منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج6

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
444 /
5

الجزء السادس‏

تتمة مباحث أصول العملية

الاستصحاب‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

(الاستصحاب)

[تقديم أمور]

و قبل الدخول في بيان أدلته يحسن تقديم أمور.

الأمر الأول‏

: ما أشار إليه المحقق النائيني: من ان البحث عن حجية امر يكون بنحوين:

الأول: ان يكون المبحوث عن حجيته: امرا محققا موجودا. و البحث عن انه حجة أو ليس بحجّة كالبحث عن حجية خبر الواحد. فان البحث عن ثبوت الحجية له و عدمه.

الثاني: ان يكون موضوع الحجية أمرا مفروغا عن حجيته على تقدير وجوده، فالبحث في الحقيقة يرجع إلى البحث عن ثبوته، كالبحث عن حجية المفاهيم، فان المفهوم لو ثبت كان حجة بلا إشكال لكونه من مصاديق الظهور، فجهة البحث هي ثبوت المفهوم و عدم ثبوته.

إذا اتضح ذلك، فهل البحث عن حجية الأصل العملي- كالاستصحاب- من قبيل النحو الأول أو الثاني، أو لا هذا و لا ذاك؟. أفاد (قدس سره): انه ليس من القسم الأول كما هو واضح، إذ الأصل العملي ليس إلا عبارة عن تعبد الشارع بأحد طرفي الشك تعيينا أو تخييرا، و هو ليس مفروض الوجود كي يبحث عن حجيته، بل يبحث عن وجوده. كما انه ليس من القسم الثاني و ان‏

8

كان اقرب إليه، لأن موضوع الحجية فيه يغاير نفس الحجية مصداقا و ان لم ينفك عنها خارجا، مع إمكان التفكيك بينهما عقلا فالمفهوم غير الحجية. و هذا بخلاف البحث عن حجية الأصول العملية، فان الحجية عين التعبد الشرعي و لا يمكن التفكيك بينهما عقلا (1).

أقول: لا يخفى ان البحث في هذه الجهة أشبه بالبحث اللفظي. و لا يهمنا تحقيق كيفية إطلاق الحجة على الأصل العملي، و انه من قبيل أي القسمين هو، فانا نبحث عن امر واقعي و هو ثبوت التعبد الشرعي في مورد الشك في البقاء، و لا أهمية لتحقيق ان إطلاق الحجة عليه بأي نحو، و الظاهر اختلاف ذلك باختلاف المباني فيما هو المجعول في باب الاستصحاب و ما هو المقرر منجزيته من كونه نفس الحكم بالبقاء، أو نفس اليقين السابق، أو الشك اللاحق كما احتمله بعض فلاحظ.

الأمر الثاني: في تعريف الاستصحاب.

و هو لغة- كما قيل- أخذ الشي‏ء مصاحبا.

و اما اصطلاحا: فقد عرف بتعاريف متعددة:

التعريف الأول: ذكر الشيخ (رحمة اللّه): ان أخصر التعاريف و أسدها:

«إبقاء ما كان» (2)، و يراد بالإبقاء هو الحكم بالبقاء لا الإبقاء التكويني، فانه لا محصل له. و عليه فلا يرد عليه ما أورده المحقق النائيني فراجع‏ (3).

التعريف الثاني: ما جعله الشيخ أزيف التعاريف و هو تعريفه بأنه: «كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق» (4).

____________

(1) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 342- الطبعة الأولى.

(2) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 318- الطبعة الأولى.

(3) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 343- الطبعة الأولى.

(4) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 318- الطبعة الأولى.

9

و وجه زيفه: ان هذا التعريف تعريف للاستصحاب بمورده و محله لا به نفسه، ثم انه وجهه بما يخرجه عن البطلان الواضح، و أورد عليه، و سنعود إليه إن شاء اللّه تعالى.

التعريف الثالث: ما عرفه به صاحب الكفاية بأنه: «الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه» (1).

و هذا التعريف تفصيل و توضيح لتعريف الشيخ (رحمه الله). و قد أشار (قدس سره) إلى تعريفه: ببناء العقلاء على البقاء، و تعريفه: بالظن الناشئ من العلم بثبوته و نفاهما بأنه على هذين التعريفين لا تتقابل فيه الأقوال، و لا يتوارد فيه النفي و الإثبات على مورد واحد بل موردين، ثم هون (قدس سره) الأمر بان المقصود من هذه التعاريف شرح الاسم لا الحد و الرسم، فلا مورد للإشكال عليها بعدم الطرد أو لعكس.

التعريف الرابع: ما عرفه به المحقق النائيني (قدس سره): «بأنه الحكم الشرعي ببقاء الإحراز السابق من حيث الجري العملي» (2)، و قد بنى هذا التعريف على استفادة الاستصحاب من الاخبار.

التعريف الخامس: ما قد عرف الاستصحاب به أيضا: «بأنه عبارة عن الإبقاء العملي».

هذه جملة من تعاريف الاستصحاب. و تحقيق الكلام ان يقال: ان التعريف المبحوث عنه هو التعريف الاصطلاحي الّذي وقع في تعبيرات الأصوليين و الفقهاء.

و لا يخفى ان هنا جهات ثلاث ترتبط بهذا المصطلح:

إحداها: إطلاق الدليل و الحجة عليه، فيقال: يدل عليه الاستصحاب، أو

____________

(1) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 384- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 343- الطبعة الأولى.

10

يحتج بأمور منها الاستصحاب، و نحو ذلك من التعبيرات الواقعة كثيرا في بحوث الفقهاء في مختلف المسائل الفقهية.

و ثانيها: اختلاف مدركه من تعبد الشارع أو بناء العقلاء أو حكم العقل الظني.

و ثالثها: تفرع الاشتقاقات منه كالمستصحب و المستصحب و استصحب و يستصحب، و غيرها.

و من الواضح انه لا بد في تشخيص ما هو الأنسب في تعريفه من ملاحظة هذه الجهات الثلاث و ثبوتها مع الالتزام به.

و الّذي نراه ان جميع ما ذكر في تعريفه مما تقدم لا يخلو عن خدشة بملاحظة هذه الجهات.

اما الخامس و هو تعريفه: بالإبقاء العملي، فهو و ان صحح الاشتقاق منه المسند إلى المكلف، لكن إطلاق الحجة عليه غير سديد بملاحظته، إذ لا معنى لكون الإبقاء العملي حجة و دليلا، بل هو يحتاج إلى حجة كما لا يخفى.

كما انه لا ينسجم مع اعتباره من باب حكم العقل، إذ المراد بالحكم العقلي هو الإدراك الظني، و لا معنى لإدراكه البقاء العملي.

و اما الأول و هو تعريفه: بالإبقاء بمعنى الحكم بالبقاء: فهو مما لا معنى له لأن بقاء الحكم هو عين الحكم الشرعي في مرحلة البقاء، و مقتضى هذا التعريف ان الاستصحاب هو الحكم بالحكم و هو مما لا محصل له.

نعم، إطلاق الحجة عليه سديد كما سنشير إليه في التعريف المختار.

كما انه لا ينسجم مع اعتبار الاستصحاب من باب العقل أو بناء العقلاء، إذ ليس شأن العقل هو الحكم بالبقاء و انما شأنه إدراك نفس البقاء ظنا.

و بعبارة أخرى: ان الحكم بالبقاء ليس متعلق الإدراك العقلي بل نفس البقاء هو متعلقه. كما ان العقلاء ليس شأنهم الحكم، بل شأنهم البناء العملي على‏

11

الشي‏ء. و اما صحة الاشتقاق مع اسناده إلى المكلف فسيأتي توجيهه في التعريف المختار.

و اما الرابع و هو تعريفه: بأنه الحكم الشرعي ببقاء الإحراز السابق من حيث الجري العملي: فهو مضافا إلى اختصاصه بما إذا اعتبر من باب الاخبار باعترافه (قدس سره)، تعريف له بما سيأتي المناقشة فيه و ما هو محل النقض و الإبرام.

و اما الثاني و هو تعريفه: بأنه كون الشي‏ء متيقن الحدوث مشكوك البقاء، الّذي حكم الشيخ بزيفه، فقد ارتضاه المحقق النائيني بناء على كون الاستصحاب من الأمارات الظنية و وجهه بما أشار إليه الشيخ: من ان ما يوجب الظن بالبقاء و يكشف عنه بالكشف الظني هو ذلك‏ (1).

و لكن فيه: ان ما يوجب الظن بالبقاء ليس هو اليقين السابق و الشك اللاحق، بل هو غلبة بقاء الحادث، فانه بملاحظة ان ما يحدث يبقى مستمرا بحسب الغالب يحصل الظن في المورد المشكوك بإلحاقه بالغالب.

و لا يخفى عليك انه لا دخل لليقين بالحدوث في ذلك أصلا، بل الملازمة الغالبة بين نفس الحدوث و البقاء.

إذن فليس اليقين من موجبات الظن كي يعرف الاستصحاب به. نعم أثر اليقين بالحدوث كأثر اليقين بسائر الأمور ذوات الأثر في كونه كاشفا عن موضوع الأثر، فهو طريق و محرز لمصداق من مصاديق الظن الناشئ من قبل الغلبة. فتدبر و لا تغفل.

و الّذي نراه في تعريف الاستصحاب ان يقال: انه نفس بقاء المتيقن السابق عند الشك، و يراد به ثبوت الحكم في مرحلة البقاء، و لعله إليه يرجع تعريفه بالإبقاء المفسر بالحكم بالبقاء، و يكون التعبير بالحكم بالبقاء نظير

____________

(1) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم أجود التقريرات 2- 343- الطبعة الأولى.

12

التعبير بالحكم بالحرمة أو الوجوب، مع ان الحرمة نفس الحكم.

و كيف كان، فتعريفه بما ذكرنا ينسجم مع جميع مدارك الاستصحاب فالشارع يحكم بثبوت المتيقن عند الشك في بقائه و هو معنى بقاء المتيقن.

كما ان بناء العقلاء العملي على بقاء المتيقن السابق، و ما يدركه العقل ظنا، هو البقاء.

و اما الاشتقاق المسند إلى المكلف، كقولك: «استصحبت الحكم الفلاني»، فهو على هذا التعريف لا يخلو عن مسامحة، إذ المستصحب هو الحاكم لا المكلف.

لكن هذه المسامحة لا بد منها على جميع التعاريف غير تعريفه بالإبقاء العملي.

فإذا فرض عدم صحة الالتزام بتعريفه بالإبقاء العملي كما تقدم، فلا محيص عن الالتزام بهذه المسامحة، فيقال: ان المراد من: «استصحبت» هو التمسك بالاستصحاب و الاستناد إليه و نحو ذلك.

و اما إطلاق الحجة عليه، فهو صحيح بناء على ما تقدم في أوائل مباحث الظن، من ان الحكم الظاهري حكم طريقي- و يصطلح عليه بالحكم الأصولي- يلحظ فيه تنجيز الواقع و إيصال الواقع. فانه على هذا يترتب عليه التنجيز و التعذير عقلا و هذا هو معنى الحجية.

و من الواضح ان الحكم الاستصحابي حكم ظاهري طريقي، و لذا ينطبق الاستصحاب في موارد الأحكام غير الإلزامية كالإباحة و الاستحباب، فيكون النهي عن النقض كناية عن بقاء الحكم السابق كما كان، لا انه نهي حقيقي و تحريم للنقض العملي حقيقة، و إلّا لما انطبق على موارد الترخيص إذ لا يجب الفعل أو الترك فيها، و لا يقصد من حرمة النقض فيها سوى إيصال الحكم الواقعي و التنجيز أو التعذير. فلاحظ.

13

ثم انه لا بد من تقييد تعريف الاستصحاب ببعض الخصوصيات من اليقين السابق و الشك اللاحق و غير ذلك مما يظهر تقومه به.

هذا تمام الكلام في تعريف الاستصحاب، و قد طال الكلام فيه مع انه لا يستحق الإطالة لعدم الأثر العملي المترتب عليه كما لا يخفى.

الأمر الثالث: في كون مسألة الاستصحاب أصولية أو لا؟.

الّذي يظهر من الشيخ (رحمه الله) التوقف في كونها أصولية على تقدير استفادتها من الاخبار (1).

و التحقيق: انك عرفت في مبحث ضابط المسألة الأصولية: ان المسألة الأصولية هي المسألة التي تتكفل رفع التردد في مقام العمل، و بذلك افترقت عن المسألة الفقهية، و هي ما كان نظرها إلى نفس المحتمل بوضوح.

و عليه، فيكون الاستصحاب من مباحث الأصول كما مر بيانه فراجع‏ (2).

و قد عرفت هناك انه لا يختلف الحال بين ما يجري في الشبهات الحكمية أو يجري في الشبهات الموضوعية، و ان تخصيص المسألة الأصولية بما يجري في الشبهات الحكمية بلا موجب.

و لو فرض عدم كون الأصل الجاري في الشبهات الموضوعية من علم الأصول، فهو لا ينافي كون الجاري في الشبهات الحكمية منه، فيكون الاستصحاب بلحاظ جريانه في الشبهات الحكمية مسألة أصولية لاندراجه في ضابطها. و بلحاظ جريانه في الشبهات الموضوعية مسألة فقهية. و لا مانع من كون مسألة واحدة ذات جهتين بلحاظ تعدد موردها بعد عموم دليلها، نظير مسألة حجية خبر الواحد بناء على شموله للاخبار بالموضوعات و عدم اختصاصه بالاحكام.

____________

(1) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 319- الطبعة الأولى.

(2) راجع 1- 28 من هذا الكتاب.

14

هذا تحقيق الكلام في هذه الجهة باختصار و لا تحتاج إلى إطالة.

و اما ما تمسك به صاحب الكفاية في إثبات عدم كون مسألة الاستصحاب فقهية: بان مجراها قد يكون حكما أصوليا كالحجية (1).

فهو لا يخلو عن غرابة، إذ الشيخ (رحمه الله) قد تعرض إلى ذلك و بيّن انه قد يكون مجرى المسألة الفقهية مسألة أصولية، كقاعدة نفي الحرج التي تجري في نفي الفحص عن المعارض للعموم إلى حد القطع بالعدم، كما انها تجري في نفي الاحتياط في مقدمات دليل الانسداد (2) فتدبر.

الأمر الرابع: في الفرق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين و قاعدة المقتضي و المانع‏

. فانها جميعا تشترك في ثبوت اليقين و الشك فقد يتخيل ان الدليل المتكفل لعدم نقض اليقين و الشك يتكفل اعتبار هذه القواعد الثلاث، فلا بد من بيان خصوصيات الفرق بينها موضوعا.

ثم يبحث عن شمول دليل الاستصحاب لها أو أنه يختص بالاستصحاب.

فنقول: اما الاستصحاب فموضوعه: ان يتعلق اليقين بشي‏ء و يتعلق الشك في بقائه من دون اعتبار تقدم اليقين زمانا و عدمه.

و اما قاعدة اليقين فموضوعها: ان يتعلق اليقين بشي‏ء في زمان معين ثم يشك بعد ذلك في نفس ذلك الشي‏ء بلحاظ ذلك الزمان، كما إذا تعلق اليقين بعدالة زيد في يوم الجمعة ثم زال ذلك اليقين و شك في يوم الاثنين انه عادل يوم الجمعة أو لا، و يعبر عنه بالشك الساري. فمتعلق اليقين و الشك أمر واحد بجميع خصوصياته، و انما الاختلاف في زمان نفس اليقين و الشك. على خلاف الاستصحاب، فان متعلق اليقين و الشك يختلفان زمانا و ان اتحدا ذاتا.

____________

(1) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 385- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 320- الطبعة الأولى.

15

و اما قاعدة المقتضي و المانع فموضوعها: ان يتعلق اليقين بوجود المقتضي للأثر و يشك في وجود المانع عنه، فمتعلق اليقين و الشك في هذه القاعدة مختلفان ذاتا، كما لو فهم من لسان الأدلة ان ملاقاة الماء للنجس مقتضي للانفعال، و ان الكرية مانعة، فلاقى ماء مشكوك الكرية شيئا نجسا، فانه بناء على اعتبار قاعدة المقتضي و المانع- كما بنى عليها بعض المحققين- يلتزم في المثال بنجاسة الماء.

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى بعد ذكر أدلة الاستصحاب البحث عن إمكان استفادة هاتين القاعدتين منها كما انه يبحث عن وجود دليل مستقل عليهما.

فانتظر.

الأمر الخامس: في تقسيمات الاستصحاب.

و قد نوع الشيخ (رحمه الله) تقسيمات الاستصحاب بلحاظ نفس المستصحب من كونه وجوديا أو عدميا- و في خصوص استصحاب عدم التكليف من العدميات كلام برأسه تقدمت الإشارة إليه في مسألة البراءة و سيجي‏ء البحث عنه في البحث عن استصحاب الحكم الكلي إن شاء اللّه تعالى-، أو كونه حكما شرعيا كليا أو جزئيا، و كونه موضوعا خارجيا و غير ذلك. و بلحاظ الدليل الدال على المستصحب في زمان اليقين من كونه إجماعا أو غيره، أو كونه دليلا عقليا أو شرعيا، و نحو ذلك. و بلحاظ الشك في البقاء من كون منشئه الشك في المقتضي أو الشك في الرافع و نحو ذلك‏ (1).

و لا يهمنا التعرض إلى هذه التقسيمات لوضوح بطلان بعضها بعد ملاحظة الأدلة، انما المهم منها ثلاثة وقعت مورد النقض و الإبرام من قبل المحققين.

____________

(1) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 322- الطبعة الأولى.

16

التقسيم الأول: التفصيل بين الحكم الشرعي المستفاد من العقل و غيره، فلا يجري في الأول. و قد قربه الشيخ (رحمه الله)(1).

التقسيم الثاني: التفصيل بين الأحكام الكلية الشرعية و بين الموضوعات الخارجية و الأحكام الجزئية، فلا يجري في الأول و قد بنى عليه من المتأخرين السيد الخوئي (حفظه اللّه) (2).

التقسيم الثالث: التفصيل بين ما كان الشك ناشئا من الشك في المقتضي و بين ما كان ناشئا من الشك في الرافع، فلا يجري في الأول. و قد بنى عليه الشيخ‏ (3) و تابعة عليه غيره‏ (4). و قد وقع الكلام في المراد بالمقتضي.

فلا بد من تحقيق الكلام في هذه الأقوال و لنتعرض الآن إلى.

التفصيل الأول‏

و قد يقرب بوجوه:

الوجه الأول: ان الحكم العقلي مبين مفصل محدد الموضوع، باعتبار ان الحاكم لا يمكن ان يتردد في حدود حكمه و مقدار سعته. و على هذا يكون الحكم الشرعي المستند إليه معلوم الموضوع بحدوده، و في مثل ذلك يمتنع الاستصحاب.

اما لأجل انّ الشك في البقاء لا بد و ان يكون ناشئا من الشك في بقاء الموضوع، إذ لو كان الموضوع باقيا بخصوصياته لما حصل الشك، و مع الشك في بقاء الموضوع لا يصح إجراء الاستصحاب، لما سيأتي من اعتبار بقاء الموضوع فيه.

____________

(1) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 325- الطبعة الأولى.

(2) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 36- الطبعة الأولى.

(3) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 328- الطبعة الأولى.

(4) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 378- الطبعة الأولى.

17

و اما لأجل امتناع الشك في البقاء، لأن الموضوع ان كان موجودا كان الحكم موجودا لا محالة، و ان لم يكن موجودا ارتفع الحكم لا محالة، لارتفاع الحكم بعدم موضوعه، فلو فرض ثبوت حكم شرعي و الحال هذه فهو حكم جديد حادث لموضوع جديد، لا بقاء لذلك الحكم.

و هذا التقريب يمكن رده:

اما دعوى ان الشك في بقاء الحكم لا بد و ان يكون ناشئا من الشك في بقاء الموضوع بسبب احتمال تغير بعض ما له دخل في الحكم. فتندفع: بان الموضوع الّذي يعتبر بقاؤه في جريان الاستصحاب هو الموضوع العرفي و ما يراه العرف معروضا للحكم بحسب مناسباته الذهنية دون الموضوع الدقي العقلي و هو كل ما له دخل في الحكم.

و من الواضح ان الموضوع بنظر العرف قد يكون باقيا حتى مع الجزم بزوال بعض الخصوصيات الملحوظة في حدوث الحكم، فضلا عن صورة احتمال زوالها، لأنها بنظره جهة تعليلية لا تقييدية.

و اما دعوى امتناع الشك في البقاء بالبيان المتقدم. فتندفع بما أفاده في الكفاية و تبعه غيره من ان زوال حكم العقل بزوال بعض الخصوصيات المقومة للحكم بنظره لا يستلزم زوال حكم الشرع في تلك الحال، لاحتمال انّ الخصوصية الزائلة غير دخيلة في ملاك الحكم واقعا، و قد اطلع الشارع على ذلك لإحاطته بالأمور فيكون حكمه باقيا لبقاء ملاكه، و لم يطلع العقل عليه لقصور إدراكه فلم يحكم عند زوالها. و لا ينافي ذلك الالتزام بالملازمة بين الحكمين، إذ المقصود بها الملازمة بينهما في مقام الإثبات لا مقام الثبوت، فلا يمتنع ان يحكم الشارع بشي‏ء من دون ان يحكم به العقل، فتدبر (1).

____________

(1) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 386- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

18

الوجه الثاني: ان الخصوصيات المأخوذة في الحكم العقلي كلها خصوصيات تقييدية مأخوذة في الموضوع قيدا و لم تلحظ علة لثبوت الحكم لمعروضه، فموضوع الحكم العقلي بقبح الصدق في حال الإضرار، هو الصدق بقيد كونه مضرا، لا ان موضوعه هو الصدق و علته الإضرار.

و عليه، فالشك في بقاء الخصوصية يستلزم الشك في الموضوع قهرا.

و هذا الوجه و ان لم يذكر في الكلمات في المقام، لكن يمكن ان يستفاد من بعض كلمات المحقق الأصفهاني في مبحث مقدمة الواجب‏ (1)، حيث التزم هناك بان عنوان المقدمية جهة تقييدية لا جهة تعليلية كما يراه صاحب الكفاية (2).

و على كل فيمكن التنظر فيه من جهتين:

الأولى: ان الأساس الّذي يبتني عليه ليس من المسلمات، فان هناك من لا يرى ان جميع الخصوصيات ملحوظة جهات تقييدية في موارد الأحكام العقلية.

الثانية: انه لو سلم ذلك، فهذا لا ينفع بعد ما عرفت من ان المدار في الموضوع على نظر العرف لا نظر العقل، فكون الخصوصية تقييدية بنظر العقل لا يجدي إذا لم تكن كذلك بنظر العرف، بل كانت من طوارئ الموضوع و حالاته بنظره.

نعم، لو قلنا بان المدار على الموضوع المأخوذ في دليل الحكم لأجدى ما ذكر، إذ دليل الحكم على الفرض هو العقل، و المفروض ان الخصوصية بحسبه مقومة.

الوجه الثالث: دعوى ان الخصوصية المتبدلة أو المشكوكة مقومة بنظر العرف، فلا مجال للاستصحاب حينئذ. و ذلك بأحد بيانين:

البيان الأول: ان الكلام فيما نحن فيه في الأحكام العقلية المستتبعة لحكم‏

____________

(1) الأصفهاني المحقّق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 347- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 90- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

19

الشرع- بناء على الملازمة-، و هي تختص بأحكامه في باب التحسين و التقبيح.

و عليه فنقول: ان كل خصوصية تكون دخيلة في حكم العقل بالحسن أو القبح، فهي تكون قيدا لفعل المكلف المحكوم بالحسن أو القبح لا قيدا في الموضوع. و بعبارة أخرى: ان الخصوصيات المأخوذة في حكم العقل العارض على فعل المكلف مأخوذة قيدا لمتعلق الحكم لا لموضوعه، فلا محالة يتقيد متعلق الحكم الشرعي المستكشف عن الحكم العقلي بتلك الخصوصيات تبعا للحكم العقلي.

فإذا حكم العقل بقبح الصدق الضار، كان متعلق الحكم الشرعي بالحرمة هو الصدق المضر.

و قد تقرر ان كل خصوصية تؤخذ في المتعلق تكون مقومة بنظر العرف، و ليس الحال فيه كالحال في الموضوع. فمع الشك في تلك الخصوصية يمتنع الاستصحاب، و سيأتي بيان هذه الجهة في محله.

البيان الثاني: ان الحكم العقلي بالقبح لم يتعلق بالصدق- مثلا- حال إضراره كي يقع الكلام في ان جهة الضرر مقومة عرفا أو ليست مقومة، بل ليس لدينا إلّا الحكم العقلي بحسن الإحسان و قبح الظلم. و الحكم بقبح الصدق المهلك أو حسن الكذب النافع، من باب ان الأول مصداق الظلم القبيح عقلا و الثاني مصداق الإحسان الحسن عقلا، لا ان الحكم العقلي بالقبح تعلق بالصدق مباشرة بملاحظة إضراره.

اذن فمتعلق الحكم العقلي هو نفس الخصوصية، و هذه الأفعال مصاديق للخصوصية و يتبعه في ذلك الحكم الشرعي، فالحرام هو الظلم و المحبوب هو الإحسان.

و عليه، فمع الشك في بقاء الخصوصية يشك في ثبوت متعلق الحكم مباشرة فلا معنى للاستصحاب. فهو نظير استصحاب حرمة ما ثبت حرمته بالدليل‏

20

الشرعي عند الشك في انطباق موضوع الحرمة عليه، كما لو كان كلام كذبا، ثم شك في أنه كذب أو ليس بكذب، فانه لا معنى لاستصحاب حرمته مع الشك المزبور.

و هكذا الحال في الشبهة الحكمية كما لو فرض زوال عنوان الظلم عن الصدق، و مع هذا احتمل ان يبقى على حرمته، فانه لا معنى لاستصحاب حرمته، إذ متعلق الحرمة السابقة زال قطعا، و الصدق فعلا ليس من افراده جزما، فيمتنع صدق البقاء. فتدبر.

و هذا الوجه ببيانيه متين لا دافع له، و هو مما يمكن استفادته من عبارة الشيخ (رحمه الله) خصوصا بالبيان الأول- لقوله: «لأن الجهات المقتضية للحكم العقلي للحسن و القبح كلها راجعة إلى قيود فعل المكلف»- و ان كانت لا تخلو عن نوع إجمال‏ (1).

و منه تعرف بعد ما أفاده صاحب الكفاية و غيره عنه و عدم ارتباطه به.

و بالجملة: التأمل في كلام الشيخ يقتضي ان يستظهر ان مراده ما ذكرناه، لا ما فهمه الأعلام (قدس اللّه سرهم) و اللّه سبحانه العاصم العالم.

ثم انه لا فرق فيما ذكرنا بين الشبهة الحكمية و الشبهة الموضوعية المصداقية.

إلا انه قد يتخيل في موارد الشبهة المصداقية التمسك بالاستصحاب الموضوعي فيحرز به بقاء الخصوصية للفعل، فيقال: كان الصدق مضرا فالآن كذلك، و بذلك يثبت له الحكم.

و لكنه تخيل فاسد، إذ هذا الاستصحاب من الاستصحاب التعليقي، لأن الخصوصية انما تعرض على الفعل عند وجوده، فالصدق انما يكون مضرا إذا وجد، فالذي يقال في مقام الاستصحاب: كان الصدق مضرا لو وجد فالآن‏

____________

(1) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 325- الطبعة الأولى.

21

كذلك.

و الاستصحاب التعليقي و ان كان مثار خلاف، لكن ذلك في الاستصحاب الحكمي، اما الموضوعات فلا يلتزم بصحة الاستصحاب التعليقي فيها بالاتفاق، فمن يقول بالاستصحاب التعليقي في الأحكام لا يقول به في الموضوعات.

و قد أطال المحقق العراقي (قدس سره) في بيان كلام الشيخ و مناقشته‏ (1).

و أنت إذا لاحظت ما ذكرناه تعرف ان ما أفاده (قدس سره) أجنبي عن كلام الشيخ فراجع تعرف.

الوجه الرابع: ان المحقق الأصفهاني (رحمه الله) ذهب إلى منع جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستفاد من حكم العقل، لكن ببيان آخر غير ما أفاده الشيخ (رحمه الله) بالتوجيه الّذي عرفته.

فقد أفاد (قدس سره): انه مع الشك في الخصوصية يقطع بزوال الموضوع، و هو مستلزم للقطع بزوال الحكم، بيان ذلك: ان الحكم العقلي بالقبح ليس متعلقه هو الفعل مع الخصوصية بوجودها الواقعي، بل بوجودها العلمي، فالصدق المضر المعلوم إضراره قبيح، لا ذات الصدق المضر و ان لم يعلم إضراره، و الوجه فيه: ان القبح لا يتعلق إلّا بالفعل الاختياري الصادر عن التفات و عمد و قصد، فلا يثبت الا في مورد العلم.

و عليه، فمع الشك في بقاء خصوصية الإضرار يقطع بعدم موضوع القبح، و هو العلم بالضرر، فيعلم بعدم القبح العقلي و يتبعه عدم الحكم شرعا لانتفاء مناطه‏ (2).

و يتوجه عليه (قدس سره) أمور:

الأمر الأول: ظاهر كلامه اختصاص الكلام في الشبهة الموضوعية، و قصر

____________

(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار 4- 19 القسم الأول- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

(2) الأصفهاني المحقّق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية. 3- 9- 10- الطبعة الأولى.

22

الكلام على الشبهة الموضوعية دون الحكمية بلا وجه. و الوجه الّذي ذكره لا يتأتى في الشبهة الحكمية، بل يختص بالشبهة الموضوعية، إذ ليس منشأ الشك في الشبهة الحكمية هو الشك في بقاء الخصوصية كي يقال ان العلم بالخصوصية دخيل و هو مفقود مع الشك، بل يعلم بزوال الخصوصية، و انما يشك في بقاء الحكم لاحتمال ان الخصوصية تأثر بحدوثها في بقاء الحكم، فلا بد في نفي الاستصحاب في الشبهة الحكمية من الالتزام بأن الخصوصية علة حدوثا لا بقاء.

و بالجملة: الملاك الّذي ذكره في الاستصحاب في الشبهة الموضوعية لا يتأتى في الشبهة الحكمية. كما لا يخفى، فلاحظ.

الأمر الثاني: ان ما أفاده من زوال الموضوع جزما عند الشك في الخصوصية غير تام، إذ إناطة القبح بالفعل الاختياري مسلم لكن الاختيار و القصد لا يتوقف على العلم، بل يتوقف على مجرد الالتفات المتحقق عند الشك، فمثلا لو رأى شخص شبحا و تردد انه إنسان أو جدار فوجه إليه بندقته و رماه برصاصة فتبين انه إنسان و قتل بتلك الرمية، فانه يترتب على فعله آثار الفعل الاختياري العقلية و الشرعية مع عدم علمه بأنه قتل و ظلم.

و عليه، فمع الشك في ان الصدق مضر أو لا، لا يقطع بزوال الموضوع لتحقق الالتفات و القصد معه. فتدبر.

الأمر الثالث: سلمنا أخذ العلم في الموضوع و زواله عند الشك، لكن لا بد من تحقيق ان هذه الخصوصية الزائلة هل هي مقومة بنظر العرف أو ليست مقومة، و مجرد دخلها في موضوع الحكم العقلي لا أثر له من هذه الناحية، و لا يستلزم منع الاستصحاب مع الشك في بقاء الحكم و الحالة هذه. فالتفت.

ثم ان الشيخ (رحمه الله) ذكر: ان لا فرق في عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية المستندة إلى الأحكام العقلية بين ان تكون وجودية أو عدمية، مع استناد العدم إلى القضية العقلية، كعدم وجوب الصلاة على ناسي‏

23

السورة، فانه لا يجوز استصحابه عند زوال النسيان، و لا وجه للتمسك به في إثبات الاجزاء (1) كما صدر عن بعض.

نعم لو لم يكن العدم مستندا إلى القضية العقلية، و ان كان في موردها، فلا بأس باستصحابه كاستصحاب البراءة و النفي.

كما ان المحقق الأصفهاني (قده) بعد ان ذكر ما تقدم منه، و اختار التفصيل بين أحكام العقل النظريّ فيجري الاستصحاب في الحكم الشرعي المستند إليه، و أحكام العقل العملي فلا يجري الاستصحاب للبيان المتقدم، قال:

«ثم انه لا فرق فيما ذكرنا منعا و جوازا بين استصحاب الوجود و استصحاب العدم إذا كانا مستندين إلى القضية العقلية التي مفادها حكم العقل العملي، كاستصحاب الوجوب و الحرمة المستندين إلى حسن الفعل و قبحه. و استصحاب عدم الوجوب و الحرمة إذا استند إلى قبح تكليف غير المميز إيجابا و تحريما ...» (2).

أقول: يرد على الشيخ (رحمه الله) ان استصحاب عدم الوجوب المترتب سابقا على النسيان يختلف عما أفاده سابقا، فانه و ان كان مورد النسيان يشترك مع ما تقدم في ثبوت الحكم بالقبح، إلّا ان القبح هناك متعلق بفعل المكلف، و قد عرفت ان الخصوصية الدخيلة في القبح اما من قيود الفعل المتعلق و اما هي نفس المتعلق. و القبح هنا متعلق بفعل المولى الشارع، و لا يخفى ان المكلف بالإضافة إلى التكليف من قبيل الموضوع لا من قبيل المتعلق. اذن فالنسيان مأخوذ في موضوع عدم التكليف لا في متعلقه.

و عليه، فلا يتأتى الوجهان السابقان في منع الاستصحاب هاهنا، لأنهما يتفرعان عن كون الخصوصية المقومة للقبح العقلي، اما نفس المتعلق أو دخيلة فيه. و ليس النسيان كذلك.

____________

(1) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 325- الطبعة الأولى.

(2) الأصفهانيّ المحقّق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 11- الطبعة الأولى.

24

و من هنا يظهر انه لا يظهر عدم جريان الاستصحاب في مورد النسيان مما ذكره سابقا، بل لا بد من تحقيق ان النسيان مقوم للموضوع عرفا أو لا؟.

و من هنا يتبين الإشكال فيما أفاده المحقق الأصفهاني (رحمه الله)، فان الحكم بقبح تكليف الناسي و ان كان من حكم العقل العملي، لكن ما تقدم يرتبط بما إذا كان حكم العقل العملي يرتبط بعمل المكلف نفسه. و قد عرفت ان متعلق القبح هاهنا هو فعل المولى، و لا يتأتى فيه ما تقدم، إذ أي معنى لأن يقال هاهنا انه مع الشك في الخصوصية يعلم بزوال الموضوع لتقومه بالعلم و مع الشك لا علم؟، فانه لا يتصور الشك بالنسبة إلى اللّه سبحانه.

نعم، نحن نشك فيما هو فعل اللّه سبحانه من التكليف و عدمه عند الشك في الخصوصية.

و ما أفاده (قدس سره) أجنبي عن عدم جريان الاستصحاب في ذلك، فتدبر و لا تغفل.

ثم انه يمكن الالتزام بجريان استصحاب عدم التكليف في مورد النسيان و لو مع فرض خصوصية النسيان خصوصية مقومة للموضوع أو للمتعلق، مع قطع النّظر عما تقدم في البراءة من المناقشة في استصحاب عدم التكليف بقول مطلق و لو لم يستند إلى القضية العقلية.

و ذلك بوجهين:

الأول: استصحاب عدم الجعل بلحاظ حال ما قبل الشرع بتقريب: انه قبل الشرع لم يكن هناك جعل بالنسبة إلى هذا الموضوع الخاصّ و هو الشخص بعد زوال نسيانه، و بعد الشرع يشك في ثبوت الجعل بالنسبة إليه فيستصحب عدمه.

و قد تقدمت الإشارة إليه في مبحث الأقل و الأكثر (1) و سيجي‏ء تحقيقه في‏

____________

(1) راجع 5- 230 من هذا الكتاب.

25

مبحث جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية، حيث ادعى: معارضتها باستصحاب عدم الجعل.

الثاني: استصحاب عدم المجعول بالنسبة إلى الموضوع الخاصّ بمفاد ليس التامة بتقريب: ان هذا الموضوع الخاصّ و هو المكلف بعد زوال نسيانه لم يكن الحكم الفعلي في حقه ثابتا قبل تحققه، فالحكم الفعلي للمتعلق له منتف لانتفاء موضوعه، و بعد وجوده و تحققه يشك في ثبوت حكم فعلي له، فلا يمكن ان يقال: هذا الشخص لم يكن التكليف في حقه ثابتا فالآن كذلك- بمفاد ليس الناقصة المعبر عنه بالعدم النعتيّ-، إذ لا حالة سابقه له و لكن يمكن ان يقال:

الوجوب المتعلق بهذا الشخص لم يكن ثابتا فالآن كذلك- بمفاد ليس التامة المعبر عنه بالعدم المحمولي- نظير إجراء الاستصحاب في الاعدام الأزلية المتقدم بيانه في مبحث العموم و الخصوص‏ (1)، و ان لم يكن منه اصطلاحا. و يترتب على هذا الأصل عدم لزوم الامتثال عقلا. فتدبر.

و المتحصل: ان استصحاب الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي بالتحسين و التقبيح لا نلتزم بجريانه تبعا للشيخ، لكن في غير ما كان من قبيل حكم العقل بقبح تكليف الناسي، بل في غير الحكم العدمي مطلقا، لإمكان إجراء الاستصحاب في العدمي بالتقريبين المتقدّمين، و لا إشكال فيه من ناحية استناده إلى الحكم العقلي.

و ورود الإشكال فيه من ناحية أخرى لو ثبت، كلام آخر أجنبي عما نحن فيه.

هذا تمام الكلام في هذا التفصيل.

و اما باقي التفصيلات فسيأتي البحث فيها بعد أدلة الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) راجع 3- 365 من هذا الكتاب.

26

الأمر السادس‏

: لا يخفى ان المعتبر في الاستصحاب هو الشك في البقاء.

و قد تعرض الشيخ (رحمه الله) إلى بيان ان المراد: هو الشك الفعلي الموجود حال الالتفات، فلو لم يكن ملتفتا لم يجر الاستصحاب و ان فرض حصول الشك له على تقدير الالتفات.

و فرع على ذلك فرعين:

الفرع الأول: ان المتيقن للحدث إذا التفت إلى حاله في اللاحق و شك في بقاء الحدث و عدمه جرى الاستصحاب في حقه، فلو غفل عن ذلك و صلى بطلت صلاته لسبق الأمر بالطهارة، و لا تجري في حقه قاعدة الفراغ المصححة للعمل، لكون مجراها الشك الحادث بعد الفراغ لا الموجود من قبل.

الفرع الثاني: ان المتيقن للحدث لو غفل عن حاله و صلى ثم التفت بعد الصلاة و شك في انه تطهر قبل الصلاة أو لا؟، تجري في حقه قاعدة الفراغ، لأن الشك حادث بعد العمل لا قبله، كي يوجب الأمر بالطهارة و النهي عن الدخول في الصلاة بدونها.

نعم، هذا الشك المتأخر يوجب الإعادة بحكم الاستصحاب، لكنه محكوم لقاعدة الفراغ‏ (1).

و هذا المطلب بعينه ذكره في الكفاية في التنبيه الأول، و لكنه في الفرض الأول حكم ببطلان الصلاة لكونه محدثا بحكم الاستصحاب، مع القطع بعدم رفع حدثه الاستصحابي‏ (2).

و لم يتعرض لقاعدة الفراغ فيه بقليل و لا بكثير، فكان عدم جريانها فيه مفروغ عنه لديه.

أقول: لا بد من التنبيه على أمور ثلاثة يتضح بها ان ما أفاده الشيخ في غير محله.

____________

(1) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 321- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 404- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

27

الأمر الأول: ان اعتبار فعلية الشك في جريان الاستصحاب و عدم الاكتفاء بالتقدير له طريقان:

أحدهما: عرفي، و هو دعوى ان ظاهر دليل الاستصحاب اعتبار الشك في موضوعه، و ظاهر كل امر مأخوذ في الموضوع إرادة الفرد الفعلي منه، فإذا قال:

«أكرم العالم»، كان ظاهره عرفا إكرام المتصف بالعلم فعلا لا فرضا و تقديرا. و لذا قيل أن فعلية الحكم بفعلية موضوعه.

و عليه فالظاهر من دليل الاستصحاب عرفا إرادة الشك الفعلي.

ثانيهما: عقلي، و هو دعوى ان دليل الاستصحاب يتكفل جعل حكم ظاهري أصولي يقصد به رفع الحيرة في مقام العمل، و ما كان كذلك، لا يثبت إلّا مع الالتفات، إذ بدون الالتفات لا حيرة في التكليف و لا معنى لتنجيز الواقع عليه أو التعذير عنه.

و عليه، نقول ان كان نظر الشيخ، و صاحب الكفاية في اعتبار فعلية الشك إلى الوجه الثاني العقلي. فيرد عليهما: ان الاستصحاب لا يجري مع زوال الالتفات، بل لا بد في استمرار جريانه من استمرار الالتفات. و عليه فلا فرق بين الفرضين في عدم كون المكلف مجريا لاستصحاب الحدث حال الصلاة، لأنه غافل عن الحدث حالها. فالتفرقة بينهما في غير محلها.

و ان كان نظرهما إلى الوجه الأول العرف- كما هو الظاهر لالتزامهما بجريان الاستصحاب مع الشك ثم الغفلة عنه و قد عرفت ان هذا لا يتم على الوجه الثاني مع ان الجهة الثانية راجعة إلى الشرائط العامة للتكليف، فان من الشرائط العامة عدم الغفلة، و هو أجنبي عن خصوص الاستصحاب، فلا يناسب تخصيص الكلام به-، فالفرق بين الفرضين و ان كان موجودا ببيان انه في الفرض الأول و ان عرضت الغفلة بعد الشك، لكن ذلك لا ينافي استمرار الشك بوجود ارتكازي، كسائر الصفات النفسيّة من الإرادة و العلم التي يكون لها وجود ارتكازي يجامع الغفلة بعد حدوثها عن التفات، فيكون الشك موجودا

28

ارتكازا، فيكون مجرى الاستصحاب حال الصلاة.

لكن يرد عليهما- على هذا التقدير:- ان هذه الدعوى تتم بناء على الالتزام بموضوعية اليقين و الشك بما هما وصفان في باب الاستصحاب، بحيث يتعلق الجعل بوصف اليقين.

اما بناء على الالتزام بان المجعول في الاستصحاب هو الحكم المماثل، أو الملازمة بين الحدوث و البقاء- كما يظهر من صاحب الكفاية- (1) المعبر عنها في كلام البعض بان الحادث يدوم، بحيث لا يكون لليقين و الشك موضوعية، بل هما طريقان للمتيقن و المشكوك. فلا يتم هذا الكلام، لأن اليقين و الشك لا موضوعية لهما، بل يكون الاستصحاب حكما ظاهريا ثابتا في الواقع للحادث عند حدوثه، مع قطع النّظر عن اليقين و الشك. نعم، اليقين طريق إليه كسائر الأحكام الشرعية الثابتة لموضوعاتها.

و بالجملة: لا موضوعية للشك حتى يبحث في ان المراد به الشك الفعلي أو التقديري.

الأمر الثاني: انه قد وقع الكلام في انه هل تجري قاعدة الفراغ مع العلم بالغفلة عن المشكوك حال العمل، أو يختص جريانها بصورة الشك في عروض الغفلة له؟.

فنقول: انه بناء على الثاني و عدم جريانها في صورة العلم بالغفلة لا مجال لقاعدة الفراغ في كلا الفرضين، إذ المفروض فيهما معا غفلة المكلف حال العمل، و معه، لا تجري قاعدة الفراغ جرى الاستصحاب في حقه أو لم يجر فلا يكون التفريع المزبور متجها على هذا المبنى الّذي لا يخلو من قوة.

الأمر الثالث: انه من المسلم لدى الكل ان قاعدة الفراغ انما تجري في مورد الشك الحادث بعد العمل، اما إذا حدث قبل العمل فلا تجري فيه قاعدة

____________

(1) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 414- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

29

الفراغ لقصور دليلها كما يبين في محله.

و عليه، نقول: ان قاعدة الفراغ في الفرض الأول لا تجري لأجل حدوث الشك قبل العمل بلا ارتباط بجريان الاستصحاب و عدمه، فالحكم ببطلان الصلاة استنادا إلى الاستصحاب السابق على العمل و عدم جريان قاعدة الفراغ بسببه غير سديد، بل الصلاة باطلة بمجرد عدم جريان القاعدة سواء جرى الاستصحاب قبلها أم لا؟. إما لأجل قاعدة الاشتغال أو الاستصحاب اللاحق.

هذا و لكن التحقيق يقتضي ان الشك الحادث بعد في الفرض الأول شك بعد العمل لا قبله، و ذلك لأن موضوع قاعدة الفراغ هو الشك في الصحة الناشئ من الشك في اختلال بعض ما يعتبر في العمل من الاجزاء و الشرائط.

و لأجل هذه الجهة منع البعض من كون قاعدة الفراغ قاعدة برأسها في قبال قاعدة التجاوز، فانه ما من مورد يشك في صحة العمل فيه الا و كان السبب فيه الشك في إتيان الجزء و الشرط في محله، و هو مجرى قاعدة التجاوز، فلا تصل النوبة إلى قاعدة الفراغ، لأن الشك فيها مسبب عما هو موضوع لقاعدة التجاوز (1).

و قد حاول آخرون تصحيح تعدد القاعدة (2) و البحث موكول إلى محله.

و المهم بيان: ان موضوع قاعدة الفراغ هو الشك في صحة العمل، لا الشك في وجود الجزء أو الشرط.

و عليه، نقول: انه إذا التفت إلى انه محدث أو متطهر- قبل العمل- و أجرى الاستصحاب، ثم غفل عن ذلك و دخل في العمل، فهو في أثناء العمل ليس شاكا في صحة العمل، لغفلته، و شكه الارتكازي حال الغفلة انما هو في‏

____________

(1) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 467- الطبعة الأولى.

(2) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 279 الطبعة الأولى.

30

حدثه و طهارته، و هو غير الشك في صحة العمل و مطابقته للمأمور به، فإذا التفت بعد الفراغ، فشكه في صحة العمل شك حادث بعد العمل لا في أثنائه، فيكون مقتضى القواعد مجرى لقاعدة الفراغ، و لا فرق بين الفرضين على هذا البيان.

فتعليل عدم جريان قاعدة الفراغ بكون الشك حادثا أثناء العمل- كما أفاده الشيخ‏ (1)- في غير محله. فالوجه الصحيح في نفي جريان قاعدة الفراغ و الحكم ببطلان العمل في الفرض المزبور هو ان يقال: ان الشك الّذي يكون مجرى لقاعدة الفراغ هو الشك في صحة العمل، بمعنى الشك في مطابقة ما أتي به للمأمور به و اما مع العلم بعدم مطابقته لما هو الوظيفة الفعلية عليه و لما هو متعلق الأمر، فلا مجال لقاعدة الفراغ للعلم ببطلان العمل بحسب الوظيفة الفعلية. و ما نحن فيه من هذا القبيل، لأنه بعد ما التفت و أجرى استصحاب الحدث كان مأمورا بالطهارة، و كان محكوما ببطلان صلاته لو جاء بها بحالته التي هو فيها بلا وضوء. و عليه فإذا التفت بعد العمل إلى ذلك فلا شك لديه في صحة العمل، بل يعلم بمخالفة عمله لما هو مقتضى الوظيفة الفعلية عليه، و مثله يكون باطلا.

و لعل هذا هو مراد صاحب الكفاية، من التزامه ببطلان العمل للحدث الاستصحابي‏ (2).

و أما دعوى: ان الحكم الظاهري مجعول بلحاظ التنجيز و التعذير، و ذلك غير معقول مع الغفلة. إذن فلا يمكن أن يجري الاستصحاب في حال غفلته عن الحدث‏ (3).

فهي قابلة للدفع، ببيان: ان المستصحب لو كان من الأحكام التكليفية امتنع أن يجري الاستصحاب حال الغفلة، لعدم قابليته للدعوة و التحريك‏

____________

(1) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 321- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 404- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم أجود التقريرات 2- 351- الطبعة الأولى.

31

و التنجيز. و ليس الحال كذلك في الأحكام الوضعيّة، فانها يمكن ان تحصل في حال الغفلة. و الحدث حكم وضعي، فكما ان الحدث الواقعي يثبت في حق الغافل عنه و لا يزول بغفلته، كذلك الحدث الظاهري لا مانع من ثبوته في حق الغافل، إذ لا تنجيز بالنسبة إلى الأحكام الوضعيّة، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه في حال الغفلة، و يترتب عليه عملا ثبوت المانع للصلاة المأتي بها بحيث لا تكون مطابقة، للأمر الواقعي، أعني ما هو متعلق الإرادة و مورد الغرض و ان لم يكن أمر فعلي في حق الناسي الغافل، كما هو الحال لو كان محدثا واقعا، و لكنه كان غافلا، فانه يحكم ببطلان عمله، لعدم مطابقته للمأمور به، و لا يراد به الأمر الفعلي لعدم ثبوته في حق الغافل، بل يراد به الأمر الواقعي الاقتضائي، أو نفس الإرادة الواقعية.

و هذا المعنى الّذي ذكرناه يكفي مصححا لجريان الاستصحاب و لو كان غافلا عن الحدث، فانه أثر عملي معتد به. فتدبر جيدا و لا تغفل، و اللّه سبحانه العالم العاصم.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

(أدلة الاستصحاب)

و يقع الكلام بعد ذلك في أدلة الاستصحاب.

الدليل الأول: دعوى استقرار بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة

، و بضميمة عدم الردع عنه شرعا، يثبت إمضاء الشارع له بل ادعي قيام سيرة ذوي الشعور من أنواع الحيوان على العمل على طبق الحالة السابقة.

و ناقشه صاحب الكفاية بوجهين:

الوجه الأول: ان المطلوب إثبات بناء العقلاء على ذلك تعبدا، و هو غير ثابت، بل يمكن ان يكون بناؤهم رجاء و احتياطا في مورد موافقة العمل للاحتياط، أو اطمئنانا بالبقاء، أو ظنا نوعيا، أو غفلة عن احتمال الزوال كما هو الحال في الحيوانات و في الإنسان في بعض الأحيان. اما بناؤهم على ذلك في غير مورد الاطمئنان و الظن و مخالفة العمل للاحتياط فلم يثبت.

الوجه الثاني: انه لو سلم ثبوت بناء العقلاء التعبدي على العمل بالحالة السابقة، فهو ليس بحجة ما لم يثبت الإمضاء شرعا، و هو غير ثابت، لكفاية ما دل من الكتاب و السنة على النهي عن اتباع غير العلم في الردع عن مثل ذلك‏ (1).

____________

(1) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 387- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

34

أقول: تقدم منه في مبحث حجية خبر الواحد الاستدلال بالسيرة على حجية الخبر. و مناقشة دعوى ثبوت الردع عنها بالآيات الناهية عن العمل بغير العلم: بان رادعية الآيات للسيرة يستلزم الدور، لأن الأخذ بعموم الآيات يتوقف على عدم تخصيصه بالسيرة، و عدم تخصيصه بها يتوقف على ثبوت الردع عنها.

و ذكر هناك: ان الالتزام بتخصيص العموم بالسيرة أيضا دوري، لأنه يتوقف على عدم الردع عنها، و هو يتوقف على تخصيص السيرة للعموم. لكنه ذكر: بان الدور و ان تحقق من كلا الطرفين، لكنه يكفي في الإمضاء عدم ثبوت الردع و لا يعتبر ثبوت عدمه‏ (1).

و قد نسب إليه وجه آخر ذكره في الحاشية على قوله: «فتأمل» هناك.

ملخصه: انه يمكن الرجوع في إثبات الإمضاء و عدم الردع إلى الاستصحاب، إذ العمل بخير الواحد قبل نزول الآيات كان موردا للإمضاء، فكان حجة، فمع الشك في رادعية الآيات يستصحب حجيته‏ (2).

و الخلاصة: ان له هناك وجهين لنفي رادعية الآيات و إثبات حجية السيرة:

أحدهما: عدم ثبوت الردع عنها بعد ثبوت الدور في تخصيص السيرة للعموم، و في عموم الآيات للسيرة لتوقف كل منهما على عدم الآخر.

و الآخر: الرجوع إلى استصحاب الحجية الثانية قبل نزول الآيات الكريمة.

و لا يخفى ان التزامه بحجية السيرة القائمة على العمل بالخبر استنادا إلى الوجه الثاني لا ينافي عدم التزامه بحجية السيرة في باب الاستصحاب، إذ لا يمكن الاستناد إلى الاستصحاب مع الشك في رادعية الآيات عن السيرة

____________

(1) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول-- 303- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) هامش كفاية الأصول 2- 101.

35

القائمة عليه، لأنه هو موضوع الشك في الإمضاء و محل الكلام فعلا. و هو واضح جدا.

نعم، قد يرد عليه: انه كما لا يمكن التمسك بالاستصحاب هنا لا يمكن التمسك به هناك، إذ مستند الاستصحاب لديه ليس إلا الأخبار و هي لا تخرج عن كونها اخبار آحاد، فيرجع إلى الاستدلال على حجية الخبر بما لم يثبت إلا بخبر الواحد.

و اما الوجه الأول: فهو مما يمكن تطبيقه هنا، إذ إشكال الدور يتأتى بعينه هنا، و نتيجته عدم ثبوت الردع، و هو مما يكتفي به في الإمضاء.

هذا، و لكنك عرفت فيما تقدم تقريب رادعية الآيات عن السيرة و عدم صلاحية السيرة للتخصيص، و ان المخصص ليس هو السيرة بعنوانها، بل هو القطع بالإمضاء المنتفي مع احتمال الردع بالآيات، فليس هناك ما يعارض عموم الآيات و ما يتوقف الردع بها على عدمه كي يلزم الدور، لأن المخصص معلوم العدم.

و تقدم نفي جميع ما قيل في نفي صلاحية الآيات للردع من دعوى الانصراف و الحكومة فراجع تعرف‏ (1).

و عليه: فبناء العقلاء على العمل بالاستصحاب لو تم صغرويا، فهو غير حجة. للردع عنه بالآيات الناهية عن العمل بغير علم. فتدبر.

الدليل الثاني: ان الثبوت في السابق يوجب الظن بالثبوت في الزمان اللاحق‏

، فيجب العمل به.

و قد ناقشه صاحب الكفاية بوجهين:

الوجه الأول: منع اقتضاء مجرد الثبوت للظن بالبقاء، سواء أريد الظن‏

____________

(1). 4- 299 من هذا الكتاب.

36

الشخصي أو النوعيّ. فانه لا وجه لهذه الدعوى سوى دعوى غلبة البقاء فيما يثبت، و هي غير معلومة.

الوجه الثاني: انه لو سلم اقتضاء الثبوت للظن بالبقاء فلا دليل على اعتباره بالخصوص، فلا يكون حجة، بل الدليل على عدم اعتباره لعموم ما دل على النهي عن العمل و اتباع الظن‏ (1).

أقول: الّذي يبدو للنظر ان دعوى حصول الظن بالبقاء بواسطة الغلبة لا ترجع إلى محصل فضلا عن عدم ثبوتها.

و ذلك لأن الشك في البقاء اما ان ينشأ من الشك في مقدار اقتضاء المقتضي و قابليته. و اما ان ينشأ من الشك في وجود الرافع مع إحراز المقتضي و استعداد ذات الثابت أولا للبقاء.

اما في الأول: فلان غاية ما يمكن ان يقال: ان الثابت في ماله مقتضي البقاء هو بقاؤه بمقدار استعداد مقتضية و اقتضائه مع اجتماع سائر اجزاء علته.

و أي ربط لهذا في إثبات الظن في بقاء ما لا يعلم كيفية اقتضاء مقتضية و أنه بأي نحو؟. مثلا: إذا ثبت ان المقتضي للدار المبنية بالإسمنت يقتضي بقاءها خمسين سنة، و المقتضي للدار المبنية بالطين يقتضي بقاءها خمس سنوات، و لم يعلم مقدار اقتضاء مقتضي الدار المبنية بالجص، و أنه هل يقتضي بقاءها عشرين سنة أو عشر سنين؟.

فإذا علم ببناء دار من الجص و بعد عشر سنوات شك في بقائها للشك في مقدار استعدادها للبقاء، فهل هناك محصل لأن يقال: ان ما ثبت يدوم بملاحظة غلبة استمرار ثبوت ما له اقتضاء الاستمرار؟، و أي ربط لذلك بعد ملاحظة اختلاف الأمور و الموجودات في مقدار استعدادها للبقاء طولا و قصرا؟.

____________

(1) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 388- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

37

و أما في الثاني: فلان دعوى الظن بالبقاء ترجع إلى دعوى الظن بعدم الرافع، و هي تبتني على دعوى غلبة عدم الرافع في موارد تحقق الموجودات، و هذه الدعوى لا وجه لها و لا مستند تستند عليه، فهي دعوى جزافية، مع انها لا تتأتى في ما إذا كان الشك في رافعية الموجود، الّذي هو من أقسام الشك في الرافع.

الدليل الثالث: الإجماع فقد حكي عن المبادي انه قال: «الاستصحاب حجة لإجماع الفقهاء على انه متى حصل حكم ثم وقع الشك في أنه طرأ ما يزيله أم لا، وجب الحكم ببقائه على ما كان أولا، و لو لا القول بان الاستصحاب حجة لكان ترجيحا لأحد طرفي الممكن من غير مرجح» (1)، كما نقل عن غيره.

و الإشكال في هذا الوجه واضح كما في الكفاية (2).

إذ الإجماع- و يراد به اصطلاحا الاتفاق المستكشف منه قول المعصوم (عليه السلام)، لا مجرد الاتفاق الحاصل بين الفقهاء- اما محصل أو منقول، و كلاهما لا أساس له هاهنا.

أما المحصل: فتحققه ممنوع في مثل هذه المسألة مما اختلفت فيها المباني و الوجوه، فانه لا يكون تعبديا كاشفا عن قول المعصوم (عليه السلام)، مع تحقق الخلاف من كثير، حيث ذهبوا إلى منع حجيته.

و أما المنقول: فهو مضافا إلى عدم حجيته في نفسه، غير تام للعلم بثبوت الخلاف كما عرفت.

و المتحصل: ان جميع هذه الوجوه لا تنهض لإثبات حجية الاستصحاب.

و العمدة في الاستدلال عليه هو النصوص المتعددة:

منها: صحيحة زرارة

قال: «قلت له: الرّجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟. فقال (عليه السلام): يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 388- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 388- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

38

و الاذن، فإذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء. قلت: فان حرك على جنبه شي‏ء و لم يعلم به؟. قال (عليه السلام): لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن، و إلّا فانه على يقين من وضوئه، و لا ينقض اليقين أبدا بالشك، و انما- لكن (التهذيب)- ينقضه بيقين آخر» (1).

و قد اتفق الأعلام على عدم كون الإضمار مخلا بالاستدلال، للعلم بان المراد من الضمير هو الإمام (عليه السلام)، لأن الراوي هو زرارة، و هو من الجلالة و القدر بمكان بحيث يعلم انه لا يسأل من غير الإمام (عليه السلام).

و لا يخفى ان سؤاله الأول عن إيجاب الخفقة و الخفقتين للوضوء سؤال عن شبهة حكمية، إما لاشتباه مفهوم النوم لديه و تردده بين الأقل و الأقل و الأكثر و شموله للخفقة و الخفقتين. و اما للشك في كون الخفقة أو الخفقتين ناقضا مستقلا.

و على أي حال، فليست هذه الفقرة محل الاستدلال بالرواية، و انما محل الاستدلال بها هو قوله: «و إلّا فانه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين أبدا بالشك ...» الواقع في مقام الجواب عن السؤال عن حكم ما إذا حرك في جنبه شي‏ء و لم يعلم به، الظاهر في كونه سؤالا عن شبهة موضوعية للشك في تحقق النوم الناقض، و هو نوم الاذن و القلب.

و لتحقيق الحال في مفاد هذه الفقرة و دلالتها على الاستصحاب لا بد من التعرض لمحتملات مفادها و تشخيص ما هو الأصح منها، فنقول: المحتملات التي أشار إليها الشيخ (رحمه الله). و تبعه صاحب الكفاية ثلاثة:

الاحتمال الأول: ما قربه (قدس سره) من ان الجزاء لقوله: «و إلّا» محذوف، و قوله: «فانه على يقين ...» علة للجزاء قامت مقامه لدلالته عليه، فالتقدير: «و إلّا فلا يجب عليه الوضوء، لأنه على يقين من وضوئه و لا ينقض‏

____________

(1) وسائل الشيعة 1- 174، حديث: 1.

39

اليقين أبدا بالشك».

و ذكر (قدس سره): ان قيام العلة مقام الجزاء لا يحصى كثرة في القرآن و غيره مثل قوله تعالى: وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏ (1) و قوله:

إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ‏ (2) و غيرهما.

الاحتمال الثاني: ان يكون قوله: «فانه على يقين من وضوئه» هو الجزاء بان يكون جملة خبرية أريد بها الإنشاء جدا، ككثير من الجمل الخبرية الواقعة في مقام الإنشاء.

الاحتمال الثالث: ان يكون الجزاء هو قوله: «و لا ينقض اليقين بالشك» و يكون قوله: «فانه على يقين من وضوئه» توطئة و تمهيدا لذكر الجزاء، فيكون المراد: «و ان لم يستيقن أنه نام، فحيث أنه على يقين من وضوئه فلا ينقض اليقين بالشك» (3).

و هنا احتمال رابع قربه المحقق الأصفهاني، و هو ان يكن قوله: «فانه على يقين من وضوئه» جزاء مع التحفظ على ظهوره في مقام الاخبار جدا، فيكون خبرا محضا مع كونه جزاء بنفسه‏ (4).

إذا عرفت هذه المحتملات في الرواية فلا بد من معرفة ما هو الصحيح و المتعين منها، ثم معرفة مقدار ارتباطه بالاستصحاب. فنقول:

اما الأول: فقد عرفت تقريب الشيخ له و بنى عليه صاحب الكفاية (رحمه الله). و هو في حد نفسه معقول و ليس ببعيد عن مقتضى التركيب الكلامي، إلّا انه انما يتعين الأخذ به إذا لم يكن في المحتملات الأخرى ما هو أرجح منه‏

____________

(1) سورة طه، الآية: 7.

(2) سورة الزمر، الآية: 7.

(3) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 329- الطبعة الأولى.

الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 389- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(4) الأصفهاني المحقّق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 18- الطبعة الأولى.

40

بلحاظ الموازين في باب الاستعمال. و سيتضح ذلك إن شاء اللّه تعالى بعد قليل.

و اما الثاني: فقد حكم الشيخ (رحمه الله) بأنه يحتاج إلى تكلف. و أفاد صاحب الكفاية (رحمه الله) انه إلى الغاية بعيد.

و لعل السر فيه: ما أشار إليه في الكفاية من انه لا يصح إلّا بأن يراد منه لزوم العمل على طبق يقينه بوضوئه. و هو تكلف واضح و بعيد عن ظهور الكلام.

و لكن المحقق الأصفهاني (رحمه الله) لم يستبعد ذلك، و نفي التكلف فيه، بأنه كسائر الموارد التي تستعمل فيها الجملة الخبرية في مقام الإنشاء، كقوله:

«يعيد» أو: «يغتسل» أو نحو ذلك في مقام بيان وجوب الإعادة أو الغسل، كما يبين ذلك في مباحث الأصول اللفظية (1).

و الّذي نراه عدم صحة ما أفاده المحقق الأصفهاني (رحمه الله)، إذا الثابت في محله جواز استعمال الجملة الخبرية في مقام الإنشاء إذا كانت فعلية، و هو المعهود خارجا، دون ما إذا كانت اسمية، فلا يصح ان يقول في مقام إيجاب الإعادة: «هو معيد»، و لم يعهد ذلك في الاستعمالات العرفية أصلا.

و لعل السر فيه: ان الجملة الفعلية تحكي عن النسبة الصدورية، فيمكن ان يقال بان إبراز النسبة الصدورية و كأنها متحققة في مقام الإنشاء، يصح ان يجعل كناية عن إرادة الصدور، و يستعمل في مقام البعث نحو تحقيق الفعل و إيجاده.

و ليس كذلك الجملة الاسمية، فانها تتكفل الحكاية عن اتصاف الذات بالوصف، و ذلك لا يصلح ان يكون كناية عن إرادة الصدور و الإيجاد، و يستعمل في مقام البعث نحو إيجاد الفعل فلاحظ.

و بما ان قوله: «فانه على يقين من وضوئه» جملة اسمية، فلا تصلح ان‏

____________

(1) الأصفهاني المحقّق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية- 3- 17- الطبعة الأولى.

41

تستعمل في مقام البعث نحو العمل على طبق اليقين و إيجابه.

إذن فهذا الاحتمال بهذا البيان غير سديد.

و لكن يمكن تقريبه بنحو آخر، بان يقال: ان قوله: «فانه على يقين من وضوئه» جملة خبرية مستعملة في مقام الإنشاء، لكن لا يراد بها إنشاء البعث كي يتأتى ما ذكر، بل يقصد بها التعبد باليقين بقاء و جعل اليقين تعبدا، فيكون المعنى: «ان لم يستيقن بالنوم فهو متيقن تعبدا بالوضوء». و هذا المعنى لا محذور فيه، بل يكون مفاد هذا الكلام مفاد قوله: «لا ينقض اليقين بالشك» في كونه تعبدا باليقين.

و عليه، فان أمكن البناء على قابلية اليقين بعنوانه للتعبد و لو بلحاظ الجري العملي كما عليه المحقق النائيني‏ (1) فهو، و إلّا التزام بان المراد التعبد بالمتيقن، كما يذكر ذلك في قوله: «لا تنقض اليقين بالشك».

و بالجملة: يكون قوله: «فانه ...»، هو الجزاء، و يكون المقصود به هو إنشاء التعبد باليقين فيكون مفاده مفاد: «لا تنقض اليقين بالشك»، و هو معنى معقول، و ليس فيه مخالفة الموازين المصححة للكلام.

و من الغريب غفلة الأعلام عن ذلك و صرف نظرهم إلى إرادة إنشاء البعث.

و اما الاحتمال الثالث: فهو مما لا يصح الالتزام به، إذ لو كان قوله: «و لا ينقض اليقين بالشك» هو الجزاء، لما صح تصديره بالواو، بل اما ان يكون مصدّرا بالفاء أو مجردا عنهما، كما لا يخفى على من لاحظ نظائره، مثل ان يقول: «ان جاء زيد من السفر فحيث انه تعبان هيئ له وسائل الراحة أو فهي له ذلك».

و اما الاحتمال الرابع: فهو غير صحيح أيضا. و محصل الإشكال فيه: ان‏

____________

(1) المحقّق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 260- الطبعة الأولى.

42

المراد من قوله: «فانه على يقين من وضوئه» اما اليقين بالوضوء حدوثا أو بقاء.

فان أريد اليقين حدوثا، فهو غير مترتب على عدم اليقين بالنوم، و ظاهر الجملة الشرطية هو ترتب الجزاء على الشرط. و ان أريد اليقين بقاء، فهو مخالف للوجدان، كيف؟ و المفروض انه شاك في بقاء الوضوء.

و قد أنكر المحقق الأصفهاني دعوى اقتضاء الشرطية ترتب الجزاء على الشرط و استناده إليه، بل ربما يعكس الأمر، كقولهم: «ان كان النهار موجودا فالشمس طالعة».

ثم قرب هذا الوجه بما يبتني على تجريد متعلق اليقين و الشك من خصوصية الزمان‏ (1). و لا يهمنا ذكره فعلا بعد ان عرفت الإشكال في أصل الاحتمال، و لعلنا نعود إلى بيانه بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.

و اما إنكاره اقتضاء الشرطية سببية الشرط للجزاء، فقد تقدم البحث في ذلك في مبحث مفهوم الشرط (2).

و التزمنا هناك بان ظهور الجملة الشرطية في ذلك مما لا ينكر.

و ما ذكر في المثال تقدم الجواب عنه: بان الجزاء فيه أيضا مترتب على الشرط لكن بوجوده العلمي لا الخارجي، و الملحوظ في الشرطية ذلك. و بعبارة أخرى: الشرطية هاهنا بلحاظ مقام الإثبات، و الترتب فيه ثابت. فراجع.

و الّذي يتحصل: ان الصحيح من هذه المحتملات هو الأول و الثاني بالمعنى الّذي بيناه.

و لا يخفى ان الرواية على الاحتمال الثاني تكون دالة على حجية الاستصحاب في مطلق الموارد من دون اختصاص بباب الوضوء. فان الجزاء و ان‏

____________

(1) الأصفهاني المحقّق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 18- الطبعة الأولى.

(2) راجع 3- 214 من هذا الكتاب.

43

كان يتكفل التعبد باليقين بالوضوء، إلّا ان قوله بعد ذلك: «و لا ينقض اليقين أبدا بالشك» ظاهر في بيان قاعدة كلية يتكفل التعبد باليقين في كل موارد اليقين و الشك، فيكون التعبد باليقين في باب الوضوء من باب أنه صغرى من صغريات هذه الكلية و مصداق من مصاديقها، فهي جملة مستأنفة تفيد أن الحكم لا يختص بباب الوضوء، بل يجري في كل يقين و شك، نظير أن يقول: «ان جاءك زيد فأكرمه و أكرم كل من يجيئك».

و بالجملة: لا يراد من قوله: «لا ينقض ...» خصوص اليقين بالوضوء، و إلّا كان تكرارا لقوله: «فانه على يقين من وضوئه» و هو خلاف الظاهر.

و اما على الاحتمال الأول، فهي بحسب الموازين ظاهرة في اختصاص الاستصحاب بباب الوضوء، لأن قوله (عليه السلام): «فانه على يقين ...» فرض انه تعليل للحكم المقدر و هو عدم وجوب الوضوء.

و الظاهر ان العلة مركبة من صغرى و هي قوله: «انه على يقين من وضوئه»، و كبرى و هي: «لا ينقض اليقين بالشك». و من الواضح لزوم اتحاد الأوسط المتكرر في الصغرى و الكبرى بحسب القيود و الخصوصيات، فإذا تقيد الأوسط بقيد في الصغرى لا بد ان يتقيد به في الكبرى، و لا معنى لتجرده في الكبرى عن القيد، إذ المقصود في القياس هو إثبات الأكبر، للأصغر بواسطة حمل الأوسط على الأصغر، و حمل الأكبر على الأوسط، فالأوسط في الكبرى يلحظ طريقا لإثبات الأكبر للأصغر، فإذا فرض ان الأكبر ثابت له بنفسه بلا خصوصية للقيد فلا معنى ان يكون المحمول على الأصغر هو المقيد، إذ لا أثر للقيد و لا خصوصية له في إثبات نتيجة القياس.

و عليه، فتقيد الأوسط في الصغرى يكشف عن تقيده في الكبرى، و إلّا كان التقيد لغوا، و هو خلف. فلا يصح ان يقال: «هذا عالم بالفقه- على أن يكون الفقه قيدا- و كل عالم يجب إكرامه» إذا فرض ان وجوب الإكرام ثابت للعالم‏

44

بدون خصوصية الفقاهة.

و عليه، ففيما نحن فيه إذا فرض ان الأوسط في الصغرى هو اليقين بالوضوء، كان هو المأخوذ في موضوع الكبرى.

و عليه، فلا تفيد الكبرى سوى عدم نقض اليقين بالوضوء بالشك، فيختص الاستصحاب على هذا التقدير بباب الوضوء.

و لا يخفى ان هذا الوجه لا يتأتى على الاحتمال الثاني، و ذلك لأن المقيد هو متعلق التعبد، و هو مما لا يتنافى مع ثبوت الحكم في مطلق موارد اليقين، و ذلك لأن المتعبد به ليس هو ذات اليقين أو اليقين بشي‏ء على إجماله، بل المتعبد به هو اليقين بالشي‏ء بعنوانه الخاصّ من وضوء أو صلاة أو وجوب أو نحو ذلك، سواء استفدنا عموم عدم نقض اليقين بالشك لمطلق الموارد أو في خصوص مورد الوضوء، اذن فأخذ خصوصية «من وضوئه» لا تنافي عموم الاستصحاب لغير باب الوضوء، بل هو لازم أعم.

و السر في ذلك: ان التعبد باليقين ليس هو الوسط المتكرر في القياس، بل هو المحمول في الكبرى المستفاد من النهي عن نقض اليقين بالشك، و انما الموضوع هو نفس اليقين و الشك فيقال: هذا متيقن و شاك، و كل متيقن و شاك يحكم عليه بأنه متيقن بما تيقن به، فهذا متيقن بما يتيقن به.

و عليه: فأخذ الوضوء في المتعبدية ليس كاشفا عن تقيد الموضوع بخصوصية الوضوء و لا ظهور له في ذلك.

و عليه، فيمكن التمسك بإطلاق لفظ اليقين في قوله: «و لا ينقض» لإثبات عموم الحكم المطلق الموارد، و لا قرينة على التخصيص الا ما يتوهم من كون مورده خصوص اليقين بالوضوء، و هو فساد لما تقرر في محله من ان المورد لا يقيد الوارد. فتدبر جيدا.

و كيف كان، فيقع الكلام في ترجيح أي الاحتمالين إثباتا.

45

و قد يستفاد استناد الشيخ (رحمه الله)- في ترجيح كون قوله: «فانه على يقين ...» علة لا جزاء- على ما ورد من الجمل المشابهة لها التي قامت العلة مقام الجزاء فيها (1).

و لكن هذا قابل للدفع: باعتبار انه انما يلتزم في الأمثلة التي ذكرها الشيخ و نحوها بقيام العلة مقام الجزاء، لا من جهة ظهور الكلام فيه، و لو بواسطة كثرة الاستعمال فيه، بل لعدم صلاحية مدخول الفاء لكونه جزاء.

و إلّا كان هو الجزاء- و كثرة الاستعمال في العلية معارضة بكثرة استعمال مثل هذا التركيب في الجزاء أيضا- كما في قوله تعالى: فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ‏ (2). و قوله تعالى: فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ‏ (3) و غيرهما.

فإذا كان مدخول الفاء فيما نحن فيه صالحا لكونه جزاء كما بيناه تعين حمله على ذلك، لأن الالتزام بتقدير الجزاء و قيام العلة مقامه، التزام بخلاف الظاهر، فان التقدير على خلاف الأصل في الاستعمالات، مع ان الفاء ظاهرة في كون مدخولها هو الجزاء، فيتعين الالتزام بالاحتمال الثاني. و قد عرفت ان مقتضاه دلالة الرواية على الاستصحاب في غير باب الوضوء.

كما انك عرفت ان مقتضى الاحتمال الأول اختصاص الاستصحاب بباب الوضوء، إلّا ان الشيخ (رحمه الله) تصدى لإثبات العموم ببيان: ان اللام في قوله: «و لا ينقض اليقين ...» للجنس لا للعهد، فتفيد قاعدة عامة لمطلق افراد اليقين و الشك بلا اختصاص باليقين بالوضوء (4).

و لكن يورد عليه بما أفيد من: انه لا أثر لدعوى كون اللام للجنس لا

____________

(1) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 329- الطبعة الأولى.

(2) سورة المائدة، الآية: 22.

(3) سورة يونس، الآية: 106.

(4) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 330- الطبعة الأولى.

46

للعهد، و ذلك لأن اليقين في الصغرى اما ان تلحظ في خصوصية الوضوء بنحو التقييد أولا.

فان لوحظت فيه بنحو التقييد لم ينفع كون اللام للجنس في إثبات عموم الكبرى، لما عرفت من لزوم اتحاد الأوسط المتكرر في الصغرى و الكبرى في الخصوصيات، فيكون ذلك قرينة على تقييد اليقين المأخوذ في الكبرى.

و ان لم تلحظ فيه بنحو التقييد، بل لوحظ اليقين بما هو يقين لا أكثر، كانت الكبرى عامة لكل باب و ان كانت اللام للعهد، إذ المعهود هو ذات اليقين لا اليقين الخاصّ.

و مع التردد في أخذ الخصوصية بنحو التقييد أو بنحو الموردية، كان الكلام مجملا لاحتفافه بما يصلح للقرينية.

فظهر انه لا فائدة في تحقيق ان اللام للجنس لإثبات العموم، بل المدار على إلغاء خصوصية تعلق اليقين بالوضوء.

و لأجل ذلك لا بد من تحقيق ان خصوصية تعلق اليقين بالوضوء، هل هي ملحوظة في الحكم أو لا؟.

و قد ذكر صاحب الكفاية (رحمه الله) وجوها ثلاثة لإثبات إلغاء الخصوصية.

الوجه الأول: ما أفاده من ظهور التعليل في كونه بأمر ارتكازي لا تعبدي، و هو يقتضي ان يكون موضوع النقض مطلق اليقين لا خصوص اليقين بالوضوء، لأنه لو قيد اليقين بالوضوء كان التعليل تعبديا و هو خلاف الظاهر.

الوجه الثاني: ان احتمال اختصاص قوله: «و لا ينقض اليقين بالشك» بباب الوضوء ليس إلّا من جهة احتمال كون اللام للعهد، مع ان الظاهر كونها للجنس كما هو الأصل فتفيد العموم.

الوجه الثالث: ان قوله: «فانه على يقين من وضوئه» لا ظهور له في تقيد

47

اليقين بالوضوء، بحيث يكون الأوسط هو اليقين بالوضوء، لقوة احتمال ان يكون قوله: «من وضوئه» متعلقا بالظرف المقدر لا بلفظ اليقين، فكأنه قال: «فانه من طرف وضوئه على يقين»، فيكون الأوسط هو ذات اليقين لا خصوص اليقين بالوضوء (1).

اما الوجه الأول، فقد يورد عليه: بان الحكم المذكور في العلة لا يلزم ان يكون معلوما لدى المخاطب و في ذهنه في مرحلة سابقة على الخطاب، بل قد يفهم حكم العلة بنفس التعليل، كما لو قال: «أكرم زيدا لأنه عالم» و لم يكن في ذهنه وجوب إكرام العالم، بل يستفاد وجوب إكرام العالم من نفس هذا الدليل.

و هذا الإيراد قابل للدفع، و يتضح ذلك ببيان مرادة (قدس سره)، فنقول:

ان العلة «تارة»: تكون حكما ارتكازيا عقلائيا أو شرعيا، كما لو قال: «لا تضرب اليتيم لأنه ظلم»، فان حرمة الظلم عقلا و شرعا ثابتة في الأذهان. «و أخرى»:

تكون حكما تعبديا غير مرتكز ذهنا، كما لو قال: «أكرم زيدا لأنه عالم».

و التعليل في كلا الموردين ظاهر في ملاحظة العلة، و هي الحكم العام في مرحلة سابقة على الحكم الخاصّ في هذه القضية، فيدل التعليل على ثبوت الحكم العام في حد نفسه، و انه ثابت للمورد الخاصّ من باب التطبيق و كونه أحد أفراده.

ثم انه قد يتعقب التعليل جملة تتكفل ببيان حكم الموضوع العام، مثل ان يقول: «أكرم زيدا لأنه عالم و العالم يجب إكرامه» و: «لا تضرب اليتيم لأنه ظلم و الظلم حرام أو قبيح»، فهل مثل هذه الجملة توضيح لما تقدم- لأن حكم العام قد فهم من نفس التعليل كما عرفت. و لذا لو اقتصر عليه و لم يتعقب بهذه الجملة فهم منه حرمة مطلق الظلم و وجوب إكرام مطلق العالم- أو أنه لبيان شي‏ء آخر

____________

(1) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 389- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

48

متمم للتعليل كما هو مقتضى التركيب اللفظي لأن ظاهر الكلام انه جزء متمم للتعليل؟.

و الّذي نستظهره هو الثاني، فانها ليست بيانا لمجرد ثبوت الحكم للموضوع العام، كما هو مقتضى الجمود على حاق اللفظ، كي تكون توضيحا لما تقدم، بل هي لبيان مناسبة ثبوت الحكم للموضوع العام، و ان الموضوع العام يناسب ان يثبت له هذا الحكم، فكأنه قال: «و العالم يناسب أو ينبغي ان يثبت له وجوب الإكرام»، فيكون ذلك تعليلا بأمر ارتكازي، و هذا هو معنى ظهور التعليل في أنه بأمر ارتكازي، فيحمل الكلام على ذلك، لأنه أخذ في التعليل، لا على بيان مجرد ثبوت الحكم للموضوع العام، فانه ليس أمرا ارتكازيا دائما، إذ قد يكون مجهولا غير معلوم.

و عليه، ففيما نحن فيه علل نفي وجوب الوضوء في مورد السؤال في الرواية بأنه على يقين من وضوئه، ثم عقبه بقوله: «و لا ينقص اليقين بالشك»، و ظاهر هذه الجملة الأخيرة بمقتضى ما ذكرناه أنها في مقام بيان المناسبة لعدم نقض اليقين بالشك، و التناسب بين اليقين و عدم نقضه بالشك هي جهة الاستحكام و الإبرام فيه، و جهة التزلزل في الشك فلا يناسب ان ينقض به اليقين.

و لا يخفى انه لا خصوصية لمتعلق اليقين في ذلك بل المدار على نفس اليقين و الشك.

و عليه، فيكون الحكم ثابتا في مطلق موارد اليقين بمقتضى كون التعليل بأمر ارتكازي.

هذا غاية ما يمكن توجيه ما أفاده في الكفاية.

و لكن يمكن ان يناقش فيه: بأنه انما يتم لو كان قوله: «و لا ينقض اليقين بالشك» تمام التعليل.

49

و لكنه ليس كذلك، بل هو جزء التعليل، فان التعليل بحسب ظاهر الكلام مركب من جزءين: أحدهما: كونه على يقين من وضوئه، و الآخر: عدم مناسبة نقض اليقين بالشك فلو فرض ظهور الجزء الأول في دخل خصوصية الوضوء فلا معنى لإلغائها، نظير ما لو صرح بان الملاك في ثبوت الحكم هو كونه على يقين من الوضوء بما هو كذلك و مناسبة عدم نقض اليقين بالشك، فانه لا منافاة في ذلك لشي‏ء. فلا ملازمة بين أخذ المناسبة في العلة و بين إلغاء خصوصية الوضوء فلاحظ.

و اما الوجه الثاني: فقد عرفت المناقشة فيه حين التعرض لكلام الشيخ، و بيان ان الملاك في العموم إلغاء خصوصية الوضوء، سواء كانت اللام للجنس أو للعهد.

و اما الوجه الثالث: فهو متين، فانه إذا فرض عدم أخذ الوضوء في المتعلق، بل أخذ الأوسط هو اليقين مجردا عن خصوصية تعلقه بالوضوء، كان الدخيل في العلة هو مطلق اليقين لا اليقين الخاصّ. فيكون كما لو قال: «فانه من وضوئه على يقين»، فانه لا يتوهم تقيد اليقين بالوضوء، و لا أثر لتأخير قوله:

«من وضوئه» أو تقديمه في ذلك.

يبقى بيان سرّ عدم كون قوله: «من وضوئه» متعلقا لليقين، بل بالظرف المقدر، و هو ان اليقين انما يتعدى إلى متعلقه ب: «الباء» لا ب: «من» فيقال: تيقن بكذا و أنا على يقين بكذا، و نحو ذلك و هو واضح.

و يضاف إلى هذا الوجه وجه آخر، و هو ما أشير إليه في بعض الكلمات من ان اليقين لما كان من الصفات التعلقية التي تتقوم بالمتعلق مضافا إلى الموضوع، كان ذكر المتعلق غير كاشف عن خصوصية فيه، بل انما هو من باب لا بدية المتعلق فيه‏ (1).

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 18- الطبعة الأولى.

50

هذا تمام الكلام في معنى الرواية. و قد عرفت ان الأقرب ما ذكرناه.

ثم انك عرفت فيما تقدم وجود القول بالتفصيل في اعتبار الاستصحاب بين مورد الشك في البقاء لأجل الشك في المقتضي فلا يعتبر فيه الاستصحاب.

و مورد الشك في البقاء لأجل الشك في الرافع فيعتبر فيه الاستصحاب و ممن بنى على هذا القول الشيخ (رحمه الله) مستظهرا لاختصاص من نصوص الاستصحاب‏ (1). و خالفه في ذلك صاحب الكفاية فذهب إلى اعتبار الاستصحاب مطلقا، و في كلا الموردين لعموم النصوص‏ (2).

و قد تعرض الشيخ إلى بيان جهة الاختصاص بعد ذكره لجميع النصوص، و لكن صاحب الكفاية تعرض إليه هاهنا.

و نحن نتعرض فعلا إلى ذلك و بيان ما هو الحق لدينا، لأن ترتيب أبحاثنا يتبع نهج الكفاية.

فنقول: ان منشأ ما ذهب إليه الشيخ من اختصاص الاستصحاب بمورد كون الشك في البقاء من جهة الشك في الرافع، هو لفظ: «النقض» الوارد في النص، و عليه يدور محور الحديث.

فقد أفاد الشيخ (رحمه الله): ان حقيقة النقض هو رفع الهيئة الاتصالية كما في نقض الحبل و نقض الغزل، و المفروض انه لم يستعمل في النص في هذا المعنى، فيدور أمره بين ان يراد به رفع الأمر الثابت الّذي له اقتضاء الاستمرار، و ان يراد به مطلق رفع اليد عن الشي‏ء بعد الأخذ به و لو كان رفع اليد لأجل عدم المقتضي، و المتعين هو الأول لأنه اقرب إلى المعنى الحقيقي من الثاني.

و قد ذكر: ان ذلك يكون منشئا لتخصيص المتعلق باليقين المتعلق بما من‏

____________

(1) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 328 و 336- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 390- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

51

شأنه الاستمرار و ان كان في نفسه عاما لكل يقين، إذ الفعل الخاصّ يكن مخصصا لعموم متعلقه، نظير قول القائل: «لا تضرب أحدا» المحمول على خصوص الأحياء، لظهور الضرب في المؤلم، و لا يكون عموم: «أحد» لغير الأحياء قرينة على إرادة مطلق الضرب عليه و لو لم يكن مؤلما.

ثم تعرض لتوهم: ان ما اختاره يستلزم التصرف في لفظ اليقين بحمله على إرادة المتيقن منه، إذ التفصيل المزبور بلحاظ المتيقن. فدفعه: بان التصرف لازم على كل حال، و لو التزم بالتعميم، لأن النقض الاختياري المتعلق للنهي لا يتعلق باليقين، بل المراد نقض ما كان على يقين منه كالطهارة، أو المراد أحكام اليقين لا بمعنى أحكام نفس وصف اليقين، لأنها ترتفع بمجرد الشك، بل أحكام المتيقن الثابتة له بسبب اليقين، هذا خلاصة ما أفاده الشيخ (رحمه الله)(1).

و اما صاحب الكفاية، فقد أوقع البحث تارة: في مادة النقض. و أخرى:

في هيئة: «لا تنقض» و ذكر: ان شيئا منهما لا يستلزم التخصيص بما ذهب إليه الشيخ.

اما من حيث المادة، فقد أفاد: ان النقض ضد الإبرام، فيحسن ان يسند إلى نفس اليقين و لو كان متعلقا بما لا اقتضاء فيه للبقاء، لما يتخيل فيه من الاستحكام فجهة الاستحكام في اليقين هي المصححة لإسناد النقض إليه و لا عبرة بما فيه اقتضاء البقاء إذ ليس المصحح لإسناد النقض وجود المقتضي للبقاء و إلّا لصح ان يقال: «نقضت الحجر من مكانه» مع انه ركيك. و لما صح ان يقال:

«انتقض اليقين باشتعال السراج» فيما إذا شك في بقائه لأجل الشك في مقدار استعداده، مع انه حسن و صحيح. فيكشف ذلك عن ان مناط صحة اسناد النقض هو جهة الاستحكام، و هي ثابتة في اليقين في كلا الموردين، فيسند

____________

(1) الأنصاري المحقّق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 336- الطبعة الأولى.

52

النقض حقيقة إلى اليقين بملاحظته لا بملاحظة متعلقه، فلا تصل النوبة إلى التجوز كي يتوخى أقرب المجازات.

و أورد على نفسه: بان اليقين- في باب الاستصحاب- لا ينقض حقيقة.

إذ اليقين بالحدوث ثابت، فلا بد من فرض المتيقن مما له اقتضاء البقاء، كي يكون اليقين بالحدوث حقيقة يقينا بالبقاء مسامحة، فيصح اسناد النقض إلى اليقين مسامحة بهذه الملاحظة. بخلاف ما إذا لم يكن للمتعلق اقتضاء البقاء، فانه لا يقين بلحاظ البقاء و لو مسامحة، فلا معنى لإسناد النقض إلى اليقين.

و أجاب عن ذلك: بان هنا وجها آخر هو الظاهر لتصحيح اسناد النقض إلى اليقين بلا حاجة إلى هذا الوجه، و هو لحاظ اتحاد متعلقي اليقين و الشك ذاتا، و إلغاء جهة اختلافهما زمانا، و هذا يصحح اسناد النقض إليه، و لا فرق في ذلك بين تعلقه بماله اقتضاء البقاء و ما ليس له اقتضاء البقاء.

و اما من حيث الهيئة، فقد أفاد: بان المراد هو النهي عن النقض بحسب البناء و العمل لا حقيقة، لأن النقض الحقيقي خارج عن الاختيار سواء تعلق باليقين أم بالمتيقن أم بآثار اليقين.

و عليه، فلا يجوز التصرف بحمل اليقين على إرادة المتيقن لأجل إبقاء الصيغة على حقيقتها، بل يؤخذ بما هو الظاهر من النهي عن نقض اليقين.

ثم أورد على نفسه: بأنه لا محيص عن التصرف في لفظ اليقين و حمله على إرادة المتيقن، إذ المنهي عنه و ان كان هو النقض العملي، لكنه غير مراد بالنسبة إلى اليقين و آثاره، لمنافاته لمورد النصوص، بل المراد هو النهي عن نقض المتيقن بحسب العمل.

و أجاب عنه: بان النهي متعلق بنقض اليقين، لكن اليقين ليس ملحوظا باللحاظ الاستقلالي، بل ملحوظا مرآة للمتيقن و بالنظر الآلي، فيكون كناية عن لزوم البناء و العمل بالتزام حكم مماثل للمتيقن تعبدا إذا كان حكما أو لحكمه إذا

53

كان موضوعا. هذه خلاصة ما أفاده صاحب الكفاية (1).

و الّذي يبدو ان نقطة الخلاف بين الشيخ و بينه هو: ان نظر الشيخ إلى ان النقض مسند في الواقع إلى المتيقن، فيعتبر فيه كونه مما فيه اقتضاء البقاء. و نظره (قدس سره) إلى ان النقض مسند إلى اليقين بنفسه، و هو ذو جهة تصحح اسناد النقض إليه، أعم من ان يكون متعلقة ذا اقتضاء للبقاء أو لا يكون، و هي جهة الاستحكام فيه فلا وجه لحمله على خلاف ظاهره و الالتزام بتخصيص الاستصحاب بخصوص مورد الشك في الرافع.

و تحقيق الكلام في المقام على نحو يرتفع به بعض الإبهام: ان لفظ النقض يسند إلى الدار، فيقال: «نقض الدار» و يفسر في كتب اللغة بهدم الدار، و يسند إلى الحبل و يفسر بحلّه، و يسند إلى العظام، فيقال: «نقض العظم» و يفسر بالكسر، و يسند إلى الحكم، فيقال: «نقض الحكم» في قبال إبرامه، و نصّ في اللغة على أنه مجاز (2). كما يقال: قولان متناقضان، و غير ذلك، كما انه قد يفسر الإنقاض بمعنى التصويت كما في مثل قوله تعالى: الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ‏ (3) فانه فسر بالتصويت‏ (4).

و الّذي يمكن الجزم به ان الكسر و الهدم و الحل و الرفع كل ذلك ليس معنى للنقض، و انما هو تفسير له باللازم أو المحقق لمفهومه، و المعنى الجامع بين هذه الموارد جميعا هو ما يساوق التشتيت و النكث و فصل الأجزاء بعضها عن الآخر، فنقض الشي‏ء يرجع إلى رفع الهيئة الاتصالية و تشتيت الاجتماع الحاصل للأجزاء. و بذلك يكون نقض الدار بمعنى هدمها لأنه بالهدم تنعدم الهيئة

____________

(1) الخراسانيّ المحقّق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 391- 392- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) اقرب الموارد مادة نقض.

(3) سورة الشرح، الآية: 3.

(4) الفضل بن الحسن العلّامة الطبرسي. مجمع البيان 5- 508- الطبعة الأولى.

54

الاجتماعية لأجزاء الدار من غرفة و سطح و صحن و غير ذلك.

كما ان نقض العظم يكون بكسره، لأنه يفصل اجزاء العظم بعضها عن الآخر.

و معنى نقض الحبل نكثه و حله. و مثله نقض الغزل و هكذا.

و بالجملة: النقض هو إعدام الهيئة التركيبية و رفع الاتصال بين الاجزاء و لعله مراد الشيخ (رحمه الله) من انه رفع الهيئة الاتصالية.

و عليه، فإسناد النقض إلى ما لا أجزاء له كالحكم و البيعة و العهد و اليقين، اسناد مجازي، و المصحح له أحد وجهين:

الوجه الأول: ان يلحظ استمرار وجود الشي‏ء، فتكون له وحدة تركيبية بلحاظ الاجزاء التدريجية المتصلة، فان الموجود التدريجي المتصل وجود واحد ذو اجزاء بلحاظ تعدد آنات الزمان، و يكون المراد من نقضه قطع الاستمرار و عدم إلحاق الاجزاء المفروضة المقدرة بالاجزاء المتقدمة، فيصدق النقض بنحو المجاز بهذه الملاحظة، و لا يكون صدقة حقيقيا، لعدم تحقق الأجزاء اللاحقة، بل ليس المجرد الفرض و التقدير.

و الوجه الثاني: ان يكون بلحاظ عدم ترتب الأثر على المنقوض، فيشابه المنقوض حقيقة من هذه الجهة.

و لكن المتعين هو الأول من الوجهين، إذ الثاني غير مطرد، إذ نفي الأثر مع عدم إلغاء الهيئة التركيبية للشي‏ء المركب حقيقة لا يطلق بلحاظه النقض و لو بنحو المجاز، فالمصحح يتعين ان يكون هو الأول.

ثم لا يخفى عليك انه لا يعتبر ان يكون متعلق النقض مما فيه إبرام فعلا، لصدق النقض بدونه، كما لو كان صف من اشخاص واقفين بلا استحكام و إبرام فيه، فتفرقة افراد الصف نقض للصف مع عدم الإبرام. و لعله مما يشهد لما ذكرنا:

ان أهل اللغة يفسرون نقض الحكم برفعه في مقابل إبرامه، فيجعلون الإبرام في‏