رحلة مصر والسودان‏

- محمد مهري المزيد...
514 /
3

الافادة

و ما عدا ما هو مندرج في مقدمة هذا الكتاب من شرح السياحة التي قمت بها بنفسي و ما بينته من مبدإ فتح الاسلام لمصر و ذكر اسماء و اعمال الخلفاء و السلاطين الذين حكموا مصر و ما صار في زمانهم بالايجاز.

و نبذة في احوال قدماء المصريين و الفراعنة و بيان البلاد و آثارها القديمة و كافة ما يهم البحث فيه من يوم اشرق نور نبينا محمد (عليه السلام) على الآفاق الى يومنا هذا.

و اكثر ما يهم البحث فيه هو القطر المصري و ملحقاته الطبيعية و التاريخية بجميع تفصيلاتها و ما يتعلق بافريقية و ما تحتوي عليه و اراضيها المتسعة و احوالها الصناعية و التجارية و السياسية و التاريخية و الزراعية و الادارية و الجنسية و الدينية. و بيان منبع النيل و طريق جريانه من البداية الى النهاية و ما قام به دولة الامير يوسف كمال باشا في سياحته بالسودان من صيد السباع و النمور و الافيال و الخرتيت و الجاموس البحري المعروف عندهم باسم (كرينتي) و الجاموس البري الوحشي و غيرها من الوحوش و طريق صيدها و بعض صورها و كذا الابنية و الآثار القديمة كلها مصورة احسن تصوير

4

«مأخذ هذه الرحلة»

قرأت المؤلفات التي اخذت عنها رحلتي بضعة ستة و عشرين و هاك جدولا فيه اسماء اشهر المؤلفات العربية و التركية و الفارسية و الافرتجية التي استعنت بها في تأليف هذا الكتاب‏

انه في عهد حكومة فريدريك الرابع سنة 1842 ميلادية تشكلت جمعية علمية تحت و ثاسة الدكتور «ريتشار دلبسيوس» الالماني و ارسلت الى افريقية فمد سفرته الى ما وراء سنار. ثم سياحات الذين دخلوا افريقية وهم مانغوپارمه و غرانت و دنهم و فلاپرتن و لو نفستين و الدكتور شيونيقورت الذي تجول مدة مديدة بافريقية الوسطى سنة 1868 و من سياحة الرحالة الالماني المشهور «لابوردخارت» سنة 1814 و من سياحة الرحالة الفرنساوي الموسيو «كابو» سنة 1821 و من سياحة الرحالة الشهير الموسيو «بورث» و من تاريخ «هيرودوتس» من مشاهير مؤرخي اليونان‏

تاريخ مصر القديم‏

«ابن خلدون‏

«السودان لنعوم يك شقير

«مصر الحديث لحضرة العالم الفاضل جرجي بك زيدان‏

تاريخ ابي الفداء. لملك المؤيد عماد الدين اسماعيل‏

تاريخ العرب قبل الاسلام‏

«عبد اللطيف البغدادي‏

«العقد الثمين‏

خطط المقريزي‏

وفيات الاعيان لابن خلكان‏

مصر للمصريين لسليم خليل نقاش‏

تاج التواريخ‏

انهار التواريخ‏

حسن المحاضرة في اخبار مصر و القاهرة لجلال الدين السيوطي‏

تاريخ ابن الاثير

خلاصة التواريخ‏

دائرة المعارف للمعلم بطرس البستاني‏

الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة لعلي باشا مبارك‏

الهلال و الصليب بالتركى لخليل خالد بك تاريخ شهنامه باللغة الفارسية لابى القاسم فردوس طوسي‏

تاريخ روضة الصفا باللغة الفارسية

التاريخ العمومي بالتركي لاحمد رفيق‏

افريقا دليلى «لمحسن بك‏

5

المقدمة

لما اشرقت شمس الدستور و انارت جميع وعايا الدولة العلية العثمانية انتهزت هذه الفرصة في ظل هذه الشجرة المباركة بتأليف هذه الرحلة باللغة التركية و سميتها «سودان سياختنامه سي» و ترجمتها الى العربية وزدت عليها كثيرا من المباحث و سميتها «رحلة مصر و السودان» و لحد الان لم يسافر احدا من العثمانيين الى بلاد السودان و كتب عنها كتابا كما كتبت و لهذا يمكنني ان اقول اني اول من كتب من العثمانيين رحلته عنما شاهدناه في سياحة. لان هؤلاء ترجموها من سياحات الاوربيين الذين تجولوا في هذه الاراضي الواسعة. و اما سياحة الاوربيين ليست لفائدتنا بل لفائدة بلادهم و ابناء وطنهم و عليه فتكون فائدتنا منها مفقوده‏

هذا بناء على ان الحالة الاستبدادية السابقة كانت تمنع التوسع في افكار اصحاب الاقلام و ارباب المعارف و كانت محصورة في دائرة محدودة. و لهذا السبب صار الغرض المقصود من السياحة غير موجود و فضلا عما تقدم فان الغربيين من جميع طبقاتهم و من كل نوع من اصحاب الافكار العالية يعرفون اهل بلادهم و جميع نقط ممالكهم و هذا هو الغرض من سياحتهم لان اغلبهم يسعون وراء الامل في منفعة بلادهم و حكومتهم خاصة

و غاية املهم وجهدهم في السياحة و المشاهدات هو تبليغها لاهل وطنهم و هذه الغربة و الجهد و السعي لبقاء الذكر الحسن لخلفهم. على انني مضطر مع الاسف الى ان ابين لكم اننا نحن الشرقيين لسنا فقط مهملين البحث عن البلاد البعيدة المتوحشة الخطرة لبيان مواقعها و اراضيها و خيراتها و اخلاق اهاليها كما يفعل الغربيون بل اننا مهملون ايضا معرفة بلادنا المعمورة التي نسكتها و تنتفع من خيراتها فلانيين لسكانها بلسان حر الفائدة التي تعود عليهم من بلادهم و هي لا تقاس بغيرها من بلاد السودان التي يرحل اليها الاجانب و يخاطرون بحياتهم لاقتطاف ثمراتها و انى و ان كنت لا انكر فضل اخواننا في معارفهم و تآليفهم بالسياحات التي بنيتها أرى ان كثيرا من هؤلاء الافاضل اخذوها نقلا عن سياحة الغربيين بغير ان يتحركوا من مكانهم و هذا يناقض ما قيل «ليس الخبر كالعيان»

و حاصل الكلام ان الشي‏ء الذي كنا نراه في عصرنا هذا ذو اهمية عظمى. فانه بواسطة العلوم و الفنون و المعارف تحصل الغربيون منه على فائدة كبيرة. فمن ساح في‏

6

البلاد السودانية يرى هذه الاراضي الواسعة و يشاهد امورا عديدة من معيشة القبائل المتوحشة و غرائب حركاتهم و قابليتهم او عدم قابليتهم للمدنية و ما بهذا الاقليم الجسيم من الحيوانات الوحشية و كيفية صيدها و الماء الزلال المتدفق من النيل المبارك الذي هو حياة السودان منذ الوف من السنين بتوالي فيضانه فتنمو به الاشجار الجسيمة العالية المختلفة الانواع و فوق اغصانها اللطيفة تترنم الطيور التي تمتاز عن غيرها من طيور الاقاليم الحارة باشكالها و الوانها و حسن منظرها. وجودة تربتها و رونق ازهارها التي تنبت في الصحارى و الغابات السودانية الواسعة و هذه تستلزم مدة من الزمن لكي يحقق علماء الطبيعة من خواصها و فائدتها. فالشاعر يطرب وجدا من رؤيتها و التاجر يفكر في استثمارها و الريح منها. فان السيدة الغربية تنفق مبلغا من ما لها للحصول على ريشة منها تزين بها قبعتها. و فضلا عن اجتلائهم لهذه المحاسن يرحل اهل الغرب اليها لمشاهدة هذا الحبس الوحشي و درس اخلاقه و لمعرفة اصل عنصره و تدين ما شاهدوه خدمة لاخوانهم. و لا شبهة في ان ابناء العثمانيين سيماثلون الاوربيين في خدمة ابناء جنسهم و محبة وطنهم ليتموا ما عليهم من الواجب فضلا عما ينالونه من الفخر الحالد. كما قال الشاعر

تغرب عن الاوطان في طلب العلى‏* * * و سافر ففى الاسفار خمس فوائد

فتفريح همّ و اكتساب معيشة* * * و علم و آداب و صحبة ماجد

اني كنت اتشوق من زمن مديد الى السياحة في بلاد السودان و الاقتداء بالغربيين. فتم لي في 6 شهر محرم سنة 1327 للهجرة الموافق 27 يناير 1909 ميلادية الشروع في هذا السفر من مصر الى تلك الارحاء لمعرفة احوالها العمومية و التاريخية و العلم بمنسع ثروتها الطبيعية

و شرعت بتوفيق اللّه و عنايته الصمدانية في تحرير و تنظيم هذه الرحلة و طبعها و تجاريت على شرها لا قدمها لا بناء وطني العزيز. و ليس الغرض من تفصيل و تطويل هذه المقدمة الادعاء بكماليتها و لا الغرور بنفسي بل تشويقا و ترغيبا لابناء وطني بعمل مثل هذه السياحة خدمة للادنا و منفعتها العطمى حتى لا يخشون المخاطر بل يقدمون انفسهم في اتباع ميدان السياحة و اتمنى ان شبان الوطن و خياره يوسعون هذه الطريق. و اتعسم ان في عصرنا هذا الذي هو عصر الدستور و الحرية و الترقى يصل انشاء اللّه الى هذا العرض و تتجلى لنا في مرآة الكائنات محمد بك مهري‏

7

البرنس يوسف باشا كمال‏

8

«من قبيل التحدث بالنعمة»

مما ذكرته على الديار المصرية و ذكر احوال السودان التاريخية و اثارها القديمة التي اقتبستها في كتابة رحلتى يتضمن قسما من هذه الخطة الواسعة التي عاينتها هذه الرحلة و قد اجريت هذه السياحة بمعية صاحب الدولة الامير الافخم يوسف كمال باشا نجل المرحوم احمد باشا كمال غفر اللّه و غمره برحمته و جعل مأواه الجنة قلت فيه ابيات باللغة التركية

(1) طى ايلدم او امير جليل شان ايله مه و سال‏* * * انهار و بحر و برّ، بلاد و تلال و

جبال‏

(2) كه شهر لو ندره نك قصر كاه پررياضنده‏* * * سيرا يلرايدم هريانه شادان و خوش احوال‏

(3) اول شهر پرشكوه و عظيم بى‏همتا نهك‏* * * هربر بناسى بر جبل شاهقه همال‏

(4) كه شهر دلكشا و فرح افزاى (پارس) ده‏* * * دلشاد و غصه دن آزاد و فارغ بال‏

(5) كلزار (شانزليزه) و (بادبلون) فردوس آساده‏* * * آسوده سر كزردم سوبو مسرور و فرخ فال‏

(6) كه صحن وادي حلفا و غاب پروحوش سودانده‏* * * صحرا نوردايدم اوكر مكاريله نهار و ليال‏

(7) تخليص جان ايده مز صيد كاهده اندن‏* * * ببر و پلنگ و كرگدن و فيل و شير و غزال‏

(8) وصفنده لايق و احرادر دينلسه اكا* * * شير عرين و يوسف اقليم مصر كمال‏

(9) كو رسيدي روز نبرد صولت شيرانه سن اگر* * * انگشت بر دهان قالور ايدي رستم زال‏

(10) عقل و كمال و فهم و فراستده فائق الاقران‏* * * لطف و سخاء و شجاعتده بى‏عديل و مثال‏

9

(11) دامار مداد پرنده، خامه سنده بر شاعر* * * ايتسه رياض حسن خلقني در خاطر و

خيال‏

(12) وصف كمال و علو همت و خلق جميلنده‏* * * زبان خامه شكسته لسان ناطقه لال‏

(13) حق ايلسون او امير دلير شير شكارك‏* * * عمر بن قزون و دولت اقبالن بى زوال‏

(1) صحبت دولة المشار اليه سنين و اشهرا. في البلاد و البحار و الانهار و التلال و الجبال و الصحاري‏

(2) تارة بمدينة (لوندره) عاصمة انكلترا. فكنت امتع نظري بمشاهدة قصورها و رياضها بكل انشراح و سرور

(3) و هذه المدينة ذات ابهة و عظمة لا مثال لها. ترى اميتها راسخه كالجبال الشاهقة

(4) و تارة: في مدينة (باريس) عاصمة فرنسا. التي تشرح القلب و تسر الناظر فكنت فيها خاليا من غم و هم‏

(5) و كنت اتجوّل بفكر رائق و سرور فائق في حديقة (شانزليزه) و منتزه «بواد بلون» كانهما جنة الفردوس على وجه الثرى‏

(6) و تارة- في وادي حلفاء و غابات السودان المملوءة بالمخلوقات المتوحشة و الحيوانات المفترسة مع هذا البطل الهمام في صحرائها ليلا و نهارا

(7) فرأيته في ميدان الصيد لا تخلص منه روح اسد و لا نمر و لا خرتيت (واحد القرن) و لا فيل و لا غزال‏

(8) و لا ابالغ في وصفه اذا قلت انه ضيغم شجاع او يوسف اقليم مصر الكمال‏

(9) لو رآه (رستم بن زال) البهادر الشهير في صولة الاسدية لعض انامله عجبا من شجاعته في ميدان الصيد و النزال.

(10) و هو في العقل و الكمال و الفهم و الفراسة فائق الاقران و ليس له نظير في الكرم و الاحسان‏

(11) لو مر بمخيلة شاعر رياض حسن خلقه يقطر بدل المداد ماء الورد من قلمه‏

(12) في وصف كماله و علو همته و كرم إخلاقه يعجز القلم و اللسان‏

(13) و اتمنى من الحق عز و جل ان يطيل عمر هذا الأمير الجليل و ان يعيش بكمال العز و الدولة و الاقبال‏

- 2-

10

«البرنس احمد كمال باشا» اى واه كيم احمد كمال، باشاى ممدوح الحصال دستى بم احسان ايدى، بر سرور ذيشان ايدى ايتسه اگر روح روان، برح مشيد ده مكان كلدى بر هاتف سويلدى تاريخ جوهر داريى‏ تاريخ وفاته باللغة التركية دار بقايه ارتحال ايتدى او دات محترم ناى و كدا يكسان ايدى نزد يده اول صاحب كرم ممكن دكل تحليص حان، دست احلدن لا جرم احمد كمال پاشايه مولى، مأوا ايده باغ ارم‏

11

في 6 محرم سنة 1328 هجرية الموافق 28 يناير سنة 1909 ميلادية قمنا بمعية دولة الامير المشار اليه من محطة مصر قاصدين السودان:

محطة مصر

ثمر القطار في وسط طريق؟؟؟ و حين وصولنا تحاه الحيرة نظرت جهة الاهرام المشيد الاركان وجهة مصر القديمة و خرابات سقاره وجهة المقطم و بمجرد وقوع نظري على هذه الآثار تذكرت قدماء المصريين من الفراعنه و عطمتهم و سلطنهم و قصورهم الشاخة و ادعائهم الالوهية و هم اليوم تحت؟؟؟

12

و لما عنت لي هذه الآثار تذكرت ما حدث عليها من الانقلابات العظيمة و الوقائع الاليمة التاريخية في مدة تزيد عن الخمسة آلاف سنة فمرت على فكري بسرعة البرق من الحكم و العبر فجرى لساني بهذا البيت باللغة الفارسية

چشم عبرت برگشا و طاق كسرى را ببين‏* * * پرده دارش عنكبوت جغد نوبت زن بود

«ترجمته»

انتبه بنظر العبرة اين هي قبة قصر كسرى اصبح اليوم (بوم) فيها يصدغ بنوبة و العنكبوت ينسج و يرفع الستار

فكان لساني يكرر هذا البيت بغير ارادتي و صار شعوري و فكري و نظري في حيرة من حقيقة سر حياة الامم و خلقتها

و بعد ظهر اليوم الثاني من سياحتنا هذه وصلنا الى مدينة (اسوان) فنزلنا من القطار و دخلنا مدينتها مع دولة الامير المشار اليه و بعد ما شاهدنا فيها من آثار الفراعنة و ما احتوته من الابنية و الآثار القديمة و غيرها ركبنا قطارا آخر أوصلنا الى الشلال الاول قبل غروب الشمس بنصف ساعة و من هنا تركنا السكة الحديدية و ركبنا في و ابور من شركة (كوك)

فلنترك الوابور يتبع سيره و لنرجع الى ذكر ما فاتنا من وقت خروجنا من مصر الى اسوان. راجين من قرائنا الكرام ان يسمحوا لنا ببيان ما فيها من المباني و الآثار القديمة واحدة بعد واحدة فنقول:

أولا- مدينة القاهرة من تاريخ بداية فتح الاسلام الى ان حكم مصر الخلفاء و السلاطين و الحكام ثم الاهرام و كيفية اكتشاف منابع النيل و فروعه و البرك الشهيرة و النيل الكبير المتكون من اجتماع النيل الازرق و الابيض و سرعة جريانه و درجة اتساعه و فيضانه و جزائره و شلالاته و مقاييسه و ايضا بيان مديرية الجيزة و الفيوم و المنيا و اسيوط و جرجا و قنا و اسوان‏

13

امضي و تبقى صورتي فتعجبوا* * * تمضي الحقائق و الرسوم تقسيم‏

و الموت تجلبه الحياة فلو حوى‏* * * روحا لمات الهيكل المرسوم‏

14

(البحث عن مدينة القاهرة من تاريخ بداية الاسلام)

(و الذين حكموا مصر من الخلفاء و السلاطين و الحكام)

هي المعروفة بمصر و القاهرة و تسمى ايضا ام الدنيا و ذات الاهرام و هي واقعة في الشمال الشرقي من افريقية و متصلة باسيا الشمال الشرقي‏

و كان وادي مصر يسمى قديما باللغة اليونانية «اكوبتوس» و يظهر ان هذا الاسم يشابه لغة القبط القديمة. و هو مأخوذ عن العبرانيين الذين كانوا يسمونها «مصرايم» و لم يعلم لنا وجه تسميتها بهذا الاسم عند الاسرائيليين‏

(ذكر اخبار ابا بكر الصديق و خلافته) رضي اللّه عنه‏

لما قبض اللّه نبيه قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من قال ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مات علوت رأسه بسيفي هذا و انما ارتفع الى السماء فقرأ ابو بكر. و ما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم. فرجع القوم الى قوله و بادروا سقيفة بني ساعدة فبايع عمر أبا بكر رضي اللّه عنهما و انثال الناس عليه يبايعونه في العشر الاوسط من ربيع الاول سنة احدى عشرة خلا جماعة من بني هاشم و هم الزبير و عتبة بن أبي لهب و خالد بن العاص و المقداد بن عمرو و سلمان الفارسي و أبى ذر و عمار بن ياسر و البراء بن عازب و ابيّ بن كعب و مالوا مع علي بن أبي طالب و قال في ذلك بن أبي لهب‏

ما كنت أحسب ان الامر منصرف‏* * * عن هاشم ثم منهم عن أبى حسن‏

عن أول الناس ايمانا و سابقه‏* * * و أعلم الناس بالقرآن و السنن‏

و آخر الناس عهدا بالنبيّ و من‏* * * جبريل عون له في الغسل و الكفن‏

من فيه ما فيهم لا يمترون به‏* * * و ليس في القوم ما فيه من الحسن‏

و كذلك تخلف عن بيعة أبي بكر ابو سفيان من بني أمية ثم ان ابا بكر بعث عمر بن الخطاب الى علي و من معه ليخرجهم من بيت فاطمة رضي اللّه عنها و قال ان أبوا عليك فقاتلهم. فاقبل عمر بشي‏ء من النار على ان يضرم الدار فلقيته فاطمة رضي اللّه عنها و قالت الى أين يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا قال نعم أو تدخلوا فيما دخل فيه الامة. فخرج علي حتى أتى أبا بكر فبايعه كذا نقله القاضي جمال الدين بن واصل و أسنده الى ابن عبد ربه المغربي «وروى» الزهري عن عائشة قالت لم يبايع علي أبا بكر حتى‏

15

ماتت فاطمة و ذلك بعد ستة اشهر لموت أبيها (صلى اللّه عليه و سلم) فأرسل علي الى أبي بكر رضي اللّه عنهما فأتاه في منزله فبايعه و قال علي ما نفسنا عليك ما ساقه اللّه اليك من فضل و خير و لكنا نرى ان لنا في هذا الامر شيئا فاستبددت به دوننا و ما ننكر فضلك و في ايام ابي بكر قتل مسيلمة الكذاب و كان أبو بكر قد أرسل الى قتاله جيشا و قدم عليهم خالد ابن الوليد فجرى بينهم قتال شديد و آخره انتصر المسلمون و هزموا المشركين و قتل مسيلمة الكذاب وحشى بالحربة التي قتل بها حمزة عم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و شاركه في قتله رجل من الانصار و كان مقام مسيلمة باليمامة و كان مسيلمة قد قدم على النبي (صلعم) في وفد بني حنيفة فاسلم ثم ارتدّ و ادعى النبوة استقلالا ثم مشاركة مع النبي (صلعم) و قتل من المسلمين في قتال مسيلمة جماعة من القراء من المهاجرين و الانصار و لما رأى أبو بكر كثرة من قتل (أمر بجمع القرآن) من افواء الرجال و جريد النخل و الجلود و ترك ذلك المكتوب عند حفصة بنت عمر زوجة النبي (صلعم) و لما تولى عثمان و رأى اختلاف الناس في القرآن كتب من ذلك المكتوب الذي كان عند حفصة نسخا و ارسلها الى الامصار و ابطل ما سواها

و في أيام أبي بكر فتحت الحيرة بالامان على الجزية ثم دخلت سنة اثنتى عشرة و سنة ثلاثة عشرة فيها كانت واقعة اليرموك العظيمة التي كانت سبب فتوح الشام و كانت سنة ثلاث عشرة للهجرة و كان هر قل اذ ذاك بحمص فلما بلغه هزيمة الروم باليرموك رحل عن حمص و جعلها بينه و بين المسلمين و لما فرغ خالد بن الوليد و أبو عبيدة من وقعة اليرموك قصد البصرى فجمع صاحب بصرى الجموع للملتقى ثم ان الروم طلبوا الصلح فصولحوا على كل رأس دينار و جريب حنطة

(ذكر وفاة ابي بكر) (رضي اللّه عنه)

و قد اختلف في سبب موته فقيل ان اليهود سمته في ارز و قيل في حسو فاكل هو و الحارث ابن كلدة فقال الحارث أكلنا طعاما مسموما فماتا بعد سنة. و عن عائشة رضي اللّه عنها انه اغتسل و كان يوما باردا فحمّ خمسة عشر يوما لا يخرج الى الصلاة و أمر عمر أن يصلي بالناس و عهد بالخلافة اليه ثم توفي أبا بكر في حياة ابيه بين المغرب و العشاء ليلة الثلاثاء لثمان يقين من جمادى الآخرة سنة 13 هجرية و هو ابن ثلاث و ستون سنة على الاصح مستوفيا لعمر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في ارجح الروايات،

16

و كان مولده بعد الفيل بثلاث سنين و مدة خلافته سنتان و ثلاثة اشهر و عشرة ايام و قيل عشرين يوما فغسلته زوجته اسماء بنت عميس و حمل على السرير الذي حمل عليه رسول اللّه (صلعم) و صلى عليه عمر في مسجد رسول اللّه بين القبر و المنبر و اوصى أن يدفن الى جنب رسول اللّه (صلعم) فحفر له و جعل رأسه عند كتفى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و كان حسن القامة خفيف العارضين معروق الوجه غائر العينين ناتى‏ء الجبهة احنى عاري الاشاجع يخضب بالحناء و الكتم‏

(ذكر خلافة عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى) (رضي اللّه عنه)

بويع بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه و أول خطبة خطبها قال: يا أيها الناس و اللّه ما فيكم احد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له و لا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه. ثم اول شي‏ء أمر به ان عزل خالد بن الوليد عن الامرة و ولى أبا عبيدة على الجيش بالشام و أرسل بذلك اليهما و هو اول من سمي بامير المؤمنين و كان ابو بكر يخاطب بخليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم سار ابو عبيدة و نازل دمشق و كان نزوله من جهة باب الجابية و نزل خالد من جهة باب توما و باب شرقي و نزل عمرو بن العاص بناحية أخرى و حاصروها قريبا من سبعين ليلة و فتح خالد ما يليه بالسيف فخرج أهل دمشق و بذلوا الصلح الى ابي عبيدة من الجانب الآخر و فتحوا له الباب فامنهم و دخل و التقى مع خالد في وسط البلد و بعث ابو عبيدة بالفتح الى عمر و في ايامه فتح العراق. ثم دخلت سنة 14 فيها في محرم أمر عمر ببناء البصرة فاخطت و قيل في سنة 15 و فيها توفي ابو قحافة ابو ابي بكر الصديق و عمره سبع و تسعين سنة و كانت وفاته بعد وفاة ابنه ابي بكر. ثم دخلت سنة 15 فيها فتحت حمص بعد دمشق بعد حصار طويل حتى طلب الروم الصلح فصالحهم أبو عبيدة على ما صالح اهل دمشق ثم سار الى حماة قال القاضي جمال الدين ابن واصل في التاريخ الذي نقلنا هذا منه ان حماة كانت في زمن داود و سليمان (عليهما السلام) مدينة عظيمة قال و قد وجدت ذكرها في اخبار داود و سليمان في كتاب أسفار الملوك الذي بأيدي اليهود و كذلك كانت في زمن اليونان الا انها في زمن الفتوح و قبله كانت صغيرة هي و شيزر و كانا من عمل حمص و كانت حمص كرسي مملكة هذه البلاد و قد ذكرهما امرى‏ء القيس في قصيدته التي اولها «سمالك شوق بعد ما كان أقصرا» و يقول من جملتها

17

تقطع اسباب اللبانة و الهوى‏* * * عشية جاوزنا حماة و شيزرا

قال بعض الشراح حماة و شيزر قريتان من قرى حمص و لما وصل أبو عبيدة الى حماة خرجت الروم التي بها اليه يطلبون الصلح فصالحهم على الجزية لرؤسهم و الخراج على ارضهم و جعل كنيستهم العظمى جامعا و هو جامع السوق الاعلى من حماة ثم جدد في خلافة المهدي من بني العباس و كان على لوح منه مكتوب انه جدد من خراج خمص ثم سار ابو عبيدة الى شيزر فصالحه اهلها صلح اهل حماة و كذلك صالح اهل المعرة و كان يقال لها معرة حمص ثم قيل لها معرة النعمان بن بشير الانصاري لانها كانت مضافة اليه مع حمص في خلافة معاوية. ثم سار ابو عبيدة الى اللاذقية ففتحها عنوة و فتح جبلة و طرطوس ثم سار ابو عبيدة الى قنسرين و كانت كرسي المملكة المنسوبة اليوم الى حلب و كانت حلب من جملة اعمال قنسرين و لما نزلها ابو عبيدة و خالد ابن الوليد كان بها جمع عظيم من الروم فجرى بينهم قتال شديد انتصر فيه المسلمون ثم بعد ذلك طلب اهلها الصلح على صلح اهل حمص فاجابهم على ان يخربوا المدينة فخربت ثم فتح بعد ذلك حلب و انطاكية و منبج و دلوك و سرمين و تنزين و عزاز و استولى على الشام من هذه الناحية. ثم سار خالد الى مرعش ففتحها و اجلى اهلها و اخربها و فتح حصن الحدث (و في هذه السنة) لما فتحت هذه البلاد و هي سنة خمس عشرة. و قيل ست عشرة آيس هر قل من الشام و سار الى القسطنطينية من الرها. و لما سار هر قل علا على نشز من الارض ثم التفت الى الشام و قال السلام عليك يا سوريا سلام لا اجتماع بعده و لا يعود اليك من رومي بعدها الا خائفا حتى يولد الولد المشئوم وليته لم يولد فما اجل فعله و امرّ فتنته على الروم. ثم فتحت قيسارية و صبصطية و بها قبر يحيى بن زكريا و نابلس ولد و يافا و تلك البلاد جميعها و اما بيت المقدس فطال حصاره و طلب اهله من ابي عبيدة ان يصالحهم على صلح اهل الشام بشرط ان يكون عمر بن الخطاب متولي امر الصلح فكتب ابو عبيدة الى عمر بذلك فقدم عمر رضي اللّه عنه الى القدس و فتحها و استخلف على المدينة علي بن ابى طالب رضي اللّه عنه. و كان في هذه السنة اعني سنة 15 واقعة القادسية و كان المتولي لحرب الاعاجم فيها سعد بن ابي وقاص و كان مقدم العجم رستم هرمزد و جرى بين المسلمين و بين الاعاجم اذ ذاك قتال عظيم دام اياما فكان اليوم الاول يوم (اغوث) ثم يوم (غماس) ثم ليلة (الهرير) لتركهم الكلام فيها و انما كانوا يهرون هريرا حتى اصبح الصباح و دام القتال الى الظهيرة و هبت ريح عاصفة فمال الغبار على المشركين فانكسروا و انتهى القعقاع و اصحابه الى‏

18

سرير رستم و قد قام رستم عنه و استظل تحت بغال عليها مال وصلت من كسرى للنفقة فلما شدوا على رستم هرب و لحقه هلال بن علقمة فأخذ برجله و قتله ثم جاء و رمى به بين أرجل البغال و صعد السرير و نادى قتلت رستم و رب الكعبة و تمت الهزيمة على العجم. و هذا قول عماد الدين اسماعيل ابي الفدا في الجزء الاول من تاريخه‏

و اما الشاعر الشهير الحكيم ابو القاسم الفردوسي قال في تاريخه المسمى (شهنامه فردوسى) نظما. و ذكر هذا الشاعر البليغ في تاريخه المذكور من المخابرات و المحاربات التي جرت بين سعد الوقاص قائد جيش العرب و بين رستم هرمزد قائد جيش الفرس.

و ها هي باللغة الفارسية

«نامه رستم بسعد وقاص»

يكى نامه بر حرير سفيد* * * نوشتنذ پر بيم و چندى اميد

بعنوان پر از پورهر مزد شاه‏* * * جهان پهلوان رستم كينه خواه‏

سوى سعد و قاص جوينده جنك‏* * * پر از راي و پردانش و پر درنك‏

سر نامه كفت از جهاندار پاك‏* * * نبايد كه باشيم بى‏ترس و باك‏

كزويست بر پاى كردون سپهر* * * همه پادشا هيش دادست و مهر

ازو باد بر شهريار آفرين‏* * * كه زيباى تاج است و تخت و نگين‏

كه دارد بفرّاهر من را به بند* * * خداوند تيغ و كلاه و كمند

به پيش آمد اين ناپسنديده كار* * * به بيهوده اين رنج و اين كارزار

بمن باز كو انكه شاه تو كيست‏* * * چه مردى و آئين و راه تو چيست‏

بنزد كه جويى همى دستكاه‏* * * برهنه سپهبد برهنه سپاه‏

بنان تو سير و همه كرسنه‏* * * نه پيل و نه تخت و نه باروبنه‏

بايران ترا زندگانى بس است‏* * * كه مهر و كله بهر ديگر كس است‏

كه با پيل و فراست و با تاج و كاه‏* * * پدر بر پدر نامبر دار شاه‏

ببالاي او تخت را شاه نيست‏* * * بديدار او در فلك ماه نيست‏

هرنكه كه بر كاه خندان شود* * * كشاده لب و سيم دندان شود

ببخشد بهاى سر تازيان‏* * * كه كنجش نكيرد ز بخشش زيان‏

سك و يوز و بازش ده و دو هزار* * * كه بازند و زارند و با كوشوار

بسالى همه دشت نيز اوران‏* * * نيارند خورد از كران تا كران‏

كه او را ببايد بيوز و بسك‏* * * كه بر دشت نخجر كيرد بتك‏

19

ز شير شتر خوردن و سوسمار* * * عرب را بجائى رسيد است كار

كه تاج كيانرا كند آرزوى‏* * * تفو بادبر چرخ كردان تفوى‏

شما را بديده درون شرم نيست‏* * * زاره خرد مهر و آزوم نيست‏

بدينچهر و اين مهر و اين راه و خوي‏* * * همى تخت و تاج آيدت آرزوى‏

جهان كر با اندازه جوئى همى‏* * * سخن بر كز افه نكوئى همى‏

سخنكوى مردى بر ما فراست‏* * * جهانديده و كردو دانا فراست‏

بدان تا بكويد كه راى تو چيست‏* * * بتخت كيان رهنماى تو كيست‏

سوارى فرستم بنزديك شاه‏* * * بخواهم از و هر چه خواهى بخواه‏

تو جنك چنين پادشاهى مجوى‏* * * كه فرجام اين خوار ارد بروى‏

نبيره جهاندار نوشيروان‏* * * كه با داد او پير كشتي جوان‏

پدر بر پدر شاه و خود شهريار* * * زمانه ندارد چنو يادكار

جهانرا مكن پر ز نفرين خويش‏* * * مشو بد كمان انرائين خويش‏

نكه كن بدين نامه پندمند* * * مكن چشم و گوش و خرد را بلند

چو نامه بمهراندر آمد بداد* * * به پيروز شاپور فرّخ نژاد

بر سعد وقاص شد پهلوان‏* * * از ايران بزرگان رو شتروان‏

همه غرق در آهن و سيم و زر* * * سپرهاى زرّين و زرّين كمر

چو بشنيد سعدان كر نمايه مرد* * * پذيره شدش با سپاه چو كرد

سپهبد فرود آمد اندر زمان‏* * * ز لشكر بپرسيد و زيهلون‏

هم از شاه و دستور و ز لشكرش‏* * * ز سالار بيدار وز كشورش‏

؟؟؟ پيروز افكند و كفت‏* * * كه ما نيزه و تيغ داريم جفت‏

ز ديبا نكويند مردان مرد* * * ز زرّ و ز سيم و ز خواب ز خور

شمار بمردانكي ينست كار* * * همان چون زنان رنك بوى و نكار

هنرتان بديباست و پيراستن‏* * * ديكر نقش بام و درآر استن‏

هم آنكاه فيروز نامه بداد* * * سخنهاى رستم همه كرديار

سخنهاش بشنيد و نامه بخواند* * * و زان نامه پهلوان خيره ماند

«ترجمة الكتاب المرسل من رستم باللغة الفارسية»

مكتوبا على الحرير الابيض. بين اليأس و الرجاء. و بدأ كتابه باسم خالق الكائنات‏

20

و لا نكونن ممن لا يخاف و لا يخشى قدرته و عظمته الذي رفع السموات و وهب التاج و سرير السلطنة للشاه الذي يسجن العفريت و يقيده. و الان تجاسرتم على عظمته.

فلم هذا العناد و لا فائدة في اقدامكم على هذه الحرب الطاحنة مع الاكاسرة. فكف عن العناد. قل لي من سلطانك و من انت و ما دينك و اي طريق أنت سالكه و لمن تنسب سطوتك و قوادك و عسكرك حفاة عراة و بكسرة من الخبز تعيشون. لا تملسكون مالا و لا اقبالا و لا مهمات و لا عدة. فبمجيئكم الى بلادنا ألقيتم انفسكم بايديكم الى التهلكة. فليس التاج و اريكة الملك لكم. بل لنا سرير الملك و التاج و الاقبال أبا عن جد. و لا نظير لملكنا الهمام اذا جلس مسرورا على سرير الملك و بذل من المال بقدر رؤس الاعراب دنانير فلا يؤثر ذلك في خزينته. له الفان و عشر من انواع كلاب الصيد و الصقور و الفهود. جميعهم بالاطواق و السلاسل الذهبية. فهو يذهب الى الصيد في الصحراء منفردا. و انتم تعيشون بلبن الابل و اكل ضب الجبل. أفلا تستحون.

أفلا ترعوون. كيف تؤملون ان تسلبوا الاكاسرة تاجهم بهذه الاوجه الكالحة و هذه الطباع السمجة. فتبا للزمان و للحدثان تبا اذ طمعت الاعراب في نيل سرير الملك الكسروي. اذا امل الانسان شيئا بعيد المنال فلا شك ان طلبه يكون ضربا من المحال. ان لدينا كثيرا من الرجال الابطال المتحلين بالمعارف و الكمال ساحوا في الارض و وقفوا على احوال العالم باسره. فقل لي ماذا تريد و ما مطلبك و بمن استدلاتم في اخذ سرير الملك من الاكاسرة حتى انفذت فارسا الى جلالة الشاه و اعرض عليه ما تريد. لا تطلب الحرب مع هذا الملك العظيم الشأن لان عاقبتها عليك تكون الندامة و الخذلان. و اعلم ان هذا الملك هو حفيد كسرى انوشيروان «الملك العادل» الملك ابا عن جد. الذي كان بعدله يرجع الشيخ شابا و الملك القائم الان سالك مسلك جده في العدل و الاحسان و ليس له مثيل بين الملوك و لا شبيه فلا تكن بغيضا الى العالم بفعلك و لا تكن مظهر القبح في دينك. و تأمل كتابي هذا المملوء بالمواعظ و النصائح و انظره بعين البصيرة و لا تغمض عنه عينيك و لا تصم عنه اذنيك. و بعد ان ختم رستم هذا الكتاب دفعه الى فيروز شاپور لا يصاله الى سعد بن ابي وقاص فتوجه هذا البطل الشهير الى سعد و بصحبته جماعة من اكابر الايرانيين و كلهم لا بسون الدروع و تروسهم و مناطقهم مذهبة. فلما علم سعد يمجي‏ء رسولا من عند رستم استعد بجيشه الجرار. فلما وصل فيروز شاپور سأله سعد عن العساكر و قائدهم رستم و عن الشاه و امرائهم و بلادهم فاجابه ان لنا شيفين و رمحين. فقال سعد ان الرجال لا يفتخرون‏

21

بزينة ملابسهم و زخارف بيوتهم فأنتم تتشبهون بالنساء في التزين و لا شجاعة لكم و في تلك الاثناء سلمه الكتاب. فلما قرأه سعد استغرب و تعجب مما حواه.

«نامه سعد وقاص برستم هرمزد»

بتازى يكي نامه پاسخ نوشت‏* * * پديد آوريد اندر و خوب و زشت‏

سر نامه بنوشت نام خدا* * * محمّد رسولش بحق رهنما

ز جنىّ سخن كفت و از آدمى‏* * * ز كفتار پيغمبر هاشمى‏

ز توحيد و قرآن و وعد وعيد* * * ز تحديد و ز رسمهاى جديد

ز قطران و از آتش و ز مهرير* * * ز فردوس و جوى مى و جوى شير

ز كافور و از مشك و ماء معين‏* * * درخت بهشت و مى و انكبين‏

كه كر شاه پذيرد اين دين راست‏* * * دو عالم بشادى و شاهى و راست‏

همان تاج يابد همان كوشوار* * * همه ساله با بوى و رنك و نكار

شفيع از كناهش محمد بود* * * تنش چون كلاب مصعد بود

بكارى كه پاداش يابي بهشت‏* * * نبايد بباغ بلا خار كشت‏

تن يزدكرد و جهان فراخ‏* * * چنين باغ و ايوان و ميدان و كاخ‏

همه تخت و تاج و همه جشن و سور* * * نيرزد بديدار يك موى حور

دو چشم تو اندر سراى سپنج‏* * * چنين خيره كشت از پى تاج و كنج‏

بس ايمن شدستى برين تخت و عاج‏* * * بدين كنج و مهر و بدين تخت و تاج‏

جهانى كجا شربت آب سرد* * * نيرزد بدودل چه دارى بدرد

هر انكس كه پيش من آيد بجنك‏* * * نه بيند بجز دوزخ و كور تنك‏

بهشت است اكر بكرود جاى او* * * نكر تا چه آيد كنون راى او

هميشه بود آن و اين بكذرد* * * چنين داند انكس كه دار داخرد

بقرطاس مهر عرب بر نهاد* * * درود محمد همى كرد ياد

فرستاده سعد و قاص رفت‏* * * بنزديك رستم خراميد و تفت‏

جو شعبه مغير برفت از كوان‏* * * كه آيد بر رستم پهلوان‏

از ايرانيان نامدارى ز راه‏* * * بيامد برى پهلوان سپاه‏

كه آمد فرستاده پير و سست‏* * * نه اسب و سايح و نه جامه دوست‏

يك تيغ باريك بر كردنش‏* * * پديد آمده چاك پيراهنش‏

چو رستم بكفتار او بنكريد* * * ز ديبا سرا پرده در كشيد

22

ز زر بفت چينى كشيد ندنخ‏* * * سپاه اندر امد چو مور و ملخ‏

نهادند زرّين يكى زير كاه‏* * * نشست از برش پهلوان سپاه‏

نشتسذ پيشش صد و شصت مرد* * * سواران و شيران روز نبرد

ابا افسر و جامه‏هاى بنفش‏* * * بپاي اندرون كرده زرّينه كفش‏

همان طوق داران ابا كوشوار* * * سرا پرده آراسته شاهوار

چو شعبه ببالاى پرده سراى‏* * * بيامد بر آنجا نه بنهاد پاي‏

هميرفت بر خاك بر خوار خوار* * * ز شمشير كرده يكي دستوار

نشست از بر خاك و كس را نديد* * * سوى پهلوان و سران ننكريد

بدو كفت رستم كه جان شاد دار* * * بدانش روان و تن آباد دار

بدو و كفت شعبه كه اى نيكنام‏* * * اكر دين پذيرى عليك السلام‏

به پيچيد رستم ز كفتار او* * * بروهاش پر چين شد از كار او

ازو نامه بستد بخوننده داد* * * سخنها برو كرد داننده ياد

چنين داد پاسخ كه او را بكوى‏* * * نه تو شهريارى نه ديهيم جوى‏

نديدى سر نيزه بخت مرا* * * دلت آرزو كرد تخت مرا

سخن نزد دانندكان خوار نيست‏* * * ترا اندر نيكار ديدار نيست‏

اكر سعد با تاج شاهان بودى‏* * * مرا رزم و بزم وى آسان بودي‏

و ليكن چو بد ز اختر بى‏وفاست‏* * * چه كويم كه امروز روز بلاست‏

مرا كر محمد بود پيش رو* * * ز دين كهن كيرم اين دين نو

همي كژ بود كار اين كوژ پشت‏* * * بخواهد همى بود با ما درشت‏

تو اكنون بدين خرّمى باز كرد* * * كه جاى سخن نيست روز نبرد

بكويش كه در جنك مردان نيام‏* * * مرا بهتر آيد ز كفتار خام‏

جو شعبه بنزديك او كشت باز* * * سپه را بفرمود تا كرد ساز

بفرمود تا بر كشيدند ناى‏* * * سپه اندر آمد زهر سوى بجاى‏

«جواب سعد الوقاص على كتاب رستم هرمزد»

فكتب سعد جوابه بعبارات تتضمن الشدة و اللين. بدأ بسم اللّه و محمد رسوله و الدليل على طريق الحق. ثم تكلم عن الجن و آدم و احاديث النبي الهاشمي و عن القرآن الشريف و التوحيد و الوعد و الوعيد و نهر اللبن و شجر طوبى و الشراب الطهور و الجنة و جهنم و الشريعة الأحمدية فاذا قبل الشاه هذا الدين المبين نال السعادة

23

في الدارين. و يكون شفيع ذنوبه محمدا يوم لا ينفع مال و لا بنون. و يتقطر جسمه كرائحة ماء الورد فاذا امكن الانسان الحصول على رياض الجنة بالعمل الصالح فلا يصح أن يعمل عملا سيئا فيكون غرس شوك الشر في بستان الخير. كل ما تراه في الدنيا من القصور و التيجان المرصعة و سرير السلطنة و جميع محتوياتها لا يساوي شعرة جورية من حور الجنة. فلا تغرنك الحياة الدنيا فما هى الابضعة ايام. لان «كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذى الجلال و الاكرام». فكل من يريد محاربتي مصيره جهنم او اللحد الضيق. و كل ما حواه من خزائن الاموال و تاج السلطنة التي ملأت عينيك لا يساوي جرعة من الماء البارد في حالة النزع و الاحتضار. و متى كان الامر كذلك فلم هنّا العناد و تعذيب قلبك. و قد اجمع العقلاء على ان كل ما في الدنيا من الثروة و المال عرض زائل. و بذلك ختم جوابه و اعطاه لشعبة ليوصله الى رستم فذهب اليه فصادف في طريقه احد مشاهير ايران فاسرع هذا الرجل و اخبر رستم بمجى‏ء شخص مسن ليس له جواد و لا سلاح و لا لباس لائق و له سيف يحمله‏

فلما علم رستم بذلك امر بنصب خيمة من الحرير حبالها مذهبة من صنع الصين و فرشها مزركشة و نصب في وسطها سريرا من الذهب المرصع بالجواهر الثمينة فجلس عليه رستم و جلس حوله ماية و ستون من الفرسان و الشجعان كالاسود في ميدان الحرب على رءوسهم الخوذات المذهبة و لباسهم من الحزير البنفسجي اللون و نعالهم مذهبة و عسا كره حول الخيمة كالجراد المنتشر. ثم حضر شعبة و وقف امام الخيمة فدعوه للدخول فلم يقبل و جلس على الارض متكئا على سيفه و لم يلتفت الى هذه الابهة و العظمة و لم يهتم بأولئك الفرسان فقال رستم لشعبة خذ انبساطك و راحتك بكل انشراح فأجابه قائلا ايها البطل الهمام اذا قبلت دين محمد فسلام عليك. فأعرض عنه رستم لهذا الجواب و عبس وجهه و قطب حاجبيه. ثم أخذ منه الجواب و اعطاه للقارى‏ء فتلاه و بعد ما فهم مضمونه قال لشعبة قل لسعد انه ليس سلطانا و لا صاحب التاج و اريكة السلطنة و لا شهد سنان و محي و لم يعلم قوتي و سطوتي حتى اتى بلادنا طامعا في التاج و سلطنة الاكاسرة فاذا كان ملكا ربما نحاربه او تصالحه. لكن ماذا اقول لهذا الزمان و النجم النحس الذي رماني بهذا اليوم العصيب. فاذا كان محمد يدلنى على الدين الحق كنت اترك الدين القديم و اتبع هذا الدين الجديد. و لكن الفلك المعكوس اراد ان يسير معي بالعكس و القسوة. ثم قال لشعبة ارجع بسلام. فالحرب اولى من تطويل الكلام. فعاد شعبة الى سعد الوقاص و اخبره بما جرى بينه و بين رستم‏

24

«رزم رستم با سعد وقاص و كشته شدن رستم»

بفرمود تا بر كشيدند ناى‏* * * سپه اندر آمد زهر سو بحاى‏

بر آمد يكي كرد و مرشد خروش‏* * * همى كر شدى مردم تيز هوش‏

سانهاى الماس در تيره كرد* * * ستاره است كفتى شب لاجورد

همى نيزه بر مغفر آبدار* * * نيامد بزخم اندران پايدار

سه روز اندران جايكه بود جنك‏* * * بر ايرانيان بر نبود آب تنك‏

شد از تشنكي دست كردن ز كار* * * هم اسپ كرنمايه از كار زار

لب رستم از تشنكى شد جو حاك‏* * * زبان كشته اندر دهن چاك چاك‏

جنان تنك شد روز كار نبرد* * * كل تر محوردن كرفت اسب و مرد

خروش برامد بكردار رعد* * * از نيروى رستم و زآئر روى سعد

برفتند هر دو ز قلب سپاه‏* * * بيك سو كشيدند ز اوردكاه‏

چو از لشكران هر دو تنها شدند* * * بزيريكى تند و بالا شدند

هميتا ختند اندران زرمكاه‏* * * دو سالار بر يكدكر كينه خواه‏

خروشى بر آمد ز رستم جو رعد* * * يكى تيغ زد بر سر اسب سعد

تكا ورزد و اندر آمد سر* * * جدا كشت از و سعد پر حاشخر

براميخت رستم يكى تيغ تيز* * * بدان تا نمايد بدو رستخيز

همى خواست از تن سرش را بريد* * * ز كرد سپاه اين مر ابرا بديد

فرود آمد از اسب و زين پلنك‏* * * نزد بر كمر بر سر پا لهنك‏

بپوشيد ديدار رستم ز كرد* * * بشد سعد پويان بجاى نبرد

يكى تيغ زد بر سر و ترك وي‏* * * كه خون اندر امد ز تركش بردى‏

چو ديدار رستم ز خون تيره كشت‏* * * جهان جوى تازي برو چيره كشت‏

ديكر تيغ زد بر سر و كردنش‏* * * بخاك اندر افكند حنكى؟؟؟

سپاه از دور و يه كس آكاه به‏* * * كسى را سوى پهلوان راه به‏

همى جست مر پهلوانرا سپاه‏* * * برفشذ تا پيش آورد كاه‏

بديدندش از دور پر كرد و خاك‏* * * سراپاى كشته شمشير خاك‏

هزيمت كرفتذ ايرانيان‏* * * بسى نامه ور كشته شد در ميان‏

بسى تشنه بر زين؟؟؟* * * ز شاهان جهانرا بر آمد فقير

25

سوى شاه ايران بيامد سپاه‏* * * شب تيره و روز تازان براه‏

چو رستم بجنك اندران كشته شد* * * سر نامداران همه كشته شد

چه مايه بكشتند از ايران سپاه‏* * * بسى باز كشتذاز اوردكاه‏

سپاه مسلمان پس اندردمان‏* * * همى شد بكردار شير ژيان‏

ببغداد بود انزمان يزدكرد* * * كه او را سپاه اندر امد بكرد

الحرب بين سعد الوقاص و رستم هرمزد و قتل رستم‏

ثم امر كلّا من القائدين جيشه بالاستعداد للحرب فاصطف العساكر من الطرفين و هجم كل من الجيشين على بعضهما البعض فثار الغبار حتى اعمى الابصار. و كان ونين الحرب بين سعد الوقاص و رستم هرمرد و قتل رستم‏

- 4-

26

السلاح و صوت الابطال يصم الآذان و يستطير الجنان و لمعان الرماحّ و السيوف بين الغبار كانه ضوء الكواكب في ظلام الليل. و استمرت الحرب ثلاثة ايام متوالية في هذا المكان. و كان الماء قد نفد من بين جيش الفرس و اشتد الظمأ حتى لم يبق للقواد قوة و لا للخيول الجياد في ميدان الحرب و الجهاد اقتدارا و يبست شفتا رستم و تشقق لسانه حتى صارت الرجال و الدواب يأكلون الطين لاطفاء ظمائهم. و مع هذا كان الابطال ينادون من الجانبين هلموا للقتال. ثم خرج رستم و سعد من قلب عسكريهما و انفرذا بعيدا عن جيشهما و تباوزا فصاح رستم صيحة كالرعد و ضرب بسيفه على رأس جواد سعد فسقط الجواد و سقط سعد على الارض. و عند ذلك نزل رستم عن جواده و تقدم نحوه ليضرب عنقه. فقام سعد مبادرا و هجم على رستم و ضرب بسيفه على رأسه فشجها و سال الدم على وجهه حتى غطى عينيه ثم لحقه بضربة ثانية فسقط على الارض و اتبعه بجملة ضربات على جسمه حتى قطعه اربا و لا علم للعساكر بذلك كله و لما فتشوا على قائدهم وجدوا جثته مغبرة في التراب فحينئذ انهزمت العساكر جميعها الى مقر السلطنة و كانت عساكر العرب تتبع المنهزمين الآخذين في السير ليلا و نهارا. و قتل في هذه الحرب كثير من مشاهير القواد و من الرجال و الحيوانات و مات كثيرون على ظهور خيولهم من شدة العطش‏

و في اثناء هذه الحرب كان يزدجرد «يزدكرد» و هو آخر ملك من ملوك ساسان في بغداد. فلحق به بعض من العساكر و عاد بعضهم الى دار السلطنة في ايران.

و انتهت الحرب باخذ العرب بلاد العجم و دخل سمد ايوان كسرى و صلى صلاة الفتح و كانت اول جمعة اقيمت بالعراق. و ذلك في صفر سنة 16 للهجرية و لما شاهد المسلمون ايوان كسرى كبروا و قالوا هذا ابيض كسرى هذا ما وعد به اللّه و رسوله. و قام سعد على نهر شيرالى الى ايام صفر ثم عبروا الدجلة و هرب الفرس من المدائن نحو حلوان و هي بلد من بلاد العراق و كان يزدجرد قدم اهله الى حلوان و خرج هو و من معه بما قدر عليه من المتاع و دخل المسلمون المدائن و قتلوا كل من وجدوه و احاطوا بالقصر الابيض و نزل به سعد و اتخذوا ايوان كسرى مصلى و استجمعوا من الاموال و الآنية و الثياب و الجواهر ما يخرج عن الاحصاء و ادرك بعض المسلمين بغلا وقع في الماء فوجد حلية كسرى من التاج و المنطقة و الدرع و غير ذلك كله مكلل بالجواهر و وجدوا اشياء يطول شرحها و كان لكسرى بساط طوله ستون ذراعا على هيئة روضة قد صورت فيه بالجواهر على قضبان الذهب فاستوهب سعد بما يخص اصحابه منه و بعث به‏

27

الى عمر الفاروق و قسمه بين المسلمين فاصاب عليا بن ابي طالب منه قطعة فباعها بعشرين الف درهم و أقام سعد بالمدائن و ارسل جيشا الى جلولا و كان قد اجتمع بها الفرس فانتصر المسلمون و قتل من الفرس ما لا يحصى و هذه الواقعة هي المعروفة بواقعة جلولا و كان يزدجرد بحلوان فسار عنها و قصد اليها المسلمون و استولوا عليها

فتح مصر في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه- سنة 18 ه

قال ابن عبد الحكم حدثنا عثمان بن صالح و غيره كانت سنة ثمان عشرة حين قدم عمر ابن الخطاب الجابية فقام اليه عمرو بن العاص و خلايه فقال يا امير المؤمنين ائذن لي أن اسير الى مصر و حرضه عليها. و كان عمرو بن العاص لا يفتر عن ترغيب الخليفة عمر ابن الخطاب في مصر و افتتاحها لانه كان قد جاءها قبل ان اعتنق الاسلام و رأى فيها من العظمة و المجد ما جعله شديد الرغبة في افتتاحها و كان يقول له «انك ان افتتحتها كانت قوة للمسلمين و عونا لهم و هي اكثر الارض اموالا و اعجز عن القتال و الحرب» و كان الامام عمر يتخوف من ذلك و لا سيما بعد ان عقد المعاهدة بينه و بين هر قل لكنه بعد ان نقضت على ما تقدم رأى ان يجيب طلبه فانفذ اليه ان يسير باربعة آلاف رجل اشداء و قال له «سرانى مستخير اللّه في سيرك و سيأتيك كتابي قريبا ان شاء اللّه تعالى فان ادركك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل ان تدخلها او شيئا من ارضها فانصرف و ان انت دخلتها قبل ان يأتيك كتابي فامض لوجهك و استعن باللّه و استنصره» و كان ذلك بعد افتتاح بيت المقدس بأيام‏

فسار عمرو بن العاص و من معه قاصدا مصر و هو يكاد لا يصدق ان أذن له بذلك.

فما بلغ رفح و هي قرية تدعى الآن «رفع» تبعد نحو عشر ساعات عن «العريش» حتى ادركه رسول من عمر و دفع اليه كتابا فخاف ان يكون ذلك الكتاب مؤذنا بالانصراف عن مصر و هو لم يدخلها بعد فاجل فتحه حتى يدخل ارضها و كان اذ ذاك على مسافة يسيرة منها فأمر بجد السير حتى امسى المساء فسأل اين نحن فقيل له في العريش فعلم انه دخل ارض مصر فأمر بالمبيت هناك. و عند الفجر نهض القوم للصلاة و بعد اتمامها وقف عمرو بن العاص و في يده كتاب الخليفة ففضه بكل احترام و تلاه على الجمهور بصوت عال و هو «بسم اللّه الرحمن الرحيم من الخليفة عمر بن الخطاب الى عمرو بن العاص عليه سلام اللّه تعالى و بركاته. إما بعد فان ادركك كتابي هذا

28

و انت لم تدخل مصر فارجع عنها و اما اذا ادركك و قد دخلتها او شيئا من ارضها فامض و اعلم اني ممدك» فالتفت عمرو الى من حوله قائلا «اين نحن يا قوم «فقالوا في العريش» فقال «و هل هي من ارض مصر ام الشام» فاجابوا انها من مصر فقال «هلم بنا نعبر على خيرة اللّه تعالى». و هكذا دخل عمرو بن العاص ارض مصر في اربعة آلاف رجل في السنة الثامنة عشرة للهجرة و جعلوا يخترقونها جنوبا في قسمها الشرقي و عددهم يزيد كل يوم ممن كان ينضم اليهم من القبائل البدوية التي كانوا يمرون بها في طريقهم‏

فكان اول موضع قوتل فيه الفرما قاتلت الروم قتالا شديدا نحوا من شهر ثم فتح اللّه على المسلمين و كان عبد اللّه بن سعد على ميمنة عمرو منذ توجه من قيسارية الى ان فرغ من حربه. ثم تقدم عمرو و هو لا يقاتل الا بالامر الخفيف حتى اتي بلبيس فقلتلوه فيها نحوا من شهر حتى فتح اللّه عليه و كان في بلبيس ارمانوسة بنت المقوقس حاكم من قبل الروم فاحب عمرو ملاطقة المقوقس استجلابا لوده فسير اليه ابنته مكرمة في جميع مالها فسر ابوها بقدومها كثيرا

ثم سار عمرو و ما زال حتى مرّ بجانب الجبل المقطم فاشرف على حصن بابل أو بابليون القائم على ضفة النيل الشرقية مقابل الاهرام العظيمة. و كان حصنا منيعا رفيع العماد (1) راسخ الى شرقيه جبل المقطم و على وجهه تجعدات تدل على قديم عهده و بين الجبل و الحصن بقعة من الارض لا شي‏ء من العمارة فيها الا بعض الاديرة و الكنائس. ثم نظر الى الغرب فاذا بالنيل منحدر امام ذلك الحصن فيزيده مناعة و الى ماوراء النيل ارض قد كستها الطبيعة جمالها حلة خضراء بين اعشاب و اشجار خصبة و هي جزيرة الروضة و كانت تعرف بجزيرة مصر و الماء محيط بها مدار السنة.

و يقطع النيل بين الحصن و هذه الجزيرة جسر من خشب و كذلك فيما بينها و الجيزة يمر عليهما الناس و الدواب من البر الشرقي الى الجزيرة و من هذه الى البر الغربي.

و كان هذان الجسران مؤلفين من مراكب بعضها بحذاء بعض و موثقة بسلاسل من حديد و فوق المراكب اخشاب ممتدة فوقها تراب و كان عرض الجسر الواحد ثلاث قصبات‏

و تطلع عمرو الى ماوراء الجزيرة فاذا بالاهرام العظيمة راسخة كالجبال و قد اثقلت‏

____________

(1) و يسميه بعض مؤرخى العرب حصن باب اليون او باب الاون و للمؤرخين فيه اقوال اظهرها انه حصن بناه الفرس عند تملمكهم مصر و دعوه باسم عاصمته بابل لانها كانت في حوزتهم‏

29

كاهل الدهر فعجز عن هدمها. ثم رمى بنظره الى جنوب الاهرام فرأى بقايا منف العظيمة ترهب القلوب بما يتجلى فيها من العظمة و الفخامة و من جملتها اهرامها المعروفة الآن باهرام سقاره‏

فامر عمرو ان تنصب الخيم فيما بين الحصن و المقطم لجهة الشمال قرب مصر القديمة اليوم و لم يكن هناك الا بعض المزارع و الغياض و جعل يشرح صدره و يتأمل بما يهندده من الاخطار في مقاومة هذا الحصن. ثم نظر الى وادي النيل فاذا هو يانع خصب يشتهيه النظر يخترقه النيل المبارك. على غربيه آثار منف و الاهرام و على شرقيه ذلك الحصن و فيه قد حشدت جنود الروم متأهبين للدفاع و لم يكن قد راى شيئا من ذلك فيما مرّ به من البلدان فعظم عليه الامر الا انه عاد الى عزمه عندما تصور ما يلحق به من العار اذا عاد خائبا و ما يقع في يده من الخيرات اذا فاز بالنصر بعد الجهاد الحسن و اذا لم يفز في جهاده هنا و استشهد ففي الآخرة ما هو افضل مآبا

و كان في الحصن المقوقس و قد تقدم انه حاكم من قبل دولة الروم على مصر العليا و السفلى و معظم سكانهما من القبط. و كانت عاصمة حكومته منف على الضفة الغربية اما هذا الحصن فقد اتخذه مركزا حربيا ليمنع العرب من المرور الى عاصمته. و كان المقوقس من حزب الوطنيين و يقال انه كان بينه و بين الرسول مكاتبة و على كل فانه لم يكن له ان يفعل ما يشاء. فلما علم بقدوم جيوش المسلمين جهز جندا تحت قيادة احد كبراء جيشه المدعو الاعيرج و جاءوا بما لديهم من العدة و السلاح و تحصنوا في ذلك الحصن‏

اما عمرو فاخذ في المهاجمة مدة فأبطأ عليه الفتح فكتب الى الخليفة يستمده فامده باربعة آلاف رجل عليهم اربعة من كبار القواد و هم الزبير بن العوام و المقداد ابن الاسود و عبادة بن الصامت و مسلمة بن مخلد و قيل ان الرابع خارجة بن حذاقة دون مسلمة و ورد معهم خطاب امير المؤمنين و نصه «اني قد انفذت اليك اربعة آلاف على كل الف منهم رجل مقام الف»

فانفذ عمرو احد قواده و لعله حذاقة بخمسمائة فارس الى الجهة الثانية من الحصن من وراء الجبل فساروا ليلا و كان الروم قد خندقوا خندقا و جعلوا له ابوابا و بذروا في اقنيتها حسك الحديد فالتقى القوم حين اصبحوا فانهزم المصريون حتى دخلوا الحصن فصارت العرب محيطة بالحصن من كل جهات الا النيل و كان حول ذلك الحصن الخندق فلم يستطيع العرب الهجوم عليه و استمر رمى السهام صباحا و مساء ثم تشاور عمرو

30

و الزبير بشأن ذلك فاقرّا على تشديد الحصار ففرقا الرجال حول الخندق. و ألح عمرو على الحصن بالمنجنيق ثم خابر القوم بشأن التسليم فلم يفعلوا. و كان المقوقس يريد التسليم تخاصا من نير الروم لما بينه و بينهم من الضغائن الدينية و ان لم يتجرأ على التصريح ببغيته لان رجاله لم يكونوا كلهم من حزبه و لا سيما الأعيرج. و لما رأى من اقدام العرب و صبرهم على القتال و رغبتهم فيه خاف ان يظهروا على رجاله فتكون الخسارة مزدوجة فعمد برجاله الى باب الحصن الغربي على ضفة النيل و عبر بهم على الجسر الى الجزيرة ثم تبعه الأعيرج و لم يترك في الحصن الانفرا قليلا من رجاله و العرب غير عالمين‏

و لما ابطأ الفتح قال الزبير «اني اهب اللّه نفسي و ارجو ان يفتح اللّه بذلك على المسلمين» فعبر الخندق ثم وضع سلما الى جانب دار الحصن من ناحية سوق الحمام و اخبر عمرا انهم اذا سمعوا تكبيره ان يجيبوه جميعا فما شعر الا و الزبير على رأس الحصن يكبر و السيف في يده فتحامل الناس على السلم حتى كادوا يكسرونه لكثرتهم فنهاهم ثم كبر و كبر الناس معه و اجابهم من كان خارجا فظن من كان باقيا في الحصن من الروم ان العرب جميعهم هاجمون فهربوا. و عمد الزبير و اصحابه الى باب الحصن.

ففتحوه و اقتحموا الحصن و تملكوه ثم عمدوا الى الجسر فتعقبوا القبط الى الجزيرة.

و اما هؤلاء فساروا الى منف عاصمة ولايتهم. و بعد ان عبروا النيل رفعوا الجسر عنه فتوقف العرب عن تعقبهم اذ لم يكونوا يستطيعون عبور النيل فاصبحوا محاطين بالماء من كل الجهات‏

فلما رأى المقوقس ذلك انفذ الى عمرو كتابا نصه «انكم قوم قد و لجتم في بلادنا و الححتم على قتالنا و طال مقامكم في ارضنا و انما انتم عصبة يسيرة و قد اضلتكم الروم و جهزوا اليكم و معهم من العدة و السلاح و قد احاط بكم هذا النيل و انما انتم اسارى في ايدينا فابعثوا الينا رجالا منكم نسمع من كلامهم فلعله ان يأتي الامر بيننا و بينكم على ما تحبون و نحب و ينقطع عنا و عنكم القتال قبل ان تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام و لا نقدر عليه. و لعلكم ان تندموا ان كان الامر مخالفا لطلبتكم و رجائكم فابعثوا الينا رجالا من اصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شي‏ء»

فلما اتى رسل المقوقس الى عمرو حبسهم عنده يومين و ليلتين حتى خاف عليهم المقوقس و انما اراد بذلك عمرو ان يروا حال المسلمين‏

و عند ذلك رد عمرو الرسل و كتب الى المقوقس «انه ليس بيني و بينكم الا احدى‏

31

ثلاث خصال اما ان دخلتم في الاسلام فكنتم اخواننا و كان لكم مالنا و ان ابيتم فاعطيتم الجزية عن يد و انتم صاغرون و اما ان جاهدناكم بالصبر و القتال حتى يحكم اللّه بيننا و بينكم و هو خير الحاكمين»

فلما جاءت رسل المقوقس اليه قال كيف رأيتم هؤلاء قالوا «رأينا قوما الموت احبّ الى احدهم من الحياة و التواضع احب الى احدهم من الرفعة ليس لاحدهم في الدنيا رغبة و لا تهمه انما جلوسهم على التراب و اكلهم على ركبهم و اميرهم كواحد منهم لا يعرف رفيعهم من وضيعهم و لا السيد منهم من العبد و اذا حضرت الصلاة ثم يتخلف عنها منهم احد يغسلون اطرافهم بالماء و يخشعون في صلاتهم»

فاقسم المقوقس قائلا «لو ان هؤلاء التقوا الجبال لازالوها و لا يقوى على قتال هؤلاء احد و لئن لم نغتنم صلحهم اليوم و هم محصورون بهذا النيل لن يجيبونا بعد اليوم اذا امكنتهم الارض وقووا على الخروج من مواضعهم» و ما زال على رجال حكومته حتى وافقوه على طلب الصلح فكتب الى عمرو ابعثوا الينا رسلا منكم نعاملهم و نتداعى و هم الى ما عساه ان يكون فيه صلاح لما و لكم»

«الوفد الى المقوقس»

فبعث عمرو عشرة نفر احدهم عبادة بن الصامت و كان رابط الجأش هائل المنظر اسود اللون طوله عشرة اشبار و جعله متكلم القوم و امره ان لا يجيبهم الى شي‏ء دعوه الا احدى هذه الثلاث خصال قائلا ان امير المؤمنين قد تقدم اليّ في ذلك و امرني ان لا اقبل شيئا سوى خصلة من هذه الثلاث «فركبوا السفن حتى اتوا المقوقس و دخوا عليه فتقدم عبادة في صدر اصحابه فهابه المقوقس لسواده و عظم جئته و قال نحوا عني هذا الاسود و قدموا غيره يكلمني» فاجابوا «ان هذا افضلنا رأيا و علما و هو سيدنا و خيرنا و المقدم علينا و انما نرجع جميعا الى قوله و رأيه و قد امرنا الامير ان لا نخالف له امرا» فقال المقوقس «و كيف رضيتم ان يكون هذا مقدما عليكم و هو اسود و انما ينبغي ان يكون دونكم» فقالوا «كلا و ان كان اسود فهو افضلنا» فقال المقوقس لعبادة «تقدم يا اسود و كلمني برفق فاني اهاب سوادك»

فتقدم و قال «قد سمعت مقالتك و ان فيمن خلفت من اصحابي الف رجل سود كلهم اشد سوادا مني و افظع منظرا و جميعهم اشد هيبة مني و انا قد وليت و ادبر شبابي و اني مع ذلك بحمد اللّه ما اهاب مائة رجل و ذلك انما هو لرغبتنا و همتنا في الجهاد

32

في اللّه و اتباع رضوانه و ليس غزونا عدونا ممن حارب اللّه لرغبة في الدنيا و لا طلب الاستكثار منها الا ان اللّه عزّ و جلّ قد احل لنا ذلك و جعل ما غنمنا منه حلالا و ما يبالي احدنا ان كان له قنطار ذهب او كان لا يملك الا درهما لان غاية احدنا من الدنيا اكلة يأكلها ليسد بها جوعه لليله و نهاره و شملة يلتحفها فان كان احدنا لا يملك الا ذلك كفاه و ان كان له قنطار من ذهب انفقه في سبيل اللّه و اقتصر على هذا الذي في يده و يبلغه ما كان في الدنيا لان نعيم الدنيا ليس نعيما و رخائها ليس رخاء انما النغيم و الرخاء في الآخرة و بذلك امرنا اللّه و امرنا به نبينا و عهد الينا ان لا تكون همة احدنا من الدنيا الا ما يمسك به جوعه و يستر عورته و تكون همته و شغله في رضوانه و جهاد عدوه»

فلما سمع المقوقس من هذا الكلام قال لمن حوله بلسانهم «هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط لقد هبت منظره و ان قوله لا هيب. ان هذا و اصحابه اخرجهم اللّه لخراب الارض ما اظن ملكهم الا سيغلب على الارض كلها» ثم اقبل على عبادة و قال له «ايها الرحل الصالح قد سمعت مقالتك و ما ذكرت عنك و عن اصحابك و لعمري ما بلغتم الا بما ذكرت و ما ظهرتم على من ظهرتم عليه الا لحبهم الدنيا و رغبتهم فيها و قد توجه الينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده قوم معروفون بالنجدة و الشدة ما يبالي احدهم بمن لقى و لا من قاتل و انا لنعلم انكم لن تطيقوهم لضعفكم و قلتكم و قد اقمتم بين اظهرنا اشهرا و انتم في ضيق و شدة من معاشكم و حالكم و نحن تطيب انفسنا ان نصالحكم على ان نفرض لكل رجل منكم دينارين و لأميركم مائة دينار و لخليفتكم الف دينار فتقبضونها و تنصرفون الى بلادكم قبل ما يغشاكم ما لا قوام لكم به»

فقال عبادة «يا هذا لا تغرن نفسك و لا اصحابك ... اما ما تخوفنا به من جمع الروم و عددهم و كثرتهم و انا لا نقوى عليهم فلعمري ما هذا الذي تخوفنا به و لا بالذي يكسرنا عما نحن فيه و ان كان ما قلتم حفا فذلك و اللّه ارغب ما يكون في قتالهم و اشد لحرصنا عليهم لان ذلك اعذر لنا عند ربنا اذا قدمنا عليه ان قتلنا عن آخرنا كان امكن لنا في رضوانه و جنته و ما شي‏ء اقرّ لاعيننا و لا احب لنا من ذلك و اننا منكم حينئذ لعلى احدى الحسنيين اما ان تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا ان ظفرنا بكم او غنيمة الآخرة ان ظفرتم بنا و لانها أحب الخصلتين الينا بعد الاجتهاد منا. و ان اللّه عز و جل قال لنا في كتابه‏ (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) و ما منا رجل الا و يدعو ربه صباحا و مساء ان يرزقه الشهادة و أن لا يرده الى‏

33

بلده و لا الى ارضه و لا الى اهله و ولده و ليس لاحد منا همّ فيما خلقه و قد استودع كل منا ربه اهله و ولده و انما همنا ما امامنا. و اما قولك اننا في ضيق و شدة من معاشنا و حالنا فنحن في اوسع السعة لو كانت الدنيا كلها لنا ما اردنا منها لانفسنا اكثر مما نحن عليه فانظر الذي تريده فبينه فليس بيننا و بينك خصلة نقبلها منك و لا نجيبك اليها الا خصلة من ثلاث خصال فاختر ايتها شئت و لا تطمع نفسك في الباطل. بذلك امرني الامير و بها امره امير المؤمنين و هو عهد رسول اللّه من قبل الينا. اما ان اجبتم الى الاسلام الذي هو الدين القيم الذي لا يقبل اللّه غيره و هو دين انبيائه و رسله و ملائكته امرنا اللّه ان نقاتل من خالفه و رغب عنه حتى يدخل فيه فان فعل كان له ما لنا و عليه ما علينا و كان اخانا في دين اللّه فان قبلت ذلك انت و اصحابك فقد سعدتم في الدنيا و الآخرة و رجعنا عن قتالكم و لم نستحل اذاكم و لا التعرض لكم و ان ابيتم الا الجزية فأدوا الينا الجزية عن يد و انتم صاغرون و ان نعاملكم على شي‏ء نرض نحن و انتم في كل عام ابدا ما بقينا و بقيتم و نقاتل عنكم من ناوأكم و عرض لكم في شي‏ء من ارضكم و دمائكم و اموالكم و نقوم بذلك عنكم ان كنتم في ذمتنا و كان لكم به عهد علينا و ان ابيتم فليس بيننا و بينكم الا المحاكمة بالسيف حتى تموت عن آخرنا او نصيب ما نريد منكم. هذا ديننا الذي ندين اللّه تعالى به و لا يجوز لنا فيما بيننا و بينه غيره فانظروا لانفسكم»

فأعظم المقوقس ذلك و قال «هذا ما لا يكون ابدا ما تريدون الا ان تتخذونا عبيدا ما كانت الدنيا» فقال عبادة «هو ذاك فاختر لنفسك ما شئت» فقال «أفلا تجيبوننا الى غير هذه الثلاث خصال»

فرفع عبادة يديه الى السماء و قال «لا و ربّ هذه السماء و ربّ هذه الارض و ربّ كل شي‏ء ما لكم عندنا خصلة غيرها فاختاروا لانفسكم»

فالتفت اذ ذاك المقوقس الى ارباب مجلسه و قال «قد فرغ القوم فما تريدون» فقالوا «ايرضى احد بهذا الذل؟ اما ما ارادوا من دخولنا في دينهم فهذا لا يكون ابدا ان نترك دين المسيح بن مريم و ندخل في دين غيره لا نعرفه. و اما ما ارادوا ان يسبونا و يجعلونا عبيدا فالموت ايسر من ذلك فلو رضوا ان نضاعف لهم ما اعطيناهم مرارا كان اهون علينا»

فقال المقوقس لعبادة «قد ابى القوم فما ترى فراجع اصحابك على ان نعطيكم في مرتكم هذه ما تمنيتم و تنصرفون». فقال عبادة و اصحابه «لا» فقال المقوقس‏

34

لاصحابه «اطيعوني و اجيبوا القوم الى خصلة من هذه الثلاث فو اللّه ما لكم بهم طاقة و لئن لم نجيبهم اليها طائعين لنجيبنهم الى ما هو اعظم كارهين‏

فقالوا «و اي خصلة نجيبهم اليها» قال «اما دخولكم في غير دينكم فلا يسلم احدكم به و اما قتالهم فانا اعلم انكم لن تقدروا عليهم و لن تصبروا صبرهم و لا بد من الثالثة» قالوا «فنكون لهم عبيدا ابدا؟» قال «نعم تكونون عبيدا مسلطين في بلادكم آمنين على انفسكم و اموالكم و ذراريكم فاطيعوني قبل ان تندموا» فرضوا بالجزية على صلح يكون بينهم يعرفونه‏

فقال المقوقس لعبادة «اعلم اميرك لا أزال حريصا على اجابتك الى خصلة من تلك الخصال التي ارسل اليّ بها فليعطني ان اجتمع به انا في نفر من اصحابي و هو في نفر من اصحابه فان استقام الامر بيننا تم ذلك جميعا و ان لم يتم رجعنا الى ما كنا عليه»

فرجع عبادة الى عمرو و اخبره بما كان فاستشار اصحابه فقالوا «لا نجيبهم الى شي‏ء من الصلح و لا الجزية حتى يفتح اللّه علينا و تصير الارض كلها لنا فيئا و غنيمة كما صار لنا الحصن و ما فيه. فقال عمرو «قد علمتم ما عهد اليّ امير المؤمنين في عهده فان اجابوا الى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد اليّ فيها اجبتهم و قبلت منهم مع ما قد حال هذا الماء بيننا و بين ما نريد من قتالهم» فوافقوه‏

فاجتمع عمرو و المقوقس و اتفقا على الصلح بان يعطي الامان للمصريين و هم يدفعون الجزية و هاك نص الشروط

بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما اعطى عمرو بن العاص اهل مصر من الامان على انفسهم و دمهم و اموالهم و كافتهم و صاعهم و مدهم و عددهم لا يزيد شي‏ء في ذلك و لا ينقص و لا يساكنهم النوب و على اهل مصران يعطوا الجزية اذا اجتموا على هذه الصلح و انتهت زيادة نهرهم خمسين الف الف و عليه ممن جنى نصرتهم فان أبى أحد منهم ان يجيب رفع عنهم من الجزية بقدرهم و ذمتنا ممن أبى بريئة و ان نقص نهرهم من غايته اذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك. و من دخل في صلحهم من الروم و النوب فله ما لهم و عليه ما عليهم و من أبى و اختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه و يخرج من سلطاننا و عليهم ما عليهم اثلاثا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم على ما في هذا الكتاب عهد اللّه و ذمته و ذمة رسوله و ذمة الخليفة امير المؤمنين و ذمم المؤمنين. و على النوبة الذين استجابوا ان يعينوا بكذا و كذا رأسا و كذا و كذا فرسا على ان لا يغزوا و لا يمنعوا من تجارة

35

صادرة و لا واردة. شهد الزبير و عبد اللّه و محمد ابناه و كتب وردان و حضر هذا نص الكتاب»

و لما تم الصلح على هذه الصورة كتب المقوقس الى ملك الروم كتابا يعلمه بالامر كله فكتب اليه ملك الروم و يقبح رايه و يعجزه و يرد عليه ما فعل و يقول في كتابه «ان ما اتاك من العرب اثنا عشر الفا و بمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى فان كان القبط كرهوا القتال و أحبوا اداء الجزية الى العرب و اختاروهم علينا فان عندكم بمصر من الروم و بالاسكندرية و من معك اكثر من مائة الف فارس معهم العدة و القوة و العرب و حالهم و ضعفهم على ما قد رأيت فعجزت عن قتالهم و رضيت ان تكون انت و من معك من الروم في حال القبط أذلاء فقاتلهم انت و من معك من الروم حتى تموت او تظهر عليهم فانهم فيكم على قدر كثرتكم و قوتكم و على قدر قلتهم و ضعفهم كأكلة. ناهضهم القتال و لا يكن لكم رأي غير ذلك» و كتب ملك الروم بمثل ذلك كتابا الى جماعة الروم‏

فاقبل المقوقس على عمرو فقال له «ان الملك قد كره ما فعلت و عجزني و كتب الى و الى جماعة الروم ان لا ترضى بمصالحتك و امرهم بقتالك حتى يظفروا بك او تظفر بهم.

و لم اكن لا خرج مما دخلت فيه و عاهدتك عليه و انما سلطاني على نفسي و من اطاعني و قد تم صلح القبط مما بينك و بينهم و لم يأت من قبلهم نقض و انا متمّ لك على نفسي و القبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه و عاقبتهم. و اما الروم فانا منهم براء.

و انا اطلب اليك ان تعطيني ثلاث خصال. الاولى الا تنقض بالقبط و ادخلني معهم و الزمني ما لزمهم و قد اجتمعت كلمتي و كلمتهم على ما عاهدتك عليه منهم متمون لك على ما تحب. و اما الثانية فان سألك الروم بعد اليوم ان تصالحم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئا و عبيدا فانهم اهل لذلك لاني نصحتهم فاستغشوني و نظرت اليهم فاتهموني. و اما الثالثة فاني اطلب اليك ان انامت ان تأمرهم يدفنوني بجسر الاسكندرية» فاجابه الى ما طلب على ان يضمنوا له الجسرين جميعا و يقيموا لهم الانزال و الضيافة و الاسواق في طريقهم الى الاسكندرية ففعلوا و صارت القبط لهم اعوانا

فأنفذ عند ذلك عمرو الى الخليفة رسولا بكتاب يخبره بما تم بينه و بين المقوقس فأجابه منشطا و سأله ان يصف له مصر فكتب اليه‏

ورد اليّ كتاب امير المؤمنين اطال اللّه بقاءه و يسألني عن مصر اعلم يا امير المؤمنين ان مصر قرية غبراء و شجرة خضراء طولها شهر و عرضها عشر يكتنفها جبل اغبر

36

و رمل اعفر يخط وسطها النيل المبارك الغدوات ميمون الروحات تجري فيه الزيادة و النقصان لمجاري الشمس و القمر. له اوان يدرّ حلابه و يكثر عجاجه و تعظم امواجه فتفيض على الجانبين فلا يمكن التخلص من القرى بعضها الى بعض الا في صغار المراكب و خفاف القوارب و زوارق كأنهن المخابل و رقّ الاصايل. فاذا تكامل في زيادته نكص على عقبيه كاول ما بدا في جريته و طمى في دوته. فعند ذلك تخرج ملة محقورة و ذمة مخفورة يحرثون بطون الارض و يبذرون بها الحب يرجون بذلك النماء من الرب لقيهم ما سعوا من كدهم فناله منهم بغير جدهم. فاذا احدق الزرع و اشرق سقاه الندى و غذاه من تحت الثرى. فبينما مصر يا امير المؤمنين لؤلؤة بيضاء اذا هي عنبرة سوداء فاذا هي زمردة خضراء فاذا هي ديباجة زرقاء فتبارك اللّه الخالق لما يشاء الذي يصلح هذه البلاد و ينيرها و يقرّ قاطنها فيها ان لا يقبل قول خسيسها في رئيسها. و ان لا يستأدى خراج الثمرة الا في اوانها و ان يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها و تراعها. فاذا تقرر الحال مع العمال في هذه الاحوال تضاعف ارتفاع المال و اللّه تعالى يوفق الملك و المال»

«ذكر مقتل عمر» (رضي اللّه عنه)

في 26 ذي الحجة سنة 23 ه طعن ابو لؤلؤة و اسمه فيروز عبد المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب و هو في الصلاة بخنجر في خاصرته و تحت سرته و ذلك لست بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة و توفى يوم السبت سلخ ذي الحجة و دفن يوم الاحد هلال المحرم سنة اربع و عشرين و كانت مدة خلافته عشر سنين و ستة اشهر و ثمانية ايام و دفن عند النبي «صلعم» و ابى بكر الصديق رضي اللّه عنهما. و كان عمره ستين سنة و قيل ثلاث و ستين و كان له من الفضل و الزهد و العدل و الشفقة على المسلمين القدر الوافر. و عمر أول من سمي بأمير المؤمنين و اول من كتب التاريخ و ارخ من السنة التي هاجر فيها رسول اللّه «صلعم» و اول من عس بالليل و اول من نهى عن بيع امهات الاولاد و اول من جمع الناس في صلاة الجنازة على اربع تكبيرات و كانوا قبل ذلك يكبرون اربعا و خمسا و ستا و اول من جمع الناس على امام يصلي بهم التراويح في الرمضان‏

37

«خلافة عثمان بن عفان»

و بويع عثمان (رضية) في 3 محرم سنة 24 و لما بويع رقي المنبر و قام خطيبا فحمد اللّه و تشهد ثم ارتج عليه فقال ان أول كل أمر صعب و ان اعش فسيأتيكم الخطب على وجهها ثم نزل و أقر عثمان ولاة عمر سنة لانه كان اوصى بذلك ثم عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة و ولاها سعد ابن أبي وقاص ثم عزله و ولى الكوفة الوليد بن عقبة بن ابي معيط و كان أخا عثمان من أمه (ثم دخلت سنة خمس و عشرين) فيها توفى ابو ذر الغفاري و اسمه جندب بن جنادة و كان بالشام ينكر على معاوية جمع المال و يتلو و الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل اللّه الآية فكتب معاوية الى عثمان يشكوه فكتب اليه عثمان ان أقدم المدينة فقدم الى المدينة و اجتمع الناس عليه فصار يذكر ذلك و يكثر الشناعة على من كنز الذهب و الفضة فنفاه عثمان الى الربذة و قيل كانت وفاته بالربذة سنة احدى و ثلاثين «ثم دخلت سنة ست و عشرين» فيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر و ولاها عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح العامري و كان اخا عثمان من الرضاعة.

و في ايام عثمان فتحت افريقية و كان المتولى لذلك عبد اللّه بن سعد المذكور. و لما فتحت افريقية امر عثمان عبد اللّه بن نافع بن الحصين ان يسير الى جهة الاندلس فغزا تلك الجهة و عاد عبد اللّه بن نافع الى افريقية فأقام بها من جهة عثمان و رجع عبد اللّه بن سعد الى مصر «و في سنة ثمان و عشرين» فيها استأذن معاوية و عثمان في غزو البحر فاذن له فسير معاوية الى قبرس جيشا و سار اليها ايضا عبد اللّه بن سعد من مصر فاجتمعوا عليها و قاتلوا اهلها ثم صولحوا على جزية سبعة آلاف دينار في كل سنة

ثم دخلت سنة ثلاثين- فيها بلغ عثمان ما وقع في أمر القرآن من أهل العراق فانهم يقولون قرآننا أصح من قرآن اهل الشام لانا قرأنا على ابي موسى الاشعري و اهل الشام يقولون قرآننا اصح لانا قرأنا على المقداد بن الاسود و كذلك غيرهم من الامصار فاجمع رأيه و رأي الصحابة على ان يحمل الناس على المصحف الذي كتب في خلافة ابي بكر (رضيه) و كان مودعا عند حفصة زوج النبي (صلعم) و تحرق ما سواه من المصاحف التي بأيدي الناس ففعل ذلك و نسخ من ذلك المصحف مصاحف و حمل كلا منها الى مصر من الامصار و كان الذي تولى نسخ العثمانية بامر عثمان زيد ابن ثابت و عبد اللّه بن الزبير و سعيد بن العاص و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. و قال عثمان ان اختلفتم في الكلمة فاكتبوها بلسان قريش فانما نزل القرآن‏

38

بلسانهم. و في هذه السنة سقط من يد عثمان خاتم النبي (صلعم) و كان من فضة فيه ثلاثة اسطر «محمد رسول اللّه» و كان النبي يتختم به و يختم به الكتب التي. كان يرسلها الى الملوك ثم ختم به بعده ابو بكر و عمر كل ايام خلافتهما ثم عثمان. فحفروا بئرا في المدينة شربا للمسلمين فقعد عثمان على رأس البئر فجعل يعبث بالخاتم فسقط عن يده في البئر فطلبوه فيها و نزحوا ما فيها من الماء فلم يقدروا عليه فجعل فيه مالا عظيما لمن جاءه به و اغتم لذلك غما شديدا فلما يئس منه صنع خاتما آخر و نقش عليه «لتصبرن و لتندمن» و قيل بل نقش عليه «آمنت بالذي خلق فسوّى» و قد كان من شدة تشاؤم المسلمين من سقوط الخاتم ان ذهب بعض كتابهم فيما بعد انه كان سبب اختلال امر الخلافة و لو لم يقع خاتم النبي في البئر لا نتظم امر الخلافة امته الى يوم القيامة

«ذكر مقتل عثمان بن عفان»

و في سنة 35 قدم من مصر جمع قيل الف و قيل 700 و كذلك قدم من الكوفة جمع و كذلك من البصرة و كان هوى المصريين مع علي و هوى الكوفيين مع الزبير و هوى البصريين مع طلحة فدخلوا المدينة و لما جاءت الجمعة التي تلي دخولهم المدينة خرج عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر و قال للجموع المذكورة (يا هؤلاء اللّه) يعلم و أهل المدينة يعلمون انكم ملعونون على لسان محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فقام محمد ابن مسلمة الانصاري فقال أنا أشهد بذلك فثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد و حصب عثمان حتى خر عن المنبر مغشيا عليه فادخلوه داره و قاتل جماعة من أهل المدينة عن عثمان منهم سعد بن أبي وقاص و الحسن بن علي بن أبي طالب و زيد بن ثابت و أبو هريرة رضي اللّه عنهم فارسل اليهم عثمان يعزم عليهم بالانصراف فانصرفوا و صلى عثمان بالناس بعد ما نزلت الجموع المذكورة في المسجد ثلاثين يوما ثم منعوه الصلاة فصلى بالناس أميرهم الغافقي امير جمع مصر. و لزم اهل المدينة بيوتهم و عثمان محصور في داره و دام ذلك أربعين يوما و قيل خمسين. ثم ان عليا اتفق مع عثمان على ما تطلبه الناس منه من عزل مروان عن كتابته و عبد اللّه ابن ابي سرح عن مصر فأجاب عثمان الى ذلك و فرق علي الناس عنه ثم اجتمع عثمان بمروان فرده عن ذلك ثم اضطره الحال حتى عزل ابن ابي سرح عن مصر و ولاها محمد بن ابي بكر الصديق و توجه مع محمد بن ابي بكر عدة من المهاجرين و الانصار فبينما هم في اثناء الطريق و اذا بعيد على هجين يجهده فقالوا له الى اين قال الى العامل‏

39

بمصر فقالوا هذا عامل مصر يعنون محمد بن أبي بكر فقال بل العامل الآخر يعني ابن أبي سرح فامسكوه و فتشوه فوجدوا معه كتابا مختوما بختم عثمان يقول اذا جاءك محمد بن ابي بكر و من معه بانك معزول فلا تقبل و احتل بقتلهم و ابطل كتابهم و قر في عملك فرجع محمد بن أبي بكر و من معه من المهاجرين و الانصار الى المدينة و جمعوا الصحابة و أوقفوهم على الكتاب و سألوا عثمان عن ذلك فاعترف بالختم و خط كاتبه و حلف باللّه انه لم يأمر بذلك فطلبوا منه مروان يسلمه اليهم بسبب ذلك فامتنع فاز داد حنق الناس على عثمان و جدّوا في قتاله فأقام علي ابنه الحسن على باب عثمان ليذبّ عنه فلا يدع احدا يصل اليه و بعث طلحة و الزبير وعدة من الصحابة ابناءهم يمنعون الناس ان يدخلوا على عثمان و يسألونه اخراج مروان فلما رأى ذلك محمد بن ابي بكر و من معه و قد رمى الناس عثمان السهام حتى خضب الحسن بالدماء على بابه خافوا ان يغضب بنو هاشم للحسن و يكشفوا الناس عن عثمان فاخذ بن ابي بكر بيد رجلين من اهل مصر فدخلوا من بيت بجواره لان كل من كان مع عثمان كانوا فوق البيوت و لم يكن في الدار عنده الا امراته فنقبوا الحائط فدخل عليه محمد بن ابي بكر فوجده يتلو القرآن فاخذ بلحيته فقال له عثمان و اللّه لو رآك ابوك لساءه فعلك فتراخت يده و دخل الرجلان فقتلاه و خرجا هاربين و كانت امراته تصرخ فلا يسمع صراخها لما كان من الضوضاء حول الدار فصعدت و اشرفت عليهم فقالت قتل امير المؤمنين فدخل الناس فوجدوه قتيلا و قد انتثر الدم على المصحف على الآية «فسيكفيكهم اللّه و هو السميع العليم» و بلغ الخبر عليا و طلحة و الزبير و سعدا فخرجوا و قد ذهبت عقولهم للخبر حتى دخلوا على عثمان فقال علي لابنيه كيف يقتل امير المؤمنين و انتما على الباب و رفع يده فلطم الحسن على صدره و شتم محمد بن طلحة و انى منزله فجاء الناس يهرعون اليه يريدون مبايعته فقال اني و اللّه لاستحي ان ابايع قوما قتلوا عثمان اني لاستحي من اللّه تعالى ان ابايع و عثمان لم يدفن فافترقوا ثم تمت له البيعة

و بقى عثمان ثلاثة ايام لم يدفن ثم حمله نفر من اهله بعد المغرب ليدفنوه فجاء بعض الانصار ليمنعوهم من الصلاة عليه ثم تركوهم خوف الفتنة و جلس آخرين على الطريق ليرجموا سريره فارسل علي فمنعهم. و دفن بحائط من حيطان المدينة يسمى حسن كوكب و بقى ذلك الحائط الى خلافة معاوية بن ابي سفيان فأمر به فهدم و ادخل في البقيع و امر الناس فدفنوا امواتهم حول قبره حتى اتصل الدفن بمقابر المسلمين‏

و اخذ عليّ يبحث عن قتلة عثمان فسأل امرأته فقالت لا ادري الا ان دخل عليه‏

40

محمد بن ابي بكر و معه رجلان لا اعرفهما فدعا محمد و سأله قال و اللّه لم تكذّب دخلت عليه و انا اريد قتله فذكر لي ابي فقمت عنه و انا نائب للّه. و اما مروان بن الحكم فهرب و معه ولده الى معاوية بالشام و ارسل قميص عثمان مخضبا الى الشام و معه اصابع نائلة امرأته اذ قطعت اثناء دفاعها عنه فعرض معاوية القميص و الاصابع في جامع دمشق و حرض الناس على المطالبة بدم عثمان و ثارت بسبب قتله اعظم فتنة في الاسلام فخرجت الخلافة من المدينة و لم تعد اليها و كانت على اثر ذلك واقعة صفين و واقعة الجمل و تلتها بين المسلمين حروب و فتن لا يزال يتطاير شروها حتى الآن‏

و كان ورعا صادقا كريما انفق الكثير من ماله في سبيل اللّه قبل تولية الخلافة فهو الذي جهز يوم العسرة نصف الجيش من ماله و ابتاع رومة فاباح ماءها لابناء السبيل و اتفق يوم غزوة تبوك الف دينار و وهب ثلثمائة بعير باقتابها و احلاسها و ابتاع بحياة النبي بيتا فوسع به المسجد الحرام و لما ولى الخلافة امر بتجريد الهضاب الحرم و قاد في المسجد و وسع مسجد المدينة فجعل طوله 160 ذرعا و عرضه 150. و هو الذي امر بجمع المصحف و كتابته نسخ ترسل الى كل قطر من بلاد المسلمين فقد كثر الآسفون عليه لمصابه فرثاه كثيرون من الصحابة و من ذلك قول حسان بن ثابت شاعر النبي (صلى اللّه عليه و سلم)

اتركتم غزو الدروب وراءكم‏* * * و غزوتمونا عند قبر محمد

فلبئس هدى المسلمين هديتم‏* * * و لبئس امر الفاجر المتعمد

و كان اصحاب النبي عشية* * * نوق تذبح عند باب المسجد

و كان عثمان معتدل القامة حسن الوجه بوجهه اثر جدري عظيم اللحية اسمر اللون اصلع يصفر لحيته و تروج ابنتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و سبب ذلك قيل له ذو النورين‏

«خلافة علي بن ابي طالب»

و اسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب جد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ام علي فاطمة بنت اسد بن هاشم فهو هاشمي ابن هاشميين بويع بالخلافة يوم قتل عثمان و قد اختلف في كيفية بيعته فقيل اجتمع اصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و فيهم طلحة و الزبير فاتوا عليا و سألوه البيعة له فقال لا حاجة لي في امركم من من اخترتم رضيت به فقالوا ما تختار غيرك و ترددوا اليه مرارا و قالوا انا لا نعلم احدا

41

أحق بالامر منك و لا أقدم منك سابقة و لا اقرب من رسول اللّه (صلعم) فقال أكون وزيرا خير من ان أكون أميرا فأتوا عليه فأتى المسجد فبايعوه و قيل بايعوه في بيته و اول من بايعه طلحة بن عبد اللّه و كانت يد طلحة مشلولة من نوبة أحد فقال حبيب بن ذؤيب ان اللّه اول من بدأ بالبيعة يد شلاء لا يتم هذا الامر و بايعه الزبير و قال علي لهما ان أجبتما ان تبايعا لي بايعا و ان أجبتما بايعتكما فقالا لا بل نبايعك و قيل انهما قالا بعد ذلك و انما بايعنا خشية على نفوسنا. ثم هربا الى مكة بعد مبايعة علي بأربعة اشهر و جاؤا بسعد ابن ابي وقاص فقال له علي بايع فقال لا حتى يبايع الناس و اللّه ما عليك مني بأس فقال خلوا سبيله و كذلك تأخر عن البيعة عبد اللّه بن عمر و بايعته الانصار الا نفر قليل منهم حسان بن ثابت و كعب بن مالك و مسلمة بن مخلد و أبو سعيد الخدري و النعمان ابن بشير و محمد بن مسلمة و فضالة بن عبيد و كعب بن عجرة و زيد بن ثابت و كان هؤلاء قد ولاهم عثمان على الصدقات و غيرها و كذلك لم يبايع عليا سعد بن زيد و عبد اللّه بن سلام و صهيب بن سنان و اسامة بن زيد و قدامة بن مظعون و المغيرة بن شعبة و سوا هؤلاء المعتزلة لاعتزالهم بيعة علي. و اما مروان بن الحكم فهرب و معه ولده الى معاوية بالشام كما تقدم‏

«ذكر مقتل علي بن أبي طالب» رضي اللّه عنه‏

قيل اجتمع ثلاثة من الخوارج منهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي و عمرو بن بكر التميمي و البرك بن عبد اللّه التميمي و يقال ان اسمه الحجاج فذكروا اخوانهم من المارقة المقتولين بالنهروان فقالوا لو قتلنا أئمة الضلالة أرحنا منهم البلاد فقال ابن ملجم أنا اكفيكم عليا و قال البرك انا اكفيكم معاوية و قال عمرو بن بكر انا اكفيكم عمرو بن العاص و تعاهدوا ان لا يفر احد منهم عن صاحبه الذي توجه اليه و استصحبوا سيوفا مسمومة و تواعدوا لسبع عشرة ليلة تمضي من رمضان من هذه السنة اعني سنة 40 ان يثب كل واحد منهم بصاحبه و اتفق مع عبد الرحمن بن ملجم رجلان احدهما يقال له وردان من تيم الرباب و الآخر شبيب من أشجع و ثبوا على علي و قد خرج الى صلاة الغداة فضربه شبيب فوقع سيفه في الطاق و هرب شبيب فنجا في غمار الناس و ضربه بن ملجم في جبهته و اما وردان فهرب و امسك بن ملجم و أحضر مكتوفا بين يدي علي و دعا على الحسن و الحسين و قال أوصيكما بتقوى اللّه و لا تبغيا الدنيا و لا تبكيا على شي‏ء ذوى- 6-

42

عنكما منها ثم لم ينطق الا بلا إله الا اللّه حتى قبض رضي اللّه عنه (و أما) البرك فوثب على معاوية في تلك الليلة و ضربه بالسيف فوقع في الية معاوية و أمسك البرك فقال له اني ابشرك فلا تقتلني فقال بماذا قال ان رفيقي قتل عليا هذه الليلة فقال معاوية لعله لم يقدر فقال بلى ان عليا ليس معه من يحرسه فقتله معاوية (و أما) عمرو بن بكر فانه جلس تلك الليلة لعمرو بن العاص فلم يخرج عمرو الى الصلاة و كان قد امر خارجة بن أبي حبيبة صاحب شرطته أن يصلي بالناس فخرج خارجة ليصلي بالناس فشد عليه عمرو ابن بكر و هو يظن انه عمرو بن العاص فقتله فأخذه الناس و اتوا به عمرا فقال من هذا قالوا عمرو فقال أنا من قتلت قالوا خارجة فقال عمرو أردت عمرا و اراد اللّه خارجة و لما مات علي اخرج عبد الرحمن بن ملجم من الحبس فقطع عبد اللّه بن جعفر يده ثم رجله و كحلت عيناه بمسمار محمى و قطع لسانه و أحرق لعنه اللّه و لبعض الخوارج و هو عمران بن حطان لعنه اللّه‏

للّه در المرادي الذي فتكت‏* * * كفاه مهجة شر الخلق انسانا

يا ضربة من ولى ما اراد بها* * * الا ليبلغ من ذى العرش رضوانا

اني لا ذكره يوما فاحسبه‏* * * أوفى الخليفة عند اللّه ميزانا

و اختلف في عمر علي رضي اللّه عنه فقيل كان ثلاث و ستين و قيل خمسا و ستين.

و قيل تسعا و خمسين و كانت مدة خلافته خمس سنين الا ثلاثة اشهر و كان قتله كما ذكرنا صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة اربعين و اختلف في موضع قبره فقيل دفن مما يلي قبلة المسجد بالكوفة و قيل عند قصر الامارة و قيل حوله ابنه الحسن الى مدينته و دفنه بالبقيع عند قبر زوجته فاطمة رضي اللّه عنهما و الاصح و هو الذي ارتضاه ابن الاثير و غيره ان قبره هو المشهور بالنجف و هو الذي يزار اليوم‏

و اول زوجة تزوج بها علي رضي اللّه عنه فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يتزوج غيرها في حياتها و ولد له منها الحسن و الحسين و محسن و مات صغيرا و زينب و أم كلثوم التي تزوجها عمر بن الخطاب ثم بعد موت فاطمة تزوج أم البنين بنت حزام الكلابية فولد له منها العباس و جعفر و عبد اللّه و عثمان قتل هؤلاء الاربعة مع أخيهم الحسين و لم يعقب منهم غير العباس و تزوج ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلي التميمي و ولد له منها عبد اللّه و أبو بكر قتل مع الحسين أيضا و تزوج اسماء بنت عميس و ولد له منها محمد الاصغر و يحيى و لا عقب لهما و ولد له من الصهبا بنت ربيعة التغلبية و هي من السبي الذين أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر عمر و رقية و عاش عمر المذكور حتى بلغ من العمر خمسا و ثمانين سنة و حاز نصف ميراث أبيه علي و مات بنبع و له عقب و تزوج ايضا

43

امامة بنت ابي العاص بن الربيع بن عبد شمس بن عبد مناف و أمها زينب بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ولد له منها محمد الاوسط و لا عقب له و ولد له من خولة بنت جعفر الحنفية محمد الاكبر و كان له بناث من امهات شتى منهن ام حشن و رملة الكبرى من أم سعيد بنت عروة و من بناته أم هانئ و ميمونة و زينب فجميع بنيه الذكور اربعة عشر لم يعقب منهم الا خمسة و هم الحسن و الحسين و محمد بن الحنفية و العباس و عمر

«ذكر تسليم الحسن الامر الى معاوية»

قيل كان علي قبيل موته قد بايعه أربعون ألفا من عسكره على الموت و اخذ في التجهز الى قتال معاوية فاتفق مقتله و لما بويع الحسن بلغه مسير أهل الشام الى قتاله مع معاوية فتجهز الحسن في ذلك الجيش الذي كانوا قد بايعوا أباه و صار عن الكوفة الى لقاء معاوية و وصل الى المداين و جعل الحسن على مقدمته قيس بن سعد في اثنى عشر ألفا و قيل بل الذي جعله على مقدمته عبيد اللّه بن عباس و جرى في عسكره فتنة قيل حتى نازعوا الحسن بساطا كان تحته فدخل المقصورة البيضاء بالمداين و ازداد لذلك العسكر بغضا و منهم ذعرا و لما رأى الحسن ذلك كتب الى معاوية و اشترط عليه شروطا و قال ان أجبت اليها فانا سامع مطيع فأجاب معاوية اليها و كان الذي طلبه الحسن ان يعطيه ما في بيت مال الكوفة و خراج دارا بجرد من فارس و ان لا يسب عليّا فلم يجبه الى الكف عن سب علي فطلب الحسن ان لا يشتم عليا و هو يسمع فأجابه الى ذلك ثم لم يف له به و قيل انه وصله بأربعمائة الف درهم و لم يصل اليه شي‏ء من خراج دارا بجرد و دخل معاوية الكوفة فبايعه الناس و كتب الحسن الى قيس بن سعد يأمره بالدخول في طاعة معاوية ثم جرت بين قيس و عبيد اللّه بن عباس و بين معاوية مراسلات و آخر الأمر انهما بايعا و من معهما و شرطا أن لا يطالبا بمال و لا دم و وفى لهما معاوية بذلك و لحق الحسن بالمدينة و أهل بيته و قيل تسلم الحسن الامر الى معاوية في ربيع الاول سنة 41 في جمادى الاولى و على هذا فتكون خلافته على القول الأول خمسة أشهر و نحو نصف شهر و كان آخر الثلاثين يوم خلع الحسن نفسه من الخلافة و قام الحسن بالمدينة الى ان توفى بها في ربيع الاول سنة تسع و أربعين و كان مولده بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة و هو اكبر من الحسين بسنة و تزوج الحسن كثيرا من النساء و كان مطلاقا و كان له خمسة عشر ولدا ذكرا و ثمانى بنات و توفى الحسن من سم سقته زوجته جعدة بنت الاشعث قيل فعلت ذلك بأمر معاوية و قيل بأمر يزيد بن معاوية و وعدها انه يتزوجها ان فعلت ذلك‏

44

فسقته السم و طالبت يزيد أن يتزوجها فأبى و كان الحسن قد أوصى أن يدفن عند جده رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فلما توفى أرادوا ذلك و كان على المدينة مروان بن الحكم من قبل معاوية فمنع من ذلك و كاد يقع بين بني أمية و بين بني هاشم بسبب ذلك فتنة فقالت عائشة رضي اللّه عنها البيت بيتي و لا آذن ان يدفن فيه فدفن بالبقيع و لما بلغ معاوية موت الحسن خرّ ساجدا فقال بعض الشعراء

أصبح اليوم ابن هند شامتا* * * ظاهر النخوة اذ مات الحسن‏

يا ابن هند ان تذق كأس الردى‏* * * تك في الدهر كشئ لم يكن‏

لست بالباقي فلا تشمت به‏* * * كل حي للمنايا مرتهن‏

(الدولة الاموية) «خلافة معاوية بن ابى سفيان في سنة 41»

هكذا كانت نهاية دولة الخلفاء الراشدين و بداية دولة الخلفاء بني أمية و أولهم معاوية ابن أبى سفيان. و كانت الخلافة على عهد الخلفاء الراشدين انتخابية و قصبتها المدينة فجعلها معاوية و راثية و جعل قصبتها دمشق فانحصرت اعقابه. و شرع في تولية العمال.

على الامصار و كانت مصر من أهم تلك الامصار فعهد بامرها لعمرو بن العاص لما عرف من علو همته و حسن سياسته و جعلها له طعمة بعد عطاء جندها و النفقة في مصلحتها.

فعقد عمرو لشريك بن سمى لغزو البربر في شمال افريقيا فغزاهم و صالحهم ثم انتقضوا فبعث اليهم عقبة بن نافع فنزاهم حتى هزمهم و عقد لعقبة ايضا على غزو هوارة و عقد لشريك على غزو لبدة فغزواهما في سنة 43 ه و لما قفل كان عمرو شديد الدنف يتقلب على فراش الموت فتوفى ليلة الفطر من السنة المذكورة و كان قصير القامة يخضب بالسواد و هو من أفراد الدهر دهاء و حزما و فصاحة الا انه كان يتلجلج في كلامه‏

و لما علم معاوية بوفاة عمرو تكدر كدرا عظيما جدّا لأنه لم يعد يعلم لمن يعهد بولاية مصر بعده. و بعد التردد في الامر لم ير بدّا من تولية أحد اهله فارسل اليها عتبة بن أبى سفيان أخاه في ذي القعدة من سنة 43 فسار اليها و بعد ان أقام اشهرا عرض له سفر الى أخيه معاوية بدمشق فاستخلف عبد اللّه بن قيس بن الحارث و كان في شدة و عسف فكره المصريون ولايته و امتنعوا منها فبلغ ذلك عتبة فاضطر الى الرجوع الى مصر و لما جاءها صعد منبر الخطابة فقال:

«يا أهل مصر قد كنتم تعذرون ببعض المنع منكم لبعض الجور عليكم و قد وليكم من‏

45

اذا قال فعل فان ايتم درأكم بيده و ان أيتم درأكم بسيفه ثم رجى في الاخير ما أدرك في الاول. ان البيعة شائعة لنا عليكم السمع و لكم علينا العدل و اينا عذر فلا ذمة له عند صاحبه» فناداه المصريون من جنبات المجسد «سمعا سمعا» فناداهم «عدلا عدلا» و نزل و عقد عتبة لعلمقة بن يزيد على الاسكندرية في اثنى عشر الفا تكون لها رابطة

و توفى عتبة في الفسطاط في ذي الحجة سنة 44 ه و كانت مدة ولايته سنة كاملة فاقام معاوية عوضا عنه عقبة بن عامر بن عبس الجهيني و جعل له صلاتها و خراجها و كان عقبة قارئا فقيها مفرضا شاعرا له الهجرة و الصحبة و السابقة إلا أنه لم يكن من السياسة و حسن التدبير على ما يرضى معاوية فولى مكانه مسلمة بن مخلد بن صامت الانصاري و كان من سراة المدينة و أمره أن يكتم ذلك لبينما يخرج عقبة من مصر بحيلة

ففي 19 ربيع الاول سنة 45 ه أنفذ معاوية امره الى عقبة أن يسير الى رودس بحرا فقدم مسلمة و رافق عقبة الى الاسكندرية و هو لا يعلم بامارته فلما توجه سائرا استوى مسلمة على سرير امارته فبلغ ذلك عقبة فقال «أخلعا و غربة» و كانت مدة ولايته ثلاثة أشهر و قيل سنتين و ثلاثة أشهر. و أخذ مسلمة في اجراء الاحكام و جمع الصلات و الخراج و انتظمت غزواته في البر و البحر فانفذ الى الغرب جيوشا و شاد مدينة القيروان و أقام حولها حصونا و معاقل و جعل فيها حامية. و في سنة 48 ه سير معاوية جيشا كثيفا مع سفيان بن عوف الى قسطنطينية فاوغلوا في بلاد الروم و حاصروا القسطنطينية و كان في ذلك الجيش بن عباس و عمرو بن الزبير و ابو أيوب الانصاري و توفى في مدة الحصار أبو أيوب الانصاري و دفن بالقرب من سورها و شهد أبو ايوب مع النبي (صلعم) بدرا واحدا و شهد مع علي واقعة صفين و غيرها من حروبه‏

و في سنة 53 ه في امارته نزلت الروم البرلس و قتل يومئذ وردان مولى عمرو بن العاص في جمع من المسلمين و أمر مسلمة بابتناء منارات المساجد و هو أول من أحدث المنائر بالمساجد و الجوامع. و في سنة 60 سافر مسلمة بن مخلد الى الاسكندرية و استخلف على مصر عابس بن سعيد و في هذه السنة توفى معاوية في دمشق في غرة رجب و عمره ثماني و سبعون سنة و مدة خلافته تسع عشرة سنة و ثلاثة أشهر و خمسة أيام‏

«خلافة يزيد بن معاوية»

و في يوم وفاة معاوية بونع ابنه يزيد فأقر مسلمة بن مخلد على مصر فكتب اليه باخذ البيعة فبايعه الجند الا عبد اللّه بن عمرو بن العاص فهدده بالحريق فبايع و لم يكن‏

46

يزيد اهلا للخلافة و لو لا قانون الوراثة الذي سنه أبوه ما بلغ عمره هذا المنصب لانه كان متبعا هوى نفسه و متغاضيا عن و اجباته. فحرك ذلك الحسين بن علي و عبد اللّه بن الزبير على اقامة الحجة عليه و كانا في المدينة فبعث يزيد الى حاكمها ان يقبض عليهما ففرّ منها و سار الحسين الى العراق لان اكثر شيعة ابيه هناك و قد التف عليه حزب كبير من الكوفة و غيرها

«ذكر مسير الحسين الى الكوفة»

و ورد على الحسين مكاتبات اهل الكوفة يحثونه على المسير اليهم ليبايعوه و كان العامل عليها النعمان بن بشير الانصاري فأرسل الحسين الى الكوفة ابن عمه مسلم بن عقيل ابن أبي طالب ليأخذ البيعة عليهم فوصل الى الكوفة و قيل بايعه بها ثلاثون الفا و قيل ثمانية و عشرون الف نفس و بلغ يزيد عن النعمان بن بشير ما لا يرضيه فولى على الكوفة عبيد اللّه بن زياد و كان واليا على البصرة فقدم الكوفة و رأى ما الناس عليه فخطبهم و حثهم على طاعة يزيد بن معاوية و استمر مسلم بن عقيل عند قدوم عبيد اللّه بن زياد على ما كان ثم اجتمع الى مسلم بن عقيل من كان بايعه للحسين و حصروا عبيد اللّه بن زياد بقصره و لم يكن مع عبيد اللّه في القصر اكثر من ثلاثين رجلا ثم ان عبيد اللّه أمر اصحابه أن يشرفوا من القصر و يمنوا أهل الطاعة و يخذلوا أهل المعصية حتى ان المرأة ليأتي ابنها و أخاها فتقول انصرف ان الناس يكفونك فتفرق الناس عن مسلم و لم يبق مع مسلم غير ثلاثين رجلا فانهزم و استقر و نادى منادي عبيد اللّه بن زياد من أتى بمسلم بن عقيل فله ديته فامسك مسلم و أحضر اليه و لما حضر مسلم بين يد عبيد اللّه شتمه و شتم الحسين و عليا و ضرب عنقه في تلك الساعة و رميت جثته من القصر ثم أحضر هانئ بن عروة و كان ممن أخذ البيعة للحسين فضرب عنقه أيضا و بعث برأسيهما الى يزيد بن معاوية و كان مقتل مسلم بن عقيل لثمان مضين من ذي الحجة سنة ستين و أخذ الحسين و هو بمكة في التوجه الى العراق و كان عبد اللّه بن عباس يكره ذهاب الحسين الى العراق خوفا عليه و قال للحسين يابن العم اني أخاف عليك أهل العراق فانهم قوم أهل غدر و اقم بهذا البلد فانك سيد اهل الحجاز و ان أبيت الا ان تخرج فسر الى اليمين فان بها شيعة لابيك و بها حصون و شعاب فقال الحسين يا ابن العم اني اعلم و اللّه انك ناصح مشفق و لقد أزمعت و أجمعت ثم خرج بن عباس من عنده و خرج الحسين من مكة يوم التروية سنة ستين و اجتمع عليه جمائع من العرب ثم لما بلغه مقتل بن عمه مسلم بن عقيل و تخاذل الناس عنه‏

47

اعلم الحسين من معه بذلك و قال من أحبّ أن ينصرف فلينصرف فتفرق الناس عنه يمينا و شمالا و لما وصل الحسين الى مكان يقال له سراف و صل اليه الحر صاحب شرطة عبيد اللّه بن زياد في الفي فارس حتى وقفوا مقابل الحسين في حر الظهيرة فقال لهم الحسين ما أتيت الا بكتبكم فان رجعتم رجعت من هنا فقال له صاحب شرطة بن زياد انا أمرنا أن لا نفارقك حتى نوصلك الكوفة بين يدي عبيد اللّه بن زياد فقال الحسين الموت أهون من ذلك و ما زالوا عليه حتى سار مع صاحب شرطة بن زياد (ثم دخلت سنة احدى و ستين)

«ذكر مقتل الحسين»

و لما صار الحسين مع الحر ورد كتاب من عبيد اللّه بن زياد الى الحر يأمره أن ينزل الحسين و من معه على موضع غير ماء فأنزلهم في الموضع المعروف بالكربلاء و ذلك يوم الخميس ثاني المحرم من هذه السنة أعني سنة 61 و لما كان من الغد قدم من الكوفة عمر أبن سعد بن بي وقاص بأربعة آلاف فارس أرسله بن زياد لحرب الحسين فسأله الحسين في أن يمكنه إما من العود من حيث أتى و إما أن يجهزه الى يزيد بن معاوية و إما أن يمكن ان يلحق بالثغور فكتب عمر الى بن زياد يسأل أن يجاب الحسين الى أحد هذه الامور فاغتاظ ابن زياد فقال لا و لا كرامة فأرسل مع شمر بن ذي الجوشن الى عمر ابن سعد إما ان تقاتل الحسين و تقتله و تطأ الخيل جثته و إما ان تعتزل و يكون الامير علي الجيش شمر فقال عمر بن سعد بل أقاتل و نهض عشية الخميس تاسع المحرم من هذه السنة و الحسين جالس امام بيته بعد صلاة العصر فلما قرب الجيش منه سألهم مع اخيه العباس أن يمهلوه الى الغدوانه يجيبهم الى ما يختارونه فاجابوه الى ذلك و قال الحسين لاصحابه اني قد أذنت لكم فانطلقوا في و هذا الليل و تفرقوا في سوداكم و مدائنكم فقال أخوه العباس لم تفعل ذلك لنبقى بعدك لا ارانا اللّه ذلك أبدا ثم تكلم اخوته و بنو أخيه و بنو عبد اللّه بن جعفر بنحو ذلك و كان الحسين و أصحابه يصلون الليل كله و يدعون فلما أصبحوا ركب عمر بن سعد في أصحابه و ذلك يوم عاشوراء من سنة المذكورة و عبى الحسين و أصحابه و هم 32 فارسا و أربعون راجلا ثم حملوا على الحسين و اصحابه و استمر القتال الى وقت الظهر من ذلك اليوم فصلى الحسين و اصحابه صلاة الخوف و اشتد بالحسين العطش فتقدم ليشرب فرمي بسهم فوقع في فمه و ناد شمر و يحكم ما تنتظرون بالرجل اقتلوه فضربه زرعة بن شريك على كتفه و ضربه آخر على عاتقه و طعنه سنان بن أنس‏

48

النخعي بالرمح فوقع فنزل اليه فذبحة و احتز رأسه الشريف و قيل ان الذي نزل و أخذ رأسه هو شمر المذكور و جاء به الى عمر بن سعد فأمر عمر بن سعد جماعة فوطأوا صدر الحسين و ظهره بخيولهم ثم بعث بالرأس و النساء و الاطفال الى عبيد اللّه بن زياد فجعل ابن زياد يقرع فم الحسين بقضيب في يده فقال له زيد بن ارقم ارفع هذا القضيب فو الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على هاتين الشفتين ثم بكى و روى انه قتل مع الحسين من اولاد علي اربعة هم العباس و جعفر و محمد و أبو بكر و من أولاد الحسين أربعة و قتل عدة من أولاد عبد اللّه بن جعفر و من أولاد عقيل ثم بعث ابن زياد بالرؤوس و بالنساء و بالاطفال الى يزيد بن معاوية فوضع يزيد رأس الحسين بين يديه و استحضر النساء و الاطفال ثم امر النعمان بن بشير ان يجهزهم بما يصلحهم و أن يبعث معهم امينا يوصلهم الى المدينة فجهزهم الى المدينة و لما وصلوا اليها لقيهم نساء بني هاشم حاسرات و فيهن ابنة عقيل بن ابي طالب هي تبكي و تقول‏

ماذا تقولون ان قال النبي لكم‏* * * ماذا فعلتم و أنتم آخر الامم‏

بعترتي و بأهلي بعد مفتقدي‏* * * منهم أسارى و صرعى ضرجوا بدم‏

ما كان هذا جزائي اذا نصحت لكم‏* * * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي‏

أما يزيد فلم يبلغ مناه بقتل الحسين حتى قام عبد اللّه بن الزبير في مكة فشدد عليه النكير و هو يطلب الخلافة لنفسه. و كانت مصر في اثناء ذلك ساكنة آمنة و في 25 رجب سنة 62 ه توفى أميرها مسلمة بن مخلد بعد ان تولاها خمس عشرة سنة و أربعة اشهر فولى الخليفة مكانه سعد بن يزيد الازدي من اهل فلسطين فدخل مصر في مستهل رمضان سنة 62 ه فتلفاه عمر بن قحزم الخولاني و قد شق عليه تولية من هو من غير بلاده عليه فقال «يغفر اللّه لامير المؤمنين اما كان فينا مئة شاب كلهم مثلك يولي علينا أحدهم» ثم جعل اهل مصر يعرضون عنه و يعارضونه في احكامه و لكنه كان حازما لم يثنه ذلك عن اقامة الحد و اتباع العدل فسادت الراحة و استتب النظام الى آخر ايامه‏

و ما زالت الاحزاب في مكة و المدينة يشددون النكير على يزيد الى ان اجمعوا على خلعه رغم كثرة دعاة الامويبن و اخرجوا من كان منهم في المدينة فانفذ بزيد 12 الفا من رجاله عليهم مسلمة بن عقبة المرسي لمحاصرة المدينة و أمرهم ان لا يكفوا عنها الا اذا أذعنت فاذا مضت ثلاثة ايام و لم تفعل فليحرقوها و هكذا حصل فانها اصبحت غنيمة للنار بعد الافاضة في النهب و القتل و إلاسر. و كان ذلك في سنة 63 ه

49

و في هذه السنة بويع عبد اللّه بن الزبير الخلافة في مكة باجماع من كان فيها من اهلها و المهاجرين اليها من المدينة و الحجاز فارسل يزيد الحصين بن النمير الى مكة فحاصرها و قاتل اهلها و رماها بالمنجنيق فاحرق الكعبة. كل ذلك و ابن الزبير فيها يدافع بالشي‏ء الممكن الى ان جاءه الخبر بوفاة يزيد فقطع قول كل خطيب و كانت وفاته في حوارين من اعمال حمص في 4 ربيع أول سنة 64 ه بعد ان تولى الخلافة ثلاث سنين و تسعة اشهر الابضعة ايام و سنه 39 سنة

«خلافة معاوية بن يزيد» (ثم عبد اللّه بن الزبير ثم مروان بن الحكم)

و في يوم وفاة يزيد بويع ابنه معاوية و سنه عشرون سنة و يدعوه بعضهم معاوية الثاني تمييزا له من معاوية بن ابى سفيان جده و بعد 45 يوما من مبايعته توفى و لا ولد له و في 9 رجب من تلك السنة هتف اهل الحجاز بمبايعة عبد اللّه بن الزبير بالاجماع و يقال ان معاوية بن يزيد تنازل له عن الخلافة من يوم بايعوه لما رأى من كثرة احزابه و عجزه عن مناهضته فزهد في الدنيا مع صغر سنه و طلب ان يكتب على قبره «الدنيا غرور»

و كان عبد اللّه بن الزبير رجلا مؤدبا فطنا جمع بين شرف النسب و علو الهمة و الاقدام حضر عدة و قائع و هو شاب و لما افتتح عمرو بن العاص مصر كان عبد اللّه و ابوه الزبير و اخوه محمد من جيشه و لما كتبت معاهدة الصلح بين عمرو و الاقباط وضع هؤلاء الثلاثة اختامهم عليها شهودا. و لما ارسل الخليفة عثمان بن عفان عبد اللّه بن سعد امير مصر في جيش عظيم لافتتاح سواحل الغرب كان عبد اللّه بن الزبير معه. و من اخلاقه انه كان مثابرا في اعماله ثابتا في مقاصده فلم ينفك منذ اختلاس معاوية بن ابى سفيان الخلافة من الخلفاء الراشدين و هو في سعى دائم عليه ثم على ابنه يزيد ثم على ابن ابنه معاوية الثاني حتى ظفر بمرامه و لما جاء الخبر بوفاة يزيد كان في مكة محاطا بجيش من اليزيد بين فلما علموا بالخبر عادوا على اعقابهم الى الشام فاستولى عبد اللّه على المدينة و الحجاز و اليمن و بايعه من فيها ثم شرع في ترميم الكعبة فهدمها حتى ألحقها بالارض و كانت قد مالت حيطانها من حجارة المنجنيق و جعل الحجر الاسود عندها و كان الناس يطوفون من وراء الاساس و ضرب عليها السور و ادخل فيها الحجر

اما مصر فكان عليها سعيد الازدي كمامر و كان عبد اللّه بن الزبير على بينة من- 7-

50

امر مصر و اهميتها فانفذ اليها عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم و اوصاه ان يدعو الناس الى مبايعته غير ان سعيدا الازدى كان لا يزال متشيعا للامويين فلم يقبل على دعوة عبد اللّه من المصريين الا بعضهم و لم ترسخ قدم عبد اللّه بن الزبير في الخلافة الا بعد وفاة معاوية بن يزيد اذ رأى الكوفة و البصرة و الموصل و العراق و قسما من مصر يدعو باسمه فلم بعد في خشية من شي‏ء فصرح بخلافته. ثم هم باخضاع مصر فعقد على امارتها لعبد الرحمن بن عتبة الذي كان ارسله اليها وكيلا فوصلها في شعبان سنة 64 ه و اخرج من كان فيها من دعاة الامويين و فيهم سعد الازدي فبايعه الناس و في قلوب بعضهم غلّ‏

اما اهل الشام فلما علموا بوفاة معاوية بن يزيد بايعوا مروان بن الحكم من بني امية فعظم ذلك على عبد اللّه بن الزبير و قام لنصرته الضحاك بن قيس في جيش من رجاله فساروا الى دمشق فاتصل خبرهم بمروان فسار من الجابية لملاقاتهم فالتقى الجيشان في مرج راهط فحصلت بينهما وقائع كبيرة شفت عن انقلاب جيش عبد اللّه‏

و كان مروان قد انفذ ابنه عبد العزيز في جيش من اهل الشام لفتح مصر اما بعد ظفره بجيش ابن الزبير في مرج راهط اشتدت عزيمته و حمل بكل جيشه على مصر.

فلما علم اميرها عبد الرحمن بن عتبة بذلك اخذ في الدفاع فحفر حول الفسطاط خندقا عميقا لا يزال اثره باقيا في القرافة فنزل مروان قرب المطرية و معه عمرو بن سعد فخرج عبد الرحمن اليه و اقتتلا شديدا مدة يومين و لم يظفر احدهما بالآخر. و بينما كان الجيشان في شغل بين هجوم و دفاع سار عمرو بن سعد في نخبة من رجال مروان قاصدا الفسطاط فدخلها فلما علم عبد الرحمن بذلك لم يربدا من المصالحة فتصالحا و دخل مروان مصر في 10 جمادى الاولى سنة 65 ه فكانت مدة امارة بن جحدم تسعة اشهر و في هذا اليوم توفى عبد اللّه بن عمرو بن العاص فاتح مصر فلم يستطع القوم الخروج بجنازته الى المدافن لشغب الجند على مروان فدفنوه في بيته قرب جامع عمرو. امه مروان فلم يكن واثقا بالمصريين و اخلاصهم و خاف ان يستغيبوه و يعقدوا لعبد اللّه بن الزبير فولى عليهم ابنه عبد العزيز

و في الحال وضع مروان يده على جميع خزائن مصر و أبطل العطاوات فبايعه جميع الناس الا جماعة من قبيلة المغافر قالو لا نخلع بيعة ابن الزبير فقطع اعناقهم و عنق ابن همام رئيس قبيلة لخم و كان من قتلة عثمان بن عفان فخافت الناس و اجمعوا على مبايعته‏

فاقام مروان في مصر شهرين ثم عهد بمهامها الى ابنه عبد العزيز و همّ بالرحيل‏

51

فقال له ابنه «يا أمير المؤمنين كيف المقام في بلدة ليس بها احد من بني ابي» قال له مروان «يا بني عمهم باحسانك يكونون كلهم بني ابيك و اجعل وجهك طلقا تصفو لك مودتهم و اوقع الى كل رئيس منهم انه خاصتك دون غيره يكن لك عينا على غيره و ينقد قومه اليك و قد جعلت معك اخاك بشرا مؤنسا و جعلت لك موسى بن نصير وزيرا و مشيرا و ما عليك يا بني ان تكون اميرا باقصى الارض. أليس ذلك احسن من اغلاق بابك و خمولك في منزلك؟» ثم اوصاه عند خروجه من مصر الى الشام قائلا «اوصيك بتقوى اللّه في سر امرك و علانيته فان اللّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون و اوصيك ان لا تجعل لداعي اللّه عليك سبيلا فان المؤذن يدعو الى فريضة افترضها اللّه ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا و اوصيك ان لا تعد الناس موعدا الا انفذته لهم و لو حملته على الاسنة. و اوصيك ان لا تعجل في شي‏ء من الحكم حتى تستشير فان اللّه لو اغنى احدا عن ذلك لاغنى نبيه محمدا (صلعم) عن ذلك بالوحي الذي يأتيه.

قال اللّه عز و جل: وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» و خرج مروان من مصر لهلال رجب سنة 55 ه و الحرب لا تزال سجالا بين دعاة مروان و دعاة عبد اللّه بن الزبير

«خلافة عبد الملك بن مروان»

و في غرة رمضان سنة 65 ه توفي مروان و له من العمر 63 سنة فبويع ابنه عبد الملك فأقر أخاه عبد العزيز على مصر و اخذ في متابعة مشروع ابيه فانفذ الاجناد الى جهات العراق و البصرة و الجزيرة سعيا في تعميم خلافته. و في آخر الامر ارسل اليه الحجاج بن يوسف فحاصر عبد اللّه بن الزبير في مكة مدة سبعة أشهر و في نهاية سنة 71 ه قتل عبد اللّه بن الزبير فخلا الجو لعبد الملك و كانت وفاته فصلا نهائيا لذلك الخصام بعد ان استمر عشر سنين متوالية و مملكة الاسلام تتنازعها خلافتان الواحدة في دمشق و الاخرى في مكة

و في سنة 69 ه امر عبد العزيز بن مروان ببناء قنطرة الخليج الكبير في طرف الفسطاط بالحمراء القصوى و بنى مقياسا للنيل في حلوان و هو اول مقياس بناه المسلمون في مصر و يقول بعضهم ان عمرو بن العاص بنى مقياسا قبل ذلك و لا دليل على صحة هذا القول‏

و في آخر ايام هذا الخليفة تم بناء القصر الجميل المدعو الدار المذهبة في شارع سوق الحمام‏

52

و كانت طائفة الكهنة الاقباط معافة من الضرائب و العوائد فضرب على الشخص الواحد منهم دينارا و على البطاركة ثلاثة آلاف دينار سنويا

و في سنة 86 توفي عبد العزيز بن مروان في الفسطاط في 13 جمادى الاولى بعد ان حكم فيها عشرين سنة و عشرة اشهر و 13 يوما و كان جوادا حليما حازما بشوشا فتولى بعده عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان من قبل ابيه على صلاتها و سنه 29 سنة و طلب اليه ابوه ان يقتفى آثار عمه عبد العزيز بالفطنة و الدراية

«خلافة الوليد بن عبد الملك» (و هو سادس خلفائهم)

و في سنة 86 توفي عبد الملك بن مروان و بويع ابنه الوليد بن عبد الملك الملقب بابي العباس فأقرّ اخاه عبد اللّه على مصر. و في ايام الامير عبد اللّه جعلت الكتابة في دواوين مصر باللغة العربية و كانت لا تزال الى ذلك الحين بالقبطية يتولى امرها (انتناش) فعزله و ولى مكانه بن يربوع الفزاري من اهل حمص. و غلت الاسعار في امارته فتشاءم الناس به و قالوا انه كان يقبل الرشوة ثم. و قد على اخيه في صفر سنة 88 ه و استخلف عبد الرحمن بن عمر بن قحزم الخولاني و اهل مصر في شدة عظيمة و ضيق عيش مخيف‏

اما الوليد بن عبد الملك فقد حكم في الاسلام حكما حقا و وسع نطاق المملكة الاسلامية و حارب حروبا كثيرة عاد منها ظافرا. منها الحروب الهائلة مع امراء تركستان و الفرس و الهند و ملك قسطنطينية و قد فتح (طوانه) من بلاد الروم و الاندلس و سمرقند. كل هذا الفتوحات و الغزوات و غيرها كانت على يد هذا الخليفة الباسل‏

و في 13 ربيع الاول سنة 90 ه اقيم على مصر قرة بن شريك من اهل قنسرين بدلا من عبد اللّه بن عبد الملك و أحيا قرة بن شريك بركة الحبش و غرس فيها القصب فقيل لها اصطبل قرة و اصطبل القماش‏

و قد تشكى القبط من جوره فهم يقولون انه كان يحتقر اعتقادتهم و يدخل احيانا الى كنائسهم و معه رجال من حاشيته و يوقفهم عن صلاتهم‏

و في سنة 93 ه اعاد قرة بن شريك بأمر الوليد بن عبد الملك بناء جامع عمرو.

و في سنة 96 توفى قرة في الفسطاط فأقيم مقامه عبد الملك بن رفاعة بن خالد و كان قرة شي‏ء التدبير خبيثا ظالما غشوما فاسقا و بعد ثلاثة اشهر من امارته توفى الخليفة