منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
480 /
5

الجزء الثالث‏

النواهي‏

الكلام في جهات:

الجهة الأولى: في مفاد صيغة النهي و مادّته.

و الّذي أفاده صاحب الكفاية عن ذلك: أنّها كصيغة الأمر و مادّته في الدّلالة على الطلب، و الاختلاف بينهما في المتعلّق، فمتعلّق الأمر هو نفس الفعل و متعلّق النّهي التّرك، و إلّا فالمستفاد من النهي و الأمر مادّة و صيغة شي‏ء واحد و هو الطلب، و من هنا اعتبر في صدق النّهي ما اعتبره في صدق الأمر من لزوم صدوره من العالي‏ (1).

و لكن هذا الرّأي لم يتّفق عليه الأعلام، بل خالفه بعضهم فذهب إلى اختلاف النّهي بمادّته و صيغته مع الأمر مفهوما، و ان ما ذهب إليه صاحب الكفاية يتنافى مع الوجدان لوجهين:

الأوّل: انتقاضه ببعض الواجبات المطلوب فيها التّرك كالصّوم، مع أنّها لا تعدّ من المحرّمات بل من الواجبات.

الثّاني: إنّ مراجعة الوجدان تشهد أنّ النّهي ينشأ عن مفسدة في الفعل يكون بها مبغوضا للمولى و متعلّقا لكراهته فيزجر عبده عنه، فواقع النهي يختلف‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 149- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

6

عن واقع الأمر، فانه كراهة الفعل و الأمر إرادة الفعل، كما أنّ المنشأ في النّهي هو الزّجر عن الفعل و المنشأ في الأمر طلبه و البعث إليه فيختلف الأمر و النّهي مفهوما مادّة و صيغة، و متعلّقهما واحد و هو الفعل‏ (1).

و التّحقيق: موافقة صاحب الكفاية في ما ذهب إليه من الرّأي.

و الّذي ندّعيه: أنّ المنشأ في مورد النّهي ليس إلّا البعث نحو التّرك مع الالتزام بأنّ مفهوم النّهي يساوق عرفا مفهوم المنع و الزّجر لا البعث و الطّلب.

و الوجه فيما ادّعيناه: هو أنّ التكليف أعمّ من الوجوب و التّحريم- على جميع المباني في حقيقته- إنّما هو لجعل الدّاعي و للتحريك نحو المتعلّق بحيث يصدر المتعلّق عن إرادة المكلّف، و من الواضح أنّ ما يقصد إعمال الإرادة فيه في باب النّهي هو التّرك و عدم الفعل و لا نظر إلى إعمال الإرادة في الفعل كما لا يخفى جدّاً، و هذا يقتضي أن يكون المولى في مقام تحريك المكلّف نحو ما يتعلّق به اختياره و هو التّرك، و يكون في مقام جعل ما يكون سببا لاعمال إرادة المكلّف في التّرك، فواقع النّهي ليس إلّا هذا المعنى و هو قصد المولى و إرادته تحريك المكلّف و إعمال إرادته في التّرك.

و هذا كما يمكن أن ينشأ بمدلوله المطابقي و هو طلب الترك، كذلك يمكن أن ينشأ بمدلوله الالتزامي و هو الانزجار عن الفعل فانّه لازم إرادة ترك العمل، و هو في باب النّهي منشأ بمدلوله الالتزامي بعكسه في باب الأمر فانّه منشأ بمدلوله المطابقي، فالمنشأ في باب النّهي إرادة الترك بمفهوم المنع و النّهي، و ليس المنشأ هو نفس المنع عن الفعل، لأنّه غير المقصود الأولي و أجنبي عمّا عليه واقع المولى.

و أمّا دعوى: أنه ليس في الواقع سوى كراهة الفعل تبعا لوجود المفسدة

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 327 هامش رقم 2- الطبعة الأولى.

7

فيه دون إرادة التّرك. فهي باطلة، فانه كما هناك كراهة للفعل كذلك هناك إرادة و محبوبيّة للتّرك، و يشهد لذلك الأفعال المبغوضة بالبغض الشّديد، فانّ تعلّق المحبوبيّة بتركها ظاهر واضح لا إنكار فيه كمحبوبيّة الصحة التي هي في الحقيقة عدم المرض و نحو ذلك.

و أمّا تمييز الواجب عن الحرام فليس الضّابط فيه ما هو المنشأ و ما هو متعلّق الإرادة أو الكراهة، بل الضّابط فيه ملاحظة ما فيه المفسدة و المصلحة، فان كان الفعل ذا مفسدة كان حراما و إن كان المنشأ طلب الترك، و ان كانت المصلحة في الفعل أو في الترك كان الفعل أو الترك واجبا، و مثل الصّوم تكون المصلحة في نفس التّرك فيكون واجبا.

و بالجملة: فما ذكر من الوجهين لا ينهض لإنكار رأي صاحب الكفاية، فهو المتّجه لما عرفت من البرهان عليه.

الجهة الثانية: في البحث عن أنّ متعلّق الطلب في النّهي هل هو التّرك‏

و عدم الفعل، أو الكفّ الّذي هو إيجاد ما يكون سببا في المنع عن تأثير الرغبة في الفعل عند حدوث الميل إليه؟، و هذا المعنى يمكن أن يحرّر بنحوين:

النّحو الأوّل: ما ذكره في الكفاية من: أنّ متعلّق الطلب في باب النّهي هل هو التّرك أو الكفّ لأجل انّ التّرك غير اختياري فانّ الإرادة انما تؤثر في الفعل لا في عدمه، فان العدم ينشأ من عدم إرادة الوجود لا إرادة العدم.

و الجواب عن هذا الإشكال: ما أشار إليه في الكفاية من: أنّ القدرة على الفعل تعني القدرة على التّرك، فانّ معنى كون الشّي‏ء مقدورا هو كون كل من وجوده و عدمه تحت حيز الإمكان و الاختيار، و إلّا فلو لم يكن العدم مقدورا لم يكن الفعل كذلك، بل كان امّا ضروريا أو ممتنعا، و كل من الحالتين خلف‏ (1).

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 149- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

8

يبقى سؤال و هو: أنّ هذا المعنى انّما يستلزم إمكان تعلّق النّهي بالتّرك لا تعيينه، فما هو الوجه في اختيار تعلقه بالترك دون الكفّ؟.

و الجواب عنه واضح: فان تعلّقه بالتّرك لا يحتاج إلى برهان فانّه ما تقتضيه القاعدة، و الالتزام بتعلّقه بالكفّ من جهة الالتزام بامتناع تعلّقه بالتّرك، فلا محيص عنه، فإذا ثبت جوازه تعين بلا إشكال.

اما انّ ذلك مقتضى القاعدة، فلأجل انّ التّكليف إذا كان يرتبط بالأمور الخارجية لترتّب المصلحة و المفسدة عليها، فلا وجه لتعلّقه بأمر نفسي، بل هو يتعلّق رأسا بأمر خارجي من فعل أو ترك، و لأجل ذلك لم يتوهّم متوهّم أنّ الأمر متعلّق بإرادة الفعل لا بنفسه إذ لا معنى له، و المفروض معقوليّة تعلّقه بالفعل نفسه. فالتفت.

النّحو الثانيّ: انّ متعلق النهي و إن كان هو التّرك، لكنه هل هو مطلق التّرك أو انّه ترك خاص و هو المساوق لصورة الكفّ؟ و الوجه في هذا الكلام هو انّ النّهي انّما هو لجعل الدّاعي نحو الترك، و هذا انّما يتعقّل في صورة وجود المقتضي للفعل، بحيث يكون المكلّف في مقام العمل فينهى، امّا إذا لم يكن في مقام العمل فلا معنى للنهي عنه لتحقّق الانتهاء و الانزجار في نفسه بدون نهي فيكون النّهي لغوا. و هذا المعنى تظهر ثمرته في مورد العلم الإجمالي الّذي يكون أحد طرفيه مصروف النّظر عنه بالمرّة، فانّه لا يكون منجّزا على هذا الرّأي، فينحصر النّهي بصورة الكفّ قهرا و إن تعلق بالتّرك. و حلّ هذا الإشكال أو إقراره ليس محله هنا، بل له مقام آخر و انّما كان قصدنا الإشارة إليه فالتفت.

الجهة الثالثة: في اتّفاق كيفية امتثال النهي و الأمر أو اختلافهما.

و توضيح الحال: انّ هناك شيئا ملحوظا يختلف فيه النّهي و الأمر، و هو: انّ الأمر إذا تعلّق بطبيعة يكتفي في امتثاله بإتيان فرد واحد، بخلاف النّهي فانّه إذا تعلّق بطبيعة فلا يمثل إلّا بترك جميع افرادها، و قد اختلف في بيان الوجه في ذلك.

9

فذهب صاحب الكفاية (رحمه الله) إلى: انّ هذا الاختلاف يرجع إلى حكم العقل في مقام الامتثال، حيث انّ المطلوب في باب الأمر إيجاد الطّبيعة، و هو يتحقق بإيجاد فرد منها، لأن وجود الفرد وجود للطّبيعة، و المطلوب في باب النّهي ترك الطّبيعة و هو لا يتحقق إلّا بترك جميع الافراد، إذ مع وجود أيّ فرد توجد الطّبيعة فلا يتحقق التّرك المطلوب‏ (1).

و قد ناقش في هذا المفاد المحقّق الأصفهاني ببيان إليك نصّه‏ (2): «لا يخفى عليك انّ الطّبيعة توجد بوجودات متعدّدة و لكلّ وجود و عدم هو بديله و نقيضه، فقد يلاحظ الوجود مضافا إلى الطّبيعة المهملة الّتي كان النّظر مقصورا على ذاتها و ذاتيّاتها فيقابله إضافة العدم إلى مثلها و نتيجة المهملة جزئية، فكما ان مثل هذه الطبيعة تتحقق بوجود واحد كذلك عدم مثلها، و قد يلاحظ الوجود مضافا إلى الطّبيعة بنحو الكثرة، فلكلّ وجود منها عدم هو بديله، فهناك وجودات و إعدام.

و قد يلاحظ الوجود بنحو السّعة أي بنهج الوحدة في الكثرة بحيث لا يشذّ عنه وجود- يعني بنحو العموم المجموعي-، فيقابله عدم مثله، و هو ملاحظة العدم بنهج الوحدة في الأعدام المتكثّرة، أي الطبيعيّ العدم بحيث لا يشذّ عنه عدم، و لا يعقل ان يلاحظ الوجود المضاف إلى الماهيّة على نحو يتحقّق بفرد ما، فيكون عدم البديل له بحيث لا يكون إلا بعدم الماهيّة بجميع افرادها. و اما ما يتوهّم من ملاحظة الوجود بنحو آخر غير ما ذكر، و هو ناقض العدم الكلّي و طارد العدم الأزليّ بحيث ينطبق على أوّل الوجودات- و يعبّر عنه بصرف الوجود-، و نقيضه عدم ناقض العدم، و هو بقاء العدم الكلّي على حاله، فلازم مثل هذا الوجود تحقّق الطبيعة بفرد، و لازم نقيضه انتفاء الطّبيعة بانتفاء جميع افرادها

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 149- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) ذكرنا ما ينصه، لوضوحه فلا يحتاج إلى توضيح. (منه عفي عنه).

10

فمدفوع: بأنّ طارد العدم الكلّي لا مطابق له في الخارج، لأنّ كل وجود يطرد عدمه البديل له لا عدمه و عدم غيره، فأوّل الوجودات أوّل ناقض للعدم، و نقيضه عدم هذا الأوّل، و لازم هذا العدم الخاصّ بقاء سائر الاعدام على حالها، فانّ عدم الوجود الأوّل يستلزم عدم الثّاني و الثّالث و هكذا لا انّه عينها، فما اشتهر من ان تحقّق الطّبيعة بتحقّق فرد و انتفائها بانتفاء جميع افرادها لا أصل له، حيث لا مقابلة بين الطّبيعة الملحوظة على نحو تتحقق بتحقق فرد منها، و الطّبيعة على نحو تنتفي بانتفاء جميع افرادها ...». انتهى‏ (1).

أقول: يمكن أن يدّعى ان نظر صاحب الكفاية إلى اختلاف الأمر و النّهي في مقام الامتثال بحسب القضيّة العقليّة فيما إذا كان متعلّق كلّ منهما صرف الوجود، فهو يذهب إلى ان الأمر إذا تعلق بصرف وجود الطّبيعة فيكتفى في امتثاله بإتيان فرد واحد لتحقّق صرف الوجود به. و امّا النّهي فانّه إذا تعلّق بصرف وجود الطّبيعة فلا يتحقّق امتثاله إلّا بترك جميع افرادها، إذ المنهيّ عنه إيجاد أوّل وجود الطّبيعة، و تركه لا يتحقّق إلّا بترك جميع الأفراد، إذ أي فرد يوجد فهو أوّل وجودها فلا بدّ من تركه حتّى يتحقّق امتثال النّهي و هذا المعنى اعترف به المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في كلامه أخيرا كما لا يخفى على الملاحظ، لكنّه ناقشه بان عدم صرف الوجود ملازم لترك جميع الافراد لا انه عينها، و هذه مناقشة لفظيّة ترجع إلى التخطئة في التّعبير لا المدّعي من أنّ امتثال النّهي لا يتحقّق إلّا بترك جميع افرادها بمقتضى حكم العقل، إذ عرفت انّ الزّجر عن صرف الوجود و النّهي عن تحقيقه لا يمتثل إلّا بترك جميع الافراد، إذ كلّ فرد يفرض وجوده يكون أوّل الوجود و ينطبق عليه عنوان صرف الوجود و قد عرفت النّهي عنه. فما ذكره صاحب الكفاية لا إشكال فيه.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 260- الطبعة الأولى.

.

11

و قد يتخيّل: أنّ ما أفاده في الكفاية انّما يتمّ لو كان النّهي عبارة عن الزّجر عن الفعل، إذ يقال انّ متعلّقه صرف الوجود. امّا بناء على انّ النّهي عبارة عن طلب التّرك- الّذي عليه صاحب الكفاية و هو المختار- فلا يتمّ ما ذكر، إذ متعلّق الطلب هو صرف ترك الفعل، و هو كصرف الوجود يتحقّق بأوّل ترك فلا يتوقف امتثال النهي على ترك جميع الافراد لتحقق صرف الترك بدونه‏ (1).

و لكن هذا التخيل فاسد، فان النّهي و ان كان بواقعه عبارة عن طلب التّرك، إلّا انّك عرفت انّ هذا الواقع يبيّن و ينشأ بمفهوم الزّجر عن الفعل للملازمة بينهما.

و عليه، فالمنشأ هو طلب التّرك الّذي يكون لازم الزّجر عن الفعل، و هو ليس صرف وجود التّرك بل جميع التّروك.

و بالجملة: ما يقصد إنشاؤه و هو لازم المعنى المطابقي للفظ الّذي هو الزجر و المنع عن صرف وجود الفعل، و قد عرفت ان لازمه هو جميع التروك لا صرف الترك، فالمنشأ هو طلب جميع التروك لا طلب صرف الترك.

فالمتحصّل: ان النهي لا يكون امتثاله إلا بترك جميع الافراد، سواء قلنا انه واقعا طلب الترك أو انه الزجر عن الفعل. فافهم جيّدا و تدبّر فان المقام لا يخلو عن دقّة.

ثمّ ان صاحب الكفاية أشار في ضمن كلامه و بقوله: «و من ذلك يظهر ان الدوام و الاستمرار انما يكون ... إلى آخره» (2) إلى شي‏ء:

و هو: ان الجزم بتوقّف امتثال النهي على ترك جميع الافراد انما يكون بإحراز كون مدخول النهي هو الطبيعة المطلقة، و ذلك انما يكون بإجراء مقدمات‏

____________

(1) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 4- 90- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 149- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

12

الحكمة فيها كي يثبت إرادة الإطلاق منها، إذ لو كانت مقيّدة بزمان خاصّ اقتضى النهي ترك جميع افراد الطبيعة المقيدة، كما انه لو لم يكن المقام مقام بيان كان المقصود مهملا و لا يثبت لزوم ترك جميع الافراد لعدم إحراز المقصود بالطبيعة.

و بالجملة: القضية العقلية في النهي مفادها لزوم ترك جميع افراد ما أريد من المدخول. امّا إحراز المقصود بالمدخول و انه الطبيعة المطلقة أو غيرها فهو أجنبي عن مفاد القضية العقلية، بل إحراز الإطلاق لا بدّ له من دالّ آخر و هو مقدّمات الحكمة.

و هذا المعنى تنبيه على اندفاع ما يتوهّم أو يقال من: ان النكرة إذا وقعت في سياق النفي أو النهي تفيد العموم لحكم العقل بذلك، بحيث جعل منشأ استفادة الإطلاق و العموم من الطبيعة المدخولة للنهي هو حكم العقل المزبور و مفاد القضيّة العقليّة. و لا يخفى ترتب الأثر على هذا الاختلاف في الرّأي في مسألة تعارض دليل النهي مع دليل آخر يتكفّل بيان مفاده بمقتضى الوضع لا الإطلاق. نظير العموم الوضعي، فانه بناء على ان إطلاق الطبيعة في مورد النهي يستفاد من مقدّمات الحكمة يكون الدليل الآخر مقدما على دليل النهي، لتقدّم الظهور الوضعي على الظهور الإطلاقي كما تقرّر في محلّه، من جهة ان الأول تنجيزي و الثاني تعليقي. و اما بناء على ان إطلاق الطبيعة في مورد النهي يستفاد بحكم العقل تعارض الدليلان، و لم يقدّم الدليل الآخر على دليل النهي لكون ظهور كلّ منهما تنجيزي فتدبر.

الجهة الرابعة: في النهي لو خولف‏

و أتي بالعمل المنهي عنه، فهل مقتضاه استمرار النهي بعد المخالفة أو لا؟.

ذهب صاحب الكفاية إلى عدم دلالة النهي على إرادة الترك لو خولف، و لا على عدم إرادته، بل لا بد في إحراز ذلك من دلالة أخرى، و لو كانت إطلاق‏

13

المتعلّق من هذه الجهة، يعني التمسك بإطلاق المتعلّق من جهة العصيان، فيقال ان مقتضاه ثبوت النهي له مطلقا عصي النهي أو لم يعص. و يكون مقتضى هذا الإطلاق ثبوت النهي و تعلّقه بالفعل بنحو العموم الاستغراقي، فينحلّ إلى افراد متعددة بتعدد افراد الفعل، فإذا عصي أحدها بقي الآخر على حاله‏ (1).

و يدور حول مطلب الكفاية تساؤلان:

أحدهما: انه ذكر في صدر المبحث ان متعلّق النهي صرف الوجود و المطلوب ترك صرف الوجود، و من الواضح ان صرف الوجود قسيم لجميع الوجودات، فكيف يتصوّر ان يكون متعلق النهي جميع الوجودات المستلزم للانحلال، بخلاف الأوّل فانه يستلزم وحدة النهي، لعدم التعدّد في صرف الوجود فإذا حصل سقط النهي لا محالة؟.

و الآخر: ان الاستغراق لا يثبت بالإطلاق بنظر صاحب الكفاية فانه يذهب إلى ان استفادة هذه الخصوصيّات من الاستغراق أو البدليّة أو غيرهما تنشأ من قرينة خاصّة في المقام، و ليست هي مفاد الإطلاق، فانّ مفاد مقدّمات الحكمة ليس إلا إرادة ذات الطبيعة من غير تقييد، فلاحظ مبحث المطلق و المقيّد من الكفاية (2).

و عليه، فكيف يحاول (قدس سره) إثبات الاستغراق في النهي بإطلاق المتعلّق؟. و التساؤل الثاني حق لا نعرف له جوابا. لكن الأوّل تمكنا الإجابة عنه:

بأنه لم يفرض في صدر المبحث كون متعلّق النهي صرف الوجود، و انما بحثه ثبوتي تقديري، و مرجعه إلى انه لو كان متعلّق النهي صرف الوجود كمتعلّق الأمر كانت قضية امتثالهما عقلا مختلفة، و نظره في قوله: «ثمّ انه لا دلالة ...» (3) إلى تحقيق‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 150- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 247- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 149- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

14

مقام الإثبات و معرفة ما هو مفاد دليل النهي، و انه هل هو متعلّق بصرف الوجود أو بجميع الوجودات أو مجموعها؟ فتدبّر.

و تحقيق المقام: ان المتعيّن هو الالتزام باستمرار النهي و عدم سقوطه بالمخالفة، و ذلك لوجود القرينة العامّة على ذلك، و هي كون النهي ناشئا عن مفسدة في متعلّقه. و من الواضح ترتّب المفسدة نوعا على كلّ فرد من افراد الفعل لا على مجرّد صرف وجوده أو مجموع الافراد. فكلّ فرد يقصد تركه، فإذا لم يترك أحد الافراد لزم ترك غيره لوجود المفسدة فيه.

و بالجملة: هذه القرينة تعيّن احتمال الاستغراق و الانحلال في النهي، و تنفي سائر الاحتمالات، فهي بضميمة الإطلاق تثبت المدّعي.

و قد استدلّ السيد الخوئي (حفظه اللّه) في حاشيته على أجود التقريرات بهذا البيان على: ان امتثال النهي لا يكون إلا بترك جميع الافراد، و هذا الشي‏ء هو الفارق بين الأمر و النهي‏ (1).

و من الواضح انّه خلط بين الجهتين الثالثة و الرابعة، إذ عرفت ارتباط هذا البيان بالجهة الرابعة من الكلام دون الثالثة، فان ملاكها يختلف عن هذا البيان على ما عرفت.

ثمّ ان للمحقّق النائيني (قدس سره) بيانا طويلا تكفل تقسيم النهي، و انه تارة يتعلق بترك الطبيعة بنحو المعنى الاسمي. و أخرى يتعلق بترك الافراد و يلزمه ترك الطبيعة، و الثمرة في انّه لو خالف على الأوّل يسقط النهي بخلاف الثاني لانحلال الحكم، ثم رجّح انه بالنحو الثاني، و تعرض بعد ذلك إلى بيان ان انحلال النهي بالنسبة إلى الافراد الطوليّة يكون بأحد وجهين. ثم اختار الثاني منهما إثباتا (2).

____________

(1) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 328 [هامش رقم 1]- الطبعة الأولى.

(2) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 329- الطبعة الأولى.

15

و بما ان في كلامه جهات من الإشكال، كالتفرقة بين الافراد العرضيّة و الطولية و غيرها، و لأجل ان التعرّض لها مفصّلا يطيل المقام من دون أثر عملي مهمّ، اكتفينا بالإشارة إلى كلامه و انه غير خال عن الإشكال فانتبه.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

«اجتماع الأمر و النّهي»

و يقع الكلام قبل الخوض في أصل المبحث في جهات عديدة:

الجهة الأولى: فيما هو المناسب جعله عنوان البحث‏

: و قد ورد في كلمات المتقدمين بهذا النحو: «هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في واحد ذي وجهين أولا؟» تبعهم صاحب الكفاية (1)، و ناقشه المحقق النائيني و ذهب إلى ان الأنسب تغييره و جعله بهذا النحو: «الأمر و النهي المتعلّقان بشيئين متّحدين خارجا وجودا و إيجادا هل يسري أحدهما إلى متعلق الآخر أو لا؟» (2).

و الّذي يقتضيه الإنصاف صحة عنوان البحث بالنحو المشهور، و أولويّته من النحو الّذي عنونه به المحقق النائيني. فلنا دعويان:

الأولى: صحّة عنوان البحث بالنحو المشهور. فان ما ذكره من الإشكال فيه بأنه: «يوهم ان القائل بالجواز لا يعترف بتضاد الحكمين، فلذا يقول بجواز اجتماعهما مع ان الأمر ليس كذلك، بل هو يدعي عدم لزوم الاجتماع مع اتحاد المتعلقين خارجا، لا انه يدعي جوازه بعد تسليمه الاجتماع، إذ استحالة الاجتماع‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 150- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 331- الطبعة الأولى.

18

بعد وضوح التّضاد بين الحكمين ممّا لا تكاد تخفى» (1).

من دفع: ان اجتماع الشيئين المتنافيين في شي‏ء واحد قد يكون على نحوين أحدهما ممتنع و الآخر جائز، مثال ذلك: إذا كان في الدار نار في طرف و ماء في طرف آخر، فانه يصدق اجتماع النار و الماء في الدار حقيقة و من دون مسامحة و هو جائز لا امتناع فيه، كما ان اجتماعهما في نقطة واحدة من الدار يستلزم صدق اجتماعهما في الدار حقيقة و لكنّه ممتنع، فاجتماع النار و الماء في الدار يتصوّر على نحوين أحدهما ممتنع و الآخر جائز.

و عليه فالبحث في جواز اجتماع الأمر و النهي في واحد و عدمه لا يرجع إلى الالتزام بعدم تضادّ الحكمين، بل مرجعه إلى ان متعلّق الأمر و النهي في الحقيقة واحد فيمتنع اجتماعهما لأنه من قبيل الاجتماع النار و الماء في نقطة واحدة، أو ان المتعلق متعدّد فيجوز اجتماعهما في ذلك الواحد، لأنه من قبيل النار و الماء في نقطتين.

و بالجملة: فيصح ان يبحث في جواز اجتماع الأمر و النهي في واحد ذي وجهين و عدمه، و يكون منشأ الخلاف هو ان هذا الواحد ذي الوجهين واحد حقيقة أو متعدّد، فيمتنع اجتماعهما فيه على الأول و يجوز على الثاني من دون إيهام رجوعه إلى إنكار تضاد الحكمين.

الثانية: أولويّة عنوان المشهور من عنوانه (قدس سره).

و الوجه فيها: ان المحقّق النائيني و غيره يخرج في بحثه عن العنوان بالنحو الّذي حرّره، فانه ركز البحث في ان الجهتين تقييديتان، فيكون متعلّق الأمر غير متعلّق النهي أو تعليليتان فيتّحد متعلّق الأمر و النهي، فالبحث أساسه في هذه الصغرى و عليه بني السراية و عدمها، و إلّا فهو لم يبحث أصلا فيما هو

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 331- الطبعة الأولى.

19

عنوان البحث.

الجهة الثانية: في بيان المراد بالواحد في عنوان النزاع.

إذ قد يتساءل بان المراد منه إذا كان الواحد الشخصيّ خرج الواحد الجنسي، كالصلاة و الغصب، فانهما واحد جنسا و هو الحركة. و لا وجه لخروجه، إذ النزاع يقع فيه بلا كلام، و إذا كان المراد منه ما يعمّ الواحد الجنسي دخل في محل النزاع، مثل السجود للَّه و السجود للصنم، لأنهما يندرجان تحت كلي السجود، مع انه لا نزاع فيه و لا إشكال في ان الأوّل متعلّق الأمر و الثاني متعلّق النهي في آن واحد.

و للإجابة عن هذا التساؤل يرجع إلى ما أفاده صاحب الكفاية في بيان المراد بالواحدة من: ان المراد منه هو الواحد في الوجود سواء كان واحدا شخصيّا أو واحدا جنسيا كالصلاة و الغصب المتحدين في الوجود فيخرج مثل السجود للَّه و السجود للصنم، لأنهما متعددان وجودا و ان اتّحدا جنسا، و لا يكاد يكون وجود واحد للسجود يضاف إلى كليهما معا على ان يكون كلّ منهما متفرّدا بالإضافة، لا ان يكون بنحو التشريك كما لا يخفى‏ (1).

و لكن يتوجه على ما ذكره صاحب الكفاية: انه لا يمكن ان يفرض الواحد في موضوع النزاع هو الواحد في الوجود، إذ ان القول بالامتناع يبتني على وحدة الوجود و القول بالجواز يبتني على تعدّده، فكيف يفرض إرادة الواحد في الوجود في العنوان الّذي يكون موضوع النفي و الإثبات و موضوع القول بالجواز و القول بعدمه؟!.

و قد التزم المحقق النائيني (قدس سره): بان المراد بالواحد الواحد في الإيجاد، و هو لا يستلزم وحدة الوجود، إذ يمكن ان يتحقّق وجودان بإيجاد واحد،

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 150- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

20

كإيجاد الحركة الغصبية الصلاتية، فانه يحقّق وجود الصلاة و وجود الغصب، فيقع البحث في انه في مورد يوجد متعلق الأمر و النهي بإيجاد واحد، هل الوجود واحد فيمتنع الاجتماع أو متعدّد فيجوز؟ (1).

و يتوجّه عليه: ما تقرر في محله من وحدة الإيجاد و الوجود ذاتا و اختلافهما اعتبارا، فيمتنع ان يفرض وحدة الإيجاد و تعدّد الوجود.

فالمتّجه: الالتزام بان المراد بالواحد هو الواحد في الوجود، لكنّه ما كان كذلك بحسب الصورة و النّظر العرفي، و أساس البحث يكون في ان هذا الواحد في الوجود عرفا هل هو كذلك حقيقة، فيمتنع اجتماع الأمر و النّهي فيه أو انه متعدّد حقيقة فيجوز اجتماع الأمر و النهي فيه؟. فالقول بالجواز و ان كان منشؤه الالتزام بتعدّد الوجود، لكنّه لا يتنافى مع فرض وحدة الوجود في موضوع البحث و مدار النفي و الإثبات، فان التعدّد بحسب الدّقة لا ينافي الوحدة بحسب الصّورة و النّظر العرفي. فتدبّر جيّدا.

الجهة الثالثة: في بيان جهة الفرق بين هذه المسألة و مسألة استلزام النهي للفساد.

و الّذي أفاده في الكفاية ان الاختلاف بينهما باختلاف جهة البحث في كل من المسألتين، فان البحث في مسألة استلزام النهي للفساد عن ان تعلّق النّهي بالعمل هل يقتضي فساده أو لا؟ و البحث في هذه المسألة عن ان تعدّد العنوان هل يوجب تعدد المعنون فلا يسري كل من الحكمين إلى متعلق الآخر أو انه لا يوجب فيكون متعلق كل منهما واحدا؟ فلا جهة جامعة بين جهتي البحث في المسألتين، نعم لو بني على الامتناع و تقديم جانب الحرمة كان المورد من صغريات تلك المسألة.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 340- الطبعة الأولى.

21

ثم انه نقل وجهين آخرين للفرق:

أحدهما: ما في الفصول من بيان ان جهة الفرق هي الاختلاف الموضوعي بينهما، فموضوع كل منهما غير موضوع الأخرى‏ (1).

و ناقشه (قدس سره): بان اختلاف الموضوع لا يوجب تعدّد المسألة مع وحدة الجهة، و مع تعدّدها تعدد المسألة و ان اتّحد الموضوع.

ثانيهما: ما ذكر من ان الفارق كون البحث هنا عقليا و في تلك المسألة عن دلالة اللفظ.

و ناقشه: بان البحث في تلك المسألة عقلي أيضا، مع ان هذا الاختلاف لا يستلزم عقد مسألتين، لأنه تفصيل في المسألة الواحدة كما نراه في بعض المسائل‏ (2).

و لا يخفى: ان هذه الجهة من البحث و بعض الجهات التالية التي ذكرها في الكفاية لا يترتب على تحقيقها أثر عملي، و لأجل ذلك أهملنا فيها ذكر المناقشات، بل نقتصر فيها و في غيرها على مطلب الكفاية و الإشارة إلى جهات الإشكال الواضحة فيه. فانتبه.

الجهة الرابعة: في ان المسألة أصولية أو لا؟.

ذهب صاحب الكفاية إلى كونها أصولية: لأنها تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، و انها كما تشتمل على جهة المسألة الأصوليّة تشتمل على جهة المسألة الكلامية و الفقهية و المبادئ التصديقية (3).

و الّذي يبدو للنظر انها غير أصولية، إذ احتمالاتها ثلاثة و كلّ منها لا يقع في طريق استنباط الحكم مباشرة و لا يكون كبرى لقياس الاستنباط، و ذلك لأنه‏

____________

(1) الحائري الطهراني الشيخ محمد حسين. الفصول الغروية- 140- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 151- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 152- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

22

اما ان يلتزم بالامتناع لأجل التضاد، فيقع التعارض بين الدليلين. و اما ان يلتزم بالجواز من هذه الجهة لكن يمتنع اجتماع الحكمين لأجل التزاحم، فتكون النتيجة عدم جواز التمسك بكلا إطلاقي الدليلين و لا بدّ من تقييد أحدهما. و اما ان يلتزم بالجواز من كلتا الجهتين، فتكون النتيجة جواز التمسك بكلا الإطلاقين من دون تقييد أحدهما.

و بالجملة: البحث من هذه الجهة يرتبط بمسألة التزاحم، فهي على بعض الاحتمالات من المبادئ التصديقيّة لمسألة التعارض، و على الاحتمالات الأخرى من المبادئ التصديقية لمسألة التزاحم.

الجهة الخامسة: في كون المسألة عقليّة.

و هذا واضح، إذ لا يرتبط باللفظ، فانّه ليس هناك ما يدلّ على الجواز و عدمه بل تشخيص أحدهما ممّا يحكم فيه العقل.

و اما ذهاب البعض إلى الجواز عقلا و الامتناع عرفا، فهو لا يعني دلالة اللفظ على الامتناع، بل مرجعه إلى ان الواحد بالنظر العقلي اثنان، و بالنظر العرفي المسامحي واحد ذو وجهين، هذا ما أفاده صاحب الكفاية ثمّ قال: «غاية الأمر دعوى دلالة اللفظ على عدم الوقوع بعد اختيار جواز الاجتماع» (1).

أقول: لا يظهر الوجه في قوله هذا، فانه ان أراد وجود لفظ مخصوص يدلّ على عدم الوقوع فهو واضح البطلان، إذ لا وجود لمثل هذا اللفظ كما لا وجود للفظ الدال على الامتناع. و ان أراد عدم شمول الإطلاقين للمورد لوحدته بنظر العرف، فغايته عدم الدلالة على الوقوع لا الدلالة على عدم الوقوع فالتفت.

الجهة السادسة

: لا يخفى ان الكلام في اجتماع الأمر و النهي يعمّ جميع‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 152- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

23

أقسام الوجوب و التحريم لعموم ملاكه، و تأتي النقض و الإبرام في جميع الأقسام.

و قد ذكر ذلك صاحب الكفاية، كما تعرّض إلى أنه قد يدّعى انصراف لفظ الأمر و النهي المأخوذين في عنوان المبحث إلى خصوص النفسيين التعيينيين العينيين ثم حكم عليها بأنها دعوى تعسفية في مادة الأمر و النهي، نعم هي غير بعيدة في صيغة الأمر و النّهي، ثمّ منعها فيها أيضا و ذكر ان الثابت ظهور الصيغة في ذلك بالإطلاق و هو غير منعقد هنا لعدم تماميّة مقدّمات الحكمة، إذ القرينة على العموم ثابتة و هي عموم الملاك و جريان النقض و الإبرام في جميع الأقسام‏ (1).

أقول: ظاهر كلامه الأخير ان إطلاق المادّة يقتضي في نفسه إرادة الوجوب النفسيّ التعييني العيني لو لا قيام القرينة على الخلاف، إذ جعل المانع عدم تماميّة المقدّمات باعتبار وجود القرينة بحيث لولاها لالتزم بإرادة خصوص النفسيّ التعييني العيني.

و هو- مضافا إلى منافاته لما في صدر كلامه من ان قضيّة إطلاق لفظ الأمر و النهي العموم- باطل، فان إطلاق المادّة في نفسه لا يقتضي خصوص نحو من الوجوب، و انما ذلك ثابت في إطلاق الصيغة. و السّر فيه: ان مادّة الأمر تارة تستعمل في مقام الإنشاء و أخرى في مقام الاخبار. و الالتزام بأنها تدلّ على الطلب النفسيّ التعييني العيني بمقتضى الإطلاق إذا كانت مستعملة في مقام الإنشاء لا يلازم الالتزام بان مقتضاه ذلك في باب الاخبار، إذ ليس المقصود في باب الإنشاء إلّا إيجاد فرد من افراد الوجوب، و قد عرفت فيما تقدّم ان مقتضى الإطلاق يلازم إرادة النفسيّ التعييني العيني. اما باب الإخبار فيمكن أن يقصد الحكم على الطبيعة بلحاظ جميع افرادها- كما فيما نحن فيه-، فمع عدم القرينة يحمل الكلام على إرادة جميع الأفراد، كما هو الحال في سائر الألفاظ الموضوعة للطبائع‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 152- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

24

فتدبّر.

الجهة السّابعة: في أخذ قيد المندوحة.

ذكر صاحب الكفاية (قدس سره): ان البعض قيد عنوان النزاع بوجود المندوحة، إذ مع عدم المندوحة في مقام الامتثال لا إشكال في الامتناع و لا خلاف.

و محل الخلاف مورد وجود المندوحة. و ذكر انه ربما قيل ان إطلاق العنوان و عدم تقييده انما هو لأجل وضوح ذلك.

و لكنّه لم يرتض ذلك، فقد أفاد (قدس سره): ان المهمّ في المقام هو بيان ان هل يلزم اجتماع الحكمين المتضادّين الّذي هو محال أو لا يلزم المحال؟

و عمدته معرفة ان تعدّد الوجه يجدي في تعدّد ذي الوجه فلا يلزم المحال أو لا فيلزم المحال؟. و من الواضح ان هذا المعنى لا يختلف الحال فيه بين وجود المندوحة و عدم وجودها كما لا يخفى. نعم، وجود المندوحة دخيل في الحكم الفعلي بالجواز عند من يرى امتناع التكليف بالمحال كما قد تعتبر بعض الشروط الأخرى‏ (1).

و قد أورد المحقّق الأصفهاني على صاحب الكفاية إيرادين:

الأوّل: ان حيثيّة تعدّد المعنون بتعدّد العنوان و عدمه ليست حيثية تقييدية لعنوان النزاع من الجواز و عدمه، كي يدعى عدم احتياج تقييد العنوان بوجود المندوحة، إذ لا دخل له فيما هو محلّ النزاع من الجواز و عدمه من جهة التضادّ و عدمه، و انما هي جهة تعليلية للعنوان، فنفس العنوان هو البحث في الجواز و عدمه بقول مطلق، فيحتاج إلى تقييده بوجود المندوحة. و لا وجه لجعل البحث جهتيا بعد عدم مساعدة العنوان عليه.

الثاني: ان الغرض الأصولي انما يترتب على الجواز الفعلي- إذ البحث الأصولي ليس كمباحث الفلسفة يكون الغرض منه نفس العلم و المعرفة من دون‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 153- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

25

لحاظ ترتب أثر عملي عليه-، فلا بدّ على هذا من تعميم البحث و إثبات الجواز من جميع الوجوه اللازمة من تعلّق الأمر و النهي بواحد ذي وجهين من تضادّ و مزاحمة، لا الوجوه المعارضة اتّفاقا، فلا وجه لقياس عدم المندوحة بغيرها من الجهات الاتفاقيّة المانعة من الحكم بالجواز فعلا.

ثم انه ذكر- بعد ذلك- وجها لإنكار لزوم التقييد بالمندوحة، و إليك نصّه: «انه لو كان تعدّد الوجه مجديا في تعدّد المعنون لكان مجديا في التقرب به من حيث رجحانه في نفسه، فان عدم المندوحة يمنع عن الأمر لعدم القدرة على الامتثال، و لا يمنع من الرجحان الذاتي الصالح للتقرّب به، فكما ان تعدّد الجهة يكفي من حيث التضاد كذلك يكفي من حيث ترتّب الثمرة، و هي صحّة الصلاة فلا موجب للتقييد بعدم المندوحة لا على القول بالتضادّ، لما عرفت من لكفاية الاستحالة من جهة التّضاد في عدم الصحّة، و لا على القول بعدم التضادّ، لما عرفت من كفاية تعدد الجهة من حيث التقرب أيضا» (1).

و تحقيق الحال: انه إن قيل بامتناع اجتماع الأمر و النهي من جهة التضاد لوحدة الوجود، فلا أثر لوجود المندوحة و عدمها في ذلك و هكذا لو قيل بالجواز من جهة التضادّ باعتبار تعدّد الوجود، فانّه لا دخل للمندوحة فيه أيضا.

و حينئذ لو قلنا بعدم الجواز للتزاحم في مقام الامتثال، فبما ان الملاك موجود و المرتفع هو الأمر فقط، فان قيل بكفاية قصد الملاك في حصول التقرب، فلا دخل للمندوحة و عدمها في صحة العبادة، و ان لم يلتزم بكفاية الملاك باعتبار وحدة الإيجاد و ان تعدّد الوجود، فلا يختلف الحال أيضا.

و حينئذ فان التزم بما التزم به المحقّق الكركي (رحمه الله) من إمكان الإتيان بالفرد المزاحم بداعي الأمر بالطبيعة، كان لوجود المندوحة أثر ظاهر، إذ

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 264- الطبعة الأولى.

26

مع عدمها لا أمر بالطبيعة كي يقصد لانحصارها بالفرد المزاحم.

و هكذا يختلف الحال لو التزم بما التزم به بعض المتأخّرين من عدم التزاحم بين الموسّع و المضيق‏ (1)- خلافا لما هو المعروف بين المتقدّمين، فان مثالهم للتزاحم غالبا ما يكون بتزاحم الأمر بالصلاة و الأمر بإزالة النجاسة عن المسجد، مع انّهما من الموسّع و المضيق-، إذ مع وجود المندوحة لا يتحقّق التزاحم، و مع عدمها يقع التزاحم لعدم كون الأمر أمرا بالموسّع، بل بخصوص الفرد المزاحم لانحصار الواجب به.

فظهر ممّا ذكرنا ان التقييد بالمندوحة انما يظهر أثره على الوجهين الأخيرين، فأثره على الوجه الّذي تبنّاه الكركي تصحيح العبادة بقصد الأمر، و على الوجه الآخر تعلّق الأمر بها و اجتماعه مع النهي لعدم التزاحم. و هذان الوجهان خصوصا الأخير ممّا لا أثر لهما في كلمات الأقدمين، فكيف يفرض أخذ المندوحة في عنوان النزاع الّذي نحن فيه و كون إهماله اعتمادا على وضوحه؟!.

فالحقّ إذن في جانب الكفاية، و لكن بالبيان الّذي ذكرناه لا ببيانه المزبور، فانّه لا يخلو عن مناقشة كما عرفت.

الجهة الثامنة: في بيان ارتباط المسألة بمسألة تعلّق الأحكام بالطبائع أو الأفراد.

ذكر صاحب الكفاية (رحمه الله): انه قد ادعي انه لا نزاع على القول بتعلّق الأحكام بالافراد. و انما النزاع يبتني على الالتزام بتعلّقها بالطبائع. كما انه ادّعى بان القول بالجواز يبتني على الالتزام بتعلّق الأحكام بالطبائع و القول بالامتناع يبتني على الالتزام بتعلقها بالافراد. و منشأ كلا الدعويين ان الفرد عبارة عن الوجود الواحد الشخصي. و من الواضح ان تعلّق الحكمين بواحد شخصي‏

____________

(1) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 3- 65- الطبعة الأولى.

27

محال، لأنه من اجتماع الضدّين.

و لكن استشكل في ذلك صاحب الكفاية، فأفاد: ان أساس النزاع على ان تعدد الوجه يكفي في رفع الغائلة أو لا؟. فمع الالتزام بكفايته و انه يستلزم تعدّد المعنون، فمتعلّق الحكم و ان كان هو الفرد بهذا المعنى إلّا انه حيث كان ذا وجهين كان مجمعا لفردين من طبيعتين، أحدهما متعلّق الأمر و الآخر متعلّق النهي، فلا يلزم اجتماع الضدّين. و مع الالتزام بعدم كفايته و انه لا يستلزم تعدّد المعنون، فالاجتماع محال حتى على القول بتعلّقه بالطبيعة، لأن وجود كل من الطبيعتين عين وجود الأخرى، و المطلوب هو وجود الطبيعة- كما تقدّم- فيلتزم اجتماع الأمر و النهي في واحد و هو محال‏ (1).

و قد قرّبت الدعوى المزبورة بنحو يتّفق مع مسلك صاحب الكفاية من الفرد، و هو الطبيعة المقيّدة بلوازمها من زمان و مكان و نحوهما. بيان ذلك، ان الأمر إذا فرض تعلّقه بالفرد، فهو يعني تعلّقه بالطبيعة مع عوارضها اللازمة، فيكون تقيّدها بالمكان متعلّقا للأمر، و هذا ينافي مع تعلّق النهي به- في مثل الصلاة في المكان المغصوب- لأنه يلزم تعلّق الحكمين في شي‏ء واحد لوجه واحد.

و أجيب عن هذا الإشكال: بان الفرد عبارة عن الطبيعة مقيدة بكلي المكان و كلي الزمان و نحوهما، لا بخصوص هذا المكان و نحوه، فهذا المكان الخاصّ لم يتعلّق به الأمر. و لو أنكر ذلك بدعوى ان كلّي المكان لا يوجب التفرد، فان ضم كلي إلى كلي لا يستلزم الفرديّة و ان أوجب تضييق دائرة الصدق. فنقول:

ان الفرد و ان كان عبارة عن الطبيعة مقيّدة بالمكان الخاصّ، لكن القيد ذات المكان لا بعنوان انه غصب- مثلا-، فهو مأمور به بعنوان انه لازم الطبيعة، و منهي عنه باعتبار انه غصب، فيكون من اجتماع الأمر و النهي في واحد بوجهين و هو

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 154- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

28

محلّ الكلام‏ (1).

و أنت خبير انه كان على صاحب الكفاية ان يقرّب الدعوى على هذا المسلك، لأنه مسلكه لا على تقريب الفرد بما اخترناه سابقا من انه وجود الطبيعة بملاحظة جهة الخصوصية التي بها يباين غيره. و على أيّ حال فقد عرفت بطلان الدعوى على كلا المسلكين. فالتفت.

الجهة التاسعة: فيما يرتبط بملاك باب الاجتماع.

و قد ذكر صاحب الكفاية: ان المورد لا يكون من موارد اجتماع الأمر و النهي إلا إذا كان في كل من متعلّقي الأمر و النهي مناط الحكم مطلقا حتى في مورد التصادق.

و الوجه فيه هو: ان أحكام باب الاجتماع لا تترتّب إلّا في مورد وجود الملاكين، و هي الحكم فعلا بكونه محكوما بكلا الحكمين بناء على الجواز، و بكونه محكوما بما هو أقوى مناطا من الحكمين، أو بحكم آخر غيرهما لو تساوى المناطان، بناء على الامتناع. و لو لم يكن في المورد مناط كلا الحكمين فلا يكون من باب الاجتماع، و لأجل ذلك لا تترتّب أحكامه، بل يكون محكوما بأحد الحكمين إذا كان له مناطه، أو بغيرهما إذا لم يكن لكلا الحكمين مناط سواء قيل بالامتناع أو الجواز. هذا فيما يرجع إلى مقام الثبوت اما مقام الإثبات فإذا أحرز ان المناط من قبيل الثاني- يعني لم يكن لكلا الحكمين مناط- فالروايتان الدالتان على الحكمين متعارضتان، فالمحكم حينئذ قواعد المعارضة من ترجيح أو تخيير. و ان لم يحرز ذلك، بل أحرز وجود الملاكين، فلا يكون تعارض، بل يكون المورد من موارد تزاحم المقتضيين. فالمقدّم هو الأقوى منهما و لو كان أضعف دليلا.

نعم، إذا كان كلّ منهما متكفّلا للحكم الفعلي كانت المعارضة ثابتة، فلا بد من‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 265- الطبعة الأولى.

29

ملاحظة قواعد المعارضة، إلّا إذا جمع بينهما عرفا بحمل أحدهما- و هو الأضعف ملاكا- على بيان الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجّحات باب المزاحمة.

ثم انه (قدس سره) تعرّض في الأمر التاسع لبيان كيفيّة إحراز الملاك، فأفاد (قدس سره): انه لو كان هناك دليل خاص على ثبوت الملاك من إجماع أو غيره فهو. و لو لم يكن سوى إطلاق دليلي الحكمين فان كان الإطلاق لبيان الحكم الاقتضائي لكان دليلا على ثبوت المقتضي في مورد الاجتماع فيكون المورد من باب الاجتماع. و ان كان لبيان الحكم الفعلي فان قيل بجواز اجتماع الأمر و النهي فيستكشف ثبوت المقتضي في الحكمين إلا إذا علم إجمالا يكذب أحد الدليلين، فيكونان متعارضين. و ان قيل بالامتناع فالإطلاقان متنافيان من دون ان تكون لهما دلالة على ثبوت مقتضى الحكمين، لأن ارتفاع أحد الحكمين كما يمكن ان يكون لأجل المانع مع ثبوت المقتضي كذلك يمكن ان يكون لأجل عدم المقتضي، إلّا ان يجمع بينهما بما تقدمت الإشارة إليه. ثم قال: «فتلخّص انه كلما كانت هناك دلالة على ثبوت المقتضي في الحكمين كان من مسألة الاجتماع و كلما لم يكن هناك دلالة عليه فهو من باب التعارض مطلقا ...» (1).

هذا كلامه (قدس سره) في الأمرين الثامن و التاسع.

و قد تخيل البعض- كما كنّا نتخيل سابقا- انه حدّد بذلك ضابط باب التزاحم، و انه بنظره المورد الّذي يكون فيه ملاكا الحكمين موجودين، و نسب إليه ذلك فقيل ان التزاحم على رأيه تنافي الحكمين مع وجود ملاكيهما (2).

إلا ان الّذي يبدو لنا فعلا ان كلامه غير ظاهر في ذلك أصلا، إذ لم يرد في كلامه ما يشير إلى التزاحم سوى قوله: «تزاحم المقتضيين»، و هو غير ظاهر في‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 154- 156- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 4- 203- الطبعة الأولى.

30

ما نسب إليه، فانه لا ظهور له في اعتبار وجود الملاكين في التزاحم، و قد عبر في غير هذا الموضع بتحقق التزاحم بين الحكمين، فلا دليل على تخصيصه مورد التزاحم بمورد وجود المقتضيين و وقوع التزاحم بينهما.

و على كلّ فنقول: ان قصد ذلك- أعني تحديد باب التزاحم- فهو ينافى ما فرضه من كون بعض صور المقام من موارد التعارض و هي صورة كون الدليلين لبيان الحكم الفعلي. و ان لم يقصد ذلك، بل كان نظره إلى تحديد مسألة الاجتماع، فيكون اعتباره وجود الملاك في كون المورد من موارد باب الاجتماع، كاعتبار المندوحة في محلّ النزاع من قبل بعض، و هو غير وجيه لأن وجود الملاك و عدمه أجنبي أيضا عن الحكم بالجواز أو الامتناع لأجل التضادّ.

كما ان الأثر العملي لا يتوقف ترتّبه على ذلك، إذ على القول بالجواز لا يلزم لأجل الحكم بثبوت الحكمين فعلا إحراز الملاك، بل إطلاق الدليلين يكفى في ذلك. و منه يستكشف ثبوت الملاك- كما صرّح به هو (قدس سره)-. و على القول بالامتناع لا ملزم لترتيب ما ذكره من الأثر المتوقّف على إحراز الملاك.

فليكن المقام من موارد التعارض لو لم يكن الملاك ثابتا.

ثم انه يرد عليه أيضا: انه ذكر في صدر كلامه انه ان أحرز عدم وجود الملاك في أحد الحكمين كان المورد من موارد التعارض، و ان لم يحرز ذلك كان من موارد تزاحم المقتضيين. و ذكر في ذيل كلامه بقوله: «فتلخّص ...» هذا المعنى بنحو عكسي، إذ ذكر انه كلّما أحرز وجود الملاكين كان المورد من موارد باب الاجتماع، و كلّما لم يحرز ذلك كان من باب التعارض فالتفت.

ثم ان في كلامه بعض موارد للبحث و النقض و الإبرام نتعرّض إليها بعد حين إن شاء اللَّه تعالى. و حيث جرى حديث ضابط التزاحم و التعارض فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى تحديد ضابط التزاحم و تمييزه عن التعارض فنقول و من اللَّه نستمد العون:

31

«ضابط التزاحم»

أن من تعرّض لهذا البحث مفصّلا و خاض في شئونه هو المحقّق النائيني (قدس سره).

و لأجل ذلك نتعرّض لكلامه و إبداء رأينا فيه.

فقد أفاد (قدس سره): ان التزاحم تارة: يكون في الملاك، بمعنى ان يكون في فعل واحد جهة توجب وجوبه و أخرى توجب حرمته. و أخرى: يكون في مقام الامتثال و تأثير كلا الحكمين في مرحلة الداعويّة الفعليّة.

و ذكر: ان الفرق بين الأوّل و الثّاني يرجع إلى ان التزاحم في مقام الملاك يرتبط بعالم جعل الحكم و ترجيح إحدى الجهتين على الأخرى، و ملاحظة حصول الكسر و الانكسار بينهما، و لأجل ذلك يكون هذا الأمر بيد نفس المولى و لا يرتبط بعلم المكلّف و جهله بخلاف التزاحم في مقام الامتثال فانه يرجع إلى عالم الامتثال بعد جعل الحكم على موضوعه و لأجل ذلك يكون تعيين الوظيفة بيد المكلّف، فهو الّذي يعيّن وظيفته بمقتضى عقله و إدراكه من ترجيح أو تخيير.

و قد أفاد (قدس سره): ان محلّ الكلام هو التزاحم في مقام الامتثال دون التزاحم في مقام الملاك، و ان وقع الاشتباه بينهما لأجل الاشتراك في الاسم.

ثمّ شرع (قدس سره) في المطلوب من بيان الفرق بين التزاحم‏

32

و التعارض فذكر: ان الفرق بين البابين كبعد المشرقين، و لأجل ذلك كان البحث في ان الأصل عند الشكّ في كون مورد من موارد التزاحم أو موارد التعارض، هل هو التزاحم أو التعارض؟. ناشئ عن الخلط بينهما و عدم ملاحظة جهة الفرق بينهما، فانه كالبحث في حصول أصل في الأشياء هل هو الطهارة أو بطلان بيع الفضولي، فان باب التزاحم يفترق عن باب التعارض من وجوه ثلاثة توجب حصول الفصل البعيد بينهما و هي: افتراقه عنه في مورد التصادم، و في الحاكم بالترجيح أو التخيير، و في جهة التقديم.

اما افتراقهما في مورد التصادم فبيانه: ان التنافي بين الحكمين:

تارة: يكون في مقام الجعل و الإنشاء بحيث كان من المحال جعل كلا الحكمين كالحكمين المتضادين في المورد الواحد، فانه لا يمكن جعل الوجوب و الحرمة على فعل واحد.

و أخرى: يكون في مقام الفعليّة، بان لا يكون هناك مانع من جعل كلا الحكمين على موضوعهما المقدّر، إلّا ان التمانع يكون في مقام فعلية هذين الحكمين و تحقّق موضوعيهما، كالتمانع الحاصل بين الحكمين الثابتين على موضوعين إذا لم يمكن امتثالهما معا، كوجوب إنقاذ هذا الغريق و وجوب إنقاذ ذاك الغريق.

فالنحو الأوّل من التنافي هو التعارض و النحو الثاني هو التزاحم.

و نكتة الفرق بينهما ترجع إلى ان ثبوت أحد الحكمين المتنافيين بالنحو الأول يستلزم تضييق دائرة جعل الحكم الآخر، فمثلا لو ورد وجوب إكرام العالم و حرمة إكرام الهاشميّ، فاجتمع الوصفان في شخص، فانه يمتنع ثبوت الحكمين له و يستحيل شمول جعلهما لمورد التصادق فلا بدّ من رفع اليد عن أحدهما في ثبوت الآخر، فتضيق دائرة جعله.

و أمّا ثبوت أحد الحكمين المتنافيين بالنّحو الثاني، فهو لا يلزم منه تضييق دائرة جعل الآخر، بل دائرة جعله على حالها لا يمسّها شي‏ء، و انما يكون نفى‏

33

ثبوت الآخر لانتفاء موضوعه لا لتضييق دائرة جعله.

بيان ذلك: ان التنافي في مقام الفعليّة و الامتثال حيث فرض لأجل التنافي في تحقّق موضوع كلا الحكمين، بمعنى ان امتثال أحدهما يستلزم ارتفاع موضوع الآخر، فلا محالة يكون تقديم أحدهما و متابعته موجبا لنفي الآخر، و لكنه ينتفي لعدم موضوعه من دون ان تتضيق دائرة جعله، و هي جعل الحكم على الموضوع المقدّر وجوده.

فمثلا إذا تزاحم وجوبا إنقاذ الغريقين، فان إنقاذ أحدهما يستلزم ارتفاع القدرة عن إنقاذ الآخر، فيرتفع الحكم لكن لأجل عدم موضوعه، اما أصل الجعل و هو جعل وجوب إنقاذ كل غريق فلم يمسّ بشي‏ء بل هو على حاله.

و من الواضح أيضا ان الحكم لا نظر له إلى موضوعه لا حدوثا و لا بقاء، فما يوجب رفع موضوع الحكم لا يتنافى مع الحكم و كيفيّة جعله.

و عليه، فإذا قدّم أحد الحكمين- في مسألة الغريقين- و كان موجبا لرفع موضوع الغير لم يناف الحكم الآخر، إذ الحكم الآخر لو كان في هذا الحال ناظرا إلى متعلّقه و داعيا إليه لكان مستلزما للنظر إلى حفظ موضوعه، لأن دعوته إلى متعلّقه و صرف القدرة فيه ملازمة لدعوته إلى عدم صرف القدرة في متعلّق الآخر الملازم لحفظ موضوعه بقاء، لأن صرف القدرة في متعلّق الآخر ترفع موضوعه على ما عرفت. و قد عرفت ان الحكم لا ينظر إلى موضوعه بقاء و حدوثا.

و بالجملة: فعدم تحقّق الحكمين في الفرض لأجل عدم تحقّق موضوعيهما معا لا لأجل قصور جعلهما، و كلّ من الحكمين لا يتنافى مع الآخر، لأنه و ان استلزم ارتفاعه لكن لأجل انه استلزم ارتفاع موضوعه، فدائرة جعل كلّ منهما على حاله و التنافي في مقام الفعلية و ثبوت الحكم لموضوعه المقدّر، لأن كلا منهما يستلزم نفي الآخر بنحو السالبة بانتفاء الموضوع لا السالبة مع وجود الموضوع كما هو الحال في التعارض.

34

فأساس نكتة التزاحم هي استلزام كل من الحكمين رفع موضوع الآخر، مع كون الحكم لا نظر له إلى إبقاء موضوع نفسه، فلا يتنافى كل حكم مع ما يستلزم رفع موضوعه، و عليه فإذا قدّم أحدهما لا يكون الآخر داعيا إلى صرف القدرة في متعلّقه لأنه يستلزم نظره إلى حفظ موضوعه و هو خلف.

هذا تقريب ما أفاده المحقّق النائيني في بيان جهة التنافي في باب التزاحم‏ (1).

و قد ظهر أنه لا تنافي في مقام الجعل و لا المجعول.

فلا وجه لما قرّب بعضهم كلامه (قدس سره) من: ان التعارض هو التنافي في مقام الجعل، و التزاحم هو التنافي في المجعول. و أورد عليه: بعدم الفرق بين مقامي الجعل و المجعول إذ عرفت انه لا تنافي بين الحكمين أصلا لأن أحدهما يرفع موضوع الآخر فلا تنافي إلا بمعنى عدم إمكان اجتماعهما في عرض واحد، لا ان أحدهما ينفي الآخر و يرفعه، فان كلا منهما لا نظر له إلى الآخر نفسه بل إلى موضوعه.

هذا و لكنّ الإنصاف يقتضي ان المنافاة بين الحكمين في مورد التزاحم تسري إلى عالم الجعل كالتعارض.

و امّا ما أفاده (قدس سره) فهو مخدوش فان أساسه كما عرفت على ان كلا من الحكمين يرفع موضوع الآخر بضميمة ان الحكم لا نظر له إلى حفظ موضوعه و إبقائه فلا منافاة بينهما. و هذا ممّا لا نقرّه و لا نعترف به.

بيان ذلك: ان عدم إمكان نظر الحكم إلى موضوعه حدوثا و بقاء لم يرد في آية أو رواية كي يتمسك بعمومها أو إطلاقها. و نظر الحكم إلى حفظ موضوعه ثابت في بعض الموارد نظير لزوم حفظ الماء للوضوء الّذي ينظر إليه الأمر

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 270- الطبعة الأولى.

35

بالوضوء مع ان الماء موضوع وجوب الوضوء.

و هذا ممّا لا إشكال فيه. و لو سلّم عدم جواز نظر الحكم إلى موضوعه، فما نحن فيه مستثنى عن هذه القاعدة الكليّة، لأن موضوع الحكم فيه بنحو ينظر إليه الحكم.

و ذلك لأن الحكم يدعو إلى متعلّقه و يطالب بصرف القدرة فيه، فتأثيره في صرف القدرة مما لا إشكال فيه، فيمنع قهرا عن صرفها في متعلّق الحكم الآخر- لغرض ان القدرة واحدة- فيحتفظ بموضوعه. فكلا الحكمين ينظر إلى صرفهما في متعلّقه و هو ملازم للاحتفاظ بموضوعه، لأن صرفها في غيره يقتضي إعدام موضوعه. فنظر الحكم إلى موضوعه فيما نحن فيه من جهة اقتضائه الدعوة إلى متعلّقه و هو امر لازم لكلّ حكم.

و إذا ثبت ان كلا من الحكمين يقتضي صرف القدرة في متعلّقه، و المفروض ان القدرة واحدة فلا يتمكن العبد من امتثال كلا الحكمين.

و عليه فيمتنع جعل كلا الحكمين، فان التكليف بالمحال محال في نفسه، لأن حقيقة الحكم و التكليف بنحو لا بد من إمكان ترتّب الداعويّة عليه، سواء قلنا انه عبارة عمّا يقتضي تحريك إرادة العبد- نظير ماكنة السّاعة-، و لذا كان أخذ القدرة في موضوعه لأجل اقتضاء التكليف له لا بحكم العقل، أو قلنا انه عبارة عن امر اعتباري لأجل داعويّة المكلّف نحو العمل، أو انه جعل الفعل في العهدة، فان إمكان الداعويّة مأخوذ في قوامه على الأوّل و من لوازمه على الثاني بحيث يكون عدمه كاشفا عن عدم الحكم، و هكذا على الثالث، لأن القائل به لا يلتزم بان حقيقة الحكم التكليفي كالحكم الوضعي بلا اختلاف، بل يرى الفرق بينهما في ان الغرض من الحكم التكليفي إمكان الداعوية و تحريك العبد نحو العمل. و عليه ففي المورد الّذي لا يمكن ان يترتب على الجعل الدعوة و التحريك لا يكون المجعول هو الحكم، إذ الحكم ما يمكن ان يكون داعيا.

36

و عليه، فاعتبار القدرة في متعلّق الحكم انما هو لأجل استحالة تحقق الحكم بدونها لا لأجل لغويته و قبحه من الحكيم فقط، كما هو المشتهر على الألسنة و في الكتب.

و إذا ثبتت محالية التكليف بغير المقدور في نفسه، فإذا امتنع امتثال كلا الحكمين لعدم القدرة على متعلقيهما امتنع جعلهما لا محالة لامتناع المجعول، إذ يمتنع ثبوت الحكمين بعد ان لا يمكن تحقّق داعويّتهما معا. فتتضيق دائرة جعل أحدهما قهرا.

بل لو التزمنا بان امتناع التكليف بغير المقدور لأجل لغويته و قبحه على الحكيم كان الأمر كذلك، إذ يمتنع ثبوت كلا الحكمين لعدم القدرة على متعلقيهما، فثبوتهما معا لغو قبيح على الحكيم. فلا بد من رفع اليد عن أحدهما فتتضيق دائرة الجعل في أحدهما، فيكون التنافي في مقام الجعل، بمعنى انه يمتنع جعل كلا الحكمين المتزاحمين كما يمتنع جعل الحكمين في مقام التعارض فتدبّر جيّدا.

و من هنا يتّضح انه لا فرق في امتناع جعل مثل هذين الحكمين بين ما إذا كان إنشاؤهما بدليل عام أو دليل خاص.

فانه قد ادعي: عدم امتناع الأوّل، مثل ما إذا قال: «أنقذ كل غريق، و لا تغصب»، فتوقف إنقاذ بعض الغرقى على الغصب فانه لا مانع من جعل هذين الحكمين في تلك الحال. بخلاف ما إذا قال في تلك الحال: «أنقذ هذا الغريق و لا تغصب هذا المكان»، فانه لغو فيكون محالا.

و لا يخفى ما في هذه الدعوى، فانه إذا كان جعل هذين الحكمين محالا لأنه لغو أو لأنه محال في نفسه، فشمول الدليل العام لهذه الصورة بحيث يكون الجعل فيها متحقّقا لغو أيضا فيكون ممتنعا. و بعبارة أخرى: عموم الدليل لا يرفع اللغويّة في هذه الصورة، فإرادتها تكون ممتنعة بنفس الملاك الّذي يمتنع فيه الجعل‏

37

بدليل خاص. فتدبّر.

فظهر ممّا تقدم ان ما أفاده (قدس سره) لا يخلو عن خدشة، فان أساسه- و هو عدم نظر الحكم إلى موضوعه حدوثا و بقاء، مع كون كل من الحكمين رافعا لموضوع الآخر- ممنوع، إذ عرفت ان الحكم يمكن ان ينظر إلى موضوعه و بالخصوص فيما نحن فيه هذا أوّلا.

و ثانيا: ان إعدام موضوع الحكم على قسمين: قسم يكون جائزا، نظير السفر في رمضان الرافع لموضوع وجوب الصوم فانه لا مانع منه. و قسم لا يكون جائزا، نظير رمي الإنسان نفسه من شاهق، فانه بالرمي يرتفع اختياره عن السقوط على الأرض و الموت، فلا يكون قادرا على حفظ نفسه مع أنه غير جائز.

فإعدام الموضوع ليس بجائز دائما بل هو جائز في بعض صوره و غير جائز في صور أخرى.

و عليه، فامتثال أحد الحكمين و ان كان رافعا لموضوع الآخر، إلا انه لا بدّ من إيقاع البحث عن ان رفع موضوع الحكم الآخر جائز أو لا؟ و ما هو السّر في جوازه. فالبحث لا بد ان يكون في مرتبة سابقة على إعدامه بحيث يكون عدمه جائزا فلا يتنافى الرافع مع الحكم الآخر.

و ثالثا: انه (قدس سره) أفاد كما عليه غيره: انه لا علاج للتزاحم و هذا التنافي المقرّر إلّا بتقييد أحد الحكمين بترك امتثال الآخر أو عصيانه، و هو المصطلح عليه في هذا الفنّ بالترتب. و من الواضح ان التقييد المزبور يرجع إلى تضييق دائرة الجعل و الإنشاء، فيكشف عن كون التنافي في مقام الجعل، و إلّا لم يكن وجه للتصرف فيه بعد ان كان التنافي في مقام غيره.

و لعلّ السّر في اختياره (قدس سره) الفرق بين المقامين بالنحو المتقدّم هو انه لا إشكال في وجود الفارق بين المقامين في نظر كل مكلّف، فالمكلّف يجد فرقا بين ما إذا قال له المولى: «أكرم العلماء» ثم قال: «لا تكرم الفسّاق» و تردد

38

في حكم المولى في العالم الفاسق انه الأول أو الثاني. و ما إذا قال له: «كلما جاءك زيد فأعطه درهما». و قال له: «كلما جاءك عمرو فأعطه درهما» فجاءا معا و لم يكن لديه سوى درهم واحد. و وجود الفرق بين المثالين مما لا ينكره أحد فأراد تحديده بما عرفت الخدشة فيه.

و يمكننا ان نحدّد باب التزاحم بلحاظ هذين المثالين، بأنه المورد الّذي يكون التنافي فيه بين الحكمين من جهة عدم التمكن من امتثالهما و عدم القدرة عليه، بحيث لا يرى المكلف مانعا من ثبوت كل من الحكمين سوى وجود الحكم الآخر و داعويته إلى امتثال متعلّقه المانع من امتثال ذلك الحكم، و إلّا فالمقتضي لكلا الحكمين موجود بنظره و لا نقصد بالمقتضي المصلحة أو المفسدة كي يرد انه تخصيص للبحث على رأي العدليّة، بل مقصودنا ما يكون منشأ للحكم و لو كان هو الإرادة أو الكراهية، فان الحكم لا يتحقق من دون منشأ و بنحو جزاف حتى على رأي الأشاعرة. و لعلنا نتوفّق إلى توضيح هذا الاختيار فيما يأتي إن شاء اللَّه تعالى.

ثمّ ان هذا التزاحم المبحوث عنه هل يختصّ بصورة توارد الحكمين على موضوعين، أو يعمّ صورة تواردهما على موضوع واحد، كما لو اشتمل الفعل على جهة توجب وجوبه وجهة توجب حرمته؟.

ذهب المحقّق النائيني (قدس سره) إلى اختصاصه بالصورة الأولى دون الثانية و هي التي عبّر عنها بالتزاحم في مقام الملاك- على ما تقدّم في صدر الكلام- و وجه خروجها عن محل البحث بوجهين:

أحدهما: ان علاج التزاحم في هذه الصورة يرتبط بالمولى نفسه و يكون بيده، لأنه يرتبط بعالم جعل الحكم و ترجيح إحدى الجهتين على الأخرى و ملاحظة حصول الكسر و الانكسار بينهما و لا يرتبط بحكم العبد نفسه.

و ثانيهما: انه يبتني على قول العدليّة بضرورة وجود الملاك للحكم، مع ان‏

39

التزاحم المبحوث عنه لا يختص البحث عنه بطائفة دون أخرى و لا يبتني على رأي دون آخر، فكما نبحث على رأي العدليّة نبحث على رأي الأشاعرة أيضا (1).

و في كلا الوجهين نظر ..

اما الأوّل: فلان علاج التزاحم في صورة توارد الحكمين على موضوعين بيد المولى أيضا، و العقل طريق لتشخيص ما يحكم به المولى في هذه الصورة، فليس العقل هو المرجّح لأحد الحكمين على الآخر، بل هو يستكشف رجحان أحدهما عند المولى فلا فرق بين الصورتين من هذه الجهة.

و اما الثاني: فلأنه إنما يتم لو أريد بالملاك المصلحة و المفسدة، فان الأشاعرة ينكرون ضرورة وجودها، و لكن المراد ليس ذلك، بل المراد ما يكون منشأ للحكم و هو الإرادة و الكراهة أو المحبوبيّة و المبغوضيّة و هو ممّا لا ينكره الأشعري كما عرفت.

هذا و لكن التحقيق خروج هذه الصورة عن موضوع البحث، إلّا انه ليس لما أفاده المحقّق النائيني (قدس سره)، إذ عرفت ما فيه، بل لوجه آخر توضيحه: ان لفظ التزاحم لم يرد في آية أو رواية كي يبحث في تحقيق معنونه العرفي، و انما هو اصطلاح أصولي يطلقه الأصوليّون على بعض موارد تنافي الحكمين بلحاظ ترتّب آثار خاصة فيها، فلتحديد مورد تلك الآثار و تمييزه عن غيره من موارد تنافي الحكمين و فصله عنه يعبر عنه بالتزاحم إشارة إليه.

و هذه الآثار هي تقديم الأهمّ أمّا بنحو الترتب- لو قيل بإمكانه- أو بدونه. و التخيير مع عدم الأهمّ، بمعنى الإلزام بأحدهما بنحو التخيير نظير الواجب التخييري، بمعنى ان أحدهما يكون واجبا بنحو التخيير لا التعيين.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 283- الطبعة الأولى.

40

و هذه الآثار لا تترتب فيما نحن فيه.

إذ الترتب فيه ممتنع عند من يلتزم بإمكانه في غيره، لما تقدم من أن ترك الأهم- في هذه الصورة- مساوق الإتيان المهمّ، فيمتنع الأمر به حينئذ. مضافا إلى امتناع اجتماع الحكمين المتضادّين في موضوع واحد في آن واحد عند من يرى تضاد الأحكام في أنفسها لا من جهة عدم القدرة على امتثالها.

و اما التخيير، فهو انما يكون بملاك التساوي بين الحكمين ملاكا.

و من الواضح ان المقصود بالملاك هاهنا ليس هو الملاك الملزم فعلا، إذ يمتنع ان يجتمع ملاكا الحكمين في شي‏ء واحد مع كونهما ملزمين معا، فلا يتصور التزاحم بينهما حينئذ و انما المقصود الملاك الملزم لو لا المانع. و عليه فلا بد من إعمال الكسر و الانكسار بينهما و الحكم بالغالب منهما ان كان المقدار الزائد فيه ملزما، و مع التساوي فالحكم هو التخيير، بمعنى الإباحة و عدم الإلزام بأحدهما لا بمعنى الإلزام بأحدهما بنحو التخيير. فالتخيير الثابت هنا غير التخيير الثابت في موارد التزاحم. فخروج هذه الصورة عن موضوع الكلام لأجل هذا الوجه. فالتفت جيّدا.

ثمّ انه (قدس سره) ذكر: ان التزاحم في مقام الامتثال يكون في الغالب من جهة عدم القدرة على الإتيان بكلا المتعلّقين، و قد يكون من جهة أخرى غير عدم القدرة.

اما ما كان منشؤه عدم القدرة فله صور خمس:

الأولى: ما إذا كان عدم القدرة اتفاقيّا، كما إذا تزاحم وجوبا إنقاذ الغريقين لو لم يتمكن المكلّف من إنقاذهما معا.

الثانية: ما إذا كان عدم القدرة لأجل التضادّ الاتفاقي بين الواجبين. اما إذا كان التضادّ بينهما دائميّا فدليلاهما متعارضان.

الثالثة: موارد اجتماع الأمر و النهي في ما إذا كانت هناك ماهيّتان‏

41

متّحدتان في الخارج كالصلاة و الغصب بناء على عدم سراية الحكم من الطبيعة إلى مشخّصاتها. اما إذا كانت ماهيّة واحدة كإكرام العالم الفاسق المنطبق عليه إكرام العالم المحكوم بالوجوب و إكرام الفاسق المحكوم بالحرمة كان الموارد من موارد التعارض.

الرابعة: ما إذا كان الحرام مقدّمة لواجب، فيما إذا لم تكن المقدميّة دائمية، نظير توقف إنقاذ الغريق على الغصب. اما إذا كانت المقدّمية دائميّة كان المورد من موارد التعارض.

الخامسة: ما إذا كان الحرام و الواجب متلازمين من باب الاتفاق كالتلازم بين استقبال القبلة و استدبار الجدي لمن سكن العراق، فيقع التزاحم بينهما لو كان أحدهما واجبا و الآخر حراما و اما لو كان التلازم دائميّا وقع التعارض بين دليلي الحكمين.

و اما التزاحم من غير جهة عدم القدرة: فمثاله ما إذا كان المكلّف مالكا للنصاب الخامس من الإبل و هو خمس و عشرون ناقة الّذي يجب فيه خمس شياة، ثم ملك بعد مضي ستة أشهر ناقة أخرى فصار المجموع ستّ و عشرين ناقة و هو النصاب السادس و فيه بنت مخاض، فالمكلّف قادر على دفع خمس شياة عند تمام السنة عملا بما دلّ على لزومها في خمس و عشرين ناقة، و على دفع بنت مخاض عند مضيّ ثمانية عشر شهرا عملا بما دل على لزومها في ستّ و عشرين ناقة، لكن دلّ الدليل على ان المال الواحد لا يزكى في العام الواحد مرّتين، فيقع التزاحم بين الحكمين حينئذ من جهة الدليل المزبور لا من جهة عدم القدرة على الامتثال‏ (1).

و أورد السيد الخوئي (حفظه اللّه) على هذا التقسيم بوجوه:

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 284- الطبعة الأولى.

42

الأول: فساد جعل القسم الثاني قسيما للأول، فانه راجع إليه، لأن التضاد الاتفاقي بين أمرين لا يكون إلّا من جهة عدم القدرة على إتيانها معا من باب الاتفاق، فليس القسم الثاني في الحقيقة مغايرا للأول‏ (1).

و فيه: ان التضاد الاتفاقي لا ينحصر منشئه بعدم القدرة على الأمرين اتفاقا. بيان ذلك: ان المقصود من التضادّ الاتفاقي هاهنا ما كان تحقق كلا الأمرين محالا في نفسه و لا يتمكن عليه أي شخص مهما بلغت قدرته. و بالتعبير الكلامي «ما كان العجز فيه من ناحية المقدور» نظير ما إذا أمر المولى عبده بان يكون في الصحن و أمره بملازمة زيد الموجود في الصحن، فإذا خرج زيد عن الصحن امتنع الإتيان بكلا المتعلّقين، و هما الكون في الصحن، و ملازمة زيد لامتناع وجود الجسم الواحد في مكانيين، و هذا لا يرتبط بعدم القدرة الاتفاقيّة، فانه ممتنع مطلقا من كلّ أحد و لا يتحقّق من أي شخص كان، فعدم القدرة هاهنا ناشئ من التضاد، لا ان التضاد ناشئ من عدم القدرة الاتفاقي. بخلاف ما إذا كانت العجز اتفاقيّا راجعا إلى القصور في نفس القدرة لا في متعلّقها، كإنقاذ الغريقين فانه يتصوّر تحقّقه من شخص ذي قوة عالية فينقذ كلا الغريقين معا كل منهما بيد من يديه- مثلا-، فالفرق بين القسمين واضح.

الثاني:- و هو ما جاء في المحاضرات- انه لا أثر لهذا التقسيم أصلا، و لا تترتب عليه أي ثمرة فيكون لغوا محضا (2).

و فيه ما لا يخفى: فان هذا التقسيم بلحاظ إجراء أحكام التزاحم، فان هذه الأقسام تختلف في ذلك، فمنها ما يجري فيه الترتب و منها ما لا يجري فيه، و قد نصّ على ذلك المحقق النائيني و تعرض إليه مفصّلا فهذا الإيراد من الغرائب.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 284 [هامش رقم (1)]- الطبعة الأولى.

(2) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 3- 213- الطبعة الأولى.

43

الثالث: ان التزاحم ينحصر بما كان منشؤه عدم القدرة على الامتثال و لا يتصور تحققه من جهة أخرى.

و امّا ما ذكره من المثال، فهو ليس من مصاديق باب التزاحم، بل من مصاديق باب التعارض، و الوجه في ذلك: ان ما دل على ان المال الواحد لا يزكى في السنة الواحدة مرتين يوجب العلم الإجمالي يكذب أحد الدليلين، و هما الدليل الدال على وجوب خمس شياة على من ملك خمس و عشرين من الإبل و مضى عليه الحول، و الدليل الدال على وجوب بنت مخاض على من ملك ستّ و عشرين من الإبل و مضى عليه الحول فلا بد من إعمال قواعد المعارضة و لا ارتباط للمثال بباب المزاحمة، فهو نظير ما دل على عدم وجوب ست صلوات في اليوم الواحد الموجب للتعارض بين ما دل على وجوب صلاة الجمعة في يومها، و ما دل على وجوب صلاة الظهر في يومها. و قد ذكر أن ما ذكره (قدس سره) غريب و عجيب صدوره من مثله، فانه بعيد عن مقامه و لكن العصمة لأهلها (1).

و فيه: انه يمكن ان يكون المثال المزبور من موارد باب التزاحم، و ليس الأمر كما ذكره من وضوح عدم انطباق باب التزاحم عليه، فلتصوير التزاحم وجه يخرج الدعوى عن غرابتها و بعدها عن مقام مثل المحقق النائيني. و موضوع الكلام- و هو الضابط الكلّي للمثال المتقدّم- هو ما إذا كان المكلف واجدا لأحد النصب الزكاتيّة ثم بعد مضي ستّة أشهر مثلا ملك مقدارا يتمم النصاب الآخر الّذي يلي للنصاب الّذي كان تجب زكاته- و لم يكن المملوك ف الأثناء نصابا مستقلا كخمسة من الإبل بعد الخمسة الأولى فان فيه بحثا آخر- فهل يجب عليه ان يدفع زكاة النصاب الأول عند تمامية الحول ثم يبتدئ حولا للجميع، أو يدفع زكاة النصاب الآخر عند تماميّة حوله، أي بعد مضي ثمانية عشر شهرا؟.

____________

(1) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 3- 215- الطبعة الأولى.

44

اما دفع زكاتين زكاة النصاب الأول بعد مضي اثني عشر شهرا و زكاة النصاب الثاني بعد مضي ثمانية عشر شهرا فلا يلتزم به لقيام الدليل على عدم وجوب زكاتين في مال واحد في عام واحد. و الّذي يلتزم به المشهور هو الأول، و هم و ان لم يصرحوا بان المورد من موارد التزاحم لكنهم يلتزمون بما هو نتيجة جعل المورد من موارد التزاحم و هو تقديم الأسبق زمانا، فليس هذا المعنى أمرا مستبعدا جدّاً اما إدراجه في باب التزاحم فيقال فيه وجوه و لكنه يتّضح بتمهيد مقدمتين:

المقدّمة الأولى: ان التزاحم في نظر المحقق النائيني يتحقق بلحاظ رافعيّة أحد الحكمين اما بامتثاله أو بوجوده لموضوع الحكم الآخر، إذ يمتنع وصول كل منهما إلى مرحلة الفعليّة و الداعويّة كما مرّ بيانه.

و المقدّمة الثانية: ان نفي تحقق الشيئين تارة: يكون مفاده بيان عدم اجتماع الشيئين في الوجود من دون إفادة أخذ عدم أحدهما في موضوع الآخر، بل لا نظر له إلى ما هو موضوع كل منهما، نظير ما إذا قال المولى لعبده: «ان زيدا و عمرا لا يجوز ان يكون كلاهما في الدار بل أحدهما»، فانه لا تعرض له إلى ما هو موضوع دخول كل منهما في الدار و انه في أي ظرف يجوز لأحدهما ذلك، بل هو انما يدل فقط على ان هذين الشخصين لا يجوز اجتماعهما في الدار.

و أخرى: يكون مفاده أخذ عدم أحدهما في موضوع الآخر كما إذا قال له: «- مع فرض وجود زيد في الدار- لا يجوز دخول عمرو، أو انه ما دام زيد في الدار يجوز دخول عمرو»، و هكذا العكس، فانه يدل على ان عدم الموجود منهما مأخوذ في موضوع الآخر، فيكون وجوده رافعا لموضوع الآخر قهرا. بخلاف النحو الأول فان عدم الاجتماع لا يستلزم أخذ عدم أحدهما في موضوع الآخر و إلّا كان عدم أحد الضدّين مأخوذا في موضوع الضد الآخر و هو مما لا يلتزم به المحققون.

إذا عرفت ذلك فنقول: ان الدليل الدال على نفي تكرّر الزكاة في العام الواحد في المال الواحد كان مفاده بالنحو الثاني من نحوي نفي اجتماع‏

45

الشيئين، فانه ظاهر في نفي الزكاة ثانيا بعد ثبوتها أولا، فان مفاده ان المال لما ثبتت فيه الزكاة أولا لم تثبت فيه مرّة أخرى في عام واحد، فيكون ثبوتها أولا رافعا لموضوع ثبوتها ثانيا، فينطبق التزاحم على ما نحن فيه، لأنه كما عرفت بلحاظ رافعية أحد الحكمين لموضوع الآخر و هي متحقّقة. و من هنا ظهر تقديم الأسبق لأنه رافع لموضوع المتأخر و لا عكس. فقد اتّضح بهذا البيان ان دعوى المحقق النائيني ليست بدعوى غريبة، و هي و ان توقفت على الاستظهار الّذي عرفته من أدلة نفي تكرر الزكاة لا على استظهار كون الدليل المذكور يفيد نفى اجتماعهما فيه، إلا انها تكون متّجهة بوجاهة هذا الاستظهار و احتماله و لا تكون بعيدة كما ادعي. و ان كان المختار ان المورد ليس من موارد التزاحم، و تحقيقه موكول إلى محلّه من الفقه كما حرّرناه سابقا في كتاب الزكاة.

و يقع الكلام بعد ذلك في مرجّحات باب التزاحم التي يحكم بها العقل، بخلاف مرجحات باب التعارض، فان المرجع فيها هو المولى نفسه و هذه هي جهة الفرق بين البابين في الحاكم بالتقديم و التخيير. كما ان الفرق بين البابين في جهة التقديم فهي محل الكلام، إذ تقديم أحد المتعارضين على الآخر يكون بأقوائيّة الدلالة و السند بالشهرة أو موافقة الكتاب أو غير ذلك ممّا يذكر في مبحث التعارض، و يقع الخلاف هناك في تعيين بعضها دون بعض.

و اما تقديم أحد المتزاحمين على الآخر، فهو بأمور مترتبة ذكرها المحقق النائيني (قدس سره) (1) و هي:

المرجح الأول: تقديم ما ليس له بدل على ما كان له بدل فيما إذا كان أحدهما له بدل و الآخر ليس له بدل. و له صورتان:

الأولى: ما إذا كان لأحدهما بدل في عرضه كما إذا كان واجبا تخييريا

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 271- الطبعة الأولى.

46

شرعيا كان كخصال الكفارة، أو عقليا، كالواجب الموسّع، و كان الآخر واجبا تعيينا مضيقا كما إذا تزاحم وجوب أداء الدين مع الإطعام أو العتق الّذي يكون إحدى خصال الكفارة التخييرية، و كما لو تزاحم وجوب إنقاذ الغريق مع وجوب الصلاة في أثناء الوقت بحيث لا تفوت الصلاة بامتثاله فانه في مثل هذه الحال يقدّم الواجب التعييني على الواجب التخييري.

و وجه التقديم واضح و هو: ان الواجب التخييري لا اقتضاء له بالنسبة إلى خصوص الفرد المزاحم، لأن المكلف مخيّر في مقام الامتثال بين افراد التخيير.

و الواجب التعييني له اقتضاء و دعوة إلى خصوص ما فيه التزاحم، لأن الامتثال منحصر فيه. و من الواضح انه لا تزاحم بين ما له اقتضاء نحو شي‏ء و بين ما لا اقتضاء له نحوه، فيقدّم ما له الاقتضاء على ما ليس له الاقتضاء.

هذا ما أفيد و لا يخفى ان هذا الوجه نتيجة نفي التزاحم بين الواجبين في هذه الصورة، لا انه وجه للتقديم مع فرض المزاحمة، إذ عرفت أن التزاحم هو التنافي في مقام الداعويّة بحيث يمتنع ان يصل كلا الحكمين إلى مرحلة الفعلية و البعث، و هذا لا أثر له في هذه الصورة بعد ما عرفت من كون أحدهما لا اقتضاء له بالنسبة إلى خصوص مورد المزاحمة. فالتفت.

الثانية: ما إذا كان لأحدهما بدل طولي، كالطهارة الحدثية المائية فان لها بدلا في طولها و هو التيمم، فلو تزاحم وجوبها مع وجوب ما ليس له بدل كالطهارة الخبثية بان كان هناك ماء لا يكفي لكلتا الطهارتين مع احتياجه إليهما لأجل الصلاة، قدّم ما لا بدل له على ما له البدل. و لم يتعرض (قدس سره) لذكر وجه التقديم و المنقول في الأفواه في جهته وجه استحساني و هو: ان التقديم سيرة العرف باعتبار ان الأمر إذا دار بين إهمال أصل المصلحة و تحصيل مصلحة أخرى بتمامها، أو بين تحصيل أصل المصلحة و إهمال بعض المصلحة الأخرى كان الثاني هو المتعيّن و نتيجته تقديم ما لا بدل له على ما له البدل.

47

و لكن هذا الوجه- لو سلم جواز الاستناد إليه مع غض النّظر عن عدم الدليل على اعتبار النّظر العرفي- لا يمكن البناء على تماميته فانه غير مطّرد، إذ قد يكون ذلك المقدار الفائت من المصلحة أهمّ في نظر العرف و أشد أثرا من نفس المصلحة الأخرى المتحفظ بها بتمامها، فيقدم عليها لا محالة. مثال ذلك عرفا: إذا كان الشخص يملك عباءة و قباءين، أحدهما جديد و الآخر متهرئ عتيق. و كان ملزما بلبس العباءة و القباء الجديد، و لكنه مع عدم التمكن من لبس القباء الجديد، كان عليه أن يلبس القباء المتهرئ، إذ لا يمكنه أن يبقى من دون قباء، فإذا دار أمره بين ان يتلف العباءة، فيلبس القباء الجديد بلا عباءة، أو يتلف القباء الجديد و يلبس القباء المتهرئ مع العباءة، لكن كان الهوان الّذي يلحقه و نظرة الازدراء التي تلاحقه من لبس القباء أكثر مما كان في لبس القباء الجديد بلا عباءة، فانه في هذا الحال يلزمه عرفا إتلاف العباءة مع عدم وجود البدل لها و إبقاء الجديد مع وجود البدل له. فالتفت.

فالوجه الصحيح في التقديم هو: ان ما يكون له بدل في طوله يكون وجوبه مقيّدا بالقدرة الشرعيّة، فيكون المورد من مصاديق المرجح الثاني و هو ما إذا كان أحد الحكمين مقيّدا بالقدرة الشرعية و الآخر غير مقيد بها، فان غير المقيد بها يقدم على ما هو مقيّد بها كما سيأتي بيانه. فتحصل ممّا ذكرنا: ان المرجح الأول ليس من المرجحات لأن الصورة الأولى خارجة عن باب التزاحم و الصورة الثانية داخلة في مصاديق المرجح الثاني، و لا تكون جهة عدم البدلية مرجحة.

فلاحظ.

ثم انه (قدس سره) تعرض لفرع فقهي و هو ما إذا دار امر المكلف بالصلاة بين إدراك تمام الوقت مع الطهارة الترابية و عدم إدراك تمامه مع الطهارة المائية. و التزم بترجيح الأول على الثاني ببيان: ان الطهارة المائية لها بدل و هو الطهارة الترابية بخلاف تمام الوقت فانه لا بدل له. و قد عرفت تقديم ما لا بدل له على ما له‏

48

البدل.

و أورد على نفسه: بان تمام الوقت له بدل أيضا و هو إدراك ركعة منه كما هو مقتضى بعض الروايات [1]، فيكون كل من المتزاحمين له بدل فلا وجه لترجيح تمام الوقت على الطهارة المائية.

و أجاب عنه: بان بدليّة إدراك ركعة عن تمام الوقت انما هي في فرض العجز عن إدراك تمام الصلاة فيه، و المكلّف في الفرض قادر على إتيان مجموع الصلاة في الوقت فلا موجب لسقوط التكليف بإتيان تمام الصلاة في وقتها، فيسقط التكليف بالطهارة المائية للعجز عنه شرعا فيثبت التكليف بتمام الصلاة في الوقت مع الطهارة الترابية، لأنها بدل الطهارة المائية (1).

و فيه: ان الكلام بعينه ننقله في طرف التيمم، فنقول: ان بدليّة التيمم انما هي في فرض العجز عن الإتيان بالصلاة مع الوضوء أو الغسل و المكلف قادر على الإتيان بها كذلك، فيبقى التكليف بالصلاة مع الطهارة المائية و يسقط التكليف بإيقاع تمام الصلاة في الوقت للعجز عنه شرعا، فيثبت حينئذ التكليف بالصلاة مع إدراك الوقت بمقدار ركعة مع الطهارة المائية.

و أساس الجواب: هو ان بدلية كل من البدلين المفروضين ثابتة في حال العجز الشرعي، فيقع التمانع بينهما، و يكون وجوب المبدل منه لكل منهما رافعا لبدلية البدل الآخر. فالتفت.

و تحقيق الحال في هذا الفرع الّذي وقع محلا للبحث و النقض و الإبرام: انه لا يتصور التزاحم بين الوجوبين الضمنيين، إذ العجز عن الإتيان بكلا الجزءين‏

____________

[1] منها: رواية عمار بن موسى عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام)، قال: فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم و قد جازت صلاته.

وسائل الشيعة 3- 158 باب: 30 من أبواب المواقيت، حديث: 1.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 272- الطبعة الأولى.

49

أو الشرطين أو الجزء و الشرط يستلزم سقوط الأمر بالكل للعجز عن متعلّقه و هو الكل، فلا تصل النوبة إلى تزاحم الوجوبين الضمنيين لسقوطهما بسقوط الأمر بالكل، فإذا دل الدليل على تعلق الأمر بالناقص عند العجز عن التام تقع المعارضة بين إطلاقي دليل كل من الجزءين أو الشرطين.

و حينئذ فاما ان يلتزم بشمول الأدلة العلاجية للعامين من وجه المتعارضين، فيكون الحكم هو التخيير شرعا بينهما. و اما ان يلتزم بعدم شمول الأدلة العلاجية لمثل هذه الصورة، فالقاعدة تقتضي التساقط في المتعارضين، إلّا انه حيث يعلم إجمالا يعدم سقوطهما معا بل أحدهما معتبر قطعا فالعقل يحكم بالتخيير، فالنتيجة هي التخيير اما شرعا أو عقلا. و بذلك يتضح الكلام فيما نحن فيه فان الأمر بالوضوء و الأمر بإيقاع الصلاة في تمام الوقت أمران ضمنيان فلا مزاحمة بينهما، بل يسقط الأمر بالصلاة التامة بجميع اجزائها و شروطها، و يحدث الأمر بالناقص و يدور الأمر بين اعتبار الوضوء أو تمام الوقت، فيقع التعارض بين دليليهما و النتيجة هي التخيير بينهما من دون وجه لتقديم أحدهما على الآخر، فان المورد ليس من موارد التزاحم، و من هنا يظهر ان التمثيل لبعض موارد التزاحم بالواجبين الضمنيين ليس متّجها.

و بهذا البيان تعرف انه لا وجه للتطويل الّذي جاء في المحاضرات من ذكر مقدمة طويلة لبيان كيفية استفادة اشتراط الوقت و الطهارة و نحو اعتبارهما، ثم التعرض لبيان ما يستفاد من دليل البدل في كل منهما ثم الانتهاء إلى ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) من ان بدليّة إدراك ركعة عن تمام الوقت انما هي في فرض العجز عن إدراك تمام الصلاة فيه و لو مع الطهارة الترابية (1). و قد عرفت ما فيه و ان كلا من الشرطين مقيد بالتمكن. و من الغريب ان بيانه المزبور كان‏

____________

(1) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 3- 235- الطبعة الأولى.

50

بنحو الإيراد على المحقق النائيني (رحمه الله). و أساس هذا الاختيار منهما هو نقلهما الكلام إلى دليل البدل الاضطراري لكل من الشرطين، و هو دليل التيمم و دليل إدراك ركعة. مع انك عرفت ان النوبة لا تصل إليه بل الكلام رأسا في دليل الوضوء و دليل تمام الوقت و بيان نتيجة المعارضة بينهما فتدبّر جيّدا.

المرجّح الثاني: ما إذا كان أحد الحكمين مشروطا بالقدرة العقلية و الآخر مشروطا بالقدرة الشرعيّة، فيقدّم المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعيّة.

و المراد بالقدرة الشرعيّة ليس مفهوما شرعيا في قبال المفهوم للقدرة عقلا، بل المراد بها القدرة العرفية التي هي أخصّ من القدرة العقليّة، فان القدرة بنظر العرف هي التمكن على الفعل من دون ان يكون فيه عسر و مشقة، فان العرف يسلب القدرة في مورد العسر و المشقة، و لأجل ذلك ترتفع القدرة عرفا بالمنع الشرعي عن العمل، لأن الإتيان به يوقع المكلف في تبعات مخالفة المنع الشرعي و هو امر حرجيّ عليه، فمع المنع شرعا يصدق عرفا انه غير متمكن.

اما تحقق اشتراط الحكم بالقدرة العرفية، فهو منوط بأخذ القدرة في موضوع الحكم في لسان دليله، فتكون ظاهرة في القدرة العرفية، إذ المحكّم في باب الألفاظ هو العرف، فإذا قيّد الحكم في دليله بالقدرة كان ظاهرا في إرادة القدرة العرفية، لأن المفهوم العرفي للقدرة غير المفهوم العقلي. اما إذا لم يقيد الحكم في دليله بالقدرة، فيكون مطلقا من ناحيتها. نعم حيث انه في صورة الامتناع عقلا لا يثبت الحكم لاستحالته في نفسه أو لغويّة كان مقيدا بالقدرة العقليّة.

و إذا عرفت المقصود من القدرة الشرعية و انها القدرة التي اعتبرها الشارع في موضوع الحكم فيراد بها المفهوم العرفي للقدرة، و انها أخص من القدرة التي يعتبرها العقل في موضوع الحكم إذا- عرفت ذلك- يتضح ذلك الوجه في‏

51

الحكم بتقديم الحكم المقيد بالقدرة العقلية على الحكم المقيد بالقدرة الشرعية.

بيان ذلك: ان ثبوت الحكم المقيد بالقدرة العقلية يكون رافعا لموضوع الحكم المقيد بالقدرة الشرعية لما عرفت من ارتفاع القدرة عرفا بالحكم الشرعي المانع من العمل و اما المقيد بالقدرة الشرعية، فلا يكون رافعا لموضوع الآخر، إذ المنع الشرعي لا يرفع القدرة عقلا على العمل. و إذا كان الأمر كذلك تقدم المشروط بالقدرة العقلية بعين الوجه الّذي ذكره الشيخ‏ (1)، و أوضحه صاحب الكفاية (2) بتلخيص في تقديم الوارد على المورود من: ان تقديم المورد إما ان يكون بلا وجه أو على وجه دائر و لا عكس. فانه يقال هاهنا: ان الالتزام بالحكم المقيد بالقدرة العقلية لأجل تمامية موضوعه و عدم الإخلال بجهة من جهات ثبوته سوى وجود الحكم الآخر المشروط بالقدرة الشرعية، و هو غير صالح للمنع، لأنه يتوقف على ثبوت موضوعه، و قد عرفت انه يرتفع بالحكم الآخر. فحينئذ اما ان يلتزم به مع عدم موضوعه و هو فاسد، أو نلتزم بأنه يمنع من الحكم الآخر فيثبت موضوعه و هو يستلزم الدور، لأن مانعيته عن الحكم الآخر تتوقف على تمامية موضوعه، و تمامية موضوعه تتوقف على عدم الحكم الآخر، فيمتنع استناد عدم الحكم الآخر إليه فالتفت.

و من هنا تعرف ان المورد ليس من موارد المزاحمة أصلا، كما لا معارضة بين الوارد و المورود، فان نسبة الحكم المقيد بالقدرة العقلية إلى الحكم المقيد بالقدرة الشرعية، نسبة الدليل الوارد إلى الدليل المورود، فلا يقع التمانع بين الحكمين.

و عليه، فلا وجه لفرض المقام من مصاديق باب المزاحمة.

أو فقل: لا وجه لفرض المرجح المزبور من مرجحات باب المزاحمة، لأنه‏

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 422- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 430- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

52

يسري إلى غيرها، فانه وجه يتأتى ذكره في باب التزاحم و باب التعارض كما عرفت.

و اما توجيه المحقق النائيني (قدس سره) لتقدم الوجوب المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية، بان المشروط بالقدرة عقلا تام الملاك فعلا فيكون وجوبه فعليا مانعا من تمامية ملاك الآخر للعجز عنه شرعا، بخلاف المشروط بالقدرة شرعا، فان وجوبه يتوقف على تمامية ملاكه، و هي تتوقف على عدم الوجوب الآخر، فلو استند عدم وجوبه إلى الوجوب المشروط بالقدرة شرعا لزم الدور المحال. كما لا يخفى‏ (1).

فهو بظاهره لا يخلو عن مناقشة، إذ تكرر منه (قدس سره) ان البحث في مسألة التزاحم لا تبتني على وجهة نظر العدلية القائلين بلزوم توفّر الملاك للحكم الشرعي، بل يقع الكلام فيه على جميع وجهات النّظر من دون اختصاص بإحداهما.

و لعل مراده (قدس سره) ما أوضحناه، و قد صرّح به في غير مورد. و قد عرفت انه يخرج المورد عن موارد التزاحم.

فقد ثبت ان المرجحين الأولين ليسا من المرجحات، بل مما يستلزم خروج المورد عن موارد المزاحمة.

المرجح الثالث: ما إذا كان أحد الواجبين أسبق زمانا من الآخر، و هذا المرجح يختص بما إذا كان كل من الحكمين مشروطا بالقدرة الشرعية، فانه أفاد (قدس سره)، بان المتقدم زمانا يرجح على المتأخر، لأن المتقدم في الفعلية يكون مستقرا في محله من دون مانع، و يكون رافعا للتكليف الآخر، لأنه يرفع موضوعه، فلا يبقى له محل و مجال في ظرفه.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 272- الطبعة الأولى.

53

و تحقيق الحال في الحكمين المشروطين بالقدرة شرعا و مرجحية الأسبقية الزمانية فيهما: ان المورد ليس من مصاديق باب التزاحم المصطلح، لأنا قد أشرنا إلى ان حقيقته هو التنافي بين الحكمين في مقام الداعويّة و التأثير، بمعنى انه لا يمكن ان يكون كلاهما- في زمان واحد- داعيين إلى متعلّقيهما، بحيث لو لم تكن هذه الجهة ارتفع التزاحم، و لم يمتنع ثبوت الحكمين معا. و التنافي في المورد الّذي نحن فيه ناشئ من رافعية كل من الحكمين لموضوع الآخر، لأن كلا منهما مانع شرعي فيرفع القدرة الشرعية المأخوذة في موضوع الآخر، و ليس ناشئا عن التنافي في مقام الداعوية و ان كان مفروضا، و لذا لو ارتفع ذلك، بأن كان المكلّف قادرا عقلا على امتثال الحكمين لا شرعا، كان التمانع بين الحكمين متحقّقا بالوجه الّذي ذكرناه. فلا ينطبق عليه التزاحم بالمعنى المصطلح نعم يصح إطلاق التزاحم عليه بمعناه اللغوي و هو التمانع، لأنه متحقّق بين الحكمين، كما عرفت.

و بعد هذا نقول: ان أحد الحكمين اما ان يكون أحدهما أسبق زمانا من الآخر، أولا يكون:

فان كان أحدهما أسبق زمانا، فتحقيق الكلام: ان الصور المتصورة في مورد السبق الزماني أربعة:

الأولى: ان يكون أحد الحكمين سابقا على الآخر بموضوعه و امتثاله، بمعنى ان موضوع الحكم الآخر و امتثاله لا يتحقق إلّا بعد زمان امتثال ذلك الحكم، نظير ما إذا كان عند الإنسان في شهر رجب مال يكفيه للحجّ، و لكنه كان فاقدا للاستطاعة من الجهات الأخرى- بان كان مريضا- و يعلم انها تحصل في شهر شوال. و ثبت عليه واجب مشروط بالقدرة شرعا في ذلك الحين- أعني شهر رجب- كما لو وجب عليه زيارة الحسين (عليه السلام) في رجب بنذر و نحوه و كانت متوقفة على صرف المال المزبور.

و حكم هذه الصورة هو ترجيح الأسبق زمانا، فيتقدم وجوب الوفاء بالنذر

54

على وجوب الحج في المثال المزبور، و ذلك لأن الوجوب السابق فعلي تام الموضوع، إذ لا مانع منه عقلا، لأنه المفروض و لا شرعا إذ المانع الشرعي المتصور ليس إلّا الوجوب الآخر و هو ليس ثابتا فعلا لعدم موضوعه كما فرض، فلا يصلح للمانعية، و إذا لم يثبت المانع عقلا و شرعا لزم امتثاله، فيرتفع به موضوع اللاحق، و بهذا البيان يمكننا ان ندعي ان هذه الصورة خارجة عن محل الكلام، فانه لا تزاحم بين الحكمين و لا تمانع، إذ الأول في ظرفه لا مانع منه كما عرفت، و الثاني لا موضوع له، فلا ثبوت له ان امتثل الأول، و ان لم يمتثل كان فعليا لتحقق موضوعه، لكنه لا مانع منه إذ الحكم سقط بعصيانه.

و بالجملة: الحكمان لا يكونان في هذه الصورة فعليين في زمان واحد.

فالتفت.

الثانية: ان يكون أحد الحكمين سابقا بموضوعه و امتثاله إلا انه كان بنحو الواجب الموسّع، بمعنى انه إذا لم يمتثل في ظرفه يستمر الحكم و يثبت في زمان اللاحق، كالمثال المتقدم فيما إذا لم يقيد نذره الزيارة بشهر رجب بل مطلقا، و لكن كان تحقق الشرط المعلّق عليه المنذور في رجل فيصير الحكم من ذلك الحين فعليا.

و حكم هذه الصورة يتضح مما تقدم، فلا مزاحمة بين الواجب الموسع و الواجب المضيق، لعدم التزاحم، بين ما له اقتضاء و بين ما لا اقتضاء له. نعم، إذا تضيّق وقت الموسع في وقت المضيق وقع التزاحم بينهما لكون كل منهما مضيقا.

الثالثة: ان يكون أحد الحكمين سابقا في امتثاله على امتثال الآخر، لكنه مقارن في موضوعه لموضوع الآخر، كما لو نذر قبل الاستطاعة ان يزور الحسين (عليه السلام) اليوم السابع من ذي الحجة ان جاء أخوه من السفر فتقارن مجي‏ء أخيه مع حصول الاستطاعة المالية أو البدنية للحجّ، أو تعاقبا من دون فصل زماني طويل، بحيث لم يتمكن من الإتيان بالمقدمات المفوتة للسابق قبل حصول‏