رحلة إلي عرب أهوار العراق‏

- ويلفرد فيسجر المزيد...
376 /
5

كلمة الناشر

حبا الله بلاد الشرق مناظر خلّابة، و مناخا لطيفا، حيث تسلّط الشمس عليها أشعتها الذهبية صيفا و شتاء. و أنعم على بلاد الرافدين بسحر الطبيعة ففيها جبال شاهقة، تكسوها أشجار بأشعة خضراء، تسرّ الناظرين، و تعطي ثمارا يانعة من كل نوع و جنس. و تكسو جبالها شتاء حلّة بيضاء من الثلوج و سهولها خضراء، صالحة للزراعة، و وديانها سحيقة تجري فيها الأنهار، و صحاريها فسيحة، يخترقها نهران كبيران متوازيان من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. و لها روافد كثيرة متعاقبة تسبب أهوارا واسعة، غنيّة في محاصيلها، خلّابة في مناظرها.

تنتشر فيها آثار تاريخية، تحكى قصتها للأجيال القادمة بأنها كانت في يوم من الأيام ذات شأن، متقدمة في الحضارة و المدنية، في عهد كان العالم فيه يتخبط في دياجير الجهل و الظلام. و كيف لا، فهي مهد الحضارة الأولى و منبع العلم و المعرفة.

لكنها أقوام تشتهر بالجود و الكرم فضلا عن الشجاعة و الإقدام. و في ثناياها قباب مطلية بالذهب لمراقد الأئمة الأطهار، و ريازات عربية نادرة الوجود، تسلب العقول و تبهر العيون، و تجلب إليها الزوار. و في باطنها النفط شريان المدينة الحديثة و معادن أخرى لا تعدّ و لا تحصى. هذه الخصائص هي التي تستهوي قلوب الفرنجة لرؤيتها و التمتع بمناظرها الخلّابة، فيشدون الرحال إليها من أقاصي المعمورة ليتحققوا بأنفسهم عما

6

سمعوه من أخبارها و عما قرأوه عنها، فمنهم من يقضي فيها أياما قلائل، و منهم من يقضي السنين، يسلك طريقه في الحياة كالسكان المحليين، يجوب أراضيها باحثا و مستعصيا و دارسا ما يحلو له دراسته، فيكتب ما يعنّ له كتابته ليطّلع عليها أبناء جلدته، و لتكون دليلا لمن يشدّ الرحال لمشاهدة هذه البلاد. و ربما كان لهم من زياراتهم مآرب أخرى، يجعلون ظاهر أعمالهم ستارا يخفون وراءها مآربهم التي جاءوا من أجلها. علينا أن نقرأ ما يكتبونه عنّا، إن خيرا و إن شرا. و علينا أن لا ننفعل إذا ما أساءوا في كتاباتهم، إما جهلا أو نقصا في المعرفة أو عمدا بل يجب أن نردّ عليهم ردا علميا و منطقيا، نقارع الحجة بالحجة فيكون تأثيرها أكثر في نفوس القارى‏ء الكريم، و قيمتها أبلغ شأنا.

و هذا الكتاب الذي بين يديك أيها القارى‏ء الكريم يبحث في «عرب أهوار العراق»، و هم قوم يسكنون منطقة تقع في القسم الجنوبي من العراق، ألّفه ويلفرد تيسيجرWelfred Thesiger ، البريطاني الجنسية، بعد أن عاش فيها سنوات عديدة فردا من أفرادها بحيث لم يسبقه في معالجته أحد من الروّاد.

ولد ويلفرد فيسيجر في أديس أبابا في سنة 1910 و تلقى علومه في كليتي إيتون واكسفورد. أصيب هناك بكدمة في عينه من الملاكمة. في سنة 1935 التحق بالخدمة السياسية في السودان. و عند اندلاع الحرب التحق بقوة الدفاع السودانية، ثم خدم فيما بعد في الحبشة و سوريا. إشتغل مع القوة الجوية الخاصة في الصحراء الغربية و حصل على قلادة الخدمة الممتازة. و كان يتنقل منذ زمن الحرب بين جنوب الجزيرة العربية و كردستان و أهوار العراق و هندوكوش و قرة قروم و مراكش و الحبشة و كينيا و تنجانيقا، دائما سيرا على الأقدام أو بواسطة الحيوانات. حصل على الميدالية الذهبية من المؤسستين للجمعية الجغرافية و ميدالية لورنس العربية من الجمعية الملكية الأسيوية المركزية و ميدالية ليفنكستون الذهبية من الجمعية الجغرافية

7

الملكية الاسكوتلاندية. ألف كتابه الأول و عنوانه رمال الجزيرة العربية و نشر في سنة 1959.

تحمّل المشاق الصعبة، عاش عيشة بدائية بسيطة للغاية، حرم نفسه من ملذات الحياة العصرية و مباهجها الفاتنة و المغرية و حياتها الاجتماعية الراقية، قاسى من شظف العيش ما لم يقاسه أحد من قبله، تجرّع مرارة الغربة و لوعة الفراق حتى أخذ يشعر بما يشعر به أبناء الأهوار و يحسّ كما يحسّون، فتكون كتاباته عنهم نابعة، من صميم الواقع و الوجدان.

كما يجد القارى‏ء في ثنايا هذا الكتاب أسلوب الحياة الاجتماعية بين سكان الأهوار و عاداتهم و تقاليدهم التي يتوارثونها جيلا بعد جيل، و طريقة تعاملهم مع بعضهم البعض و مع غيرهم.

كل ذلك أمور يجهلها كثير من الناس، لأن عالم الأهوار عالم قائم بذاته، منقطع عن العالم المحيط به.

كما يطلع القارى‏ء أيضا على طبوغرافية المنطقة و على أمور كثيرة أخرى، لا يحصل عليها المرء إلّا بعد جهد جهيد، و استقصاء دقيق، و صبر طويل، و قدرة على تمييز ما يهم معرفته.

هكذا، نجد أن المؤلف قد كفانا شرّ كل هذه المتاعب و البحث بطرحه كل هذه الأشياء من كتابه هذا، فجاءت لقمة سائغة، سهلة الهضم.

آمل أن تروق قراءة هذا الكتاب للقراء الكرام و أن يكوّنوا فكرة عن جزء هام عن الأهوار في العراق الذي يخفى على الكثيرين منهم أسلوب حياتهم و معيشتهم في عهد مضى عليه أكثر من نصف قرن تقريبا منذ صدور الكتاب بطبعته الأصلية الأولى.

أما إذا وجد القارى‏ء بعض العبارات التي قد يتصور أنها تمسّ العرب بسوء فإنه مخطى‏ء. لأن تبيان الحقائق أمر لا علاقة له بإلصاق التهم.

8

و في هذه الحالة، يجب أن نحكّم العقل و المنطق و أن نتجرد عن التميّز و لا ندع العاطفة تتغلب علينا.

نسأله تعالى أن يهدينا سبل الرشاد، و يرفع من شأن أمتنا العربية و الإسلامية لتتبوأ مكانتها اللائقة بها بين الأمم المتمدنة و من اللّه العون و التوفيق.

الدار العربية للموسوعات‏

9

كلمة المؤلف‏

عشت في أهوار العراق الجنوبية من نهاية سنة 1951 حتى حزيران سنة 1958، و كنت أبقى فيها أحيانا مدة سبعة أشهر بشكل مستمر. و السنة الوحيدة التي لم أذهب فيها إلى الأهوار هي سنة 1957.

مع أنني كنت على الدوام في حالة تنقل تقريبا إلّا أنني أعتبر هذا الكتاب من كتب الرحلات لأن المنطقة التي تنقلت فيها محددة، كما أعتبره كتابا يقوم بدراسة مفصّلة لسكان الأهوار الذين أعيش بين ظهرانيهم.

أمضيت هذه السنوات في الأهوار لأنني كنت أستمتع بالعيش هناك، و عشت خلال هذه الفترة من الزمن بين سكانها كفرد منهم، و أصبحت حتما عبر هذه السنين، عارفا بأساليبهم تقريبا، و حاولت أن أعطي صورة عنهم مما تحتويه ذاكرتي، و مما دونته في مذكراتي.

أدّت الاضطرابات السياسية الحديثة في العراق إلى إغلاق هذه المنطقة أمام الزوار، و من المحتمل أن ينقرض قريبا، فتختفي، عند ذلك، طريقة الحياة التي دامت آلاف السنين فيها.

تغطي الأهوار مساحة من الأرض تقرب من ستة آلاف ميل مربع حول القرنة، حيث يلتقي في هذا المكان نهرا دجلة و الفرات ليشكلا شط العرب. و هذان النهران يؤلفان الهور، و القصب هو النبات السائد فيه. أما الهور الموسمي، فإن نبات البردي يغطي معظم أجزائه و يجف في موسم‏

10

الخريف و الشتاء. و الهور المؤقت يتكون فقط حينما تغمر مياه الفيضان الأرض ثم ينجو فيما يعد نبات البردي. و يمكن تفسيم هذه المنطقة بشكل ملاءم إلى المناطق التالية:-

1- الأهوار الشرقية: و هي الواقعة في شرق نهر دجلة.

2- الأهوار الوسطى: و هي الواقعة في غرب نهر دجلة و شمال نهر الفرات.

3- الأهوار الجنوبية: و هي الواقعة في جنوب نهر الفرات و غرب شط العرب.

هنالك أيضا بعض الأهوار الدائمية تقع أسفل مدينة الشطرة و على شط الغراف الذي هو عبارة عن نهر يترك نهر دجلة من الكوت و يجري باتجاه الجنوب الغربي باتجاه الناصرية. و هنالك بعض الأهوار الموسمية من السهول الواقعة إلى شمالي شرقي مدينة العمارة حيث تتكون من الفيضانات الناجمة من نهري الطيب و دويريج اللذين يجريان من التلول الإيرانية ثم يتلاشيان.

و هنالك هور موسمي صغير في منطقة ألبودراج، على بعد خمسة عشر ميلا إلى شمال العمارة و إلى غرب نهر دجلة.

و في ذروة الفيضانات، تغطي قطع من المياه المنتشرة بقعا واسعة من الصحراء المجاورة للأهوار، تختلف أحجامها في كل سنة و تمتد إلى مسافات شاسعة بحيث تزيد على (200) ميل، من ضواحي مدينة البصرة إلى الكوت تقريبا. و عندما تنحسر مياه الفيضانات هذه تتحول معظم الأراضي المغمورة بالمياه إلى صحراء.

و في فصل الربيع، يسبب ذوبان الثلوج في قمم الجبال في إيران و تركيا بارتفاع منسوب مياه نهري دجلة و الفرات. و الأهوار تكوّنت من مياه‏

11

الفيضانات عبر قرون عديدة ماضية و من تدفق مياه هذين النهرين.

تأخذ الأهوار الشرقية و الوسطى مياهها من نهر دجلة، و إن 80% من تصريف المياه في بغداد تغور فيهما. فنهر الفرات نفسه يغور أسفل مدينة الناصرية بواسطة قنوات عديدة جدا، و تجري مياهها المتبددة تدريجيا إلى هور السناف ثم إلى شط العرب عبر مجرى نهر «كرمة علي» الواقع على بعد عدة أميال شمالي البصرة. و لا يزال المجرى القديم بين سوق الشيوخ و القرنة يعرف بإسم نهر الفرات. و في الحقيقة، إن المياه التي فيها ما هي إلّا مياه تسربت من ضفاف نهر دجلة اليمنى.

و إلى وقت حديث، كان الكثيرون يعتقدون بأن نهري دجلة و الفرات كانا يجريان بصورة منفصلة إلى الخليج و أن الطمى المتكون كان يدفع تدريجيا الطريق الساحلي أبعد فأبعد نحو الجنوب.

أما النظرية الحالية، فقدمها من البداية في سنة 1952 الدكتور.

(جي. إم. ليزG .M .Lees ) (و إن. إل. فالكون‏???.L .Falcon و هي أنّ تقل الطمى المتجمع يسبب ترسبا موازيا لسطح الأرض. و بقي معظم الطريق الساحلي على حاله دون أن يتبدل. يبلغ الفيضان السنوي ذروته على نهر دجلة من شهر مايس. و في نهر الفرات في شهر حزيران. و يبدأ النهران من شهر حزيران فصاعدا بالنقصان حتى يصلا إلى أدنى مستوى من شهر أيلول و تشرين الأول.

أما في شهر تشرين الثاني فيحدث ارتفاع طفيف في منسوبهما و يزداد الارتفاع طوال فصل الشتاء، و قد تحدث فيضانات قصيرة الأمد فجأة خلال فصل الشتاء و الربيع. أما الأهوار الوسطى فهي المنطقة التي بدأت أتعرف عليها بشكل أفضل، لأنني شرعت العمل فيها.

و في الحقيقة حسبت هذا المكان وطني، و خلال سنوات بقائي كان عليّ أن أزور كل قرية تقريبا، مهما كانت صغيرة، فزرت فعلا أكثرها مرات‏

12

عديدة. عندما كنت أحتاج لزورق لزيارة إحدى القرى، يأتيني به صبيانها الذين يستقبلونني كما يستقبلني رفاقهم من رجال القبيلة.

يبقى هؤلاء الصبيان طوال الوقت معي و تكون قراهم قواعد لي بعد عودتي من الزيارات. تنقلت تقريبا في كل أرجاء الأهوار الشرقية، لكنني ما عرفت الناس معرفة جيدة أبدا، لذلك بقيت غريبا مع أنهم كانوا يرحبون بي لأني كنت أساعدهم في الأمور الطبية. أما الأهوار الجنوبية فما رأيت منها إلّا النزر.

إنني مدين بالعرفان إلى جون فيرني‏John Verney لكل ما قدمه لي من المساعدات و النصائح لإخراج هذا الكتاب و ذلك خلال الأشهر التي كنت فيها معه في فلورنس. قرأ كل المسودات بأناة و صبر، و أجرى فيها التعديلات الكثيرة.

كما أنني مدين ل (فال فرينج بليك) و (جورج ويب)Val French Bla ???Georg Web فأقدم شكري الجزيل لهما لما قدماه من اقتراحات هامة و لتلطفه؟؟؟ بقراءة مسودات الكتاب. إن الذي حثني على كتابة هذا الكتاب هو كراهام واطسن‏Graham Watson ، و هو الذي تلقيت منه التشجيع الكثير و النصح الوافر. كما أنني أشكر أيضا شركة جيمس سنكلير التابعة لوايت هول التي أولت اهتماما كبيرا لتحميض التصاوير- طبعها-.

كما أشكر المستر كي. سي. جوردان‏K .C .Jordan الذي رسم لي الخرائط الموجودة في هذا الكتاب.

و أشكر موظفي متحف التأريخ الطبيعي و الكثيرين من الأشخاص الآخرين الذين ساعدوني و زودوني بالمعلومات.

ويلفرد فيسيجر

13

1- لمحة عامة عن أهوار العراق‏

كنا نمتطي ظهور خيولنا و نسلك أرضا منبسطة طوال النهار، و يرتفع الغبار من حوافر خيولنا إلى درجة تكاد تخنقنا. و كانت الأمطار قد انقطعت عن السقوط، كما يحدث كثيرا، فمالت النباتات النامية، و انكسرت فوق التربة، لم نجد على هذه الأرض المنبسطة أية أجمة و لا أية صخرة لتكون علامة بارزة لنقيس بها تقدمنا البطي‏ء باتجاه خط الأفق.

كانت سروج خيولنا من نوع السروج العربية المعتادة و هي صلبة بيت من بيوت سكان الأهوار

14

لكونها مصنوعة من الخشب. و الركائب تتدلى بعيدا إلى الخلف بحيث تجبرنا على الجلوس إلى الأمام و تنحصر بين الجزء البارز من السرج في الأمام و في الخلف، و هي أشبه بسروج رعاة البقر. و في الحقيقة، تركز اهتمامي على السروج و أيقنت من أن الأمريكيين هم الذين أخذوه من هذه الأشكال. فالعرب أدخلوا هذا التصميم إلى إسبانيا و منها أخذها الإسبان معهم إلى العالم الجديد.

بقينا على ظهور خيولنا و هي تسير سيرا اعتياديا لأن رفيقي كان يمتطيها لأول مرة. و رفيقي هذا هو دوكالد ستيورات‏Dugald Stevert ، نائب القنصل البريطاني في العمارة، و هو و إن كان بعمر (29) سنة إلا أنه كان شخصا ذا موهبة واضحة. و كان يقول على الدوام بأن ليس لديه أي طموح سوى إنهاء وظيفته كقنصل و بعدها يتمكن من الحصول على كل ما يريد من صيد البط الوحشي.

كنا نتبادل الأحاديث و نحكي ذكرياتنا عن (ايتون‏Eton ) كما يفعل طلاب كلية إيتون القدامى. كان رفيقي هذا طالب مدرسة، حصل على رايتين مدرسيتين على الرغم من إصابته بعرج و إجراء عمليتين جراحيتين صيّرتاه أسوأ من السابق، أما أنا فلم أحصل على أية راية مدرسية مع أني سليم الساقين.

أمضينا ليلتنا بين عشيرة البزون، افترشنا الأرض في خيمة ضيوف الشيخ بعد تناولنا وجبة فاخرة من الأرز و لحم الضأن.

و الخيمة مع أنها تستند على أحد عشر عمودا و هي واسعة جدا، و لا تختلف عن بقية الخيم السوداء الأخرى المصنوعة من شعر الماعز، و هذه الخيمة محاطة. بحاجز من جميع الجهات، إلّا أنها مفتوحة من جهة واحدة على طولها.

تتجه فتحات الخيم كلها بالاتجاه نفسه، و أمام معظمها تجد حصانا

15

راعي جاموس من عشيرة السويد المعدان‏

16

أو حصانين مربوطين و حولها مجموعة من الغنم و الماعز تجد قسما منها داخل كل خيمة.

راقبتها فرأيت الرعاء (الرعاة) الصبيان يسوقونها عند غروب الشمس، كل قطيع يسير داخل الغبار الذهبي المتصاعد. أما ثغاء الغنم طوال الليل فيحدث أصواتا و ضجيجا يرتفع نباح الكلاب على أثرها ثم يخفت.

كنت قادما من منطقة كردستان العراق متجها نحو الجنوب، و كنت قد ذهبت إليها لعلّي أجد فيها راحة البال، تلك الراحة التي كنت أعهدها في صحاري الجزيرة العربية الجنوبية، حيث عشت مع البدو هناك مدة خمس سنوات، و تنقلت معهم عشرات الألوف من الأميال في تلك الأراضي التي لا وجود فيها لأية عربة أبدا- حتى جاءت جماعات الزلزال، طليعة التقدم الحديث، للبحث عن النفط.

و في كردستان العراق، التي كنت أرغب في زيارتها على الدوام، كنت أمتطي صهوة الدواب و أقطع الجبال من طريق إلى آخر، يصطحبني خادم كردي، شاب، و لا أحد غيرنا.

و نشاهد في مسيرنا أشياء عجيبة و غريبة و أخرى لطيفة.

لا يزال الأكراد القاطنون في المناطق الجبلية يرتدون الملابس المحلية الزاهية- غطاء رأس مزركش و سراويل عريضه، و سترة قصيرة و كمر و حزام من القماش ذي الألوان المختلفة.

يضعون الخناجر على أحزمة بطونهم، و يتدلى المسدس من جوانبهم، و تتقاطع صفوف الرصاص المنقوشة على صدورهم و هي مليئة بالعتاد كنت أنام في قرى سطوح منازلها تكوّن أرضية لدار أخرى و هي تعانق سفوح الجبل حيث الدور ذات السقوف المسطحة ترتفع من سطوح الدور التي تحتها. كما كنت أنام في خيم البدو السوداء المنصوبة على قمم الجبل الأجرد، فأرى بعض أنواع الزهور بين الحشائش و أرى الثلوج المتبقية

17

راعي غنم نصب خيمة على الحافة الشمالية من الأهوار

تجرفها الرياح طوال فصل الصيف.

كنت أسلك الطريق الذي يعقّب الأنهار الجارية من خلال غابات البلوط، حيث الدببة تنبش الأرض في الأحراش بحثا عن الطعام. أراقب قطيعا من الوعل و هو يسلك طريقه على طول سلسلة صخرية ارتفاعها (3000) قدم، بينما تمرّ من فوقنا، في الفضاء، أعداد كبيرة من النسور، و الرياح تحدث صفيرا من اصطفاق أجنحتها.

و كنت قد رأيت فصل الربيع الزاهي في جبال كردستان، التي تنتشر على سفوحها و على جوانب الوديان فيها أنواع مختلفة من الزهور الجميلة الزاهية، تخالها بساطا زاهيا يسر الناظرين. و أتخمت من كثرة أكل العنب الطازج الملقى تحت أشعة الشمس أو في جدول الماء الجاري البارد.

و بعد أن شاهدت كردستان العراق لم تبق لديّ رغبة بالعودة إليها. فالسفر محدود جدا إليها كما هو الأمر بالنسبة للبحث عن غزلان الغابة الجبلية.

18

تقع تركيا عبر هذا المجرى من النهر، و تقع إيران وراء ذلك المجمّع من المياه، حيث ترى الشرطي ينتظر ببزته الرسمية في المضايق و يدقق سمات المرور، و التي ما كنت أحملها.

مضى من عمري خمسون (50) سنة، فلو كنت في مقتبل العمر لسلكت الجبال من راوندوز إلى (أورميا) ثم إلى (وان)، إلا أن وجود قطاع الطرق و العشائر المعادية وقف حائلا دون ذلك.

و الأهوار التي أتجه إليها الآن هي، باعتراف الجميع، منطقة أقل سعة من المنطقة التي تؤلف منطقة كردستان الجبلية في العراق، و لكنها عالم كامل بحد ذاتها و ليست جزءا من عالم أوسع. و قد منعت من الدخول إلى بقية أجزائها.

و فضلا عن ذلك، فإنني أحب العرب و ربما لهذا السبب لا أكنّ حبا للأكراد حقيقة. فالناس هناك لا يعجبونني و لو أن المناظر الجبلية تعجبني خيمة الشيوخ لأحد شيوخ آل عيسى‏

19

جدا و تروق لعيني.

و أعترف أن المانع كان بسبب جهلي لغتهم، و لكن، حتى لو كنت أتكلم لغتهم، فإني كنت أشعر بأنني لا أزال أكرههم.

و لما كنت أفضّل كثيرا حب الناس على حرب الأماكن، لذلك عدت إلى العرب بناء على هذا السبب. و في اليوم الثاني ركبنا خيولنا و إتجهنا صوب الجنوب قاصدين الأهوار هذه المرة، عبر أرض منبسطة. توقفنا عن السير عند الظهيرة لدى بعض العرب القاطنين في الخيام لتناول الطعام و لتبديل الخيول.

ركب زميلي دوكالد حصانا جميل المنظر، رمادي اللون، إلّا أنه حرون، و عندما اعترضت و قلت بأن هذا الحصان هو أفضل من غيره، ظن الشيخ، على ما يبدو، بأنني أريد أن أمتطيه لذلك قال لي بأنه من أجل القنصل.

سرنا، و بعد فترة وجيزة، و خز دوكالد الحصان بكعب قدمه من دون عمد فانطلق الحصان بسرعة. و لكي ينقذ القنصل نفسه، ترك العنان و مسك بقوة بكلتا يديه القسم البارز من السرج ثم تبعه رفاقنا بالسير جنبا لعلهم يلحقون به و يحولون دون سقوط راكبه. ثم أدركنا بأن عملنا هذا من شأنه أن يثير الحصان و يهيجه لذلك أمرتهم بالتوقف عن الجري.

أما دوكالد، فقد أخرج كلتا قدميه من الركاب و أصبح سقوطه من على ظهر الحصان حتميا بين لحظة و أخرى. فاستبد بي الخوف و القلق لأن السقوط سيكون مروعا و خصوصا إذا كان على أرض صلبة. إلّا أنه لم يسقط، بل وقف الحصان منهوك القوى، بعد أن قطع مسافة ميلين تقريبا، و ما زال دوكالد ممسكا بالسرج بقوة بكلتا يديه، اللتين أصيبت راحتاهما بالخدوش بسبب المسامير التي كانت تزين القسم البارز من السرج و قال «إنني بخير، و لكن أفضّل السير مشيا على الأقدام». و لم نحثه على استبدال حصانه لأننا غير متأكدين من استجابة الخيول لراكب غريب.

20

الشيخ مزيد بن حمدان شيخ عشيرة آل عيسى‏

21

واصلنا السير و الشمس ما زالت عالية، و رأينا شقوقا عميقة على الأرض، ظهرت من بعد إنحسار مياه الفيضانات الماضية التي غمرتها و غطتها، و كان دوكالد يترنح و يتمايل في مشيته و هو يئن و يتأوه الأمر الذي حدا بالشيخ أن يلتمس مني بأن أقول لصاحبي أن يكفّ عن أنينه و تأوهاته و أن يخلد للسكون. أدركنا غروب الشمس و لم نعثر على أي أثر للأهوار أو للقرى التي نقصدها، إلا أننا لمحنا من بعيد أضواء تتلألأ و خصوصا عند اشتداد الظلمة ..

كانت عشيرة البزون قد أخطرت الشيخ مزيد بن حمدان شيخ عشيرة آل عيسى بأننا متجهون إليه، فأصبح يتوقع وصولنا في كل لحظة. و لما تأخرنا، بعث مجموعة من أتباعه للبحث عنا. و حينما التقينا بها، قادتنا إلى خيام الشيخ المنصوبة على حافة الأهوار. و هنا كنا نحس بوجود المياه خلفنا دون أن نراها.

خرج الشيخ مزيد بنفسه ليرحب بمقدمنا، فرأيته شابا صغير الجسم، ممتلى‏ء البدن، قوي البنية، منتصب القامة، تدل هيئته على النبل و النفوذ.

وجدنا خيمة الضيوف مضاءة بالفوانيس، مليئة بالرجال، معظمهم مسلحون بالبنادق.

و حينما دخلنا الخيمة نهض الجميع، و أشار الشيخ مزيد إلينا بأن نجلس قبالة الموقد، ثم أخذ يسأل الأسئلة التقليدية حينما كنا نرتشف القهوة و نحتسي الشاي، و هي أسئلة عامة عن الصحة و الأحوال و عن الرحلة. أما رجاله فكانوا جالسين جلسة معتدلة و هم سكوت لا ينبسون ببنت شفة لأن الشيخ هو المتكلم الوحيد.

نحن الآن في حضرة عرب الصحراء، و هم دوما يتمسكون بالشكليات جهارا و يشعرون بمنزلتهم و مقامهم الرفيع. تناولنا عشاءنا الذي جاءوا به بعد ساعة من الزمن، فأدخلوا الصواني الكبيرة و هي مليئة بالأرز و فوقها

22

كمية كبيرة من لحم الضأن. لم يكن الطعام لذيذا غير أن طعام العرب كميّ لا نوعي.

أكلنا نحن الأربعة مع الرجال المسنين، ثم نادى الشيخ مزيد على الآخرين بالأسماء بأن يتقدموا لتناول العشاء. أما هو و لأنه المضيف، فقد انتظر إلى أن إنتهى الجميع. كانوا يجلسون إلى المائدة بوجبات. و عندما انتهت الوجبة الأخيرة من طعامها، نادى الشيخ مزيد الأطفال الذين ينتظرون في الظلام خارج الخيمة.

كان أصغرهم سنا عاريا تماما، لا يزيد عمره على ثلاث سنوات، ملأوا بطونهم بالأرز الباقي، و كانوا ينهشون العظام التي جرّدت من اللحم و فرغت الصينية من الأرز، الذي ملأوا به الأواني التي جلبوها معهم.

و أخيرا ألقوا بالعظام إلى الكلاب.

و قبيل الانتهاء، لاحظت القهواتي يجتزى‏ء لنفسه شيئا من الطعام و يضعه في طبقه بالقرب منه، أما الشيخ نفسه فإنه إنزوى جانبا و بدأ يتناول طعامه القليل، بينما قدمت لنا القهوة و الشاي.

راقبته في اليوم التالي وقت الطعام و هو واقف أمام الخيمة حتى يتأكد بنفسه أنه لم يعبر أي فرد من أمام خيمته دون أن يدخل فيها. و كان يذبح الغنم مرتين في اليوم إلى ضيوفه الذين قد يبلغ عددهم المائة شخص.

لا تزال هذه العشائر الرعوية تتمسك بهذه العادات.

و هي التي تعطي فكرة عن عادات رجل من آل عيسى‏

23

العرب في صحارى الجزيرة العربية. و في السنوات التالية، عدت مرات عديدة، إلى خيمة ضيوف الشيخ مزيد وزرت مخيمات كثيرة أخرى تعود لعشيرته. كنت أهرب خلال أشهر الصيف السيئة من الأهوار، مستعيرا الخيول، و أتوجه نحو القبائل التي تربي الأغنام.

و قد تعرّفت على معظمها: بني لام، البزون، آل عيسى، البوصالح و قبائل أخرى غيرها.

تجتاز بعض العشائر الحدود في فصل الربيع و تنتقل إلى التلال الواقعة في أسفل الجبال في الأراضي الإيرانية حيث تكثر فيها الحشائش الطرية، كما ينتقل الآخرون إلى المملكة العربية السعودية و إلى ضواحي الكويت خلال فصل الشتاء.

يقوم الرجال و الصبيان برعي الأغنام و الماعز، بينما تقوم النسوة المرتديات الملابس السوداء بنقل الأحمال على ظهور الحمير و معهنّ الخيام و أعمدتها و السجاجيد و الفرش و صناديق خشبية صغيرة و المواقد و الصحون و الكتالي.

و كثيرا ما كنت أراهم من خلال السراب و هم يتنقلون عبر الأرض المنبسطة الخالية التي تبدو كالبحر. و بعد وجبة الطعام، أخذنا الشيخ مزيد إلى داخل صريفة مجاورة و مشيدة من القصب و الحصران، فرشت فيها الفرش و البسط الملونة حتى ننام فيها. و هذه خلوة غير متوقعة لذلك كنت وزميلي دوكالد له من الشاكرين.

كان الهواء البارد الذي يهبّ علينا و نحن في هذه الصريفة، طوال الليل ينعشنا و كنت أسمع صوت تلاطم الأمواج على الساحل و أنا على وشك النوم.

و عندما خرجت من الصريفة وقت الفجر، شاهدت بحرا من المياه الشاسعة، تتلاطم أمواجه، و وراءه قطعة من الأرض، تبدو سوداء، قبالة شروق الشمس. فلاح المنظر لعيني كأنه شبح الحفيض، تلك الجزيرة

24

الأسطورية التي لا يستطيع أي فرد أن ينظر إليها و يبقى سليم العقل.

و لكن، سرعان ما أدركت بأنني أنظر إلى أرض واسعة مفروشة بالقصب.

كما رأيت زورقا أنيقا مطليا بالسواد، له مقدمة عالية، يرسو أمامي- هذا هو زورق الشيخ الحربي جاءوا به لنذهب سوية لمشاهدة الأهوار.

و قبل أن تبنى القصور الأولى في أور، كان الرجال يخرجون من مثل هذا البيت عند الفجر يبحرون بمثل هذه الزوارق من أجل الصيد. اكتشف المستر فولي‏Voolley . مساكنهم و نماذج من زوارقهم المدفونة تحت أعماق خرائب السومريين. و هذه المكتشفات هي أكثر قدما من عهد الطوفان. فهنا يكمن تأريخ خمسة آلاف سنة، و الزوارق لا تزال باقية على شكلها القديم.

بقيت ذكريات زيارتي الأولى إلى الأهوار عالقة في مخيلتي تأبى أن تغادرني. و ما تلك الذكريات إلّا عبارة عن ألسنة النار المسلطة على أنصاف الوجوه، و صياح الأوز و رفرفة أجنحة البط و هي تهمّ بالطيران لتبحث عن الطعام، و صوت صبي يغني يأتي من مكان بعيد في الظلمات، و حفيف الزوارق و هي تمخر المياه في احتفال مهيب و موكب بديع، مغيب الشمس التي تظهر للعيان بلون قرمزي من خلال الدخان المتصاعد من إشتعال القصب، و الطرق النهرية الضيقة التي تتلوّى نحو أعماق الأهوار، منظر رجل عار في الزورق ورمحه (فالته) بيده. الطرائف المشيدة فوق المياه، و الجواميس السوداء المستحمة بالمياه، و التي تبدو كأنها عجول البحر خرجت من المستنقعات إلى أول أرض يابسة، و لألأة النجوم من السماء نراها منعكسة على المياه الداكنة و أصوات نقيق الضفادع كأنها أنغام موسيقية و الزوارق و المشاحيف و هي عائدة في المساء، و السلام المتواصل و الهدوء و السكينة في عالم الأهوار الذي لا يعرف المكائن و الآلات و ضجيجها.

و مرة أخرى شدّني الشوق لأسهم في هذا النمط من الحياة، و أن أكون هذه المرة أكثر من مجرد شخص متفرج.

25

2- الرجوع إلى حافة الأهوار

بعد ستة أشهر كنت أتنقل على ظهر زورق مبطن بقير، تتسرب إليه المياه و كنا نسلك أحد فروع نهر دجلة و نحن متجهون نحو الأهوار و يجذفه شخصان من العرب، كان أحدهم رجلا عجوزا، قد و خط الشيب رأسه، نحيل الجسم هزيلا جدا، يرتدي ثوبا مرقّعا، ضاع لونه، يصل إلى تحت الركبة قليلا. أما الآخر فكان ممتلى‏ء الجسم، صبيا، عمره خمس عشرة مغيب الشمس على حافة الاهوار

26

سنة، أحول العين، يرتدي سترة قديمة فوق دشداشة بيضاء، تمنطق بالحزام حتى لا تسحل على الأرض.

يضع كل واحد منهما على رأسه كوفية (يشماغا) من النوع الذي يرتديه بشكل عام رجال العشائر من الشيعة في جنوب العراق، و هي عبارة عن قماش مساحته ثلاثة أقدام مربعة و اسمه الشائع اليشماغ.

و بما أنهم لا يعتمرون العقال الأسود، فإنهم لفّوا هذا اليشماغ على شكل مثلث و وضعوه فوق الرأس.

كان العجوز يجلس في مؤخرة الزورق العالية، و جلست أنا في بطن الزورق متربعا على قطعة من الحصير و وضعت أمتعتي أمامي، و التي هي عبارة عن صندوقين من التنك الأسود اللون، إحداهما ملى‏ء بالأدوية و الآخر بالكتب و الأفلام و خراطيش العتاد و غيرها من الأشياء. و وضعت فوق الصندوين كيس سرج كردي محاكا من ألوان زاهية فيه بطانيات و ملابس زائدة. ثم وضعت إزاءها بندقية الصيد عيار 275، و هي داخل غطاء من الجنفاص.

النهر الذي نسلكه بعرض (30) ياردا، سريع الجريان و عميق، كانت أصابع يدي تلامس سطح الماء حينما كنت أمسك بجوانب الزورق. و يهبّ نسيم بارد من أعلى المجرى بحيث يرفع موجات من الماء الذي يتطاير إلى وجهي و أمتعتي.

جلست ساكنا بدون حراك، لأنني إقتنعت من أنّ أية حركة تبدر مني تتسبب في انقلاب الزورق. و كنت أرى هذين العربيين يديران دفة الزورق بدون اكتراث و قد حافظا على موازنة الزورق.

توقف الصبي عن التجذيف ثم حبا إلى بطن الزورق ليستظل ثم أشعل سيكارة. و نهض العجوز و أخذ يجول بنظره كأنما يبحث عن صديق يعمل في الحقول. و لم أستطع، و أنا في بطن الزورق، أن أرى أي شي‏ء سوى‏

27

الحافات المنحدرة لضفتي النهر و الذي يبلغ ارتفاعها (4) أقدام.

كانت السواقي المخصصة لجرّ المياه من النهر تعترضهم بكثرة و بشكل متعاقب و هي تختلف من حيث الحجم. و أرى في رأس كل ساقية كومة من البعرور، الواحدة منها بطول قدمين أو ثلاثة أقدام، و أصبح لونها كالتراب مائلا إلى الزرقة و الاخضرار.

رأيت السلاحف تنزلق من أماكنها على الضفتين و ترمي بنفسها إلى الماء الذي أراه بلون رمادي. كان بعض السلاحف مسطح الشكل، له ترس طري، طول الواحد قدمان على الأكثر ثم يتموج هذا السطح عند الحافات أثناء السباحة. و بعضها الآخر صغير يشبه السلحفاة العادية كثيرا.

و تمرق الطيور المرقطة الصائدة للذباب من فوق رؤوسنا، أو نراها معلقة في السماء، ترفرف بأجنحتها بشدة قبل الانقضاض.

و الحدأة تدور فوق رؤوسنا، و سرب من الغربان يطير من الأرض الزراعية الكائنة خلف الضفتين محدثا ضجيجا و صخبا عاليا.

و الضباب المنخفض متسلط فوق رؤوسنا يحيل كل شي‏ء إلى لون أسمر كالتراب. مررنا بقرية صغيرة ذات أكواخ من القصب، داخل الأهوار

28

و هي رمادية اللون تبدو كأكوام غيّرتها الأحوال الجوية، و رأينا النساء المرتديات الثياب السوداء و هنّ يغسلن الأواني و الصحون على حافة النهر بين أسطول من المشاحيف السوداء الراسية على الضفة الموحلة.

خرج أحد الرجال من الكوخ و صاح به صاحبنا العجوز قائلا «السلام عليكم». فأجابه الرجل قائلا: «و عليكم السلام» ثم أردف قائلا: «ملحوا» [أي انزلوا و تناولوا الطعام‏]. فأجبناه قائلين «كفو! الله يحفظك». و تسابق في هذه الأثناء ستة كلاب على طول الساحل بجانبنا، و هي تنبح و تكشر عن أنيابها إلى أن توقفت بسبب وجود حفرة عريضة لا تستطيع إجتيازها.

و في ذلك اليوم، كنت قد غادرت مدينة العمارة في الصباح، و كان ذلك في الأسبوع الأول من شهر شباط سنة 1951، و كنت إستأجرت مشحوفا في المجرى الكبير ليأخذني إلى مسافة خمسة أميال على طول مجرى النهر قاصدا دار الشيخ فالح بن مجيد الخليفة الواقع على حافة الأهوار. كان والده أحد الشيخين البارزين من عشيرة البو محمد الكبيرة، إذ يبلغ تعدادها مقدار (000، 25) مقاتل. و كنت آمل أن أقضي عدة أشهر في الأهوار. و كان دوكالد ستيوارت قد أخبرني بأن الشيخ فالح هو أفضل شخص يستطيع مساعدتي.

جلست القرفصاء في بطن المشحوف و أنا غير مرتاح، و كنت أجول بنظري فيما حولي مستغلا استداراتنا مع تعرجات النهر لعلّي أرى الأهوار و لكن دون جدوى، و ما كنت أرى غير النهر الرمادي اللون الذي يجري في أرض منبسطة.

و بعد استدارة أخرى، انقسم النهر إلى قسمين، فرأيت أمام القسم الرئيس من النهر صفا طويلا من المساكن المبنية من القصب بشكل جيد، و من خلف هذا الصف من الدور، و في أرض مكشوفة رأيت دارا بدور واحد، مبنيا بالطابوق، سطحه مستو، يشبه القلعة.

29

و رأيت شيئا أدهشني. بناء مشيدا من البراميل و سقفه من الحصير، عسليّ اللون، و في كل طرف أربعة أعمدة مستدقة الشكل على خط سقف البناء. كان البناء مشيدا على أرض بين جدولين، فقال لي العجوز «هذا هو مضيف الشيخ فالح». و رأيت صبيا يقف أمام الدار، سرعان ما دخل حين رآنا، ثم خرج بعد فترة و جيزة عدد من الرجال لاستقبالنا.

أشار صاحبي العجوز إلى رجل سمين، يرتدي عباءة سوداء، جيدة الصنع فوق معطف من قماش غامق اللون ثقيل و هو يقول: «هذا هو الشيخ فالح».

و حالما لامست مقدمة المشحوف الساحل قفز الصبي منه بمهارة و مسك المشحوف الذي بدأ يهتز و يتأرجح على الشاطى‏ء. ثم خرج العجوز من المشحوف و تقدم نحو الشيخ فالح و قبّل يده و قال له «إنكليزي من العمارة يا محفوظ».

ألقى الشيخ فالح نظرة عليّ و قال «مرحبا بك» فرأيته شخصا ذا نفوذ، ذا وجه رجولي، محلوق ما عدا الشارب، له حاجبان كثيفان سوداوان ملائمان أنفه الكبير البارز. وجهه مؤطر بطيات الكوفية التقليدية البيضاء المرقطة بالسواد، و يضع على رأسه العقال الأسود.

و لما نهضت، تمايل الزورق و انسكب الماء من فوق القسم العلوي منه، فقال فالح: «انتظر لحظة» ثم وجه كلامه إلى العربيين قائلا لهما «أسرعوا- ساعدوه» ثم مدّ يده القوية جذبني إلى الساحل و هو يكرر قائلا «مرحبا بك». ثم التفت صوب رجل يقف بجانبه و أمره قائلا: «دير بالك.

شوف جابوا حاجبات الإنكليزي إلى المضيف؟» ثم قادني نحو باب الدار و قال لي «أهلا و سهلا بك. تصرّف كأنك في بيتك». و بعد أن نظفت حذائي مررت من بين الأعمدة و هي بطول ثمانية أقدام، كل واحد مؤلف من حزمة من القصب السميك، سيقانها المنظفة من الأوراق محكمة الربط

30

بحيث يبدو سطحه ذا ملمس ناعم و مصقول.

وجدت القاعة الكبيرة مليئة برائحة الدخان خافتة الضوء بحيث لا يمكن مقارنته بالشمس اللمّاعة في الخارج. و شاهدت الرجال واقفين بمحاذات جدران القاعة فقلت لهم «السلام عليكم» فأجابوا جميعا «و عليكم السلام» ثم جلسنا على سجاد مزركش الألوان فرش فوق الحصير ثم جلس الآخرون في أماكنهم متكئين على طول الجدران. و وضع المسلحون بنادقهم أمامهم. لاحظت وجود سجادتين قديمتين لطيفتي الشكل. باللون الأزرق و الذهبي وضعتا في آخر القاعة أبعدهما الشيخ إلى ذلك المكان استبدلتا بأخريين جديدتين من أجل جلوسنا.

و رأيت في الطرف البعيد أيضا، قبالة الجدار، صندوقا خشبيا.

و بالقرب من المدخل كوزا كبيرا من الفخار مملوءا بالماء يستند إلى إطار خشبي، و لم أشاهد أثاثا آخر. يقع الموقد على بعد ثلث الطريق إلى القاعة و في وسطه. و هنا في الموقد ترى صفا من دلالة القهوة، يبلغ عددها إثني عشرة دلّة، أكبرها بارتفاع قدمين.

و وفقا للطريقة العربية، يجري تفريغ ترسبات الخمائر السابقة في هذه الدلّة الكبيرة. أما القهوة التي تكون على شكل سائل فتصبّ في الدلال الأخرى الأصغر منها. توضع القهوة الجديدة المخمرة في أصغر دلّة و تكون جاهزة على الدوام عند وصول أي ضيف بارز.

كان يجلس بجانبي رجل عجوز و هو الوحيد الذي لم يلبس العباءة.

كان يشغل نفسه بإعداد القهوة. فحالما تتحمص حبات القهوة يبدأ بسحنها من داخل هاون نحاسي صغير و يبدأ بضربها حسب إيقاع إعتاد عليه. و هذا الصوت اللطيف يدل على أن القهوة في مضيف الشيخ جاهزة. و يحق لكل من يسمع هذا الصوت المجي‏ء إلى المضيف.

راقبت هذا الشخص فرأيته ينهض و بيده اليسرى دلّة القهوة و فنجان أو

31

فنجانان صغيران من صنع الصين في يده اليمنى. و هذا الفنجان أكبر بقليل من كأس تجويف البيضة اقترب من الشيخ فالح فصبّ عدة قطرات في الفنجان الأول و قدّمه له، لكنه أمره بأن يقدّم القهوة لي أولا. و أنا بدوري رفضت ذلك، و لما أصرّ الشيخ فالح، شربت القهوة، بينما صب القهوة في الفنجان الثاني و قدمه للشيخ.

كانت القهوة مركّزة و طعمها مر. و بما أنني أعرف عادات العرب جيدا، تناولت ثلاث مرات قبل أن أهزّ الفنجان هزّة خفيفة لأبين له بأنني اكتفيت.

ثم بدأ القهواتي يتنقل ببطء في القاعة مقدما القهوة إلى الآخرين حسب ترتيب مركزهم من الأهمية. ثم قدم الشاي لي و لصاحبيّ اللذين أوصلاني بالزورق و إلى الشيخ فالح في إستكانات مذهبة.

و في هذه الأثناء دخل أكبر أولاد الشيخ فالح إلى القاعة و يبلغ من العمر ست عشرة سنة. شاهدت أنفه كأنف والده، غير أن وجهه أقل استدارة و أضعف من وجه أبيه، قدّمه الشيخ فالح لي قائلا: «خادمكم» و أمره بأن يشرف على إعداد الغداء، ثم وجه كلامه إلي قائلا: «إنني خجلان لعدم تقديمي الطعام المناسب لك لأنك أتيت بدون أن تخبرني، أعذرني. أرى أن تأكل كل ما يقدم لك من الطعام الجاهز أفضل مما تنتظر حتى نذبح لك شاة لأنك جائع حتما الآن من بعد هذه الرحلة الطويلة».

و السكوت لفترات طويلة في مجالس العرب عادة غير مستحبة أبدا بين الضيف و مضيفه. سألني الشيخ فالح مرتين أو ثلاث مرات قائلا:

«كيف حالك؟» فأجبته «الحمد للّه» ثم يسألني أيضا أكثر من مرة «هل كانت سفرتك مريحة؟» فأجبته «كانت مريحة جدا و الحمد للّه».

لم يتفوه أي فرد من الجالسين بأي كلام ما عدا الشيخ. رأيته ينهمك بتصريف شؤون العشيرة لأن المضايف هي غرف للمقابلات حيث يجلس الشيخ صباحا و مساء يدير فيها أمور العقارات و يحسم الخلافات‏

32

و المنازعات بين أفراد عشيرته.

يملك عدد قليل من الشيوخ، مثل الشيخ مجيد الخليفة، والد الشيخ فالح، أملاكا واسعة جدا بحيث يجنون من ورائها مئات الألوف من الجنيهات سنويا. و كانت الأراضي، فيما مضى، تعود إلى العشائر. و يحكم الشيخ ما دامت عشائره تتبعه. غير أنه في السنوات الأخيرة كان الشيوخ يتملكون الأراضي فعلا. فأصبح الآن بين العشائر المستوطنة أصحاب أراضي بينما قلّ شأن رجال العشائر فأصبحوا عمالا، يزرعون الحقول مقابل حصة من المحصول بدون أي ضمان في امتلاكها. تعود ملكية كل الأراضي في لواء العمارة نظريا إلى الدولة، و هي التي تؤجرها بعقود إلى الشيوخ. و يدفع هؤلاء الضرائب المترتبة عليهم فيعتبرونها عند ذاك أراضي تعود لهم و لن يسأله أحد عن شرعية ذلك ما دام متنفذا.

و المفروض أنه لا ينبغي أن تكون للشيوخ سلطات قضائية إلا أنّ قضايا قليلة بين رجال العشائر (ما عدا قضايا القتل، و لكن ليس هذا دائما) تأخذ طريقها إلى المحاكم الحكومية.

و يفضّل رجال العشائر تحكيم الشيوخ الذين يعرفونهم في مقاضاة الموظفين الذين ليس لهم أي شي‏ء مشترك معهم، و أنه بوجه عام، ترضى الحكومة بأن تبقى بعيدة عن مشاكلهم و قضاياهم فلا تتدخل. عالج الشيخ فالح عدة قضايا. فأصدر أوامره بوجوب تقوية السداد الترابية قبل ارتفاع منسوب المياه. ثم بحث مسألة تخصيص قطعة أرض زراعية للأرز للمحصول القادم. ثم أنذر أحد الأشخاص بأن يدفع حصة غلاله التي لا تزال غير مدفوعة.

و على أية حال، بعد أن وجدت من الصعب تتبع اللهجة العامية، بدأت أتفرس في وجوه المقاتلين و أدرسها. فلفت نظري إختلاف أشكالهم و تراكيبهم العريضة و الضخمة عن أشكال البدو و تراكيبهم من سكان الجزيرة

33

العربية اللطيفة- اختلاف بين حصان جر العربات و بين الحصان الأصيل-.

و لكن من الصعب أن يكوّن المرء فكرة عنهم تحت ظروف كهذه.

كان كل شخص يجلس بهدوء و قد لفّ العباءة على جسمه، و وضع الكوفية و العقال فوق رأسه، ذلك العقال الأنيق في هذا الجزء من البلاد. و لفت نظري أيضا أنهم أناس دمثوا الخلق و ظرفاء، و هم مستعدون لقبول الضبط، غير أنني شككت في أنهم سيكونون عنيدين و سريعي الغضب إذا ما أثيروا.

كان المضيف، الذي قسته فيما بعد، بطول ستين قدما و بعرض عشرين قدما و بارتفاع ثمانية عشرة قدما. لكنه كان يعطي انطباعا بأنه أكبر بكثير من هذه القياسات و خاصة عندما دخلت فيه لأول مرة.

و يستند السقف على أحد عشر قوسا و هي على غرار الأعمدة الموجودة في المدخل مصنوعة من جذوع القصب الضخم، تربط سوية ربطا محكما بحيث تصبح محيطة بالمكان الذي يبرز فيه من الأرض (9) أقدام و محيطه من القسم العلوي 5/ 2 قدم.

و لا حظت بأن القصب يمكن أن ينمو حتى يصل إلى ارتفاع خمسة و عشرين قدما. و يجري ربط حزمات أخرى من القصب بعضها فوق بعض على طول البناية بأسرها خارج الأقواس حتى يكمل الهيكل الخارجي بحبال قطرها عقدتان.

إن هذا التباين بين هذا التضليع الأفقي و شكل الأقواس العمودية يعطي منظرا يلفت النظر.

أما السقوف نفسها فهي مغطاة بحصران من القصب، تشبه تلك المفروشة على أرضية القاعة و محاكة حتى الأضلاع بطريقة بحيث تضمن أنها تبدو على شكل أربع طبقات. كانت جوانب القاعة بلون ذهبي باهت، غير أنّ لون السقف كان غامقا بسبب الدخان فأصبح بلون الكستناء الغامق و يظهر بشكل كأنه مصبوغ.

34

قرية الرفيعية- تقع على الحافة الشمالية من الأهوار

و بإشراف ابن الشيخ فالح ظهر عدد من الخدم و وضعوا أمامنا حصيرة مستديرة الشكل، قطرها خمسة أقدام تقريبا، محاكة بالأسل الناعم.

و وضعوا فوق الحصيرة صينية مستديرة أيضا، فيها تل من الأرز. كما وضعوا عددا من صحون المرق المؤلف من الخضار، و ثلاث دجاجات محمصة، و سمكا مشويا و تمرا بالإضافة إلى صحون فيها المحلبية و أقداح فيها اللبن المخفوق و أوعية فيها الشربت.

و في هذا الوقت، كان معظم الجالسين قد غادروا المضيف. و كنت أتوقع أنهم سيمكثون لأن العرب من العشائر تجتمع عادة عندما يكون الطعام جاهزا. غير أنني عرفت فيما بعد بأنه في هذه الأجزاء من البلد يبقي الشيوخ من العشائر البدوية فقط دورهم مفتوحة في خيم الضيوف. أما الآخرون، ما عدا في مناسبات خاصة، فإنهم يتوقعون من أن أتباعهم يتناولون طعامهم في بيوتهم و يطعمون المسافرين القادمين من أماكن بعيدة فقط.

و الآن رأيت فقط ثلاثة رجال كبار السن ضيوفا بالإضافة إلى ثلاثتنا- أنا و رفيقاي أصحاب الزورق.

35

تناول الشيخ فالح و ولده الطعام معنا. و جلب أحد الخدم إناء و إبريقا فيه ماء فغسلنا أيدينا بالتعاقب الواحد بعد الآخر. ثم قال الشيخ فالح:

«هيّا. خذوا راحتكم. كأنكم في داركم». و بدأ يوزعها علينا. فوضع قطعة كبيرة في صحني الذي جي‏ء به بشكل خاص و فيه ملعقة و شوكة.

و لما شاهدت الجميع يأكلون بأيديهم من الصينية الكبيرة، بدأت أنا أيضا أتناول طعامي مثلهم. فقال لي الشيخ فالح: «إستعمل الملعقة و الشوكة لأن ذلك سيكون أسهل لك». لكنني قلت له بأنني كنت أتناول طعامي لسنوات طويلة بيدي فتعودت على الطريقة التي يستعملها العرب فأجاب على ذلك قائلا: «إذا أنت واحد منّا».

و بعد الانتهاء من تناول الطعام بدأنا نغسل أيدينا مرة أخرى ثم قدموا لنا القهوة و الشاي. و بعدما لاحظت بأن الشيخ فالح ينظر إلى بندقيتي، ناولته إياها قائلا له أن يعطيني رأيه فيها لأن كل رجال العشائر لهم ولع شديد بالسلاح.

جسّ ثقلها و أمعن النظر فيها ثم صوب بها ثم قال «هذه بندقية جيدة». و في الحقيقة كانت بندقية جيدة. ثم سأل عن قيمتها و هي عادة متبعة عند العرب.

و أخيرا، مثلما كنت أتوقع، سألني عن خططي. فقلت له بأنني أريد الذهاب إلى الأهوار حتى أرى المعدان.

«هذا سهل. سأبعثك إلى قرية قباب، و هي قرية كبيرة في قلب الأهوار. و منها جلبوا لنا القصب لبناء هذا المضيف، و للشيخ مجيد، والدي، ممثل هناك. فإذا أردت أن تمضي ليلتك هناك فإنه يملك دارا مناسبا. و في هذه القرية يمكنك أن ترى كيف يعيش المعدان، لا تجد فيها سوى الجاموس و القصب و المياه. يمكنك أن تتجول هناك بالمشحوف فقط. لا توجد أرض يابسة فيها، و هنالك البط إذا أردت أن تصيد».

شكرته على ذلك و قلت له بأنني أريد أن أمضي عدة أشهر بين المعدان.

36

«قباب هي المكان الجيد.

و صدام له مضيف فيها، و المعدان يعيشون كما تعيش جواميسهم» ثم استمر قائلا «بيوتهم نصفها تحت المياه، مليئة بالبعوض و البرغوث، فإذا جرّبت و نمت في أحد بيوتها ربما يدوس وجهك الجواميس خلال الليل.

و المعدان هم أناس فقراء، لا يملكون الطعام المناسب، و كل أكلهم من الأرز و اللبن. الأفضل لك أن تمكث هنا حيث يمكنك زيارة الأهوار من قلب الأهوار بالقرب من بحيرة زكري‏

حيثما شئت و متى ما ترغب. عندي قوارب و رجال يأخذونك إلى أي مكان تريده. أمكث هنا في الليل و اقضي نهارك في الأهوار. هذا هو الشي‏ء المعقول الذي يجب أن تفعله».

قلت له بأنني قد أمضيت من قبل عدة أيام في الأهوار مع القنصل في العمارة في السنة الماضية. عدت الآن لأنني مولع بالمعدان و أريد أن أعرف الشي‏ء الكثير عنهم، و لا يمكنني ذلك إلا بالعيش بينهم «كنت أتنقل على الدوام في حياتي في أماكن موحشة، و تعودت على العيش بدون راحة. أمضيت السنوات الخمسة الأخيرة في الربع الخالي. العيش صعب هناك. و كنت دوما أشعر بالجوع و العطش. أما هنا، على أية حال،

37

سأحصل على كل ما أريده من الماء».

ضحك الشيخ فالح و قال: «نعم، و اللّه، لن تكون في عوز للماء.

ستنام فيها، أنتم الإنكليز قوم عجيبون! ليلة واحدة في الأهوار هي كافية لي حينما يتوجب مني الذهاب إلى هناك لقضاء الأشغال التي تتعلق بالمشيخة.

لا أنام هناك من أجل المتعة. و على كل حال، أمكث معي يوم غد ثم أرتب مستلزمات الصيد لتخرج إلى صيد الخنازير. سأبعثك إلى قرية قباب بعد غد و أطلب من صدام بأن يهتم بأمورك و يعتني بك. و لا بدّ و أن تتجول هذه الليلة معي في المزارع لأرى عما إذا كنت قادرا على صيد بعض طيور الحجل. سأتوكل الآن لكي تستريح».

ثم سألني قائلا: «هل اصطدت يوما خنزيرا؟. كن حذرا، إنها حيوانات خطرة، ففي الأسبوع الماضي هاجمت إحداها شخصا و قتلته بالقرب من هذا المكان بينما كان ينظر إلى زرعه. إنني أشك أن نجد خنزيرا هذا اليوم. و لكن لا بدّ أن نجد بعض طيور الحجل».

كنا نسير برتل مفرد على طول حاجز ترابي يحادد قناة ري واسعة و يؤدي إلى بستان نخيل يلوح لأعيننا مظلما إزاء السماء. و هذا الحاجز الذي صنعه الإنسان جعلنا نرتفع عن مستوى الأرض المنبسطة و الفسيحة جدا و الذي يشتهر به القسم الجنوبي من العراق.

فالأرض المنبسطة تمتد باتجاه الشرق نحو مائة ميل حتى سفوح التلول الإيرانية، و إلى الجنوب مقدار (150) ميلا حتى البحر، و إلى الشمال مقدار (200) ميل حتى بغداد، و إلى الغرب إلى ما وراء نهر الفرات بحيث تندمج مع صحراء الجزيرة العربية. و كنا نقفز من حين لآخر، ساقية يجري فيها الماء لسقي الحقول تحتنا. و اندفعنا مرة مسافة قليلة و نحن نسير تحت أشجار النخيل فمشينا بسرعة من خلال غابة تحتوي على أشجار ذات أشواك ارتفاعها (3- 4) أقدام حتى وصلنا إلى أرض مكشوفة. و هنا

38

وجدنا الأرض لزجة و مغطاة بطبقة من الملح. و بعملنا هذا هيّجنا طيور الحجل البرية السوداء، فلم تسنح لنا أية فرصة حتى نطلق النار عليها.

و عند عودتنا إلى القرية، رأينا ثلاثة طيور من البط و هي تطير فوقنا، قادمة من الأهوار على ارتفاع عال، فأطلق الشيخ فالح طلقة أصابت واحدة منها فسقطت على الأرض. هنأته على رميه هذا و عجبت عما إذا كانت رمية من غير رام أم أنه رام جيد. و اكتشفت فيما بعد أنه رام ماهر و هدّاف.

وصلنا القرية عند الغسق، وجدنا فانوسا يضي‏ء المضيف، معلقا من السقف بواسطة حبل، و وجدنا ستة أطفال و هم جالسون في الداخل. ثم قال الشيخ بأن موعد صلاة المغرب قد حان و عليّ أن أؤدي الصلاة.

كان المضيف يتجه نحو القبلة الجهة التي يتجه المسلمون في صلاتهم نحوها على الدوام، و المفروض أن المسلمين يصلون خمسة أوقات- وقت الفجر، عند الظهيرة، وقت العصر، عند مغيب الشمس ثم صلاة العشاء من بعد مضي ساعتين. و لا حظت أن عدد المصلين قليل في هذا المكان و أن المصلين هم من كبار السن.

و بعد أن إنتهى الشيخ فالح من أداء الصلاة، طلب إحضار الطعام، و لما جاءوا به، رأيته على غرار الطعام الذي قدموه لي من قبل ما عدا وجود لحم ضأن مقلي بدلا من لحم الدجاج و وجود بعض القطع من اللحم في أطباق المرق. و بعد الإنتهاء، جاء الخدم و رفعوا الصحون ثم نظفوا المائدة ثم جاءوا بعده من الحصران و الفرش و الوسائد و أغطية النوم المبطنة بقماش أخضر اللون أو أحمر أو أصفر. و بقي معنا رجلان من كبار السن فأمضوا الليل معنا ثم أمر الشيخ أحد الشبان بأن يجلب بندقيته و يبقى ليحرسنا حتى الفجر.

نهض الشيخ فالح ليتركنا حتى ننام و تمنى لنا ليلة سعيدة ثم عبر إلى البناية المبنية بالآجر حيث يعيش فيها هو و أسرته.

39

أطفأ الشاب الفانوس، و شرب ما تبقى من القهوة، و جلس يحرك جمرات النار.

وجدت هذا الشاب ذا حجم ضخم، و وجهه مغولي يشوّه الجمال.

و عندما بدأ أحد هذين العجوزين بالشخير صاح في وجهه بأن يكف عن الشخير، فانقلب هذا العجوز إلى جهة أخرى محدثا صوت أجش يخرج من فمه و بدأ يشخر مرة أخرى بعد فترة و جيزة جدا و ابتسم الشاب بوجهي و قال لي: «المسنون يشخرون دوما».

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

3- صيد الخنزير البّري‏

نهض عبد الرضا القهواتي عند الفجر و أشعل النار، و سرعان ما امتلأت الغرفة بالدخان. أما الشاب الذي كان يحرسنا فقد خرج. و نهض العجوزان الآخران من نومهما و هما يتنخّعان لإخراج البلغم من صدرهما ثم يبصقان على الأرض.

و بعد أن أكملا وضوءهما أدّيا صلاة الفجر ثم جلسا و انحنيا على النار.

صيد الخنزير في الأهوار

42

يبدو أن الجو بارد، و لهذا السبب بقيت في منامي حتى جاء خادمان ليرفعا المنام فجلست عند ذاك مع الجماعة و ناولني القهواتي فنجانا من القهوة.

و بعد فترة، جلب الخادم الفطور المتكون من فطيرة محلّاة مصنوعة من دقيق الأرز و موضوعة في إناء واسع حشيشي اللون و جلب معه الحليب و فيه سكر موضوع في الكتلي.

وضع حصتنا فوق الزولية أمامنا و كانت الشمس قد بدأت لتوها بالشروق باعثة أشعتها الذهبية فأضاءت أعمدة مدخل المضيف.

و بعد مضي ساعة أو ساعتين جاء الشيخ فالح و معه حشد من أتباعه المسلحين حتى نخرج لصيد الخنازير تنفيذا لوعده. و بعد أن تناول الجميع القهوة، فخرجنا من المضيف و ركبت الطرادة التي ركبها الشيخ و ابنه.

رأيت الطرادة ذات شكل لطيف، تسع لأثني عشر شخصا، طولها ستة و ثلاثون قدما، و عرضها في أعرض مكان من القعر 5/ 3 قدم، فيها نقوش محفورة. قعرها منبسط و مطلي من الخارج بطبقة ملساء من القير فوق ألواح خشبية. مقدمتها محفورة بنقوش تتجه إلى الأمام و إلى الأعلى تماما بحيث تصبح مقدمة مستدقة، طويلة و رفيعة. أما المؤخرة فهي الأخرى مزينة بنقوش محفورة أيضا. و على بعد الطردة

43

قدمين من المؤخرة و من التجويف نقوش مزخرفة بشكل لطيف. أما المقعد الذي يجلس عليه الجذّاف فإنه يقع في الثلث الأمامي. و رأيت أيضا عوارض خشبية للتقوية تقع في الثلثين الأماميين من الزورق. كما رأيت أيضا ألواحا خشبية غير ثابتة مفروشة على أرضية الطّرادة.

أما الجزء الأعلى من الأضلاع فهو مرصوف بألواح خشبية على طول القسم الداخلي و مثبتة بخمسة صفوف من المسامير تزين الطرادة و هي علامة مميزة لطرادة الشيخ. و بعد سنوات عديدة، شاهدت في أوسلو، سفن الفايكنك و هم يحتفظون بها. و سرعان ما ذكرتني بالطرادات التي رأيتها في الأهوار، لأن كل النوعين بسيط و لطيفة الشكل. كان عدد الجذافين أربعة أشخاص. اثنان منهم في المؤخرة و اثنان في التجويف. و كانوا يجذفون بإيقاع منتظم و على نفس الجهة ثم يتم استبدال شخص واحد إذا دعت الحاجة. أما الركاب الآخرون فإنهم وضعوا أسلحتهم بجانبهم و نزعوا عباءاتهم، و كل واحد منهم يحمل صف رصاص فيه عتاد كامل و خنجر مفترس ذو شفرة رفيعة في القسم الأمامي من حزامه.

تقع الأهوار على مسافة ثلاثة أميال عن مضيف الشيخ فالح. و لما دنونا من الأهوار كنا قد عبرنا قرية كبيرة تمتد مسافة مئتي ياردة على امتداد الساحل الأيسر من مجرى النهر. بيوتها مرتبة على شكل صفوف، مصنوعة من الحصران، مثبتة على أقواس من القصب بشكل متواز مع الساحل، و البيوت متقاربة بعضها من بعض و أمامها عجول الجاموس و هي مربوطة و عدد من الأبقار و هي سائبة تتجول هنا و هناك. شاهدت حصانين أو ثلاثة أحصنة، أجسادها مغطاة بقطعة من القماش و أرجلها الأمامية مقيدة بسلسلة حديدية. و رأيت خيول الشيخ فالح مقيدة بهذا الشكل أيضا. و عندما سألته عن سبب ذلك، أجابني قائلا: «هذه القيود تمنع الناس من سرقة الخيول.

إذا ربطت الخيول بالحبل فبإمكان السارق أن يقطع الحبل ثم يقفز على ظهره و يختفي عن الأنظار، خيولنا أصيلة، و غالية الثمن، لذلك نعتني بها

44

و نحافظ عليها».

ثم سألته قائلا، «لماذا تلفّون جسم الخيل بالقماش بهذا الشكل؟ مع العلم أن الجو غير بارد». فأجاب «حتى نمنع الذباب من لسع أجسادها».

كانت الكلاب تتسابق على امتداد الساحل و تقف بعد أن تقطع مقدار (10- 15) ياردة. ثم تبدأ بالنباح بشكل جنوني و قد كشّرت عن أنيابها.

و كانت كل مجموعة من الكلاب تسلّمنا إلى مجموعة جديدة أخرى عند حدودها.

وجدنا الأطفال يراقبوننا بسكون، و النساء ينظرن من البيوت و هن غير محجبات. لم نشاهد غير عدد قليل من الرجال.

توجهنا نحو الساحل تحت بيت كبير فصاح أحد أتباع الشيخ فالح قائلا: «زاير محيسن» فخرج رجل كبير السن و هو يضع على رأسه الكوفية و قال «مرحبا، مرحبا يا محفوظ، تفضلوا، تفضلوا» إلّا أن فالح أبى أن ينزل و لو أن الرجل ألحّ علينا كثيرا حتى نشرب القهوة.

سأله فالح قائلا: «هل أرسلت الرجال إلى الهور بزوارقهم؟».

«نعم يا محفوظ، كلهم هناك، ينتظرون قدومكم من مدخل النهر».

«هل توجد خنازير داخل القصب؟».

«نعم، كلها متفرقة تماما، المياه ضحلة لا تساعد على تجمعهم في الأرض التي فيها القصب».

«تعال. اركب معنا». فتسلق زايد محيسن الزورق و جلس على أرضيته.

يجلس المسافرون دوما في بطن الزورق، و أما مكان الشرف فيبدو أنه أقرب ما يكون إلى مؤخرته، مقابل الجذاف في المؤخرة.

و عندما يجذف هؤلاء الرجال، يجلس اثنان منهم في مؤخرة الزورق على ظهره المرتفع- الواحد مقابل الآخر-. و يجلس الثالث على المجذاف‏

45

الأمامي فوق خشبة رفيعة غير مريحة، بينما يجلس الرابع راكعا على ركبتيه في بطن الزورق.

سألت الشيخ فالح قائلا: «هل هؤلاء الناس هم معدان؟».

نظر نحو زاير و تبادلا الابتسامة ثم قال: «كلا. هم فلاحون. المعدان يعيشون داخل الهور ستراهم فيما بعد عندما تصل إلى قرية قباب».

تركنا حقول القمح و الشعير وراءنا قبل أن نصل إلى القرية. وجدنا النهر الذي نسير فيه ضحلا و كان الجذافون يجدون صعوبة أثناء الجذف.

و كانت ضفاف النهر واطئة و إذا ما اعتدلت في جلستي يمكنني أن أرى الأشياء عبر هذه الضفاف.

رأيت مساحة من الأرض تمتد بمقدار (200) ياردة، مغطاة بالطين، مليئة بالطحلب، تلمع تحت أشعة الشمس، و رأيت قطيعا صغيرا من طائر يشبه اللقلق، أبيض اللون. و طائرين من طيور مالك الحزين، لونهما أصفر برتقالي، راقدين و قد احدودب ظهرهما حتى تحضنا البيض على حافة صغيرة. و رأيت عددا من الغربان المتعددة الألوان تتعارك فيما بينها محدثة ضجيجا و صخبا حول قطعة من النفاية.

أشار الشيخ فالح إلى أرض و قال: «هذه الأرض هي التي يزرعون فيها الشلب، سوف يباشرون بتنظيف الحقول بأسرع وقت ممكن».

و في الأمام، بإمكاني أن أرى عددا كبيرا من الرجال و الزوارق. و لما اقتربنا منهم، نزلنا من الزورق و وقفنا فوق آخر قطعة صغيرة من السدة الترابية الآخذة بالتآكل وقفة غير مستقرة. فغاص بسرعة عدد قليل من الرجال المسنين في الماء و الطين و هم يرتدون ملابس أفضل من سواهم و ذلك حتى يسلّموا على الشيخ و يقبلوا يده. أما الآخرون، و معظمهم من الصبيان، فكانوا جالسين أو واقفين في زوارقهم على بعد في الماء العميق و يرتدي بعضهم عباءة خشنة سوداء و هي ملفوفة حول خصرهم. أما بقية

46

أجسامهم فهي عارية.

أما البقية من الرجال فكانوا يرتدون الدشداشات و هو لباس العرب التقليدي و قد رفعوها و عقدوها حول أفخاذهم. و رأيت شخصين و هما اللذان يسحبان الزورق من خلال الماء الضحل قد رفعا ثوبيهما إلى الأعلى لحد إبطيهما و هما عاريان بهذا الشكل تماما و لا يكترثان إلى أحد. و كان معظمهم يضع على رأسه الكوفية (الغترة) و يحمل الكثيرون منهم الخناجر.

و كان عدد من الصبية يحمل بيده الهراوة و على رأسها قطعة من القير و يسمونها المكوار. و لما رأى هؤلاء الصبية أنني أنظر إلى هذه المكاوير، ناولني أحدهم مكواره و هو يبتسم.

و بشكل عام، كان هؤلاء الناس ذوي أجسام قوية و بطول معتدل مع بشرة سمراء لفحتها الشمس و ذوت وجوه بريئة و صريحة و عيون واسعة و أنوف عريضة.

كانت غالبية زوارقهم المبطنة بالقير صغيرة و تعرف فيما بينهم بإسم المشحوف، و كان لكل نوع و حجم منها اسم خاص.

كما رأيت عددا قليلا من الماطورات في الماء، يمكن أن تحمل شخصا واحدا فقط و هي تستعمل لمطاردة الطرائد. كما توجد ماطورات أكبر من هذه قليلا تسع لشخصين و هي بحجم الزورق الذي انتقلت به من المحجر الكبير.

ملأ عدد كبير من الرجال زوارقهم بالسهام التي يصيدون بها السمك و كانت نهاياتها الخشبية في الماء. و شكل هذه السهام مخيف و لها يدة من الخيزران بطول (12) قدما مع خمسة رؤوس تشبه أسنان الشوكة الكبيرة، و كل واحدة منها مزودة بشوكة ذات صنارة و يسمونها (الفالة).

و اقترح الشيخ فالح بأن أتسلح ببندقية الصيد لأنه من الخطر استعمال البندقية مع عدد كبير من الناس حول هذا المكان.

47

فرحت لكلامه هذا، و رأيت الجذافين فقط يحملون البنادق و لو أن القرويين جميعا يملكون أسلحة نارية كثيرة.

لقد حصل رجال العشائر على الأسلحة و خاصة البنادق الإنكليزية و التركية من ساحات المعركة في الحرب العالمية الأولى و احتفظوا بها و لم يجردهم أحد منها. و هم لا يزالون يحصلون على العتاد طالما يستخدم الجيش و الشرطة البنادق الإنكليزية. و أما عتاد البنادق التركية فإنهم يجدون صعوبة في الحصول عليه و تتم في بعض القرى إعادة إملاء ظروف الأعتدة التركية الفارغة بالبارود المصنوع محليا مع رصاصتها إلا أنها عملية خطرة نوعا ما.

أما في الحرب العالمية الثانية فكان القتال في العراق قليلا، لذلك كانت فرص النهب قليلة أيضا و لكن في إيران جرى حل الجيش و قوة الشرطة بشكل واسع قبل التقدم البريطاني، فأخذ كل جندي بندقيته معه إلى بيته. و أتيحت الفرصة للعشائر فنهبوا مستودعات الأسلحة التابعة للحاميات. و لكن، لما أحسّوا بأساليب رضا شاه القاسية خافوا على أنفسهم من العقاب الصارم الذي لا رحمة فيه إذا ما وجدوا الأسلحة بحوزتهم لذلك بدأوا بتهريب معظمها إلى العراق. و كانت تباع بثمن بخس لا يتجاوز الخمسة دنانير. أما الآن فيقال بأن البندقية الواحدة تساوي مائة دينار.

تسمى البنادق المصنوعة في جيكوسلوفاكيا ب (برنو) و هي مأخوذة من العلامةBrno المنقوشة على السبطانة. و لا حظت هذه العلامة مثبتة على البنادق التي يحملها أتباع الشيخ فالح في الزورق.

رأيت الشيخ فالح ينصت إلى شكوى أحد أتباعه حول توزيع بعض الأراضي الزراعية لزراعة الشلب فقال له:

«كافي- تعال باچر إلى المضيف بعد شروق الشمس بساعتين و أخبر

48

حسن بأن يحضر أيضا». ثم سأل: «هل أدهم موجود؟. ناد عليه». فرأيت شخصا قصير القامة، يعرج قليلا، يخرج من الزورق الأبعد ثم إندفع يتجه نحونا. حاول بخضوع و تذلل أن يقبّل يد الشيخ فالح إلّا أنه بادره قائلا:

«هل أعطيت عشرة دنانير إلى جاسم و كنت أمرتك بذلك؟».

«أردت أن أعطيه يوم غد يا محفوظ».

«أمرتك قبل عشرة أيام بأن تعطيه».

«كنت مريضا. و أنا يومين ......».

«البارحة چنت في المجر حسبما سمعت».

«رحت أراجع الطبيب و أشتري الدواء».

«ما راجعت الطبيب أبدا. قضيت النهار في عرس نصّيف».

«و العباس! راجعت الطبيب. و .......».

«كلب ابن الكلب. أخبرتك إذا ما رجّعت المبلغ إلى جاسم راح أعاقبك، أنت غشاش و كذاب، ياسين، خذه إلى خزعل و قل له خلي يبقيه عنده إلى أن أعود. قل له خلي يربطه. خذه! روح يا كلب. راح أشوفك شلون تطيع الأوامر».

و عندما تقدم شخص آخر ليعرض عليه شكواه قال له فالح: «كافي- تعال ويانا و شوّفنا الخنازير. أريد أشوف أشلون يصيد هذا الإنكليزي» ثم التفت نحوي و قال: «إركب ذاك المشحوف. كن حذرا لما تنتقل به. هذا الشخص راح يجذف مشحوفك».

تسلقت على ظهر المشحوف الذي جاءوا به بالقرب مني. و أما الشيخ فالح و ابنه فركب كل واحد منهما في مشحوف ثم بدأنا نجذف باتجاه القصب و الآخرون من ورائنا. و لما وصلنا إلى المياه العميقة وضع كل شخص المردي أو الفالة التي يحملها و يدفع بها المشحوف ثم جلس في بطنه و بدأ يجذف بضربات قصيرة و سريعة. و عندما يكون في المشحوف‏

49

أكثر من شخص واحد، يأخذ الجميع أماكنهم في الجانب نفسه و في الوقت نفسه.

انقشع الضباب الذي كان سائدا في يوم أمس، فظهرت السماء زرقاء صافية، باهتة الضياء، و تنتشر هنا و هناك قطع صغيرة من الغيوم.

المجاذيف كانت تغوص في الماء و تشكل ما يشبه الدوارة و يتطاير الرذاذ حينما يرفعونها و تتساقط على الماء و هي باردة جدا. سرنا و تركنا الجدول الطيني الذي بدأ من بداية المجرى وراءنا ثم سرنا بين نباتات البردي التي تنمو في المياه الضحلة. و الآن نحن بين القصب الذي يغطي معظم أجزاء الهور.

و هذا النبات الضخم يبدو أشبه بالخيزران و ينمو بشكل كثيف في منابت القصف و يبلغ ارتفاعه أكثر من خمسة و عشرين قدما. و ينتهي الساق برأس، فيه خصلة صفراء، باهتة اللون، كثيف إلى درجة يستعمله سكان الأهوار كمجذاف.

و في هذا الفصل، كانت منابت القصب المحاذية لمجرى النهر الضيق غير كثيفة و تبدو لطيفة المنظر لأنها هي من بقايا العام الماضي، لونها ذهبي باهت، و بعضها فضي رمادي ما عدا عند القاعدة فتكون بلون أخضر لأنها تنمو من جديد و يبلغ ارتفاعها في ذلك الوقت بضعة أقدام.

رأينا أمامنا مجموعات صغيرة من الطيور الماضية و هي منتشرة فوق سطح الماء، تطوف في ظلال منابت القصب، كما رأينا الطيور المائية المسماة الزقّه و الغاق، و هي قابعة تنشر أجنحتها الداكنة على سيقان البردي حتى تجف لأن قطرات الماء كانت تتساقط من أجنحتها. و لما شعرت بوجودنا، غطس بعضها في الماء و طار بعضها الآخر بارتفاع واطى‏ء ثم ظهرت من خلفها الطيور المسماة بمالك الحزين من بين البردي اليابس محدثة ضجيجا عاليا حينما بدأت ترفرف بأجنحتها حتى تطير.

50

بلغ عدد المشاحيف أربعين مشحوفا. ازدحمت في المجرى المائي الضيق، فاحتكت بعضها، و ارتطمت، لأن النوتية تسابقوا فيما بينهم و هم يصيحون و يضحكون حتى يجتازوا هذا الممر الضيق ثم ينتشروا في المياه الواسعة و الفسيحة.

و لست أدري، هل كنا نتنقل نحو الأهوار أو أننا كنا نتنقل بموازاة الساحل لأن منابت القصب أصبحت متشابكة و أحاطتنا من كل جانب و أصبح المجرى المائي أكثر ضيقا و أكثر التواء. خرجنا فجأة من هذه المنطقة المليئة بالنباتات و دخلنا في بحيرة ضحلة مغطاة بالنباتات فرأينا جزرا صغيرة، كثيرة العدد، بعضها تبعد مسافة قصيرة جدا عنا و بعضها الآخر تبلغ مقدار فدّان أو أكثر تسدّ الطرف البعيد من البحيرة الضحلة.

و يسمي سكان الأهوار مثل هذه الجزر باسم «طحل». بعضها غائصة و بعضها الآخر ذات تربة رخوة و تنجرف، و كلها مغطاة بالقصب، و هنا رأيت القصب بارتفاع (8- 10) أقدام، و بأنواع مختلفة من نبات البردي، أوراقها حادة بحيث تشبه أمواس الحلاقة، و بالعليقات و بعدد قليل من أشجار الصفصاف و بأنواع مختلفة من النباتات المتسلقة. و تجد تحت كل هذه النباتات نباتا من فصيلة النعناع و نباتات ذاك أشواك منتشرة و أخرى أرجوانية اللون و نباتات مائية و نباتات من أنواع أخرى.

كانت الأرض تبدو و كأنها صلبة لكنها كانت رطبة. و هي بالفعل تتألف من طبقة من جذور النباتات و من نباتات متفسخة تطفو على السطح.

و بعد عدة سنوات، أطلقت رصاصة على خنزير ذكر، كبير الحجم، كان يأكل طعامه من جزيرة تشبه هذه الجزيرة و كانت قد احترقت قبل فترة و جيزة. وجدت هذا الخنزير يقف فوق أرض صلبة حينما أطلقت عليه النار و لكنني حينما عبرت إليه لم أعثر على الجثة «ربما لم تكن إصابته قاتلة فولّى هاربا و اختفى».

51

«كلا. كلا» أجاب رفيقي «أنه قتل و غرق في الماء».

و في إحدى هذه الجزر، كان زورق الشيخ فالح يمخر بجوار زورقي:

و قال لي و للآخرين: «هذا هو المكان تعالوا و أدخلوا في هذه الجزيرة لازم تشوفون شي‏ء». فخطا عدد من الرجال على الساحل و بأيديهم الرماح و هم متأهبون لكل حدث طارى‏ء، لكنهم لم يجدوا أي شي‏ء. ثم دخلوا جزيرة أخرى ثم جزيرة ثالثة. و أما أنا فكنت أراقب طائرين و هما يغردان و يقفزان بين القصب ثم سمعت أصوات عيارات نارية فجفلت ثم أعقب ذلك صياح:

«هذا خنزير هناك، تعالوا بسرعة، راقبوا المكان، يا الهي، هذه أربعة خنازير».

و أعقب ذلك فترة اندهاش و سكوت ..

«وين راحت الخنازير؟» سأل أحدهم.

«راحت بالماي، شفت وحده منهم مرّت من بين قدمي. قسما باللّه! حجمها حجم حمار! قسما بالعباس!».

ثم صاح شخص آخر «رميت رمحي و ما أصبت. هي أنثى و معها ثلاث فروخ».

و صاح الآخرون «اختفت هنا. طوقوا المكان و اقطعوا عليهم الطريق حتى لا يهربوا». دخلنا في ممر ضيق يقع بين جزيرتين، لكن، رأيت الجذاف يجذف بسرعة إلى المياه المكشوفة و جاءت من وراءنا زوارق أخرى.

انتقل الصيد إلى جزيرة أخرى. و لما اقتربنا منها، كان هناك هرج و مرج و صياح بصوت عال. ثم سمعنا صراخا حادا قصيرا، و ضحكة و شخص يصيح «شفتهن، شفت أصغر وحدة. رميتها بالرمح. راحت في الماي و أنا أحاول إغراقها».

52

و في هذه الأثناء عبر الشيخ فالح بزورقه و كان قد نزع عباءته و بدأ يجذف بنفسه.

«وين راح الخنزير الكبير يا مناتي؟» سأل رجلا عجوزا، قوي البنية، كان يقود الصيد إلى مسافة بعيدة.

«فاتت بداخل الجزيرة الكبيرة. هناك. حسبما أعرف- يا محفوظ ... نعم. هذه آثاره. تعالوا. خلي نطلعه من هل المكان!».

إندفع مناتي بسرعة و غاب عن الأنظار داخل أجمة القصب ثم تبعه شخصان آخران. و بوسعي أن أسمع صوت تنقلهم. و صاح أحدهم و هو يقول: «ما جاء الخنزير بهذا المكان» ثم صاح مناتي بعد قليل «هاي هي آثاره».

لم يحدث أي شي‏ء لحد الآن، على أية حال، و اعتقدت أنهم فقدوا آثاره ثم سمعت أصواتا من بعيد و زعيقا يقول «راح يقتلني! راح يقتلني».

و صاح آخر «جرح مناتي. تعالوا يا ولد بالعجل. وين هم المقاتلين؟».

اندفع عدد من الأشخاص من خلال القصب. ثم بدأ الشيخ فالح يجذف بشكل جنوني كما بدأت أجذف و تبعني آخرون و توجهنا صوب الجانب البعيد من الجزيرة حيث وجدنا مناتي قد أخذ إلى زورق كبير آخر، قميصه ملطخ بالدماء و ممزق، و وجدته ممددا و قد أغمض عينيه ثم رأيت جرحا عميقا على عجزه الأيمن و بوسعي أن أدخل فيه جمع يدي.

مال الشيخ فالح عليه و سأله بقلق: «شلونك يا مناتي؟» ففتح العجوز عينيه و تمتم قائلا «أنا بخير يا محفوظ». ثم أمر الشيخ بأن يأخذوه بسرعة إلى الخلف إلى مدخل الخر و الذي لم يكن بعيدا من حسن الحظ.

و لما بدأنا نجذف و نحن عائدون قال أحد الصبية «هاي أنثى هي اللي‏

53

عظّته. لو چان ذكر كان يشفه بأنيابه و يقتله».

و قال آخر «لو ما يتصرف زين و يذب نفسه على بطنه لكان ينقتل.

شفت رجل قبل سنتين من أرض عشيرة البوبخت بعد ما قتلته خنزيرة. شفت نصف أمعائه خارج بطنه».

و قال آخر «الخنزير اللي قتل شاب من السادّة بحقل الحنطة من العام الماضي مزقه وصله وصله. كان الشاب بوحده و غير مسلح و يجوز داسته.

الزرع كان بارتفاع عالي و ما محصود. زحف الشاب باتجاه القرية لكن فقد الحياة قبل خروجه من الزرع». قال شاب آخر: «هل تتذكر لما ركب هاشم على ظهر الخنزير؟».

«إي و اللّه» أجاب صاحبي المجذف «كان هو و أخوه يفتشون حقل الشعير العائد لهم. شافوا خنزير ذكر، كبير السن، رمادي اللون. أراد أخو هاشم يرميه. لكن منعه هاشم من الرمي. امتنع و ما طاع أمره فرماه و أصاب الخنزير في بطنه».

«نعم» قاطعه آخر «هو رامي غير جيد».

و استمر الجذاف قائلا «هجم الخنزير عليه و طرحه على الأرض. شق الخنزير ذراعه. اقترب هاشم خلفه و طعنه بخنجر على كتفه. و لما استدار الخنزير نحوه، ألقى الخنجر و قفز على ظهره و ولّى هاربا و هاشم لا يزال على ظهره و هو يمسك من أذنيه. توجه الخنزير نحو بستان السيد علي و سقط على الأرض لما أراد أن يعبر ساقية عريضة. و قال هاشم أنا ما أريد أركب على ظهر الخنزيرة مرة أخرى أبدا». و ضحك المستمعون لأقواله.

و قال رجل عجوز «الخنازير هي أعداء. تأكل محاصيلنا و تقتل رجالنا. اللّه يقتلهم! إشوف مناتي. أصبح عاطل ما يقدر يشتغل بعد. هذيج الخنزيرة قضت عليه».

54

وصلنا إلى مدخل المجرى فوجدنا طرادة الشيخ فالح مع عدد قليل من الناس بانتظارنا لأن ضفتي النهر عاليتان و عريضتان.

نزلنا و بدأنا نسحب الزورق و مناتي في داخله. كان ممددا على جنبه، يسند أحد الرجال رأسه. و يبدو أن النزف كان قليلا لأن الماء الذي في قعر الزورق كان بلون وردي غير أن الجرح كان فظيعا و خطيرا جدا. فالنهايات الممزقة للعضلة تبرز في اللحم الذي ينزّ منه الدم. تحرك مناتي قليلا حتى يرى جرحه و لكنه لم ينطق بأية كلمة، كان في صناديقي التي تركتها في قرية الشيخ فالح كمية كبيرة من العقاقير الطبية. و إنني غير مؤهل كطبيب، و لكن، بعد أن أمضيت عشرين سنة في البراري و القفار، و كل فرد منهم يتصور بأنني يجب أن أداوي المرضى و الجرحى، لذلك فقد اكتسبت خبرة طبية.

و بالإضافة إلى ذلك، كنت أنتهز كل فرصة تسنح لي، أتوجه فيها إلى المستشفى و أتجول في الصالات و أراقب العمليات الجراحية. و بعملي هذا استطعت أن أكتسب معلومات جراحية.

و لا بدّ أنني قد حصلت على معلومات أكثر خلال السنوات التي أمضيتها في الأهوار.

و الآن قلت للشيخ فالح: «من الأفضل أن نرسله بسرعة إلى المضيف حتى أتمكن من معالجته هناك، و ألّف على جرحه الضماد، و ليس بوسعي أن أفعل أي شي‏ء أكثر من هذا. يجب أن نرسله بسرعة إلى العمارة».

«لا ترسلوني إلى المستشفى» ردّ مناتي قائلا «لا إلى المستشفى. خلّي أبقى بقريتي، أريد من الإنكليزي أن يعالجني».

و قلت: «على أية حال، لازم نرجع بسرعة إلى القرية» غير أن الشيخ فالح أصرّ قائلا بأن الطعام جاهز «و يجب أن نتناول الطعام أولا و بعدين نرجع».