17. قاعدة لا ضرر نقلا عن «المفصّل».

18. القضاء ألّفه سنة 1333 و طبع بالنجف و بالأفست في قم. انتهى فيه إلى بحث تعاقب الأيدي. و هو مستلّ من شرحه على التبصرة. نقلا عن «المفصّل» لكن جاء في نقباء البشر أنّه فرغ منه سنة (1357).

19. اللباس المشكوك (رسالة). ألّفها سنة (1342) و طبعت مع روائع اللئالي.

20. مقالات الأصول. في جزءين. طبع الأوّل منهما سنة (1358) بالنجف و الثاني سنة (1369) بطهران. و ذكرها في الذريعة (21: 389) كتبها تلميذه الميرزا عبد اللَّه بن محمّد حسن الهشترودي التبريزي عام (1338) مصرّحا بتلمذته لدى المؤلّف. راجع (تراجم الرّجال: 89)

25

وفاته:

توفّي (رحمه اللّه) ليلة الإثنين (28) من ذي القعدة 1361 في النجف الأشرف.

و كان لوفاته (رحمه اللّه) أثر الفاجعة في نفوس طلّابه و محبّيه و مريديه و شيوخ الفقه و العلم في النجف الأشرف، و قد شيّعه جماهير العلماء و الطلبة و المؤمنين في النجف و أودعوه مثواه الأخير في الجانب الغربي من صحن الروضة الحيدريّة في الحجرة الثانية على يسار الداخل إلى الصحن الشريف من الباب الغربي (المعروف بباب العمارة). أقيمت له مجالس عزاء كثيرة في أقطار العراق و إيران و رثاه الشعراء و مما قيل في رثائه من الشعر ما نظمه الخطيب الشيخ جواد القسّام.

ما مات من آثاره بعده‏ * * * بين الورى باقية الاسم‏

لمّا سروا بنعشه و الهدى‏ * * * ظلت أسى عيونه تدمي‏

بلوعة أرخته قد دجا * * * بعد ضياء أفق العلم‏

(رحمه اللّه تعالى) و حشره مع أوليائه الصالحين و رزقنا شفاعته و جواره في مستقرّ رحمته.

قم- محمّد مهدي الآصفي في 22 صفر 1413

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

مقالات الأصول تأليف المحقق الأصولي الكبير آية اللَّه العظمى الشيخ ضياء الدين العراقي (قدس سره) (1278- 1361) الجزء الأول تحقيق الشّيخ محسن العراقيّ السّيد منذر الحكيم‏

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

المقالة الأولى فيما يتعلَّق بالعلم موضوعا و غاية و تعريفا

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

اعلم ان ديدن الأصحاب من الصدر الأول على تدوين شتات من القواعد الوافية بغرض و مقصد مخصوص، و جعلها فنا خاصا يتعلق بها العلم [1] تارة و الجهل أخرى، و تكون ذواتها محفوظة في نفس الأمر و الواقع- و ان لم يكن لها محصّل في العالم- و بهذا الاعتبار أيضا يقال: بأن المسألة الكذائية من أجزاء فن دون آخر، فأسامي هذه الفنون- مثلا كالنحو و الصرف و الفقه و الأصول- حاكيات عن نفس تلك الشتات بأجمعها- مع قطع النّظر عن إدراكها- و لذلك صحت إضافة العلم إليها تارة و الجهل أخرى فيقال: فلان عالم بالنحو مثلا أو جاهل به.

نعم قد يطلق العلم على نفس هذه العناوين [2] و يضاف الموضوع الخاصّ إليه [3] فلا بد و أن يراد من العلم حينئذ نفس القواعد الواقعية، إذ لا معنى‏

____________

[1] للعلم إطلاقان: أحدهما بمعنى انكشاف الواقع تصورا أو تصديقا. ثانيهما بمعنى القواعد التي يتألف منها فن خاص، و المراد بالعلم هنا هو الأول و أشار إلى الثاني بقوله الآتي: (نعم قد يطلق العلم على نفس هذه العناوين).

[2] المراد ب (هذه العناوين): النحو و الصرف و الفقه و الأصول، فالعلم هو نفس الفن المؤلف من قواعد خاصة.

[3] و ذلك حينما يقال مثلا: (الكلمة و الكلام) موضوع علم النحو.

32

لإضافة الموضوع المزبور إلى التصديق بها [1]، لأن معروض التصديق هو النّفس و متعلقة نفس القواعد، فلا مجال لإضافة الموضوع المزبور إليه. كما ان في إضافة الغاية [2] إليه لا بد و ان يراد من العلم هذا المعنى أيضا، لو أريد من الغاية ما يترتب على نفس هذه الشتات [3]، لا الأغراض المترتبة على تحصيل العلم بها، إذ مثلها ربما تختلف باختلاف أغراض المحصّلين فقد لا يكون غرض المحصّل لعلم النحو مثلا حفظ كلامه عن الغلط بل يحصّله لمقاصد أخر لا تكون تحت ضبط- و لعل ما ذكرناه هو مقصود من [4] جعل أحد معاني العلم: المحمولات المنتسبة [5]، و ان كان الأولى‏ (1) جعله عبارة عن نفس القواعد بموضوعاتها

____________

[1] هذا تعليل لبيان ان (العلم)- عند إضافة الموضوع الخاصّ إليه- لا بد ان يراد به نفس القواعد، و لا يصح ان يراد به المعنى الأول (و هو انكشاف الواقع تصديقا)، إذ لو أريد به المعنى الأول لكان معنى قولهم: (الكلمة و الكلام موضوع علم النحو) هو: (ان الكلمة و الكلام موضوع التصديق بالنحو) و مرجعه إلى ان (معروض التصديق بالنحو هو الكلمة و الكلام» و الحال ان معروض التصديق هو النّفس. فلا بد ان يراد بالعلم حينئذ: نفس القواعد التي يتعلق بها العلم تارة و الجهل أخرى لا الانكشاف التصديقي.

[2] هذا بيان آخر لتوضيح ان المراد بالعلم هو المعنى الثاني أيضا و ذلك حينما تضاف الغاية إلى العلم كأن يقال: (غاية علم النحو: حفظ اللسان عن الخطأ في المقال).

[3] الغاية من علم النحو مثلا على نحوين: غاية تترتب على نفس القواعد، و غاية تترتب على العلم بالقواعد. و الغاية المطلوبة من نفس القواعد حينما تضاف إلى العلم فلا بد من إرادة المعنى الثاني للعلم لتصحّ الإضافة.

[4] و هو صاحب الفصول إذ ذكر معاني العلم فقال: «و منها- أي من معاني العلم- المسائل و هي القضايا أو المحمولات المنتسبة و إليه يرجع قولهم فلان يعلم النحو أي مسائله» الصفحة 2 الطبعة الحجرية.

[5] و هذا يشعر بخروج موضوعات القضايا عن نظام العلم- بالمعنى الثاني- و لا يخفى ما فيه، لوضوح ان الموضوعات مقدمة للقضايا كالمحمولات، و القضايا باجزائها تكون من قوام العلم بالمعنى الثاني بدائع الأفكار صفحة 3.

____________

(1) وجه الأولوية.

33

و محمولاتها لا خصوص المحمولات المنتسبة، كما لا يخفى.

تذكار فيه إرشاد: و هو ان المراد من الغرض في كل شي‏ء هو: المقصد الأصلي و ما تعلق به قصده الأوّلي على وجه يكون داعيا إلى تحصيل مقدماته و موجبا للتوصل بها إليه، فلذا لا بد من [ترتبها] [عليه‏] نظرا إلى ان الإرادة التوصُّلية لا تكاد تتعلق إلّا بما يترتب عليه [ذوها]- كما سيأتي شرحه في باب المقدمة إن شاء اللَّه تعالى- و من هذه الجهة نلتزم بأن دائرة الغرض دائما تكون بمقدار دائرة المراد [1] و يستحيل ان يكون [أوسع‏] أو [أضيق‏]، و حينئذ فالغرض من كلّ مقدمة عند تعدّدها ليس وجود الشي‏ء بقول مطلق لاستحالة ترتبه عليها وحدها إذ هو خلف [2]، بل لا بد ان يكون الغرض منها حفظ وجود المقصد الأصلي من قبلها و سدّ باب عدمه من ناحيتها [3].

____________

[1] أي المقدمات المرادة بالإرادة التوصلية.

[2] إذ المفروض ترتب الغرض على مجموع المقدمات فترتبه على أحدها خلاف الفرض. و عليه فالغرض المترتب على كل مقدّمة ليس وجوده بقول مطلق بل جهة من جهات الغرض و على حدّ تعبير المصنّف هو: سدّ باب عدم الغرض من جهة تلك المقدمة.

[3] هذه إشارة إلى جواب سؤال قد يثار في المقام و حاصل السؤال: ان المسائل المدونة في العلوم لا تنتج بنفسها الأغراض المذكورة لها، مثل: حفظ اللسان عن الخطأ في المقام- في علم النحو مثلا-، بل لا بد لهذه المسائل من ضمّ مقدمات أخرى إليها- كتعلم تلك المسائل و إرادة تطبيقها- لتنتج الأغراض المذكورة لها. و عليه فلا وجه لما يقال من ان غرض علم النحو مثلا هو حفظ اللسان عن الخطأ في المقال. لعدم حصوله من وجود مسائل علم النحو بمجردها.

و حاصل جوابه الإجمالي: ان هذه المسائل و ان لم تنتج- بمجردها- تلك الأغراض، و لكنها تشارك في تحققها. بمعنى ان وجود كل شي‏ء باعتبار توقفه على سدّ جميع الأبواب التي يتطرق العدم منها إليه، و انعدام كل مقدمة من مقدمات وجوده يعني انفتاح باب من أبواب عدمه، فوجود كل مقدمة من مقدماته يعني انسداد باب من أبواب عدمه. فالمسائل بمجردها انما تسدّ ما يخصها من أبواب عدم الغرض. و بهذا يتضح معنى: ان كل مقدمة تسدّ باب عدم الغرض من ناحيتها.

و اما جوابه التفصيليّ فحاصله: ان غرض علم النحو- مثلا- ان كان هو حفظ اللسان‏

34

و بعد ذلك نقول: ان أغراض العلوم المعروفة في كلماتهم- من مثل حفظ الكلام هيئة في النحو، و مادة في الصرف، و حفظ فعل المكلف في الفقه، بل و حفظ استنباط حقائق الأشياء و معرفتها من مثل قواعد العلوم الفلسفيّة و الرياضيّة كحفظ استنباط الأحكام من القواعد الأصولية و هكذا- ليس حفظ الوجود بقول مطلق، كيف! و هذا المعنى يستحيل ان يترتب على صرف القواعد الواقعيّة، و لا على مجرد العلم بها، بل لإرادة العامل دخل فيه، و حينئذٍ فلا محيص ان يجعل المقصد المزبور ما يترتب على هذه القواعد من حفظ وجود هذا المقصد من ناحيتها و مرجعه- في الحقيقة- إلى ما ذكرنا من: سدّ باب عدمه من قبلها.

نعم لك ان تجعل الغرض من كل علم: تصحيح الأعمال القابلة للصدور من فاعلها قولا أو فعلا أو استنباطا كتصحيح الكلام هيئة في النحو، و مادة في الصرف، و افعال المكلفين في الفقه، و هكذا .. إذ التصحيح المزبور مترتب على نفس القواعد نظرا إلى ان القواعد المزبورة من مبادئ اتصاف هذه الأمور المسطورة بالصحّة، قبال مبادئ إيجاد هذه الأمور الصحيحة في الخارج فارغا عن اتصافها بها [1]. و من البديهي ان مبادئ الإيجاد غير مرتبطة بمبادئ التصحيح و خارجة عنها، [فتنحصر] على هذا مبادئ التصحيح بنفس القواعد بلا دخل شي‏ء آخر فيها، ففي مثل هذا العنوان صحّ لنا دعوى ترتبها بقول مطلق على القواعد المزبورة بلا دخل شي‏ء آخر فيها، و يمتاز هذا العنوان عن‏

____________

عن الخطأ فالإيراد عليه بأن الحفظ لا يترتب على المسائل بمجردها، بل لا بدّ من معرفتها و إرادة تطبيقها أيضا، مردود بأن معنى ترتّب الحفظ على المسائل بمجرّدها حينئذ هو: انسداد ما يخصّها من أبواب عدم الحفظ.

و ان كان الغرض من علم النحو هو اتّصاف الكلام بالصحّة فهذا الغرض- و هو الاتصاف بالصحّة- مترتّب على ذات المسائل لا على العلم بها و إرادة تطبيقها، لأن مجرد وجود القواعد النحوية يكفي لاتصاف الكلام بالصحّة لو طابق تلك القواعد.

[1] أي بعد الفراغ عن اتّصافها بالصحّة.

35

الحفظ المسطور في كلماتهم بذلك، كما لا يخفى.

تذييل فيه تحقيق: [1]

و هو ان دخل المسائل في الغرض المزبور ليس من باب دخل المؤثر في المتأثر، بل انما هو من باب دخل ما [تقوم‏] به الإضافة لنفسها [2]، لأنّ عنوان الحفظ المزبور و الصحة المسطورة انما ينتزع من تطبيق القواعد المعهودة على ما ينسب إليه الحفظ و الصحة، فالقواعد الواقعية في الحقيقة منطبقة على مواردها، فمن هذا الانطباق ينتزع العنوانان، و إلّا فالمؤثر في وجود هذه الأعمال الموصوفة بأحد الوصفين هو: إرادة العامل على إيجاد العمل صحيحا أو محفوظا، مثلا صحة الصلاة و حفظها [منتزعان‏] من تطبيق القواعد المضروبة [لهما] عليها [3] و قس عليه صحة الكلمة و الكلام و الاستنباط و هكذا ..

و حينئذٍ فلا طريق إلى أخذ جامع بين الشتات بمحض وحدة الغرض المترتب عليها، إذ ليس في المقام جهة تأثير و تأثّر كي يبقى مجال استكشاف الجامع بين‏

____________

[1] جاء في الفلسفة: ان الواحد لا يصدر منه الا الواحد. و قد حاول بعض الأصوليين الاستدلال بهذه القاعدة لإثبات ضرورة وجود موضوع خاص لكل علم تدور حوله مسائل ذلك العلم، بتقريب: ان لكل علم غرضا واحدا مترتبا على مسائله. و الغرض الواحد لا بد ان يصدر من واحد، لا من متعدد، فلا بد من وجود وحدة نوعية بين الموضوعات المختلفة لمسائل العلم الواحد، و هذه الوحدة النوعية هي ما يعبّر عنه بموضوع العلم.

و لكن المصنف لم يرتض تطبيق هذه القاعدة الفلسفية في هذا المجال فأجاب عنه بوجوه.

الوجه الأول: ان نسبة الغرض إلى المسائل ليست نسبة المعلول إلى العلة ليقال بان المعلول الواحد لا بد ان يصدر من علة واحدة، و انما نسبة الغرض إلى المسائل نسبة الإضافة إلى ما تقوم به الإضافة، إذ المسائل مقياس للاتصاف بالصحّة و ليست عللا موجِدة للصحة، فليس الغرض امرا توليديا و انما هو امر إضافي فحسب، و سوف نشير إلى سائر الوجوه حين تعرض المصنف لها.

[2] أي لنفس الإضافة و هي انطباق القواعد المدونة على الكلام- في علم النحو- أو مطابقة الكلام للقواعد و منه تنتزع الصحة.

و اما ما تقوم به الإضافة فهو المضاف إليه و هو نفس القواعد المدونة.

[3] لصحة الصلاة و حفظها على الصلاة.

36

الشّتات بالبرهان المعروف [1]، بل [2] لو فرض كون دخلها في الغرض المسطور دخلا تأثيريّا لا يقتضي البرهان المعهود أيضا أخذ جامع بينها لأنّ مجرد وحدته وجودا مع اختلاف الجهات فيه لا يوجب وحدة سنخيّة بين الشتات، بل من الممكن ان يكون كل واحد من الشتات بخصوصيّتها مؤثرا في جهة منه دون جهة، نعم لو كان الغرض بسيطا من جميع الجهات لا بد من انتزاع جامع بين [مؤثّراته‏] بالبرهان. بل [3] بناء على ذلك لا تختص الموضوعات بالجامع المزبور، بل لا بد من انتزاع الجامع بين المحمولات أيضا، بل و بين [المحمولات و الموضوعات‏] كذلك، و لكن أنّى لنا بذلك في أمثال المقام، كما عرفت، فحينئذٍ [4]

____________

[1] و هو برهان (ان الواحد لا يصدر إلّا من الواحد).

[2] من هنا يبدأ ببيان الوجه الثاني لتزييف تطبيق القاعدة الفلسفية و حاصله: انه بعد التسليم بأن نسبة الغرض إلى المسائل نسبة المعلول إلى العلة لم يمكن تطبيق كبرى (استحالة صدور الواحد الا من واحد) على المقام أيضا. إذ المراد بالواحد في هذه الكبرى هو الواحد البسيط من جميع الجهات، بينما الغرض- بالرغم من وحدته وجودا- متعدد الجهات (غير بسيط).

فلا موجب لفرض وحدة سنخية بين المسائل لتكون علة لتحقق هذا الغرض (غير البسيط)، بل يكون كل سنخ من المسائل مؤثرا في جهة من جهات هذا الغرض المركب «حقيقة» الواحد وجودا.

[3] من هنا يبدأ ببيان الوجه الثالث لتزييف تطبيق القاعدة المزبورة و حاصله: انه لو سلمنا وحدة الغرض من جميع الجهات (وجودا و حقيقة)، لكان اللازم من تطبيق كبرى (استحالة صدور الواحد الا من واحد) هو: لابديّة وجود وحدة سنخية بين المسائل بما تحتوي عليه من اجزاء، أي لا بدّ من افتراض وحدة سنخية بين موضوعات المسائل من جهة، و افتراض وحدة سنخية بين محمولاتها من جهة أخرى، و وحدة سنخية بين الموضوعات و المحمولات من جهة ثالثة.

و من المعلوم عدم إمكان افتراض جامع سنخي بين موضوعات المسائل و محمولاتها، إذ المحمولات عوارض للموضوعات، و لا يعقل وجود وحدة سنخية بين العارض و معروضه.

[4] بعد امتناع فرض جامع ما ماهويّ للموضوعات المتشتتة، يتعين الجامع العنواني و هو جامع انتزاعي (صوريّ) لا حقيقي.

37

فلا طريق إلى أخذ جامع بين موضوعات المسائل المختلفة ما لم يكن لها جهة جامعة صورية من باب الاتّفاق.

كما انه لا مجال لجعل امتياز العلوم بإطلاقها بتميّز موضوعاتها، كيف! و في غالب العلوم لا يكون جامع صوريّ بين موضوعات المسائل، إذ ترى ان الكلمة غير الكلام [1] لتقوّم الكلام بنسبة معنوية خارجة عن سنخ اللّفظ، و كذا التصور غير التصديق [2]، و الفصاحة غير البلاغة [3]، و هكذا الأمر في ذوات الأدلّة التي هي موضوع علم الأصول، و في بعض مسائل الفقه لا يتصور جامع و لو معنويا مع غيرها، [و نسبتها] كنسبة الوجود و العدم، و ذلك كالصّوم و الصلاة مثلا بعد ما كان الصّوم عبارة عن نفس التّروك بشهادة انه لو تبيّت في الليل و نام إلى الغروب كان صومه صحيحا بلا إشكال، و بديهي انه ليس من سنخ الصلاة و غيرها من سائر الأفعال، فحينئذٍ أين الموضوع الواحد الّذي [تمتاز] به هذه العلوم عن غيرها؟.

و عليه فلا يبقى مجال جعل امتياز كل علم بميز موضوعه، خصوصا بعد تعريفهم إيّاه بما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، إذ في أمثال ما ذكرنا من العلوم أين الموضوع الواحد الّذي يبحث عن عوارضه المزبورة؟ لأنه ان نظرنا إلى موضوعات مسائلها المعروضة [لعوارضها] الذاتيّة فلا تكون الا متكثرات بلا جامع ذاتي غالبا بينها [مبحوث‏] عن عوارضه المذكورة، و ان نظرنا إلى جامع عرضي و انتزاعي بينها فهو- و ان كان واحدا و لكن- لا يكون معروضا لعارض كي يبحث في العلم عن عوارضه الذاتيّة.

نعم ربّما يكون لبعض العلوم- ككثير من العلوم الفلسفيّة و الرياضيّة-

____________

[1] حينما يقال ان موضوع علم النحو: (الكلمة و الكلام).

[2] حينما يقال ان موضوع علم المنطق: التصور و التصديق (أو المعروف و الحجة).

[3] في علم البيان.

38

موضوع وحداني سارٍ في موضوعات مسائلها بنحو تكون الخصوصيات المأخوذة في مسائلها- على فرضها- [1] من قبيل الجهات التعليلية لطروّ العرض على ذات الموضوع المزبور مستقلا، نظير الفاعلية و المفعولية بالإضافة إلى عروض الرفع و النصب مثلا على ذات الكلمة، فضلا عمّا [إذا] لم يكن الموضوع متخصّصا بالجهة التعليلية أيضا، بل لا يكون تخصصه إلّا من قبل العارض و ذلك مثل أبحاث علم الحساب المبحوث فيه عن الاعراض الطارية على نفس العدد- ككون العدد أوليا أو [أصم‏] أو كالجمع و التفريق و الضرب و التقسيم و إعمال الكسور- أو كأبحاث علم الهندسة المتعرض للوازم المقدار العارضة له غالبا بنفسه- كمبحث الإشكال و النظريات الهندسيّة، و حينئذٍ نقول: ان في أمثال هذه العلوم أمكن دعوى وجود موضوع وحداني للعلم المبحوث فيه عن عوارضه الذاتيّة و لو بجهات عديدة، بل و فيها [2] أمكن دعوى كون امتياز العلوم صورة بها [3] نظرا إلى أنّ غاياتها غالبا- لما كان استنباط حقائق الأشياء بلوازمها- كانت من سنخ واحد، و لا يكون مناط في تحديد غاية كلّ علم بحدّ مخصوص بحسب الظاهر إلّا بامتياز موضوعاتها المختلفة بنحو التباين أو العموم و الخصوص، و أين ذلك ممّا أشرنا إليه من العلوم الأدبية و النقليّة حيث إنّها في تمام المعاكسة مع العلوم السالفة، إذ علاوة على عدم موضوع وحداني فيها كانت غاياتها أيضا في كمال الامتياز بعضها عن الآخر لوضوح اختلافها سنخا، كيف:

و حفظ الكلام عن الغلط غير مرتبط بسنخ حفظ فعل المكلف و هكذا بمقام حفظ الاستنباط و غير ذلك، ففي مثلها لا محيص من جعل امتياز أمثال هذه العلوم بامتياز أغراضها لا بموضوعاتها، و حينئذٍ لا غرو في دعوى الفرق بين‏

____________

[1] على فرض وجود هذه الخصوصيات.

[2] أي في أمثال هذه العلوم.

[3] أي بالموضوعات.

39

أنحاء كثير من العلوم العقليّة من الفلسفة و الرياضة، و بين غيرها من الأدبيّة و النقليّة، في وجه احتياج امتيازها إلى ميز الموضوع أو الغاية، فلا مجال لجري جميع العلوم على منوال واحد فيما به الامتياز. و ببالي ان [الناظرين‏] في العلوم النقليّة [نظروا] إلى ديدن أهل العلوم العقلية و [رأوا] انهم بنوا في امتياز علومهم غالبا بموضوعاتها، و غفلوا عن نكتة نظرهم، فاتبعوهم رمية من غير رام، و أجروا مثل هذه القاعدة في علومهم أيضا فوقعوا من الالتزام بهذا المسلك في علومهم الأدبيّة و النقليّة في حَيصٍ و بَيصٍ. و ربما التزموا بمحاذير ربما نشير إليها في طيّ الكلام.

فالأولى جعل العلوم [صنفين‏] صنف لا يكون امتيازها إلّا بأغراضها و صنف لا يكون امتيازها إلا بموضوعاتها، و حيث كان الأمر كذلك فلا محيص لنا أيضا من شرح الموضوع، و شرح العوارض الذاتيّة الواقعة في كلماتهم عند تعريفهم موضوع العلم كي نكون على بصيرة في جميع العلوم فنقول و عليه التكلان: ان توضيح هذه العويصة أيضا منوط بتمهيد مقدمتين.

أحدهما: ان الأوصاف المنسوبة إلى شي‏ء، تارة [تنتزع‏] من نفس ذات الشي‏ء كالأبيضيّة و الموجودية، المنتزعتين عن البياض و الوجود، و أُخرى منتزعة عن جهة خارجة عن ذات الموصوف.

و في هذه الصّورة تارة يكون اتصاف الذات [بها] باقتضاء ذاته [1] و ذلك كتوصيف بعض الأنواع و الفصول ببعض خواصها كتوصيف العقل بالمدركية و الإنسان بقوة الضحك [و التعجب‏] و أخرى لا يكون إلّا باقتضاء امر خارجي و ذلك أيضا:

____________

[1] أي نفس الذات.

40

تارة يكون الأمر الخارجي موجبا لعروض الوصف على شي‏ء بلا كونه بنفسه معروضه [1] و ذلك كالمجاورة للنار الموجب لعروض الحرارة على الماء مستقلا بمعنى كون الماء تمام المعروض للحرارة بلا دخل المجاورة فيه إلّا بنحو التعليل، و أُخرى يكون الأمر بعكس ما سبق بأن يكون العرض عارضا للواسطة بلا عروضه لذي الواسطة. و ذلك أيضا:

تارة [يكون‏] [قابلا] للحمل على ذي الواسطة و ذلك مثل الخواصّ العارضة على الفصل بالنسبة إلى جنسه مثل المدركيّة العارضة للنفس الناطقة [فانّها] قابلة للحمل على الجنس بتبع [الحمل على‏] فصله، و لكن بالدقّة لم يكن عارضا للجنس إذ بعد كون الفصل تمام المعروض لهذا الوصف يستحيل دخول الجنس في معروضه إذ الجنس و ان كان متحصّلا بالفعل، [و لكنه‏] في عين تحصّله به، جهة زائدة عن حيثيّة فصله فمع كون العارض من خواص هذه الحيثية يستحيل دخول حيثية أخرى في معروض هذا العارض، كيف؟ و هو خلف محض، و مجرد وحدتهما وجودا لا يَضُرُّ بتعدّدهِما جهة و حيثيّة، و المفروض انّ العارض المزبور من خواص الحيثية الفصلية، فجهة الجنسيّة حينئذٍ خارجة عن [هذه الحيثية] فكيف يصحّ حينئذٍ نسبة العروض إليها حقيقة و دقّة؟ و لكن بملاحظة قابليّة حمل الفصل على الجنس يصح حمل خواصّه عليه و يقال: بعض الحيوان مدرك للكليّات [2]، و من هذا الباب أيضا حمل الضحك و التعجب على الحيوان بناء على كونهما من خواص فصله.

____________

[1] فيكون الأمر الخارجي علة لثبوت الوصف للذات و هو ما يسمى بالواسطة في الثبوت أو الواسطة التعليلية.

[2] لا يخفى ان الموضوع في المثال هنا «بعض الحيوان» و المدعى هو حمل خاصة الفصل على الجنس، و الجنس هو الحيوان قبل تحصّله و تخصّصه بالحيثية الفصلية فالمقام جدير بالتأمل.

41

و تارة لا تكون الواسطة المعروضة قابلة للحمل أيضا علاوة على عدم قابليتها للعروض على ذي الواسطة و ذلك مثل السرعة و البطء العارضين للحركة العارضة للجسم، فانّه بملاحظة عدم قابليّة حمل الواسطة على الجسم لا يصح حمل الوصفين [عليه أيضا] [1]. و من هذا الباب أيضا الاستقامة و الانحناء العارضين للخط القائم على الجسم، و منه أيضا حركة السفينة بالنسبة إلى جالسها ففي أمثال ذلك [تكون‏] نسبة الوصف إلى ذي الواسطة من باب نسبة الشي‏ء إلى غير ما هو له و كان توصيفه به بنحو من العناية و المسامحة العرفية.

ثم هنا قسم ثالث و هو صورة صدق العروض على الواسطة مستقلا حقيقة و على ذي الواسطة ضمنا كذلك، و منه كل مورد يكون العرض من خواص النوع لا خصوص فصله فانّه حينئذٍ [يكون‏] العرض المزبور عارضا لجنسه أيضا، لكن بنحو الضمنيّة لا الاستقلال. و من هذا الباب الاعراض الثابتة للعناوين الخاصّة بخصوصيّة تقييديّة، كالوجوب العارض للصلاة بخصوصيّة عنوانها، و هكذا غيرها، المستلزم لعروض مثل هذا العرض لفعل المكلّف الّذي هو بمنزلة الجنس له، ضمنا لا مستقلا [2].

____________

[1] المقصود ان العرض لا يكون قابلا للحمل على ذي الواسطة باعتبار أن الغرض نفسه غير قابل للعروض على ذي الواسطة، و الواسطة أيضا غير قابلة للحمل على ذي الواسطة. فقوله «عدم قابليتها» أي عدم قابلية الاتصاف.

[2] تخطيط ما ذكره من أقسام العرض:

العرض ما ينتزع من نفس الذات ما ينتزع من جهة خارجة عن ذات الموصوف‏

42

[ثانية] المقدمتين: انه صرح في شرح الإشارات [1] في باب تناسب العلوم ما

____________

ان يكون اتصاف الذات باقتضاء ذاته ان يكون الاتصاف باقتضاء أمر خارجي ان يكون الأمر الخارجي واسطة تقييديّة و هو المعروض حقيقة ان يكون الأمر الخارجي بواسطة تعليلية لعروض الوصف على ذي الواسطة ان يكون العروض على الواسطة استقلالا و على ذي الواسطة ضمنا ان يصح الحمل على ذي الواسطة بلا عروض عليه (لا ضمنا و لا استقلالا) ان لا يصح الحمل و لا العروض على ذي الواسطة.

[1] قال المحقق الطوسي في شرح الإشارات:

(العلوم تتناسب و تتخالف بحسب موضوعاتها، فلا يخلو اما ان يكون بين موضوعاتها عموم و خصوص أو لا يكون، فان كان فاما ان يكون على وجه التحقيق أو لا يكون، و الّذي يكون على وجه التحقيق هو الّذي يكون العموم و الخصوص بأمر ذاتي و هو ان يكون العام جنسا للخاص كالمقدار و الجسم التعليمي اللذين أحدهما موضوع الهندسة و الثاني موضوع المجسمات، و العلم الخاصّ الّذي يكون بهذه الصفة يكون تحت العام و جزء منه، و الّذي ليس على وجه التحقيق هو الّذي يكون العموم و الخصوص بأمر عرضي و ينقسم إلى ما يكون الموضوع فيهما شيئا واحدا لكن وضع ذلك الشي‏ء في العام مطلقا و في الخاصّ مقيّدا بحالة خاصة كالأكَر مطلقة و مقيّدة بالمتحركة اللّذين هما موضوعا علمين، و إلى ما يكون الموضوع فيهما شيئين و لكن موضوع العام عرض عام لموضوع الخاصّ كالوجود و المقدار اللّذين أحدهما موضوع الفلسفة و الثاني موضوع علم الهندسة، و العلم الخاصّ الّذي يكون على هذين الوجهين يكون تحت العلم العام و لكنه لا يكون جزء منه. ج 1 ص 302 ط 3177 ه-.

و قد استفاد المحقق العراقي من صدر هذا النصّ- المتضمن لذكر تخالف العلوم بموضوعاتها و جعل التخالف بين الموضوعات بالعموم و الخصوص قسما من أقسام التخالف-:

ان العوارض الذاتيّة للأخص ليست عوارض ذاتية للأعم، و إلّا لما جعل الأخص موضوعا علما مستقلا في قبال العلم الأعم موضوعا.

و لكنه قد غفل عن ذيل النص إذ صرّح فيه- بعد تقسيمه للتخالف بنحو العموم‏

43

ملخصه: ان كثيرا من العلوم- التي لموضوعاتها عنوان وحداني مشترك بين مسائلها- ربّما تختلف موضوعاتها بنحو العموم و الخصوص بنحو يكون موضوع العلم العالي من قبيل الجنس بالنسبة إلى موضوع العلم السافل، و ذلك مثل موضوع علم الهندسة: و هو المقدار، الّذي هو جنس للجسم التعليمي الّذي هو موضوع علم المجسّمات، أو من قبيل العام العرضي الّذي هو موضوع الفلسفة بالنسبة إلى المقدار و غيره من سائر العناوين [الأخص‏] الموضوعة لسائر العلوم.

أو من قبيل المطلق و المقيد كالأُكَر: [مطلقة] يكون موضوع علم، و مقيّده بالحركة موضوع علم آخر. انتهى مضمون كلامه.

و مرجعه بالأخرة إلى: ان كل عرض ثابت لعنوان خاص بخصوصيّة منوّعة لا بدّ و أن يبحث في علم مستقل يكون هذا العنوان موضوعه، و لا يبحث في علم يكون موضوعه عنوانا أعمّ من ذلك بأحد الوجوه السابقة [1]، بل لا بد في مثل هذا العلم [2] من البحث عن العوارض الطارئة على العنوان الأعم.

و إلى ذلك أيضا أشار صدر المتألهين- (قدس سره)- في أسفاره في مقام تمييز الأعراض الذاتيّة عن الغريبة بأن كل عرض ثابت لنوع متخصص الاستعداد

____________

و الخصوص إلى قسمين: ذاتي و عرضي- بأن العموم و الخصوص ان كان ذاتيّا فالأخص موضوعا داخل تحت الأعم و جزء منه، و هذا يعني ان الاعراض الذاتيّة للأخص أعراض ذاتيّة للأعم أيضا.

و قد جاء هذا الاعتراض على المصنف في تقريرات بحث الشهيد آية اللَّه السيد محمد باقر الصدر الجزء الأول ص 41.

[1] و هي أن يكون التخالف بأحد أنحاء ثلاثة:

أ- بالعموم و الخصوص الذاتي.

ب- بالعموم و الخصوص العرضي.

ج- بالإطلاق و التقييد.

[2] أي العلم الّذي موضوعه (العنوان الأعم)

44

من غير ناحية هذا العرض فهو من الاعراض الغريبة المبحوث عنها في علم آخر يكون هذا لتخصصه كالبحث عن استقامة الخطّ و انحنائه فهو من العرض موجباً النوع موضوعه، و كل عرض ثابت لشي‏ء بنحو يكون هذا العوارض الذاتيّة. انتهى مضموناً [1].

و من هذا الباب أيضا [2]: كل مورد أُخذت الخصوصية فيه بنحو الجهة التعليلية، نظير ما أشرنا إليه من مثل الفاعلية و المفعولية بالقياس إلى الكلمة، فان العوارض مثل الرفع و النصب عارضة على ذات الكلمة لا على نوع‏

____________

[1] الأسفار ج 1 ص 33- 34: «نعم كل ما يلحق الشي‏ء لأمر أخص و كان ذلك الشي‏ء مفتقرا في لحوقه له إلى ان يصير نوعا متهيّئاً لقبوله ليس عرضاً ذاتياً بل عرض غريب على ما هو مصرح به في كتب الشيخ و غيره. كما ان ما يلحق الموجود بعد ان يصير تعليميّا أو طبيعيّا ليس البحث عنه من العلم الإلهي في شي‏ء. و ما أظهر لك ان تتفطن بان لحوق الفصول لطبيعة الجنس كالاستقامة و الانحناء للخط مثلا ليس بعد ان يصير نوعا متخصّص الاستعداد بل التخصّص انّما يحصل بها لا قبلها فهي مع كونها أخصّ من طبيعة الجنس أعراض أولية له».

و غرض المصنف من هذا الاستشهاد: إثبات ان عوارض الأخص ليست عوارض ذاتيّة للأعم. و المستفاد من عبارة صدر المتألهين هذه: ان مجرد كون العارض أخص لا يمنع من كونه عرضا ذاتيّا للموضوع، بل المدار في ذاتيّة العروض هو ان يكون الموضوع مقتضيا بنفسه عروض هذا العارض و ان كان أخص منه. نعم لو كان العارض الأخص لا يعرض على الموضوع الأعم الا بعد تخصصه بما يجعله قابلا لعروض العارض الأخصّ عليه، كان عرضا غريبا. و عليه فعوارض الموضوع الأخصّ تكون أعراضا غريبة للموضوع الأعم لأنها لم تعرض على الأعم الا بعد تخصّصه بالعنوان الأخص‏

. [2] بعد ان قسم صدر المتألهين العرض الأخص إلى قسمين:

أ- ما يعرض على الموضوع من دون تخصّص سابق.

ب- ما يعرض على الموضوع بعد تخصّصه بما يعدّه لعروض الأخص.

أضاف المصنّف قسما ثالثا إليهما: و هو الأخصّ العارض على الأعم بواسطة تعليلية كعروض الرفع على ذات الكلمة بسبب الفاعلية. و اعتباره من العرض الذاتي انما هو بلحاظ ان الموضوع بذاته يقبل هذا العارض الأخص و ليست الواسطة إلّا علّة للعروض.

45

متخصص من غير ناحية هذه العوارض لما عرفت من أنّ الخصوصيات الخارجية خارجة عن الموضوع بل هي جهات تعليلية لعروض العوارض المزبورة على الذات، نظير المجاورة للنار بالإضافة إلى حرارة الماء، ففي مثلها أيضا [1] لا يكون موضوع المسألة بالنسبة إلى ما هو موضوع العلم من قبيل النوع إلى جنسه، بل هو نظير فرض تخصص الجنس بعرضه و ان لم يكن بالدّقة منه [2].

و ينبغي على مثل صدر المتألهين ان لا يقنع في العرض الذاتي بما أفاده بل يلحق هذه الصورة أيضا إليه لاتحادهما في كون الجنس تمام المعروض للعرض- لا جزءه كما هو الشأن في الجنس بالنسبة إلى آثار نوعه- كما لا يخفى.

إذا عرفت هاتين المقدمتين [3] فنقول: ان المستفاد من كلمات هؤلاء الاعلام و أساطين الفن أنّ المدار في العرض الغريب لشي‏ء ما هو عارض على‏

____________

[1] كأنّه يدفع إشكالا محصّله:

ان نسبة موضوعات المسائل- كالفاعل في علم النحو مثلا- إلى موضوع العلم هي نسبة النوع إلى جنسه، فتكون محمولات المسائل عوارض غريبة لموضوع العلم. لأن ما يعرض على الجنس بواسطة النوع عارض غريب للجنس.

و الجواب: ان موضوعات المسائل هنا جهات تعليليّة لثبوت محمولاتها لموضوع العلم فلا تكون عوارض غريبة له.

[2] يشير إلى ان العارض بالواسطة التعليليّة مثل ما يعرض على الموضوع من دون تخصّص سابق غير ان الثاني لا يحتاج إلى واسطة تعليليّة. و لهذا لم يكن بالدّقة منه و ان كان عارضا ذاتيّا أيضا.

[3] اما المقدّمة الأولى فقد تعرّض فيها لأقسام العارض و قد أنهاها إلى ستة ذكرناها بتوضيح سبق.

و اما المقدمة الثانية فقد قصد فيها تمييز العارض الذاتي عن الغريب. و قد جعل الملاك لذاتيّة العارض هو العروض لا مجرّد صحة الحمل و ذلك بقيدين:

1- ان يكون عروضا حقيقيّا. (و بهذا القيد يخرج قسمان من ستّة أقسام).

2- ان يكون عروضا استقلاليّا لا ضمنيّا. (و بهذا يخرج قسم آخر فيكون العارض الذاتي على ثلاثة أقسام.

46

نوعه المتخصص فارغا عن تخصصه [1]، و من المعلوم ان لازم ذلك عدم الاكتفاء في العرض الذاتي لشي‏ء، على مجرد عروضه عليه و لو ضمنا. كيف!؟ و أعراض النوع عارضة للجنس و لو بنحو الضمنية، و لا الاكتفاء بمجرد صحة حمل العارض على ذي الواسطة بنحو من الحمل الحقيقي و لا [2] بصرف اتحاد المعروض لهذا العرض مع ذي الواسطة بنحو من الاتحاد المصحح للحمل المزبور، فضلا عن توهم الاكتفاء بصرف صحة الحمل- و لو مسامحة عرفية- كيف؟ و في أعراض النوع و المقيّد بالنسبة إلى جنسه و مطلقه [يصدق‏] العروض بالنسبة إلى الجنس و المطلق عروضا ضمنيّا، بل و يصح حمل العرض على ذي الواسطة بتبع حمل نوعه عليه، بل و كان وجود معروضه متحدا مع ذي الواسطة، و مع ذلك أفردوا البحث عن هذه الأعراض بالنسبة إلى علم آخر يكون موضوعه هذا النوع أو المقيد، و جعلوا مثل هذه الاعراض بالنسبة إلى علم يكون موضوعه الأعم من الاعراض الغريبة و أخرجوها من هذا العلم.

و عليه نقول: ان الأولى بالخروج حينئذ ما لو كان العارض عارضا لفصل هذا الجنس، لما عرفت من ان أعراض الفصل لا تكون عارضة لجنسه- و لو ضمنا- حقيقة و دقّة، و حينئذ: أعراض الفصل بالنسبة إلى جنسه أسوأ حالا من أعراض النوع بالإضافة إلى جنسه لما عرفت: ان الجنس معروض- و لو ضمنا-

____________

[1] ان أقسام العرض الغريب- في كلام المصنّف- ثلاثة:

1- ما يعرض على الجنس بواسطة النوع فيكون العروض و الحمل حقيقيّان غير أنّ العروض ضمنيّ لا استقلالي.

2- ما يعرض على الجنس بواسطة الفصل كالضّحك العارض للحيوان- بناء على كونه من خواصّ الفصل لا النوع- و الحمل حينئذ حقيقي من دون عروض استقلاليّ أو ضمني.

3- ما يحمل على الشي‏ء بالمسامحة العرفية- لأجل عروضه على ملابسه- كعروض السرعة على الجسم بواسطة الحركة- فلا عروض و لا حمل حقيقي.

[2] الظاهر ان قوله [و لا] زائد لا حاجة إليه.

47

لأعراض نوعه، بخلافه بالنسبة إلى أعراض الفصل فانّها خارجة عن المعروض حقيقة.

و أولى من ذلك ما لا يكون من عوارض شي‏ء دقّة و لا [قابلا] للحمل على ذي الواسطة، كما مثّلنا بالسرعة [و البطء] العارضين للحركة العارضة للجسم، و هكذا الاستقامة و الانحناء العارضين للخط القائم بالجسم، فان [في‏] أمثال هذه العوارض بالنسبة إلى الجسم لا يصدق العروض و لا يصح الحمل، فحينئذ عدُّها من الاعراض الغريبة أولى من الأمور السابقة.

و عليه فليس المدار في الأعراض الذاتيّة التي في قبالها إلّا كون العرض ثابتا للشي‏ء دقة بنحو الاستقلال- و لو بجعل الخصوصيات المأخوذة في موضوع المسائل بنحو الجهات التعليليّة لا التقييديّة-.

و ربما بذلك يرتفع الإشكال المشهور بان موضوع المسائل بالإضافة إلى موضوع العلم من قبيل النوع إلى الجنس، مع انّهم جعلوا العوارض الثابتة لعنوان أخص من الموضوع من العوارض الغريبة، لأنّه يقال:

بأنّ ما أفيد كذلك- لو كانت الخصوصيات المأخوذة في موضوعات المسائل من الجهات التقييديّة [الدخيلة] في المعروض و [كانت‏] بمنزلة النوع إلى جنسه- و لكن ذلك أول شي‏ء ينكر إذ من الممكن كون الخصوصيات المأخوذة في موضوعات المسائل من الجهات التعليلية الموجبة لطروّ العارض على ذات الجنس قبل تنوّعه بنوع من أنواعه، كما لا يخفى، فيخرج موضوع المسألة حينئذ من النوعيّة، كما أشرنا آنفا.

و من التأمُّل في ما ذكرنا يظهر الميزان في واسطة العروض الراجعة إليها الأعراض الغريبة، حيث إن المدار فيها على كون العارض عارضا للواسطة محضا و يكون ذو الواسطة ممّا يصح سلب العارض عنه في مقام العروض استقلالا

48

- و ان صح [حمله عليه‏] [1] تبعا-.

و إلى ذلك أيضا أمكن إرجاع ما في شرح المنظومة: بأنّ المدار في الوساطة في العروض على صحة سلب العارض [عن ذي‏] الواسطة، و ان كان تمثيله بحركة جالس السفينة يوهم كون مراده من صحة السّلب: صحته في مقام الحمل أيضا، و لكن الظاهر تصديقه خروج العلوم السافلة عن العالية بالبيان المتقدّم عن شارح الإشارات، فلا بد من حمل كلامه هنا على صحة سلبه في مقام العروض لا الحمل، و إلّا ففيه الإشكال المتقدّم.

و أوضح من ذلك إشكالا ما حكي عن بعض الأساطين الأعلام من ان المدار في العرض الذاتي على مجرّد اتّحاد معروض هذا العارض مع ذي الواسطة وجودا، و جعل الضحك العارض للإنسان من العوارض الذاتيّة للحيوان بمحض اتّحاد وجود الحيوان معه، فكأنّه لاحظ مجرّد صحة حمل الضاحك على الحيوان.

و لقد عرفت انّه لو كان المدار على ذلك يلزم إدخال مسائل العلوم السافلة في [العلم‏] الأعلى، و هو في الحقيقة تخريب لما أسّسوا من الأساس [في‏] كيفية تناسب العلوم و امتياز [موضوعات بعضها] عن الآخر و مرجعه إلى خلط العلوم الرياضية و الطبيعية و الفلسفة الإلهية أسفلها بأعلاها، و ما أظن ارتضاءه بذلك.

و أوضح إشكالا من ذلك ما عن بعض أعاظم المعاصرين على [ما هو] المحكي من مقرّر بحثه حيث جعل ميزان الوساطة في العروض على احتياج [عروضها] إلى واسطة أخرى في الثبوت [2] و مثّل ذلك بالضحك العارض للتعجب العارض لإدراك الكلّي. و ظاهر كلامه التزامه بعروض الضحك للإنسان مع كونه من عوارض التعجّب باعترافه.

و لا يخفى ما في هذا الكلام من مواقع النّظر، إذ:

____________

[1] أي حمل العارض على ذي الواسطة.

[2] و لا يخفى لطفه.

49

أوّلا في التزامه عروض الضحك للتعجّب، و التعجّب للإدراك، مجال نظر.

كيف! و لا مجال لدعوى ان [التعجّب‏] ضاحك، مع انّ العروض ملازم مع صحّة حمل وصفه الاشتقاقي على معروضه، فلا محيص من جعل التعجّب من الجهات التعليليّة، لعروض الضحك على النوع أو فصله، و هكذا الأمر بالنسبة إلى الإدراك بالإضافة إلى التعجّب بعين صحّة سلب الحمل المزبور فيهما أيضا.

و ثانيا على فرض تسلُّم عروض الضحك للتعجّب لا معنى بعده للالتزام بعروضه للإنسان إلّا بالواسطة من كونه معروض معروضه لا معروضه، و إلّا فهو لا يناسب مع كونه عارضا للتعجّب إذ يستحيل لعارض شخصيّ واحد معروضان بنحو الاستقلال.

نعم غاية ما في الباب صحة حمل العارض على ذي الواسطة بتبع حمل الواسطة عليه. و لكن مجرّد صحّة الحمل لا يلزم العروض و ان كانت الملازمة محفوظة في طرف العكس.

و ثالثا على فرض تسليم عروض الضحك على الإنسان نقول إنّ لازمه كون الضحك من عوارض ذات الإنسان بواسطة أمر مساو له، و ظاهرهم إدخال مثل هذه العوارض في العرض الذاتي لا العوارض الغريبة و إن كان لنا في مثل هذا التفصيل بين الأعراض- بتوسيط المساوي أو الأعم و الأخص بجعل [الأول‏] من العوارض الذاتيّة و الأخيرين من الغريبة- نظر؛ إذ الواسطة ان كانت من الجهات التعليليّة- كما أشرنا- فالعارض بالوسائط المزبورة من العوارض الذاتيّة، بعد الجزم بعدم إرادتهم منها خصوص ما انتزع من الذات أو الثابتة باقتضاء الذات، و ان كانت من الجهات التقييديّة الموجبة لتخصص الموضوع بخصوصيّة خارجة معروضة لهذا العرض، فالعارض المزبور بالنسبة إلى الجامع [1]

____________

[1] هذا الرّأي للمحقّق النائيني (قدس سره) و حاصله: ان العارض الذاتيّ ما يعرض على الشي‏ء بدون‏

50

في ضمن هذه العناوين الخاصّة من العوارض الغريبة كما أسلفنا من المؤسّسين لهذا الأساس في باب تناسب العلوم و غيره، و لذا أشكلنا على من جعل موضوع الفقه فعل المكلف علاوة [على ما] تقدّم [1]: بأنّ نسبة الفعل إلى عنوان الصلاة كنسبة الجنس إلى نوعه المتخصّص الاستعداد، كما انّ ضم حيثية الاقتضاء و التخيير [إليه‏] أيضا لا يجدي شيئا: لأنه ان أريد اقتضاء نفس الفعل مستقلا فواضح الفساد [2]، و ان أريد اقتضاؤه ضمنا فغير مثمر- على ما تقدّم-، و ان أريد جعل العنوان المزبور مشيرا إلى العناوين الخاصة التي هي الموضوعات للمسائل فيخرج عن الوحدة، و ان أريد جعل العنوان المشير موضوعا واحدا فلا أثر له كي يبحث عن عوارضه.

و بالجملة نقول: انّ الالتزام بكون الضحك من عوارض الإنسان على وجه يصدق عليه أنّه معروضه لا يناسب مع الوساطة العروضية، كيف! و ترى انّ شارح المنظومة ينادي بأن المناط في الوساطة العروضية على صحّة سلب أعراضها عن ذي الواسطة، فمع اعترافه بعدم صحّة السلب حتى في مقام العروض فضلا عن مقام الحمل كيف يدخل مثل هذه في الاعراض الغريبة

____________

واسطة في العروض، و ان احتاج إلى واسطة في الثبوت كعروض التعجّب للإنسان بسبب إدراكه للكليّات. و العارض الغريب ما يعرض على الشي‏ء بواسطة في العروض: و الواسطة في العروض هي ما تحتاج إلى واسطة في الثبوت فالعارض الغريب هو ما يعرض على الشي‏ء بواسطتين.

جاء في تقريرات بحثه- بعد كلام في هذا الصّدد- ما نصّه: (فالميزان أنّ العارض ان احتاج إلى واسطة غير محتاجة إلى واسطة أخرى فالواسطة في الثبوت و إلّا ففي العروض). أجود التقريرات ج 1 ص 8.

[1] لعلّه إشارة إلى ما تقدم منه من عدم كون فعل المكلّف جامعا ماهويّا لموضوعات مسائل علم الفقه.

[2] باعتبار أنّ فعل المكلف بما هو ليس موضوعا لتكليف الشّارع إلّا بعد تخصّصه بعنوان من العناوين كالصّلاة و الصّوم و البيع و غيرها.

51

الثابتة بالواسطة العروضيّة.

نعم لو كان له اصطلاح جديد لا مشاحّة فيه و لكن لنا حينئذ كلام آخر و هو أنّه لو كان غرضه من هذا الاصطلاح إخراج بحث ضحك الإنسان عن علم يكون موضوعه الإنسان فمع الاعتراف بعروض الضحك حقيقة للإنسان بمحض كونه بواسطة [عروضية] [باصطلاحه‏] فهو أوّل شي‏ء ينكر و إلّا فلا ثمرة في هذا الاصطلاح أصلا [1].

و كيف كان نقول: الّذي يقتضيه النّظر في شرح وساطة العروض بمقتضى التتبّع في لوازم كلماتهم أنّ المدار فيها على صحّة سلب العارض في مقام العروض بنحو الاستقلال عن ذي الواسطة، و إليه أيضا [ترجع‏] جميع الأعراض الغريبة الخارجة عن مسائل العلم، و في قباله كون ميزان الأعراض الذاتيّة الداخلة في مسائل العلم بثبوتها لشي‏ء حقيقة بنحو الاستقلال بلا اختصاص بكونه بالذات، و بلا فرق بين كون الواسطة التي هي من الجهات التعليليّة لعروض شي‏ء على شي‏ء مساويا أو [أعمّ أو أخصّ‏] كما أنّ الواسطة لو كانت من الجهات التقييديّة الموجبة لسلب العروض الاستقلالي عن الجامع بينها- أيضا لا فرق بين الأعم و الأخص و المساوي، إذ مهما كان العرض قائما بالواسطة كان [بالنسبة] إلى ذي الواسطة من الأعراض الغريبة-.

و لقد أجاد في الفصول حيث جعل الميزان في العوارض الذاتيّة بأن لا تكون بالواسطة في العروض و لو كانت الواسطة مساوية. و تبعه فيه أستاذنا العلّامة رضي اللَّه عنه في كفايته، و ان كان تحديده موضوع العلم بأن نسبته إلى‏

____________

[1] حاصل غرضه (قدس سره): أنّ الثمرة المتصورة لجعل الضّحك عارضا غريبا للإنسان- بناء على أن العارض الغريب: ما يعرض على الشي‏ء بواسطتين- هي: إخراج الضّحك من علم يكون موضوعه (الإنسان). لكن لازم كون الضحك- مع ذلك- عارضا على الإنسان حقيقة دخوله في العلم الّذي يكون موضوعه (الإنسان). فلا تترتب الثمرة المطلوبة.

52

موضوعات المسائل كنسبة الكلّي إلى أفراده بإطلاقه منظور فيه، كيف! و قد أشرنا سابقا بأنّ كثيرا ما لا يكون لموضوعاتها جامع معنوي ذاتيّ، و على فرض وجود جامع لها [لا تكون‏] عوارض نوعه عوارض لها [1].

بل الأولى أن يقال في [موضوعات‏] العلوم بقول مطلق انّها متّحدة مع موضوعات المسائل بنحو من الاتّحاد، لا كاتّحاد الجنس [بنوعه‏] أو [بفصله‏] كما عرفت مفصّلا.

[موضوع علم الأصول‏]

ثم بعد ما اتّضح ما ذكرنا نقول: إنّ موضوع علم الأصول هي الأدلّة الأربعة بما لها من الخصوصيّة بلا موجب لانتزاع جامع بينها، و انّها عين موضوعات [مسائله‏] ذاتا، كعينيّة [موضوعات مسائل‏] النحو للكلمة و الكلام، و هكذا في موضوع الفقه من كون موضوعه عين موضوعات مسائله ذاتا خصوصا في الصّلاة و الصّوم. و مجرّد عدم عنوان واحد لموضوعات هذه العلوم القابلة لجعله مقياس تميّز هذه عن غيرها لا يوجب إخراجها عن دائرة الفنون المضبوطة و العلوم المعنونة، إذ يكفي في تميّزها عن غيرها مجرّد اختلاف [أغراضها] سنخا بلا احتياج- في تحديد هذه [الأغراض‏] بحدّ ينحفظ، من قبل المسائل المعدودة المعهودة- إلى الميز في موضوعاتها، بل لاختلافها سنخا كان كلّ سنخ منها مترتّبا على شطر من المسائل و سمّيت باسم و فنّ مخصوص عكس بعض العلوم [الأخرى‏].

____________

[1] ينبغي ان تكون العبارة هكذا: «لا تكون عوارض نوعه عوارض له» بأن يعود الضّمير الأخير إلى الجامع.

53

[غرض مسائل علم الأصول‏]

و كيف كان نقول: ان الغرض من هذا العلم هو استنباط الأحكام، فلا جرم ترجع [مسائله‏] إلى (القواعد الواقعة في طريق استفادة الوظائف العملية عقلية أو شرعيّة)، و لو [بجعلها] كبرى قياس ينتج حكما شرعيّا كليّا واقعيّا- كقولنا: هذا ما أخبر به العادل بوجوبه واقعا، و كلّما كان كذلك فهو واجب كذلك- أو ظاهريّا- كقولنا: هذا ممّا تيقّن سابقا بوجوبه و شكّ لاحقا و كلّما كان كذلك فهو واجب ظاهرا- أو حكما عقليّا- كقولنا: هذا ممّا لم يرد عليه بيان و كلّما كان كذلك فهو مما لا حرج فيه عقلا أو يجب فيه الاحتياط أو تخيّر بين الأمرين [1].

و هذا الميزان في تعيين المسائل أولى من جعل ميزانها [الوقوع‏] في طريق استنباط الحكم الشرعي أو ما يتعلق (بالعمل بالواسطة) لخروج المسائل الأصوليّة العمليّة عنها لأنّها متعلقة بالعمل بلا واسطة لأنّ مضمونها أحكام ظاهريّة تكليفيّة منطبقة على مواردها و ينحصر بالبحث عن حجّية الخبر بناء على كون مفاد أدلّة اعتبارها أيضا مجرّد جعل الحجّية و إلّا فلو جعلنا مفادها الأمر بالمعاملة فكانت أيضا ممّا يتعلّق بالعمل بلا واسطة. كما لا يخفى.

و أيضا ما ذكرناه أولى ممّا أفاده شيخنا العلّامة من كون ميزان المسألة الأصوليّة انحصار أمر تطبيقه بيد المجتهد إذ تطبيق عنوان مخالفة الكتاب و السنّة أيضا بيد المجتهد مع أنّ شرطيته للصلح أو الشروط من المسائل الفرعيّة فتدبّر.

بقي هناك إشكال مشهور و هو: ميزان المسألة الأصوليّة ان كان على وقوعها في طريق الاستنباط المزبور بلا واسطة فلازمه خروج مباحث الألفاظ

____________

[1] هذه إشارة إلى الأصول العقلية الثلاثة. أصل البراءة العقلية و أصل الاحتياط العقلي و أصل التخيير العقلي.

54

من أول الأوامر إلى آخر المطلق و المقيّد من مسائله لأنّ نتيجة هذه المسائل تعيين الظهور الّذي هو صغرى لكبرى أخرى هي المنتجة للحكم الشرعي أو الوظيفة العمليّة، و ان كان الميزان وقوعها في طريق الاستنباط و لو بالواسطة فلازمه دخول مسائل كثير من العلوم الأدبيّة و مسائل علم الرّجال في المسائل الأصوليّة، إذ نتيجتها بالأخرة تنتهي إلى الوظائف العمليّة. هذا مضافا إلى أنّ دَيدَنَهم على إخراج مسألة المشتق عن المسائل و جعل أوّل المباحث مباحث الأوامر فيبقى حينئذ سؤال الفرق بين هذه المسألة و بين بقيّة المباحث المزبورة خصوصا المباحث الراجعة إلى العام و الخاصّ، إلى آخره.

و توضيح الجواب هو: أنّ المدار في المسألة الأصوليّة على وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي بنحو يكون ناظرا إلى إثبات الحكم بنفسه أو بكيفية تعلُّقه بموضوعه و ذلك يقتضي عدم دخول العلوم الأدبيّة في المسائل الأصوليّة إذ ليس المهم فيها إحراز ظهور الكلمة أو الكلام في شي‏ء بل تمام المقصود في ظرف الفراغ عن فاعلية كلمة أو [مفعوليتها] كون الفاعل مرفوعا و [المفعول‏] منصوبا فحينئذ لا يصدق عليها كون قواعدها ممهّدة للاستنباط، و على فرض [أنّ‏] المقصود منها أيضا إحراز الظهور في شي‏ء، [فغاية] ما في الباب وقوعها في طريق استنباط الموضوع للأحكام لا نفسها.

و توهّم أنّ مباحث العام و الخاصّ و المطلق و المقيد أيضا كذلك، مدفوع بأنّ نتيجة هذه المسائل و ان لم يكن استنباط ذات الحكم، و لكن من المعلوم أنّه يستفاد منها كيفيّة تعلّق الحكم بموضوعه، كما أنّ مبحث المفاهيم أيضا موضوع لبيان سنخ إناطة الحكم بشي‏ء فهو أيضا من أنحاء وجود الحكم و ثبوته، و هذا بخلاف المسائل الأدبيّة فانها ربما تقع في طريق استنباط موضوع الحكم بلا نظر فيها أصلا إلى كيفيّة تعلق حكمه.

و من هذا البيان أيضا ظهر وجه خروج المشتق أيضا من المسائل إذ شأنه‏

55

ليس إلّا إحراز موضوع الحكم لا نفسه، لا بذاته و لا بكيفية تعلّقه بموضوعه.

و من هنا ظهر أيضا وجه خروج مسائل علم الرّجال عن المسائل الأصوليّة لكونها أيضا كمبحث المشتق و سائر العلوم الأدبيّة واقعة في طريق استنباط الموضوع لا نفس الحكم و لا لكيفيّة تعلّقه بموضوعه، بل شأنه إثبات موضوع الحكم محضا من كون السّند موثوقا به كي [تشمله‏] أدلّة التعبّد به. مع إمكان أن يقال أيضا أنّ كثرة مسائله كانت بمثابة موجبة لانفرادها و جعلها علما مخصوصا مستقلا عن الأصول، و حينئذ تختص المباحث الأصوليّة بالبحث عن الحجّية و إحراز الدلالة لأصل الحكم أو لكيفية تعلّقه بموضوع.

كما أن في المقام أيضا [إشكالا] آخر و هو: أنّ البحث عن قاعدة الطهارة في الشبهات الحكميّة أيضا مع كونها واقعة في طريق استنباط الحكم الفرعي الكلّي داخلة عندهم في القواعد الفقهيّة و خارجة عن المسائل الأصوليّة.

و لكن اعتذر عن ذلك أستاذنا الأعظم في كفايته بازدياد قيد آخر في المسألة الأصوليّة [هو] عدم اختصاصها بباب دون باب و لا يرد عليه قاعدة لا ضرر و لا حرج غير المختصة بباب، لأنّ ذلك لم يكن منتجا لحكم كلّي الا في ظرف جريانهما في مقدار الفحص من الطرق أو في موارد التبعيض في الاحتياط في الشبهات الحكميّة، فهذه القاعدة من حيث عدم اختصاصها بباب دون باب [لا تنتج‏] حكما كليّا و انّما إنتاجها له أيضا من جهة خصوصيّة في المورد، فتدبّر.

ثم إنّ من فحاوي ما تلوناه ظهر غاية هذا العلم من كونه الاستنباط المعهود بين الأعلام، كما أنّ تعريفه أيضا لا بد و أن يجعل عبارة عن نفس القواعد المزبورة و حيث ان لتلك القواعد علاوة على واقعيّتها وجودات علميّة صح تعريفه ب (العلم بهذه القواعد) نظرا إلى أنّ العلم بشي‏ء بعناية عين المعلوم، بل و لها أيضا وجودات كتبيّة، و بهذه العناية [تطلق‏] هذه الفنون على الصّوَر المنقوشة، و لو لوحظ شغل الأُصولي في استخراج قواعدها من مباديها [لناسَبَ‏] تعريفه‏

56

ب (صناعة مخصوصة) فلجميع هذه التعابير نحو مناسبة مع الفن المزبور، فكل إلى ذلك الجمال يشير.

ثمّ إنّه بعد ما عرفت ما يتعلّق بالعلم موضوعا و غاية و تعريفا يقتضي قبل الشروع في المقصد تقديم أمور تكون من المبادي لمسائله توطئة للبصير في دخول المقصد، و المناسب طيّ هذه الأمور أيضا في مقالات فنقول و به نستعين: