منتهى الأصول - ج1

- السيد حسن الموسوي البجنوردي المزيد...
706 /
3

الجزء الأول‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[مقدمة التحقيق‏]

الحياة العلمية للمؤلّف‏ (1)

ولد آية اللّه السيّد ميرزا حسن الموسوي البجنوردي سنة 1316 (2) في إحدى قرى بجنورد، و يتصل نسبه بالسيّد إبراهيم المجاب- من أحفاد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام).

أنهى البجنوردي دراسته الابتدائية في بجنورد، ثمّ انتقل إلى مدينة مشهد، و درس آداب اللغة العربية على الميرزا عبد الجواد، المعروف ب «الأديب النيشابوري»، ثم تتلمذ الفلسفة على الحاج فاضل الخراساني و آقا بزرگ الشهيدي، و في الاصول على آقا محمّد آقازاده بن الآخوند الخراساني، و في الفقه على الحاج آقا حسين القمّي و في التفسير على الحاج فاضل الخراساني، ثمّ صار بعد ذلك من أساتذة حوزة مشهد، المعروفين بتدريس الفلسفة و الاصول.

و في سنة 1340- و بناء على وصيّة استاذه الحاج فاضل الخراساني- توجّه صوب النجف الأشرف؛ لإكمال دراساته العليا، و قد استخار اللّه تعالى في‏

____________

(1)- اعتمدنا في ترجمة السيّد البجنوردي على مقدّمة كتاب «القواعد الفقهية».

(2)- اختلف في تاريخ ولادته، فذهب بعض إلى أنّها في 1310، و بعض 1315. و أشار ولده آية اللّه السيّد محمّد البجنوردي إلى أنّ تاريخ ولادته 1310.

6

أمر سفره عند استاذه الفاضل الخراساني، فكان قوله تعالى: وَ نادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ‏ (1).

استفاد في النجف من دروس فقهاء و اصوليي هذه الحوزة من أمثال آقا ضياء الدين العراقي و الميرزا محمد حسين النائيني، و بعد لحوق آقا ضياء بالرفيق الأعلى، صار البجنوردي استاذا للدراسات العليا- البحث الخارج- في مادّة علم اصول الفقه، ثمّ تصدّى لتدريس الأبحاث العالية في الفقه بعد رحيل السيّد أبي الحسن الأصفهاني.

و كان يلقي دروسه باللغة العربية، و قد حضر لديه جمع من الطلّاب الإيرانيين و الناطقين باللغة العربية.

لبّى نداء ربّه في 20 جمادي الثاني سنة 1396 في جوار أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف، و دفن في مقبرة استاذه السيّد الأصفهاني.

كان البجنوردي (رحمه اللّه)- مضافا إلى تضلّعه في الفقه و الاصول- معروفا بسعة اطّلاعه و طول باعه في العلوم الاخرى، مثل آداب اللغة و الفلسفة و العلوم التاريخية و الجغرافية.

و كان يرتاد المحافل العلمية في العالم الإسلامي، فله روابط و علاقات مع جامعات بغداد و الأزهر و تونس و المغرب.

أمّا قوّة حافظته و ذكائه فهو أمر شائع و معروف، حيث كان يحفظ الكثير من الأحاديث، و كذا شعر كبار الشعراء و فطاحلهم‏ (2).

____________

(1)- مريم (19): 52.

(2)- قال ولد المصنّف آية اللّه السيّد محمّد: إنّ والدي كان يحفظ القرآن الكريم و نهج البلاغة

7

لم يرتض البجنوردي الاسلوب المتداول في تدريس الأبحاث العالية في الحوزة العلمية، حيث كان يعتمد فيه الاستاذ على كتاب الفتاوى مادّة لدرسه، فيأخذ مسألة مسألة و يطرحها للبحث، و يقيم الدليل على إثباتها أو نفيها. ثمّ يقرّر رأيه في المسألة. إنّه كان يعتقد أنّ هذا الاسلوب لا يعلّم التلميذ القواعد الرئيسية للاجتهاد حتّى يتمكّن من تطبيق القاعدة في المورد المشابه؛ و لذا فإنّ التلميذ غالبا ما تطول مدّة حضوره في دروس الأبحاث العالية لكي تحصل له ملكة الاستنباط.

و لهذا كان يعتقد أنّ الاستاذ إذا اهتمّ بطرح القواعد الكلّية للفقه، ثمّ طبّقها على مصاديقها؛ فإنّ ذلك له أثر كبير في اختزال المسافة و الإسراع في تنمية قابلية التلميذ في القدرة على استنباط الأحكام.

و على هذا الأساس صاغ المؤلّف (رحمه اللّه) «القواعد الفقهية» و استعرض فيه 64 قاعدة و ناقشها دلالة و سندا و ذكر الأمثلة التطبيقية لها.

مؤلّفاته‏

1- القواعد الفقهية، مطبوع.

2- منتهى الاصول، مطبوع.

3- حاشية على العروة الوثقى.

____________

و الصحيفة السجّادية و المعلّقات السبع و مقامات الحريري و مثنوي و شاهنامه فردوسي و گلستان سعدي و ديوان حافظ و جامي و شبستري. و كان يقول: كلّ قصيدة إذا قرأتها مرّتين حفظتها.

8

4- ذخيرة المعاد «رسالة عملية».

5- رسالة في الرضاع.

6- رسالة في اجتماع الأمر و النهي.

7- كتاب في الحكمة أو قولنا في الحكمة، و هو شرح على الأسفار الأربعة.

كان (رحمه اللّه) من أهل التهجّد، يتلو أربعة أجزاء من القرآن الكريم في كلّ يوم، جزءين منه قبل صلاة الصبح و الآخرين قبل الغروب، و كان يستيقظ قبل أذان الصبح بساعتين و نصف يتلو فيها جزءين من القرآن، و يطالع ساعة ثم يشتغل بأداء صلاة الليل.

أمّا ذرّيته فكانوا ستّة، أسماؤهم: مهدي، جواد (م 1362 ه. ش) كاظم، محمّد، فاطمة، طاهرة.

و أمّا تلامذته باستثناء أولاده: السيّد مهدي و السيّد محمّد، فهم:

آية اللّه السيّد يوسف الحكيم.

آية اللّه الشيخ جواد الرازي.

آية اللّه الشيخ محمّد طاهر الرازي.

آية اللّه الشيخ محمّد رضا المظفّر.

آية اللّه السيّد محمّد علي القاضي الطباطبائي.

آية اللّه السيّد جلال الدين الآشتياني‏ (1).

____________

(1)- اعتمدنا في ترجمة السيّد البجنوردي و ذكر أحواله على المصادر التالية:

ماضي النجف و حاضرها ص 302- 303، معجم رجال الفكر و الأدب في النجف ص 52- 53، طبقات أعلام الشيعة ج 1، ص 385- 386، گنجينه دانشمندان ج 3، ص 184، مشاهير جهان ص 248، دانشنامه جهان اسلام، حرف ب، جزوه سه، ص 919

9

منهجنا في التحقيق‏

1- تقويم النصّ من تصحيح الأخطاء و التقطيع و وضع علائم الترقيم.

2- وضع العناوين.

3- تخريج الآيات الكريمة و الأحاديث الشريفة.

4- تخريج الأقوال الاصولية و غيرها. و الجدير بالذكر أنّ المؤلّف حيث كان من تلامذة الأعلام الكبار مثل النائيني و العراقي فلا يجوز ارجاع ما نقله عن اساتذته إلى سائر التقريرات من دروس هذه الأعلام، بل هذا هو تقرير مستقل في قبالها.

و من مختصّات هذه الطبعة اشتمالها على الحواشي التي علّقها ولد المصنّف آية اللّه السيّد محمد الموسوي البجنوردي ميّزناها عن سائر التعليقات بهذه العلامة (*).

و السلام مؤسسة العروج‏

____________

- 920، مجلّه معارف اسلامى، شماره 6، ص 31- 33، مصاحبه با آية اللّه سيّد محمّد موسوي بجنوردي.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و خاتم أنبيائه و رسله سيّدنا محمّد و أهل بيته الطاهرين المعصومين.

و بعد: فيقول العبد الفاني «حسن بن علي أصغر الموسوي البجنوردي» عفى اللّه عنهما، و اوتيا كتابهما بيمينهما، و حوسبا حسابا يسيرا: أصرّ عليّ جمع من الأحبّة أن أكتب كتابا في علم الاصول مشتملا على ما تلقّيته من الفحول و وصل إليه فكري الفاتر و نظري القاصر فأجبتهم. و من اللّه التوفيق، و هو حسبي و نعم الوكيل ..

و سمّيته ب «منتهى الاصول»، و رتّبته: على مقدّمة و مقاصد و خاتمة.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

تمهيد

لا بدّ لنا من ذكر جملة من الأشياء التي جرت عادة المصنّفين على ذكرها قبل الشروع في المقصود في كلّ فنّ:

الأوّل: مرتبة علم الاصول‏

فنقول: أمّا مرتبته من حيث الشرف فهو متأخّر عن علمي الكلام و الفقه، كما أنّ علم الكلام متقدّم على علم الفقه أيضا من هذه الجهة؛ لأنّ شرافة العلم بشرافة موضوعه و غايته، و موضوع علم الكلام- و هو المبدأ و المعاد- أشرف الموضوعات، و غايته- و هي معرفة اصول الدين- أجلّ الغايات و لذا سمّي بالفقه الأكبر.

و أمّا مرتبته من حيث التعليم و التعلّم فتقدّمه على علم الفقه واضح؛ لأنّه من مقدّماته.

و أمّا بالنسبة إلى سائر العلوم فهو متأخّر عن جملة من العلوم العربية و علم المنطق، بل ربّما عن مقدار واف من الامور العامّة من الكلام، كما أنّه أجنبي عن جملة من العلوم في هذا المقام، و لا ربط بينه و بينها أصلا.

14

الثاني: تعريف علم الاصول‏

و قد عرّفه بعض الاصوليّين ب «أنّه العلم بالقواعد الممهّدة التي تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية».

و استشكل عليه في «الكفاية» بعدم شمولها للاصول العملية؛ لأنّها وظائف عملية مجعولة للعاجز عن الاستنباط؛ لفقد الدليل عليه و اليأس عن الظفر به بعد الفحص عنه، فلا معنى لأن تكون واقعة في طريق الاستنباط، و لذلك زاد عليه جملة اخرى، و هي «أو التي ينتهي إليها في مقام العمل» (1).

و أنت خبير: بأنّ هذا الإشكال مبنيّ على أن يكون المراد من وقوع تلك القواعد في طريق الاستنباط كونها أمارة و حجّة على إثبات الأحكام الواقعيّة، أمّا لو كان المراد من ذلك وقوعها كبريات في قياسات يستنتج منها الحكم الكلّي الإلهي، سواء أ كان حكما واقعيا أم ظاهريا، شرعيا أم عقليا فلا يبقى مجال لهذا الإشكال، و لا حاجة إلى زيادة هذه الجملة.

و لا وجه لكون المراد هو المعنى الأوّل؛ لأنّ الغرض من تدوين علم الاصول- كما سيجي‏ء- ليس إلّا القدرة على استنتاج الأحكام الشرعية و المسائل الفقهية، سواء أ كانت أحكاما تكليفية أم وضعية، ظاهرية أم واقعية، شرعية أم عقلية.

نعم، القاعدة الاصولية التي يستنتج منها الحكم الشرعي الفرعي قد تنتج حكما اصوليا كما إذا دلّ خبر واحد ثبتت حجّيته في علم الاصول على حجّية

____________

(1)- كفاية الاصول: 23.

15

الاستصحاب.

ثمّ إنّ استاذنا المحقّق (قدّس سرّه‏)(*) أفاد: أنّ المراد بوقوع تلك القواعد في طريق استنباط الأحكام الشرعية هو أن تكون ناظرة إلى إثبات الحكم بنفسه أو بكيفية تعلّقه بموضوعه، و قال: إنّ مباحث العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، و المفهوم و المنطوق ناظرة إلى كيفية تعلّق الحكم بالموضوع، فهي داخلة في علم الاصول، بخلاف مبحث المشتقّ و نظائره، ممّا هو راجع إلى تشخيص الموضوع فهي خارجة؛ لأنّها ليست ناظرة إلى إثبات الحكم بنفسه، و لا إلى كيفية تعلّق الحكم بالموضوع‏ (1).

و أنت خبير: بأنّ كيفية تعلّق الحكم بالموضوع راجع إلى تشخيص الموضوع من حيث السعة و الضيق في بعض مباحث العامّ و الخاصّ، و أمّا مسألة المفهوم و المنطوق فراجعة إلى تشخيص الظهورات، و باب تشخيص الظهورات و الموضوعات من صغريات قياس الاستنتاج؛ بحيث لو انضمّ إليها كبرى أصالة الظهور يستنتج منها الحكم الكلّي الشرعي.

و أمّا الإشكال على منع هذا التعريف بقاعدة الطهارة في الشبهات الحكمية فلا وجه له أصلا؛ لأنّها من المسائل الاصولية، و عدم تعرّضهم لها في الاصول لعدم احتياجها إلى البحث؛ لكونها اتفاقية.

و اعتذار صاحب «الكفاية» (قدّس سرّه‏) بأنّها مختصّة بباب الطهارة، و المسائل الاصولية غير مختصّة بباب دون باب‏ (2)- بعد الغضّ عن أنّ هذا دعوى بلا بيّنة

____________

(*)- مرادنا به في هذا الكتاب نادرة دهره و وحيد عصره الشيخ ضياء الدين العراقي، كما أنّ مرادنا بشيخنا الاستاذ استاذ الكلّ الميرزا محمّد حسين النائيني (قدّس سرّهما‏)، منه (رحمه اللّه).

(1)- مقالات الاصول 1: 54.

(2)- كفاية الاصول: 384.

16

و برهان- إنّما يتمّ لو كان هذا القيد مأخوذا في تعريفه لعلم الاصول، و إلّا فيرد النقض على تعريفه على كلّ حال لو كانت خارجة حقيقة أعني سواء كان عدم اختصاص المسألة بباب دون باب قيدا للمسائل الاصولية أو لم يكن؛ إذ لو كان قيدا يجب أن يقيّد التعريف به و لو لم يكن قيدا. و لكن كانت المسألة خارجة عن علم الاصول لجهة اخرى- كما هو المفروض أيضا- يرد النقض على التعريف لشمولها و هي خارجة.

و لكن لا وجه لخروجها إلّا ما توهّم من عدم ذكرهم لها في الاصول العملية، و قد بيّنا السرّ في ذلك.

فتلخّص ممّا ذكرناه: أنّ علم الاصول عبارة عن جملة من القضايا التي تصلح لأن تقع كلّ واحدة منها كبرى في قياس تكون نتيجته الحكم الكلّي الشرعي الفرعي، أو البناء العملي العقلي، كالبراءة و التخيير العقليين، و إن كانت النتيجة في بعض الأحيان حكما اصوليا، و لكن وقوعه كبرى لاستنتاج الحكم الفرعي ممّا لا بدّ منه.

و أمّا خروج بعض مباحث الألفاظ الراجعة إلى تشخيص الظهورات و تحقّق ما هو الصغرى لقياس الاستنباط فضروري و لا ضير فيه؛ لأنّها خارجة عن مسائل علم الاصول؛ و ذلك لعدم ترتّب الغاية عليها.

و لبيان ذلك نقول: إنّ لمعرفة أنّ المسألة الفلانية هل هي من العلم الفلاني أو لا طرقا ثلاثة:

الأوّل: أن يكون محمول المسألة من العوارض الذاتية لموضوع ذلك العلم، و بما أنّه ليس لعلمنا هذا موضوع كلّي واحد ينطبق على موضوعات مسائله، كما هو المعروف في أحد التعريفين لموضوع كلّ علم- و هو التحقيق عندنا، و سيجي‏ء بيانه إن شاء اللّه- أو أنّه لو كان له موضوع فهو كلّي مجهول‏

17

العنوان، كما ذهب إليه صاحب «الكفاية» (قدّس سرّه‏)(1) فهذا الطريق مفقود في المقام.

الثاني: انطباق تعريف العلم عليها، فكلّ مسألة شملها التعريف فهي من مسائل ذلك العلم، و إلّا فلا. و هذا هو المراد من الجامع و المانع و المطرد و المنعكس في باب التعاريف، و لكن هذا الطريق منوط بكون التعريف تامّا حقيقيا لا نقص فيه أصلا. و التعريف الحقيقي لأمثال علمنا هذا لا يمكن إلّا بأخذ الغاية فيها؛ لأنّها هي الجامعة لشتات مسائلها، كما سيجي‏ء بيان ذلك في تعريف الموضوع، فهذا الطريق بالأخرة يرجع إلى الطريق الآتي.

الثالث: ترتّب الغاية على هذه المسألة منضمّة إلى سائر مسائل العلم فيما إذا كانت الغاية بسيطة، أو ترتّب جهة من جهاتها و حصّة من حصصها إذا كانت ذات جهات، كما هو الحال في أغلب العلوم؛ فإنّ حفظ اللسان عن الخطأ في المقال من حيث الإعراب و البناء ليس أمرا بسيطا، بل كلّ مسألة من مسائل علم النحو تضمّن جهة من جهات الإعراب، فإذا عرف مسائل المرفوعات تمكّن من حفظ لسانه عن الغلط فيها، و كذلك الحال في سائر الأبواب و في سائر العلوم.

فممّا ذكرناه ظهر: أنّ المرجع الوحيد في تمييز المسألة الاصولية عن غيرها هو ترتّب الغاية بأحد النحوين عليها، و حيث إنّ الغاية و الغرض من تدوين علم الاصول هو تحصيل المبادئ التصديقية للمسائل الفقهية فكلّ مسألة كانت مبدأ تصديقيا لمسألة فقهية فهي من المسائل الاصولية، و إلّا فلا.

و إلى هذا يرجع ما أفاده شيخنا الاستاذ (قدّس سرّه‏) في ضابطة المسألة الاصولية من أنّها ما تقع كبرى في قياس يستنتج من ذلك القياس الحكم الشرعي الفرعي؛ لأنّ المبدأ التصديقي لكلّ نتيجة من كلّ قياس هو كبرى ذلك القياس، فالمسائل‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 22.

18

الاصولية عبارة عن المبادئ التصديقية للمسائل الفقهية. و يمكن أن يكون هذا تعريفا آخر بعبارة اخرى لعلم الاصول.

و على كلّ: فقد ظهرت لك في ضمن ما ذكرناه في تعريف علم الاصول غايته، و الضابط للمسألة الاصولية، و تمييزها عن غيرها.

الثالث: موضوع علم الاصول‏

و قد عرّفوا موضوع كلّ علم ب «أنّه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية»، و أيضا قالوا: «موضوع كلّ علم هو ما ينطبق على موضوعات مسائله؛ انطباق الكلّي الطبيعي على مصاديقه و أفراده».

و يظهر من هذين التعريفين أنّه من المسلّمات عندهم: أنّ كلّ علم لا بدّ له من موضوع كلّي جامع لجميع موضوعات مسائله و لو كان مجهول العنوان، و عيّنوا ذلك الكلّي في أغلب العلوم، فقالوا: موضوع علم الفقه مثلا فعل المكلّف، و موضوع علم الطبّ بدن الإنسان، و هكذا في سائر العلوم.

و ربّما احتاجوا إلى تعيين شيئين أو أزيد، كما أنّهم قالوا: موضوع علم النحو هو الكلمة و الكلام، و موضوع علم الاصول هي الأدلّة الأربعة.

و ذلك لما رأوا أنّ شيئا واحدا لا يجمع موضوعات المسائل بوحدته، فلذا اضطرّوا إلى ضمّ شي‏ء أو أشياء إليه، و هكذا اضطرّوا إلى تقييدها بالحيثيات، حتّى قالوا: إنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، و تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات؛ لما رأوا من أنّ ما عيّنوه موضوعا لعلم ربّما يكون موضوعا لعلوم متعدّدة، كالكلمة مثلا، فقالوا: إنّها موضوع لعلم النحو من حيث الإعراب و البناء، و موضوع لعلم الصرف من حيث الصحّة و الاعتلال، و هكذا الحال في‏

19

أغلب العلوم، هذا.

و التحقيق: أنّ العلوم على قسمين:

قسم دوّن لأجل معرفة حالات حقيقة من الحقائق، و ما هو مفاد هليتها المركّبة، و ليس الغرض من التدوين إلّا معرفة محمولاتها العرضية التي تحمل عليها بالحمل الشائع حملا حقيقيا لا يصحّ سلب ذلك المحمول عن تلك الحقيقة.

و بعبارة اخرى: المتصدّون لمعرفة الحقائق لمّا التفتوا إلى أنّ معرفة حالات جميع الحقائق بالنسبة إلى شخص واحد صعب بل غير ميسور غالبا، فلذلك وضعوا الحقائق أنواعا و أجناسا و بحثوا عن حالات كلّ واحد منها على حدة، فصار البحث عن حالات كلّ واحد منها علما غير سائر العلوم، و كان من الممكن أن يجعلوا جميع العلوم التي هي من هذا السنخ علما واحدا، و ذلك بأخذ مفهوم عامّ جامع لجميع موضوعات العلوم، و البحث عن حالاته التي هي عبارة عن جميع حالات جميع تلك الموضوعات.

كما أنّهم عرّفوا الحكمة بأنّها العلم بأحوال أعيان الموجودات على قدر الطاقة البشرية، و جعلوا موضوعها مفهوما عامّا يشمل جميع الحقائق؛ و هو مفهوم الموجود. و بهذا الاعتبار يقسّمون الحكمة إلى النظرية و العملية، و النظرية إلى الإلهية و الطبيعية و الرياضية. فهي بهذا الاعتبار علم واحد له موضوع واحد مندرج فيه جميع العلوم الحقيقية التي ليس الغرض منها إلّا معرفة حقائق الأشياء.

و لكنّهم مع ذلك أفردوا البحث عن بعض الحقائق و جعلوه علما على حدة، و سمّوه باسم مخصوص، كما أنّهم بحثوا عن أحوال الجسم و سمّوه بعلم الطبيعة، و عن أحوال الكمّ و سمّوه بالرياضيات، و هكذا لتلك النكتة التي بيّناها.

20

ففي هذا القسم من العلوم لا يمكن أن لا يكون لها موضوع، بل القول بعدمه خلف؛ لأنّ المفروض كما بيّناه أنّهم عيّنوا حقيقة من الحقائق، و وضعوها للبحث عن حالاتها و مفاد هليتها المركّبة، و لا معنى للموضوع إلّا هذا.

و تمايز هذا القسم من العلوم بعضها عن بعض لا يمكن أن يكون إلّا بالموضوعات، و لا يبقى مجال للنزاع في أنّه هل هو بها أو الأغراض.

و قسم آخر عبارة عن مجموع قضايا مختلفة الموضوعات و المحمولات جمعت و دوّنت لأجل غرض خاصّ و ترتّب غاية مخصوصة عليها؛ بحيث لو لا ذلك الغرض و تلك الغاية لم تدوّن تلك المسائل و لم تجمع، و لا فائدة في معرفتها و تسميتها باسم مخصوص.

ففي هذا القسم ليس الجامع لهذه المسائل المختلفة إلّا تلك الغاية، و ترتّب ذلك الغرض عليها بأحد الوجهين المتقدّمين في الأمر الثاني.

و لا أدري أيّ ملزم ألزمهم بالقول بوجود موضوع واحد جامع لجميع موضوعات المسائل في هذا القسم؟ حتّى أنّ صاحب «الكفاية» (قدّس سرّه‏)- بعد ما يئس من تعيين موضوع كلّي متّحد مع موضوعات مسائل علم الاصول- قال بوجود جامع مجهول العنوان‏ (1)، كأنّه نزل وحي سماوي أو دلّ دليل عقلي ضروري على وجود موضوع كلّي جامع لجميع موضوعات المسائل في كلّ علم.

و أمّا التمسّك لإثباته بقاعدة «عدم إمكان صدور الواحد عن المتعدّد بما هو متعدّد» ببيان أنّ هذه المسائل المتعدّدة بلا جامع بينها كيف يمكن أن يترتّب عليها غرض واحد؟

____________

(1)- كفاية الاصول: 22.

21

فلا وجه له أصلا:

أوّلا: لما ذكر في الأمر الثاني من أنّ الغرض في هذا القسم من العلوم ذو جهات، فكلّ مسألة تحفظ جهة من جهات الغرض غير الجهة التي تحفظها المسألة الاخرى.

و ثانيا: لأنّ تصوير الجامع بين الموضوعات لا يغني و لا يرتفع به هذا الإشكال، بل يحتاج إلى وجود جامع بين المحمولات أيضا. و أمّا لزوم تصوير الجامع بين الموضوعات و المحمولات في دفع هذا التمسّك، كما ذكره بعضهم و ذكره استاذنا المحقّق أيضا (1) فممّا لا وجه له؛ لأنّ مناط وحدة القضية و العلم التصديقي وحدة الحكم، لا وحدة الموضوع و المحمول. و القضية الواحدة يمكن أن تترتّب عليها غاية واحدة بسيطة مع اختلاف موضوعها مع محمولها.

و أمّا ما ذكره استاذنا المحقّق في الجواب عن هذا التمسّك بأنّ دخل المسائل في الغرض و الغاية ليس من قبيل دخل المؤثّر في المتأثّر؛ لأنّ حفظ اللسان في النحو مثلا منوط بتطبيق النحوي قواعد النحو في مقام التكلّم و أداء الكلمات‏ (2).

فمبني على أن يكون الغرض و الغاية هو الحفظ الفعلي عن الوقوع في الغلط في النحو مثلا؛ و الاستنباط الفعلي في الاصول، و هكذا في سائر العلوم.

و أنت خبير: بأنّ مثل هذا لا يمكن أن يكون غاية؛ لأنّ الغاية كما عرّفوها علّة للشي‏ء بماهيتها- أي بوجودها الذهني- و معلول له بانّيتها- أي بوجودها الخارجي- و معلوم أنّ المعلول لا يمكن أن ينفكّ عن علّته، فالغاية في هذه‏

____________

(1)- مقالات الاصول 1: 36.

(2)- مقالات الاصول 1: 35.

22

العلوم ليست إلّا التمكّن و القدرة على هذه الامور.

و ممّا يؤيّد ما ذكرناه، بل يدلّ عليه: تعريفهم للمنطق ب «أنّه آلة قانونية تعصم مراعاتها الفكر عن الوقوع في الخطأ» فلم تجعل العصمة عن الوقوع في الخطأ غاية لمعرفة المسائل، بل جعلت مترتّبة على مراعاة المسائل؛ أي تطبيقها في مقام الاستنتاج و تشكيل القياس.

إن قلت: نحن قبال الأمر الواقع؛ لأنّه لا شكّ في وجود الجامع بين موضوعات المسائل، بل بين كلّ شيئين أو الأشياء.

قلت: إن كان المراد وجود جامع ذاتي ماهوي يكون بالنسبة إلى موضوعات المسائل كالكلّي الطبيعي بالنسبة إلى أفراده و مصاديقه فهذا شي‏ء لا دليل عليه، بل الدليل على عدمه، أ لا ترى أنّ موضوعات المسائل الفقهية بعضها من مقولة الجوهر و ذلك مثل «الدم نجس» مثلا، و بعضها الآخر عرض و من أفعال المكلّفين؟ و لا جامع ذاتي بين الجوهر و العرض، كما هو واضح.

و إن كان المراد وجود جامع عرضي و من قبيل المفاهيم العامّة- كمفهوم «شي‏ء» و ما يشابهه و يساوقه- فهذا و إن كان صحيحا إلّا أنّه يرد عليه:

أوّلا: أنّ مثل هذا الجامع بين المحمولات أيضا موجود، فلما ذا خصّصوا التكلّم بالموضوع و سكتوا عن المحمول؟

و ثانيا: أنّه يلزم من كون الجامع ذلك المفهوم العامّ أن يكون لجميع العلوم موضوع واحد، و هو أحد تلك المفاهيم العامّة، و ذلك هدم لما أسّسوا.

و ثالثا: لا يجتمع هذا مع ما اتفقوا عليه من أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية؛ لأنّه من الواضح أنّ محمولات المسائل ليست من العوارض الذاتية لذلك المفهوم العامّ العرضي الخارج المحمول.

فتلخّص من مجموع ما ذكرناه: أنّ أمثال علمنا هذا من العلوم التي جمعت‏

23

مسائل متشتّتة مختلفة الموضوعات و المحمولات لأجل غرض لا موضوع لها إلّا موضوعات مسائلها، بخلاف القسم الأوّل فإنّ مدار علمية العلم فيه ليس إلّا تعيين الموضوع و التكلّم و البحث عن حالاته. و قد عرضت هذا التحقيق و التفصيل بين القسمين على استاذي المحقّق (قدّس سرّه‏)، فارتضاه، و ضبطه في مقالاته‏ (1).

ثمّ إنّه بناء على أن يكون لكلّ علم موضوع، أو بالنسبة إلى العلوم التي لها موضوع قلنا: إنّهم عرّفوه ب «أنّه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية»، و قسّموا العرض عند بيان المراد من العرض الذاتي إلى أقسام سبعة: ما يعرض الشي‏ء لذاته و بلا واسطة أصلا و اتفقوا على أنّ هذا القسم عرض ذاتي، و ما يكون بواسطة جزئه المساوي و قالوا أيضا بأنّه عرض ذاتي، و ما يكون بواسطة جزئه الأعمّ فاختلفوا فيه، و ما بواسطة أمر خارج مساو له فاختلفوا أيضا في أنّه عرض ذاتي أولا، و ما بواسطة أمر خارج مباين أو أعمّ أو أخصّ فاتفقوا في أنّ هذه الثلاثة أعراض غريبة.

و قال جمع آخر- كصاحب «الفصول» (2) و صاحب «الكفاية» (3) و شيخنا الاستاذ، و استاذنا المحقّق (قدّس سرّهم‏)(4)- إنّ المناط في العرض الذاتي عدم الواسطة في العروض.

و لذلك استشكل استاذنا المحقّق (قدّس سرّه‏) على التقسيم السابق بأنّه إن كان المراد من أقسام الوسائط المذكورة هي الواسطة في العروض فجميع الأقسام-

____________

(1)- مقالات الاصول 1: 37.

(2)- الفصول الغروية: 10.

(3)- كفاية الاصول: 21.

(4)- مقالات الاصول 1: 39.

24

ما عدا القسم الأوّل- أعراض غريبة.

و إن كان المراد هي الواسطة في الثبوت فجميع الأقسام أعراض ذاتية، حتّى فيما إذا كانت الواسطة أمرا مباينا؛ و ذلك لأنّ أكثر مسائل أغلب العلوم من هذا القبيل، مثلا في علمنا هذا إذا قلنا: إنّ خبر الواحد حجّة فالواسطة في ثبوت الحجّية له الجعل التشريعي، و هو مباين للخبر (1).

و لكن يمكن أن يقال: إنّ المراد هي الواسطة في العروض.

و أمّا سرّ اتفاقهم فيما إذا كانت الواسطة جزء مساويا على أنّه عرض ذاتي فهو أنّ الجزء المساوي للشي‏ء ليس إلّا الفصل و الصورة النوعية، و شيئية الشي‏ء بصورته، حتّى لو أمكن وجود الصورة النوعية مجرّدة عن المادّة لكان هو هو.

و لذلك لو كان موضوع علم هو الإنسان فالبحث عن حالات النفس و ملكاتها- كما في علم الأخلاق- بحث حقيقي عن حالات الإنسان، و ليست ملكات النفس- رذائلها و فضائلها- من الأعراض الغريبة للإنسان.

و أمّا سرّ اختلافهم فيما إذا كانت الواسطة جزء أعمّ أو أمرا خارجا مساويا فهو أنّ من يقول بأنّ اتحاد الواسطة في العروض في الوجود مع ذي الواسطة يكفي في كون العرض ذاتيا يقول بأنّهما أيضا ذاتيان، و من يقول بعدم كفاية ذلك، بل لا بدّ في العرض الذاتي لشي‏ء أن يعرضه أوّلا و بالذات من دون واسطة في العروض يقول بأنّهما غريبان.

و أمّا سرّ اتفاقهم فيما إذا كانت أمرا خارجا مباينا أو أعمّ أو أخصّ في أنّها أعراض غريبة فواضح.

و الذي ينبغي أن يقال في هذا المقام- كما أشرنا إليه سابقا- هو أنّه في‏

____________

(1)- مقالات الاصول 1: 46.

25

العلوم التي لها موضوعات لا بدّ و أن يكون البحث عن حالات نفس الموضوعات، و ما هو مفاد الهلية المركّبة، و حينئذ لا بدّ و أن تكون محمولات العلم من العوارض اللاحقة لذاتها؛ بحيث يكون وصفا لها بحال نفسها، لا بحال متعلّقاتها بالدقّة العقلية، لا بالمسامحة العرفية.

و بناء على هذا يختصّ العرض الذاتي بالقسمين الأوّلين؛ فإنّ أعراض الحيوان بالدقّة العقلية ليست أعراضا للإنسان بما هو إنسان، و هكذا أعراض الأمر الخارج المساوي ليست بالدقّة العقلية أعراضا للشي‏ء، بل تنسب إليه مجازا.

ثمّ إنّ هاهنا إشكالا مشهورا، و هو أنّه في أغلب المسائل محمول المسألة عارض على موضوع العلم بواسطة أمر أخصّ، و هو موضوع المسألة.

و قد أجاب عن هذا الإشكال استاذنا المحقّق (قدّس سرّه‏): بأنّ الخصوصيات التي في موضوعات المسائل بالنسبة إلى محمولاتها من الجهات التعليلية لا التقييدية، بمعنى أنّ الفاعلية و المفعولية مثلا علّتان لعروض الرفع و النصب على ذات الكلمة، و هكذا الأمر في موضوعات مسائل سائر العلوم‏ (1).

و أنت خبير: بأنّه لا يمكن أن يقال بأنّ الصلاة بخصوصية الصلاتية ليست معروضة للوجوب، بل معروض الوجوب هو فعل المكلّف، و الصلاتية علّة لعروض الوجوب عليه.

و أجاب شيخنا الاستاذ (قدّس سرّه‏) أيضا بهذا الجواب، و لكن بضمّ مقدّمة، و هي:

أنّ موضوعات العلوم مقيّدة بالحيثيات، مثلا موضوع علم النحو ليس هو الكلمة لا بشرط و من حيث هي، بل من حيث قابليتها للحوق الإعراب، فبواسطة

____________

(1)- مقالات الاصول 1: 47.

26

تقيّدها بهذه الحيثية تتحد مع موضوعات مسائله، فالكلمة من حيث قابليتها للحوق الإعراب عين الفاعل.

و هكذا في علم الفقه، فإنّ فعل المكلّف من حيث قابليته للحوق الأحكام الشرعية عين الصلاة، فالكلمة مثلا ليست لا بشرط، حتّى تكون مغايرة لموضوعات المسائل التي هي بشرط شي‏ء، بل بواسطة تقييدها بهذا القيد تصير هي أيضا بشرط شي‏ء، فيتحد الاعتباران، فيتحد موضوع العلم مع موضوعات مسائله، و يرتفع الإشكال.

و لا يخفى على الناقد البصير: وجود الخلل في هذا الكلام من وجوه شتّى، و العمدة أنّ هذه الحيثية التي اخذت قيدا للموضوع إن كانت عين الخصوصيات التي تخصّصت بها موضوعات المسائل فحديث العينية و إن كان صحيحا، لكنّه خارج عن فرض الموضوع كلّيا جامعا؛ لأنّ كلّ واحدة من هذه الخصوصيات مباينة للاخرى.

و إن كانت غير هذه الخصوصيات، فيبقى الكلام في أنّ هذه الخصوصيات هل هي جهة تقييدية و واسطة في عروض محمول المسألة على موضوع العلم، أو جهة تعليلية و واسطة في الثبوت؟

و قد بيّنا عدم إمكان القول بأنّ الصلاة بخصوصية الصلاتية ليست معروضة للوجوب، بل معروض الوجوب فعل المكلّف من حيث قابليته للحوق الأحكام الشرعية، و ذلك لأنّ الشارع أوجب الصلاة؛ أي فعل المكلّف المتخصّص بهذه الخصوصية، لا الجامع بينه و بين سائر أفعال المكلّفين التي بعضها حرام و بعضها الآخر مكروه أو مستحبّ.

نعم، لو كان تقييد الموضوعات بالحيثيات في حدّ نفسه صحيحا لكان مفيدا في باب تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، و لا ربط له بمسألتنا.

27

فالصواب في الجواب أن يقال: إنّ الكلّي الطبيعي حيث إنّه لا بشرط و غير مقيّد بقيد من القيود المصنّفة و المشخّصة له يحمل على جميع أصنافه و أشخاصه حملا حقيقيا شائعا صناعيا فإذا كان العرض العارض على الصنف أو الشخص عارضا على الطبيعة المتخصّصة بخصوصيات الصنفية أو الشخصية، فهذا العرض كما أنّه عارض على الصنف و الشخص حقيقة كذلك عارض على الطبيعة اللابشرط حقيقة و بالدقّة العقلية، من دون حاجة إلى التقييد بحيثية من الحيثيات المذكورة.

و السرّ في ذلك: أنّ الصنف و الشخص ليسا إلّا تلك الطبيعة، و لا فرق بينها و بينهما إلّا بحسب التضييق الوارد عليها من ناحية تلك الخصوصيات، و أعراضهما حقيقة عارضة عليها و لا يصحّ سلبها عنها، لا في مقام الحمل فقط، بل حتّى في مقام العروض.

نعم، إذا كان عارضا على نفس الخصوصية المصنّفة أو المشخّصة لا على الطبيعة المتخصّصة بهما فأعراضهما حينئذ عرض غريب لها. و لعمري هذا واضح، و إن استصعب هذا الإشكال جماعة من المحقّقين.

ثمّ إنّه بعد ما تبيّن لك ما ذكرناه تعلم: أنّ البحث في أنّ تمايز العلوم هل هو بتمايز الموضوعات أو بتمايز الأغراض؟ لا وجه له أصلا: أمّا في القسم الأوّل فقد قلنا: إنّه لا محالة يكون بتمايز الموضوعات، و لا غرض في البين إلّا معرفة حالات الموضوع حتّى يكون التمايز به، كما أنّه في القسم الثاني لا موضوع في البين حتّى يكون التمايز به. و لا محالة يكون التمايز بتمايز الأغراض.

فقد تحقّق: أنّ موضوع علم الاصول ليس إلّا موضوعات مسائله، لا خصوص الأدلّة الأربعة؛ لا بذواتها و لا بوصف دليليتها. فلا وجه للنقض‏

28

و الإبرام في هذا المقام، و الإشكال بأنّ المسألة الفلانية داخلة أو خارجة.

تتميم في تقسيم المبادئ‏

قسّموا المبادئ إلى تصوّرية و تصديقية، و التصوّرية منها عبارة عن حدود موضوعات المسائل و أجزائها و جزئياتها و حدود المحمولات و معرفتها.

و التصديقية منها عبارة عن القضايا التي يستدلّ بها على ثبوت المحمولات للموضوعات، و هي إمّا بديهية و تسمّى بالعلوم المتعارفة، و إمّا نظرية، فإن أذعن المتعلّم بها بحسن الظنّ بالمعلّم تسمّى بالاصول الموضوعة، و إن لم يذعن بها و أخذها مع الاستنكار تسمّى بالمصادرات. و هذه كلّها اصطلاحات ذكرها القوم.

و زادوا في علم الاصول قسما آخر من المبادئ و سمّوها بالمبادئ الأحكامية، و المراد منها معرفة حالات الأحكام الشرعية، من تقسيمها إلى الوضعية و التكليفية، و أنّ الأحكام التكليفية متضادّة بأسرها، و أنّ الأحكام الوضعية هل هي منتزعة عن التكليفية أو مستقلّة في الجعل؟ و غير ذلك من حالاتها و عوارضها، و قد ذكروا ذلك في علم الاصول بالمناسبات.

فقد تبيّن ممّا ذكرناه: أربعة من الامور المعروفة بالرءوس الثمانية، و هي مرتبة العلم، و تعريفه، و غايته، و موضوعه.

29

المقدّمة

و هي تشتمل على امور:

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الأمر الأوّل: الوضع‏

و فيه جهات من البحث:

الجهة الاولى: دلالة الألفاظ

دلالة الألفاظ على معانيها هل هي بالذات و الطبع أو بتوسّط الوضع؟

لا ينبغي أن يشكّ في عدم كونها بالطبع؛ لأنّ الدلالة الطبعية و الذاتية لا تختلف باختلاف الأعصار و الامم.

نعم، الذي يمكن أن يقال هو أنّ اختيار الواضع اللفظ الخاصّ للمعنى المخصوص لا بدّ و أن يكون لمرجّح؛ لعدم إمكان الترجيح بلا مرجّح، و هذا غير كون الدلالة بالذات و بالطبع.

الجهة الثانية: في الواضع‏

الواضع هل هو اللّه- جلّ جلاله- أو العباد أنفسهم؟

الظاهر أنّ وضع الألفاظ مستند إلى العباد أنفسهم: أمّا بالنسبة إلى الأعلام الشخصية فواضح. و أمّا أسماء الأجناس فبالنسبة إلى المخترعات في هذه‏

32

الأعصار فحالها في الوضوح حال الأعلام؛ لما هو مشاهد بالعيان.

و أمّا بالنسبة إلى غيرها من أسماء الأجناس و المشتقّات فالظاهر أنّ وضعها تدريجي و من أشخاص متعدّدة حسب احتياجاتهم في مقام التعبير عن مقاصدهم، و لذلك يختلف عدد الكلمات و اللغات بحسب اختلاف الامم و الأزمنة و الأمكنة حسب قلّة الاحتياج و كثرته، كما أنّهم يرفعون سائر احتياجاتهم حسب الفطرة التي فطرهم اللّه عليها.

الجهة الثالثة: حقيقة الوضع‏

قد عرّفه صاحب «الكفاية» (قدّس سرّه‏) بأنّه نحو اختصاص اللفظ بالمعنى و ارتباط خاصّ بينهما ناش من تخصيصه به تارة، و من كثرة استعماله فيه اخرى‏ (1)، و قال صاحب «تشريح الاصول»: «إنّه عبارة عن تعهّد الواضع و التزامه بإرادة المعنى من اللفظ في استعمالاته للفظ بلا قرينة» (2)، و قال جمع آخر: «هو عبارة عن جعل اللفظ علامة على إرادة المعنى الفلاني».

و التحقيق في المقام: أنّ الوضع عبارة عن الهوهوية و الاتحاد بين اللفظ و المعنى في عالم الاعتبار. و مثل هذه الهوهوية و الاتحاد الاعتباري يمكن أن يوجد في عالم الاعتبار بالجعل و الإنشاء تارة، و بكثرة الاستعمال اخرى، و بهذا الاعتبار صحّ تقسيمه إلى التعييني و التعيّني.

إن قلت: إنّ الاتحاد و الهوهوية إذا لم يكن بين شيئين بحسب الواقع، بل كان كلّ واحد منهما أجنبيا عن الآخر، كما هو الحال بين اللفظ و المعنى قبل‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 24.

(2)- تشريح الاصول: 25.

33

الوضع فكيف يمكن إيجاده بمحض الجعل و الإنشاء أو بصرف كثرة الاستعمال بلا قرينة؟

قلت: الاتحاد و الهوهوية على قسمين: تكوينية و اعتبارية.

أمّا الاتحاد التكويني و الهوهوية الواقعية فلا يمكن أن توجد بصرف الإنشاء و التشريع. و أمّا الاعتبارية فلا مانع من إيجادها في عالم الاعتبار بصرف الإنشاء و الجعل التشريعي. و إلى هذا ترجع توسعة الموضوع في الحكومة الواقعية، كقوله (عليه السلام): «الطواف بالبيت صلاة» (1).

و قد قال شيخ مشايخ أساتيذنا في «فرائده» بمثل ذلك في كيفية حجّية الأمارات بأنّ المجعول فيها هو الهوهوية، بمعنى أنّ المجعول فيها هو أنّ المؤدّى هو الواقع‏ (2). و أيضا قال شيخنا الاستاذ بمثل ذلك في أصالة الحلّ.

و الحاصل: أنّ حال الهوهوية الاعتبارية حال سائر الاعتباريات في أنّ إيجادها بإنشائها بمكان من الإمكان.

و أمّا الدليل على أنّ الوضع بهذا المعنى، لا بالمعاني الذي ذكروها:

فأوّلا: أنّه لا شكّ في أنّ إلقاء اللفظ إلقاء المعنى عند إلقاء المراد إلى الطرف، و معلوم أنّ إلقاء شي‏ء ليس إلقاء شي‏ء آخر إلّا فيما إذا كانت بينهما هوهوية و اتحاد، و إلّا فبصرف تعهّد الواضع أن لا يستعمل إلّا هذا اللفظ عند إرادة المعنى الفلاني أو جعله علامة له أو بصرف جعل علاقة و ارتباط بينهما لا يكون إلقاء أحدهما إلقاء للآخر.

و ثانيا: قد تقرّر عندهم أنّ لكلّ شي‏ء أربعة أنحاء من الوجودات، و عدّوا

____________

(1)- مستدرك الوسائل 9: 410، أبواب الطواف، الباب 38، الحديث 2.

(2)- فرائد الاصول 1: 47.

34

من جملتها الوجود اللفظي، فلو لم يكن ذلك الاتحاد كيف يمكن أن يكون وجود شي‏ء أجنبي عن شي‏ء آخر وجودا له؟ مع أنّ اللفظ من مقولة الكيف المسموع و إن كان مقداره من مقولة الكمّ، و المعنى من مقولة اخرى. لهذه الجهة أيضا يسري قبح المعنى و حسنه إلى اللفظ.

الجهة الرابعة: أقسام الوضع‏

لا شكّ في أنّ الوضع لمعنى يحتاج إلى تصوّر ذلك المعنى الموضوع له اللفظ، بأيّ معنى من معاني الوضع.

و ذلك المعنى المتصوّر: عامّ تارة، و خاصّ اخرى.

أمّا في الصورة الاولى: فتارة يوضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى العامّ، و يسمّى بالوضع العامّ و الموضوع له العامّ.

و اخرى: يوضع اللفظ بإزاء مصاديق ذلك المعنى العامّ، فيصير من قبيل ما هو متّحد اللفظ و متكثّر المعنى، و يكون في الحقيقة من قبيل المشترك اللفظي؛ لأنّ المشترك اللفظي حقيقة عبارة عن كون لفظ واحد موضوعا لمعاني متعدّدة سواء أ كان بأوضاع متعدّدة منفصلة بعضها عن بعض أو بجمعها في لحاظ واحد.

و بعبارة اخرى: مناط كون المشترك مشتركا لفظيا تعدّد الموضوع له بالنسبة إلى لفظ واحد، لا تعدّد الوضع و لحاظ الموضوع له.

و هذا القسم يسمّى بالوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ، و لا ريب في إمكانه؛ لأنّ الوضع كما قلنا يحتاج إلى لحاظ الموضوع له و معرفة حال الوضع و معرفة الشي‏ء، كما أنّها قد تكون بصورة مفصّلة منطبقة على ذي الصورة تمام الانطباق؛ بحيث لا تشذّ الصورة عن ذي الصورة شيئا، كتصوّر الجزئيات‏

35

الحقيقية و الأفراد الخارجية، كذلك قد تكون بعنوان عامّ متحد معه.

و لا نلتزم أنّ ذلك العنوان العامّ عين هذا الفرد الخارجي، كيف و هذا الفرد الخارجي غير سائر الأفراد و لا يحمل عليها و لا يتحد معها، و ذلك المعنى العامّ لا يأبى الحمل على أيّ فرد من أفراد ذلك العامّ.

فالمراد بالاتحاد معه و الانطباق عليه أنّ ذلك المعنى العامّ حيث إنّه غير مقيّد بقيد و ليس متخصّصا بخصوصية فأيّ قيد أو خصوصية وردت عليه لا يمنعه عن الاتحاد مع ذلك المقيّد.

بل عند التحقيق الدقيق حال وضع الأعلام الشخصية أيضا كذلك؛ لأنّ تصوّرها أيضا لا يمكن أن يكون بصورة ذهنية منطبقة عليها تمام الانطباق؛ لأنّ تشخّص تلك الصورة و عدم صدقها على كثيرين إن كان باعتبار وجودها الذهني و تقيّدها به فذلك المعنى العامّ أيضا كذلك، و إن كان مع قطع النظر عن وجودها الذهني فمهما ضيّقتها و قيّدتها بالقيود لا يوجب التشخّص و امتناع الصدق على الكثير. و لكن هذا طور آخر من الكلام لا يسعه المقام، و المقصود من هذا التفصيل أنّ إمكان هذا القسم لا ينبغي أن يشكّ فيه.

و أمّا في الصورة الثانية- أي فيما إذا كان المعنى المتصوّر خاصّا- فلا يمكن إلّا وضع اللفظ بإزائه، و ذلك كالأعلام الشخصية، و يسمّى بالوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ، و لا يمكن وضعه في هذه الصورة بإزاء المعنى العامّ؛ أي الجامع بين هذا الخاصّ المتصوّر و سائر الأفراد المماثلة له، أو بإزاء هذا المتصوّر الخاصّ و ما هو شريك له في الأثر، كما قال به صاحب «البدائع» (1).

____________

(1)- بدائع الأفكار، المحقّق الرشتي: 40.

36

و ذلك لأنّ الواضع حال الوضع إن تصوّر هذين العنوانين فقد صار الوضع أيضا كالموضوع له عامّا، و إن لم يتصوّر إلّا ذلك المعنى الخاصّ فكيف يعقل أن يضع اللفظ بإزاء شي‏ء لم يتصوّره أصلا؛ لا بالصورة التفصيلية و لا بالإجمالية؟

و أمّا ما قاله بعض الأعاظم من أنّ تصوّر العامّ كان تصوّرا للخاصّ؛ لمكان الاتحاد بينهما، فيكون تصوّر الخاصّ أيضا تصوّرا للعامّ؛ لعين تلك الجهة فقد عرفت جوابه ممّا ذكرناه في معنى الاتحاد.

و حاصله: أنّ الطبيعة اللابشرط لسعتها من جهة عدم مرهونيتها بقيد تجتمع مع كلّ قيد. و أمّا المقيّد المضيّق فلا يمكن أن ينطبق على تلك الطبيعة الوسيعة المطلقة المجرّدة عن كلّ قيد- حتّى قيد الإطلاق- و لذلك هي تحمل على أفرادها و يقال: «زيد إنسان»، و الأفراد لا تحمل عليها فلا يصحّ أن يقال:

«الإنسان زيد».

و إذا عرفت: أنّ الأقسام الممكنة من هذه الاحتمالات الأربع ثلاثة فاعلم أنّ قسمين منها واقعان، و هما الوضع العامّ و الموضوع له العامّ كأسماء الأجناس، و الوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ كالأعلام الشخصية، و أمّا القسم الثالث فقد اختلف فيه، فقيل بأنّ وضع الحروف و ما يشابهها من المبهمات من هذا القبيل. و تحقيق المقام يحتاج إلى بسط الكلام في المعنى الحرفي.

الأقوال في المعنى الحرفي‏

لا يخفى: أنّ الاحتمالات- بل الأقوال- في المعنى الحرفي ستّة، بل سبعة:

الأوّل: أنّ الحرف لا معنى له أصلا،

بل جعل علامة على خصوصية

37

المعنى في مدخوله، مثلا «الدار» لها اعتباران:

أحدهما: اعتبارها في حدّ نفسها، و أنّها من الموجودات العينية المادّية من مقولة الجوهر، و حينئذ يكون مدلولها ذلك البناء الخارجي، و بهذا الاعتبار في نفسها تدلّ على معناها، من دون حاجة إلى أمر آخر.

ثانيهما: اعتبار خصوصية طارئة على هذا المعنى، كظرفيتها لزيد مثلا.

و في هذا الاعتبار يحتاج إلى جعل علامة تدلّ على استفادة هذه الخصوصية منها، و ذلك كالرفع في جعله علامة على استفادة الفاعلية من لفظ زيد، في مثل جاءني زيد، فكما أنّ الرفع ليس له معنى بل صرف علامة لفاعلية المرفوع، كذلك الحروف ليس لها معان سوى كونها علامات لخصوصيات مدخولها. و هذا القول منسوب إلى نجم الأئمّة الشيخ الرضي في شرحه الكافية (1).

و فيه: أنّه لا شك في أنّ الألفاظ موضوعة لذوات المعاني، و تلك الخصوصيات التي اشير إليها خارجة عمّا وضعت الألفاظ لها. و حينئذ إن كانت قرينة على إرادة تلك الخصوصيات من نفس الألفاظ لزمت المجازية في مثل تلك الاستعمالات. و لا أظنّ أحدا يلتزم به، حتّى القائل بهذا القول.

و إن كانت الخصوصية مدلولة لنفس هذه الحروف فهذا اعتراف بأنّ لها معاني و رجوع عمّا قال. و أمّا الفاعلية التي هي عبارة عن النسبة الصدورية فهي مستفادة من هيئة الكلام و الجملة، فالقياس في غير محلّه.

الثاني: أنّه لا فرق بين المعنى الاسمي و الحرفي،

كلّ لمرادفه في أصل المعنى و جوهره؛ لا في ناحية الموضوع له و لا في ناحية المستعمل فيه، بل كلمة «من» و لفظ الابتداء كلاهما موضوعان لمعنى واحد و مفهوم فارد؛ و هي‏

____________

(1)- شرح الكافية 1: 9.

38

الماهية المهملة التي في حدّ نفسها لا مستقلّة و لا غير مستقلّة، بمعنى أنّه لم يجعل لحاظ كون المعنى آلة و حالة للغير جزء للموضوع له و لا للمستعمل فيه في الحروف، كما أنّه لم يجعل لحاظ الاستقلالية جزء لأحدهما في الأسماء.

و قد استدلّ لعدم كون هذا اللحاظ جزء لأحدهما في الحروف بوجوه ثلاثة:

الأوّل: أنّه لو كان هذا اللحاظ جزء لأحدهما في الحروف لزم أن يكون الموضوع له أو المستعمل فيه- بناء على الاحتمالين- من قبيل الكلّي العقلي، و حينئذ لا ينطبق على الخارجيات؛ لأنّ المقيّد بأمر ذهني لا وجود له إلّا في الذهن، و لا يمكن أن يوجد في الخارج، كما هو الحال في الكلّي العقلي فإنّه بواسطة تقيّد معروض الكلّية- و هو الكلّي الطبيعي- بأمر ذهني- و هو مفهوم الكلّية- لا يمكن أن يوجد في الخارج. فلا يمكن على هذا امتثال مثل «سر من البصرة إلى الكوفة»، بما لكلمة «من» مثلا من المعنى المقيّد بأمر ذهني إلّا بالتجريد و المجازية، و هو كما ترى.

الثاني: أنّه لو كان هذا اللحاظ جزء لأحدهما لزم أن يتعلّق بهذا اللحاظ لحاظ آخر مقوّم للاستعمال؛ لأنّه لا معنى للاستعمال إلّا لحاظ ما يراد من اللفظ، و إلقاء اللفظ بإزائه.

الثالث: أنّه أيّ فرق بين المعنى الاسمي و الحرفي في هذا المقام؟ فكما أنّ أحدا لم يتوهّم أن يكون لحاظ كون المعنى مستقلّا جزء لأحدهما في الأسماء، فليكن كذلك في الحروف.

ثمّ إنّه قال: بأنّ عدم جواز استعمال كلّ من الحروف و الأسماء في مكان الآخر مع ترادف كلمة «من» و لفظة الابتداء مثلا إنّما هو لأجل أنّ الواضع وضع الحروف لتكون آلة لملاحظة حال مدخولها. و هذا هو السرّ في عدم جواز

39

استعمال كلّ في مكان الآخر مع ترادفهما (1).

و استشكل عليه شيخنا الاستاذ (قدّس سرّه‏):

أوّلا: بأنّ المعنى و الموضوع له في حدّ ذاته: إمّا مستقلّ و إمّا غير مستقلّ، و إلّا يلزم ارتفاع النقيضين، و لا جامع بين النقيضين حتّى يكون هو الموضوع له.

و أنت خبير بما في هذا الإشكال؛ لأنّ عدم إمكان خلوّ شي‏ء عن قيد و نقيضه في الواقع لا ينافي عدم تقيّد ذلك الشي‏ء بذلك القيد و لا بنقيضه، مثلا الرقبة في حاقّ الواقع لا يمكن أن تخلو من قيد الإيمان و نقيضه، و لكن مع ذلك ما وضع له لفظ الرقبة لا مقيّد بالإيمان و لا بعدمه، و لذا قلنا في أوّل تقرير كلام صاحب «الكفاية» (قدّس سرّه‏)- الذي هو صاحب هذا القول- إنّ الموضوع له هي الماهية المهملة التي في حدّ نفسها لا مستقلّة و لا غير مستقلّة.

و أمّا ما أفاده في وجه عدم الجامع بأنّ المفاهيم و المعاني بسيطة في الأذهان لا تركّب لها أصلا، و شبّهها بالأعراض الخارجية؛ أي كما أنّ الأعراض بسيطة في الخارج لا تركّب لها من الموادّ و الصور، فكذلك المعاني و الصور الذهنية بسائط عقلية ليست مركّبة من الأجناس و الفصول، حتّى نقول: بأنّ الجامع بينهما هو المعنى الجنسي، و ما به الامتياز هو الفصل؛ أي الاستقلال و عدم الاستقلال.

ففيه: أنّه غير تامّ في حدّ نفسه؛ لأنّه لا شكّ في أنّ امتياز المفاهيم الذهنية بعضها عن بعض قد يكون بتمام الذات كالأجناس العالية، و قد يكون ببعض الذات كالأنواع المتداخلة تحت جنس واحد كمفهوم الإنسان و البقر مثلا، و قد يكون بالعوارض الزائدة على أصل الذات و ذلك كالأصناف و الأشخاص‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 27.

40

المتداخلة تحت نوع واحد. و لو لا خوف الإطالة و الخروج عن الفنّ لأعطينا المقام حقّه، هذا.

مع أنّه أجنبي عن المقام؛ لأنّه على فرض كون المعنى في حدّ ذاته بسيطا يمكن أن يكون غير مقيّد بأمر خارج عن ذاته، و لا بنقيضه الخارج أيضا، كما بيّنا ذلك في مثال الرقبة و قيد الإيمان و نقيضه، و إلّا لزم إنكار باب المطلق بالمرّة.

و ثانيا: بأنّ دعواه أنّ عدم جواز استعمال كلّ واحد من الحروف في مكان ما يرادفه من الأسماء مستند إلى جعل الواضع لحاظ المعنى آلة لملاحظة حال الغير شرطا في الحروف في مقام الاستعمال أوضح فسادا من الأوّل؛ لأنّه:

أوّلا: أنّه متوقّف على أن يكون الواضع شخصا خاصّا، حتّى يتأتّى منه هذا الشرط. و قد بيّنا عدم إمكان ذلك.

و ثانيا: على فرض أن يكون الواضع شخصا خاصّا ليس من وظيفته هذا الاشتراط؛ إذ وظيفة الواضع جعل العلاقة بين الألفاظ و معانيها، لا تعيين طريقة الاستعمال و إلزامهم بتكليف في مقامه.

و ثالثا- على فرض أنّه كان له ذلك، و قلنا إنّه يجب على المستعملين الوفاء بهذا الشرط- ما الذي يلزم من المخالفة؟ لأنّ مثل هذه المخالفة لا يوجب كون الاستعمال غلطا أو مستهجنا؛ إذ لا يقصر عن المجاز؛ لأنّ المجاز استعمال اللفظ في خلاف ما وضع له، و هذا استعمال فيما وضع له، غايته على غير جهة ما وضع له. هذا ما أفاده في هذا المقام رفع مقامه.

و يرد على الوجه الأوّل: أنّ الواضع عنده هو اللّه تعالى، و قد بلغ إلى الناس وحيا أو إلهاما أو فطرهم على فطرة بحيث يقدرون على تأدية مراداتهم بإبداع ألفاظ مخصوصة، فلما ذا لا يمكن أن يكون هو- تبارك و تعالى- اشترط مثل‏

41

هذا الشرط، و بلّغه إلى الناس وحيا أو إلهاما؟ فلا غرابة في هذا الاشتراط، بل ليس بأبعد من كون الواضع هو اللّه سبحانه على ما ادعي، و إن أنكرنا ذلك في محلّه، فراجع.

و أمّا الوجهين الأخيرين: فإنّما يردان عليه فيما إذا كان هذا شرطا خارجيا بدويا، أمّا إذا كان غرضا و علّة غائية للوضع- كما هو الظاهر من عباراته- فلا محالة يتحقّق تضييق في دائرة ذلك الأمر الاعتباري المجعول؛ لأنّ المعلول لا يمكن أن يكون أوسع من علّته، لكن لازم هذا الكلام أن يكون الموضوع له في كلّ واحد منهما حصّة غير الحصّة الاخرى.

و على كلّ حال: فالتحقيق في الجواب أنّ المتبادر من الحروف- كما سيجي‏ء- هو معنى مخالف بالهوية و الذات للمعنى الاسمي، فلا يبقى مجال لأصل دعوى صاحب «الكفاية» (قدّس سرّه‏) حتّى يستشكل عليه بمثل هذه الإشكالات.

الثالث: أنّ المعنى الحرفي ما ذكره بعض الأعاظم (قدّس سرّه‏)(1)،

و هو أنّ الموجود الممكني كما أنّه في الخارج على قسمين: الأوّل و هو الجوهر؛ أعني الموجود المستقلّ الذي لا يحتاج في وجوده إلى موضوع، و الثاني: و هو العرض؛ أعني الموجود غير المستقلّ الذي يحتاج في وجوده إلى موضوع، بل وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه.

كذلك المفاهيم الذهنية في الذهن على قسمين:

قسم من قبيل الجواهر الخارجية؛ أي يوجد في الذهن مستقلّا، من دون حاجة إلى مفهوم آخر، و ذلك كلفظة الابتداء و الانتهاء و الاستعلاء و غيرها من مفاهيم الأسماء، فإنّها في عالم اللحاظ تلاحظ مستقلّة، سواء لوحظت معها

____________

(1)- راجع وقاية الأذهان: 66.

42

شي‏ء آخر أم لا.

و قسم آخر حالها حال الأعراض الخارجية، كما أنّ الأعراض لا يمكن أن توجد في الخارج مستقلّة و في غير موضوع، و إنّما هي نعوت و صفات لغيرها، و وجوداتها في أنفسها عين وجوداتها لموضوعاتها، كذلك هناك مفاهيم لا يمكن أن توجد في الذهن مستقلّة و في غير موضوع، و إنّما هي حالات لمفاهيم اخرى، و ذلك كمفاهيم الحروف؛ حيث إنّها لا يمكن أن توجد في الذهن إلّا حالة لمدخولاتها.

فمفهوم «من» مثلا ليس هو في الذهن طبيعة الابتداء التي يمكن أن يخبر عنها و تلاحظ مستقلّة، بل الابتداء الذي هو حالة للبصرة أو غيرها من مدخولات هذه الكلمة، و لذلك لا يمكن أن يخبر عنه و لا به عن شي‏ء.

هذا هو المراد من قولهم: «إنّ الحرف ما دلّ على معنى في غيره»، و بعبارة اخرى المعنى الحرفي من قبيل الوجود الرابطي، لا الوجود النفسي و لا الرابط كما اصطلح عليه بعض المحقّقين.

و الحاصل: أنّ الأعراض الخارجية التي وجودها في الخارج تبع لوجود الغير و لا استقلال لها، و إنّما هي نعوت و أوصاف لغيرها يمكن أن تلاحظ في الأذهان مستقلّة من دون نظر إلى موضوعاتها، و يمكن أن تلاحظ في الذهن على نحو وجودها في الخارج نعتا و حالة لمفهوم آخر. و المعنى الحرفي من قبيل الثاني.

و الجواب عن هذا الوجه: هو ما أجبنا به عن الوجه الثاني، و هو أنّ معاني الحروف من سنخ وجود الرابط و النسب، لا الوجود الرابطي و الأعراض.

و بعبارة اخرى لو كان من سنخ الأعراض لما كان محتاجا إلّا إلى طرف واحد لا إلى الطرفين، و الوجدان يحكم باحتياجهما إلى الطرفين، كما سنبيّنه في‏

43

القول الآتي.

الرابع: أنّ المعنى الحرفي من سنخ النسب و الارتباطات القائمة بالطرفين،

فيكون معنى «من» مثلا نسبة الابتدائية بين السير و البصرة.

بيان ذلك: أنّ مفهوم السير لا يحكي إلّا عن ذلك الحدث المعيّن الصادر عن السائر، و مفهوم البصرة لا يحكي إلّا عن ذلك البلد المعيّن، و هكذا مفهوم الكوفة. و لكن قولك «سرت من البصرة إلى الكوفة» يدلّ على شيئين آخرين‏ (*)، غير تلك الحكايات الثلاث: و هي النسبة الابتدائية بين السير و البصرة، و الانتهائية بينه و بين الكوفة، فهاتان النسبتان هما معنى «من» و «إلى»، و هكذا الحال في سائر الحروف.

و بعبارة اخرى: كلّ جملة- سواء أ كانت كلاما تامّا يصحّ السكوت عليه، أم ناقصا لا يصحّ السكوت عليه- لا بدّ و أن تكون مشتملة على نسبة بين أجزائها و رابط يربط بعضها ببعض؛ لأنّ كلّ مركّب تقييدي- سواء أ كان ذلك التقييد بنحو الإخبار أم التوصيف أم الحالية أم التمييزية أم الظرفية أم الفاعلية أم المفعولية أم غيرها- يرجع إلى انتساب شي‏ء إلى شي‏ء آخر؛ سواء أ كانت تلك النسبة تامّة أم ناقصة لا يصحّ السكوت عليها.

مثلا قولك: «قضى زيد صلاته الفائتة يوم الجمعة في المسجد من طلوع الشمس إلى الزوال» يشتمل على نسبة بين القضاء و زيد و هي النسبة الصدورية، و نسبة بينه و بين الصلاة و هي النسبة الوقوعية، و نسبة بين الصلاة و الفائتة و هي‏

____________

(*)- بل هذه الجملة تدلّ على أربع حكايات، و الرابع حكاية «التاء» في «سرت» عن فاعل هذا الحدث، كما أنّ هيئة «سرت» تدلّ على النسبة الصدورية بين الفاعل؛ أعني «التاء» في «سرت» و السير، منه (رحمه اللّه).

44

النسبة التوصيفية، و نسبة أيضا بين القضاء و يوم الجمعة و هي النسبة الظرفية الزمانية، و نسبة بينها و بين المسجد و هي النسبة الظرفية المكانية، و نسبة بينها و بين الطلوع و هي النسبة الابتدائية، و نسبة بينها و بين الزوال و هي النسبة الانتهائية. و بعض هذه النسب كما رأيت مفاد الهيئة و بعضها الآخر مفاد الحروف.

و ممّا ذكرنا ظهر: أنّ حال الهيئات حال الحروف بعينها في أنّها أيضا لا تدلّ إلّا على أنحاء النسب و الارتباطات بين أجزاء موادّها على اختلاف أنحاء تلك النسب من الصدورية و الوقوعية و القيامية و الحالية و الإيجادية و الطلبية و غيرها؛ سواء أ كانت الجملة التي لها تلك الهيئة شرطية أم حملية، خبرية أم إنشائية، فعلية أم اسمية.

و السرّ في ذلك كلّه: أنّ كلّ ما اسند إلى شي‏ء أو قيّد ذلك به- على اختلاف أنحاء التقييدات- إذا كان للقيد وجود غير وجود ذات المقيّد و لو كان ذلك القيد من الموجودات في عالم الاعتبار، كجميع الأحكام الشرعية؛ وضعية أم تكليفية بالنسبة إلى موضوعاتها فإنّه يحتاج إلى وجود رابط بين ذلك القيد و ما قيّد به، فإن كان ذلك القيد من الامور العينية؛ أي من المحمولات بالضمائم- سواء أ كان جوهرا أم عرضا- فلا بدّ و أن يكون رابط بينهما في عالم العين و الواقع، و إن كان من الامور الاعتبارية كالطهارة و النجاسة و الملكية و الزوجية و سائر الأحكام الشرعية- وضعية أم تكليفية- فلا بدّ و أن يكون بينهما رابط في عالم الاعتبار.

و بعبارة اخرى: القيد في أيّ وعاء من أوعية الواقع كان موجودا لا بدّ من وجود الرابط أيضا في ذلك الوعاء.

و إلى هذا يرجع تقسيمهم للقضية في المنطق إلى ثنائية و ثلاثية، بأن سمّوا

45

ما لا يحتاج إلى الرابط بالثنائية، و ما يحتاج إليه بالثلاثية، فقالوا: إنّ القضية التي محمولها الوجود المطلق و ما هو مفاد الهلية البسيطة ثنائية، و التي محمولها الوجود المقيّد و مفاد الهلية المركّبة ثلاثية.

و أمّا إذا لم يكن للقيد وجود آخر غير وجود ما اسند إليه و ما قيّد به- و لو كان وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، بل و لو كان وجودا اعتباريا- فلا يحتاج إلى وجود رابط بينهما إلّا في الذهن و في مرحلة تشكيل القضية.

أمّا عدم الاحتياج في غير تلك المرحلة: فلأنّه ليس هناك وجودان حتّى نقول بلزوم رابط بينهما في الوعاء الذي وجد القيد في ذلك الوعاء.

و أمّا الاحتياج في تلك المرحلة: فلأنّ تشكيل القضية لا يمكن إلّا بأن يكون فرق بين الموضوع و المحمول، و لو كان ذلك الفرق اعتباريا، فباعتبار ذلك الفرق و التغاير لا بدّ من وجود رابط في عالم الذهن و اللحاظ حتّى يربط أحدهما بالآخر في تلك المرحلة، و لذلك أنّ كلّ قضية لا بدّ فيها من تصوّر الموضوع و المحمول و النسبة الحكمية.

فمرادهم من كون القضية ثنائية في هذا القسم أنّه لا رابط بين الموضوع و المحمول في خارج الذهن و غير مرحلة تشكيل القضية، لا عدم الرابط في تلك المرحلة.

و الغرض من هذا التفصيل و التطويل هو أنّ جميع الجمل- ناقصة كانت أو تامّة، اسمية أو فعلية، خبرية أو إنشائية، و الإنشائية طلبية أو إيقاعية بجميع أقسامها- مشتملة على نسبة بين أجزائها، و هكذا بين متعلّقاتها على اختلاف أنحاء النسب و الارتباطات.

فكما أنّ ألفاظ الموادّ- أي أسمائها و أفعالها- تدلّ على معانيها الاستقلالية فكذلك الحروف التي فيها و هيئاتها تدلّ على تلك النسب‏

46

و الارتباطات، ففي مثل «يا زيد» لفظة «يا» تدلّ على النسبة الندائية الإنشائية التي بين المنادي و المنادى.

الخامس: ما ذهب إليه شيخنا الاستاذ (قدّس سرّه‏) و بنى مسلكه في المعاني الحرفية على أربعة أركان:

الأوّل: أنّ المعاني الحرفية إيجادية لا إخطارية، بمعنى أنّ كلمة «من» لا تحكي عن نسبة ابتدائية متقرّرة في الذهن كالمعاني الاسمية، بل هي موضوعة لإيجاد تلك النسبة و ذلك الربط في موطن الاستعمال، فتكون الحروف و الهيئات آلات لإيجاد الارتباطات و النسب المخصوصة.

مثلا لفظة «من» وضعت لإيجاد الربط الابتدائي بين السير و البصرة، و كلمة «على» لإيجاد النسبة الاستعلائية بين زيد و السطح، في مثل «زيد على السطح»، و هيئة «زيد قائم» لإيجاد النسبة القيامية بين زيد و قائم، و هكذا الحال في سائر الحروف و الهيئات.

الثاني: أنّ معانيها قائمة بغيرها و لا استقلال لها في هوية ذاتها، و هذا هو الذي شرحناه في القول الرابع، و قلنا: إنّ الحروف و الهيئات دالّات على أنحاء النسب و حاكيات عن أصناف الارتباطات. و لا شكّ في أنّ ما هو نسبة و ارتباط بالحمل الشائع لا استقلال له في هوية ذاته، بل يكون في اللبّ و الحقيقة معنى قائما بالطرفين.

و قد عرفت أنّه المراد من قولهم: «الحرف ما دلّ على معنى في غيره»، لا أنّه علامة على كون المعنى في غيره من دون معنى لنفسه كما في القول الأوّل، و لا جعله آلة لملاحظة حال الغير حال الاستعمال كما في القول الثاني، و لا كونه محتاجا إلى مفهوم آخر في الذهن حال تصوّره حتّى يكون في الذهن من حالاته كما في القول الثالث.

47

فهذا الأمر مشترك بين القول الرابع و هذا القول، و إنّما يمتازان بأنّ الحروف بناء على القول الرابع حاكية عن النسب المتقرّرة: إمّا في عالم العين و الخارج، و إمّا في عالم الاعتبار، و إمّا في الذهن و في مرحلة تشكيل القضية على ما بيّنا ذلك مفصّلا، و أمّا بناء على هذا القول فهي موجدة لمعانيها في موطن الاستعمال.

الثالث: أنّ تلك المعاني الإيجادية لا موطن لها إلّا موطن الاستعمال، و لا تقرّر لها في وعاء من أوعية الواقع أو الاعتبار إلّا في ذلك الموطن. و لازم ذلك أنّ حدوثها يدور مدار حدوث الاستعمال، و بقاءها مدار بقائه.

الرابع: أنّ معانيها مغفول عنها حال إيجادها، فكما أنّ الألفاظ مغفول عنها حال الاستعمال؛ لفنائها في معانيها؛ لأنّ نظر المستعمل حال الاستعمال ليس إلّا إلى المعاني، و ليس النظر إلى الألفاظ إلّا بنحو المرآتية، و أمّا المرئي فهي المعاني.

كذلك المعاني التي توجد بالهيئات أو الحروف حيث إنّه لا موطن لها على الفرض إلّا موطن الاستعمال، و لا تقرّر لها في أيّ وعاء من أوعية الواقع- لا ذهنا و لا خارجا و لا في عالم الاعتبار- فلا يمكن أن تكون ملتفتا إليها أصلا في الرتبة السابقة على الاستعمال؛ لأنّ الالتفات إليها قبل الاستعمال لا يمكن إلّا بوجودها في الذهن و تصوّرها.

و معنى هذا تقرّرها في الذهن و تحقّقها في غير موطن الاستعمال، و هذا خلاف المفروض في الركن الثالث، و لازم ذلك عدم تطرّق الإطلاق و التقييد اللحاظيين فيها. هذا حاصل ما استفدناه من بيانه.

و استدلّ على هذا المطلب بوجهين:

الأوّل: أنّ حرف النداء في مثل «يا زيد» لا يمكن أن يكون حاكيا عن‏

48

النسبة الندائية المتقرّرة في غير موطن الاستعمال؛ لأنّه قبل الاستعمال لا نداء و لا منادي و لا منادى، و إنّما تتحقّق هذه العناوين بنفس الاستعمال.

و بعبارة اخرى: طرف هذه النسبة المتقوّمة بهما ليس ذات الرجل الذي ينادي، و لو لم يناد بل بوصف كونه مناديا، و هكذا الأمر في الطرف الآخر، و معلوم أنّ هذا الوصف يحصل بنفس الاستعمال، و لا وجود له قبله في جميع أوعية الواقع من الخارج و الذهن و عالم الاعتبار.

فلا بدّ من القول بوجود هذه النسبة و الربط بتوسّط أحد حروف النداء في موطن الاستعمال، ففي الحقيقة يوجد مصداق لمفهوم النداء الذي يحمل عليه هذا المفهوم بالحمل الشائع بتوسّط كلمة «يا» مثلا في موطن الاستعمال.

فمفهوم النداء الذي يحمل عليه مفهوم اسمي و ذلك الربط و تلك النسبة الندائية الموجدة بواسطة حرف النداء في موطن الاستعمال التي هي مصداق ذلك المفهوم معنى حرفي.

و أنت خبير بما في هذا الكلام:

أوّلا: أنّ المعنى الحرفي لا يمكن أن يكون مصداقا للمعنى الاسمي، أو ما ينطبق هو عليه؛ لأنّ معنى المصداقية و المنطبقية لشي‏ء هو أن يجعل ذلك الشي‏ء محمولا و المصداق و المنطبق عليه موضوعا، و معلوم أنّ المعنى الحرفي لا يمكن أن يجعل موضوعا، و إلّا لخرج عن كونه حرفا، فنسبتها إلى تلك المفاهيم الاسمية ليس من قبيل المفهوم و المصداق، بل له معنى آخر سنبيّنه في مقام بيان كيفية وضع الحروف إن شاء اللّه.

و ثانيا: أنّه لا فرق بين «يا زيد» مثلا و بين سائر الجمل الإنشائية الإيقاعية، و ذلك لأنّ هذا الكلام له مقدّر؛ إذ لا يمكن أن يتألّف الكلام من حرف و اسم.

49

و بعبارة اخرى: المسند فيه مقدّر؛ لأنّ زيدا فيه مسند إليه كما هو واضح فلنفرض المقدّر- كما قال النحويون- كلمة «أدعو»، فحينئذ نقول للدعوة نسبة صدورية إلى المتكلّم بهذا الكلام تكون مدلولة لهيئة أدعو، و نسبة المدعوية إلى طرفه؛ أعني زيدا في المثال و الدالّ على هذه النسبة هي كلمة «يا».

و لا شكّ في أنّ المتكلّم إذا أراد أن يلقي كلاما إلى الطرف فلا بدّ له من أن يتصوّر أجزاء الكلام بما لها من النسب و الارتباطات حتّى تكون الجملة الملفوظة مطابقة للجملة المعقولة. غاية الأمر قد يكون بصدد الإخبار عن ثبوت هذه النسب في موطنها من الذهن أو عالم الاعتبار أو الخارج فتسمّى جملة خبرية، و قد يكون بصدد إنشاء مضمون تلك الجملة فتسمّى جملة إنشائية، و معلوم أنّ ما نحن فيه من القسم الثاني.

الثاني: أنّه لا شكّ في أنّ مفاهيم أجزاء الجمل؛ تامّة كانت أو ناقصة، اسمية أو فعلية، خبرية أو إنشائية، ما عدا الحروف التي فيها و هيئاتها مفاهيم بسيطة مستقلّة في الأذهان غير مرتبطة بعضها ببعض، فلو لم توجد بينها بواسطة الحروف و الهيئات تلك النسب و الارتباطات كانت امورا متباينة دائما، كلّ واحدة أجنبية عن الاخرى، فكيف يتحقّق و يتشكّل منها كلام؛ لأنّ الكلام لا بدّ أن تكون أجزاؤه مرتبطا بعضها ببعض؟!

و فيه: أنّ المفاهيم المذكورة- كما بيّناه في الجواب عن الوجه الأوّل- لا تتصوّر غير مرتبطة بعضها ببعض، بل المتكلّم حين ما يريد إلقاء جملة على الطرف لا بدّ و أن يتصوّر مفاد تلك الجملة أوّلا، ثمّ ينشئ الألفاظ على طبق تلك الجملة الذهنية. و لا شكّ في أنّ الجملة الذهنية لا تتحقّق إلّا بوجود رابط بين أجزائها الذهنية.

نعم، كما أنّ الربط الخارجي بين الأعراض الخارجية و موضوعاتها قائم‏

50

بالطرفين، و لا استقلال لها في الخارج كذلك الربط الذهني قائم بالطرفين، و لا استقلال له في الذهن.

و حينئذ فألفاظ الجملة ما عدا الحروف تدلّ على تلك المفاهيم الذهنية المستقلّة، و الحروف و الهيئات تدلّ على تلك النسب و الارتباطات غير المستقلّة القائمة بأطرافها، و إلّا فلو تصوّرنا مفاهيم متعدّدة غير مرتبطة كأن تصوّرنا مفهوم زيد وحده، و تصوّرنا مفهوم قائم وحده فكيف يمكن أن نوجد بينهما ارتباطا بواسطة الهيئات أو الحروف؛ لأنّ الواقع لا ينقلب عمّا هو عليه.

مثلا لو فرضنا أنّ زيدا في الخارج وجد بلا قيام و القيام وجد بلا ارتباط بينه و بين زيد فهل يعقل جعل ارتباط في الخارج بين شيئين موجودين، لا ارتباط بينهما؟ و كذلك في وعاء الذهن إذا وجد مفهومان غير مرتبطين لا يمكن جعل الارتباط بينهما بلا آلة، و لا مع الآلة.

و بعبارة اخرى: قد جعل اللّه- تبارك و تعالى- للإنسان قدرة تكوينية على إيجاد المعاني و المفاهيم في الذهن منفردة و متعدّدة، و المتعدّدة غير مرتبطة بعضها ببعض و مرتبطة بلا احتياج إلى آلة في إيجادها على تلك الكيفية، فالوضع لهذا الغرض لغو.

نعم، الاحتياج إلى الوضع من ناحية إبراز هذه المعاني المتصوّرة و إلقائها إلى المخاطب في مقام التفهيم و التفهّم.

و حيث إنّ إلقاء تلك المعاني و المفاهيم الموجودة في الأذهان بأعيانها غير معقول؛ لأنّها متقوّمة بالذهن، بل من شئونها و أطوارها فلا بدّ من إلقاء شي‏ء آخر يمكن إلقاؤه إلى المخاطب؛ بحيث يكون إلقاء ذلك الشي‏ء الآخر إلقاء له، و ذلك لا يمكن إلّا بأن تكون بينهما هوهوية و لو جعلية اعتبارية. و لذلك قلنا: إنّ حقيقة الوضع هي الهوهوية الاعتبارية.

51

فإذا أوجدت النفس بتلك القدرة الموهوبة لها من قبله- جلّ جلاله- مفهوما واحدا غير مركّب و لا مقيّد بشي‏ء فهذا علم تصوّري واحد يدلّ عليه لفظ واحد، و إذا أوجدت مفاهيم متعدّدة غير مرتبطة فهذه علوم تصوّرية متعدّدة تدلّ عليها ألفاظ متعدّدة، بلا ارتباط لا بين هذه الألفاظ و لا بين تلك المعاني.

و إذا أوجدت مفاهيم متعدّدة مرتبطة مقيّدة بعضها ببعض على اختلاف أنحاء النسب و الارتباطات و التقييدات، فكما أنّ إلقاء تلك المفاهيم و المعاني المستقلّة تكون بإلقاء ألفاظ الأسماء و الأفعال باعتبار موادّها لا هيئاتها، كذلك إبراز تلك النسب التي بين تلك المفاهيم تكون بتوسّط الحروف و الهيئات. و قد ظهر ممّا ذكرناه حال القول الآتي.

السادس: ما ذهب إليه صاحب «الحاشية» (1) من التفصيل بين الحروف‏

بأنّ معاني بعضها إيجادية كحروف النداء و التمنّي و الترجّي، و بعضها الآخر إخطارية. و لا حاجة إلى تطويل الكلام و إعادة النقض و الإبرام.

المختار في كيفية وضع الحروف‏

و بعد أن عرفت المختار و الصحيح من الأقوال في المعنى الحرفي فلنشرع فيما هو المقصود في المقام من كيفية وضع الحروف و أنّه من أيّ قسم من الأقسام الثلاثة الممكنة المتقدّمة:

فنقول: أمّا الوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ فغير معقول، كما هو واضح؛ لأنّ أشخاص المعاني الحرفية غير قابلة للتصوّر بلا توسيط معنى اسمي، و إلّا تخرج عن كونها معاني حرفية، مضافا إلى عدم تناهيها، و استحضار

____________

(1)- هداية المسترشدين: 23.

52

ما لا نهاية له بالصور التفصيلية- كما هو شأن الوضع الخاصّ- غير معقول، فيبقى القسمان الآخران من الأقسام الثلاثة؛ أعني الوضع العامّ و الموضوع له الخاصّ، و الوضع العامّ و الموضوع له العامّ.

و بعض من قال بهذا الأخير قال بأنّ المستعمل فيه خاصّ، فتصير الأقوال في وضع الحروف بهذا الاعتبار ثلاثة، لكن هذا القول الأخير؛ أعني كون المستعمل فيه فيها خاصّا مع كون الوضع و الموضوع له عامّا أيضا واضح الفساد؛ لأنّه لا معنى لجعل اللفظ موضوعا لمعنى لا يستعمل فيه أصلا، كما هو المفروض في هذا القول.

فالعمدة في المسألة هما القولان الأوّلان؛ أعني كون الموضوع له خاصّا أو عامّا، مع الاتفاق في أنّ الوضع عامّ:

و قد ذهب إلى كلّ واحد من هذين القولين جماعة من المحقّقين، فالذي يقول بأنّ الموضوع له فيها خاصّ عمدة نظره إلى عدم إمكان كون المعنى و الموضوع له فيها عامّا من جهة عدم إمكان وجود جامع ذاتي بين هذه النسب الخاصّة و الارتباطات المخصوصة؛ بحيث يكون ذلك المفهوم الذاتي الجامع من قبيل الكلّي الطبيعي بالنسبة إلى هذه النسب و الارتباطات، و تكون هي مصاديقها، كما هو شأن كلّ كلّي طبيعي مع أفراده.

و بعبارة اخرى: المعاني الحرفية- حيث إنّها امور غير مستقلّة في جوهر ذواتها و قائمة بأطرافها؛ بحيث لا يمكن تعقّلها مستقلّا و لو في الذهن من دون أطرافها كما هو شأن الوجود الرابط، و ليست من قبيل الأعراض الخارجية حتّى يكون الاحتياج إلى الموضوع من لوازم وجودها و تكون مستقلّة في مقام ذاتها، بل ليس حقيقتها إلّا صرف الربط و محض النسبة و الارتباط بين أطرافها؛ بحيث لو انسلخت عن هذه الجهة تخرج عن كونها معاني حرفية، كما بيّناه مفصّلا في‏