منتهى الأصول - ج2

- السيد حسن الموسوي البجنوردي المزيد...
842 /
5

[الجزء الثاني‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأوّلين و الآخرين، محمّد و أهل بيته الطيّبين الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقدّمة

وجه تثليث مقاصد البحث‏

و بعد فاعلم: أنّ المكلّف القادر على استنتاج المسائل الفقهية عن أدلّتها التفصيلية إذا التفت إلى حكم شرعي لا يخلو من حالات ثلاث: إمّا أن يقطع به، أو يظنّ به، أو يشكّ فيه، و احتمال الوهم مندرج في هذه الثلاثة باعتبار أنّ الوهم بأحد الطرفين ظنّ بالطرف الآخر.

و إنّما قيّدنا المكلّف بكونه مجتهدا لما مرّ سابقا: أنّ المسائل الاصولية عبارة عن الكبريات التي تقع في طريق استنتاج الأحكام الشرعيّة، و من المعلوم: أنّ وجود هذه الحالات لغير المجتهد لا ربط له بتلك الكبريات التي هي مسائل علمنا.

فالبحث عنها باعتبار حدوثها لغير المجتهد خارج عن هذا الفنّ، كما أنّ بعض مباحث القطع خارج مطلقا، سواء حصل للمجتهد أو للمقلّد، فيكون ذكر ذلك البعض استطرادا.

و أمّا ما افيد من أنّ مثل خطاب «لا تنقض اليقين بالشكّ» و «رفع ما لا يعلمون» لا وجه لاختصاصه بالمجتهدين، مع أنّ الخطابين و أمثالهما عامّة،

8

لا تقييد فيها و لا مقيّد لها من الخارج، فهو في نفسه كلام حقّ لا غبار عليه، لكنّه غير مربوط بما ذكرنا؛ لأنّا لا نقول بعدم حجّية الاستصحاب و البراءة بالنسبة إلى العامّي، بل نقول بحجّيتهما في حقّه في الموضوعات الخارجية بعد إفتاء المجتهد بمضمونهما، و يجوز للعامّي إجراؤهما فيها بعد ذلك الإفتاء.

و مقصودنا: أنّ الاصولي بما هو اصولي لا يهمّه البحث عن حدوث هذه الحالات لغير المجتهد؛ لعدم ارتباطها بفنّه.

و أمّا ما استشكل به صاحب «الكفاية» (رحمه اللّه) على تثليث الأقسام بأنّه لا وجه لتخصيص متعلّق القطع بالحكم الواقعي؛ لعدم اختصاص أحكامه بذلك، بل لا فرق في ترتّب أحكامه بين أن يكون متعلّقا بالحكم الواقعي أو الظاهري؛ فلا يبقى مجال لتثليث الأقسام، بل ينبغي أن يقال: إنّه إذا التفت إلى حكم شرعي‏ (*): إمّا أن يقطع به فهو، و إلّا فلا بدّ من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من اتباع الظنّ على تقدير، و الرجوع إلى الاصول العقلية على تقدير آخر (1).

و أنت خبير: بأنّ الاصولي لا يهمّه إلّا تحصيل القطع- بأيّ سبب كان- بذلك الحكم الظاهري؛ كي يجعله كبرى في قياس الاستنباط، و لا شأن له بعد حصول القطع بالحكم الظاهري.

و بعبارة اخرى: القطع بالحكم الظاهري لا يحصل إلّا بعد الاجتهاد و الاستنباط الفعلي، و الاصولي يبحث و يتكلّم عمّا به يجتهد، و يقع كبرى في قياس الاستنتاج، فلا شغل له بالقطع بالحكم الظاهري، فإنّه يهمّ الفقيه لا

____________

(*)- الأعمّ من الحكم الواقعي و الظاهري، و الظاهري ما هو مؤدّى الأمارات و الاصول العملية.

(1)- كفاية الاصول: 296.

9

الاصولي‏ (*). فلا بدّ من التثليث في الأقسام، حتّى يرى الاصولي بعد البحث و التنقيح: أنّ أيّ ظنّ معتبر و يقع كبرى في قياس الاستنباط، و أيّ ظنّ لا يقع، أو أنّ كلّ ظنّ حجّة، أو ليس شي‏ء منه بحجّة، و أنّ الشارع في مورد الشكّ هل جعل وظيفة عملية للمجتهد الشاكّ؛ ليستنتج منه الحكم الشرعي الظاهري، أم لا؟ و على تقدير الجعل: ما هي و كم هي.

نعم، القطع بالحكم الشرعي- الذي هو إحدى هذه الحالات الثلاث- خارج أيضا عن البحث الاصولي، كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

و ممّا ذكرنا ظهر الجواب عن إشكاله الثاني أيضا، و هو أنّه لو سلّمنا صحّة تثليث الأقسام فينبغي أن يقال: إمّا أن يقطع أو لا. و على الثاني: إمّا أن تقوم عنده أمارة معتبرة أم لا. و على الثاني: فالمرجع هي الاصول العملية، و إلّا يلزم تداخل الأقسام بحسب الحكم؛ إذ ربّ ظنّ يلحقه حكم الشكّ بواسطة عدم اعتباره، كما أنّه ربّ شكّ يلحقه حكم الظنّ بواسطة اعتباره‏ (1).

و أنت خبير: بأنّه ليس هاهنا حكم مفروغ عنه للظنّ و آخر مفروغ عنه للشكّ؛ كي يتداخل بعض الأقسام في بعض بحسب الحكم، بل المقصود من بيان هذه الحالات- التي هي من الامور الواقعية لكلّ مكلّف ملتفت إلى الحكم الشرعي- هو تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي، و أنّ هذه الحالات الثلاث كلّها أو بعضها حجّة عند الشارع، أو ليس شي‏ء منها بحجّة.

و بعبارة اخرى: بعد هذا التقسيم نقول:

____________

(*)- مضافا إلى أنّه نحن أنكرنا ثبوت الحكم الظاهري، سواء كان مؤدّى الأمارات و الطرق أو كان مؤدّى الاصول العملية، فالأحرى أن نسمّه به ظاهر الحكم، فإن صادف الواقع فهو المطلوب، و الّا كسراب بقيعة يحسبها الظمآن ماء.

(1)- كفاية الاصول: 297.

10

أمّا القطع: فلا معنى لأن يكون حجّيته بجعل الشارع؛ إذ هو من قبيل تحصيل الحاصل، بل أسوأ منه؛ لأنّه يلزم منه تحصيل ما هو حاصل تكوينا بالتشريع.

و أمّا الظنّ: فإنّه يمكن أن يجعله حجّة بأن يتمّم كشفه، كما سنبيّنه إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا الشكّ: فلا يمكن جعله طريقا و حجّة؛ لأنّه لا طريقية و لا كشف له- و لو ناقصا- حتّى يتمّم في عالم الاعتبار. و لا نفهم معنى للحجّية الشرعية و الطريقية المعطاة من قبله سوى ذلك المعنى الذي لا مورد له، و لا يمكن تحقّقه في الشكّ. فكلّ ما جعل الشارع للشاكّ يكون وظيفة عملية له؛ لعدم إمكان جعله طريقا من قبله.

إن قلت: أ ليس بعض الطرق الشرعية- كالخبر الموثوق الصدور و البيّنة- لا يحصل منه الظنّ في بعض الأحيان لبعض الأشخاص، فكيف جعل طريقا و أمارة؟

قلنا: حجّية هذه الامور باعتبار الظنّ النوعي بمعنى أنّ هذه الطبيعة- مع قطع النظر عن الخصوصيات الواردة عليها- تكون مفيدة للظنّ، حتّى أنّ هذا الشخص، الذي لم يحصل له الظنّ من هذه الأمارة لو لم تطرأ عليه أو على تلك الأمارة تلك الخصوصية لكان يظنّ. فالشارع كأنّه تمّم تلك الكاشفية النوعية الناقصة في عالم الاعتبار التشريعي بالمعنى الذي سنذكره لتتميم الكشف في محلّه إن شاء اللّه تعالى، و هذا غير جعل الشكّ طريقا، فإنّه غير معقول.

و الحاصل: أنّ لنا مقاصد ثلاثة: الأوّل: في القطع باعتبار بعض أحكامه، و قد بيّنا: أنّ بعض أحكامه خارج عن الفنّ.

11

الثاني: في الظنّ و أنّ مطلق الظنّ حجّة، أو بعضه دون بعض، أو ليس شي‏ء منه بحجّة.

الثالث: في الشكّ و أنّ الوظيفة المجعولة للشاكّ ما هي، و كم هي؟

بيان مجاري الاصول‏

و لا بأس بذكر مجاري الاصول و كمّيتها هنا، تبعا للأساطين العظام، و إن كان محلّ ذكرها في أوّل المقصد الثالث:

فنقول: الوظيفة المجعولة: إمّا أن يراعى في جعلها الحالة السابقة أم لا، فالأوّل هو الاستصحاب.

و الثاني: إمّا أن يكون في مورد الشكّ في جنس التكليف فهي البراءة، و إمّا أن تكون بعد العلم بالتكليف و الشكّ في المكلّف به، فإمّا أن يقدر على الاحتياط أو لا، فالأوّل هو الاحتياط، و الثاني هو التخيير.

ثمّ إنّه لا يخفى: أنّ حصر مجاري هذه الاصول الأربعة عقلي، و القسمة قسمة مستوفاة؛ حيث إنّها دائرة بين النفي و الإثبات. و أمّا نفس الاصول الأربعة فانحصارها فيها استقرائي، و إلّا من الممكن جعل أصل آخر أو اصول أخر في مورد الاستصحاب مثلا غيره أو معه، كما في الموضوعات، فإنّ الوظيفة و البناء العملي فيها ليسا على طبق الحالة السابقة في كثير من الموارد، و ذلك كالبناء على الأكثر في أعداد الرباعية، و البناء على وجود المشكوك في قاعدة التجاوز و الفراغ و أصالة الصحّة و هكذا.

حتّى أنّ انحصار الاصول الحكمية في الأربعة غير مسلّم، بل هناك أصلان آخران؛ و هما أصالة الطهارة و قاعدة الحلّ في الشبهات الحكمية، و لم يذكرهما الاصوليون؛ لوضوحهما و عدم الاختلاف فيهما، فلا يحتاج إلى بحث‏

12

و تنقيح، فيكون ذكرهما و البحث عنهما لغوا و بلا فائدة.

و أمّا القول بأنّ المسألة الاصولية ما لا تكون مختصّة بباب دون باب، بل تجري في جميع أبواب الفقه، كالبراءة و الاستصحاب- كما ذكره صاحب الكفاية (قدّس سرّه‏)؛ اعتذارا لعدم أصالة الحلّ و أصالة الطهارة في الشبهات- فهذه دعوى بلا بيّنة و لا برهان، بل البرهان على خلافه؛ لأنّ المناط في كون المسألة اصولية، كما ذكرنا مرارا وقوعها كبرى في قياس الاستنتاج الحكم الكلّي الشرعي، و لو في قياس واحد لاستنتاج حكم واحد.

ثمّ إنّ هذا كلّه في الاصول الحكمية الشرعية.

و أمّا الاصول العقلية فالحصر في كليهما- أي المجرى و الجاري- عقلي؛ لأنّه بعد ما فرضنا أنّ المجتهد بعد الفحص و التفتيش لم يظفر على دليل شرعي على الحكم- أصلا كان أو أمارة- فإن كان شكّه في أصل الإلزام من قبل الشارع فالعقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان، و لا معنى لوجود أصل آخر من قبل العقل في مثل هذا المورد، و أمّا إذا علم بأصل الإلزام- وجوبا أو حرمة أو مردّدا بينهما- فإمّا أن يتمكّن من الاحتياط أو لا، ففي الصورة الاولى يحكم بالاحتياط، و في الثانية بالتخيير، كما سيجي‏ء بيانها مفصّلا إن شاء اللّه تعالى.

13

المقصد الأوّل في القطع‏

و فيه امور:

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

الأمر الأوّل إطلاق الحجّة على القطع‏

لا شبهة في حجّية القطع و طريقيته لإثبات متعلّقه، سواء كان حكما أو موضوعا. و لا شكّ في أنّ طريقية كلّ شي‏ء عدا القطع بالأخرة تنتهي إلى القطع؛ لأنّ كلّ ما بالعرض لا بدّ و أن ينتهي إلى ما بالذات.

و لا شكّ أيضا في أنّ الحجّية و الطريقية بهذا المعنى للقطع ذاتي، لا يمكن أن يكون بجعل شرعي؛ لأنّ الجعل الشرعي في هذا المقام من قبيل تحصيل الحاصل، بل أسوأ؛ لأنّه من قبيل تحصيل ما هو حاصل تكوينا بالتشريع. نعم، حجّيته و طريقيته بالمعنى الذي ذكرنا مجعول بالجعل التكويني البسيط.

و حينئذ فإن قلنا بأنّ الكاشفية هو ذاتي إيساغوجي للقطع، بمعنى أنّ القطع ليس إلّا انكشاف الشي‏ء و ظهوره للقاطع فليست صفة الكاشفية من لواحقه و أعراضه، بل هي عينه، فتكون مجعولة بالجعل البسيط التكويني بالذات.

و إن قلنا بأنّها من لوازمه و لواحقه- كما يظهر من عبارة شيخنا الأعظم (قدّس سرّه‏) في «الرسائل» (1)- فتكون مجعولة بالجعل التأليفي التكويني، و لكن بالعرض؛

____________

(1)- فرائد الاصول 1: 4.

16

لأنّه يكون حينئذ من قبيل الذاتي في كتاب البرهان و منتزعا من نفس ذات القطع بلا ضمّ ضميمة إليه، فجعل الذات مغن عن جعلها مستقلّا، بل تكون مجعولة بعين جعله، و هذا معنى الجعل بالعرض‏ (*).

____________

(*)- و لكن أنت خبير: أنّ الجعل التأليفي يختصّ تعلّقه بالعرضيات المفارقة؛ لخلوّ الذات عنها، و لا يتصوّر بين الشي‏ء و نفسه، ك «الإنسان إنسان»، و لا بين الشي‏ء و ذاتياته ك «الإنسان حيوان»، و لا بين الشي‏ء و عوارضه اللازمة ك «الأربعة زوج»؛ لأنّها نسب ضرورية؛ لأنّه بعد جعل الإنسان جعلا بسيطا لا يحتاج في صيرورته إنسانا أو حيوانا إلى جعل تأليفي يجعله إنسانا أو حيوانا، و هكذا الزوجية بالنسبة إلى الأربعة. و كلّما كان ممكنا بحسب ذاته يحتاج في وجوده إلى علّة.

فالجعل البسيط عبارة عن جعل الشي‏ء و إفاضة نفس الشي‏ء، و إن شئت عبّر عنه بالوجود المحمولي، و بقول الادباء الجعل المتعدّي إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً و أمّا الجعل التأليفي عبارة عن جعل الشي‏ء شيئا، و إن شئت فعبّر عنه بالوجود النعتي، و بقول الادباء الجعل المتعدّي إلى مفعولين، كقوله تعالى:

جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ.

و من المعلوم: أنّ قيام الجعل التأليفي لا يتحقّق إلّا بالوجود الرابط، و يعبّر عن الجعل التأليفي مفاد كان الناقصة، و عن الجعل البسيط مفاد كان التامّة بلسان علماء الأدب، و أنّ التصوّرات كلّها من قبيل الجعل البسيط، فالنفس تحلق الصورة بنفسها. و التصديقات من قسم الجعل التأليفي؛ لأنّه ثبوت شي‏ء لشي‏ء، فقوامه بالوجود الرابط.

و أمّا الامور الذاتية و الذاتيات من أجزاء الماهية- كالجنس و الفصل- فلا يتعلّق بها الجعل التأليفي و لا الجعل البسيط، فإنّ المفاض هو نفس الوجود، و أمّا الماهية فهي مفاضة بالتبع و العرض، فما كان مفاضا و موجودا بالأصالة هو نفس الوجود.

فالمحكي بالوجود هو نفس الوجود، و أمّا الماهية فهي الحاكية و العنوان للموصوف، و هو الوجود. فنفس تلك المرتبة للوجود ينتزع منها عنوان الحاكي، و هو الماهية.

و خلاصة الكلام: أنّ الماهية غير قابلة للجعل مطلقا، لا بالجعل البسيط و لا بالجعل-

17

ثمّ إنّ إطلاق الحجّة على القطع ليس من قبيل إطلاق الحجّة على الحدّ الأوسط عند المنطقيين؛ لأنّ الحدّ الأوسط لا بدّ و أن تكون له علاقة و ارتباط بالأكبر، الذي هو محمول النتيجة.

و تلك العلاقة لا تخلو: إمّا أن تكون هي العلّية، فيكون الأوسط علّة للأكبر، فيسمّى بالبرهان اللمّي. أو المعلولية، بأن يكون الأوسط معلولا له، أو كلاهما معلولان لعلّة ثالثة، و يسمّى هذان القسمان بالبرهان الإنّي.

و من الواضح: أنّ القطع الطريقي المحض، الذي هو محلّ الكلام و البحث لا علاقة له بمتعلّقه، و لا ارتباط بينهما أصلا؛ لا العلّية و المعلولية، و لا كونهما معلولين لعلّة ثالثة، هذا على أنّ الحدّ الأوسط هو الذي يوجب القطع بثبوت الأكبر للأصغر. و أمّا القطع فلا يمكن أن يوجب نفسه.

فقد ظهر ممّا ذكرنا: أنّ إطلاق الحجّة على القطع ليس بالمعنى المصطلح عند المنطقي، و لا عند الاصولي؛ لأنّ الحجّية عند الاصولي عبارة عن تتميم الكشف في الأمارات، و عن الوظيفة العملية في الاصول، كما سيجي‏ء البحث عنها مفصّلا إن شاء اللّه تعالى.

و بعبارة اخرى: مصداق الحجّة في اصطلاح الاصولي عبارة عن الكبريات التي يستنتج منها المسائل الفقهية، و يوجب القطع بها، و لو في مقام الظاهر و الإثبات. و واضح: أنّ القطع الطريقي المحض- سواء تعلّق بالحكم الشرعي أو بموضوعه- ليس له هذا الشأن.

نعم، القطع الذي اخذ في الموضوع- سواء كان على وجه الصفتية أو

____________

- التأليفي، فإنّ ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري، و أجزاء الماهية للماهية ثبوتها أيضا ضروري، و ما كان ضروري الثبوت لا يتعلّق به الجعل.

18

الطريقية- و سواء كان جزء للموضوع أو تمامه، يمكن أن يكون من قبيل الحدّ الأوسط، فيصحّ أن يطلق الحجّة عليه بالمعنى المصطلح عند المنطقي؛ و ذلك لأنّ نسبة الحكم إلى موضوعه نسبة المعلول إلى علّته.

بل بناء على ما هو التحقيق من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلّقاتها يكون الموضوع دخيلا في الحكم، كدخل العلّة في معلولها، فيصحّ تشكيل قياس بجعل المقطوع الخمرية مثلا حدّا أوسط لاستنتاج وجوب الاجتناب، أو إثبات النجاسة لهذا الشي‏ء الخارجي المقطوع خمريته، و يكون من قبيل البرهان اللمّي؛ لما ذكرنا من أنّ الموضوع من قبيل العلّة بالنسبة إلى الحكم.

نعم، في القطع الذي هو جزء الموضوع لا يمكن أن يجعل الأوسط هو المقطوع كذا وحده، بل لا بدّ و أن ينضمّ إليه الواقع، الذي هو متعلّق القطع، مثلا في المثال السابق لا بدّ و أن يقال في الكبرى، و كلّ ما هو مقطوع الخمرية و كان خمرا يجب الاجتناب عنه، أو نجس مثلا، و إلّا يلزم الكذب في الكبرى، كما هو واضح.

19

الأمر الثاني أقسام القطع‏

القطع إمّا ليس له دخل في موضوع الحكم الشرعي أصلا، بل يكون: إمّا صرف كاشف عن موضوع الحكم أو عن نفسه، و هذا هو الذي يسمّى بالقطع الطريقي المحض، أو له دخل في موضوع الحكم، و هو على قسمين: إمّا بأن يكون تمام الموضوع، أو له دخل فيه بأيّ نحو من أنحاء المدخلية، جزء أو قيدا أو شرطا.

و في كلّ واحد من القسمين: إمّا أن تكون المدخلية و أخذه في الموضوع بعنوان الصفتية أو الطريقية، و معنى أخذه بعنوان الصفتية هو أن يكون القطع باعتبار وجوده الخاصّ، و أنّه من مقولة الكيف النفساني اخذ في الموضوع.

بيان ذلك: أنّه لا شكّ في أنّ القطع كسائر الأعراض الخارجية- بل جميع الموجودات الإمكانية- واقع و مندرج تحت إحدى المقولات. و معلوم أنّه من قبيل الكيف النفساني، كما أنّ البياض من الكيف المحسوس، و بهذا الاعتبار عرض من أعراض النفس و صفة من صفاتها، كما أنّ البياض عرض من أعراض الجسم و صفة من صفاته.

فأخذه في موضوع الحكم بهذا الاعتبار يسمّى بالصفتية، كما أنّ فيه جهة

20

إراءة عن متعلّقه؛ حيث إنّه عبارة عن الصورة الذهنية التصديقية الحاكية عن النسبة الخارجية، و بهذا الاعتبار ينقسم إلى اليقين و الجهل المركّب؛ لأنّه إن كانت تلك الصورة الذهنية التصديقية مطابقة للنسبة الخارجية فيقين، و إلّا فجهل مركّب. و أخذه في الموضوع بهذا الاعتبار يسمّى بالطريقية، و لا ريب أنّ أخذه في الموضوع بكلّ واحد من الاعتبارين ممكن تمام الموضوع أو جزءه.

و أمّا ما افيد من عدم إمكان أخذه تمام الموضوع على نحو الطريقية؛ لأنّ معنى أخذه تمام الموضوع هو أن يكون المنظور فيه حال الجعل هو القطع وحده، من دون نظر إلى متعلّقه، بل يكون هو وحده منظورا فيه بالنظر الاستقلالي. و معنى كونه طريقا و أخذه على هذا الوجه أن يكون المنظور فيه في الحقيقة هو الواقع المنكشف- أي متعلّق القطع- و يكون النظر إلى القطع نظرا آليا مرآتيا. فهذان الاعتباران- أي اعتباره تمام الموضوع، و اعتباره فيه على وجه الطريقية- متنافيان.

و لكن أنت خبير: بأنّ الشارع إذا أراد أن يجعل تمام موضوع حكمه جهة إراءة القطع و كاشفيته عن متعلّقه مثلا يريد أن يحكم على مقطوع الخمرية بوجوب الاجتناب أو النجاسة، سواء كان خمرا في الواقع أو لم يكن.

فكما أنّه من الممكن أن يجعل تمام موضوع هذين الحكمين القطع بالخمرية بما أنّه صفة من صفات النفس و حالة من حالاتها، و بعبارة اخرى:

نحو وجوده الخاصّ، الذي به يتميّز عن غيره، و يكون هو هو و ليس غيره، فكذلك يمكن له أن يجعل تمام موضوع حكمه القطع باعتبار كاشفيته عن الخمر مثلا، فيلاحظ في المثال كاشفية القطع المتعلّق بالخمر عنه و طريقيته إليه معنى اسميا.

غاية الأمر: بما هو حاك عن الإراءات الخارجية التي تحصل لأشخاص‏

21

القاطعين بالخمر، أو لشخص واحد بالنسبة إلى حصول القطع المتعدّد له في أزمنة متعدّدة.

و كون هذه الإراءات معنى حرفيا غير استقلالي لا ينافي تصوّرها و لحاظها تحت عنوان معنى اسمي حاك عنها، كما في وضع الحروف، بناء على ما هو التحقيق عندنا من أنّ معانيها غير مستقلّة؛ لأنّها عبارة عن أنحاء الربط بين المعاني الاسمية. فإنّ الواضع إذا أراد وضع كلمة «من» مثلا للارتباطات الابتدائية غير المستقلّة يلاحظ عنوان الربط الابتدائي معنى اسميا بما هو حاك عن تلك الارتباطات غير المستقلّة، فيضع اللفظ بإزائها.

فكذلك فيما نحن فيه يلاحظ إراءة القطع المتعلّق بالخمر مثلا معنى اسميا بما هو حاك عن الإراءة الخارجية تمام موضوع حكمه، من دون نظر إلى المتعلّق إلّا تبعا؛ لتميّز قسم الاراءة عن الأقسام الأخر.

و إلّا لو سلّم الإشكال المتقدّم لم يجز أخذه في الموضوع على نحو الطريقية، و لو جزء؛ لأنّ المناط في الإشكال: أنّ طريقية القطع معنى آليا غير ملحوظ فيه، بل اللحاظ متعلّق بالمقطوع و المرئي.

و لا شكّ أنّ في أخذه بهذا الاعتبار جزء للموضوع لا بدّ أن يلاحظ القطع أيضا معنى اسميا استقلاليا؛ لأنّ جزء الموضوع كنفس الموضوع لا بدّ و أن يتصوّر حتّى يحكم عليه.

و بعبارة اخرى: المعنى الحرفي غير الملتفت إليه كما لا يمكن أن يكون تمام الموضوع و المحكوم عليه كذلك لا يمكن أن يكون جزء للمحكوم عليه.

إن قلت: معنى كونه طريقا هو أن يكون طريقا إلى ما هو موضوع للحكم الشرعي أو إلى ما هو جزء له، و فرض كونه تمام الموضوع ينافي كونه طريقا إلى أحدهما؛ لأنّ ذلك المطروق الذي يكون تمام الموضوع أو جزءه لو كان‏

22

شي‏ء غير القطع لزم خلاف ما فرض من كونه تمام الموضوع بلا مدخلية شي‏ء آخر، و لو كان هو نفس القطع لزم أن يكون الشي‏ء طريقا إلى نفسه و هو محال.

قلت: هذا حقّ لو كان المراد من أخذه على نحو الطريقية هذا المعنى، و لكنّه من الواضح: أنّ المراد من الطريقية طريقيته إلى متعلّقه، و لو كان أجنبيا عمّا هو موضوع الحكم.

هذا كلّه فيما إذا كان القطع متعلّقا بموضوع خارجي.

أمّا إذا كان متعلّقا بحكم شرعي وضعي أو تكليفي فلا إشكال في إمكان أخذه في موضوع حكم آخر على الأنحاء الأربعة، إنّما الكلام في إمكان أخذه في موضوع نفس الحكم، الذي هو متعلّقه أو مثله أو ضدّه، أو لا.

قال صاحب «الكفاية» (قدّس سرّه‏) بعدم إمكان أخذه في موضوع شخص الحكم، الذي هو متعلّقه؛ للزوم الدور، و لا مثله؛ للزوم اجتماع المثلين، و لا ضدّه؛ للزوم اجتماع الضدّين‏ (1).

و أنت خبير: بأنّ أخذه في موضوع شخص ذلك الحكم لا يمكن؛ لما ذكره من لزوم مفسدة الدور- أي تقدّم الشي‏ء على نفسه- لأنّ الحكم المتعلّق باعتبار كونه متعلّق القطع متقدّم على القطع، و باعتبار أنّ القطع تمام موضوعه أو جزءه يكون متأخّرا عن القطع. و أمّا أخذه في موضوع مثله أو ضدّه فأيضا لا يمكن، لكن لا لما ذكره من لزوم اجتماع المثلين أو الضدّين؛ بل للزوم اللغوية.

بيان ذلك: أنّ ما تعلّق به القطع- كحرمة الخمر مثلا- في الرتبة المتقدّمة على القطع، فلو فرض ورود مثل ذلك الحكم أو ضدّه على القطع يكون في الرتبة المتأخّرة عن القطع، فلا يلزم لا اجتماع المثلين و لا اجتماع الضدّين؛ لاختلاف‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 307.

23

موضوع الحكمين و رتبتهما.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ الحكم الثاني الذي هو مثل الأوّل المقطوع أو ضدّه، و لو لا يسري إلى رتبة الأوّل و موضوعه، لكن حكم الأوّل محفوظ في رتبة الثاني بنتيجة الإطلاق؛ لما ثبت في محلّه من اشتراك الأحكام بين العالمين و الجاهلين؛ و لذلك يعاقب الجاهل المقصّر، و إلّا لا وجه لعقابه أصلا.

و احتمال أن يكون العقاب لأجل ترك التعلّم، الذي هو واجب نفسي في غاية البعد؛ لأنّ السؤال الأوّل الذي يتوجّه إليه يوم الحساب أنّه «لم ما عملت؟» فإذا يجيب: ب «ما علمت»، يقال له «هلّا تعلّمت؟».

هذا، مع أنّه لا يمكن الإهمال في المصلحة أو الملاك، و لا في الحكم الواقعي، الذي يتبع الملاك تبعية المعلول لعلّته. و حينئذ فإذا لم يكن مطلقا بنتيجة الإطلاق لا بدّ و أن يكون مقيّدا بنتيجة التقييد، و لا معنى لأن يكون مقيّدا بالجهل، فلا بدّ و أن يكون مقيّدا بالعلم، فيلزم اجتماع المثلين أو الضدّين في الفرضين.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من عدم إمكان أخذ القطع و العلم في موضوع نفس الحكم، الذي هو متعلّقه؛ للزوم مفسدة الدور يكون بالنسبة إلى الإطلاق اللحاظي؛ أي الإطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة. و أمّا أخذه بنتيجة الإطلاق أو بنتيجة التقييد فلا مانع منه، و لا يلزم منه محذور.

بيان ذلك: أمّا بالنسبة إلى الإطلاق و التقييد اللحاظيين فلا يمكنان من جهة أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد- كما بيّنا في مبحث المطلق و المقيّد- تقابل العدم و الملكة، فإذا جاء الدليل على امتناع التقييد فنفس ذلك الدليل دليل على امتناع الإطلاق؛ لأنّ المفروض: أنّ الإطلاق عبارة عن عدم التقييد في موضوع قابل للتقييد، فلو فرضنا عدم قابليته للتقييد و امتناعه فكما أنّه لا يمكن التقييد

24

و ممتنع حسب الفرض كذلك يمتنع الإطلاق. و معلوم أنّ فيما نحن فيه يمتنع التقييد؛ للزوم الدور كما بيّنا فيمتنع الإطلاق أيضا.

و هذا الأمر مطرد في كلّ خصوصية آتية من قبل الحكم و كان متأخّرا عنه، كما بيّنا في أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر و قلنا: إنّ التقييد محال؛ للزوم مفسدة الدور، فالإطلاق محال أيضا؛ لما ذكرنا من أنّ التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة.

و قد اصطلح شيخنا الاستاذ (رحمه اللّه) بتسمية الخصوصيات الآتية من قبل الحكم المتأخّرة عنه بالانقسامات الثانوية، مقابل الخصوصيات الواردة على الطبيعة قبل ورود الحكم عليها المصطلح عليها عنده (قدّس سرّه‏) بالانقسامات الأوّلية، و لا مشاحّة في الاصطلاح.

ثمّ إنّه قد عرفت آنفا: أنّ الإهمال في ملاكات الأحكام الواقعية لا يمكن، و بيّنا أيضا: أنّ الأحكام الواقعية تابعة للملاكات- تقييدا و إطلاقا- فإذا كان الملاك مطلقا لا بدّ و أن يكون الحكم أيضا مطلقا.

و حيث إنّه قد عرفت: أنّ في مقام الإثبات لا يمكن أن يكون مطلقا بالإطلاق اللحاظي بالنسبة إلى العلم و الجهل فلو كان الملاك مطلقا بالنسبة إلى هاتين الحالتين فلا بدّ من جعل آخر لإثباته في هاتين الحالتين؛ لقصور الجعل الأوّل عن شموله لهما حسب الفرض.

و شيخنا الاستاذ (رحمه اللّه) اصطلح على تسمية الجعل الثاني بمتمّم الجعل، سواء كان في هذا الباب أو في باب قصد القربة أو في غيرهما. و متمّم الجعل فيما نحن فيه هو ادعاء تواتر الأخبار بل الضرورة على اشتراك الأحكام بين العالمين و الجاهلين.

فظهر ممّا ذكرناه: أنّ أخذ القطع في موضوع نفس حكم هو متعلّقه بطروّ

25

نتيجة التقييد بمكان من الإمكان.

و قد ظهر ممّا ذكرنا: أنّه يمكن أن يكون المراد من مقالة الأخباريين من أنّ القطع الحاصل عن المقدّمات العقلية ليس بحجّة هو القطع الموضوعي؛ بمعنى أنّ الشارع قيّد موضوع الأحكام الواقعية بالقطع بتلك الأحكام من غير المقدّمات العقلية بنتيجة التقييد؛ لما بيّنا من إمكان ذلك. فليس كلامهم- بناء على ذلك- من الاستهجان كما توهّموا و تخيّلوا، و استشكلوا عليهم بأنّ حجّية القطع ذاتي و لا يمكن رفعه و نفيه، كما لا يمكن إثباته و وضعه.

و لا فرق في ذلك بين أسبابه و موارده و أشخاص القاطعين؛ لأنّ هذا الكلام في القطع الطريقي المحض، لا في ما اخذ في الموضوع، فإنّ ما اخذ في الموضوع تابع لكيفية الأخذ، كسائر الموضوعات.

و لكن الجواب حينئذ عن مقالتهم مطالبة الدليل على مثل هذا التقييد، و صرف الإمكان لا يفيد.

و أمّا استدلالهم على ذلك بقوله (عليه السلام): «و لو أنّ رجلا قام ليله و صام نهاره و حجّ دهره و تصدّق بجميع ماله، و لم يعرف ولاية ولي اللّه فيكون أعماله بدلالته فيواليه، ما كان له على اللّه ثواب» (1)، و قوله (عليه السلام): «حرام عليكم أن تقولوا بشي‏ء ما لم تسمعوه منّا» (2) و أمثال ذلك من الروايات الكثيرة بهذا المضمون.

فالجواب عنه: أنّ مفاد هذه الأخبار هو النهي عمّا كان متعارفا بين المسلمين في ذلك الزمان من رجوعهم إلى غير الأئمّة (عليهم السلام) في أخذ أحكامهم،

____________

(1)- الكافي 2: 19، الحديث 5.

(2)- الكافي 2: 402، الحديث 1.

26

أو اشتراط قبول العبادة بمعرفة الولاية و أن يكون مؤمنا، أو غير ذلك من التوجيهات.

و احتمل شيخنا الاستاذ (رحمه اللّه): أن يكون الأحكام الشرعية مقيّدة موضوعاتها بنتيجة التقييد بما إذا لم يقطع من طريق الجفر و الرمل و غير ذلك من الأسباب غير المتعارفة.

و نحن لا ننكر إمكان ذلك، و لكن يطالب بالدليل على الإثبات، و لا دليل في البين أصلا.

27

الأمر الثالث حول قيام الأمارات و الاصول العملية مقام القطع‏

هل تقوم الأمارات و الاصول العملية مقام القطع مطلقا بجميع أقسامه، سواء كان طريقا محضا، أو كان مأخوذا في الموضوع بأحد الأنحاء الأربعة، أو يفصّل بين ما إذا كان القطع طريقا محضا فتقوم الأمارات و بعض الاصول العملية مقامه، و هكذا يفصّل بين ما إذا كان مأخوذا في الموضوع على وجه الطريقية فتقوم، و بين ما إذا كان مأخوذا في الموضوع على نحو الصفتية فلا تقوم، كما ذهب إليه شيخنا الأعظم (رحمه اللّه) في «الفرائد» (1).

و أنكر صاحب «الكفاية» (رحمه اللّه) هذا التفصيل و أفاد في وجهه: أنّ أدلّة اعتبار الأمارات و الاصول: إمّا ان تكون ناظرة إلى جعل المؤدّى و المشكوك منزلة الواقع و المتيقّن، و إمّا أن تكون ناظرة إلى تنزيل أداء الأمارة و الشكّ منزلة اليقين و القطع، و لا يمكن الجمع بين هذين النظرين و اللحاظين‏ (2).

____________

(1)- فرائد الاصول 1: 6.

(2)- كفاية الاصول: 304.

28

و السرّ في ذلك: أنّ التنزيل- كما هو واضح- يحتاج إلى تصوّر المنزّل و المنزّل عليه معنى اسميا، حتّى يحكم على المنزّل بأنّه المنزّل عليه ادعاء.

و لا شكّ: أنّ في تنزيل المؤدّى و المشكوك منزلة الواقع و المقطوع تمام النظر بالمعنى الاسمي إلى المؤدّى و المشكوك من طرف- أي المنزّل- و إلى الواقع و المقطوع من طرف آخر- أي المنزّل عليه- و يكون النظر إلى أداء الأمارة و الشكّ من طرف، و إلى القطع و اليقين من طرف آخر معنى حرفيا آليا.

و أمّا في تنزيل الأمارة و الشكّ منزلة القطع يكون النظر إلى الأمارة و الشكّ المسبوق باليقين مثلا من طرف المنزّل، و إلى القطع من طرف المنزّل عليه معنى اسميا. ففي أحد التنزيلين يكون الشكّ و القطع ملحوظا باللحاظ الآلي و المعنى الحرفي، و في التنزيل الآخر يكونان ملحوظين باللحاظ الاستقلالي و المعنى الاسمي.

و من البديهي: أنّه لا يمكن الجمع بينهما في لحاظ واحد و في استعمال واحد، حتّى و لو قلنا بجواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد.

فبناء على هذا: لا بدّ و أن يكون أدلّة الاعتبار ناظرة إلى أحد المعنيين، و لا يمكن أن تكون ناظرة إلى كليهما. و معلوم أنّ في قيامها مقام القطع الطريقي المحض لا بدّ و أن يكون التنزيل ناظرا إلى المؤدّى و الواقع، و في قيامها مقام ما اخذ في الموضوع على أحد الأنحاء الأربعة لا بدّ و أن يكون ناظرا إلى الشكّ و القطع.

و حيث إنّ قيامها مقام القطع الطريقي المحض معلوم، و هذا هو معنى اعتبارها و حجّيتها فلقيامها مقام ما اخذ في الموضوع على أحد الأنحاء الأربعة لا بدّ من التماس دليل آخر، و إذ ليس فلا تقوم.

ثمّ إنّه لو كان هناك دليل آخر دالّ على التنزيل الآخر فحينئذ لا فرق بين‏

29

ما اخذ في الموضوع على نحو الطريقية أو الصفتية.

فعلى كلّ حال: لا وجه لتفصيل شيخنا الأعظم (قدّس سرّه‏) بين ما اخذ في الموضوع على نحو الطريقية و ما اخذ على نحو الصفتية؛ لأنّه لو لم يكن إلّا تنزيل واحد في البين- و هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، كما هو الظاهر من أدلّة اعتبار الأمارات و الاصول- فلا تقوم إلّا مقام القطع الطريقي المحض، كما بيّنا.

و لو كان تنزيلان- أي كان تنزيل آخر في البين غير ذلك التنزيل؛ و هو تنزيل القطع بالمؤدّى منزلة القطع بالواقع، أو تنزيل قيام الأمارة و الأصل مقام القطع بالواقع- فليس حينئذ فرق بين أن يكون القطع مأخوذا في الموضوع على نحو الصفتية أو الطريقية.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه‏) أفاد وجها لتحقّق كلا التنزيلين من دون وجود المحذور المذكور- أي لزوم الجمع بين اللحاظين الآلي و الاستقلالي- في «حاشيته على فرائد» الشيخ الأعظم (رحمه اللّه) و هو: أنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع الذي هو مفاد دليل اعتبار الأمارات و الاصول ملازم لتنزيل العلم بالمؤدّى منزلة العلم بالواقع، فيتحقّق كلا التنزيلين من دون لزوم محذور في البين، غاية الأمر: أحدهما بالدلالة المطابقية و الآخر بالدلالة الالتزامية (1).

و ردّه في «الكفاية» بأنّه مستلزم للدور (2). بيانه: أنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع- فيما إذا كان للعلم دخل في الموضوع بأحد الأنحاء الأربعة- متوقّف على أحد الأمرين: إمّا إحراز الواقع الذي هو متعلّق العلم بالوجدان أو بالتعبّد.

و المفروض: أنّ الجزء الآخر؛ أي إحراز الواقع الذي نزّل المؤدّى منزلته‏

____________

(1)- درر الفوائد: 31.

(2)- كفاية الاصول: 306.

30

في التنزيل الأوّل ليس بالوجدان و لا بالتعبّد أيضا، إلّا بتنزيل العلم بالمؤدّى منزلة العلم بالواقع. و بعبارة اخرى: ليس إلّا بتنزيل العلم الوجداني بالواقع التعبّدي منزلة العلم الوجداني بالواقع الحقيقي. و معلوم أنّ مثل هذا التنزيل أيضا متوقّف على التنزيل الأوّل؛ لأنّ المنزّل في هذا التنزيل الثاني لا يتحقّق إلّا بالتنزيل الأوّل، فصار التوقّف من الطرفين.

و بعبارة أوضح: تنزيل المؤدّى منزلة الواقع متوقّف على تنزيل العلم الوجداني بالواقع التعبّدي- أي المؤدّى الذي نزّل منزلة الواقع منزلة العلم الوجداني بالواقع الحقيقي- و هذا التنزيل- أي تنزيل العلم الوجداني بالواقع التعبّدي منزلة العلم بالواقع الحقيقي، الذي هو على الفرض مدلول التزامي لأدلّة اعتبار الأمارات و الاصول- متوقّف على التنزيل الأوّل الذي هو مدلول مطابقي على الفرض- أي تنزيل المؤدّى منزلة الواقع- و هذا هو الدور. هذا ما ذكره صاحب «الكفاية» (رحمه اللّه) في هذا المقام.

و لكن أنت خبير أوّلا: بأنّ صحّة هذا الكلام متوقّف على أن يكون معنى حجّية الأمارات و اعتبار الاصول جعل المؤدّى فيهما منزلة الواقع، و ستعرف في باب حجّية الأمارات: أنّ هذا المسلك خلاف التحقيق و يترتّب عليه مفاسد؛ من جملتها: أنّه يلزم منه إمّا التصويب المعتزلي الباطل أو اجتماع الضدّين، و من جملتها الإجزاء بالنسبة إلى الأوامر الظاهرية، و من جملتها حكومة الواقعية لأدلّة اعتبار الأمارات و الاصول على الأدلّة المتكفّلة للأحكام الواقعية لا الحكومة الظاهرية.

و منشأ جميع هذه المحاذير هو: أنّ الجعل التشريعي لا يمكن أن يكون جزافا و بلا مصلحة، كالجعل التكويني. فلا بدّ من القول- كما قيل، بل ربّما نسب إلى شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (رحمه اللّه)- بأنّ قيام الأمارة تحدث مصلحة في‏

31

المؤدّى غالبة على مصلحة الواقع؛ و لذا يجعل على طبقها؛ لأنّه لو كانت مغلوبة لا تؤثّر، و لو كانت متساوية مع مصلحة الواقع فلا بدّ من جعل التخيير الشرعي، كما في خصال الكفّارة، لا جعل خصوص المؤدّى.

فإذا التزمنا: أنّه يحصل من قبل قيام الأمارة أو الأصل مصلحة غالبة على مصلحة الواقع فيلزم جميع المحاذير التي ذكرناها، و سيجي‏ء تفصيل الكلام فيها إن شاء اللّه.

و ثانيا: ما أفاد من الملازمة العرفية بين التنزيلين، حتّى يكون أحدهما مدلولا مطابقيا و الآخر التزاميا دعوى بلا بيّنة و لا برهان، و لا يساعد عليه الوجدان.

و التحقيق في المقام- بعد ما تعرف إن شاء اللّه فيما سيجي‏ء في كيفية جعل الطرق و الأمارات- أنّ المجعول فيها ليس إلّا الوسطية في الإثبات و الطريقية و الكاشفية التي كانت في القطع ذاتية بدون جعل جاعل، و فيها حيث إنّها ليست ذاتية لا بدّ و أن يكون بجعل جاعل.

و بعبارة اخرى: معنى حجّيتها أنّ الشارع تمّم كشفها الناقص في عالم الاعتبار التشريعي. و معنى تتميم كشفها ليس أنّ الشارع أضاف إليه تكوينا أو تشريعا مقدار النقص؛ لأنّه في الصورة الاولى يصير علما حقيقيا و هو كذب بالضرورة، و في الصورة الثانية يلزم أن يكون هناك مقدار كاشفية القطع في الظنّ أيضا. غاية الأمر الفرق بينهما: أنّ كاشفية القطع كلّه تكويني، و في الظنّ بعضه تكويني و بعضه تشريعي و هو عجيب، هذا.

مضافا إلى أنّه: لو كان من الممكن إعطاء مقدار من الكاشفية لما ليس له هذا المقدار فليكن من الممكن إعطاء تمام الكاشفية لما ليس له أصلا كالشكّ، و قد بيّنا عدم إمكانه.

32

بل المراد: أنّ الشارع يرى هذا الكشف الناقص كشفا تامّا في اعتباره التشريعي، و يحسبه و يعدّه طريقا كاملا، كما أنّ العرف و العقلاء يرون بعض الظنون في اعتبارهم طريقا و كاشفا تامّا، و لا يعتنون باحتمال الخلاف و يلقونه في نظرهم.

فإذا كان هذا هو معنى جعل الحجّية- كما احتمله صاحب «الكفاية» (رحمه اللّه) هناك في بابه، و أصرّ عليه شيخنا الاستاذ (رحمه اللّه) و جمع آخر من المحقّقين- فلا يلزم جميع المحذورات المذكورة، فلا تصويب؛ إذ مثل هذا الجعل لا يمسّ كرامة الحكم الواقعي أصلا، بل يبقى على ما هو عليه؛ لأنّ حال هذه الحجّة المجعولة مثل الحجّة المنجعلة- أي القطع- غاية الأمر: أنّ الحجّية في القطع ذاتية غير مجعول و في الأمارات يحتاج إلى الجعل.

فكما أنّ القطع- أصاب أو أخطأ- لا يمسّ كرامة الحكم الواقعي و لا ربط له به أصلا فليكن كذلك في الظنّ. و لا يلزم اجتماع الضدّين فيما إذا أخطأ الأمارة، كالقطع طابق النعل بالنعل؛ لأنّه ليس هناك حكم ظاهري على الفرض، بل المجعول ليس إلّا الوسطية في الإثبات، و لا إجزاء؛ لأنّ الإجزاء فرع أن يكون هناك حكم و مصلحة قبال الحكم الواقعي و مصلحته؛ كي يقال بأنّه مجز عنه أم لا. و يكون حكومة أدلّة الاعتبار على الأدلّة المتكفّلة للأحكام الواقعية حكومة ظاهرية، لا واقعية.

بيان ذلك: أنّ الحكومة عبارة عن التوسعة أو التضييق في جانب الموضوع أو المحمول تعبّدا، لا توسعة و تضييقا حقيقيا تكوينيا.

فبناء على هذا: يكون الحكومة على أربعة أقسام، و كلّ واحد من هذه الأقسام الأربعة:

إمّا واقعية: بمعنى أنّ التوسعة و التضييق في كلّ واحد من الموضوع‏

33

و المحمول واقعي لا ظاهري و في مقام الإثبات فقط.

مثال التوسعة الواقعية في الموضوع قوله (عليه السلام): «الطواف بالبيت صلاة» (1)، و التضييق الواقعي فيه قولهم المتصيّد من الأخبار: «لا شكّ لكثير الشكّ». و مثال التضييق الواقعي في المحمول كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» (2)، و قوله تبارك و تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (3)، بناء على ما هو التحقيق في معنى لا ضرر و لا حرج من حكومتهما الواقعية على المحمولات في الأدلّة الواقعية. و مثال التوسعة الواقعية في المحمول كقوله (عليه السلام): «المطلّقة رجعة زوجة».

و إمّا ظاهرية: بمعنى أنّ التوسعة و التضييق في كلّ واحد من الموضوع و المحمول في مرحلة الظاهر و الإثبات فقط؛ بحيث لو كشف الغطاء و انكشف الواقع لا توسعة و لا تضييق في البين أصلا، بل كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء.

مثال التوسعة الظاهرية في جانب الموضوع: كما إذا قامت البيّنة أو الاستصحاب على خمرية مائع مشكوك الخمرية، و لا شكّ في أنّه لو لم نقل بجعل المؤدّى فليس هاهنا خمر تعبّدي، و ليس إلّا إحراز الخمرية شي‏ء في البين أصلا.

و إن شئت قلت: إنّه ليس بعد قيام الأمارة أو الأصل على خمرية مائع مشكوك الخمرية هاهنا إلّا خمر إثباتي؛ أي في مرحلة الإثبات و الظاهر فقط،

____________

(1)- سنن البيهقي 5: 87، تفسير الطبري 11: 34.

(2)- وسائل الشيعة 25: 427، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 3 و 4 و 5.

(3)- الحجّ (22): 78.

34

و إلّا عند خطأهما ليس إلّا سرابا، و هذا هو المراد من الحكومة الظاهرية.

و أمّا التضييق الظاهري في الموضوع كما إذا قامت البيّنة أو الاستصحاب على عدم خمرية مائع. و أمّا التوسعة الظاهرية في المحمول كما إذا قام خبر الواحد الحجّة على نجاسة شي‏ء، أو وجوب شي‏ء. و التضييق الظاهري كما إذا قاما على عدم وجوب شي‏ء.

فهذه هي الأقسام للحكومة الظاهرية، فالحكومة على ثمانية أقسام؛ لأنّها إمّا ظاهرية أو واقعية، و كلّ واحد منهما: إمّا في جانب الموضوع أو المحمول، و كلّ واحد منهما: إمّا بالتوسعة أو التضييق.

و أمّا الفرق بين الحكومة و الورود، و التخصّص و التخصيص فسيجي‏ء في محلّه إن شاء اللّه.

و إجماله: أنّ الحكومة مع التخصيص من واد واحد نتيجة، و يشتركان في شي‏ء و يختلفان في شي‏ء، و التخصّص و الورود من واد واحد يشتركان في شي‏ء و يختلفان في شي‏ء.

بيان ذلك:

أمّا الحكومة: فقد عرفت معناها بأقسامها.

و أمّا التخصيص: فحقيقته عبارة عن تضييق دائرة النسبة التي تكون بين حكم العامّ و مصاديق موضوعه، مثلا إذا قال «أكرم العلماء إلّا زيدا» فظاهر القضية لو لم يكن الاستثناء انتساب الحكم إلى جميع أفراد العالم و أنواعه، و بواسطة الاستثناء أو أيّ قسم آخر من التخصيص الأفرادي أو الأنواعي يرتفع تلك النسبة عن بعض أفراد العامّ أو بعض أنواعه.

فالحكومة و التخصيص يشتركان في شي‏ء؛ و هو ارتفاع الحكم عن بعض مصاديق العامّ، و يختلفان في شي‏ء؛ و هو أنّ الحكومة رفع الحكم بلسان رفع‏

35

الموضوع أو رفع المحمول، و التخصيص رفعه بلسان رفع النسبة التي بين الموضوع و بين المحمول بدون أدنى نظر إلى الموضوع أو المحمول عن بعض أفراد العامّ أو بعض أنواعه.

و أمّا الورود: فهو عبارة عن ارتفاع موضوع أحد الدليلين بالدليل الآخر ارتفاعا حقيقيا واقعيا، غاية الأمر يكون هذا الارتفاع برعاية جعل الشارع، كورود جميع الحجج و الأدلّة الشرعية المثبتة للأحكام الإلزامية على البراءة العقلية؛ فإنّه بعد أنّ جعل الشارع الخبر الواحد أو الاستصحاب حجّة فلا يبقى موضوع حقيقة لقبح العقاب بلا بيان بعد دلالة أحدهما على حكم إلزامي.

و أمّا التخصّص: فهو عبارة عن نفس ذلك الارتفاع التكويني الحقيقي الذي قلنا في الورود، غاية الأمر يكون ذلك الارتفاع بدون رعاية جعل شرعي في البين، و ذلك بارتفاع موضوع البراءة العقلية بالدليل الذي يحصل منه علم وجداني و قطع تكويني بوجوب أو حرمة؛ فإنّ ارتفاع عدم البيان بالعلم الوجداني أمر تكويني، لا علاقة له مع الجعل الشرعي أصلا.

فالورود و التخصّص من واد واحد يشتركان في شي‏ء؛ و هو الارتفاع الحقيقي التكويني، و يختلفان في شي‏ء؛ و هو أنّ الارتفاع في أحدهما- أعني الورود- برعاية الجعل الشرعي، و في الآخر- أعني التخصّص- لا ربط له بالجعل الشرعي أصلا.

إذا عرفت ما ذكرنا من معنى الحكومة فاعلم: أنّ الأمارات و الاصول التنزيلية تقوم مقام القطع الطريقي المحض، و مقام ما اخذ في الموضوع على نحو الطريقية، سواء كان تمامه أو بعضه، كلّ ذلك بنفس دليل الاعتبار، من دون وجود تنزيل في البين، بل بواسطة حكومة أدلّة الاعتبار على الأدلّة المثبتة للأحكام الواقعية، و على الأدلّة الدالّة على كون العلم جزء الموضوع أو تمامه‏

36

بالحكومة الظاهرية.

بيان ذلك: أنّه بعد ما عرفت أنّ مفاد دليل الاعتبار في باب الأمارات هو جعلها محرزا و طريقا في عالم الاعتبار التشريعي فلو كان القطع بجهة طريقيته و كاشفيته و محرزيته تمام الموضوع أو بعضه فيكون دليل الاعتبار حاكما على ذلك الدليل الذي يدلّ على أنّ العلم تمام الموضوع أو بعضه بما هو محرز و طريق؛ لأنّ دليل الاعتبار يوسّع ما اخذ الموضوع في لسان ذلك الدليل، كما أنّ قوله (عليه السلام): «الطواف بالبيت صلاة» يوسّع الصلاة تعبّدا.

إن قلت: فعلى هذا يكون ورودا أو حكومة واقعية؛ لأنّه:

إن كانت التوسعة توسعة حقيقية تكوينية؛ بمعنى أنّ الشارع يخلق فردا آخر من المحرز و الطريق حقيقة فهذا هو الورود، غاية الأمر بالتوسعة لا بالتضييق؛ لأنّه، بناء على هذا توسّع الموضوع حقيقة و تكوينا، غاية الأمر برعاية الجعل الشرعي.

و إن كانت توسعة تعبّدية فهذه تكون حكومة واقعية لا ظاهرية؛ لأنّ مرجع هذه التوسعة التعبّدية إلى جعل الأمارة منزلة القطع بما هو طريق و محرز في ترتيب آثاره عليها.

قلنا: لا شكّ في أنّ هذه التوسعة ليست توسعة حقيقية تكوينية، و إلّا لكانت الأمارة علما حقيقيا. و احتمال الخلاف فيها موجود بالوجدان، بل طريقيته بجعل و اعتبار شرعي إحداثا أو إمضاء.

و مع ذلك ليس مرجعه إلى تنزيل الأمارة منزلة القطع بما هو طريق كما توهّم، بل للشارع و كذلك للعقلاء أن يعتبروا الطريق الناقص طريقا تامّا بالمعنى الذي ذكرناه لتتميم الكشف و شرحناه مفصّلا.

و لا شكّ في أنّ مثل هذا الجعل ليس إلّا جعلا إثباتيا لا ثبوتيا، بمعنى أنّ‏

37

طريقية الأمارة المجعولة ليس مثل طريقية القطع؛ بل طريقيته حيث إنّه مجعول في عالم الاعتبار تابعة لكيفية الجعل؛ و معلوم أنّ اعتبار الطريقية في مثل هذه الأشياء ما دام لم ينكشف الخلاف، و أمّا إذا انكشف الخلاف يظهر أنّه ما كان طريقا، بل كان سرابا بقيعة يحسبه الظمآن ماء.

إن قلت: إنّ القطع أيضا كذلك إذا تبيّن خطأه فهو جهل مركّب و ليس بطريق.

قلنا: إنّ طريقية القطع و كاشفيته لمتعلّقه ذاتي و ليس جعليا حتّى يتبع كيفية الجعل، بخلاف الأمارات فإنّها تتبع كيفية الجعل. و معلوم أنّ جعل الطريقية و الكاشفية لها ما لم ينكشف الخلاف.

و بعبارة اخرى: الفرق بين الحكومة الظاهرية و الواقعية هي أنّ في الحكومة الواقعية ليس كشف الخلاف في البين أصلا؛ لأنّها عبارة عن التوسعة أو التضيّق التعبّديين في الموضوع أو المحمول حقيقة، لا في ظرف الجهل و استتار الواقع، و أمّا في الحكومة الظاهرية يتطرّق كشف الخلاف؛ لأنّها توسعة في عالم الإثبات فقط، و ليس توسعة في عالم الثبوت و الواقع.

و معلوم: أنّ الطريقية المجعولة في باب الأمارات في ظرف استتار الواقع و الجهل به، و أمّا في ظرف انكشاف الواقع و العلم به فلا طريقية لها، سواء كان العلم على وفق مؤدّاها أو على خلافه؛ لأنّه لا معنى لحجّية الأمارة مع العلم الوجداني بمؤدّاها أو بخلاف المؤدّى.

و بعبارة اخرى: حجّية القطع ذاتي للقطع لا يختلف و لا يتخلّف عنه ما دام ذات الموضوع موجودة، بخلافه في الأمارة فإنّه من الممكن أن تكون موجودة و لا تكون حجّة، كما أنّه هي كذلك في مورد العلم الوجداني على خلافه أو وفاقه.

38

فظهر ممّا ذكرنا: أنّ الطريقية المجعولة للأمارات في عالم الإثبات و استتار الواقع و هذا عين الحكومة الظاهرية، و أمّا قيامها مقام القطع الطريقي المحض لأنّ أدلّة الاعتبار بعد ما أثبتت لها محرزية في عالم الإثبات و استناد الواقع، فيكون حالها حال القطع الطريقي المحض ما لم ينكشف الخلاف في إثبات متعلّقها؛ حكما كان أو موضوعا.

نعم، الحكم أو الموضوع الثابت بها لا وجود لها إلّا في مرحلة الإثبات، فإن كان لهما في حاقّ الواقع مع قطع النظر عن قيام الأمارة فهو، و إلّا فليس لهما أزيد من الوجود الإثباتي.

و بعبارة اخرى: سراب لا ماء، فلا يلزم لا تصويب و لا اجتماع الضدّين و لا إجزاء في البين.

و أمّا قيام الاصول التنزيلية أيضا مقام القطع الطريقي المحض و ما اخذ في الموضوع على نحو الطريقية: فمن جهة أنّ المجعول فيها هو الجري العملي بما أنّ الواقع محرز.

لست أقول: إنّها محرزة للواقع كما ربّما يوهمه ظاهر لفظة الاصول المحرزة كيف و لو كانت كذلك فلا يبقى فرق بينهما و بين الأمارات؟!

بل المراد من كونها محرزة: أنّ المجعول فيها عمل الواقع المحرز المكشوف و المتيقّن، و إلّا فالاصول مطلقا- شرعية كانت أو عقلية، و الشرعية تنزيلية كانت أو غير تنزيلية- ليست إلّا وظائف عملية لا طريقية فيها و لا محرزية لها؛ و لذلك تقدّم الأمارات عليها ورودا أو حكومة، على اختلاف المسالك فيها.

و إذا كان المجعول فيها هو ذلك الجري العملي- غاية الأمر في ظرف الشكّ و استتار الواقع و عدم انكشاف الخلاف- فيكون لها أيضا كالأمارات‏

39

حكومة ظاهرية على أدلّة الواقع، فيقوم مقام القطع الطريقي المحض، و على أدلّة التي اخذ القطع في موضوع حكم، سواء كان تمام الموضوع أو بعضه على نحو الطريقية، فتقوم مقام هذين القسمين من الأقسام الخمسة للقطع أيضا كالأمارات.

و أمّا الاصول غير التنزيلية فالمجعول فيها ليس إلّا وظيفة عملية، من دون نظر فيها إلى الواقع أصلا، و من هذه الجهة تكون محكومة للاصول التنزيلية، فلا معنى لقيامها مقام ما اخذ في الموضوع مطلقا؛ لأنّه ليس إحراز فيها على الفرض، و لا جري العملي الواقع المحرز، بل في قيامها مقام القطع الطريقي المحض نحو مسامحة.

اللهمّ إلّا أن يقال: قيامها مقامه في تنجيز الواقع بها، كما في أصالة الاحتياط فيما كان وجوب الاحتياط شرعيا لا عقليا، كالشبهات البدوية الثلاث: الدماء و الأعراض و الأموال.

و على كلّ حال: لا معنى لقيام الأمارات و الاصول مقام القطع الذي اخذ في الموضوع على نحو الصفتية إلّا بدليل خاصّ يدلّ على تنزيلها منزلته غير أدلّة اعتبارها؛ لعدم وفاء تلك الأدلّة بذلك؛ لأنّ مفاد تلك- كما عرفت- حجّيتها و طريقيتها في الأمارات، و الجري العملي للواقع على أنّه محرز و مكشوف في الاصول التنزيلية، و كلا الأمرين أجنبي عن إثبات جهة الصفتية التي للقطع أو تنزيلهما منزلة تلك الجهة؟ فبأيّ وجه تقومان مقام تلك الجهة؟ و لكن اخذ القطع في الموضوع على جهة الصفتية حيث إنّه لا مثال له في الشرعيات فلا ثمرة لهذا البحث.

و ما توهّم: أن يكون من هذا القبيل مثل مسألة جواز الشهادة أو وجوبها، و مسألة جواز الحلف؛ حيث يقول (عليه السلام) في الأوّل: «إن كان مثل هذا فليشهد»،

40

مشيرا بيده نحو السماء، و في الثاني: «لا حلف إلّا عن بتّ» و سائر الموارد التي توهّم أخذ العلم فيها على جهة الصفتية.

فالإنصاف: أنّ التأمّل التامّ يقضي بكون العلم مأخوذا في تلك الموضوعات على نحو الطريقية و المحرزية، فالمسألة فقهية و تحقيقها- كما هي- خارج عن الفنّ. هذا كلّه في أقسام القطع.

و أمّا الكلام في أقسام الظنّ: فخلاصة القول فيه بعد ما عرفت من أنّ حجّيته مجعولة- إحداثا أو إمضاء- لما عند العقلاء، كما هو الحال في غالب الظنون المعتبرة، بل قيل: إنّه ليس فيها ما يكون حجّيته إحداثيا من قبل الشارع، و إنّما هي كلّها كانت أمارات عند العقلاء أمضاها الشارع.

و على كلّ حال من المعلوم الواضح: أنّ كلّ صفة لم تكن ذاتيا لموصوفه فلا بدّ من علّة و جعل في اتصافه بها؛ لأنّ كلّ عرضي معلّل، فإن كانت الصفة من التكوينيات يحتاج إلى جعل تكويني و إن كانت من الاعتباريات- كجميع المحمولات الشرعية الفقهية- فيحتاج إلى جعل تشريعي.

و حيث إنّ الحجّية ليست ذاتية للظنّ كالقطع فلا بدّ في اتصافه بها من جعل شرعي، و إلّا يلزم حدوث الحادث بلا علّة. فلا يكون الظنّ حجّة بنفسه في حال من الحالات؛ لأنّ الظنّ ممكن الحجّية، و الممكن من قبل نفسه ليس محض.

و أمّا حديث حجّية الظنّ في حال تمامية مقدّمات الانسداد بحكم العقل فحديث خرافة، سيتضح لك حاله عمّا قريب إن شاء اللّه تعالى.

هو أنّ الظنّ تارة: طريق محض إلى موضوع أو حكم شرعي وضعي أو تكليفي كالقطع، غاية الأمر الفرق بينهما: أنّ الطريقية في الثاني ذاتي و في الأوّل مجعول في عالم الاعتبار التشريعي، كما حقّقناه و شرحناه و سيجي‏ء أيضا تحقيقه في كيفية جعل الطرق و الأمارات.

41

و تارة: مأخوذ في موضوع حكم.

و هذا على أربعة أقسام؛ لأنّ ذلك الحكم الذي اخذ الظنّ في موضوعه:

إمّا أن يكون نفس الحكم الذي تعلّق ذلك الظنّ به أو غيره، و الثاني: إمّا أن يكون ممّا يضادّه أو ممّا يماثله أو ليس شي‏ء منهما بل ممّا يخالفه، فهذه أربعة أقسام.

و في كلّ واحد منها: إمّا أن يكون المأخوذ في الموضوع الظنّ المعتبر؛ أي الذي جعلها الشارع حجّة أم لا؛ أي الظنّ غير المجعول حجّة، فهذه ثمانية أقسام.

و في كلّ واحد من هذه الثمانية: إمّا أن يكون مأخوذا على وجه الصفتية أو الطريقية.

و في كلّ من هذه الستّة عشر: إمّا أن يكون تمام الموضوع أو جزءه، فهذه اثنان و ثلاثون قسما. مضافا إلى ما كان طريقا محضا، فالمجموع ثلاثة و ثلاثون قسما.

و لكن أنت خبير: بأنّه ليس جميع هذه الأقسام ممكنة، و الأقسام الممكنة ليس كلّها واقعة في الشريعة، فعليك بالتأمّل التامّ لاستخراج الأقسام.

و إجماله: أنّ ثمانية منها- و هي ما كان الظنّ مأخوذ في موضوع نفس الحكم، الذي يكون ذلك الحكم متعلّق الظنّ، سواء كان تمام الموضوع أو جزءه، على جهة الوصفية أو الطريقية، و في كلّ واحد من الأربعة كان الظنّ المأخوذ معتبرا أو غير معتبر- غير ممكن يقينا، كما ذكرنا في أخذ القطع موضوعا لنفس الحكم الذي هو متعلّقه طابق النعل بالنعل. غاية الأمر كان الأقسام هناك أربعة؛ لعدم إمكان كون القطع غير معتبر، بخلاف الظنّ فإنّه يمكن أن يكون معتبرا و مجعولا، و يمكن أن لا يكون.

و الدليل على عدم إمكان هذه الأقسام الثمانية هو عين الدليل على عدم‏

42

الإمكان هناك، و هو أنّ الظنّ و القطع و هكذا الشكّ و الوهم متأخّرات رتبة عن متعلّقاتها، و نسبتها إليها نسبة العرض إلى معروضاتها، فلو اخذ إحدى هذه الحالات الأربع في موضوع متعلّقاتها يلزم أن يتقدّم عليها؛ ضرورة تقدّم الموضوع على حكمه رتبة، فيلزم أن يكون ما هو المتأخّر عن الشي‏ء متقدّما عليه، و هذا محال.

نعم، كما ذكرنا هناك في توجيه مقالة الأخباريين في أخذ العلم الحاصل عن أدلّة النقلية موضوعا للأحكام الشرعية بنتيجة التقييد يمكن هاهنا أيضا أخذ الظنّ بأقسامها الثمانية في موضوع نفس الحكم الذي هو متعلّقه بنتيجة التقييد، و أمّا بالتقييد اللحاظي فغير ممكن و غير معقول، و قد تقدّم تفصيل ذلك و المقصود هاهنا صرف الإشارة.

و ثمانية اخرى من هذه الأقسام ممكن يقينا، و لا ينبغي الشكّ في إمكانه؛ و هي أخذ الظنّ في موضوع حكم آخر يخالف الحكم الذي هو متعلّق الظنّ، لا يماثله و لا يضادّه، تمام الموضوع أو جزءه، على جهة الصفتية أو الطريقية، كان الظنّ المأخوذ معتبرا أو غير معتبر.

و أمّا ما أفاده شيخنا الاستاذ (رحمه اللّه) من أنّ أخذ الظنّ على جهة الطريقية في الموضوع مع كونه غير معتبر ممّا لا يجمعان؛ لأنّه لا معنى لطريقية الظنّ إلّا اعتباره.

ففيه: أنّ المراد من الطريقية هاهنا ليس هو المحرزية و المثبتية المجعولة في عالم الاعتبار. نعم، لو كان المراد من الطريقية هذا المعنى لكان هو عين الاعتبار. بل المراد من أخذه في الموضوع على جهة الطريقية تلك الطريقية الناقصة التكوينية الموجودة فيه بلا جعل تشريعي في البين.

و معلوم: أنّ تلك الجهة التكوينية قابلة لأن تؤخذ في الموضوع؛ لأنّ‏

43

جعل شي‏ء موضوعا تابع لوجود المصلحة في ذلك الشي‏ء، و كما يمكن أن تكون الكاشفية التامّة التكوينية في القطع بواسطة مصلحة فيها موضوعا، كذلك يمكن أن تكون الكاشفية الناقصة الموجودة في الظنّ تكوينا لمصلحة موجودة فيها تؤخذ موضوعا. فلا فرق في إمكان جعله موضوعا بين الظنّ المعتبر و غير المعتبر، و إنّما هو تابع لوجود المصلحة و عدمها.

و أمّا الثمانية التي هي عبارة عن أخذ الظنّ في موضوع حكم يضادّ متعلّقه إذا كان المتعلّق حكما شرعيا وضعيا أو تكليفيا، بأن يؤخذ تمام الموضوع أو جزءه، على وجه الطريقية أو الصفتية، كان الظنّ المأخوذ معتبرا أو غير معتبر.

فالظاهر: أنّه غير ممكن أيضا في جميع الأقسام الثمانية؛ لأنّه يلزم اجتماع الضدّين في صورة مصادفة الظنّ في حاقّ الواقع؛ إذ لا يمكن عادة أن يكون جميع الظنون في هذا القسم مخالفا للواقع دائما، و لزوم المحال في مورد واحد يكفي لبطلان الملزوم؛ أي أخذ الظنّ في موضوع حكم يضادّ الحكم الذي هو متعلّقه، هذا.

مضافا إلى لزوم الظنّ باجتماع الضدّين دائما في نظر الظانّ. و معلوم: أنّ الظنّ باجتماع الضدّين في الاستحالة كالقطع به، و هذا محذور آخر مستقلّ دائمي.

و أمّا الثمانية التي هي عبارة عن أخذ الظنّ في موضوع حكم يماثل الحكم الذي هو متعلّقه بأن يؤخذ تمام الموضوع له أو جزءه على جهة الوصفية أو الطريقية معتبر أو غير معتبر:

فأربعة من هذه الثمانية- و هي ما كان المأخوذ ظنّا معتبرا، سواء كان تمام الموضوع أو جزءه، و سواء كان على وجه الطريقية أو الصفتية- لا يمكن؛ لأنّه بعد أن فرضنا: أنّ الظنّ الذي تعلّق بذلك الحكم معتبر و طريق محرز لمتعلّقه- أي‏

44

ذلك الحكم- فجعل مماثله لغو؛ لوصول الجعل الاولى إليه حسب الفرض. فلو كان المكلّف أهلا لأن ينبعث من أمر المولى فقد وصل إليه فلينبعث، و إذا ليس أهلا للانبعاث فالجعل الثاني و الثالث أيضا هكذا و لا ثمرة فيه.

إن قلت: أيّ مانع في أن يكون الجعل الثاني تأكيدا للأوّل، كما أنّه لو نذر واجبا بعد انعقاد النذر يتأكّد ذلك الواجب.

قلنا: إنّ الجعل الثاني يكون تأكيدا إذا كان موضوعه عين الموضوع الأوّل، فيتأكّد الحكم.

و بعبارة اخرى: إذا كانت مرتبة من عرض قابلة للتأكّد و الاشتداد في موضوع، ثمّ جاءت مرتبة اخرى من ذلك العرض، و تعلّقت بعين ما تعلّق به الاولى، فقهرا يشتدّ ذلك العرض و يتأكّد، و ذلك كالكيفيات المحسوسة التي تحصل في موضوعاتها تدريجا مرتبة بعد مرتبة و تسمّى بالحركة في الكيف، كالحلاوة التي توجد في التمر و العنب و تشتدّ تدريجا.

و أمّا لو لم يكن موضوع المرتبتين واحدا- كما في ما نحن فيه- فلا وجه للتأكّد و الاشتداد، مضافا إلى أنّ الأحكام الشرعية ليست من سنخ الكيفيات و الأعراض الخارجية القابلة للاشتداد، بل إن هي إلّا اعتباريات و تشريعيات شرعت لأجل تحريك العبد نحو الفعل أو الترك، فلا معنى للتأكّد و الاشتداد فيها.

و أمّا القول بأنّ الاشتداد و التأكّد في منشأ اعتبار هذه الامور- أي الإرادات و الكراهات- فخروج عن البحث و محلّ الكلام.

و ممّا ذكرنا ظهر: أنّ في الأربعة أقسام الآخر أيضا لا يلزم اجتماع المثلين و لا تأكّد في البين، و لا يلزم محذور اللغوية أيضا؛ لأنّ المفروض: أنّ الظنّ المأخوذ في الموضوع هو الظنّ غير المعتبر، سواء كان تمام الموضوع أو بعضه، على وجه الصفتية أو الطريقية، و الظنّ غير المعتبر لا محرزية و لا طريقية فيه؛

45

كي ينبعث المكلّف عنه حتّى يكون الجعل الثاني لغوا و بلا فائدة.

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ عشرين قسما من هذه الأقسام الاثنين و الثلاثين من الظنّ الموضوعي غير ممكن و محال، و اثني عشر قسما منها ممكن، لكن ليس كلّها واقع في الشريعة، بل ما هو واقع منها ليس إلّا القليل جدّا.

46

الأمر الرابع التجرّي‏

التجرّي بحسب اللغة أعمّ من العصيان، كما أنّ الانقياد أعمّ من الإطاعة.

و لكن حسب الاصطلاح الاصولي: التجرّي مباين للعصيان، كما أنّ الانقياد عندهم مباين للإطاعة؛ لأنّ مخالفة الحجّة غير المصادفة للواقع تسمّى بالتجرّي، كما أنّ مخالفة الحجّة المصادفة للواقع تسمّى بالعصيان. و موافقة الحجّة غير المصادفة للواقع و العمل على طبقها تسمّى بالانقياد، كما أنّ موافقة الحجّة المصادفة للواقع و العمل على طبقها تسمّى بالإطاعة.

و البحث عن التجرّي يمكن أن يقع على أنحاء، بل قد وقع:

فتارة: يقع التكلّم عنه باعتبار أنّ المتجرّي هل هو كالعاصي في استحقاق العقاب عقلا أم لا؟ و لا شكّ أنّ البحث من هذه الجهة كلامية لا فقهية و لا اصولية.

أمّا أنّه ليس بفقهية: لأنّ المحمولات في جميع المسائل الفقهية امور مجعولة في عالم الاعتبار التشريعي، و بعبارة اخرى: إمّا من الأحكام الوضعية أو التكليفية. و معلوم: أنّ الاستحقاق أمر واقعي تكويني مدركه العقل، و هكذا عدم‏

47

الاستحقاق، و إن كان واقعيته بواقعية منشأ انتزاعه. و على كلّ حال ليس من مجعولات الشارع في عالم الاعتبار، و بعبارة اخرى: ليس من الأحكام الوضعية و لا التكليفية.

و أمّا أنّه ليس باصولية: فلأنّ المسائل الاصولية- كما قلنا مكرّرا- هي المسائل التي تقع نتيجة البحث عنها كبرى في قياس استنتاج الحكم الشرعي.

و بعبارة اخرى: هي ما تكون واسطة في إثبات محمول المسألة الفقهية لموضوعها و مبدأ تصديقيا لها، و لا شكّ في أنّ البحث عن أنّ المتجرّي هل كالعاصي يستحقّ العقاب أم لا؟ لا يستنتج منه مسألة فقهية.

اللهمّ إلّا أن يقال من استحقاق العقاب عليه يستكشف حرمته.

و اخرى: يقع التكلّم عنه باعتبار أنّ الفعل المتجرّى به أو نفس التجرّي حرام، أم لا؟ سواء كان دليله الإجماع أو شي‏ء آخر. و لا شكّ في أنّه بهذا الاعتبار مسألة فقهية، و ذلك واضح.

و ثالثة: يقع التكلّم فيه باعتبار أنّه هل يحدث من ناحية قيام الحجّة غير المصادفة للواقع على الحرمة أو الوجوب مناط الحرمة في مخالفتها؛ كي يكون ذلك المناط مستتبعا للحرمة على عنوان التجرّي أو الفعل المتجرّى به؟

و لا شكّ: أنّه بهذا الاعتبار تكون مسألة اصولية.

و أيضا لا ينبغي الشكّ في أنّه مع إمكان البحث عن المسألة من جهة كونها من نفس الفنّ لا وجه للبحث عنها من جهة اخرى أجنبية عن الفنّ.

فينبغي التكلّم فيها من هذه الجهة الأخيرة، و إن وقع ذكر لها من سائر الجهات يكون بالتبع و العرض.

فنقول: التكلّم من هذه الجهة قد يكون باعتبار شمول الخطابات الأوّلية لمورد التجرّي أيضا، و قد يكون باعتبار حدوث خطاب آخر من ناحية طروّ

48

عنوان التجرّي: إمّا على نفس عنوان التجرّي، و إمّا على الفعل المتجرّي به.

و بعبارة اخرى: يكون قيام الحجّة غير المصادفة للواقع واسطة في العروض و جهة تقييدية، أو واسطة في الثبوت و جهة تعليلية لذلك الخطاب الحادث.

فالأوّل: لبّ الكلام فيه يرجع إلى أنّ الخطابات الأوّلية المتعلّقة بأفعال المكلّفين- كما في الأحكام التكليفية- أو المتعلّقة بالموضوعات- كما في الأحكام الوضعية- و لو كانت بحسب ظاهر الأدلّة متعلّقة بنفس موضوعاتها الواقعية، سواء قام عليها حجّة أو لا، فضلا من أن تكون الحجّة مصادفة أو غير مصادفة، و لكن لمّا كان الغرض من الأمر و النهي هو الانبعاث إلى المأمور به و الانزجار عن المنهي عنه ففي الحقيقة ليس الأمر إلّا عبارة عن طلب اختيار المكلّف و انبعاثه نحو فعل الشي‏ء، كما أنّ النهي ليس إلّا طلب اختيار المكلّف ترك الشي‏ء و انزجاره عن فعله.

و لا شكّ في أنّه: لا يعقل اختيار فعل الشي‏ء بعنوان انبعاثه عن الأمر أو اختيار تركه بعنوان انزجاره عنه بواسطة النهي بدون قيام الحجّة من علم أو علمي، سواء كانت تلك الحجّة مصادفة للواقع، أم لا.

فإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ و أن نقول بأنّ الأمر و النهي و إن كانا بحسب ظاهر الأدلّة متعلّقة بنفس الواقع مطلقا و لا دخل للعلم في موضوعاتها أصلا، و لكن حيث إنّه بدون قيام الحجّة وجود التكليف لا أثر له و لغو فلا بدّ أن نقيّدها بصورة قيام الحجّة.

فبضميمة هذه المقدّمة يقيّد موضوعات الخطابات الأوّلية بصورة قيام الحجّة على أحكامها و موضوعاتها، غاية الأمر تقييد الموضوعات الأوّلية بقيام الحجّة على الموضوعات أمر ممكن بالتقييد اللحاظي، و أمّا تقييد الأحكام بقيام‏

49

الحجّة عليها فلا يمكن إلّا بنتيجة التقييد، كما بيّناه مفصّلا.

فحاصل أدلّة الخطابات الأوّلية بضميمة هذه المقدّمة العقلية يكون عبارة عن أنّ الخمر الذي قامت الحجّة على أنّه خمر حرام لا كلّ ما هو خمر واقعا، و وجوب الشي‏ء الفلاني أو حرمة ذلك الشي‏ء الآخر، الذي قامت الحجّة على وجوبه أو حرمته مجعول لا الوجوب و الحرمة المطلقتين و لو لم يكن حجّة في البين.

و الحاصل: أنّ مفاد الأدلّة- بعد ما عرفت من البيان- هو أنّ ما قام الحجّة على حرمته أو وجوبه حرام أو واجب، لا مطلقا.

ثمّ إنّه حيث لا يمكن للقاطع- بل كلّ من قام عنده الحجّة، سواء كان علما أو علميا- تشخيص الحجّة المصادفة للواقع عن غيرها، فتخصيص الموضوع بخصوص الحجّة المصادفة للواقع إحالة إلى أمر غير مقدور، و ما هو خارج عن تحت قدرة المكلّف و اختياره. فلا بدّ و أن يكون الموضوع للتكاليف الأوّلية الواقعية مطلق ما قامت الحجّة على حرمته أو وجوبه، سواء كانت الحجّة مطابقة للواقع أم لا، و هو المطلوب.

و لكن أنت خبير: بأنّ هذا الكلام مغالطة واضحة، لا ينبغي الالتفات إلى أمثال هذه الكلمات لو لا أن ذكره شيخنا الاستاذ (رحمه اللّه).

و الجواب عنها: أنّ التكاليف الواقعية ليست جزافا، بل تابعة لوجود المصالح و المفاسد في متعلّقاتها، فإن كان للعلم دخل في مصلحة المتعلّق يؤخذ في الموضوع تماما أو جزء، صفة أو طريقا، و هذا خارج عن مفروض كلامنا.

و لو لم يكن كذلك، بل كان المتعلّق فيه المصلحة أو المفسدة، بدون أن يكون لقيام الحجّة دخل فيهما فلا يعقل تعلّق الإرادة أو الكراهة بالمقيّد بالعلم أو العلمي؛ لأنّ تبعية الإرادة لما هو ذو المصلحة، و الكراهة لما هو ذو المفسدة

50

عقلي و من نوع تبعية المعلول لعلّته.

و بعبارة اخرى: لا يمكن أن يكون متعلّق الإرادة أوسع أو أضيق ممّا فيه المصلحة، و إلّا يلزم في كلا الشقّين تخلّف المعلول عن العلّة. فإذا فرضنا أنّ المفسدة قائمة بذات شرب الخمر فكيف يمكن أن نقول: إنّ متعلّق التكليف هو شرب الخمر، الواصل خمريته بعلم أو علمي، و من أين جاء هذا التقييد؟!

و أمّا قولك: إنّ الغرض من التكليف هو الانبعاث، و لا يمكن الانبعاث بدون الوصول.

فجوابه: أنّه لذلك نقول بمعذورية المكلّف ما لم يصل إليه التكليف- صغرى و كبرى- بمعنى أنّه ما لم يصل إليه الكبريات المجعولة الشرعية مثل «كلّ خمر يجب الاجتناب عنه» و لا يحرز الصغرى- أي خمرية هذا المائع الخارجي- بعلم أو علمي يكون معذورا، و لا يعاقب على مخالفة التكليف الواقعي. فالوصول شرط تنجّز التكليف لا شرط تحقّقه، هذا.

مضافا إلى أنّه- على فرض التسليم بتقييد الموضوعات الواقعية القائمة بها المصالح و المفاسد بصورة الوصول إلى المكلّف تكون النتيجة أنّ الخمر الذي قامت الحجّة على خمريته حرام شربه، لا مطلق ما قامت الحجّة على خمريته، سواء كان خمرا أو لم يكن، كما هو المدعى.

مضافا إلى الإشكالات الأخر الواردة على هذه المغالطة الرديئة، لكن الإعراض عنها أولى.

و الثاني؛ أي حدوث خطاب آخر بواسطة طروّ عنوان التجرّي: إمّا على الفعل المتجرّى به، أو على نفس عنوان المتجرّي.

أمّا الأوّل؛ أي حدوث خطاب تحريمي متعلّق بالفعل المتجرّى به بواسطة عنوان التجرّي؛ بحيث يكون طروّ هذا العنوان جهة تعليلية لحدوث ذلك‏

51

الخطاب المتعلّق بنفس الفعل المتجرّي به؛ أي ذات الفعل الذي قامت الحجّة الغير المصادفة للواقع على حرمته أو وجوبه أو ما هو واجب أو حرام.

فتقريبه بأن يقال: لا شكّ في أنّ الأفعال يختلف حسنها و قبحها بالوجوه و الاعتبارات الطارئة عليها؛ فربّ شي‏ء في حدّ نفسه لا حسن و لا قبح له كالقيام و لكن إذا تعنون بعنوان احترام المؤمن يحسن، كما أنّه إذا تعنون بعنوان هتك المؤمن صار قبيحا، فشرب الماء مثلا في حدّ نفسه لا قبح فيه، و لكن بواسطة تعنونه بعنوان مقطوع الخمرية يمكن أن يحدث فيه مفسدة توجب قبحه عقلا و حرمته شرعا. هذا في مقام الثبوت.

و أمّا في مقام الإثبات إذا حكم العقل بقبح الفعل المتجرّى به فنستكشف الحرمة بقاعدة الملازمة.

و فيه: أنّ إمكان ذلك ليس محلّا للكلام، و إنّما الكلام في أنّ القطع أو قيام سائر الحجج من هذا القبيل؛ أعني قيامها على حكم إلزامي موجب لحدوث مصلحة في فعله أو مفسدة في تركه؛ بحيث يستتبع الحكم الشرعي من الوجوب و الحرمة، أم لا؟

الظاهر: أنّ قيام الحجّة على الحكم أو الموضوع الذي له حكم إلزامي لا يوجب شيئا غير إظهار ذلك الموضوع أو الحكم.

نعم، يمكن أن يكون في نفس القطع وحده أو مع متعلّقه مصلحة أو مفسدة يستتبع الحكم الشرعي. لكن هذا معناه أن يكون القطع تمام الموضوع أو بعضه، فيكون خارجا عن محلّ الكلام؛ لأنّ كلامنا في القطع الطريقي المحض.

و بعبارة اخرى: صفة العلم أو ما يقوم مقامه من سائر الحجج المجعولة إذا تعلّقت بحكم أو موضوع ذي حكم ليس شأنها إلّا إثبات ذلك الموضوع أو ذلك الحكم و إظهاره، و أمّا تغييره عمّا هو عليه بأن يجعله ذا مصلحة أو ذا مفسدة فلا.

52

و إن قيل: إنّ قيام الحجّة على وجوب شي‏ء يوجب إحداث مصلحة في ذلك الشي‏ء و إن لم يكن واجبا، و قيامها على حرمة شي‏ء يوجب إحداث مفسدة في ذلك الشي‏ء و إن لم يكن حراما.

لكن تصديق هذا الكلام- مع أنّه القول بالتصويب المعتزلي المجمع على بطلانه، و إلّا يلزم اجتماع الضدّين أو المثلين إن لم يرفع اليد عن الحكم الواقعي، و مع رفع اليد لزوم التصويب معلوم- معناه عدم وجود التجرّي أبدا؛ لأنّ الحكم الواقعي بناء على هذا ليس إلّا مؤدّى الحجج و الأدلّة، كما هو قول المصوّبة.

إن قلت: نحن لا نقول بأنّ قيام الحجّة من علم أو علمي يوجب حدوث المصلحة أو المفسدة؛ كي يلزم هذا المحذور- أي التصويب أو اجتماع الضدّين أو المثلين- بل نقول مخالفة الحجّة القائمة غير المصادفة للواقع، الذي هي عبارة عن التجرّي توجب حدوث مفسدة في الفعل الذي يتحقّق به المخالفة، أو في الترك، الذي يكون كذلك، و يستتبع تلك المفسدة الحرمة الشرعية.

قلنا: لا شكّ في أنّ المخالفة للحجّة لو كانت موجبة لحدوث المفسدة فيما يتحقّق به المخالفة في الحجّة غير المصادفة للواقع تكون موجبة في المصادفة أيضا بطريق أولى؛ لأنّ مخالفة اليقين أشدّ و أعظم من مخالفة الجهل المركّب، و لا أقلّ من التساوي بينهما.

فحينئذ يلزم في مورد مخالفة الحجّة القائمة على الحرام الواقعي اجتماع مفسدتين تستتبع كلّ واحدة منهما حرمة شرعية، فيلزم اجتماع المثلين.

و لا يمكن القول بالتأكّد؛ لاختلاف الرتبة في المفسدتين و الحكمين؛ لأنّ إحداهما في الرتبة السابقة على العلم، و الاخرى متأخّرة عنه و عن مخالفته.

إن قلت: فبناء على هذا لا يلزم اجتماع الضدّين أو المثلين أيضا؛ لاختلاف الرتبة.

53

قلنا: إنّ اختلاف الرتبة لا تصلح جهة اجتماع الضدّين و المثلين؛ إذ المفروض: أنّ المخالفة جهة تعليلية لا تقييدية، و ذات الفعل و نفسه تتصف بالحرمة عند مخالفة الحجّة.

غاية الأمر: أنّه إذا كانت الحجّة قائمة على حرمة شي‏ء، و كانت مصادفة للواقع فيلزم اجتماع المثلين أو التصويب إن قلنا برفع اليد عن الحرمة الواقعية، و إن لم تكن مصادفة لزم اجتماع الضدّين.

و على كلّ حال: فلا يبقى وجه بعد ما حقّقناه للقول بحرمة الفعل المتجرّى به من ناحية حدوث خطاب جديد من طرف التجرّي؛ بحيث يكون عنوان التجرّي جهة تعليلية.

و أمّا ما أفاده استاذنا المحقّق (رحمه اللّه) من اختلاف الرتبة في رتبة الحكمين من أنّ الحكم الواقعي في رتبة معروضية الذات للإرادة، و الحكم الجائي من قبل التجرّي في رتبة فعلية الإرادة و تأثيرها، فلا يلزم اجتماع الضدّين‏ (1).

فجوابه: أنّ الحكم الواقعي محفوظ في جميع المراتب، غاية الأمر بنتيجة الإطلاق لا بالإطلاق اللحاظي؛ لإطلاق الملاك و عدم إمكان الإهمال فيه.

و بمثل هذا نجيب عمّن يقول بإمكان الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري باختلاف الرتبة.

و أمّا الثاني؛ أي حدوث خطاب على نفس عنوان التجرّي؛ بحيث يكون عنوان التجرّي جهة تقييدية و واسطة في العروض. و بعبارة اخرى يكون النهي متعلّقا بعنوان التجرّي.

بيان ذلك: أنّه لا فرق في نظر العقل في حكمه بالقبح بين العصيان‏

____________

(1)- مقالات الاصول 2: 14.

54

و التجرّي، فكما أنّه مستقلّ بقبح العصيان كذلك مستقلّ بقبح التجرّي، و بقاعدة الملازمة نستكشف حرمة التجرّي.

و الفرق بين العصيان و التجرّي، و عدم استكشاف الحرمة الشرعية في الأوّل دون الثاني هو عدم إمكان توجّه الخطاب الشرعي إلى العصيان؛ لاستلزامه التسلسل، بخلاف الثاني؛ لإمكان تعلّق الخطاب التحريمي بعنوان التجرّي، و لا يلزم تسلسل و لا محذور آخر أصلا.

و لكن أنت خبير بأنّه أوّلا: لا يمكن و لا يعقل تعلّق خطاب، و توجيهه نحو هذا العنوان؛ لأنّه من شرائط صحّة الخطاب، و توجيهه نحو شي‏ء أن يكون من الممكن أن يرى الشخص نفسه مصداقا لموضوع ذاك الخطاب، حتّى يكون داعيا له على الفعل أو الترك.

و في المقام لا يمكن ذلك؛ لأنّه إذا التفت إلى أنّه متجرّ يخرج عن كونه متجرّيا، فيلزم من وجوده عدمه، فهو محال، نظير ما قالوا من عدم إمكان تعلّق خطاب و توجيهه إلى الناسي بعنوانه.

فإذا كان خطاب في البين لا بدّ و أن يكون بعنوان مطلق القاطع بحكم إلزامي، لا خصوص القاطع غير المصادف قطعه للواقع؛ لعدم إمكان ذلك أوّلا، و عدم وجه لهذا الاختصاص ثانيا.

و لكن توجيه الخطاب نحو هذا العنوان أيضا لا يمكن؛ لأنّه بالنسبة إلى القطع المصادف يلزم اجتماع المثلين: أحدهما تحت القطع؛ أي الحكم المقطوع و يكون متقدّما على القطع، و الثاني: فوق القطع؛ أي الحكم الذي توجّه إلى القاطع، و يكون متأخّرا عن القطع.

و إن أبيت عن صيرورته اجتماع المثلين؛ لاختلاف مرتبة الحكمين- لكون أحدهما متقدّما على القطع و الآخر متأخّرا عنه- فلا يمكن لك إنكار