منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج7

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
445 /
7

الجزء السابع‏

تتمة مباحث أصول العملية

تتمة مبحث الاستصحاب‏

قاعدة اليد

لا إشكال في تقدم القاعدة المذكورة على الاستصحاب و ان لم تكن من الأمارات، بل كانت من الأصول، لأنها واردة في موارده غالبا، فيلزم من تخصيص دليل الاستصحاب لدليلها عدم بقاء مورد لها إلا نادرا، فيوجب ذلك لغوية اعتبارها كقاعدة كلية كما لا يخفى.

ثم أنه لا أهمية في البحث عما يتعلق بلفظ «اليد» من كونه لفظا حقيقيا أو كنائيا أو غير ذلك، بعد معرفة المراد منها و هو الاستيلاء الخارجي. كما لا أهمية في الكلام في كون مسألة اليد مسألة أصولية أو فقهية.

و إنما يقع المهم من الكلام فيها في جهات:

الجهة الأولى: في حجية اليد على الملكية.

و هي من المسلمات في الجملة لدى الأعلام و استدل لها ببناء العقلاء و السنة.

8

أما السنة: فهي روايات أربع:

الأولى: موثقة حفص بن غياث‏

التي فيها: «أ رأيت إذا رأيت شيئا في يد رجل أ يجوز لي أن أشهد انه لا؟. قال (عليه السلام): نعم. فقال الرّجل: اشهد انه في يده و لا اشهد انه له فلعله لغيره، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ فيحل الشراء منه؟. قال: نعم. فقال (عليه السلام): فلعله لغيره، فمن أين جاز لك ان تشتريه و يصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز ان تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك. ثم قال (عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» (1) و وجه الاستدلال بها: انه (عليه السلام) أجاز الشهادة على الملك باعتبار أن الشي‏ء المشهود به في يد المشهود له، كما أجاز الشراء بهذا الاعتبار.

يؤكده استفهام الإمام (عليه السلام) التقريري للسائل و نقضه عليه حين توقف من أداء الشهادة على أنه له، فانه يدل على ان هذا الأمر من الارتكازيات العقلائية التي لا تقبل الإنكار، و لذلك اقتنع السائل بنقض الإمام (عليه السلام).

و لكن التحقيق عدم دلالة الرواية المذكورة على حجية اليد على ملكية المال الّذي يكون باليد، و ذلك لأن جواز الشراء و الحكم بملكية المشتري للمبيع لا يتوقف على كون البائع مالكا للمبيع، بل يكفي فيه كونه مالكا للتصرف فيه. و عليه فما ذكره الإمام (عليه السلام) نقضا على السائل في توقفه من جواز الشراء من ذي اليد لا يدل على جواز الشهادة على الملكية باعتبار اليد، إذ لا ملازمة بين جواز الشراء و جواز الشهادة على الملك. نعم، بينه و بين جواز الشهادة على ملك التصرف ملازمة. فمن اقتناع السائل بالنقض يستكشف ان المسئول عنه هو جواز الشهادة على ملك التصرف، و أن المال له تصرفا و ولاية أعم من أن يكون مملوكا

____________

(1) وسائل الشيعة: 18- 215 باب: 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.

9

له أو لا يكون. و إلا لم يقتنع السائل إذ لا ملازمة كما عرفت.

فالرواية- بمقتضى ظاهر النقض و اقتناع السائل به- لا تدل إلا على جواز الشهادة على ملكية التصرف لا ملكية نفس المال.

و هذا و إن كان خلاف ظاهر التعبير ب «أشهد انه له» بدوا، إذ ظاهره كونه الشهادة بالملكية، إلّا انه كثيرا ما يقع استعمال مثل هذا التعبير فيما يشابه ما ذكرناه في لسان أهل العرف، كما لا يخفى على الملتفت إلى موارد الاستعمال.

و يدل عليه قوله (عليه السلام) في النقض: «ثم تقول بعد الملك هو لي»، فانه ظاهر في ان: «هو لي» و شبهه ليس مفاده بيان الملكية، بل ما يترتب عليها من ولاية التصرف، فيدل على ان الكلام بين الإمام و السائل دائر حول الشهادة بولاية التصرف لا الملكية، و إلا لكان الأنسب ان يقول «ثم تقول بعد الشراء هو لي» لا بعد الملك، فالتفت.

و أما التزام ان المفروض كون الدوران في المورد المسئول عنه بين يد الملك و يد الغصب، بحيث إذا انتفى احتمال الغصبية يعلم بأنها يد ملك لا ولاية- مثلا- و حينئذ فتكون هناك ملازمة بين جواز الشراء و بين جواز الشهادة، لأن الشراء انما يكون باعتبار الحكم بالملكية لليد، و هو يلازم جواز الشهادة.

فهو مما لا شاهد عليه في الرواية، لأن المسئول عنه قضية حقيقية مطلقة قد يتفق وقوعها للسائل بلا تقييد لها بنحو خاص.

و لو سلم ذلك. فلا يدل على المدعى أيضا، بعد البناء على ان جواز الشراء انما يستند إلى ملكية التصرف بالمال لا ملكية نفس المال. فان اليد حينئذ انما تدل على الملكية في خصوص المورد باعتبار العلم بالملازمة بين ملكية التصرف و ملكية المال، لأن المفروض ان الدوران بين الملكية و الغصبية، فإذا جاز التصرف فقد انتفى احتمال الغصب فيثبت احتمال الملكية، فاليد إذا دلت على ملكية التصرف بالمال- كما هو ظاهر النقض- فقد دلت بالملازمة على ملكية المال لذي اليد، فجواز الشهادة

10

بالملكية- الّذي يدعى استظهاره من السؤال و الجواب في الرواية، و ان ناقشنا فيه و استظهرنا كون السؤال عن الشهادة بملكية التصرف بقرينة النقض و قناعة السائل به- يختص بالمورد باعتبار الملازمة الاتفاقية المذكورة، فمع ثبوت ملكية التصرف و جواز الشهادة عليها بلحاظ اليد تثبت ملكية نفس المال فتجوز الشهادة عليها.

و بالجملة: فدلالة اليد على الملكية في المورد باعتبار الملازمة، غير دلالتها على الملكية مطلقا و مطابقة كما هو المدعى.

و على هذا، فلا دلالة للرواية المذكورة على حجية اليد على الملكية.

الثانية

: ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث فدك حيث قال (عليه السلام) لأبي بكر: «أ تحكم فينا بخلاف حكم اللّه؟ قال: لا. قال (عليه السلام): فان كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه ادعيت انا فيه، من تسأل البينة؟. قال: إياك كنت أسأل البينة على ما تدعيه. قال (عليه السلام): فإذا كان في يدي شي‏ء فادعى فيه المسلمون تسألني البينة على ما في يدي ...» (1) الخبر.

و تقريب الاستدلال بها: أن الإمام (عليه السلام) جعل نفسه منكرا و مدعى عليه بما انه ذو يد، و جعل أبا بكر مدعيا باعتبار مخالفة قوله للحجة- فاستنكر على أبي بكر مطالبته له بالبينة- و لا حجة في المقام سوى اليد، و الدعوى المفروضة هي الملكية، فاليد حجة عليها.

و لكن الإنصاف عدم دلالة الرواية على المدعى، لأن المعنى العرفي للمدعي و الّذي عليه المشهور هو: «من لو ترك ترك»، و الخلاف بين الإمام (عليه السلام) و أبي بكر إنّما هو في تطبيق حكم من أحكام القضاء، و هو مطالبة المدعي بالبينة دون المدعى عليه، و استنكار الإمام (عليه السلام) على أبي بكر انما هو في مطالبته بالبينة، لأنه ليس مدعيا، بل مدعى عليه، لأنه ذو يد، و مقتضى اليد صيرورته‏

____________

(1) وسائل الشيعة: 18- 215 باب: 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3.

11

مدعى عليه و صيرورة أبي بكر مدعيا فعليه البينة، لأنه بترك أبي بكر الدعوى يجري كل أمر على ما كان عليه و يستمر على حاله السابق. فاحتجاج الإمام (عليه السلام) لنفي وجوب البينة عليه بأنه ذو يد لا يدل على كون اليد حجة، بل لصيرورة ذيها مدعى عليه. و لا يلزم ان يكون للمدعى عليه حجة كي يقال انها هاهنا منحصرة في اليد فتكون حجة على الملكية.

نعم، لو قيل بان المدعي هو من خالف قوله الحجة ثم الاستدلال بالرواية، لكنك عرفت ان المشهور على تفسيره بغير ذلك.

الثالثة: رواية حمزة بن حمران‏

: «أدخل السوق فأريد ان أشتري جارية تقول أني حرة. فقال (عليه السلام): اشترها إلا ان تكون لها بينة» (1) ..

و وجه الاستدلال بها: انه (عليه السلام) أجاز شراء الجارية مع ادعائها الحرية إلّا ان تقوم البينة على حريتها، فلا بد ان يستند الشراء إلى حجة و هي اليد لا سبب آخر كالبينة، لأنه لو كان مصحح الشراء هو قيام البينة على المملوكية لما اتجه الحكم بعدم جواز الشراء عند قيام البينة على الحرية، لأنها معارضة بالبينة القائمة على الرقية، فلا بد ان تكون هي اليد- لأنها لا تعارض البينة- فتكون حجة على الملكية.

و التحقيق: عدم سلامة الاستدلال بها من الإشكال، لأن ظاهر المورد هو سبق الرقية على الجارية- لامتياز الجواري في ذلك الزمان عن غيرهن- فترجع دعواها للحرية حينئذ إلى دعوى انقلابها عن الرقية إلى الحرية، و مقتضى الاستصحاب- مع عدم البينة- بقاء الرقية، فلعل الحكم بجواز الشراء مستند إلى الاستصحاب و هو مورود للبينة- كما لا يخفى- و لو تنزلنا عن ذلك و قلنا بعدم ظهور المورد في سبق الرقية لعدم الامتياز، بل‏

____________

(1) وسائل الشيعة: 13- 31 باب: 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 2.

12

الظاهر دعواها الحرية مطلقا و عدم الرقية أصلا. فلا ظهور للرواية في استناد جواز الشراء إلى اليد، إذ لم يفرض سائل معين يدعي الملكية و له يد على الجارية، بل قد يكون البائع مجهول الحال، بل لا يدعي الملكية بل يدعي عدمها- كما لا يخفى على من لاحظ أسواق بيع الجواري، فان البائع غالبا لا يكون المالك- و لكنه في نفس الوقت يدعي المسوغ الشرعي لبيع هذه الجارية، فقد يكون جواز الشراء مستندا إلى أصالة الصحة في عمل الغير و هي الحجة التي تسوغ الشراء، و ترتفع بالبينة. فلا دليل على إناطة الشراء باليد كي يكون الحكم بحجيتها حكما بملكية ذي اليد للجارية.

الرابعة: موثقة يونس بن يعقوب‏

: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في امرأة تموت قبل الرّجل أو رجل قبل المرأة. قال: ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، و ما كان من متاع الرّجال و النساء فهو بينهما. و من استولى على شي‏ء منه فهو له» (1).

و تقريب الاستدلال بها: انه (عليه السلام) قال: «و من استولى على شي‏ء منه فهو له» فحكم بالملكية بمجرد الاستيلاء و هو معنى اليد، و بإلغاء خصوصية المورد يتعدى إلى باقي الموارد و يحكم فيها بحجية اليد على الملكية.

و لكنه غير تام، لأن الظاهر من السؤال عدم وجود حجة شرعية في المورد توجب ثبوت شي‏ء من المتاع إلى أحدهما، و ان الورثة في مقام الحيرة و التردد، و لأجل ذلك حكم الإمام (عليه السلام) بملكية المتاع الخاصّ بالمرأة للمرأة استنادا إلى ظاهر الحال لأن اختصاص المرأة بالمتاع يوجب الظهور في ملكيتها للمتاع، لا من جهة اليد، إذ قد لا يكون لأحدهما يد معين على متاعه الخاصّ، و مع ذلك يحكم بملكيته له من باب الظهور الحالي.

و منه يظهر انه يمكن ان يكون الحكم بالملكية في صورة الاستيلاء لا من جهة

____________

(1) وسائل الشيعة: 17- 525 باب: 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3.

13

اليد، بل من جهة كون الاستيلاء مرجحا لملكية المستولي للمستولى عليه، لأنه يوجب ظهور ذلك، بل بقرينة ما ذكرناه أولا من ان مفروض المقام عدم الحجة على التعيين، و حكمه في صورة الاختصاص بملكية ذي الاختصاص، و بالاشتراك في الملكية في المتاع المشترك يمكن الجزم بهذا الاحتمال، و ان التقسيم انما هو بلحاظ الظاهر الحالي للمتاع.

و لو سلمنا دلالة الرواية على ان الحكم بالملكية في صورة الاستيلاء باعتبار اليد، فلا دليل على التعدي إلى سائر الموارد، لأنه يمكن ان يكون للمقام خصوصية أوجبت اعتبار اليد فيه دليلا على الملكية، بل هو الظاهر من الحكم الأولي في الرواية، فانها لا تجري في غير المورد مما يكشف عن خصوصية فيه. فالتفت.

و قد تبين من جميع ما ذكرنا: انه لا دلالة لهذه الروايات على حجية اليد على الملكية أصلا. و كأن استظهار الفقهاء حجية اليد منها مبني على ما ارتكز في أذهانهم من حجيتها. فتدبر جيدا.

و اما بناء العقلاء

: فقد يقرب: بان العقلاء بانون على التعامل مع ذي اليد في الأسواق بلا توقف و تردد حتى قيام الحجة على ملكية ذي اليد لما في يده. و ما ذلك إلا لأجل اعتبارهم اليد حجة على ملكية ذيها.

و لكن هذا التقريب لا يفي بحجيتها على الملكية، لأنه انما يكشف عن اعتبارهم اليد حجة على ملكية ذي اليد للتصرف في المال الّذي في يده لا ملكية نفس المال، لأنهم لا يعتنون في كون البائع مالكا أو وليا أو غير ذلك و لا يهمهم ذلك، و انما المهم لديهم هو كون البائع مالكا للتصرف، فلا يدل عدم توقفهم في التعامل على اعتبارهم اليد حجة على الملك، بل حجة على ولاية التصرف لا أكثر، و ليس المهم في مقام التعامل كون البائع مالكا للمال كي يكون عدم توقفهم دليلا على حجية اليد على الملكية عندهم.

و يمكن الاستشهاد على ذلك بتعليل الإمام (عليه السلام) في رواية حفص‏

14

المتقدمة التي قربناها في حجية اليد على ملكية التصرف، بأنه: «لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق»، فانه تعليل لحجية اليد على ملكية التصرف، فيكشف عن أن توقف قيام السوق انما هو على اعتبار اليد حجة على ملكية التصرف. لا على اعتبارها حجة على ملكية المال، إذ لا يتوقف قيام السوق على ذلك، لأن صحة التعامل لا تبتني على ملكية كلا الطرفين للمال.

فبناء العقلاء بهذا التقريب لا يكون دليلا على حجية اليد على الملكية.

نعم، يمكن التمسك على حجيتها ببنائهم في بعض الموارد الجزئية، كما لو مات شخص و كان في بيته مال كثير، و قد يكون أكثر من شأنه، فانهم يحكمون بملكيته للمال لأنه تحت استيلائه و تصرفه و لو لم تقم حجة عليها، و لذا لو ادعى شخص بعض تلك الأموال يطلب منه إقامة البينة، و لا يعتبر انه مدع بلا معارض. و كما لو كان بيد شخص مال يتصرف فيه و ادعى آخر انه ولي المال لا مالكه. فأنكر ذو اليد و ادعى ملكيته للمال، فإنه يحكم له بالملكية لأنه ذو يد ما لم تقم البينة على عدمها.

فمن مثل هذه الموارد يستكشف بناء العقلاء على ملكية ذي اليد لما في يده من المال لأجل اليد. و إذا ثبت بناء العقلاء على حجيتها، فعدم الردع من الشارع كاف في صحة العمل بها، و لو لم يكن في البين إمضاء صريح. فيتحصل: ان اليد حجة على الملكية في الجملة.

الجهة الثانية: في أن اليد هل تكون أمارة أو أصلا.

و لا يخفى ان هذا البحث علمي صرف لا أثر عملي له، لأن الحال لا يفترق في اليد سواء كانت أمارة أو أصلا، لأن الأثر المختلف فيه من هذه الناحية انما يدور في محورين:

الأول: في إثبات اللوازم، فانها إذا كانت أمارة كانت حجة على لوازم الملكية بخلاف ما إذا كانت أصلا.

الثاني: معارضتها مع الأمارات و الأصول، فإنها إذا كانت أمارة فهي تعارض‏

15

الأمارات الأخرى و تتقدم على الأصول، بخلاف ما إذا كانت أصلا فانها تؤخر عن الأمارات و لا تتقدم على الأصول.

و لكن الحال فيها لا يختلف في كلا المحورين:

أما الأول: فلما بينا سابقا من أنه لا فرق بين الأمارة و الأصل في عدم تكفل دليل اعتبارهما لإثبات لوازم مؤداهما بهما، فالأمارة بدليل اعتبارها ليست حجة على اللازم كما أن الأصل كذلك.

نعم، بعض الأمارات يكون لسانها الكشف عن المؤدى و لازمه، و إثباتهما واقعا في مرتبة سابقة عن دليل اعتبارها، فيتكفل دليل اعتبارها إثبات حجيتها فيه.

كما هو الحال في خبر الواحد، فان الاخبار بالمؤدى إخبار عرفا بلازمه، فيكون بمنزلة قيام خبرين خبر على المؤدى و خبر على اللازم، فدليل اعتبار الخبر يتكفل لاعتباره في اللازم و الملزوم. و هذا غير متحقق في اليد لأن اليد على الملكية ليست يدا على لوازمها، فلوازم الملكية لا تثبت باليد. و لو فرض ان اليد على الملكية يد على لوازمها، فلا يختلف الحال في كونها أمارة أو أصلا، لأن دليل الاعتبار على كلا التقديرين يشملها لأنها من قبيل اليدين لا اليد الواحدة كما في الخبر.

و أما المحور الثاني: فلما عرفت من انه لا كلام في تقدم اليد على الاستصحاب و باقي الأصول، كما انه لا إشكال في تقدم الأمارات الأخرى عليها كالبينة، سواء كانت أصلا أم أمارة. فمن هنا يعلم عدم الأثر العملي للكلام في هذه الجهة، فالبحث فيها علمي بحث، و تحقيق الكلام في ذلك يستدعي بيان الفرق بين الأمارة و الأصل، و المراد من الأصل هاهنا.

فنقول: الوظائف العملية المتبعة في مقام الظاهر و عدم انكشاف الواقع على ثلاثة أقسام:

الأول: ما يلحظ فيه الجهل بالواقع و يفرض الواقع مجهولا و مستورا. و أن‏

16

هذه الوظيفة وظيفة للجاهل مع غض النّظر عن كون الواقع ما هو و مثل هذا يعبر عنه بالأصل كالبراءة.

الثاني: ما يلحظ فيه الواقع، بمعنى أن مفاده يكون هذا هو الواقع، لا أن يفرض مستورا. و مثل هذا يعبر عنه بالأمارة.

الثالث: ما كان وسطا بين القسمين و برزخا بينهما بان كان وظيفة للجاهل و عدم العلم بالواقع، و لكن كان فيه نظر إلى الواقع و جهة كشف عنه. فهو يشارك الأول في كونه وظيفة الجهل و عدم العلم و بهذا يفترق عن الثاني. و يشارك الثاني في كونه ذا جهة كشف و نظر إلى الواقع و بهذا يفترق عن الأول. و مثل هذا يعبر عنه بالأصل المحرز.

و المراد بأصلية اليد في قبال أماريتها انما هو النحو الثالث- أعني انها من الأصول المحرزة- لا النحو الأول. لا من جهة أن حجية اليد ثبتت ببناء العقلاء، و ليس للعقلاء أحكام ظاهرية يتعبدون بها، بل نظرهم دائما إلى الواقع، لأن هذا غير تام، إذ يمكن ان يكون لهم أحكام ظاهرية تعبدية يعملون بها عند استتار الواقع حفظا للنظام و رعاية للشئون، بل من جهة أن بناءهم على اعتبار اليد لما فيها من نظر إلى الواقع و كشف عنه.

فالكلام يقع في أن اليد أمارة أو أصل محرز- و ان كان الظاهر من الاعلام في المقام إرادة الأصلية بالنحو الأول- و غاية ما يمكن ان يقال في تقريب الأمارية ثبوتا: ان الاستيلاء الخارجي لازم بالطبع لملكية المال و لازم لملكية التصرف، فهو لازم أعم لملكية المال. لكن لزومه لملكية المال أقوى من لزومه لملكية التصرف، من جهة غلبة ملكية المال و كون الاستيلاء الخارجي ناشئا عنه، لغلبة نشوء ملكية التصرف عن ملكية المال.

فمن جهة اللزوم الطبعي و الغلبة المذكورة يكون لزوم الاستيلاء لملكية المال أقوى، فيكون فيه نحو كشف عن الملكية، و هو المعبر عنه بالكشف الناقص، فتكون طريقا

17

للواقع و أمارة عليه.

و اما إثباتا: فلا دليل على تعيين أحد الأمرين فيها، إذ غاية ما هو ثابت ان فيها نظرا إلى الواقع و كشفا عنه. أما ان اعتبارها كان بهذا النحو فقط، أو بنحو أخذ الواقع مجهولا فلا دليل عليه.

نعم، يرجح جانب الأمارية بالاستظهار و استبعاد الأصلية، و ان الارتكاز العرفي ظاهر في كون التعبد بها لأجل طريقتها إلى الواقع.

و إلّا فلا برهان على تعيين أحد النحوين.

و على كل فليس ذلك بمهم، لما عرفت من عدم الثمرة العملية. و إنما دخلنا في هذا المبحث جريا على طريقة الاعلام.

الجهة الثالثة: في ان اليد هل تكون حجة مطلقا

، بمعنى انها حجة على الملكية و لو علم حال اليد سابقا في أنها غير مالكية، بل كانت يد عادية أو إجارة مثلا. ثم شك في تبدلها إلى المالكية؟. أو تختص حجيتها في صورة الجهل بعنوان اليد السابق، بحيث كان يحتمل أن تكون يد مالكية عند الاستيلاء؟.

اختار كل من المحقق الأصفهاني و النائيني و العراقي اختصاص حجيتها بصورة جهل العنوان و عدم حجيتها مع العلم بعنوان السابق و هو كونها غير مالكية.

و وجه كل منهم ذلك بوجه يختلف عن توجيه الآخر.

فاما ما ذكره المحقق الأصفهاني، فحاصله: انه بناء على أن اليد حجة من باب الطريقية فلا يصح التمسك بها في المقام- إلا على القول بان الطريقية من باب اللزوم الطبيعي، لأنه متحقق في المقام، إذ لا يتقيد تحققه بعدم المانع، لأن عدم المانع شرط فعلية اللزوم لا تحققه، فلا يمنع العلم بالحال من تحققه، فملاكها متحقق ثبوتا-، لأن اعتبارها من باب الطريقية يستدعي وجود ملاك الطريقية فيها كي يصح اعتبارها من هذه الناحية، و إلا فلا يصح.

و في المقام ينتفي ملاك الطريقية، لأن طريقية اليد إلى الواقع: ان كان من باب‏

18

غلبة الملكية في اليد، فهذا في المقام معارض بغلبة بقاء اليد على ما كانت عليه لغلبة بقاء الحادث على ما وجد عليه.

و حينئذ تتقيد الغلبة الأولى بالغلبة الثانية، فيكون الغالب من افراد اليد ان تكون مالكية إلا إذا وجد الفرد النادر، فان الغالب فيه بقاؤه على عنوانه. فالغلبة الأولى ضيقة الدائرة، فلا يلحق مثل هذا المشكوك بالأيدي المالكية، و يمتنع اعتبارها طريقا حينئذ لانتفاء ملاك الطريقية.

و ان كان من باب ان الاحتواء الاعتباري يتقوى جانبه بالاحتواء الخارجي- كما قرب (قدس سره) الطريقية بذلك- فكذلك يجري فيه ما تقدم، فان تقوي الاحتواء الاعتباري بالاحتواء الخارجي انما هو فيما إذا لم يكن ثبوت خلافه مرتكزا في الذهن بواسطة تقوي بقاء الحال على ما كان عليه، فالمعارضة أيضا حاصلة و نتيجتها التقييد المذكور.

نعم، لو قلنا بان اعتبارها من باب الأصلية لا الأمارية، جاز التمسك بإطلاق دليل اعتبارها- لو كان له إطلاق و تم- في اعتبارها في المورد المزبور. هذا ملخص ما أفاده (قدس سره) (1) بتوضيح.

و لكن [1] هذا منه غريب جدا، لأن الطريقية الملحوظة في الأمارات انما يقصد

____________

[1] هذا و قد أورد عليه (دام ظله) في الدورة الثانية: أن المقصود من تضييق الغلبة الثانية ان كان انتفاء الغلبة الأولى فهذا باطل جزما، لأن الفرد النادر لو كان جميعه على خلاف الغلبة الأولى لا ينافي تحقق الغلبة الأولى فضلا عن كون أغلبه كذلك.

فلو فرض ان أغلب أهل بلد كانوا شجعانا الا أغلب أهل شارع واحد منه فانه لا ينافي ان يقال: ان أغلب أهل البلد شجعانا. و إن كان أريد من ذلك تحقق المزاحمة بين الغلبتين و سقوط اليد عن الأمارية لأجل التزاحم. فيدفعه: ان غلبة مالكية اليد مزاحمة دائما للغلبة الاستصحابية سواء كان في عنوانها- كما فيما نحن فيه- أو في متعلقاتها- كما في سائر الموارد فكيف تكون حجة في مورد دون آخر؟

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 329- الطبعة الأولى.

19

بها الطريقية النوعية الشأنية لا الشخصية الفعلية، بحيث يختص اعتبار الأمارة في مورد تكون كاشفة عن الواقع فعلا دون غيره، و لذلك يقال بحجية الظاهر و لو كان الظن الشخصي على خلافه.

و السر فيه: ان المناط في اعتبار الشي‏ء طريقا و إمارة ليس متمحضا في الطريقية و الكشف عن الواقع، بل في الأمارة المعتبرة مصلحة خاصة أوجبت اعتبارها، و لكن الاعتبار كان بعنوان الطريقية و الكشف لا بملاكه، فالطريقية حكمة للاعتبار لا ملاك و علة، و لذلك لو تخلف في بعض الموارد لا يخرج الدليل عن الحجية، كما انها لو وجدت في موارد أخر ليست موضوع دليل الاعتبار، لا يكون ذلك موجبا لحجية تلك الموارد، و من هنا يعلم بان الاعتبار لا يدور مدار تلك الطريقية وجودا و عدما.

و لأجل ذلك يلتزم بان في الأمارة جهة الموضوعية، بمعنى ان اعتبارها كان بلحاظ مصلحة خاصة فيها، و ليست متمحضة في جهة الطريقية.

و عليه، فما أفاده من انه في المقام لا يكون ملاك الطريقية في اليد لانتفائه بالمعارضة المذكورة، فلا يصح اعتبارها فيه. ينافي ما يلتزم به من كون الظن في الأمارات نوعيا لا شخصيا، و وجود جهة الموضوعية في الأمارة. فما ذكره مساوق لإنكار ذلك، فالمعارضة المذكورة لا تنافي اعتبار اليد في المقام، كما لا ينافي الظن الشخصي على الخلاف لاعتبار الظاهر. و الاستحسان الظني المنعقد على خلاف مؤدى خبر الواحد لاعتبار الخبر، مع ان كلا منهما يوجب رفع الكشف و الطريقية.

فمن هنا يعلم ان المراد بالكاشفية النوعية أن الأمارة لو خليت و طبعها كانت كاشفة نوعا عن الواقع، و هذا متحقق فيما نحن فيه، لأن اليد مع قطع النّظر عن العلم بحالها السابق كاشفة نوعا عن الملكية، و إلّا فلو اعتبرت الكاشفية الفعلية للزم‏

20

خروج الخبر القائم على خلافه الاستحسان، فانه يوجب رفع كاشفيته النوعية الفعلية، مع انه لا يلتزم به أحد، فلا بد من كون المراد بالكاشفية النوعية معنى لا ينافي ذلك و هو ما ذكرناه، فالتفت و تدبر جيدا.

و اما ما ذكره المحقق النائيني فهو: ان اليد انما تكون أمارة بما انها مشكوكة الحال، فاستصحاب عدم تبدل حالها و بقائها على ما كانت عليه يكون حاكما عليها، لأنه يخرجها عن كونها مشكوكة الحال بإثباته عدم كونها يد ملك، فهو يحقق الغاية و هي العلم بالحال، فيرتفع موضوع اعتبار اليد (1).

و تحقيق الكلام بنحو يتضح الإشكال عليه، و عدم تمامية ما ذكره: ان العلم المأخوذ غاية لاعتبار اليد.

إما ان يضاف إلى نفس الواقع- أعني: الملكية و عدمها- فيكون اعتبار اليد مشروطا بعدم العلم بالملكية أو عدم الملكية.

و اما ان يضاف إلى عنوان ينطبق على اليد من دون لحاظ الواقع من كونها يد عادية أو ولاية أو مالكية.

و هذا العنوان الّذي جعل العلم به غاية لاعتبار اليد:

تارة: يكون امرا منتزعا عن الواقع، يعني انه ينتزع عن تحقق الملكية و عدمها.

و أخرى: لا يكون كذلك، بل كان امرا حقيقيا لا يرتبط تحققه بالواقع.

فالصور ثلاث:

أما الصورة الأولى- و هي ما أخذ العلم [الغاية] متعلقا بالملكية و عدمها- فلا إشكال في تقدم اليد على الاستصحاب، لأن مجرى الاستصحاب حينئذ هو عدم الملكية. و مجرى اليد هو الملكية. فهما واردان على موضوع واحد، فتقدم اليد لا محالة

____________

(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 2- 225- الطبعة القديمة.

21

كما لا يخفى.

و أما الصورة الثانية- و هي ما أخذ العلم متعلقا بعنوان اليد المنتزع عن الملكية و عدمها-: فالأمر فيه أوضح، لأن مورد الاستصحاب و ان كان هو العنوان، لكن نسبة العنوان- حسب الفرض- إلى الملكية- الواقع- و عدمها ليست نسبة الموضوع إلى الحكم كي يقدم على ما يجري في الواقع، بل نسبة المعلول إلى العلة، فما يكون جاريا في نفس الواقع كاليد يكون مقدما على الاستصحاب، لأنها تجري في مرحلة منشأ انتزاعه.

و الّذي يظهر من كلامه (قدس سره) إرادة هذه الصورة لأنه أخذ الجهل بالحال- أعني: بحال اليد- موضوعا لاعتبار اليد. و معلوم انه يريد من حالها كونها يد عادية أو مالكية أو شبهه لا غير ذلك.

و من الواضح ان اليد العادية تنتزع عن عدم الملكية، لأن الغصب هو التصرف في مال الغير بدون إذنه، و ان اليد المالكية تنتزع عن الملكية.

فإذا كان الحال المأخوذ قيدا للعلم و الجهل، عنوانا منتزعا عن الملكية أو عدمها، فالاستصحاب الجاري فيه لا يكون حاكما على اليد، لأن نسبة العنوان الّذي هو موضوع الاستصحاب إلى مفاد قاعدة اليد ليست نسبة الموضوع إلى الحكم، بل نسبة المعلول إلى العلة، فتكون اليد مقدمة عليه.

نعم، لو أخذ العنوان بالنحو الثاني- كما هو في الصورة الثالثة- بان كان أمرا حقيقيا لا انتزاعيا عن الواقع، و كان نسبته إلى الواقع نسبة الموضوع إلى الحكم، فيكون الاستصحاب حاكما على اليد لأنه يجري في موضوعها.

و لكنه مجرد فرض لا تحقق له في الخارج، لأن هذه العناوين المتصورة التي يمكن أخذها في متعلق العلم و الجهل- كعنوان العادية و المالكية و غيرهما- عناوين انتزاعية كما بيّنا، و غيرها لا وجه لأخذه في متعلق العلم و الجهل إذ لا دليل عليه‏

22

و قد اعترض [1] المحقق العراقي (قدس سره)- كما في بعض تقريراته- على ما ذكره‏

____________

[1] و قد ذكر في ضمن اعتراضه: ان الجهل بعنوان اليد ان أخذ في الموضوع كان الاستصحاب واردا لعدم نظر نفس اليد إلى موضوعها، و إلّا لزم من وجود حجيتها عدمها لأنها إذا رفعت الجهل فقد رفعت موضوع الحجية. و أما إذا كان مأخوذا بنحو الموردية كانت اليد حاكمة على الاستصحاب لأن الاستصحاب لا يتصرف في موضوع اليد و لكن اليد تثبت عنوانها ظاهرا و كونها يد ملك لا غضب فتقدم على الاستصحاب.

و ما أفاده (قدس سره) ممنوع بكلا شقيه، أما الثاني: فلان الدليل كما لا يمكن أن يتصرف في موضوعه و ينفيه كذلك لا يمكن أن يتصرف في مورده بنفيه، إذ كما ان الدليل لا يمكن أن ينفك عن موضوعه كذلك لا يمكن أن ينفك عن مورده، و الفرق انما هو في أخذ الموضوع في رتبة سابقة دون المورد. و عليه فكيف تصور نفي اليد للجهل بالعنوان و إثبات انها يد مالكية لا عادية و بذلك كانت حاكمة على الاستصحاب و لم يتصور ذلك فيما إذا كان الجهل مأخوذا موضوعا لليد مع أن المحذور مشترك؟ و أما الأول فلان اليد إذا لم يمكن إحرازها في تحقيق موضوعها أو نفيه فكيف يجري الاستصحاب و يكون واردا على اليد و الحال أن مورد الاستصحاب و اليد واحدة فيلزم ان يرفع الاستصحاب الجهل المأخوذ في موضوعه فان لدينا شكا واحدا مورد الاستصحاب من جهة و مورد اليد من جهة.

فإذا لم يجر فيه اليد للمحذور المزبور لم يجر فيه الاستصحاب أيضا. فلاحظ. فما أفاده (قدس سره) في مقام الاعتراض غير وجيه. و التحقيق في مقام الإشكال على المحقق النائيني ان يقال: ان المتيقن في الأدلة و الأمارات هو اعتبارها في مورد لا يعلم بمتعلقها، و ليس ذلك من جهة امتناع التعبد في مورد العلم، بل لأن اعتبارها من باب الكشف و الطريقية و هو ظاهر في كونه في مورد الجهل إذ المعلوم لا معنى لجعل الطريق إليه. و لا يخفى أن هذا الملاك انما يقتضي ملاحظة الجهل بنفس المؤدى و ذي الطريق و المنكشف. أما الجهل بعناوين ملازمة لذلك فلا مقتضى للحاظها بالمرة.

فمثلا يلحظ في حجية الخبر الجهل بالواقع المخبر عنه، أما الجهل بمطابقة الخبر للواقع الّذي هو ملازم للجهل و بالواقع فلا وجه لملاحظته بنحو الموضوع أو المورد.

و ما نحن فيه كذلك فان المتيقن ملاحظة الجهل بالواقع في حجية اليد، اما الجهل بعنوان اليد

23

المحقق النائيني من أخذ الجهل بالحال في موضوع اعتبار اليد: بان الجهل بالحال مأخوذ بنحو الموردية لا الموضوعية كما هو الحال في باقي الأمارات، و إلا لكانت اليد من الأصول لا الأمارات.

و على هذا، فلا مجال لجريان الاستصحاب في عرض اليد، فضلا عن تقدمه عليها، لأن لازم أمارية هذه اليد كونها بدليل اعتبارها رافعة للجهل عن ملكية ما في اليد لصاحبها، و لازم تطبيق يد الملك عليها هو الحكم بعدم كونها يد غصب ظاهرا، فيرتفع حينئذ موضوع الاستصحاب لحكومتها عليه‏ (1).

و ما ذكره بظاهره غير تام، لأن الجهل الّذي يقال بأخذه في الأمارة بنحو الموردية و في الأصل بنحو الموضوعية- تخلصا عن الإشكال بلزوم حكومة الأصل على الأمارة لو أخذ الجهل في موضوعها- انما هو الجهل بالواقع، و ليس متعلق الجهل فيما نحن فيه هو الواقع كي يورد عليه بهذا الإيراد العام، و انما متعلقه هو حال اليد، و هذا لا ينافي كون الجهل بالواقع مأخوذا في الأمارة بنحو الموردية لا الموضوعية، فالفرق ان الجهل المأخوذ في موضوع اليد هو الجهل بواقع اليد لا بالواقع الّذي تثبته اليد و تكون أمارة عليه. فالإشكال المذكور على المحقق النائيني أجنبي عن مفاد كلامه.

إلّا أن يرجع ما ذكره إلى بيان: ان ملاك أخذ الجهل بحال اليد في موضوعها ليس هو إلا لأن العلم بحالها علم بالواقع و الجهل بحالها جهل به، فمرجع أخذ الجهل بحالها في موضوعها إلى أخذ الجهل بالواقع في اعتبارها. و هذا هو المنفي بالإيراد العام من أن أخذ الجهل في مورد الأمارة لا في موضوعها.

و بهذا يتجه ما أفاده إيرادا على المحقق النائيني.

____________

- الملازم للجهل بالواقع فلا مقتضى لملاحظته و لا دليل عليه فالالتزام بتقييد حجية اليد بالجهل بالعنوان مما لا وجه له أصلا فتدبر. فانه لا يخلو عن دقة.

____________

(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار: 4- 23- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

24

و اما ما ذكره المحقق العراقي، فهو: ان الظاهر من أدلة اعتبار اليد اختصاص اعتبارها بغير هذه الصورة. بل مجرد الشك في شمول دليل الاعتبار لهذه اليد كاف في عدم ثبوت حجيتها، لأن الدليل على اعتبار دليل لبي و هو بناء العقلاء، و الدليل اللبي لا إطلاق له كي يتمسك به في مورد الشك.

و أما الأدلة اللفظية، كالاخبار، فهي واردة في مقام تقرير سيرة العقلاء و بنائهم على اعتبار اليد، لا في مقام التأسيس كي يصح الأخذ بإطلاقها في إثبات حجية هذه اليد، بل المتبع ما ثبت من السيرة من مقدار حجيتها (1).

و لا يخفى ان ما ذكره (قدس سره) أولا من كون الدليل لبيا و يكفي في عدم الاعتبار، الشك في شموله لمثل هذه اليد لو لم نقل بظهوره في غيره و انصرافه عنه. مما لا إشكال فيه.

و لكن ما ذكره أخيرا من عدم إمكان التمسك بالأخبار مع تسليم دلالتها على الحجية لأنها في مقام الإمضاء لا التأسيس. لا وجه له.

و تحقيق ذلك: ان الدليل المتكفل لبيان حكم مماثل لحكم موجود متحقق الاعتبار، يمكن ان يكون على أحد أنحاء ثلاثة:

لأنه تارة يكون إخباريا. و أخرى يكون إنشائيا.

فالأخباري: ما تكون صورته إنشاء الحكم، و لكن يكون المقصود منه هو الاخبار عن تحقق متعلقه و هو الحكم، نظير الأوامر الإرشادية التي تتصور بصورة الإنشاء و لكن يكون واقعها الاخبار عن تحقق متعلقها في الخارج.

و الإنشائي: تارة: يكون منبعثا عن إرادة إيصال حكم الغير العام الّذي يكون هو على صفته، و ذلك كالأوامر التبليغية، فان أمر الأب ابنه بالصلاة أمر حقيقي المقصود منه البعث، و ليس من الأخبار في شي‏ء، و لكن الغرض منه إيصال أمر اللّه‏

____________

(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار 4- 22- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

25

تعالى لولده، و الملحوظ فيه الأمر على طبق ذلك الأمر العام المأمور به كلي المكلف.

و هذا في العرفيات كثير.

و أخرى: لا يكون كذلك، بان لم يلحظ فيه إيصال الحكم الآخر و لا الاخبار عنه، بل لوحظ فيه إنشاء الحكم صرفا. غاية الأمر ان هذا الحكم مماثل لذلك الّذي اعتبره الغير لا أكثر.

و من هذا الدليل بأنحائه الثلاثة ينتزع عنوان الإمضاء و التقرير لحكم الغير، و هو واضح الوجه.

و لا يخفى ان الدليل ان كان على النحوين الأولين، فالتمسك بإطلاقه من دون لحاظ الحكم المعتبر من الغير و مقدار دائرته ممنوع، لأن الملحوظ في الإنشاء هو ذلك الحكم، اما بنحو الاخبار عنه أو إيصاله، فلا استقلال لهذا الحكم المنشأ أصلا.

و اما إذا كان بالنحو الأخير، فلا مانع من التمسك بإطلاقه لو كان له إطلاق بلا لحاظ الحكم المماثل له، لعدم ارتباطه به في مقام الجعل و الإنشاء لعدم لحاظه فيه أصلا. بل هو حكم مستقل. غاية الأمر انه مماثل لذلك الحكم.

و الأدلة الشرعية التي تتكفل إنشاء الأحكام المماثلة للأحكام العقلائية العرفية كلها من النحو الثالث، فان الدليل لم يلحظ فيها الا إنشاء الحكم و جعله على المكلف بلا لحاظ إيصال حكم العقلاء للمكلف أو الاخبار عنه.

و من هنا يتمسك بإطلاق قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ في إثبات حلية بعض البيوع غير المعتبرة عرفا، لأن لسانه إنشاء حكم مستقل لم يلحظ فيه إيصال حكم العقلاء و لا الاخبار عنه. غاية الأمر انه يفيد حكما مماثلا لما عليه العقلاء، و هذا لا يضر في التمسك بإطلاقه.

و حينئذ فلا وجه لمنع التمسك بإطلاق الاخبار الواردة في اعتبار اليد حجة على الملكية.

و دعوى: ان مثل هذا الدليل لا ينتزع عنه عنوان الإمضاء، لأن الظاهر من‏

26

الدليل الإمضائي ما كان ملحوظا فيه حكم الغير، و المفروض عدم لحاظ حكم الغير في هذا الدليل، فلا يكون دليلا إمضائيا، مع ان الأدلة الشرعية يصطلح عليها بأنها إمضائية واردة في مقام تقرير أحكام الغير، فلا بد ان لا تكون على هذا النحو.

مندفعة: بان إطلاق لفظ الإمضاء على الأدلّة الشرعية المذكورة ليس باعتبار لحاظ حكم الغير فيها، فان لسانها يأبى عن ذلك، بل باعتبار كون الحكم المنشأ بها مماثلا لما عليه العقلاء لا أكثر. فهي في واقعها تأسيسية و ان كان عنوانها إمضائية.

فالمراد بالإمضاء ما يساوق عدم الردع و الموافقة لا إنفاذ ما عليه الآخرون حتى يتوهم لزوم ملاحظة ذلك في الموضوع. أو فقل: ان الإمضاء هنا بلحاظ مقام الثبوت لا الإثبات، و ما يضر بالتمسك بالإطلاق هو الثاني لا الأول، فتأمل تعرف.

و التحقيق في أصل المسألة: ان سيرة العقلاء دليل لبّي، و قد عرفت ان مجرد التشكيك في قيامها يكفي في عدم جواز التمسك بها. و أما الأخبار فليس لها إطلاق من هذه الجهة، لكون المسوق له البيان أمر آخر، كما لا يخفى على من لاحظها هذا مع قطع النّظر عن التشكيك في أصل دلالتها على حجية اليد. فتدبر.

الجهة الرابعة

: لا يخفى ان اليد كما لا إشكال في ترتيب آثار الملك عليها، كذلك لا شبهة في وجوب ترتيب آثارها في مقام الدعوى، فيطالب المدعي على ذي اليد بالبينة، و يكون هو منكرا، سواء ثبت للمدعي ملكية المال سابقا أم لم تثبت.

و لكن الكلام في انه لو أقر ذو اليد بملكية المدعي للمال سابقا، فهل تنقلب الدعوى إلى دعوى انتقال المال إليه فيكون هو مدعيا فعليه الإثبات و يكون الغير منكرا أو لا تنقلب؟ المشهور على الانقلاب.

و لا يخفى ان موضوع الدعوى الثانية المبحوث عنها ينبغي ان يكون هو تحقق السبب الناقل، كالبيع و الهبة و غيرها و عدمه، لا الانتقال و عدمه، لأن الانتقال أمر انتزاعي ينتزع عن ملكية الغير في اللاحق و عدم ملكية المالك السابق في اللاحق، فهو متأخر عن الملكية فلا كلام فيه، لأن الكلام فيما هو سابق عن الملكية، و هو

27

تحقق السبب الناقل- و لذلك يدعى حصول الانقلاب و تترتب عليه آثاره بالنسبة إلى الملكية الفعلية لذي اليد-.

قد ذهب المحقق الأصفهانيّ إلى انه بالإقرار بالملكية السابقة لا تتشكل دعوى أخرى. و لو قلنا بتشكيل دعوى أخرى فلا انقلاب، بل المدعي في الدعوى الأولى مدع في الدعوى الثانية و المنكر منكر.

اما الأول: فقد قربه: بان الدعوى من الدعاء و طلب الشي‏ء، فهي من المعاني الإنشائية، فما لم يقع الشي‏ء موضوعا للطلب لا يقع في مصب الدعوى، و الإقرار بالملكية السابقة للمدعي مع دعواه الملكية الفعلية [و ان كان اخبارا بتحقق السبب الناقل خ ل‏] بالانتقال منه بالالتزام، و لكنه ليس الاخبار باللازم بالملازمة يكون موجبا لتشكيل دعوى به، بل لا بد في ذلك من وقوعه في مصب الدعوى و إنشاء الطلب به و لذلك لو وقع النزاع بين اثنين في ان المعاملة الواقعة بينهما هل كانت هبة أو بيعا، فادعى كل منهما إحدى المعاملتين، فان لكل من البيع و الهبة لوازم يختلف حالها من حيث الدعوى و الإنكار، فلا بد من صيرورتها مصب الدعوى كي يتعين المدعي و المنكر، و إلا فمجرد ادعاء البيع لا يوجب ادعاء لوازمه، و كذلك ادعاء الهبة، فإذا كان موضوع الدعوى هو البيع و الهبة بما هما بيع و هبة من دون لحاظ لوازمهما المختلفة كان الشخصان متداعيين. و لو كان مصب الدعوى البيع و الهبة و لكن بما هما معرفان لثبوت العوض و عدمه، كان مدعي البيع مدعيا لأن الأصل على خلاف قوله، و مدعي الهبة منكرا. و لو كان مصبها البيع و الهبة من حيث الجواز و اللوازم، كان مدعي الجواز مدعيا، لأن الأصل على خلافه، إذ الأصل عدم الجواز.

فدعوى الملزوم لا تستلزم تشكيل دعوى باللازم قهرا ما لم تنشأ دعوى مستقلة فيه، و الانتقال هاهنا لم يقع مصب الدعوى و ان وقع موضوع الاخبار بالملازمة.

و اما الثاني- يعني نفي الانقلاب- فقد قرّبه: بان المعروف ان اليد أمارة،

28

و الأمارة على المسبب أمارة على السبب، فاليد كما تكون حجة على المسبب، و هو الملكية الفعلية، كذلك تكون حجة على السبب الناقل. و حينئذ فمدعي الانتقال ذو حجة و هي اليد، فيكون منكرا لا مدعيا و يكون مقابله مدعيا، فلا يتحقق الانقلاب‏ (1).

و في كلا تقريبيه ما لا يخفى:

أما تقريبه لعدم تشكيل دعوى ثانية، فأساسه: ان الدعوى من الأمور الإنشائية المتقومة بالإنشاء و الجعل، فالاخبار بشي‏ء لا يكون دعوى به ما لم ينضم إليه طلبه.

و لا يخفى انه بملاحظة الاستعمالات العرفية للدعوى و الادعاء غير المسامحية، يعلم بان الدعوى نوع من أنواع الاخبار، و هو الاخبار في ظرف التردد و الشك، و لا يتوقف تحققها على إنشاء طلب، بل كثيرا ما يستعمل «المدعي» في المخبر بخبر في ظرف الشك مع عدم تحقق أي إنشاء منه، فالمخبر بالهلال يقال له مدعي رؤية الهلال، لأن المقام مقام شك.

و عليه، فحيث ان الانتقال من الأمور المشكوكة الواقعة موضوعا للتردد، فالاخبار بها و لو بالملازمة يشكل دعوى به بلا كلام.

و أما ما استشهد به من مثال البيع و الهبة فلا يصلح للنقض، لأن مصب الدعوى في العوض انما هو في العوض الخاصّ من كونه شخصيا أو كليا في الذّمّة.

و مدفوعا أو غير مدفوع. و أحدها ليس من لوازم البيع كما لا يخفى، و انما لازم البيع ثبوت عوض، و لكنه لا يكون محط الدعوى.

و أما اللزوم و الجواز، فهما من اللوازم الشرعية للبيع و الهبة لا اللوازم العرفية، فليس الاخبار بالبيع اخبارا باللزوم عرفا، كما ان الاخبار بالهبة ليس اخبارا

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 337- الطبعة الأولى.

29

بالجواز عرفا.

و أما تقريبه لعدم الانقلاب بأن اليد أمارة، و الأمارة على المسبب أمارة على السبب. فهو غير وجيه على مذهبه في ان الأمارة ليست حجة في لوازمها، و انها كالأصل في ذلك و ليس تحقق السبب الناقل ملزوم أعم للملكية الواقعية و الظاهرية كي يثبت بثبوت الملكية الفعلية باليد، و انما هو ملزوم للملكية الواقعية، و لا ملازمة بين الحكم بالملكية ظاهرا و تحقق السبب الناقل ظاهرا.

و عليه، فلا حجة لذي اليد على تحقق السبب الناقل، فيحصل الانقلاب لموافقة قول المدعي الأول للأصل و هو استصحاب عدم السبب الناقل، فله المطالبة بالبينة عليه و يكون ذو اليد مدعيا.

ثم لا يخفى ان الأصل المذكور- أعني: أصالة عدم تحقق السبب الناقل- انما يتعبد به بلحاظ ما يترتب على نفس التعبد من أثر شرعي من جواز المطالبة بالبينة لمن وافقه قوله و هو المقر له بمقتضى الإقرار، لا بلحاظ ما يترتب على نفس المتعبد به من أثر و هو بقاء ملكية المقر له لأن ذلك ينافي مفاد اليد من ملكية ذي اليد، و المفروض بقاؤها على حجيتها بالنسبة إلى الملكية الفعلية، و لا يكون الإقرار موجبا لارتفاع حجيتها، بل لازم الإقرار هو جعل المدعي طرفا للأصل المذكور فيكون منكرا بمقتضاه لا أكثر، كما هو شأن جميع الأصول الجارية في طرف الدعوى، لأن المفروض ان المدعي يدعي العلم بعدم تحقق مفاد الأصل و انقلاب الحالة السابقة، فلا يجري الأصل في حقه كي يثبت قول المنكر.

نعم، انما يجري الأصل في حق المنكر، بل هو لا يجري في حقه أيضا لأنه يعلم بالبقاء، و الحاكم لا يحق له خصم الدعوى بإجراء الأصل، لأن القضاء لا بد ان يكون بالبينات و الأيمان كما هو مقتضى النبوي المشهور (1)، فلا فائدة في الأصل إلا

____________

(1) دعائم الإسلام 2- 518، الحديث 1857.

30

كون الموافق له منكرا. فالتفت.

و لذلك يترتب آثار ملكية ذي اليد قبل خصم الدعوى، كما انه لو لم يحلف المقر له على عدم تحقق السبب الناقل في صورة عدم إقامة ذي اليد للبينة على التحقق لا يصح له التمسك به في إثبات ذلك، مما يكشف عن ان الإقرار انما استلزم صحة تمسك المقر له بالأصل من ناحية صحة مطالبته ذي اليد بالبينة على تحقق الناقل لا غير.

و هذا- أعني: الانقلاب- على القول بعدم حجية اليد في اللوازم و الملزومات- كما هو الحق- واضح، لأن اليد لا تثبت بالملازمة تحقق السبب الناقل، فلا يرتفع موضوع الأصل، فيصح جريانه و يترتب عليه آثار التعبد بمقتضى الإقرار لا آثار المتعبد به كما عرفت. و كذلك لو قلنا بان اليد من الأصول لا الأمارات كما لا يخفى.

و لكنه على القول بان الأمارة حجة في اللوازم، فيشكل تصوير الانقلاب حينئذ، لأن اليد- بناء على انها أمارة- على هذا تثبت تحقق السبب الناقل، فلا يبقى لجريان الأصل مجال.

و لكنه- مع هذا- يمكن تصوير حصول الانقلاب بنحو لا يتنافى مع أمارية اليد و حجيتها على الملكية، و ذلك بتقريب: ان موافقة الأصل المقتضية لكون الشخص منكرا لا مدعيا ليس المراد منها الموافقة للأصل الفعلي الجاري مع وجود الحجة واقعا، بل المراد منها موافقة الأصل الجاري في نفسه و مع قطع النّظر عن وجود الحجة من بينة و أمارة رافعة لموضوعه تكوينا، و لا إشكال في وجود هذا الأصل في المقام، و هو أصالة عدم تحقق السبب الناقل.

و حينئذ فمع وجود اليد فحيث انها حجة في الملزوم و هو تحقق السبب الناقل- بدعوى ان الأمارة تثبت الملزومات الواقعية- فحجيتها فيه توجب ارتفاع موضوع الأصل المذكور- و هو عدم الطريق- فلا مجال لجريانه أصلا.

أما مع إقرار ذي اليد للمدعي بملكيته السابقة الملازم لدعوى تحقق السبب‏

31

الناقل، فحيث ان اثره هو الاعتراف بطرفية المدعي للأصل و ارتباطه به، كانت اليد حجة في خصوص مدلولها المطابقي و هو الملكية دون الالتزامي- أعني: تحقق السبب الناقل- لأن اليد لا تكون حجة مع الإقرار، و حجيتها تضييق بمقدار الإقرار، بحيث تنتفي حجيتها في مفاد الإقرار و اثره، لأن إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ و جائز، و إقرار ذي اليد بملكية المدعي السابقة- الّذي لازمه دعوى تحقق السبب الناقل- مفاده ارتباط المدعي المقر له بالأصل المذكور، و هذا ينافي حجية اليد على تحقق السبب الناقل، فيصح له التمسك به في هذه الدعوى و يكون له المطالبة بالبينة لصيرورته منكرا، فاليد حجة على خصوص الملكية الفعلية، أما على ملزومها فلا، لمنافاتها حينئذ مع الإقرار [1].

و بالجملة: فبالإقرار تنقلب الدعوى و تشكل دعوى ثانية موضوعها تحقق السبب الناقل و عدمه، و هي غير الدعوى الأولى التي موضوعها الملكية و عدمها

____________

[1] لا يخفى أن الإقرار بالملكية السابقة ليس إقرارا بعدم تحقق السبب الناقل إذ لا ملازمة كما لا يخفى مضافا إلى أنه لو كان كذلك لكان دعواه تحقق السبب الناقل منافيا لإقراره فيؤخذ بإقراره و تخصم الدعوى، و إذا لم يكن الإقرار بالملكية السابقة إقرارا بعدم تحقق السبب الناقل فلا ينافي حجية اليد على تحقق السبب الناقل، فلا وجه لنفي حجيّتها عليه، لعدم منافاتها للإقرار.

و هذا لا ينافي كون مفاده جواز التمسك بالأصل في المطالبة بالبينة، لأن المفروض أن موافقة الأصل عبارة عن موافقة الأصل الجاري في نفسه لا بالفعل. و عليه فيكون المقام من باب التداعي لأن كلا من الشخصين يوافق قوله الحجة، لو لم نقل بان مفاد الإقرار جواز التمسك بالأصل بنحو التعليق يعني لو كان هناك أصل فلا مانع من التمسك به، و قيام الحجة على المدعى و هي اليد يرفع موضوع الأصل تكوينا، فلا أصل كي يجوز التمسك به فلا يتحقق الانقلاب و ذلك لا ينافي الإقرار أصلا كما لا يخفى. و على كل فالأمر سهل بعد أن عرفت عدم حجية اليد في ملزوم مفادها- إذ لا يأتي هذا الكلام بناء عليه- كما ان ما ذكرناه في مقام توجيه فتوى المشهور بالانقلاب بنحو لا يتنافى مع ما ستعرفه، كما سيتضح مع غض النّظر عن صحته و عدمها. مضافا إلى أنه لم يعلم بناء المشهور على أمارة اليد بل يمكن أن تكون أصلا عندهم. فالتفت.

32

لأن مفاد الإقرار جعل المقربة هو الأصل الجاري في نفسه.

و لو لا الإقرار لما انقلبت الدعوى و لما تشكلت دعوى أخرى، لأن عدم السبب الناقل و ان كان موضوع الأصل، إلّا أنه لا يصح للمدعي التمسك به إذ لا حجية له على كونه طرف الملكية السابقة، بل لا دعوى لذي اليد بتحقق السبب الناقل، إذ لا يدعي سوى الملكية، لأنه لم يخبر مع عدم الإقرار بالسبب الناقل و لو بالملازمة كما لا يخفى.

ثم لا يخفى عليك ان الدعوى الثانية انما تتشكل و يحصل الانقلاب إذا كان المدعي منكرا لتحقق السبب الناقل. أما مع عدم كونه منكرا و انما يقول بجهالة الحال و انه مالك المال الآن بمقتضى الأصل فلا تتشكل دعوى ثانية، لعدم وجود قول للمقر له في تحقق السبب الناقل مقابل ذي اليد كي تكون هناك دعوى ثانية، و يكون قوله موافقا للأصل فيكون منكرا، بل الدعوى موضوعها الملكية و عدمها، و المدعي يدعي الملكية بحسب القواعد، و حينئذ فلذي اليد التمسك بيده في إثبات ملكيته الفعلية و نفي الأصل بها.

و لا مجال لجريان الأصل و ثبوت مؤداه في قبال اليد، لما عرفت من ان الأصل المذكور انما يجري بلحاظ أثر التعبد من جواز المطالبة بالبينة و صيرورة طرفه منكرا، لا بلحاظ أثر المتعبد به من بقاء الملكية السابقة.

و لا يذهب عليك أن تشكل الدعوى الثانية و حصول الانقلاب لا يفرق فيه بين أن يكون المقر له هو المدعي أو المورث أو الموصي لنفس الملاك.

و لكنه يقيد بصورة كون المدعي أو الوارث أو الموصى له منكرا لتحقق السبب الناقل كما عرفت.

و بهذا يندفع الإشكال على المشهور- في فتواهم: بأنه لو أقر ذو اليد للمدعي أو لمورثه بالملكية السابقة لما في يده انقلبت الدعوى و صار ذو اليد مدعيا و المدعي منكرا، لأن إقراره للمدعي بالملكية السابقة مساوق لدعوى الانتقال منه إليه،

33

فيكون مدعيا و عليه البينة، و يكون المدعي منكرا لموافقة قوله الأصل- بان الفتوى بالانقلاب تنافي اعتراض الإمام (عليه السلام) على أبي بكر في مطالبته البينة من الزهراء (عليها السلام)، لأنها اعترفت بملكية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سابقا، و هذا يساوق دعوى الانتقال منه (صلّى اللّه عليه و آله) إليها (عليها السلام)، فتكون الزهراء (عليها السلام) مدعيا و أبو بكر- باعتبار ولايته على المسلمين- منكرا، لأن ملكية الرسول لفدك لو بقيت لانتقلت إلى المسلمين بعد وفاته بمقتضى الرواية المخلوقة: «نحن معاشر ...» المفروض تسليمها من قبل الزهراء (عليها السلام). و عليه فالبينة تكون على الزهراء (عليها السلام) لا على أبي بكر، فكيف استنكر عليه الإمام (عليه السلام) و نسب إليه الحكم بغير حكم اللّه؟

وجه الاندفاع واضح، لأن أبا بكر لم ينكر على فاطمة (عليها السلام) دعوى تحقق السبب الناقل و هو النحلة، و انما ادعى جهالة الحال و ان المال باق على ملك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمقتضى القواعد الشرعية حتى يثبت خلافه، فلا دعوى أخرى، بل الدعوى موضوعها الملكية و عدمها لا تحقق السبب الناقل و عدمه، فلفاطمة (عليها السلام) التمسك بيدها في إثبات الملكية- كما فعلت- و لا منافاة بين ذلك و بين إقرارها لأن إقرارها لم يرفع اليد عن حجيتها على الملكية- كما عرفت- و لا يصح لأبي بكر مطالبتها بالبينة.

و مما يدل على عدم إنكار أبي بكر لدعوى النحلة هو: أنه حين رد البينة التي أقامتها الزهراء (عليها السلام) لم يطالب الإمام (عليه السلام) باليمين على عدم النحلة، مما يكشف عن انه لم يدع عدم النحلة، بل كان يدعي جهالة الحال، و لذلك كان استنكار الإمام (عليه السلام) موضوعه المطالبة بالبينة لا عدم الحلف.

و بالجملة: ففتوى المشهور بالانقلاب في صورة لا تطبق على مسألة فدك، و هي صورة إنكار المقر له لدعوى السبب الناقل، فلا إشكال على المشهور.

و قد أفاد المحقق النائيني (قدس سره) في دفع الإشكال المذكور على المشهور

34

ما حاصله: ان الملكية إضافة و علقة قائمة بالطرفين المالك و المملوك، إلّا انها تختلف في ظرف التبدل باعتبار موارده. ففي مثل البيع يكون التبدل في ناحية المملوك، بمعنى ان طرف العلقة الرابطة بين المال و المالك من ناحية المالك على حاله.

و انما الطرف من ناحية المال قد حلّ و ربط بمملوك آخر غير ذلك، فالإضافة على حالها، و انما التبدل بين المالين، و هو طرف الإضافة. و في مثل التوريث بالعكس يكون التبدّل في ناحية المالك، فان طرف العلقة من ناحية المالك يحل بموته و يربط بمالك آخر مع بقاء الإضافة و ارتباطها بالمال على حالها، و قد يكون التبدل في نفس العلقة كما في الهبة فانها تتضمن إعدام إضافة المال للمالك و إيجاد إضافة أخرى بين المال و الموهوب له.

و مثل الهبة الوصية التمليكية الموجبة لانتقال المال إلى الموصى له بعد الموت.

و أما الوصية العهدية، فهي خارجة عن تمام الأقسام، لأنها لا توجب التمليك، بل تتكفل تعيين مصرف المال بعد الموت.

و على هذا، فالاعتراف بملكية المورث حيث انه اعتراف بملكية الوارث لعدم التبدل فيها- كما عرفت- فيكون كالاعتراف بملكية نفس المدعي في انقلاب الدعوى.

بخلاف الاعتراف بملكية الموصي لأنها أجنبية عن ملكية الموصى له، فالاعتراف له كالاعتراف للأجنبي، فلا يوجب الانقلاب.

و المقام من هذا القبيل، لأن المسلمين ليسوا بوارثين بل الانتقال إليهم من قبيل الانتقال بالوصية التمليكية.

و عليه، فلا يكون الاعتراف بملكية الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) السابقة موجبا لانقلاب الدعوى، فلا تخرج الزهراء (عليها السلام) عن كونها منكرة و أبو بكر عن كونه مدعيا. مضافا إلى ان كون المقام من قبيل الوصية التمليكية ممنوع، بل الظاهر انه من قبيل الوصية العهدية فالمسلمون لا يدعون ملكية المال أصلا.

35

و حينئذ فلا يكون الاعتراف بملكية الموصي المرتفعة يقينا مع عدم الانتقال إلى المدعي- ذي اليد- موجبا لانقلاب الدعوى، لعدم الأثر في الاعتراف بها مع ارتفاعها يقينا. هذا حاصل ما أفاده (قدس سره) (1).

و يرد عليه:

أولا: ان علقة الملكية من الأمور الاعتبارية المتقومة بالطرفين بنحو يستحيل وجودها بدون الطرفين، كاستحالة وجود العرض بدون معروضه.

و عليه، فيستحيل بقاء العلقة مع تبدل أحد الطرفين، بل بارتفاع أحدهما ترتفع هي، فإذا حصلت علقة بين المال و مالك آخر، أو بين المالك و مال آخر، فهي علقة ملكية أخرى. فما ذكره (قدس سره) من إمكان بقاء العلقة على حالها مع تبدل أحد الطرفين لا مجال له.

و عليه، فلا فرق بين الموصى له و الوارث في كون تملكهما بملكية ثانية.

و ثانيا: ان مركز الدعوى الثانية إنما هو الانتقال في حياة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و ان الملكية المعترف بها هل استمرت إلى حال الوفاة أو انقطعت أثناء الحياة، فلا ربط لذلك بسنخ ملكية المسلمين بعد الوفاة و انها استمرار لتلك الملكية أو سنخ آخر من الملكية، بل بقاء ملكية الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) إلى وفاته هي مركز الدعوى و النزاع القائم، بحيث لو ثبت البقاء لكانت «فدك» للمسلمين قطعا و بلا ترديد، لأن المفروض تسليم الرواية المخلوقة.

و ملكية الرسول لفدك في حياته ترتبط بالمسلمين، فالاعتراف بها سابقا يوجب كون المسلمين ممن لهم الحق في المطالبة بالبينة على الانتقال و يعدون منكرين في قبال فاطمة (عليها السلام)، سواء كانوا ورثة أم موصى لهم، إذ لا علاقة بالدعوى بما بعد الوفاة، بل مركزها ما قبل الوفاة و كونهم طرف الدعوى‏

____________

(1) الكاظمي الشيخ محمد علي، فوائد الأصول 2- 229- الطبعة الأولى.

36

لارتباطها- أعني الملكية- بهم- كما عرفت- و عليه، فلا وجه لتعليل اعتراض الإمام (عليه السلام) على أبي بكر في طلبه البينة: بان الملكية المعترف بها ليست عين الملكية المدعاة، فلا يحصل الانقلاب، لأن المفروض ان مركز الدعوى بقاء ملكية الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لإبقاء الملكية مطلقا، و ملكية الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أجنبية عن ملكية المسلمين على التقديرين- أعني: الوراثة و الوصاية- اما لاختلاف الإضافة أو لاختلاف سنخ الملكية.

و بالجملة: فلا يظهر لما ذكره المحقق النائيني وجه وجيه. فتدبر.

و اما المحقق العراقي، فقد ذهب إلى: ان مقتضى القاعدة عدم انقلاب الدعوى بالإقرار للمدعي بالملكية السابقة لحكومة اليد على الأصل.

و لكن قام الإجماع على الانقلاب في صورة الإقرار بملكية المدعي أو المورث. و اما في صورة الإقرار بملكية الموصي فلا إجماع على الانقلاب، فمقتضى القاعدة عدمه، و الإجماع المذكور يقتصر فيه على مورده لأنه دليل لبي لا إطلاق له.

و حيث ان الإقرار في مسألة فدك للموصي لا للمورث لم يلزم منه انقلاب الدعوى، فيتجه اعتراض الإمام (عليه السلام) على أبي بكر في مطالبته إياه بالبينة مع انه ذو يد.

و لا يخفى ان هذا- مع غض النّظر عن كون الانقلاب مقتضى القاعدة كما عرفت، و كون الإجماع في مورده ليس تعبدا محضا، بل الفقهاء يعللون الانقلاب، فلا وجه للتمسك به مع كونه على خلاف القاعدة- ليس اعتذارا عن المشهور دفعا للإشكال عليهم. فالتفت.

فالأولى في الاعتذار ما عرفته فتدبره فانه بالتدبر حقيق و اللّه سبحانه و تعالى ولي التوفيق.

37

الجهة الخامسة: في ان اليد هل تكون حجة على الملكية مطلقا

و لو شك في قابلية ما عليه اليد للملكية و النقل و الانتقال، كما لو شك في كون من باليد عبدا أو حرا، أو تختص في صورة العلم بالقابلية، فتكون حجة على إضافة الملكية إلى ذي اليد.

و على الأول: يقع الكلام في مسألتين:

الأولى: ما إذا علم حال العين في انها ليست قابلة للنقل و الانتقال و اليد سابقا، بان كانت العين وقفا و اليد يد ولاية أو إجازة أو نحوهما، ثم شك في مالكية ذي اليد للعين لا حقا.

الثانية: ما إذا علم حال العين فقط و لم يعلم حال اليد، بل احتمل ان تكون اليد من أول حدوثها مالكية.

و لا يخفى ان الكلام في هاتين المسألتين في طول ثبوت حجيتها المطلقة، و إلا فمع ثبوت اختصاص حجيتها بما له القابلية، فلا إشكال في عدم حجية اليد في المسألتين للشك في القابلية كما لا يخفى.

أما الكلام في المسألة الأولى، فيعلم من الكلام في الجهة الثالثة الّذي مر مفصلا، و عرفت فيه عدم حجية اليد، لأن القدر المتيقن غير هذا فراجع.

و أما الكلام في المسألة الثانية فهو يقع في مرحلتين:

الأولى: مرحلة الثبوت. و التكلم فيها في تحقق ملاك الطريقية و الكاشفية الناقصة في اليد، بناء على اعتبارها من باب الطريقية.

و ليس الكلام فيه بمهم في المقام، لأن الطريقية بالمعنى الّذي ذكرناه سابقا- و هي الطريقية النوعية غير المنتفية بوجود المزاحم- متحققة هاهنا، إذ اليد طريق بنفسها إلى الملكية لو لا بعض الحالات التي تكتنفها. و بالمعنى الّذي قرره المحقق الأصفهاني هناك من الطريقية النوعية الفعلية أيضا متحققة، لأن غلبة بقاء العين على ما كانت عليه- لغلبة بقاء الحادث- انما تزاحم- في المقام- غلبة كون الأموال‏

38

ملكا طلقا لا وقفا.

و أما غلبة اليد المالكية فلا تزاحم بها، فالطريقية الفعلية متحققة لتحقق ملاكها بلا مزاحم و مقيد- كما قرره (قدس سره) هاهنا- و هو يخالف المسألة السابقة، لأن غلبة البقاء هناك في حال اليد لا في نفس العين كما في هاهنا.

و قد تمسك المحقق الأصفهاني لحجية اليد فيما نحن فيه بالإطلاق.

و لا يخفى ان أصح ما استدل به- عنده- من الأدلة اللفظية هو قوله (عليه السلام) في رواية يونس: «و من استولى على شي‏ء منه فهو له»، و هي بدلالتها اللفظية لا إطلاق لها لاختصاصها بالمورد، لمفاد: «منه»، و التمسك بها في غير المورد انما كان من باب إلغاء خصوصية المورد.

لا يخفى انه إذا كان للمورد خصوصيات متعددة و علم بعدم دخل بعض خصوصياته في الحكم يكون مطلقا من ناحية هذه الخصوصية دون غيرها.

و الخصوصية الملغاة في مورد الرواية انما هي خصوصية كون المال من متاع الرّجل و المرأة و موت أحدهما- بتقريب حصول العلم بعدم دخل هذه الإضافة في الحكم بالملكية لليد و ان عرفت ما فيه- فالإطلاق فيها من هذه الناحية.

و لكنه توجد في المورد خصوصية أخرى يحتمل دخلها في الحكم بالملكية لليد، و هي: كون المال قابلا للملكية و التردد في المالك، و هي منتفية فيما نحن فيه للشك في قبول المال للملكية، فلا يمكن التمسك بالإطلاق، إذ لا إطلاق للرواية من هذه الناحية.

و عليه، فيقع الكلام في معارضة اليد بأصالة عدم حصول السبب المسوغ و عدمها.

و قد قرب المحقق الأصفهاني عدم تعارض الأصل مع اليد و حكومة اليد عليه: بان اليد لما كانت حجة على الملكية فهي حجة على ملزومها و هو حصول السبب المسوغ للبيع. و عليه فتكون اليد حاكمة على الأصل.

39

و لا يخفى ما فيه، لما عرفت من ان اليد ليست حجة في اللوازم و الملزومات، و لو كانت أمارة، بل هي حجة في نفس مفادها لا أكثر.

فالأولى التمسك في المقام بأصالة الصحة في عمل الغير، فنصحح العقد الحاصل بها، و هي مقدمة على استصحاب عدم حصول السبب المسوغ.

و قد يقال: ان مثل المورد هو مورد اليد الّذي وقع التسالم على اعتبارها فيه، لأن أصالة عدم حصول السبب المسوغ، كأصالة عدم حصول السبب الناقل مع العلم بعدم الملكية السابقة، فكما ان اليد لا تتعارض مع هذا الأصل فكذلك لا تتعارض مع ذاك.

و لكنه يقال: فرق بين المقامين، لأن القدر المتسالم عليه هو عدم معارضة أصالة عدم تحقق السبب الناقل لليد. و اما مع العلم بتحقق السبب و لكن الشك في تحقق المؤثر لسببيته و المسوغ له، فلا يعلم تقدم اليد على الأصل الجاري لنفي تحقق المسوغ. و يمكن إجراء هذا الإشكال في جميع صور الشك في الصحة من جهة الشك في تحقق بعض شروطها كالعلم بالعوضين و غيره.

و قد أفاد المحقق النائيني (قدس سره) في المقام: ان اليد قد أخذ في موضوع حجيتها قابلية المحل للملكية و النقل و الانتقال، لأن مفادها: ان المال قد انتقل من مالكه الأول إلى ذي اليد بأحد الأسباب الناقلة، و ذلك انما يكون بعد الفراغ عن كون المال قابلا للنقل و الانتقال، و الوقف ليس كذلك، لأن الانتقال فيه انما يتحقق بعد عروض السبب المسوغ للنقل، و اليد لا تتكفل ذلك. بل استصحاب عدم طرو المسوغ يقتضي سقوط اليد لأنه يرفع موضوع اليد، فيكون حاكما عليها (1).

و قد أورد المحقق العراقي (قدس سره)- في بعض تقريراته-: ان أخذ القابلية الواقعية في موضوع اليد- مضافا إلى عدم تماميته- يستلزم سقوط اليد عن الحجية

____________

(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 4- 266- الطبعة الأولى.

40

بمجرد الشك في القابلية و عدمها، لأنه شك في تحقق الموضوع، فلا تصل النوبة إلى جريان الاستصحاب و حكومته على اليد.

فكلامه مع المحقق النائيني في جهتين:

الأولى: عدم أخذ القابلية في موضوع اليد.

الثانية: انه لو أخذت، فلا حاجة الاستصحاب، بل مجرد الشك كاف في سقوط اليد عن الحجية.

أما الجهة الثانية: فهي غير تامة، لأنه لا إشكال في ان لجريان الاستصحاب في عدم تحقق المسوغ- مع قطع النّظر عن اليد- أثرا شرعيا كعدم جواز بيعه و غيره من أحكام الوقف، فيمكن أن يكون جريانه بلحاظ أثره الشرعي.

و أما التعبير بالحكومة، فيمكن توجيهه: بان الدليل الحاكم لا يختص بما كان مخرجا لفرد كان مشمولا فعلا للدليل المحكوم لو لا الدليل الحاكم، بحيث كان للدليل المحكوم اقتضاء فعلي لشمول هذا الفرد.

بل هو يعم ما كان كذلك و ما كان مخرجا لفرد يتوهم شمول الدليل الآخر له، و ان لم يكن فيه مقتضى الشمول فعلا.

و الاستصحاب هاهنا أثبت عدم تحقق قابلية العين للملكية، و هي- أي العين- مما يتوهم شمول دليل اليد لها في حد نفسها و مع قطع النّظر عن كونها مشكوكة الحال و ان الشبهة موضوعية، و ان كان ليس فيه اقتضاء الشمول فعلا باعتبار الشك.

و عليه، فالاستصحاب جار و يكون حاكما على اليد بهذا اللحاظ، و هذا لا ينافي سقوط اليد عن الحجية للشك. فلا إشكال على المحقق النائيني من هذه الناحية.

نعم، لو كان مراده (قدس سره) أن سقوط اليد عن الحجية انما هو لأجل الاستصحاب، بحيث لولاه لكانت اليد حجة- كما لعله الظاهر من كلامه فتأمل-

41

اتجه عليه الإيراد: بأنه لا حاجة إلى الاستصحاب في ذلك، بل بمجرد الشك تسقط اليد عن الحجية، لأن الشبهة مصداقية كما لا يخفى.

و أما [1] الجهة الأولى- و هي العمدة في المقام كما أشرنا إليه- فتحقيق الكلام‏

____________

[1] تحقيق الحال في المسألة باختصار: ان اليد الحادثة على العين تارة يشك في انها حدثت عن تملك بعقد أو بغيره أو حدثت لا عن تملك. و مثل ذلك هو المتيقن من بناء العقلاء على الحجية و أخرى يعلم بأنها حدثت عن عقد أو نحوه و شك في صحة العقد و عدم صحته، و في مثل ذلك يمكن ان يقال ان بناء العقلاء على غض النّظر عن اليد و ملاحظة السبب الناقل فيرى أنّه صحيح أو ليس بصحيح و يحكم بالملكية و عدمها بملاحظته. و لا أقل من التشكيك في حجية اليد في مثل هذه الصورة.

و قد يقال انهم يحكمون بحجية اليد ما لم يثبت لديهم بطريق معتبر بطلان العقد، و لا يحكمون بالملكية استنادا إلى اليد جزما، و ليس بناؤهم على ترتيب أثر الملكية قطعا. و بالجملة مع العلم بالسبب الناقل و الشك فيه إما أن يقال بقصر نظرهم عليه و سقوط اليد عن الحجية مطلقا و يقال بسقوطها في مورد ثبوت بطلان السبب.

و مفروض كلام النائيني (قدس سره)، من هذا القبيل فان المفروض العلم بسبق الوقف و احتمال عروض المصحح لبيعه.

و في مثله لا تكون اليد حجة بل لا بد من ملاحظة السبب الناقل فيتمسك له مثلا بأصالة الصحة أو غيرها. و مع الغض عن ذلك فلا يشك في أنه مع ثبوت بطلان السبب تسقط اليد عن الحجيّة و هذا كما ذكرناه ما ادعاه النائيني (قدس سره) فان استصحاب عدم طرد المسوغ يترتب عليه بطلان البيع فيثبت بطلانه بواسطة الاستصحاب فيرتفع موضوع حجية اليد و تسقط عن الاعتبار. و بهذا البيان للمسألة و توجيه كلام النائيني (قدس سره) لا يتم ما جاء في كلام المحقق الأصفهاني من قياس هذا الاستصحاب باستصحاب الملكية الجاري في مطلق موارد اليد، فان استصحاب الملكية لا ينفي موضوع اليد و لا يترتب عليه شرعا بطلان العقد بخلاف هذا الاستصحاب.

كما أنه لا وجه لما جاء في كلام العراقي في البحث في ان المأخوذ هو القابلية الواقعية أو الجهل بها و تفصيل الكلام في ذلك، في مقام الإيراد على النائيني، إذ عرفت أن محل الكلام لا يرتبط

42

فيها يستدعي بيان المراد من القابلية المبحوث عنها هاهنا. فنقول: ليس المراد من القابلية، القابلية بمعناها الفلسفي الّذي هو عبارة عن الاستعداد الذاتي للعين.

لوضوح حصول التبدل في العين من هذه الناحية، فتارة تكون ذات قابلية. و أخرى لا تكون كذلك مما يكشف عن عدم إرادة ذلك المعنى منها، بل المراد منها تأثير السبب الناقل في العين. فإذا حكم الشارع بان السبب الناقل يؤثر في هذه العين الانتقال كان لها قابلية. و ان حكم بعدم التأثير لم يكن لها قابلية. فالقابلية و عدمها ينتزعان عن حكم الشارع بتأثير السبب في نقل العين و عدمه.

و على هذا، فقد يقال: بان محققات القابلية و شروطها- في العين المسبوقة بعدم القابلية- تكون شروطا في تأثير العقد في هذه العين، نظير العلم بالعوضين و طيب النّفس، فيقال: العقد مؤثر و ناقل لهذه العين إذا كان قد حصل الأول إلى الخراب- مثلا-. فمرجع الشك في بقاء عدم القابلية و عدمه إلى الشك في حصول السبب الناقل و عدمه- إذ عدم حصوله أعم من عدم وجوده بالمرة أو حصوله غير صحيح- و لا إشكال في عدم استلزام ذلك لسقوط اليد عن الحجية، فلا ثمرة في الكلام حينئذ.

و لكنه و إن سلم ذلك، إلّا ان هذا النوع من الشروط- و هو شرط القابلية للنقل و الانتقال- له خصوصية عن غيره، و لذلك وقع محل الكلام دون غيره.

و على كل، فليس هذا بمهم و ضائر، لأن الكلام في أخذ القابلية للملكية في موضوع اليد مطلقا مع غض [1] النّظر عن سبق القابلية أو عدمها و تحقق عقد

____________

- بأخذ القابلية و نحوها بل يرتبط بملاحظة السبب الناقل و لا يخفى عليك ان محل الكلام هو مورد العلم بسبق عدم القابلية اما مع عدم فرض ذلك بلا شك رأسا في ان ما تحت اليد ملك أو وقف فلا إشكال في حجية اليد و عدم توقف العقلاء في البناء على ملكية ذي اليد و معاملته معاملة المالك.

[1] فيه تأمل يظهر من ملاحظة تحقيق كلام النائيني (قدس سره) في الحاشية.

43

و عدمه. بل موضوع الكلام ما إذا كانت عين في يد شخص و كانت مشكوكة القابلية، فهل اليد تكون دليلا على الملكية أو لا.

لا إشكال في ذلك- أعني كونها دليلا على الملكية- إذ لا إشكال في عدم اعتبار القابلية في موضوع اليد، لما نراه من بناء العقلاء على عدم ملاحظة قابلية ما في اليد للملكية، بل يعاملون ذا اليد معاملة المالك و يبنون على ما في يده ملكا و ان كان لديهم شك في قابلية المحل للملكية، و يتأكد ذلك بملاحظة التعليل لاعتبار اليد الوارد في رواية حفص من توقف قيام السوق للمسلمين على ذلك، إذ لا ريب في انه مع اعتبار القابلية و عدم حجية اليد مع الشك فيها يأتي المحذور السابق لأن أغلب ما في سوق المسلمين مشكوك القابلية، فالتفت.

يبقى الكلام في اعتبار عدم العلم بعدم القابلية في موضوع حجية اليد.

و قد قرّبه المحقق العراقي: بأنه لا إشكال في ان دليل اعتبار اليد دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن، و القدر المتيقن من بناء العقلاء هو اعتبار اليد مع عدم العلم بعدم القابلية.

اما مع العلم بعدمها فلا يبنون على حجية اليد على الملكية، فيختص موضوع اعتبار اليد بعدم العلم بعدم القابلية. و حينئذ فمع الشك و سبق العلم بعدم القابلية يكون استصحاب عدم القابلية مقدّما على اليد على قول و معارض لها على قول آخر، فانه على القول بان دليل الاستصحاب مفاده التعبد ببقاء اليقين و تنزيل الشك منزلة اليقين، يكون الاستصحاب مقدما على اليد لأنه يحقق العلم تنزيلا بعدم القابلية فيرتفع به موضوع اليد. و على القول بان مفاد دليل الاستصحاب تنزيل المشكوك منزلة المتيقن، و ان اليقين مأخوذ مرآتا للمتيقن لا يكون مقدّما، لأن الاستصحاب لا يرفع الجهل بالقابلية و لو تنزيلا، بل يكون معارضا لليد (1).

____________

(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار: 4- 27- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

44

و في كلامه- بشقيه- نظر:

أما حديث التفرقة بين القولين في جريان الاستصحاب و تقدمه على اليد.

ففيه ما سيأتي من تصحيح تقدم الأصل السببي على الأصل المسببي مطلقا و على كل تقدير، حيث ان نسبة الأصل المذكور إلى اليد كنسبة الأصل السببي إلى الأصل المسببي، فان الأصل الجاري فيما كان الجهل فيه أو في عدمه موضوعا لمجرى أصل آخر يكون سببا، و ذلك الأصل الآخر مسببيا كما سيتضح فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

و أما حديث أخذ الجهل بعدم القابلية في موضوع اليد شرعا. فيتضح عدم تماميته بما عرفت من ان الجهل قد يؤخذ موردا و قد يؤخذ موضوعا. و ان الفرق بين الأصول و الأمارات ان الجهل في الأولى مأخوذ بنحو الموضوعية، و في الثانية الأصول و الأمارات ان الجهل في الأولى مأخوذ بنحو الموضوعية، و في الثانية مأخوذ بنحو الموردية. و إلا فهما لا يفترقان في عدم جريانهما في صورة العلم بالواقع، و اختصاص جريانهما في صورة الجهل بالواقع، فاليد و ان كان اعتبارها مختصا بما إذا كان عدم القابلية مجهولا، إلّا انه لا يعلم كون الجهل قد أخذ بأي النحوين، فقد يكون مأخوذا بنحو الموردية و لا دليل على كونه مأخوذا بنحو الموضوعية، فتدبر جيدا.

ثم أنه (قدس سره) ذهب إلى عدم أخذ القابلية بوجودها الواقعي في موضوع حجية اليد، لاستلزام سقوط اليد عن الحجية في كثير من الموارد، مما يؤدي إلى اختلال النظام المشار إلى نفيه في رواية حفص بقوله (عليه السلام): «و لو لم يجز ذلك لم يقم للمسلمين سوق». و لا يخفى ان ظاهر ما أفاده (قدس سره) هو خلط في موارد الشك في القابلية بين سبق عدم القابلية و عدم السبق بذلك.

و قد عرفت ان محل الكلام الأول دون الثاني. ثم ان الاستدلال باختلال النظام غير مسلم إذ ليس من موارد الشك في القابلية بذلك الموجبة لاختلال النظام، مع أنها لو تمت فانما تتم في موارد العلم بسبق عدم القابلية، إذ الالتزام بعدم حجية اليد في موارد العلم بسبق عدم القابلية لا يستلزم الاختلال قطعا، لعدم كونها

45

بحد من الكثرة بحيث يلازم سقوط اليد اختلال النظام، فلاحظ.

الجهة السادسة: في ان اليد كما تكون دليلا على ملكية العين‏

، هل تكون دليلا على ملكية المنفعة أم لا؟

و أساس الكلام على ان الاستيلاء الّذي هو معنى اليد هل يمكن ان يحصل على المنفعة، كما يمكن ان يكون على نفس العين أم لا؟

و قبل الخوض في تحرير المسألة لا بد من ان نعرف الثمرة من البحث فيها.

و لا يخفى ان الغرض إثبات ملكية المنفعة باليد، كما تثبت ملكية العين بها، بحيث تكون اليد طريقا إلى إثبات ملكية المنفعة.

فقد يقال: ان ملكية المنفعة تابعة لملكية العين، فاليد على العين طريق لملكية العين و بها تثبت ملكية المنفعة، فلا يحتاج في إثبات ملكية المنفعة إلى إثبات تحقق الاستيلاء عليها و حجيته على ملكيتها، فلا ثمرة حينئذ.

و لأجل ذلك قيل: بان الثمرة تظهر في صورة اختصاص الاستيلاء على المنفعة دون العين، و ذلك كالمتصدي لإجارة الدار و الصلح على المنفعة، فان له استيلاء على المنفعة باعتبار تصديه للمعاملة عليها دون العين، إذ العين بيد الغير، فثبوت ملكية المنفعة منحصر باليد عليها إذ لا يد لمالكها على العين كي تثبت ملكيتها بتبع ملكية العين.

و يشكل هذا: بان الاستيلاء على المنفعة لا يعقل انفكاكه عن الاستيلاء على نفس العين، و التصدي للإجارة و الصلح لا يحقق الاستيلاء، و إلا لكان الفضولي المتصدي لإجارة الدار فضوليا له استيلاء على المنفعة، مع انه ليس كذلك.

فالأولى ان يقال: بان الثمرة تظهر في صورة ما إذا كان الشخص له استيلاء على العين و المنفعة و علم بعدم ملكيته العين، كالمستأجر للوقف أو لدار غيره، فان المستولي على المنفعة- في هذا الفرض- و ان كان له استيلاء على العين، لكنه ليس مالكا لها- كما هو المفروض- فلا يمكن استكشاف ملكية المنفعة بالاستيلاء على‏

46

العين.

إذا عرفت ذلك: فالمنسوب إلى الفاضل النراقي (قدس سره) تخصيص حجية اليد بالأعيان دون المنافع، ثبوتا و إثباتا.

أما ثبوتا: فلأنه لا يتصور تحقق الاستيلاء الخارجي على المنافع، لأنه انما يتحقق في الأمور القارة التي لها ما بإزاء في الخارج كالأعيان.

أما الأمور التدريجية، فلا يتصور تحقق الاستيلاء عليها، لأن موضوع الثمرة و المهم في المقام هو الاستيلاء على المنفعة المستقبلة الحدوث. أما الاجزاء الموجودة، فلا أهمية و لا غرض في الاستيلاء عليها. و المنفعة المستقبلة عبارة عن الاجزاء الأخرى التي بعد لم تحصل، و انما يكون حصولها بعد هذا الآن، فهي معدومة الآن فلا يتحقق الاستيلاء بالنسبة إليها، إذ لا استيلاء على المعدوم. و المنفعة من الأمور التدريجية الحاصلة بالتدرج فلا يتحقق الاستيلاء عليها.

و أما إثباتا: فلأن الأدلة على حجية اليد لا إطلاق لها إلا روايتي يونس و حفص.

و الأولى: موضوعها الأعيان، لرجوع الضمير في: «منه» إلى متاع البيت و هو من الأعيان.

و الثانية: و ان كانت بحسب صدرها عامة للتعبير بالشي‏ء، و هو أعم من العين و المنفعة، إلا ان في الكلام ضميرا يرجع إلى بعض افراد العام و هو الأعيان، و ذلك في قوله: «تشتريه» فان الشراء يتعلق بالأعيان لا بالمنافع. فيدور الأمر بين ان يكون المراد من العام هو هذه الافراد، أو يكون استعمال الضمير من باب الاستخدام، فلا أقل من صيرورة الكلام مجملا، و هو كاف في عدم جواز التمسك به في إثبات المطلوب‏ (1).

____________

(1) المحقق النراقي ملا أحمد. مستند الشيعة 2- 578 الموضع السادس من الفصل الخامس الطبعة القديمة-.

47

و قد أورد عليه السيد الطباطبائي (قدس سره) في كتاب القضاء (1)، بوجهين:

الأول: انه يمكن تصور الاستيلاء على المنافع مستقلا على الاستيلاء على الأعيان كالمزرعة الموقوفة على العلماء و السادة مع كون العين بيد المتولي و صرف حاصلها و منافعها فيهم، فان لهم الاستيلاء على المنافع المرسلة إليهم.

الثاني: النقض عليه بحق الاختصاص، فكما يتصور الاستيلاء على حق الاختصاص كما في العين الموقوفة المختصة بأربابها، كذلك يتصور الاستيلاء على المنافع.

و قد أورد على الوجه الأول: بان المراد من المنافع التي هي موضوع البحث ما يقابل الأعيان، و هي التي تكون تدريجية التحقق و معدومة الوجود فعلا، و المنافع المذكورة المستوفاة من المزرعة الموقوفة داخلة في الأعيان، و ان أطلق عليها لفظ المنفعة باعتبار استخراجها من عين أخرى.

و أورد على الوجه الثاني: بان الاستيلاء على الأعيان تختلف آثاره باختلاف الأعيان، و الاستيلاء على الدار اثره ملك العين و على الموقوفة اختصاصها بالمستولي، و على الأرض الحجرة أولويته بها فالكل من باب الاستيلاء على الأعيان لا الاستيلاء على العين تارة و على الحق بأنحائه أخرى.

أما الإيراد على الوجه الأول فلا شبهة فيه كما هو واضح.

و لكن الإيراد على الوجه الثاني لا يمكن الالتزام به، لأنه (قدس سره) يصرح في أوائل كلامه بمضمون الإيراد، فلا وجه للإيراد به عليه، إذ منه يعلم إرادة شي‏ء آخر من نقضه لا يتوجه عليه هذا الإيراد.

و يمكن ان يريد من كلامه: ان حق الاختصاص نوع من أنواع الملكية

____________

(1) الطباطبائي الفقيه السيد محمد كاظم. العروة الوثقى 3- 122- الطبعة الأولى.

48

كملكية العين و ملكية المنفعة و ملكية الانتفاع. فمتعلق حق الاختصاص من سنخ متعلق ملكية المنفعة. و بعبارة أخرى: ان الاختصاص من سنخ المنفعة، فكما يثبت حق الاختصاص باليد على العين الموقوفة- مثلا- فكذلك تثبت ملكية المنفعة بالاستيلاء على العين، إذ لا فرق بينهما.

و قد ذكر صاحب البلغة (قدس سره)- كما حكي عنه‏ (1)-: ان قبض المنافع بقبض العين، بدليل جواز مطالبة الموجر للمستأجر بالأجرة بمجرد القبض، فما لم يقبضه المنفعة لم يكن له المطالبة بالأجرة، لأن المعاملة قد وقعت على المنفعة.

و فيه:- كما ذكره المحقق الأصفهاني (قدس سره)- كما حكي عنه- ان مقتضى القاعدة جواز المطالبة بالأجرة بمجرد المعاملة، لأن الموجر يملك العوض بالمعاملة، كما ان المستأجر يملك المعوض- و هو المنفعة- بها أيضا. فالحكم بعدم جواز المطالبة بالعوض في سائر المعاملات قبل الإقباض حكم على خلاف القاعدة و ليس على وفقها، من باب الالتزام الضمني من كلا المتعاقدين على ان التسليم بعد الإقباض.

فيقتصر فيه على مورده و هو غير الإجارة، فانهم حكموا فيها بعدم جواز المطالبة بالأجرة قبل التمكين من استيفاء المنافع لا قبل قبض المنفعة.

فصحة المطالبة بالأجرة حين قبض العين انما هو من جهة حصول التمكين على الاستيفاء لا من جهة إقباض نفس المنفعة.

بل هذا الوجه جار في سائر المعاوضات، فان صحة المطالبة بالعوض فيها متوقفة على التمكين من استيفاء المعوض لا على قبضه، فالتفت.

و قد أفاد المحقق الأصفهاني في رد ما ذكره الفاضل النراقي: ان منافع الأعيان حيثيات و شئون قائمة بها و موجودة بوجودها على حد وجود المقبول بوجود القابل، و اما السكنى بالمعنى الفاعلي، فهي من أعراض الفاعل لا من منافع الدار.

____________

(1) بحر العلوم بلغة الفقيه 3- 315- الطبعة الأولى.

49

فحيثية المسكنية هي منفعة الدار، و ما دامت الدار على هذه الصفة تكون المنفعة مقدرة الوجود عند العقلاء، فتقبل كل صفة اعتبارية من الملك و الاستيلاء.

و لا يخفى ان المراد من المسكنية التي تكون هي منفعة الدار إن كان هو قابلية الدار للسكنى، فهم لا يلتزمون بكون المنفعة هي القابلية، و ان كان هو المسكنية الفعلية فهي مضافا إلى انها من شئون الفاعل تدريجية الحصول، فتكون معدومة.

و التحقيق ان يقال: ان بناء العقلاء على ملكية المنفعة عند الاستيلاء على العين بحيث يعدونها من شئون الاستيلاء على العين مما لا إشكال فيه و لا ريب يعتريه، سواء في ذلك كون العين مملوكة للمستولي أو غير مملوكة له.

فلا يهمنا كثيرا معرفة قبول المنفعة للاستيلاء و تصوير المنفعة بشكل يقبله بعد البناء المذكور من العقلاء.

و قد يكون هذا البناء منهم لبنائهم على تحقق الاستيلاء على المنفعة، أو لأجل غلبة ملكية المنفعة عند الاستيلاء على نفس العين فتدبر جيدا و لا تغفل.

الجهة السابعة: في جواز الشهادة على الملك استنادا إلى اليد.

و لا بد أولا من بيان ثمرة الكلام، إذ قد يتوهم عدم الثمرة لأنه لا يختلف الحال في الشهادة على اليد أو على الملك في ترتب الأثر المطلوب، و هو ثبوت ملكية المشهور له بل قد يقال: بان الاحتياج إلى الشهادة في مقام الدعوى، و لا تنفع البينة المستندة إلى اليد مع وجود بينة معاكسة لها، إذ البينة المستندة إلى اليد لا تزيد على نفس اليد و اليد لا تعارض البينة على الخلاف. هذا مع ان البينة المستندة إلى اليد، مع التفاتها إلى البينة المخالفة تسقط عن الحجية، لأجل استنادها إلى غير الحجية و هو موجب للفسق.

فنقول: الثمرة تظهر في ما لو كان المطلع على استيلاء المشهور له واحدا و كان هناك شخص آخر مطلعا على ملكية المشهود له السابقة، فانه بناء على قيام الطرق و الأصول مقام العلم تكون شهادة كل من الشخصين بالمسبب- أعني: الملكية-

50

بلحاظ وجود الطريق لكل منهما و ان كان مختلفا، مجدية في المقام لتمامية البينة على الملكية. بخلاف ما لو شهد بالسبب الّذي يعلمانه، لأن كلا منهما يشهد بسبب غير السبب الّذي يشهد به الآخر، فلا تتم البينة على أحد السببين كي يترتب عليه الأثر. فالشهادة على اليد في الفرض لا أثر لها بخلاف الشهادة على الملك، لأنها جزء البينة، فبضميمتها إلى الشهادة الأخرى على الملك تتم البينة و يترتب الأثر.

و الّذي يقرب في النّظر عدم جواز الشهادة استنادا إلى اليد، و ذلك لأن الإخبار الجائز هو الخبر الصادق في قبال الخبر الكاذب. و الصدق و الكذب عنوانان ينتزعان عن مطابقة الخبر للواقع و عدم مطابقته، و مع الشك في المطابقة لا يجوز الإخبار قطعا و لو لأجل التجري لكونه طرف العلم الإجمالي.

و عليه، فإذا قامت اليد على الملكية لا يحرز أن الإخبار عن الملكية مطابق للواقع، فلا يحرز أنه صدق.

نعم، لو كان اليد حجة في اللوازم كانت حجة في مطابقة الخبر للواقع، و لكن عرفت منع ذلك.

و بالجملة: الحكم الشرعي غير مترتب على مؤدى اليد مباشرة، بل متعلق بعنوان ملازم له، و هي غير حجة في لوازمها بخلاف البينة، فانها إذا قامت على الملكية كان لها دلالة التزامية، على ان الإخبار عنها مطابق للواقع، و هي حجة في الدلالة المطابقية و الالتزامية.

و إذا ظهر عدم جواز الإخبار بمقتضى اليد تكليفا، ظهر عدم جوازه وضعا، فلا يكون الإخبار حجة لفسق المخبر به جزما.

و هذه الجهة مما غفل الأعلام عنها، و لم أجد من تنبه لذلك، و انما أوقعوا الكلام في اعتبار العلم في جواز الشهادة و قيام اليد مقام العلم، فتدبر.

و كيف كان فالمشهور- على ما حكي- على المنع عن الشهادة استنادا إلى اليد، لأخذ العلم الوجداني في موضوع جواز الشهادة.

51

و تحقيق الكلام في هذه الجهة يستدعي البحث في نواح ثلاث:

الأولى: في أخذ العلم موضوعا لجواز الشهادة.

الثانية: في انه على تقدير موضوعية العلم فهل هو مأخوذ بنحو الصفتية أو الطريقية؟.

الثالثة: في قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي.

أما موضوعية الأولى- أعني العلم لجواز الشهادة- فلا إشكال فيها و لا ارتياب لدلالة الاخبار الكثيرة عليها. هذا و لكن يقرب جدا: ان يكون المنظور في الاخبار النهي عن الشهادة استنادا إلى التخمين و الحدس الظني الّذي كثيرا ما يستند إليه المخبرون، و لا نظر لها إلى اعتبار العلم بالمخبر به، كما لا يخفى على من لاحظها و الأمر هيّن.

و أما الناحية الثانية- و هي كيفية أخذه و انه بنحو الصفتية أو الطريقية، فالكلام فيها يبتني على القول بإمكان أخذ العلم موضوعا بأحد النحوين.

أما من لا يرى إمكان أخذه بنحو الصفتية و انحصاره في جهة الطريقية، فهو في سعة عن الكلام فيها.

و ذلك كالمحقق الأصفهاني (قدس سره)، فانه أفاده في تقريب ذلك بان: أخذ العلم في الموضوع معناه أخذه بميزاته عن الصفات الأخرى.

فالملحوظ فيه هو الجهة المميزة له عن غيره، و إلّا فلو أخذ بلحاظ بعض الجهات المشتركة بينه و بين غيره، لا يكون أخذا له في الموضوع، بل أخذا للجامع المشترك بينه و بين غيره.

و لا يخفى ان الجهة المميزة للعلم التي هي بمنزلة الفصل له هي جهة الطريقية و الكشف التام. فان بها يكون العلم علما و يكون مباينا للظن و غيره من الصفات.

فمعنى أخذ العلم في الموضوع أخذه بهذه الجهة، إذ لا جهة أخرى تميزه عن باقي الصفات.

52

و قد تقدم منا في مباحث القطع: ان هذا التقريب غير مانع من إمكان أخذ العلم بأحد النحوين.

و محصل ما ذكرناه هناك: ان العلم و ان كان فيه جهة واحدة هي المميزة له عن سائر الصفات النفسيّة و بها صار علما، و هي جهة الطريقية و الكشف التام.

إلا ان هذه الجهة تارة: يترتب عليها الأثر بما هي هي و مع غض النّظر عن الواقع المرآتي بها و المنكشف بواسطتها. و أخرى يكون الأثر مترتبا عليها بلحاظ الواقع المنكشف بها. فالانكشاف في كلا الموردين موضوع للأثر، لكنه بنفسه و بلحاظ ذاته يكون كذلك في مورد و بلحاظ الواقع المنكشف به يكون كذلك في المورد الآخر.

و عليه، فأخذ العلم في الموضوع بما هو صفة خاصة معناه أخذ الجهة المميزة له بنفسها و بما هي. و أخذه بما هو طريق هو لحاظ الجهة المميزة فيه باعتبار كشفها عن الواقع، فكأن الواقع هو الملحوظ فيه و ان كان العلم هو الموضوع حقيقة.

و إذا اتضح إمكان تصور أخذ العلم بهذين النحوين و لو كان المميز للعلم جهة واحدة، فلا بد من تعيين انه على أي النحوين قد أخذ موضوعا لجواز الشهادة.

و الّذي يظهر من مساق الروايات الواردة في اعتبار العلم في موضوع جواز الشهادة هو أخذه بنحو الطريقية. فان الظاهر منها كون المنظور هو حفظ الواقع عن التغيير و التبديل، و ان أخذ العلم انما هو للمحافظة على حقوق الناس و ان الشهادة لا بد ان تكون على أساس و مستند و لا تكون مجازفة في القول و تهور كي تحفظ الحقوق عن الضياع.

و أما الناحية الثالثة- و هي قيام الطرق مقام القطع الموضوعي-: فهو انما يتحقق بناء على القول بان دليل الأمارة يتكفل تنزيلها منزلة العلم، لما تقدم من التمسك بإطلاق دليل التنزيل في ترتيب جميع آثار العلم عليها. لكنك عرفت عدم ثبوت التنزيل المذكور لعدم وفاء الأدلة به. خصوصا في مثل اليد التي لا يعرف انها

53

أمارة أو أصل، فكيف يستطاع ان يشخص مفاد دليلها على احتمال كونها إمارة؟

فلاحظ.

أما على الأقوال الأخرى في ما يتكفله دليلها، فلا تقوم مقام القطع المأخوذ في الموضوع.

أما على ما ذكره الشيخ- و اخترناه أخيرا- من تكفل دليلها تنزيل المؤدى منزلة الواقع‏ (1)، فعدم القيام واضح و يتلخص وجهه بما بينه صاحب الكفاية (قدس سره) في أوائل مباحث القطع في مقام الإيراد على الشيخ من: ان دليل الاعتبار إذا كان متكفلا لتنزيل المؤدى منزلة الواقع، فالملحوظ فيه استقلالا هو المؤدى و الواقع، و الأمارة و القطع ملحوظان في هذا التنزيل باللحاظ الآلي المرآتي. و قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي يستدعي لحاظ الأمارة و القطع بالاستقلال في دليل التنزيل، فلا يمكن ان يتكفل دليل الأمارة لتنزيل المؤدى منزلة الواقع و تنزيل الأمارة منزلة العلم، لاستلزامه اجتماع لحاظين أحدهما آلي و الآخر استقلالي و هو ممتنع‏ (2).

و أما على ما ذهب إليه المحقق الخراسانيّ من جعل المنجزية و المعذرية. فقد يتوهم قيامها مقامه باعتبار كون الدليل يتكفل تنزيلها منزلة العلم في ذلك.

و لكنه غير صحيح لوجهين:

الأول: ان جعل المنجزية و المعذرية يقتضي لحاظ الواقع بالاستقلال، لأن مفاده ان الواقع يتنجز بالأمارة، فقيامها- حينئذ- مقام القطع الموضوعي يقتضي لحاظ نفس الأمارة بالاستقلال، فيلزم اجتماع اللحاظين.

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 4- الطبعة القديمية.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 264- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

54

الثاني: ان دليل التنزيل هاهنا ليس لفظيا ذا إطلاق كي يتمسك به في ترتيب جميع الآثار، إذ هو منتزع عن ترتيب أثر خاص للعلم و هو المنجزية و المعذرية على الأمارة، فيؤخذ بالقدر المتيقن، و هو التنزيل بلحاظ هذا الأثر الخاصّ لا بلحاظ جميع الآثار- كما مر ذلك في بيان حكومة الأمارة على الاستصحاب- و أما على المختار سابقا من كون دليل الأمارة يتكفل اعتبارها علما و جعلها كذلك، المعبر عنه بجعل الوسطية في الإثبات و تتميم الكشف- كما عليه المحقق النائيني‏ (1)- فلأن دليل الاعتبار انما يقتضي ترتيب آثار العلم الموضوعي عليها فيما إذا لم يكن للأمارة بهذا الاعتبار أثر خارجي لا يوجب تصرفا بدليل، فانه يحكم حينئذ بدلالة الاقتضاء، بان موضوع الحكم في ذلك الدليل الظاهر في الفرد الحقيقي أعم من الفرد الحقيقي و الاعتباري، كي يترتب الأثر على هذا الفرد المعتبر، و إلا لكان الاعتبار لغوا.

و المفروض ان للأمارة بهذا الدليل القائم على اعتبارها علما أثرا يترتب عليها، و هو المنجزية و المعذرية، لأن موضوعها أعم من العلم الحقيقي الوجداني و العلم الاعتباري.

فلا تتم دلالة الاقتضاء بالنسبة إلى الآثار الأخرى، لعدم لغوية الاعتبار الترتب أثر عليه بلا تصرف تقتضيه دلالة الاقتضاء، كما لا يصح التمسك بإطلاق دليل الاعتبار لاحتياجه إلى مئونة زائدة، و هي التصرف في موضوع الآثار و جعله أعم من الفرد الحقيقي و الاعتباري- و قد تقدم بيان ذلك في حكومة الأمارة على الاستصحاب فراجع- هذا، و لكن لصاحب المستند (قدس سره) تقريبا لوفاء الأمارة بتحقق موضوع جواز الشهادة، على الأقوال الأخرى في الأمارة.

____________

(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 2- 7- الطبعة الأولى.

55

و قد ذكره المحقق الأصفهاني (قدس سره) في رسالته في اليد. و حاصله: ان الملكية ليست من الموضوعات الواقعية كي يكون مرجع التعبد بها إلى التعبد بحكمها، فهي لا تكون معلومة بل المعلوم حكمها. و انما هي من الأحكام الاعتبارية المجعولة أو الأمور الانتزاعية المنتزعة عن الأحكام الشرعية- كما عليه الشيخ- و عليه، فعند قيام الأمارة على الملكية تثبت هناك ملكية ظاهرية إما اعتبارية أو انتزاعية، و يتعلق بها العلم الوجداني، فتصح الشهادة بالملكية لتحقق موضوعها حقيقة تكوينا ببركة الأمارة.

أما تحقق الملكية الظاهرية بقيام الأمارة، فهو بناء على جعل المؤدى واضح، لأن المفروض ان المجعول حكم ظاهري و هو الملكية أو ما ينتزع عنه الملكية من الأحكام الموجب لثبوتها في مرحلة الظاهر (1).

و لكنه قد لا يتضح بناء على جعل المنجزية أو جعل الوسطية في الإثبات، لأجل انها على هذين البناءين أجنبية عن ثبوت حكم ظاهري بها.

إلا أنه يمكن تصويره على هذين البناءين. بأنه عند قيام الأمارة، ففي مقام العمل و الوظيفة العملية تترتب آثار الملكية الواقعية، فللملكية نحو ثبوت، و هو معنى الملكية الظاهرية.

نعم، يبقى في المقام شي‏ء، و هو: ان مصب الدعوى هو الملكية الواقعية و الثابت بالأمارة المعلوم بالعلم الوجداني، هو الملكية الظاهرية، فما هو المعلوم الّذي تصح الشهادة به غير مصب الدعوى، فلا يجدي ما ذكر من التقريب.

و لكنه (قدس سره) أجاب عنه: بأنه لما كان إحراز الملكية الواقعية صعبا جدا بل غير ميسور عادة- لأن ثبوت ملكية الشخص انما تكون بأسبابها، و الحكم بملكية الأسباب و صحتها انما يكون بإجراء الأصول و القواعد الظاهرية- كان‏

____________

(1) أصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 340- الطبعة الأولى.

56

المدار في الدعاوي و النزاعات ثبوت الملكية الفعلية المتحققة بحسب الأدلة و القواعد الشرعية المتعارفة، لا على الملكية الواقعية. و الملكية الفعلية ثابتة بالأمارة- كما عرفت- و هي معلومة بالعلم الوجداني فتصح الشهادة بها.

و قد حكى المحقق الأصفهاني عن المحقق في الشرائع‏ (1)، كلاما لمنع الشهادة بمقتضى اليد مضمونه: انه لو أوجبت اليد الملك لم تسمع دعوى من يقول الدار التي في يد هذا لي، كما لا تسمع لو قال ملك هذا لي. انتهى. و قد استظهر منه المحقق الأصفهاني انه في مقام إنكار ثبوت الملكية باليد، و إلّا لكان الاعتراف بها مساوقا للاعتراف بالملكية، فيكون كالاعتراف بالملكية في عدم سماع دعوى المعترف حينئذ.

فحكم بسخافته- و هو عجيب منه جدا لما عرف منه من التحفظ على الموازين العرفية و الآداب العقلائية في تعبيراته بالنسبة إلى من هو أصغر من المحقق الحلي شأنا و أقصر باعا-.

و أورد عليه بوجهين:

الأول: انه إنكار لحجية اليد على الملكية مع انه مسلم و محل الكلام غير هذا، فانه جواز الشهادة بمقتضى اليد بعد الفراغ عن حجيتها، لا كونها توجب الملكية.

الثاني: ان الفرق بين الدعويين موجود، حيث ان الأولى تتضمن الإقرار بالسبب- لأن معنى كون اليد حجة كونها طريقا و سببا ظاهريا للملكية و هو يقبل الفساد- و هو لا يكون منافيا و مكذبا لدعواه بملاحظة المناقشة في شرائطه، كما إذا قال هذا الّذي اشتراه زيد من عمر- و هو لي فانه يجامع فساد الشراء، بخلاف الثانية، فانها تتضمن الإقرار بملك المدعى عليه، و هو مناف لدعواه الملك، فلا يقبل‏

____________

(1) المحقق الحلي جعفر بن الحسن. شرائع الإسلام- 339- الطبعة القديمة.