رحلة الإيطالي كاسبارو بالبي

- كاسبارو بالبي المزيد...
168 /
5

مقدمة المعرب‏

هذه رحلة الجوهري البندقي- نسبة إلى مدينة البندقية بإيطاليا- كاسبارو بالبي‏Gasparo Balbi الذي قدم إلى العراق في الربع الأخير من القرن السادس عشر و هو في طريقه إلى الهند. و تعد هذه الرحلة من أهم الرحلات لما فيها من معلومات تاريخية و جغرافية تخص العراق أولا، و لقدمها ثانيا، و لم ينقل نصها إلى العربية حتى الآن، لذلك أخذت على عاتقي هذا العمل خدمة للباحثين و المؤرخين.

صاحب الرحلة

تعد أسرة بالبي من البيوتات العريقة في مدينة البندقية. في هذه الأسرة ولد الرحّالة كاسبارو بن ترانكويللو الذي كان يعمل مساعد قبطان في إحدى السفن المخصصة لحامية كريت.

ولد كاسبارو نحو سنة 1550 في البندقية، و لا نعلم‏

6

شيئا عن مطلع حياته، كل ما لدينا من معلومات عنه إنه قرر الرحيل إلى الشرق في مرحلة كثرت فيها رحلات العمل و التجارة إلى الشرقين الأوسط و الأقصى سعيا وراء التوابل و الأحجار الكريمة و غير ذلك.

و كانت البندقية في ذلك العهد في أوج عزها و كانت تسعى لمنافسة البرتغال و أسبانيا في ميدان التجارة الخارجية.

فاتح كاسبارو تاجرين معروفين في مدينته ليقرضاه بضائع مرغوبة في الشرق ليتاجر بها في بلاد الشام لقاء أحجار كريمة يحصل عليها هناك فيرسلها إليهما، فإقتنعا بكلامه و لبيا طلبه، فتسلم منهما ما قيمته 1044 دوكاه (دوقية) و شد الرحال إلى الشرق نحو سنة 1576 أو بعدها بقليل و هو إنذاك في عز و شبابه.

مرت الأيام و السنون و التاجران ينتظران على أحر من الجمر وصول الأحجار الثمينة التي كانا يحلمان بها لكنهما لم يتسلما شيئا، بل لم يصلهما خبر من بالبي، فتسربت الشكوك إلى نفسيهما و عيل صبرهما، عندئذ كتبا إلى صديق لهما مقيم في حلب، إذ كان في حلب مكاتب عديدة للصيرفة تعمل هناك، فوجها إلى هذا الصديق وكالة تاريخها 16 نيسان 1579 يخولانه فيها البحث عن بالبي و مقاضاته.

عندئذ كتب بالبي رسالة تاريخها 1 تشرين الثاني من تلك‏

7

السنة يشرح فيها سبب صمته الطويل، فقد عانى الكثير في رحلته المزعجة، لكن مع كل ذلك مضى قدما إلى الهند عن طريق ما بين النهرين، و يضيف: إنه استدان مبالغ طائلة من أصدقاء بندقيين آخرين ليتاجر بها في الشرق الأقصى.

و يعدهما أخيرا بأنه سيعود بعد سنتين، و يتعهد بإعادة المبالغ التي لهما في ذمته.

طال الغياب، و انتقل التاجران إلى الرفيق الأعلى، و لم يعد صاحبنا إلى بلده إلا بعد سنوات أي نحو سنة 1588؛ فأقام ورثة التاجرين المتضررين دعوى عليه، و بعد أخذ ورد توصل الطرفان إلى حسم النزاع سلميّا، لكن بالبي لم يلتزم بوعده، فأشتكيا عليه من جديد و ألقي القبض عليه هذه المرة و زج في السجن في 11 تموز 1590 و بقي نزيل السجن أسبوعا كاملا حتى خرج منه بكفالة. و يظهر من أعمال المحكمة أنه كان يستعد لرحلة جديدة إلى الهند، لكننا لا نعلم أن كان قد رحل أم لا. كما لا نعرف بالضبط سنة وفاته التي حدثت بين سنة 1621- 1625 إذ نجد له وصية مكتوبة تاريخها 1621 و كان قد أصبح في ذلك الوقت صاحب محل للجواهر، بينما في سنة 1625 لا يرد اسمه في سجلات الكاتب العدل الخاصة بالجوهريين فلعله مات في إحدى تلك السنين.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الرحلة

تبدأ رحلته عند مغادرته حلب في 13 كانون الأول 1579 و بعد يومين يصل إلى بيره جك على الفرات حيث يستقل مركبا ينحدر به إلى الفلوجة، بعد أن يمر بالقائم و عنه و هيت. و من الفلوجة يذهب برّا إلى بغداد لينزل في دجلة إلى البصرة التي يصلها في 21 آذار 1580 و يغادرها بطريق البحر إلى هرمز. إنه الطريق التي مر به الرحالة العربي ابن بطوطة صاعدا. و قد ذكر بالبي في هذا القسم من الرحلة- أي القسم العراقي- نحو مئة و ثلاثين موقعا بين مدن مهمة و قصبات و قرى صغيرة، و هنا تكمن أهمية هذه الرحلة.

بعد أن طاف في الهند و سيلان و غيرهما عاد سنة 1587 إلى البصرة و منها إلى بغداد عن طريق دجلة أيضا فوصلها في 23 تشرين الثاني من تلك السنة. ثم تركها عن طريق حلب راجعا إلى بلاده.

عند قراءة الرحلة نستنتج أن بالبي كان يحتفظ بدفتر

10

يسجل فيه يوميات السفر، ففي رحلته دقة لا نلقاها في نصوص الرحلات الأخرى، فهو يذكر التواريخ و الساعات و أسماء المواقع، بحيث يستطيع القارئ تتبع محطات رحلته يوما بعد يوم.

إنه يحب الإختصار، و لذا أهمل عن تعمد سرد أحداث الرحلة من البندقية إلى حلب لأن كثيرين من قبله تطرقوا إليها فهي معروفة لدى القراء، و فعل ذلك أيضا في نهاية الرحلة إذ توقف عن الكلام بعد مغادرته بغداد.

ليس من الواضح أن كان بالبي يتكلم العربية أم لا، و لعله كان يستطيع التفاهم بها، فسأل مرافقيه عن أسماء المدن و القرى و كتبها نقلا عن السماع لا أكثر، فضبط بعضها و تشوه بعضها في كتابه.

ملاحظات في الرحلة

(أ) لم يترك بالبي صغيرة و لا كبيرة دون أن يسأل عنها المسافرين أو الملاحين و كان يسجل في دفتره أسماء المواقع كما يسمعها منهم، و أخبار الناس و عاداتهم كما يفهمها من مرافقيه. لذا نجد في رحلته وصفا حسنا للسفن و القوارب المستعملة في العراق، و أسماء المدن و القرى، و بعض الملاحظات عن المواقع الأثرية في قطرنا.

و هنا لا بد أن أشير إلى الصعوبة التي جابهتنا أثناء

11

العمل، ذلك أن المؤلف عند إيراده أسماء المواقع، كثيرا ما يذكرها بصورة مغلوطة. لذا أوردت في الترجمة تلك الأسماء بحروفها الأصلية كما هي في النص الإيطالي، فأشرنا إلى المواقع التي تعرفنا عليها، و بقيت مواقع عديدة لم نتوصل إلى معرفتها، و لعلها اندثرت مع الأيام.

(ب) و لما كان الرجل يعنى بالتجارة لذا نراه يهتم كثيرا بالموازين و المقاييس و النقود المتداولة في أهم المدن التي حل بها، فخصص فصلا بهذه الأمور عن كل من: بغداد و البصرة و مضيق هرمز، و قارنها بما يعادلها بحساب حلب لأنها منطقة معروفة، و بالبندقية لأنها موطن التجار المحليين.

(ج) و نوّه أيضا بالأماكن التي يجب دفع الرسوم فيها، و مقدارها، و الهدايا التي يجب على التجار أعدادها و تقديمها إلى رؤساء العشائر و أكابر القوم في تلك المدن لتسهيل أمرهم.

(د) و لهذه الرحلة أهمية جغرافية كبيرة، فقد توسع كاتبها بذكر أسماء المدن و القرى كما أسلفنا، لذلك استفاد منها الجغرافيون و مصممو الخرائط من المعلومات الواردة فيها، خاصة بما يتعلق بالعراق.

(ه) نلاحظ أن بالبي اقتبس فقرات عديدة من كتاب رحلة مواطنه فيدريجي البندقي الذي سبقه إلى الشرق بأعوام‏

12

قليلة، و كان حيّا يرزق عند ما طبع بالبي رحلته، و لا نجد تفسيرا لهذا الأقتباس و النقل الحرفي أحيانا، إلا أن يكون قد وجد نقصا في بعض مراحل رحلته فالتجأ إلى النقل لمل‏ء الفراغ، و لعله استأذن صاحبه و مواطنه فيدريجي.

(و) علينا أن ننظر إلى ما كتبه ضمن الإطار التاريخي عند ما كانت تتنافس للسيطرة على العراق قوات غريبة حاقدة كانت تعمل على انهاك المجتمع العراقي و تفتت روح المقاومة و التصدي لديه.

طبعات الكتاب‏

(أ) بعد عودة بالبي إلى وطنه انكب على كتابة أخبار رحلته ثم نشرها سنة 1590 في البندقية، واضعا لها عنوانا طويلا مشوقا: «رحلة إلى الهند الشرقية للجوهري البندقي كاسبارو بالبي التي تحتوي على ما رآه خلال تسع سنوات بين 1579 إلى 1588 مع الحديث عن الضرائب و الأوزان و المقاييس في كل المدن خلال تلك الرحلة .. البندقية 1590، عند الناشر كاميللو بوركومينيري ..» و كان الكتاب في 159 صفحة.

في سنة 1605 ظهرت الرحلة بالألمانية في فرانكفورت، و في السنة التالية نشرت باللاتينية في المدينة نفسها، لأن هذه اللغة كانت مفهومة لدى المثقفين في سائر

13

بلدان أوروبا في ذلك العهد. ثم ترجمت إلى الهولندية و طبعت في لندن سنة 1706 بقطع صغيرة تحتفظ مكتبة المتحف العراقي بنسخة منها.

ثم ظهرت الرحلة مختصرة بالإنكليزية و طبعت في لندن سنة 1625 و قد أهمل المترجم القسم الخاص بالعراق.

و طبعت الرحلة مرات عديدة بالإنكليزية و الهولندية، لكنه لم يعد طبعها بالإيطالية إلا في القرن العشرين عند ما تصدت الباحثة الإيطالية أولغا بينتوOlga PINTO لهذا العمل فنشرت رحلة بالبي مع رحلة فيدريجي بالعنوان الآتي:

Viaggi di C. Federicie G. Balbi alle Indie Orientali a cura di Olga Pinto, Ist. Polig. Dello Stato, Roma ll Nuovo 2391

و طبعت ثانية سنة 1962 ضمن سلسلة عنوانهاRamusio IV و قد علقت الباحثة على النص بهوامش كثيرة، معظمها تفيد القارئ الإيطالي، و ما أخذته عنها ذكرته بأسمها الصريح. فأني كنت قد صورت هذه الرحلة عن نسخة المكتبة الوطنية في روما سنة 1984 ثم علقت على ترجمتها بعد عودتي إلى العراق و انهيت الترجمة سنة 1985 و أخيرا قدمتها للطبع في هذه السنة.

(ب) بعد أن فرغت من ترجمة النص، وجدت فيه أمورا عديدة غير واضحة و تحتاج إلى شرح لذا وضعت الهوامش التي رأيتها مفيدة للقارئ.

14

(ج) إن لغة الرحلة عادية و تفتقر إلى الجمالية، و يكثر بالبي من استعمال التعابير العامية المحلية الدارجة المستعملة في مدينة البندقية.

(د) ذكر الأستاذ كوركيس عواد، (رحمه اللّه)، في بحثه المرسوم: «المعرب من كتب الرحلات الأجنبية إلى العراق»، مجلة الأقلام، (1964) ص 57- 58 أن القس (البطريرك فيما بعد) بولس شيخو (ت 1989) كان قد ترجم هذه الرحلة إلى العربية تلبية لطلب الأستاذ يعقوب سركيس (ت 1959) الذي كان يهتم إهتماما عاليا بكتب الرحلات الأجنبية و لا أعلم بمصير تلك الترجمة لكن سركيس نوه بأن له ترجمة الرحلة و لم يذكر اسم مترجمها و دعاه «غاصبارو» (مباحث عراقية 3: 77).

(ه) ورد ذكر هذه الرحلة في كتاب: «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث» لمؤلفه ه. لونكريك (ط 4/ 1968، ص 397) و كتابه المعرب: «غاصبارو» و في كتاب «مباحث عراقية» ليعقوب سركيس 1: 265؛ 3: 76- 77 و في كتب أخرى سننوه بها في محلها.

(و) وضعنا للكتاب فهارس متعددة: الأماكن و الأعلام ... لترشد القارئ إلى أهم مواد الرحلة.

(ز) أسعدنا الحظ قبل سنوات بالتعرف على الأستاذ

15

المحامي فرحان أحمد سعيد الذي ساعدني للتوصل إلى معرفة أسماء بعض الأماكن المشوه لفظها في الرحلة.

(ح) إن الطبعة الإيطالية للرحلة خالية من الرسوم، أما الطبعة الهولندية ففيها رسوم.

د. بطرس حداد

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

رحلة الجوهري البندقي كاسبارو بالبي إلى الهند الشرقية (1)

____________

(1) تبدأ الرحلة في الصفحة 71 من النص الإيطالي المطبوع سنة 1962.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الفصل الأول طريق الرحلة من البندقية إلى حلب‏

لما كانت الرحلة أو الطريق البحري بين وطني أي مدينة البندقية و بين مدينة حلب معروفة جيدا لدى الجميع، ارتأيت إلا حاجة للتوقف عند وصفها لكثرة السفن و المراكب التي تمخر البحر إنطلاقا من هذه المدينة الشهيرة إلى تلك المدينة الشرقية.

لهذا السبب قررت أن ابدأ بالتحدث عن رحلتي إنطلاقا من حلب إلى بغداد (1)، و من ثم إلى الهند الشرقية حتى بيكو (2). و لكي يكون الوصف واضحا، ساقسم رحلتي إلى عشرة أقسام أو أبواب، و بهذا نتخلص من أي أشكال يحول دون فهم مراحل سفري.

____________

(1) قال في الأصل «بابل» على عادة الرحالة في تلك العهود، و كان السائح الإيطالي ديللافاليه أول من أصلح هذا التعبير و ميز بين بابل التاريخية و بغداد. أنظر: رحلة ديللافاليه إلى العراق، بغداد 2001، ص 42.

(2) عاصمة بلد بالأسم نفسه كان ضمن بورما قديما.

20

و لهذا أقول: إن الطريق المسلوك عادة، و هو الأكثر أمنا يبدأ من حلب إلى بغداد، و من بغداد إلى البصرة (1)، و من البصرة إلى هرمز (2)، ثم إلى ديو (3)، و منها إلى كيافول‏ (4)، و من كيافول إلى غوا (5)، ثم إلى كوجي‏ (6)، و منها إلى سان تومي‏ (7)، ثم إلى بيكو، و أخيرا من بيكو إلى مرتبان‏ (8).

____________

(1) في الأصل «بلصرة» و هو خطأ ردده معظم الرحالين الغربيين.

(2) حصن مهم في مضيق هرمز كان تحت الاستعمار البرتغالي ردحا طويلا من الزمن ثم سيطر عليه الإنكليز.

(3) ميناء في الهند احتله البرتغاليون مدة من الزمن.

(4) مدينة في الهند.

(5) مدينة استعمرها البرتغاليون إلى عهد قريب إذ استعادتها الهند سنة 1964.

(6) هي مقاطعة كوجين بالهند و من مدنها المهمة مدارس.

(7) تسمى اليوم ميلابور في الهند، سميت قديما سان تومي نسبة إلى القديس توما أحد تلاميذ المسيح الحواريين فقد بشر هناك و استشهد و قبره هناك.

(8) في بورما أو بيرمانيا على حد تعبير بالبي.

21

الفصل الثاني وصف الرحلة من حلب إلى بغداد بدء السفر (1)

أعلم أيها القارئ أني غادرت حلب متوجها إلى بغداد في الثالث عشر من شهر كانون الأول سنة 1579 مع تجار كثيرين منهم نصارى و آخرون من أتباع الأديان الأخرى.

فحملنا الأموال و البضائع على عدد كبير من الجمال و البغال؛ و بعد أن أقمنا كلنا الصلاة (2)، امتطينا الخيول.

و في مساء اليوم الأول وصلنا إلى قرية تدعى «الباب»Bebbe حيث أمضينا ليلتنا الأولى من الرحلة.

في صباح اليوم التالي رحلنا من ذلك المكان قبل انبلاج الصباح بثلاث ساعات و تابعنا سيرنا. و في المساء

____________

(1) أضفت عناوين ثانوية لتسهيل متابعة الرحلة.

(2) يلاحظ أن السائح كان متدينا فهو يذكر اللّه سبحانه و تعالى في حله و ترحاله، و في الصعوبات، كما سنرى أكثر من مرة خلال الرحلة.

22

أرتحنا في مكان هادئ يسمى «ساجور» (1)Saguir ، و غادرنا ذلك الموضع في صباح اليوم التالي قبل شروق الشمس بساعتين. و بعد أن سرنا طوال النهار وصلنا إلى «البير» (2)Albir التي تقع على شاطئ الفرات الأيسر، فتوقفنا هناك؛ و قبل أن نعبر النهر لنمضي إلى تلك المدينة، أنزلنا أحمالنا في الجهة اليمنى من النهر و عملنا على تعبيرها بواسطة قارب سبق أن طلبنا إعداده في «بيره جك» لهذه المهمة. و لما لم نكن بمأ من في ذلك الموضع أسرعنا بأكمال هذه الأمور إذ يتوجب علينا الحذر الشديد من اللصوص، و لا سيما أن الليل قد جن، لذلك عبرنا رجالا آخرين إلى جانب أولئك العاملين معنا من أجل الإسراع في تحميل البضائع، و في ضوء الشموع حملنا بأسرع وقت أمتعتنا و عبرنا النهر إلى الجهة اليسرى حيث مدينة «بيره جك». و هناك أوقفنا قاربنا عند بيت صاحب القوارب المدعو «مصطفى» الذي تعهد لنا بأن يقودنا إلى موقع آخر يسمى «الفلوجة» يبعد عن بغداد مسيرة يوم واحد.

ما إن توقف القارب عند بيت الرجل، حتى أخرجنا

____________

(1) بليدة تقع على الرافد الساجور أو الصاجور.

(2) و هي البيرة أو بيره جك (معجم البلدان 1: 787) ذكرها الرحالون الذين اتخذوا هذا الطريق للقدوم إلى العراق من أمثال فيدريجي (رحلة: ص 165) و ديللافاليه (رحلة: ص 18) و سبستياني و غيرهم.

23

الخيمة التي كنا قد أعددناها خصيصا في حلب لتغطية القارب كله من كوثله‏ (1) إلى مقدمته. و لما كان المناخ باردا فنحن الآن في الخامس من كانون الثاني‏ (2)، لم نستطع تحمل البرد القارس، لذا ابقينا أربعة رجال في المركب يقومون على حراسته نهارا و ليلا. أما نحن فقد ذهبنا و نزلنا في دار مصطفى حتى يحين موعد سفرنا. و كان الرجل- و الحق يقال- مضيفا و رفيقا كريما، فبذل قصارى جهده من أجل راحتنا في بيته، و إعادة الطمأنينة إلى نفوسنا لطرد الأفكار السوداء عنها، لأن الخوف كان قد دب إلى قلوبنا مصحوبا بالقلق في الليالي الثلاث السابقة إذ كنا بين حلب و بيره جك نخشى أن يداهمنا القتلة بين لحظة و أخرى، فقد قيل لنا أن ذاك الطريق خطر و يعج بأعداد كبيرة من اللصوص. و قد بلغنا إذ كنا في حلب قبل أن نبارحها بأربعة أيام أن قافلة محملة بالحرير داهمها اللصوص فسرقوها و قتلوا ثلاثة رجال منها و جرحوا أثنين. لكن ذلك لم يحدث لنا، فدليلنا انكشاري‏ (3) و هو رئيس القافلة، و في ركابنا عدد

____________

(1) الكوثل أي مؤخر السفينة.

(2) التاريخ مغلوط كما سيظهر بعد أسطر.

(3) أي الجند الجديد (تركية) لعبوا دورا مهما في الدولة العثمانية و دام أمرهم من القرن الرابع عشر حتى سنة 1826 عند ما تمردوا و طغوا فقضى عليهم السلطان محمود الثاني، و كانوا يعرفون أيضا بأسم ينجرية. أنظر:-

24

كبير من المسلمين‏ (1)، المقتدرين.

مساء السادس عشر (من كانون الأول) وضعنا بضائعنا كلها و امتعتنا في مركب مصطفى، ثم ذهبنا لتقديم الهدايا إلى سنجق‏ (2) مدينة بيره جك؛ و الهدية عبارة عن أربعة رؤوس سكر، و أربع شموع عسل يبلغ سعر الواحدة شاهيا (3)، و الشاهي يعادل في نقودنا عشرين فلسا (4). كما قدمنا قطعا من صابون حلب. و أعطينا للكتخدا (5) التابع للسنجق رأس سكر واحدا و شمعتين و قليلا من صابون حلب. و هكذا فعلنا نحو الأمين الذي كان يستوفي الرسوم في ذلك المكان، إذ قدمنا له رأس سكر و قالب صابون‏ (6).

بقينا في ذلك الموضع إلى 5 كانون الثاني (1580)

____________

- د. علي الوردي: لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج الأول، بغداد 1969، ص 263 و ما بعدها.

(1) يستعمل كلمة موروMoro .

(2) كلمة تركية تعني البيرق، و تشير إلى منطقة يحكمها سنجق بكي، أو إلى وحدة إدارية تابعة للولاية، و هنا تشير إلى الشخص الحاكم نفسه.

(3) نقد عثماني صغير، عرف بهذا الأسم لأن السلطان العثماني اتخذ لقب الشاه عند استيلائه على بعض أقسام إيران. العزاوي: تاريخ النقود العراقية: 134.

(4) يشير إلى أصغر النقود التي كانت متداولة آنذاك في البندقيةSoldo .

(5) هو الموظف المعتمد في الوحدة الإدارية لمساعدة السنجق.

(6) الأصح: صحن زبيب كما سنرى في المحطات التالية.

25

منتظرين وصول خمسة مراكب طلبت الرحيل بصحبتنا. و في مدة الانتظار هذه عانينا كثيرا من البرد القارس و الثلوج.

وصف قوارب بيره جك‏

لما كنا قد تحدثنا أكثر من مرة عن مراكب هذه البلاد التي استعملناها، فلا بأس أن نتوقف قليلا في وصف طريقة صنعها. و سأخص بالذكر المركب الذي استقللناه في بيره جك.

تصنع قوارب بيره جك‏ (1) من قاع مزدوج الألواح لكي لا تغرق بسهولة في حالة اصطدامها. و فوق هذه الأرض المزدوجة تصف المساند أو العطفات الواحدة غير بعيدة عن الأخرى، ثم تثبت الألواح الخشبية على الجهتين بحيث توضع الخشبة الواحدة فوق الأخرى مسافة أصبع أو أصبعين، ثم يسدون الفراغات بالقطن حيث نستعمل نحن القنب.

لا يستخدمون السارية في هذه المراكب. و يصنعون مقدمتها دقيقة إذ تنتهي بزاوية حادة، على شاكلة القوارب التي نسميها عندنا «بوركيللي» (2) لكن مقدمة هذه أعلى. أما

____________

(1) اشتهرت بيره جك بصنع الشختور (ج: شخاتير) و كذلك هيت. أنظر:

موزيل: الفرات الأوسط ص 50.

(2) هي قوارب تستعمل للتنقلات العادية في قنوات البندقية.

26

المؤخرة أي الكوثل فتكاد تكون مقطوعة رأسيّا مع شي‏ء من الاستدارة. فهي تشبه مراكبنا التي نسميها «بياتي» (1).

و فائدة الاستدارة هي لإفساح المجال للدفة التي تتكون من قطعة خشب مدورة فيها شق يثبت فيه المردي المصنوع من لوح خشب عريض له نهاية أشبه ما تكون بالرفش‏ (2) و تتم قيادة المركب بهذا اللوح الذي يحركه الربان يمينا و شمالا، أو قد يسحبه إلى سطح الماء بحسب الحاجة. و قطعة الخشب مثبنة بتوازن، و في رأسها فتحة كبيرة يدخلون فيه قطعة خشب تمتد من الكوثل حتى منتصف المركب حيث يجلس صاحبه الذي يديره. إنه و الحق يقال تصميم غريب، من لا يراه بعينيه لا يستطيع أن يتصور شكله. و هناك في المركب أيضا خشبتان الواحدة في المقدمة و الثانية في المؤخرة تربطان جانبي المركب فتزيدان من متانته، و يجلس عليهما الملاحون على شاكلة السجناء قديما (3). أما المجاديف فهي أعواد طويلة و في آخرها قطعة خشب عريضة مثبتة فيها.

____________

(1) هي قوارب مسطحة، أنظر رحلة فيدريجي: ص 165.

(2) الرفش ما يجرف به التراب و نحوه، مجذاف السفينة (المنجد).

(3) كانت الأنظمة القديمة عند الرومان تعاقب المجرمين المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة الخدمة في المراكب و السفن للتجذيف على نسق واحد و على إيقاع صادر من النقر الرتيب على الطبل.

27

بعد أن وصلت المراكب التي كنا ننتظرها، و بعد أن أدينا ضريبة مقدارها 19 بندقيّا (1) عن كل مركب، فهذا هو الملغ المحدد هنا، تعاملنا مع أربعة ملاحين لتسيير مركبنا لقاء ثلاث بندقيات لكل واحد منهم على أن يوصلونا إلى مدينة «عنه» و أن نتحمل المصاريف الأخرى الواجبة علينا تجاههم.

***

____________

(1) من النقود المتداولة آنذاك في البندقية و تسمى‏Zecchino و أصل اللفظة- على ما يظهر لي- عربي: السكة.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الرحيل‏

أنطلقنا من «بيره جك» في منتصف النهار، فذهبنا و توقفنا عند قرية غير بعيدة منها تسمى «كفرى» (1)Caffra و تقع على ضفة النهر اليمنى.

و في اليوم السادس من الرحلة إنطلقنا من هناك و سرنا طوال النهار، فوصلنا عند المساء إلى موضع يقال له «مكسارة» (2)Cerchis Maxara و يقع على الشاطئ الأيسر من النهر، و قابله على الضفة الأخرى موضع يقال له «جركيس» (3) فتوقفنا هناك بإنتظار المراكب الثلاثة المرافقة لنا التي أرتطمت بقاع النهر بسبب حمولتها

____________

(1) ذكرها جيسني (الخارطة رقم 2) وراوولف في رحلة المشرق: ص 104 إلا أن المترجم كتبها «كسرة» لتشابه الفاء و السين (بالأحرف الأفرنجية) في الطباعة القديمة.

(2) لعلها مغارة، تل مغارة عند جيسني.

(3) أو كركيز كما ذكرها جيسني.

30

الزائدة، فتوجب علينا إرسال رجل إلى بيره جك لطلب سفينة أخرى لكي نخفف من حمولة السفن المذكورة.

التحقت بنا أخيرا تلك السفن مساء اليوم الثامن من الشهر، و كانت أحداها في حالة يرثى لها لكثرة الماء المتسرب إليها من جراء اصطدامها بالصخور الكامنة تحت الماء. فأسرع ملاحونا يمدون يد العون إلى أولئك الرجال، و أمضوا الليل كله في العمل على إخراج الماء منها. و بعد تعب و جهد كبيرين تمكنوا من اصلاحها و إعادتها إلى حالة مقبولة. و في تلك الأثناء وصلت سفينتان من بيره جك محملتان بالرصاص و وجهتهما بغداد و كانتا تحت قيادة جاويش‏ (1)، و كان الرصاص مخصصا لحامية بغداد من أجل صنع العتاد.

ثم قدمت سفينة أخرى كانت تقل شخصا مهما برتبة «بيك» (2) إلى البصرة.

بهذه المناسبة لا بد من التحذير بعدم تحميل المراكب أكثر من طاقتها، فهناك احتمال كبير للاصطدام بالصخور أو بجذوع الأشجار الكبيرة المخفية تحت الماء و التي لا ترى عادة.

____________

(1) ضابط من رتبة صغيرة يعهد إليه القيام بأعمال مختلفة (دوزي: تكملة المعاجم العربية 2: 132).

(2) لقب اعتبار إجتماعي أو عسكري (دوزي: تكملة 1: 506).

31

بقينا في ذلك المكان إلى اليوم الحادي عشر من كانون الثاني. ففي صباح ذلك اليوم انطلقنا كلنا معا لنكمل السفر.

و عند المساء توقفنا عند موضع يقال له «تل ويوي»Tell euiui و هو على ضفة النهر اليسرى. تعبنا هناك إلى منتصف اليوم التالي و نحن نعمل من أجل سحب السفن المحملة التي كانت قد انغرزت في الرمال و أصبحت بخطر. و كم بقينا في ذلك اليوم! و مما زاد في تعبنا ذلك المناخ البارد و الأمطار و الثلوج و الرياح!

عند انتصاف النهار انطلقنا من هناك، و توقفنا عند المساء في موقع يقال له «متاو لنتاكي»Matao Lantache و يقع على الضفة اليمنى للنهر فأمضينا الليل هنا. و في الصباح، و هو اليوم الثالث عشر (من كانون الثاني) رحلنا من هناك، و بقينا نمخر عباب النهر طيلة ذلك النهار، ثم توقفنا في المساء عند موقع يسمى «قلعة النجم» (1)Calatel negiur و هي قلعة قديمة مهجورة، فاوقفنا مراكبنا عند الضفة اليسرى من النهر مقابل القلعة و ربطناها إلى الشاطئ.

في مساء اليوم التالي وصلنا إلى «سوق النصير»Zoxeniasir الواقعة على الشاطئ نفسه. و في ذلك اليوم‏

____________

(1) قال: قلعة النجور و لعله خطأ مطبعي أو زلة قلم، و قد ذكر الحموي قلعة النجم (معجم البلدان 4: 165) و وصفها راوولف و تكلم عن حادثة معاصرة (رحلة المشرق: 112).

32

اصطدمنا مرتين مع اللصوص فقاتلناهم ببسالة. و حدث ذلك أننا أدنينا مراكبنا من الشاطئ فحاول هؤلاء سرقتها، فأسرعنا و تصدينا لهم بالبنادق و السهام و مختلف الأسلحة المتيسرة عندنا. و بعد هذا الحادث توجب علينا اليقظة خاصة في تلك الليلة لأن أولئك الناس لا مصدر لهم للعيش غير السرقة!

إنطلقنا من ذلك المكان حتى حل المساء فتوقفنا في موضع يسمى «ميسارافي»Miserafi و هو على شاطئ النهر الأيمن. و في اليوم التالي ذهبنا من هناك إلى قلعة «باليس» (1)Beles التي تقع على الضفة اليسرى للنهر.

و كان البرد شديدا للغاية، و قيل أن في ذلك الموضع أناسا قتلة، فأستولى علينا خوف عظيم.

في السابع عشر من شهر كانون الثاني أكملنا الرحلة فوصلنا إلى «بليس» (2)Blis و تقع على ضفة النهر اليسرى، و تكثر في ذلك الموضع القيعان الرملية الضحلة، و الموانع الصخرية و جذوع الأشجار المغمورة في المياه. و لهذا تعبنا كثيرا في ذلك اليوم من إنزال البضائع إلى اليابسة تارة و إعادتها إلى السفن تارة أخرى، أو نقلها من هذه السفينة

____________

(1) و يقال لها أيضا بالس.

(2) أظنه كرر أسم الموقع المذكور سابقا.

33

إلى الأخرى عندما كنا نلاحظ أنها في موقع ضحل، لأن سفننا في الواقع كانت محملة أكثر من طاقتها و كان من المفروض علينا أن نخفض من الحمل و لكن ما العمل؟

و بسبب هذا التحميل المفرط تسربت مياه قليلة إلى داخلها، خاصة إلى جوف سفينتنا، و بالرغم من كونها حديثة الصنع، فلم يحل ذلك دون دخول المياه إليها، و حاولنا معالجة الموقف بهمة و إنتباه مستمرين.

لم نرحل من ذلك الموضع حتى صباح الثامن عشر من الشهر نفسه، و في المساء جئنا و نزلنا في «مليو زراعة» (1)Meliolzura و هو موضع يقع على ساحل النهر الأيمن.

و حدث في ذلك اليوم أننا فقدنا إحدى السفن و كانت بقيادة «خواجا بكر» لأنها اصطدمت بجذع شجرة كبيرة فغرقت، و فقدنا من جراء ذلك حاجيات كثيرة. و في هذه الأحول أسرعت سفينتان في الجري و الابتعاد لكي لا تأخذا شيئا من البضائع الغارقة، و هكذا فمن السفن الست بقيت أربع في تلك الأماكن الموحشة و الخطرة جدّا لكثرة ما فيها من لصوص ظهروا بغتة و حاولوا التحرش بنا و التقاط المواد الغارقة، لكننا قاومناهم بطلقات نارية من بنادقنا، و استطعنا

____________

(1) لا أرى انه أسم موضع بل يشير إلى مكان عامر بالمزروعات ليس إلا و اللّه أعلم!

34

استرجاع بعض البضائع الغارقة فوضعناها على ما هي عليه في حالة مزرية في قارب كنا أخذناه معنا، و أخيرا بعد جهد جهيد أستطعنا سحب تلك السفينة.

في الحادي و العشرين من الشهر تم إصلاح السفينة ثم سحبت إلى جانب سفننا و حملناها بالبضائع التي كنا أنقذناها من الغرق، و لو أنها كانت أقل بكثير من تلك التي ضاعت في لجج النهر.

رحلنا من هناك في الثاني و العشرين، فسرنا طوال النهار، و عند حلول المساء ذهبنا و توقفنا في موضع يدعى «قلعة جابر» (1)Chalagiabar الواقعة على جانب النهر الأيسر. أما في مساء اليوم التالي فقد جئنا إلى «الحمام» (2).Alaman و في مساء اليوم التالي نزلنا في «سوريش» (3)Suriech بعد أن مررنا خلال النهار بحصن يقال له «بلد سوريا» (4)Beletsurie فتركناه وراءنا.

____________

(1) هي قلعة جعبر، قال ياقوت: «قلعة جعبر على الفرات مقابل صفين التي كانت فيها الواقعة بين معاوية و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رض)، و كانت تعرف أولا بدوسر فتملكها رجل من بني نمير يقال له جعبر بن مالك فغلب عليها فنسبت به (معجم البلدان 4: 164 و 2: 621).

(2) ذكرها معظم الرحالين بأسم أمان أو حمام.

(3) أو سوريك لدى موزيل و جيسني.

(4) لعله يعني أرض سوريا.

35

في اليوم الخامس و العشرين رحلنا حالا و اتخذنا موقعا لنا على الضفة اليسرى في موضع يقال له «الرقة» (1) التي تقع في أرض منبسطة، و فيها قلعة ضمن حصن. و يحكم الرقة سنجق تركي. فبقينا هناك مدة و لم نغادرها إلى يوم 28 من ذلك الشهر لأن السنجق المذكور أرسل عددا كبيرا من رجاله مطالبا بحصته من الأقمشة الصوفية. فلما أجبناهم بأننا لا نملك ما يطلبون، شرعوا بقطع حبال أي الحزم بشراسة، و التفتيش فيها لعلهم يعثرون على مبتغاهم، فوجدوا في إحدى الحزم أربعة أطوال قماش أحمر اللون، فأخذوا واحدا إلى السنجق فقص حالا سبعة أذرع ليصنع منها جبة (2) يرتديها عند ركوبه الحصان، و قال انه مستعد لدفع الثمن الذي حدده بنفسه، و هو أربع بندقيات للذراع الواحد لا أكثر.

و حدث في صباح اليوم التالي انه شرع يطالب باتاوة على الطريقة المتبعة محليّا، لعله أراد من وراء الحاحه انتزاع طول القماش كله، مدعيا بضرورة دفع ضريبة عن كل السلع التي كنا نحملها على أن تكون النسبة خمسة بالمائة من‏

____________

(1) معجم البلدان 2: 201 يتوقف الرحالة راوولف عند وصفها.

(2) يشير إلى جبة طويلة و عريضة، لكن أكمامها ضيقة و فيها غطاء للرأس كانت تستعمل في البندقية لكن أصلها من الشرق، دعاها في النص «جاربلوكو».

36

قيمتها، بينما كانت العادة تأدية 18 شاهيا عن كل سفينة، مهما كانت تحمل من بضائع. و بعد أخذ ورد و احتجاج التجار كلهم عربا و أتراكا الذين قالوا بأن هذا الأمر لم يحدث من قبل، و انه سيلحق بهم ضررا فادحا، اقتنع أخيرا بوجهة نظرهم. مهما يكن من أمر فإن الرجل لم يرجع القماش الذي أخذه، و لم يدفع الثمن‏ (1).

رحلنا من هناك لئلا تلحق بنا مصيبة أخرى، فنحن غرباء في تلك الديار و ليس لنا من يدافع عنا. و في المساء وصلنا إلى «الحمراء» (2)Elamora و تقع على ضفة النهر اليمنى، حيث أخذنا قسطا من الراحة في تلك الليلة.

و في صباح اليوم التالي و هو 29 من ذلك الشهر، واصلنا السفر إلى «أمان» (3)Aman حيث وصلناها عند المساء، فتوقفنا هناك إلى الساعة الثانية من صباح اليوم التالي، لأن سفننا كلها ارتطمت في الرمال في محل ملي‏ء بجذوع الأشجار المخفية تحت الماء. و لأن الخوف من اللصوص كان مهيمنا علينا جميعا لذا عاون بعضنا بعضا للأسراع في إنهاء العمل و التخلص من تلك المحنة. و في‏

____________

(1) يحدثنا راوولف أيضا عن المضايقات التي لاقاها و أصحابه في الرقة (رحلة المشرق: ص 124).

(2) ذكرها موزيل.

(3) لعلها عمران (جيسني: خارطة 3).

37

المساء وصلنا إلى «خواجا أبو العيناء»Auagia Abulena و في مساء اليوم التالي اتينا «القصبة» (1)Casabi و هي على ضفة النهر اليمنى.

في صباح اليوم التالي و هو الأول من شباط، و بعد أن قطعنا ثلاث ساعات من النهار، رأينا قلعة مهملة و مدينة مقفرة تسمى «جلبي» (2)Celibi و تقع على الضفة اليمنى، و بعد قليل وجدنا قلعة متهدمة تسمى «سلبي» (3).Zelebe

في الساعة 22 من اليوم ذاته مررنا بمحاذاة جبل عظيم كان منظره يوحي إلينا بأنه سيقع علينا بين لحظة و أخرى لأنه كان مقعرا في أسفله، و لم يبق بيننا من لم يجزع من منظره، فالكل في الواقع يخاف على الحياة و المالّ و مما زاد في خوفنا رؤيتنا كمية كبيرة من الصخور الضخمة كانت قد سقطت في النهر من ذلك الجبل المخيف، و حجارة عظيمة على جوانبه تهدد بالإنهيار لأنها تبدو للناظر عنه و كأنها غير متعلقة بشي‏ء. و استغرقت مدة العبور تحت الجبل نحو نصف ساعة.

عند حلول المساء توقفنا في الضفة اليمنى من النهر،

____________

(1) و هي الكسوبي عند جيسني: خارطة 4 و عند مزيل.

(2) حلبية، حلبي، زلبي أو جلبي عند جيسني.

(3) الحلبية و الزليبية في رحلة المشرق لراوولف: ص 139.

38

فالضفة الأخرى يسرح فيها و يمرح عدد كبير من اللصوص، و قد فهمت بأن هذا الجبل يسمى «الطرف الطويل» (1).Eltoref trouil

رحلنا من هناك صباح اليوم التالي، أي الثاني من شباط، فواصلنا السير إلى منتصف النهار، و مررنا بموقعين منحدرين تكثر فيهما الصخور المتساقطة من الجبل المذكور آنفا و لذلك ارتفع هناك مستوى الماء نحو قامتين بالنسبة إلى يليه‏ (2). فقبل أن نجتاز من هذه الجهة الأخرى، أي قبل اجتياز المنحدر المائي، رفع كل منا صلاة إلى اللّه مستمدين العون و المضي في رحلة أمينة. و لقد أظهر الملاحون بالحقيقة إهتماما بالغا فحافظوا على إستقامة السفينة. أما السفن الأربع الأخرى. فقد ارتطمت قليلا بالصخور بسبب حمولتها الزائدة فلحق بها عطل خفيف. و في المساء توقفنا عند ضفة النهر اليمنى في مدينة تدعى «الدير» (3)Elder و كانت تسمى قديما «ميناء السلسلة» (4) و يقيم في هذه‏

____________

(1) يذكر موزيل (ص 183) قرية طريف.

(2) ذكر المؤلف مقياسا محليّا يعرف عندهم بالكوع و يساوي نحو 44 سم.

(3) يريد دير الزور و هي مدينة معروفة و قائمة، ذكرها الرحالين، أنظر:

موزيل: الفرات الأوسط، ص 15 و ما بعدها.

(4) يرد في رحلة هرتسفيلد (1: 168) أسم جبل سلسلة سمعه من مرافقه التركي المدعو مصطفى.

39

المدينة سنجق تركي و قاض. و هي عامرة بالسكان من رجال أشراف و نساء بارعات الجمال لهن بشرة بين بيضاء و سمراء و هن أكثر جمالا من أي موضع آخر في تلك الأرجاء (1).

____________

(1) لاحظ راوولف أيضا أن أهل دير الزور «... حسنو الصورة» (رحلة المشرق 142).

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

دير الزور

من عادات القوم في هذه المدينة تقديم هدية إلى السنجق و المتقدمين في بطانته. و إلى المسؤولين كافة في البلدة. و عملا بهذه العادة فقد أرسلنا مساء ذلك اليوم إلى السنجق ثلاثة رؤوس سكر و أثنتي عشرة قطعة صابون، كما أرسلنا عشرين قطعة صغيرة من الصابون و هدايا أخرى إلى الباشوات‏ (1)، مع صحن عامر بالزبيب، و عشرة قطع صابون و قالب سكر. و فعلنا الشي‏ء نفسه للكتخدا إذ بعثنا له قطعتي صابون عن كل سفينة من سفننا. و لقاء هدايانا هذه نلنا التفاتا كريما من قبل السنجق، الأمر الذي لم نحظ به في أي مكان آخر خلال رحلتنا في الأيام السابقة.

مدينة الدير هذه كانت تسمى قديما «ميناء السلسلة» و بقدر ما أستطيع فهمه أن هذا الإسم اتخذ معناه من‏

____________

(1) باشا (فارسية) و تجمع باشوات و بواشية.

42

الصخور العظيمة التي مررنا بها و تقطع النهر في أكثر من موضع و هي أشبه ما تكون بالحواجز. و من المؤكد أن هذه الحواجز قديمة، فلقد رأيت في مواضع عديدة من تلك الصخور مسامير مثبتة فيها لها رؤوس متجهة عكس مجرى الماء، و بعض تلك المسامير كانت كبيرة جدّا. و هي مغمورة تحت الماء بمقدار ذراعين، و قيل لي أن ذلك هو من عمل الأقدمين الذين إذا داهمهم الأعداء في سفن منحدرة مع مجرى الماء تصطدم بهذه الحواجز المخفية و لا بد لها أن تغرق.

و لما كنا قد أدينا ما علينا من رسوم في تلك المدينة، و هي ست بندقيات (و هي العملة كما أسلفنا)، و قطعتين من فئة المويدي‏ (1) عن كل سفينة، لأن هذا هو المبلغ المحدد عن أي نوع من البضائع.

في صباح اليوم الخامس من الشهر المذكور رحلنا من‏

____________

(1) قيل نسبة إلى المؤيد شيخ من مماليك مصر (1412- 1421) ذكرها المقريزي في: كتاب النقود القديمة الإسلامية، تحقيق الأب انستاس الكرملي (القاهرة- 1939) ص 63. و اختصر الناس هذه اللفظة حتى تشوهت فكتبها بالبي و غيره من الرحالين «مدين» فظن بعضهم أنها أسم نقد (يعقوب سركيس: نظرة في كتاب النقود العربية و علم النميات) مجلة المجمع العلمي العراقي 1/ 1950، ص 292؛ بينما أرجعها البعض إلى كلمة معدن أو معدني على قول عباس العزاوي: تاريخ النقود العربية، بغداد 1958، ص 166.

43

هناك فمررنا في موضع ضيق أو حاجز من الصخور، و كانت المسافة بينها ضيقة جدّا، حتى أن السفن بالكاد استطاعت المرور بينها، بعد أن لامستها قليلا من الجانب الأيمن، و لحق بها هناك أذى بسيط لكنه لا يذكر. و أكملنا السير طوال النهار حتى توقفنا عند المساء لنرتاح من السفر في الجانب الأيسر من النهر في موضع يقال له «مواكزير».Muachesir

برحنا ذلك المكان في صباح اليوم التالي، و في الساعة الرابعة رأينا مدينة قديمة مهملة واقعة على شاطئ النهر الأيسر و تسمى «البصيرة» (1),Elpisara و بعد ساعة وصلنا عند نهر يسمى الخابور و يصب في نهر الفرات، أما منبعه ففي مدينة تسمى «ماردين» (2) و يختلف لون ماء هذا النهر عن لون ماء الفرات، إذ يميل قليلا إلى الحمرة، و يقولون أنه صالح للشرب و صحي.

في الساعة السابعة من النهار رأينا قلعة عن يميننا يقال لها «الرحبة» (3)، و تخضع لسنجق الدير و بقرب تلك القلعة

____________

(1) تقع بالقرب من آثار قرقيسية، و تبعد عن دير الزور نحو 54 كلم، أو البسيرة (موزيل ص 22).

(2) معجم البلدان 4: 390، في تركيا حاليّا.

(3) و هي رحبة مالك بن طوق ذكرها الحموي: معجم 2: 764 و أنظر موزيل: ص 24.

44

توجد مدينة متهدمة لا يزال بعض الناس يعيشون في بعض أحيائها تسمى «الرحبة العتيقة» (1).

توقفنا هناك ساعتين لنساعد في انزال حمولة إحدى سفننا، لأنها كانت محملة اكثر من طاقتها زبيبا و تينا و حديدا. و في المساء توقفنا عند الضفة اليسرى من النهر، و ربطنا السفن بسلاسل قرب موضع يقال له «سوق السلطان».Zoxosuldan

رحلنا من هذا المكان صباح اليوم التالي، فسرنا ثلاث ساعات حتى وصلنا إلى مكان يقع على يميننا يقال له مدينة «القسارة» (2) و يحكمها سنجق تركي، أستوفى منا شاهيين عن كل سفينة، فضلا عن الهدية المعتادة، إذ أرسلنا له صحنا مليئا بالزبيب، و خمس قطع صابون و جرة خمر (3)، و أرسلنا للباشا التابع له ثلاث قطع صابون.

في مساء ذلك اليوم وصلنا إلى «كورور»Gorur و هي قلعة واقعة على ضفة النهر اليمنى، و كان الريح معاكسة لنا

____________

(1) موزيل: ص 24- 25.

(2) موزيل: ص: 26، و ذكر جيسني برج القسارة في الخارطة رقم 4، و كذلك راوولف في رحلته و سماها «شارة» ص 146 و قال المحقق أنها تعرف الآن بأسم «تل الشارة».

(3) اليس من الغريب و المعيب أيضا أن يتقبل السنجق التركي جرة خمر؟!

45

طوال ذلك اليوم و بالرغم من الجهود الجبارة التي بذلها الملاحون فقد كانت المسافة التي قطعناها قصيرة جدّا، و لم تهدأ الرياح إلا مع حلول المساء.

في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، و هو الثامن من شباط، مرننا أمام جبل جرفت المياه القوية قاعدته، و يقال له جبل «كرتون»Carteron و موقعه على ضفة النهر اليمنى، و كان منظره يوحي إلينا بأنه سيقع علينا بين لحظة و أخرى، لذا انتابنا خوف عظيم خاصة عند رؤيتنا كتلا كبيرة من صخوره ساقطة في ثلاثة مواقع من النهر. و كان مجرى الماء قويّا. لكننا أستطعنا التخلص من ذلك المكان بربع ساعة. قم رأينا أطلال مدينة مهملة تسمى «رومي».Romi و في المساء توقفنا عند «حلدجي»Heldegi الواقعة إلى اليمين. و في مساء اليوم التاسع وصلنا إلى قلعة تسمى «سورة»Sora فأمضينا ليلتنا هناك داخل السفن بعد أن أوقفناها و ربطناها عند تلك القلعة. و لا تبعد هذه القلعة كثيرا عن آثار مدينة كبيرة متهدمة واقعة على الجانب الأيسر من النهر فوق تل قليل الإرتفاع مسح القمة. إن أنقاضها الكبيرة تحملنا على الظن بأنها كانت مدينة عظيمة، و في اعتقادي أنها أكبر بكثير من القاهرة في مصر. و قد فهمت من الملاحين أنهم سمعوا من شيوخهم أن هذه المدينة كان لها 366 بابا، تدعى هذه المدينة

46

«الأرسي» (1),Elersi لقد نال منها الخراب كليّا، و لا يشاهد فيها الآن سوى بقايا أسوارها الضخمة و أبراجها العالية. لقد كانت واسعة الأرجاء بحيث أننا مررنا بمحاذاتها منذ الصباح و لم نستطع أن نترك وراءنا جانبا واحدا من تلك المدينة قبل انتصاف النها، مع العلم أن التيار كان حسنا و كنا نستعمل أربعة مجاديف. إن هذا و الحق يقال شي‏ء لا يصدق.

ليس هذا فحسب، فقد أخبرنا أيضا بالنسبة إلى الأبواب ثلاث المئة و الستة و الستين، إنه عند كل باب كان يقف قبان‏ (2)، و يعني بلغة البلد الرجل الواقف عند الميزان، و كل قبان يساعدة ستة رجال، و ما عدا هؤلاء كان في داخل المدينة آخرون لتسهيل عمليات الوزن. من هذا كله يستنتج مدى ما كانوا يتعاطونه من التجارة.

بعد منتصف النهار رأينا على بعد ثمانية أميال من مدينة «الأرسي» أنقاض مدينة أخرى متهدمة و مهملة تسمى «عنقا»Anga و تدل الآثار الباقية على أنها لم تكن كثيرة السكان و واسعة الأطراف، لكنها كانت تملك عددا كبيرا من‏

____________

(1) ذكرها جيسني (الخارطة رقم 5) و كذلك راوولف في رحلته: ص 147 لكن المترجم الفاضل ظن بوجود خطأ مطبعي و قال هي بالحقيقة «انفي» أو «أختي» و علق عليها، و أما موزيل: ص 30 قال «العرضي» و أضاف أن هذه الأطلال تسمى اليوم «الشيخ جابر».

(2) ذكرها بلفظها العربي.

47

النواعير، بعضها عند النهر و بعضها الآخر في الداخل.

و احصينا عددها فرأينا في الأقل عشرة على النهر و في الداخل، و من هذا نستنتج أن الفرات كما هو حاليّا يسير في مجرى يختلف عما كان عليه في الماضي، فتوسع أكثر مما كان في الأزمنة الغابرة عندما كانت تلك المدن مأهولة بالسكان.

في الساعة 22 شاهدنا برجا في مدينة القائم‏ (1).

و في الساعة 23 رأينا جهازا غريبا مكونا من ثلاث دوائر كان يسحب الماء من النهر و يصبه في ساقية من أجل سقي الحقول‏ (2).

توقفنا مساء للاستراحة عند ضفة النهر اليسرى، و يقال لذلك الموضع «سيما»,Sema و هناك داهمنا برد شديد طوال الليل.

و في اليوم التالي و هو الحادي عشر من شباط، بعد ساعة من النهار وجب علينا أن نعبر ثلاث فتحات ضيقة في النهر قريبة من موقع أبنية كبيرة متهدمة، و قد هوت على‏

____________

(1) مدينة معروفة ذكرها الرحالون، و تشير إلى دير القايم الأقصى، و القايم هو برج من مميزات أديار اليعاقبة و الملكية على قول الشابشتي (الديارات: 303). و قد بقي هذا الدير بحيث نزل فيه هارون.

(2) يشير إلى النواعير كما عند موزيل: 37.

48

جانبي النهر، فعبرنا ذلك المكان بإنتباه كبير و قد سيطر علينا الخوف من خطر الغرق في النهر.

بعد قليل رأينا قصرا فخما يسمى «كابيل جلبي» (1),Capilchelbi و في نحو الساعة الرابعة صباحا رأينا عن يميننا «الروضة فوق الكرمة» (2),Araudi Fochelcurmi و يوجد بالقرب من هذا الموضع مضيقان لا يقلان خطرا عن المضيق السابق.

عند منتصف النهار وصلنا إلى حصن يقال له «الدير» (3)Eldir و يقع فوق تل جميل على ضفة النهر اليسرى، و بعد قليل توقفنا في موضع يسمى «رقة الميل»Rechtalmel منتظرين هدوء الرياح لأنها كانت تهب عكسنا. و بعد أن أكملنا الإنحدار مررنا بناعورين متقابلين أي الواحد إزاء الآخر، و كانت نحو الساعة 22 ثم أتينا إلى موقع يدعى «زعفران» (4).Zafara

نهضنا عند الصباح و بارحنا ذلك المكان، فسرنا طيلة النهار، مارين بواحد و ثلاثين موضعا ضيقا كالذي وصفته آنفا. و في الثانية عشرة قدمنا إلى موضع قالوا أن فيه مثوى‏

____________

(1) لعلها أطلال الشكرة التي ذكرها موزيل.

(2) لا أرى أنها تشير إلى موضع معين بل إلى وصف عام.

(3) موزيل: المرجع نفسه.

(4) في خارطة جيسني رقم 5 يذكر الزعفراني.

49

أحد الأولياء الذي يلقى منهم الأكرام كما نكرم القديسين في ديارنا. و قد رمى الملاحون في ذلك المزار رغيفا عن كلّ واحد منهم تقربا، إذ قالوا: إن قوارب محملة بالقمح مرت من هناك فلم تقدم بحارتها شيئا للمزار فغرقت حالا في ذلك المكان‏ (1).

و في الساعة 23 من ذلك اليوم وجدنا قرية تسمى «الكرخي»Elcuxi و كانت عن يسارنا. و بعد قليل رأينا قصبة مأهولة بالناس تسمى «الميزتانا»Elmesetana حيث أمضينا تلك الليلة.

في الساعة الحادية عشرة، و بعد أن سرنا ثلاث ساعات، مررنا بمنحدر قوي جدّا هو أخطر ما رأينا حتى الآن‏ (2). لكننا نجونا و مررنا بسلام بفضل الصلوات الحارة التي رفعناها إلى اللّه.

بعد أن عبرنا ذلك المنحدر بدأنا نمر بمواضع مأهولة من بيوت و أبراج و نخيل و بساتين و غير ذلك من الأبنية.

و كانت هذه كلها قائمة عند سفح جبل لطيف جدّا و تقابله في النهر جزيرة صغيرة عامرة بالنخيل و غرسات البرتقال، و كانت على ضفة النهر اليمنى. و بعد مسافة قليلة من‏

____________

(1) إنه مزار الشيخ رجب الرفاعي.

(2) ينوه راوولف أيضا بخطر ذلك الموضع (رحلة المشرق: ص 150).

50

الجزيرة المذكورة، و على الضفة نفسها، بدأنا نساهد بيوتا و أبراجا و نخيلا و بساتين و غير ذلك، ثم جزيرة أخرى تسبه السابقة لكنها أكبر منها، و كانت معظم ضفافها مسورة.

و رأينا عددا كبيرا من سكانها جالسين هناك على الأسور للتسلية.

و ما عدا ذلك توجد جزر أخرى مليئة بالأحراش و نباتات الوقود كالطرفاء و العوسج. و هناك بيوت قائمة أيضا. كما رأينا على اليابسة أعدادا كبيرة من أشجار البرتقال و الاترج و سائر الأشجار المثمرة. و بسبب كثرة الجزر و النواعير التي تبلغ أربعة عشر في تلك المنطقة، لذا توجد منحدرات مائية خطيرة جدّا على الجانب الأيسر من النهر.

51

بلدة عنه‏

أما قلعة عنه فلها على شاطئ النهر ثمانية عشر ناعورا، تؤوي هذه البلدة عددا كبيرا من قطاع الطرق (كذا) (1).

و هنا لا يسعني إلا أن أذكر أننا من بيره جك، تلك البلدة الصغيرة العامرة بالسلع حيث أخذنا السفن في نهر الفرات إلى هذا الموضع الذي هو قلعة عنه. استغرقت السفرة أربعين يوما كانت مليئة بالمغامرات و الأخطار خوفا من الغرق تارة، و من الأغتيال تارة أخرى.

مع العلم أن قطاع الطرق لا يقتلون بل يكتفون بالاستحواذ على المواد ثم يفرون. و لهذا فأنفع شي‏ء لمثل هذه الحالة هو استعمال البنادق لأنها تدخل الفزع في قلوبهم.

____________

(1) مع الاعتذار عن مدينة عنه الكرام، و قد قيل: ناقل الكفر ليس بكافر.

52

أبو ريشة

يخضع هؤلاء لزعيم يدعى «أبو ريشة» (1) الرجل القوي لكثرة الأموال التي ترده عن طريق الأتاوات. هذه المبالغ ليست جسيمة بحد ذاتها، لكنه يستوفي أموالا طائلة من كل ما تثمره الأرض، كما له حصة في مواليد الحيوانات.

أما الأماكن التي ذكرناها و نزلنا بها لقضاء الليل في الأيام السابقة فمعظمها مقفرة، أو هي أحراش أو غابات أو جبال لا يأوي إليها سوى بعض قطاع الطرق، ما عدا: بيره جك و الرقة و الدير و قلعة باليس و الرحبة، و الرحبة العتيقة و عشارة و الكوخي و الميزتانا و القرى و قلعة عنه، فهذه الأماكن مأهولة و عامرة.

تقوم بجانب حصن عنه مدينة أشبه ما تكون بالجزيرة، فالماء يحيط بها من كل الأطراف إلا من جهة الحصن، و تسمى المدينة أرض ديانا، و يسكن في هذه المدينة أبو ريشة سيد العرب‏ (2).

و قد أقام لإدارتها سنجقا عربيّا يقال له «جر علي» (3)؛

____________

(1) كتبه السائح «أبو ريزة».Aborise

(2) ذكره الرحالون الذين ساروا في هذه الطريق مثل فيدريجي (الرحلة المعربة: 165) و ديللافاليه (الرحلة المعربة: 32، 148، 176) و يسمونه سيد العرب أو الزعيم أو ملك العرب و البادية.

(3) وردت اللفظة في الرحلة بحرف صغير فهي و الحالة هذه لا تشير إلى أسم-

53

أرسلنا إلى الزعيم- أي أبو ريشة- (1) عشر قطع صابون، أما لصاحبه «جر علي» فقد بعثنا إليه ست قطع و صحن زبيب، كما أرسلنا قطعتي صابون إلى أحد حراس «الأمين» و زوجي سكاكين المانية الصنع من النوع المعروف بأسم «سكالا».

تكثر في هذه الأماكن أشجار النخيل و الليمون و البرتقال، و يسكن هذه الإنحاء خليط من العرب و اليهود و الأتراك. كما فيها- على ما قيل لي- عدد غير قليل من شاربي الكحول المدمنين‏ (2)، إذ أنهم يستهلكون في تلك البلدة كمية كبيرة منه‏ (3).

____________

- علم، فتكون صفة أو كنية أم هي خطأ مطبعي؟

(1) لم يتأكد لنا أسم الزعيم من آل ريشة في ذلك العهد. ففي رحلة تكسيرا يرد أسم أحمد (جعفر خياط: مشاهدات تكسيرا في العراق سنة 1604، مجلة الأقلام 1/ 1964 ص 148) و يذكر لونكريك (أربعة قرون:

ص 57) أسم أحمد (أو حميد) في مجرى كلامه عن أحداث سنة 1575 فهل هو الشخص نفسه الذي ذكره تكسيرا و قد حافظ على زعامته كل هذه المدة مع أن أخبار هذه الأسرة تشير إلى أن أبناءها كانوا يتقاتلون على الزعامة. و هناك أسم آخر و هو الأمير شديد بن أحمد كما يقدمه الأستاذ فرحان أحمد سعيد في كتابه: آل ربيعة الطائيون.

ص 190 و في هذا الكتاب وصف لطيف لمقر إمارة أبو ريشة. ص 177 و ما بعدها. و أنظر أيضا: زهير العطية: الأعمال الجصية في حوض شمال الفرات، مجلة آفاق عربية 1 (1975) العدد 3 ص 80- 85.

(2) لم يقل الخمر بل مستقطر العنب، فأرى انه يشير إلى العرق.

(3) تطرق امرؤ القيس و الأخطل و علقمة إلى خمر عنه في أشعارهم، و أشار-

54

يحاول بعض الناس دائما المخادعة، تارة مع هذا و طورا مع ذاك لإنتزاع الأتاوات، و لا هم لهم سوى الحاق الأذى بالمستطرقين. و في سبيل المثال: وصل قبلنا إلى هناك مركب أخذوا من راكبيه ستين قطعة من نقود البندقية دون وجه من العدالة. و حاولوا فعل الشي‏ء نفسه معنا لو لا وجود بعض الأشخاص المتقدمين في رفقتنا منهم الخواجا سليمان و عثمان مكروس (مغروس، مجروس؟) و هما من أكابر القوم إذ كانا موضع أحتفاء حيثما مررنا، و لو لا وجودهما لتلقينا المعاملة نفسها- المهيمنة- في إنتزاع الأتاوات. مهما يكن من أمر فقد أجبرنا على منح الباشا التابع للزعيم قالبي سكر و أثني عشرة صابونة. كما أعطينا الباشا آخر خمس عشرة صابونة، و إلى شيخ المدينة و هو الكتخدا ما يقارب ذلك. عندئذ توقفوا عن الألحاح، و لم يطلبوا أكثر من المعتاد أي شاهيين عن الحمل الواحد من الأقمشة، أو ثمانية عشر من فئة المؤيدي للحمل الواحد، و كذلك عن الوبريات و القماش المسمى موكياري.

في هذا الموقع أبدلنا الملاحين العاملين في مركبنا و في السفن الأخرى، فأمامنا خمسة أيام صعبة و خطرة.

و أتفقنا مع الربان على أن ندفع له تسع شاهيات، و للملاحين‏

____________

- الهمداني إليها بكونها من المدن المشهورة بخمرها، و وصف الشابشتي كرومها: الديارات، تحقيق كوركيس عواد، ط 2 (1966) ص 228.