إتحاف الوري بأخبار أم القري‏ - ج3

- عمر بن محمد بن فهد المزيد...
766 /
1

[الجزء الثالث‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

المقدّمة

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين:

سيدنا محمد و على آله و أصحابه، و من اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

و بعد:

فهذا هو الجزء الثالث من كتاب «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» للنجم عمر بن فهد الهاشمى القرشى المكى، و هو يعالج أخبار الحقبة التاريخية من سنة إحدى و ستمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و أزكى التسليم، و ينتهى بنهاية أخبار سنة ثلاثين و ثمانمائة.

و قد أشرنا فى تقديمنا للجزء الثانى من الكتاب أنه قد عدل عن التجزئة التى وردت فى نسخة «ت» إلى تجزئة اقتضتها أصول الطباعة.

و استمر العدول عن التجزئة المذكورة فى هذا الجزء أيضا، لكننا أشرنا إليها فى تعليقاتنا بين سنتى عشرين و ثمانمائة، و إحدى و عشرين و ثمانمائة.

و يعتبر هذا الجزء تاريخا وافيا لمساحة عريضة من دولة الحسنين بمكة و أعمالها، و التى أسسها الشريف أبو عزيز قتادة بن إدريس الحسنى سنة سبع و تسعين و خمسمائة- فيما ترجح من الأقوال- بعد انتزاعه لمكة من يد الشريف مكثر الهاشمى، آخر أمراء دولة الهواشم بنى فليتة.

2

و قد استقصى فيه المؤلف مادونه المؤرخون من أخبار مكة فى تلك الحقبة؛ بحيث أصبح جامعا لكل ما ينشده الراغب فى تاريخ دولة بنى الحسن من الحوادث و الأخبار.

و لا شك فى أنه سيسهم فى إثراء المكتبة التاريخية، و يبوئ مؤلفه المنزلة اللائقة به، و التى أهّلته لأن يكون عمدة مؤرخى مكة المكرمة بعد التقى الفاسى.

و اللّه أسأل أن يفيض عليهما من رحماته، و أن يجزيهما عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء؛ إنه سميع مجيب الدعاء رب العالمين.

المحقق‏

فهيم محمد شلتوت‏

مكة المكرمة فى يوم الثلاثاء 21 من شعبان سنة 1404

الموافق 22 من مايو سنة 1984 م‏

اتحاف الورى بأخبار امّ القرى‏

3

«سنة إحدى و ستمائة»

فيها زحف أبو عزيز قتادة من مكة، و حاصر صاحب المدينة سالم بن قاسم الحسينى و ألحّ فى حصاره، ثم إن سالما قصد الحجرة الشريفة- على ساكنها أفضل الصلاة و السلام- فصلّى عندها و دعا، و سار فلقيه، فانهزم قتادة، و جاء المدد لسالم من بنى لأم، فأتبعه سالم و أنشب الحرب بينهما ببدر- و قيل بذى الحليفة- و هلك كثير من الفريقين، و انهزم أبو عزيز، و أسر سالم سليمان بن عبد المحسن التميمى الدارمى وزير قتادة- و كان سليمان أسود اللون، ضخم الجثة، قبيح الصورة- فلما حضر سليمان بين يدى سالم قال سالم لسليمان: من كان مدبّر رأيه من هذه صورته فيجب على خصمه ألا يمسكه عنه متى حصل بيده، فاذهب إلى صاحبك. فقال سليمان لسالم: ضاع الشكر أيها الأمير بحسن البادرة. فقال سالم: و توريتك أحسن منها. ثم أحسن سالم لسليمان و خلّى سبيله.

فلما عاد سليمان إلى الشريف أبى عزيز سأله: ما كان من فعل سالم معكم؟ فقال له سليمان: يا أمير، الفاطميون يحسنون إلى الناس، و يسئ بعضهم إلى بعض!! فطرب أبو عزيز لذلك لما سمعه، و جعل يعيد ما قاله سليمان، و ظهر له أنه وفّق فيه للصواب‏ (1).

و اتبع سالم أبا عزيز إلى مكة فحاصره مثل أيّام حصاره بالمدينة،

____________

(1) العقد الثمين 4: 609، 610.

4

فأرسل قتادة إلى من مع سالم من الأمراء فأفسدهم عليه؛ فمالوا إليه و حالفوه. فلما علم سالم ذلك/ رحل عنه عائدا إلى المدينة، و عاد أمر قتادة يقوى‏ (1).

و قيل إن أبا عزيز هجم من مكّة على المدينة فخرج له صاحب المدينة سالم بن قاسم الحسينى، فكسره أبو عزيز و حصره أياما، و كان سالم فى أثناء ذلك يحسن سياسة الحرب و يستميل أصحاب أبى عزيز إلى أن خرج عليه و هو مغتر متهاون؛ فكسره سالم و أسر جمعا من أصحابه، و تبعه إلى مكة، فحصره فيها على عدد أيام حصاره بالمدينة، و كتب إليه: يا ابن العم كسرة بكسرة، و أيّام حصار بمثلها، و البادئ أظلم؛ فإن كان أعجبكم عامكم فعودوا ليثرب فى القابل‏ (2).

و فيها حج بالناس الأمير مظفّر الدين سنقر الناصرى، المعروف بوجه السبع‏ (3).

***

____________

(1) و انظر الكامل لابن الأثير 12: 85، و العقد الثمين 7: 41.

(2) العقد الثمين 7: 42.

(3) درر الفرائد المنظمة 268. و فى النجوم الزاهرة 6: 187 «و فيها حج بالناس من العراق وجه السبع، و من الشام صارم الدين برغش العادلى، و زين الدين قراجا صاحب صرخد».

5

«سنة اثنتين و ستمائة»

فيها حج بالناس الأمير مظفر الدين سنقر الناصرى و يعرف بوجه السبع‏ (1).

*** «سنة ثلاث و ستمائة»

فيها حج برهان الدين صدر جيهان محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن مازة البخارى رئيس الحنفية ببخارى، و هو كان صاحبها على الحقيقة، يؤدى الخراج إلى الخطا (2) و ينوب عنهم فى البلد، فلما حج لم تحمد سيرته فى الطريق، و لم يصنع معروفا، و سمّاه الحاجّ صدر جهنم، و كان قد أكرم ببغداد عند قدومه من بخارى، فلما عاد لم يلتفت إليه لسوء سيرته مع الحجاج‏ (3).

و فيها فارق أمير الحاج مظفر الدين سنقر- مملوك الخليفة- المعروف بوجه السبع الحاجّ بموضع يقال له المرحوم، و مضى فى طائفة من أصحابه إلى الشام. و سار الحاج و معهم الجند، فوصلوا سالمين،

____________

(1) و فى الذيل على الروضتين 53، و النجوم الزاهرة 6: 190 «حج من العراق وجه السبع و من الشام الشجاع على بن السلار».

(2) الخطا: و يقال خطاي و ختاي، و هم الصين. و انظر السيف المهند 20.

(3) الذيل على الروضتين 57، 59، و البداية و النهاية 13: 47، و الكامل لابن الأثير 12: 107، 108، و درر الفرائد 692.

6

و أميرهم مجاهد الدين ياقوت الرومى، و وصل هو إلى الملك العادل أبى بكر بن أيّوب، فأقطعه أقطاعا كثيرة بمصر، و أقام عنده إلى أن عاد إلى بغداد فى جمادى الأولى سنة ثمان‏ (1) و ستمائة؛ فإنه لما قبض الوزير (2) أمن على نفسه، و أرسل يطلب العود؛ فأجيب/ إليه، فلما وصل أكرمه الخليفة و أقطعه الكوفة.

*** «سنة أربع و ستمائة»

فيها أوقف القاضى أبو الحسن على بن عبد الوهاب بن محمد ابن أبى الفتوح الإسكندرى الرباط الذى بأسفل مكة على فقراء العرب- بفتح العين و الراء- الغرباء المتعبدين ذوى الحاجات المتجّردين، ليس للمتأهّلين فيه حظ و لا نصيب‏ (3).

و فيها عمر المظفر صاحب إربل البئر المعروفة ببئر ميمون بن الحضرمى، أخى العلاء بن الحضرمى، بأعلى مكة، و هى البئر التى فى السبيل المعروف بسبيل الست- المعروف الآن بسبيل ابن مزنة (4).

____________

(1) فى الأصول، و درر الفرائد 268 «سنة أربع و ستمائة» و المثبت عن الكامل لابن الأثير 12: 108، و النجوم الزاهرة 6: 203.

(2) الوزير هو نصير الدين ناصر بن مهدى العلوى الحسنى، المتوفى سنة 604 ه. و انظر العقد الثمين 7: 54، و الذيل على الروضتين 52، 60.

(3) العقد الثمين 6: 204، و شفاء الغرام 1: 335.

(4) شفاء الغرام 1: 343، و العقد الثمين 1: 125، 7: 101، و انظر أخبار مكة للأرزقى 2: 222.

7

و فيها حج بالناس ياقوت، و حج معه أبو المظفر يوسف بن قزأغلى سبط ابن الجوزى، و هى أولى حجاته‏ (1).

و حج شيخ حرّان الفقيه فخر الدين أبو عبد اللّه محمد بن خضر بن محمد بن خضر بن على بن عبد اللّه بن تيمية الحرانى‏ (2).

و فيها مات إمام مقام إبراهيم الخليل أبو عبد اللّه محمد بن علوان ابن هبة [اللّه‏] (3) التكريتى الحوطىّ- بفتح الحاء- فى يوم الأحد ثالث عشر شعبان.

و الشيخ الزاهد أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد الفاسى الأصفهانى، فى ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان‏ (4).

***

____________

(1) الجامع المختصر لابن الساعى 9: 243، و درر الفرائد 268. و فى الذيل على الروضتين 61 «حج بالناس من الشام عز الدين مودود ... و حج معه أبو المظفر سبط ابن الجوزى، و عاد إلى العراق. و حج بالناس من العراق فى هذه و التى قبلها مجاهد الدين ياقوت».

(2) البداية و النهاية 13: 51 بصدد عوده من الحج، و انظر ترجمته فى نفس المرجع 109.

(3) الإضافة عن العقد الثمين 2: 147 برقم 305، و التكملة لوفيات النقلة 2: 139 برقم 1031.

(4) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من مراجع. و سيرد أيضا ضمن وفيات سنة 614 ه.

8

«سنة خمس و ستمائة»

فيها فى شعبان أنشئت الأعلام الثلاثة التى هى بين منتهى أرض عرفة و وادى عرفة، أمر بإنشائها المظفر كوكبرى بن على بن بكتكين صاحب إربل‏ (1).

و فيها أنشأ المظفر صاحب إربل المذكور بئرين بعرفة- لا ماء فيهما الآن- و أصلح العقبة المعروفة بعقبة المتكأ بطريق التنعيم، و عمّر الموضع الذى يقال له المتكأ (2).

و فيها عمّر السيد قتادة بن إدريس المشهد الذى به قبر الحسين ابن على بن الحسن الحسنى، صاحب وقعة فخّ ظاهر مكة بطريق العمرة (3).

و فيها كان قاضيا بمكة عبد اللّه بن يحيى بن عبد الرحمن بن على ابن الحسين الشيبانى‏ (4).

و فيها حج بالناس ياقوت‏ (5).

____________

(1) العقد الثمين 7: 100، 101، و شفاء الغرام 1: 302.

(2) انظر المرجعين السابقين.

(3) انظر الجزء الثانى من هذا الكتاب ص 220، 221، و العقد الثمين 4:

196 برقم 1040.

(4) العقد الثمين 5: 298 برقم 1660.

(5) الجامع المختصر 9: 270، و درر الفرائد 268.

9

و فيها مات القاضى أبو عبد اللّه/ محمد بن عبد العزيز بن الحسين بن الجبّاب فى ليلة سلخ المحرم‏ (1).

و محمد بن أبى بكر بن إبراهيم الطبرى- محرما- فى ليلة الجمعة خامس عشرى ربيع الآخر (2).

*** «سنة ست و ستمائة»

فيها حج بالناس ياقوت بن النجار حجته الثالثة (3).

و فيها قتل قتادة إمام الحنفية، و إمام الشافعية بمكة، و نهب الحاج اليمنيين‏ (4).

*** «سنة سبع و ستمائة»

فيها أصلح المظفر صاحب إربل العقبة التى بنى عليها باب الشبيكة و اتسعت هذه المحجة (5).

____________

(1) العقد الثمين 2: 122 برقم 273، و التكملة لوفيات النقلة 2: 149 برقم 1049.

(2) العقد الثمين 1: 432 برقم 117.

(3) الجامع المختصر 9: 289، و الذيل على الروضتين 67، و النجوم الزاهرة 6: 194.

(4) العقد الثمين 7: 47، و الذيل على الروضتين 77.

(5) العقد الثمين 7: 101.

10

و فيها كان مجاورا بمكة ابن النجار (1)، و قرأ على إمام الحنابلة نصر بن محمد الحصرى كثيرا (2).

و فيها كانت بمنى وقعة بين الحاج العراقى و أهل مكة، قتل فيها عبد للشريف قتادة يسمى بلالا، و هذه السنة عند العرب تعرف بسنة بلال‏ (3).

و فيها حج بالناس محمد ولد الأمير مجاهد الدين ياقوت، و كان أبوه قد ولّاه الخليفة خوزستان، و جعله هو أمير الحاج، و معه ابن أبى فراس الحلّى لأنه كان صبيا (4).

*** «سنة ثمان و ستمائة»

فيها حج بالناس من العراق علاء الدين محمد بن ياقوت- و هو صبى- نيابة عن أبيه، و معه ابن أبى فراس يثقّفه و يدبره، و حج من الشام على حاج دمشق الصمصام إسماعيل أخو سياروج النجمى، و على حاج القدس الشجاع على بن سلار، و كانت ربيعة خاتون أخت‏

____________

(1) هو الحافظ محب الدين محمد بن محمود بن الحسن بن هبة اللّه بن محاسن المعروف بابن النجار البغدادى المتوفى سنة 643 ه، و له ذيل عظيم على تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (فوات الوفيات 4: 36، و كشف الظنون 1: 288).

(2) انظر ترجمته فى العقد الثمين 7: 332 برقم 2590.

(3) شفاء الغرام 2: 232، و درر الفرائد 269.

(4) درر الفرائد 268.

11

العادل‏ (1) فى الحج، فلما كان يوم النحر- بعد رمي الناس الجمرة- وقع بين الحاج العراقى و بين أهل مكة فتنة عظيمة قتل فيها الحجّاج العراقيون و نهبوا نهبا ذريعا، و كان معظم الفتنة بمنى؛ و سببها أن بعض الإسماعيلية من أهل العراق يسمّى الحشيشى‏ (2) وثب على رجل شريف من بنى عم قتادة يسمى هارون و كنيته أبو عزيز، و هو يشبه قتادة صاحب مكة، و ظنّه إيّاه فقتله عند الجمرة. و يقال إن الذى قتله كان مع أم جلال الدين‏ (3)، فلما سمع قتادة ذلك قال:

ما كان المقصود إلا أنا/ و اللّه لا أبقيت من الحاج العراقى أحدا. و اتّهم أمير الركب بذلك؛ فجمع الأشراف و العرب و العبيد و أهل مكة و قصدوا الحاج، و صعدوا على الجبلين بمنى و هلّلوا و كبّروا، و ضربوا الناس بالحجارة و النبل و المقاليع و النشاب، فقتل بعض الأعيان و خلق كثير من الفريقين، و قتل الحشيشى القاتل، و نهب من الحاج من كان فى‏

____________

(1) هو العادل سيف الدين أبو بكر محمد بن نجم الدين أيوب، أخو صلاح الدين، سلطان مصر و الشام و الأطراف، و انظر النجوم الزاهرة 6: 160- 226.

(2) و فى شفاء الغرام 2: 233 نقلا عن ابن سعيد المغربى: أن القاتل للشريف بمنى شخص مجهول، فظن الأشراف أنه خشيش فقتله، و الخشيش هو الدخيل بلغة العامة فى الحجاز. و فى العقد الثمين 7: 49 «أن الأشراف قتلوا القاتل بمنى و ظنوا أنه حشيشى» و الحشيشى ينتسب إلى طائفة الباطنية الإسماعيلية الذين نشأوا فى قلعة الألموت.

(3) هو جلال الدين حسن، صاحب قلعة ألموت، و كان هو و أتباعه قد تبرءوا من الباطنية، و بنوا المساجد، و أقيمت فيها الجمعة و الجماعات، و صلوا التراويح فى شهر رمضان، و حجت أمه فى سنة 608 ه. (النجوم الزاهرة 6: 203).

12

الطواف يوم العيد و الليلة و اليوم الثانى، و قتل من كان من الحاج بمكة و فعل فيهم مثل ما فعل بمنى، و بات الحاج بأسوأ حال؛ من شدة الخوف من القتل و النهب، فقال ابن أبى فراس لمحمد بن ياقوت:

ارحلوا بنا إلى منزلة الحاج الشامى. فأمر الناس بالرحيل؛ فرفعوا أثقالهم على الجمال و اشتغلوا بذلك، فطمع العدوّ فيهم و تمكن من النهب كيفما أراد، و كانت الجمال تؤخذ بأحمالها؛ و نهب الحاج عن آخره، و لم يسلم منه إلا القليل، و التحق من سلم بحجاج الشام، و جاء محمد بن ياقوت أمير الحاج العراقى فدخل خيمة ربيعة خاتون مستجيرا بها، و معه خاتون أم جلال الدين، ثم رحلوا إلى الزهراء و منعوا من دخول مكة.

فبعثت ربيعة خاتون مع ابن السلار إلى قتادة تقول له: ما ذنب الناس؟! قد قتلت القاتل و جعلت ذلك وسيلة إلى نهب المسلمين، و استحللت الدماء و الأموال فى الشهر الحرام و البلد الحرام، و قد عرفت من نحن، و اللّه لئن لم تنته لأفعلن و لأفعلن. فجاء إليه ابن السّلّار فخوفه و هدّده، و قال: ارجع عن هذا و إلا قصدك الخليفة من العراق، و نحن من الشام. فكفّ عنهم و طلب مائة ألف دينار، فجمعوا له ثلاثين ألفا من أمير الحاج العراقى، و من خاتون أم جلال الدين، و أقام الناس ثلاثة أيام حول خيمة ربيعة خاتون بين قتيل و جريح و مسلوب و جائع و عريان‏ (1).

____________

(1) و انظر شفاء الغرام 2: 232- 234، و العقد الثمين 4: 47- 49، و درر الفرائد 703، 704.

13

و قال قتادة: ما فعل هذا إلا الخليفة، و لئن‏ (1) عاد/ أحد (1) من بغداد إلى هنا لأقتلن الجميع. و يقال إنه أخذ من المال و المتاع و غيره ما قيمته ألف ألف دينار. و أذن للناس فى الدخول إلى مكة؛ فدخل الأصحاء الأقوياء فطافوا- و أى طواف!!- و تمموا حجهم، و معظم الناس ما دخل.

و رحلوا إلى المدينة، و دخل الحاجّ بغداد على غاية الفقر و الذل و الهوان، و لم ينتطح فيها عنزان‏ (2).

و فيها أمر القاضى العباس بعمارة مولد على بن أبى طالب رضى اللّه عنه‏ (3).

و فيها مات المحدث أبو محمد يونس بن يحيى بن الحسن بن أبى البركات بن أحمد الهاشمى البغدادى. فى يوم الخميس ثامن صفر، و قيل حادى عشر شعبان‏ (4).

____________

(1) فى ت «و لئن عاد لا يهرب أحد»، و فى م «و لئن عاد يهرب أحد»، و فى شفاء الغرام 2: 233 «و لئن عاد يقرب أحدا»، و فى العقد الثمين 7: 49 «و لئن عاد قرب أحد»، و المثبت من الذيل على الروضتين 79.

(2) و انظر مع المراجع السابقة الكامل لابن الأثير 12: 123.

(3) كذا فى الأصول. و فى شفاء الغرام 1: 271 «و على بابه مكتوب: هذا مولد أمير المؤمنين على بن أبى طالب (رضوان اللّه عليه)، و فيه ربى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، أمر بعمله سيدنا و مولانا الإمام أبو العباس أحمد بن الناصر لدين اللّه أمير المؤمنين فى سنة ثمان و ستمائة».

(4) العقد الثمين 7: 500 برقم 2793، و التكملة لوفيات النقلة 2: 228 برقم 1203.

14

و أبو العباس خضر بن على بن محمد الإربلى الصوفى، فى يوم الاثنين ثانى عشر جمادى الأولى‏ (1).

*** «سنة تسع و ستمائة»

فيها حج بالناس حسام الدين بن أبى فراس نيابة عن محمد بن ياقوت.

و فيها وصل من الخليفة الناصر إلى أبى عزيز قتادة مع الركب العراقى مال و خلع و كسوة البيت على العادة، و لم يظهر الخليفة إنكارا على ما تقدم من نهب الحاج، و جعل أمير الركب حسام الدين يستدرجه و يخدعه بأنه لم يصحّ عند الديوان العزيز إلا أن الشرفاء و أتباعهم نهبوا أطراف الحاج، و لو لا تلافيك أمرهم لكان اصطلام، و قال يقول لك مولانا الوزير: (2) و ليس كمال الخدمة الإمامية إلا بتقبيل العتبة (2) و لا عز الدنيا و الآخرة إلا بنيل هذه الرتبة. فقال: أنظر فى ذلك، ثم تسمع الجواب.

و اجتمع ببنى عمه الأشراف و عرّفهم أن ذلك استدراج لهم و له؛ حتى يتمكن من الجميع. و قال: يا بنى الزهراء، عزكم إلى آخر

____________

(1) العقد الثمين 4: 317 برقم 1133، و فيه «خضر بن محمد بن على».

(2) كذا فى م، و العقد الثمين 7: 50، و درر الفرائد 270. و فى ت «من كمال الخدمة أن تأتيه و تقبل العتبة».

15

الدهر مجاورة هذه البنية، و الاجتماع فى بطاحها، و اعتمدوا بعد اليوم أن تعاملوا هؤلاء القوم بالشر، (1) يوهنوكم من طريق الدنيا (1) و الآخرة، و لا يرغّبوكم بالأموال و العدد و العدد؛ فإن اللّه قد عصمكم و عصم أرضكم بانقطاعها/ و أنّها لا تبلغ إلا بشقّ الأنفس، ثم غدا أبو عزيز على أمير الركب و قال: اسمع الجواب. ثم أنشد ما نظمه فى ذلك، قصيدة أولها:-

بلادى و إن هانت علىّ عزيزة* * * و لو أننى أعرى بها و أجوع‏

ولى كفّ ضرغام أصول ببطشها* * * و أشرى بها بين الورى و أبيع‏

تظلّ ملوك الأرض تلثم ظهرها* * * و فى بطنها للمجدبين ربيع‏

أأجعلها تحت الرّحى ثم أبتغى‏* * * خلاصا لها إنى إذا لرقيع‏

و ما أنا إلا المسك فى كلّ بلدة* * * أضوع و أما عندكم فأضيع‏

فقال له أمير الركب: يا شريف، أنت ابن بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و الخليفة ابن عمك، و أنا مملوك تركى لا أعلم من الأمور التى فى الكتب ما علمت، و لكنى قد رأيت أن هذا من شرف العرب الذين يسكنون البوادى، و نزعات قطّاع الطريق و مخيفى السبيل؛ حاش للّه أن أحمل هذه الأبيات عنك إلى الديوان العزيز، فأكون قد جنيت على بيت اللّه و بنى بنت نبيّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما ألعن عليه فى الدنيا و الآخرة،

____________

(1) كذا فى م و العقد الثمين 7: 50، و درر الفرائد 270. و فى ت «يوهنه و يوهن عزكم فى الدنيا .. الخ».

16

و أحرق بسببه فى الآخرة، و اللّه لو بلغ هذا حيث أشرت لترك كلّ وجه و جعل جميع الوجوه إليك حتى يفرغ منك، ما لهذا ضرورة؛ إنه قد خطر لك أنهم استدرجوك لأن تسير إليهم، و تمكن من نفسك، فقل جميلا و إن كان فعلك ما علمت. فأصغى إليه أبو عزيز، و علم أنه رجل عاقل ناصح ساع بخير لمرسله و للمسلمين، فقال له: كثّر اللّه فى المسلمين مثلك، فما الرأى عندك؟ قال: أن ترسل من أولادك من لا تهتم به إن جرى عليه ما تتوقعه- و معاذ اللّه أن يجرى إلا ما تحبه- و ترسل معه جماعة من ذوى الأسنان و الهيئات من الشرفاء، فيدخلون مدينة السلام، و فى أيديهم أكفانهم منشورة، و سيوفهم مسلولة، و يقبّلون العتبة، و يتوسلون برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و يصفح أمير المؤمنين؛ و سترى/ ما يكون من الخير لك و للناس، و اللّه لئن لم تفعل هذا لتركبن الإثم العظيم، و يكون ما لا يخفى عنك. فشكره و وجّه صحبته ولده، و أشياخ الشرفاء، و دخلوا بغداد على تلك الهيئة التى رسم، و هم يضجون و يبكون و يتضرّعون، و الناس يبكون لبكائهم، و اجتمع الخلق كأنه المحشر، و مالوا إلى باب النوبى من أبواب مدينة الخليفة؛ فقبّلوا هنالك العتب، و بلغ الخبر الناصر؛ فعفا عنهم و عن مرسلهم، و أنزلوا فى الديار الواسعة، و أكرموا الكرامة التى ظهرت و اشتهرت، و عادوا إلى أبى عزيز بما أحبّ. و كان بعد ذلك يقول: لعن اللّه أول رأى عند الغضب، و لا عدمنا عاقلا ناصحا يثنينا عنه. هذا كلام أبى سعيد المغربى‏ (1).

____________

(1) و انظر العقد الثمين 7: 49- 53، و درر الفرائد 270- 272.

17

و يقال إن قتادة أرسل إلى الخليفة ولده راجح بن قتادة فى طلب العفو بأثر الفتنة. هكذا ذكر ابن الأثير (1) و ابن محفوظ.

و قيل إن الخليفة كتب إلى قتادة يستدعيه، و يقول له: أنت ابن العم و الصاحب، و قد بلغنى شهامتك و حفظك للحجاج، و غير ذلك، و شرف نفسك و عزّتك و عفّتك و نزاهتك؛ و قد أحببت أن أراك و أشاهدك و أحسن إليك. فكتب إليه الأبيات الأربعة (2).

و فيها مات إسماعيل بن إبراهيم العسقلانى ليلة الأحد سابع جمادى الأولى‏ (3).

و إمام مقام إبراهيم أبو شجاع زاهر بن رستم بن أبى الرجاء الأصبهانى البغدادى، فى يوم الأربعاء تاسع القعدة (4).

و فيها- و قيل فى سنة سبع عشرة، و قيل سنة تسع عشرة- مات التقى محمد بن إسماعيل بن على بن أبى الصيف اليمنى فى ذى الحجة (5).

***

____________

(1) الكامل لابن الأثير 12: 123.

(2) العقد الثمين 7: 57.

(3) العقد الثمين 3: 296 برقم 762.

(4) العقد الثمين 4: 426 برقم 1200، و النجوم الزاهرة 6: 207.

(5) البداية و النهاية 13: 64، و العقد الثمين 1: 415 برقم 97.

18

«سنة عشر و ستمائة»

فيها حج بالناس أبو فراس بن جعفر بن أبى فراس الحلّى نيابة عن أمير الحاج ابن/ ياقوت، و منع ابن ياقوت من الحج لصغره، و لما جرى على الحجاج فى ولايته‏ (1).

و فيها جاء أبو الحسن على بن مظفر بن على الشهير بابن الحبير (2) الهيتى لمشيخة الحرم، و لم يزل متوليها إلى أن مات فى سنة خمس و عشرين.

و فيها ماتت تاج بنت رستم بن أبى الرجاء بن محمد الأصبهانية المعروفة ببنت تاج‏ (3).

*** «سنة إحدى عشرة و ستمائة»

فيها فى ثالث ذى القعدة قدم مكة الملك المسعود صلاح الدين‏

____________

(1) الكامل لابن الأثير 12: 124، 125، و درر الفرائد 272. و انظر النجوم الزاهرة 6: 208 و فيه أيضا «و حج بالناس من الشام الغرز صديق بن تمرداش التركمانى من على عقبة أيلة بحجاج الكرك و القدس».

(2) فى ت «الحسين»، و اللفظ غير معجم فى م، و المثبت عن التكملة لوفيات النقلة 3: 241 برقم 2233، و العقد الثمين 6: 268 برقم 3027.

(3) العقد الثمين 8: 191 برقم 3313، و فيه «تاج النساء».

19

يوسف بن الملك الكامل، و صحبته ألف فارس، و من الجندارية (1) و الرّماة خمسمائة، متوجها إلى اليمن، فخطب له، فلما خطب له نثر على الناس ألف دينار، و حمل إلى أمير مكة ألف دينار، و قماشا بألف دينار، و نوى الحج فخشى تفرّق الأجناد إذا جاء الموسم؛ فرحل من مكة إلى اليمن فى العشر الثانى من ذى القعدة، كذا ذكر بيبرس الدوادار. و ذكر ابن خلكان و النويرى أنه توجه بعد الحج‏ (2).

و فيها حج المعظم عيسى بن العادل أبى بكر بن أيوب صاحب دمشق، و وصل إلى مكة يوم الثلاثاء سادس الحجة، و التقاه أبو عزيز قتادة أمير مكة، و حضر فى خدمته، فقال له المعظم: أين ننزل؟

فأشار بسوطه إلى الأبطح و قال: هناك. فنزل المعظم و بعث إليه قتادة بهدايا يسيرة. و تصدّق فى الحرمين صدقة جيّدة، و حج معه الشريف سالم بن قاسم بن مهنا الحسنى أمير المدينة، و همّ به قتادة أن يلزمه فلم يتمكن من ذلك، و توجّه الأمير سالم مع المعظم إلى الشام‏ (3).

____________

(1) الجندارية: جمع جندار و اللفظ مركب من لفظين فارسيين «جان بمعنى روح، و دار بمعنى ممسك، و المعنى الحرفى الممسك للروح، و المراد الحرس الخاص للسلطان أو غيره؛ فلا يدع أحدا يقرب منه إلا من يثق فيه». و انظر صبح الأعشى 5: 461.

(2) العقد الثمين 7: 492، و درر الفرائد 272.

(3) العقد الثمين 7: 42، و الذيل على الروضتين 87، و شفاء الغرام 2:

234، و النجوم الزاهرة 6: 211، و درر الفرائد 272.

20

و فيها حج بالناس أبو الفوارس ابن أخى ورام‏ (1) نائبا عن محمد ابن ياقوت، و عادوا سالمين شاكرين لصنيعهم، و كان فيهم الشيخ شهاب الدين عمر السّهروردىّ.

و فيها مات الشيخ الصالح الزاهد إمام مقام إبراهيم نجيب الدين أبو الفضل عباس بن الحسين بن العباس العباسى الطبرى، فى ليلة/ الثلاثاء عشرى ذى الحجة (2).

*** «سنة اثنتى عشرة و ستمائة»

فيها فى تاسع صفر حاصر الشريف قتادة أمير مكة المدينة النبوية أياما (3)، و قطع تمرها جميعه و كثيرا من نخلها، فقاتله من فيها، و قتل جماعة من أصحابه، و رحل عنها خاسرا. و كان أمير المدينة عند العادل بالشام، فبعث معه جيشا، و استخدم جماعة من التركمان، و سار من الشام فى ثالث شعبان إلى المدينة المنورة، فتوفى بالطريق، و قام ولد أخيه قاسم بن جمّاز بعده. و اجتمع أهله على طاعته، فمضى بمن كان معه لقصد قتادة صاحب مكة، و جمع‏

____________

(1) كذا فى الأصول. و فى النجوم الزاهرة 6: 211 «و حج بالناس من العراق ابن أبى فراس بن ورام» و فى درر الفرائد 272 «كان أمير الحاج على حاله» و هو أبو فراس بن جعفر بن أبى فراس الحلى.

(2) العقد الثمين 5: 91 برقم 1469.

(3) ورد فى هامش الأصول أمام هذا الخبر عنوان «محاصرة قتادة للمدينة».

21

الشريف قتادة عسكرا كثيرا، و التقى عسكر قتادة و عسكر الشام الذى وصل به الأمير قاسم بوادى الصفراء فى القعدة، فكانت الغلبة لعسكر المدينة؛ فاستولوا على عسكر قتادة قتلا و نهبا، و مضى قتادة منهزما إلى ينبع؛ فتبعوه و حصروه بقلعته. و غنم صاحب المدينة شيئا كثيرا و حصل لحميد بن راجب من الغنيمة ما يزيد على مائة فرس، و هو واحد من جماعة كثيرة من العرب الطائيين‏ (1) و عاد الأجناد الذين كانوا مضوا مع الأمير سالم من الشام- من التركمان و غيرهم- صحبة الناهض بن الجرخى خادم المعتمد (2)، و فى صحبتهم كثير مما غنموه من [أعمال‏] (3) قتادة و من وقعة وادى الصفراء من نساء و صبيان، و ظهر فيهم أشراف حسنيون و حسينيون فاستعيدوا منهم، و سلموا إلى المعروفين‏ (4) من أشراف دمشق ليكفلوهم، و يشاركوهم فى قسمهم من وقفهم.

و فيها حج بالناس أبو فراس بن أبى فراس نائبا على جارى العادة (5)***

____________

(1) فى الأصول «الطلابيين»، و فى العقد الثمين 7: 43 «الكلابيين» و المثبت عن الذيل على الروضتين 90، و يرجحه محقق العقد الثمين.

(2) هو المعتمد مبارز الدين إبراهيم، والى دمشق للعادل أبى بكر محمد بن أيوب، ثم من بعده، و قد قتل الناهض فى عام 616 ه بيد الفرنج. فى وقعة دمياط.

(البداية و النهاية 14: 75، و النجوم الزاهرة 6: 170، 238).

(3) إضافة على الأصول عن العقد الثمين 7: 43.

(4) فى الأصول «المعرضين» و المثبت من الذيل على الروضتين 90، و العقد الثمين 7: 43.

(5) النجوم الزاهرة 6: 213، و درر الفرائد 272.

22

«سنة ثلاث عشرة و ستمائة»

فيها- فى جمادى الأولى- صعد الشريف قتادة صاحب مكة للطائف لحرب ثقيف،/ فظهر قتادة على ثقيف؛ فقتل جماعة من مشايخ ثقيف بدار بنى‏ (1) يسار من قرى الطائف، و نهب الجيش البلاد، ففقد كتاب النبّى (صلّى اللّه عليه و سلم)(2) لأهل الطائف، و كان عند شيخهم حمدان الثقفى العوفى. و فرّ من ثقيف طائفة، و تحصنوا فى حصونهم، فأرسل إليهم قتادة يستدعيهم للحضور إليه و يؤمنهم، و توعّدهم بالقتل إن لم يحضروا، فتشاورت ثقيف فى ذلك، و مال أكثرهم إلى الحضور عنده خيفة أن يهلكهم إذا ظهر عليهم، فحضروا عند قتادة فقتلهم، و استخلف على بلادهم نوابا من قبله و عضّدهم بعبيد له؛ فلم يبق لأهل الطائف معهم كلمة و لا حرمة، فعمل أهل الطائف حيلة فى قتل جماعة قتادة؛ و هى أنهم يدفنون سيوفهم فى مجالسهم التى جرت عادتهم بالجلوس فيها مع أصحاب قتادة، و يستدعون أصحاب قتادة للحضور إليهم، فإذا حضروا إليهم وثب كل واحد من أهل الطائف بسيفه المدفون على جليسه فقتله به.

فلما فعلوا ذلك استدعوا أصحاب قتادة إلى الموضع الذى دفنوا فيه سيوفهم و أوهموهم أن استدعاءهم لهم بسبب كتاب ورد عليهم من‏

____________

(1) كذا فى م، و العقد الثمين 7: 46. و فى ت «ابن»، و قد ورد فى هامش الأصول أمام هذا الخبر «أخذ قتادة لثقيف».

(2) و الكتاب المقصود هنا هو الذى كتبه النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) لوفد ثقيف الذى قدم عليه سنة تسع بعد غزوة تبوك، و انظره فى شرح المواهب 4: 8- 10.

23

قتادة، فحضر إليهم أصحاب قتادة بغير سلاح لعدم مبالاتهم بأهل الطائف؛ لما أوقعوه فى قلوبهم من الرعب منهم. فلما اجتمع الفريقان و اطمأنت بهم المجالس وثب كل واحد من أهل الطائف على جليسه ففتك به، و لم يسلم من أصحاب قتادة إلا واحد- على ما قيل- هرب و وصل إلى قتادة- و قد تخبّل عقله لشدة ما رآه من الذبح فى أصحابه- و أخبر قتادة بالخبر فلم يصدقه، و ظن أنه قد جنّ لما رأى فيه من الخبل‏ (1).

و فيها حج بالناس حسام الدين أبو فراس/ بن جعفر بن أبى فراس نيابة عن محمد بن ياقوت خادم أمير المؤمنين‏ (2).

و فيها- فى يوم النحر- كانت وقعة الحميمة (3)، و كانت الكسرة على قاسم‏ (4).

و فيها ماتت- ليلا (5) بنت قاضى القضاة مجير الدين الطبرى يوم الاثنين تاسع عشرى جمادى الأولى.

____________

(1) العقد الثمين 7: 45، 46.

(2) الذيل على الروضتين 93، و النجوم الزاهرة 6: 216، و زاد «و من الشام الشيخ علم الدين الجعبرى»، و درر الفرائد 272.

(3) الحميمة: قرية ببطن مرّ بين البرابر و سروع. (معجم البلدان لياقوت، و حسن القرى بأودية أم القرى لجار اللّه بن فهد- مخطوط).

(4) و فى العقد الثمين 7: 45 «أن قاسم بن جماز أمير المدينة أغار على جدة، فخرج إليه قتادة و التقوا فى الحميمة فانكسر قاسم».

(5) كذا فى الأصول. و لم نعثر لهذا الاسم على ترجمة فيما تيسر من مراجع، كما لم نعثر فى العقد الثمين على من لقب بمجير الدين من الطبريين.

24

و أبو الفضل عبد المجيد بن عبد الدايم بن عمر بن حسين الكنانى العسقلانى، ليلة حادى عشر شعبان‏ (1).

و أبو بكر بن إبراهيم بن محمد الإربلى، يوم السبت تاسع الحجة يوم عرفة بالموقف‏ (2).

و أبو بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى بعرفات، يعرف بالأول لكن‏ (3) انقلب اسم أبى الأول‏ (3).

*** «سنة أربع عشرة و ستمائة»

فيها بيع الحب بمكة- مدة شهرين- ربع مدّ بدينار ذهب‏ (4) و تعرف هذه السنة بسنة أم لحيم.

و فيها حج بالناس حسام الدين أبو فراس نيابة (5).

____________

(1) العقد الثمين 5: 491 برقم 1867، و التكملة لوفيات النقلة 2: 376 برقم 1481.

(2) العقد الثمين 8: 11 برقم 2807.

(3) كذا فى م. و فى ت «لكن تغلب اسم أبى الأول» و لعل المراد بالمثبت أن اسمه يماثل اسم الأول قبله لكن انقلب اسم الأب فتأخر و تقدم اسم الجد. و انظر ترجمته فى العقد الثمين 8: 20 برقم 2822.

(4) درر الفرائد 272.

(5) المرجع السابق.

25

و فيها ولى إمامة المالكية أبو البركات عمر بن محمد بن عمر بن الحسن التوزرى القسطلانى بعد امتناعه منها و إكراهه عليها (1).

و فيها مات القاضى محيى الدين أبو جعفر أحمد بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى المكى. يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر (2).

و الشيخ الزاهد أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد الفاسى الصنهاجى فى ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان‏ (3).

*** «سنة خمس عشرة و ستمائة»

فيها جدّد الشيخ الزاهد أحمد بن محمد بن إبراهيم باحوال الأصبهانى رباط الحافظ أبى عبد اللّه محمد بن مندة الأصبهانى، و يعرف الآن برباط بدر الدين الطاهر (4).

و فيها حج بالناس الأمير الدويدار نور الدين آقباش الناصرى‏ (5).

و فيها ماتت أم محمود هندة بنت على بن يحيى بن تميم العراقى بالحرم الشريف، فى ليلة السبت ثالث ربيع الأول‏ (6).

____________

(1) العقد الثمين 6: 350، 351. و انظر وفيات 644 من هذا الكتاب.

(2) العقد الثمين 3: 20 برقم 524.

(3) سبق أن ذكره المؤلف ضمن وفيات سنة 604 ه.

(4) شفاء الغرام 1: 331، و العقد الثمين 1: 119، و فيهما «يعرف برباط البرهان الطبرى».

(5) النجوم الزاهرة 6: 223، و درر الفرائد 272.

(6) و فى الدر الكمين «هندة بنت على بن يعلى بن تميم الفرقع أم محمود».

26

و أبو الفتوح محمد بن محمد بن محمد بن عمرك بن أبى سعيد القرشى البكرى النيسابورى، ليلة الحادى عشر من جمادى الأولى‏ (1).

و هنية بنت سليمان/ البانسى ليلة الجمعة، لعشرين ليلة خلت من جمادى الآخرة (2).

*** «سنة ست عشرة و ستمائة»

فيها عمّر العلمان اللذان هما حدّ الحرم من جهة عرفة من قبل المظفر صاحب إربل‏ (3).

و فيها حج بالناس آقباش الناصرى‏ (4).

«سنة سبع عشرة و ستمائة»

فيها جمع قتادة جموعا كثيرة و سار عن مكة يريد المدينة، فنزل بوادى الفرع‏ (5) و هو مريض، و سير أخاه على الجيش و معه ابنه الحسن بن قتادة.

____________

(1) العقد الثمين 2: 337 برقم 439، و النجوم الزاهرة 6: 226.

(2) لم نعثر لها على ترجمة فيما تيسر من مراجع.

(3) العقد الثمين 7: 100.

(4) النجوم الزاهرة 6: 245، و درر الفرائد 272.

(5) الفرع: من نواحى الربذة عن يسار السقيا، بينه و بين المدينة ثمانية برد على طريق مكة، بينه و بين المريسيع ساعة من النهار. (ياقوت معجم البلدان، وفاء الوفا 2: 355، 356).

27

فلما أبعدوا بلغ الحسن أن عمّه قال لبعض الجند: إنّ أخى مريض و هو ميّت لا محالة، و طلب منهم أن يحلفوا ليكون هو الأمير بعد أخيه قتادة، فحضر الحسن عند عمّه و اجتمع إليه كثير من الأشراف و المماليك الذين لأبيه، فقال الحسن لعمه، قد فعلت كذا و كذا. فقال: لم أفعل. فأمر الحسن الحاضرين بقتله، فلم يفعلوا و قالوا: أنت أمير و هذا أمير، و لا نمد أيدينا إلى أحدكما. و قال له غلامان لقتادة: نحن عبيدك فمرنا بما تشاء. فأمرهما أن يجعلا عمامة عمه فى حلقه، ففعلا، ثم قتله. فسمع قتادة الخبر فبلغ منه الغيظ كل مبلغ، و حلف ليقتلن ابنه- و كان على ما ذكر من المرض- فكتب بعض أصحابه إلى الحسن يعرّفه الحال، و يقول له: ابدأ به قبل أن يقتلك.

فعاد الحسن إلى مكة فى [زىّ‏] (1) أحد المجاورين، فلما وصلها قصد دار أبيه فى نفر يسير، فرأى على باب الدار جمعا كثيرا، فأمرهم بالانصراف إلى منازلهم؛ ففارقوا الدار و عادوا إلى مساكنهم، و دخل الحسن على أبيه، فلما رآه [أبوه‏] (2) شتمه، و بالغ فى ذمّه و تهديده، فوثب إليه الحسن فخنقه لوقته.

و قيل إن الحسن واطأ جارية كانت تخدم أباه؛ فأدخلته ليلا عليه، و استعان بها و بغلام له فى إمساك يديه، ثم قتلهما بعد ذلك لئلا يخرج الخبر من قبلهما، و زعم للناس أنهما قتلا أباه‏ (3). و خرج‏

____________

(1) إضافة يقتضيها السياق.

(2) الإضافات عن الكامل لابن الأثير 12: 166، و العقد الثمين 4: 172.

(3) العقد الثمين 4: 172، 173.

28

الحسن إلى الحرم الشريف، و أحضر الأشراف، و قال [إن‏] (1) أبى اشتد مرضه/ و قد أمركم على أن تحلفوا [لى‏] (1) على أن أكون أنا أميركم، فحلفوا له، ثم إنه أحضر تابوتا و دفنه ليظن الناس أنه قد مات- و كان دفنه- و ولى الإمارة بالغلبة (2).

فلما استقرت الإمارة بمكة له أرسل إلى أخيه الذى بقلعة ينبع على لسان أبيه يستدعيه، و كتم موت أبيه عنه، فلما حضر أخوه قتله. و استقر أمره و ثبت قدمه‏ (3).

و كان له أخ اسمه راجح، باين أخاه حسنا (4) لما ملك مكة، و أقام فى العرب‏ (4) بظاهر مكة يفسد و ينازع أخاه فى ملك مكة، فلما قدم الحاج العراقى وصل مع أمير الحاج تقليد و خلعة لحسن بن قتادة بإمارة مكة عوض أبيه قتادة، فلما كان فى أيّام الموسم تعرّض راجح لقطع الطريق عن مكة و عرفة، فمسكه أمير الحاج العراقى آقباش الناصرى العباسى، و أقام معه تحت الحوطة؛ فأرسل إليه حسن صاحب‏

____________

(1) الإضافات عن الكامل لابن الأثير 12: 166، و العقد الثمين 4:

172.

(2) الكامل لابن الأثير 12: 165، و العقد الثمين 4: 170، و فيهما «ولى الإمارة مغالبة». و ورد فى هامش الأصول أمام هذا الخبر «ولاية حسن بن قتادة».

(3) الكامل لابن الأثير 12: 166، و العقد الثمين 4: 172.

(4) كذا فى م، و العقد الثمين 4: 166، و مفرج الكروب لابن و اصل 4:

124، و درر الفرائد 272. و فى ت «لما ملك حسن مكة أقام بظاهر مكة».

29

مكة يقول: سلمه لى، و أسلّم إليك مالا جزيلا. فاتفقا على ذلك، ثم إن راجحا قال لأمير الحاج: أجمع لك أكثر مما دفع إليك و سلّم لى مكة. فأجابه إلى ذلك، و عزم آقباش على دخول مكة و تسليمها لراجح؛ فمنعهم حسن من دخول مكة، و أغلق أبوابها، فنزلوا الزاهر، فتقدم آقباش إلى مكة مقاتلا لصاحبها حسن- و كان حسن قد جمع جموعا كثيرة من العرب و غيرها- فخرج إليه حسن من مكة و قاتلهم، و تقدم أمير الحاج آقباش عن عسكره منفردا، و صعد جبل الحبشى؛ إدلالا بنفسه بأنه لا يقدم عليه أحد، فأحاط به العرب أصحاب حسن فقتلوه فى يوم الأربعاء خامس عشر ذى الحجة، و حملوا رأسه إلى حسن، فنصبوه على رمح بالمسعى عند دار العباس، ثم دفن بقية جسده بالمعلى، و انهزم عسكر أمير الحاج بعد قتله، و أحاط أصحاب حسن بالحاج لينهبوهم، فأرسل إليهم حسن عمامته أمانا للحاج، فعاد أصحابه عنهم و لم ينهبوا منهم شيئا (1).

و سكن الناس، و أذن لهم حسن فى دخول مكة، و فعلوا ما يريدون من المناسك و البيع و الشراء، و غير ذلك، بعد أن أراد نهبهم فمنعه/ أمير الحاج الشامى المبارز المعتمد و الى دمشق، و خوّفه من الأخوين الكامل صاحب مصر، و المعظم صاحب دمشق، فأجابه و كفّ عن ذلك‏ (2).

____________

(1) الكامل لابن الأثير 12: 166، و العقد الثمين 4: 167، و شفاء الغرام 2: 234، 235.

(2) العقد الثمين 4: 167، 168، 170، و الذيل على الروضتين 123، و شفاء الغرام 2: 234.

30

و هرب راجح إلى جهة اليمن، ثم توجّه إلى مسعود ملك اليمن‏ (1).

و أقام الحاج بمكة عشرة أيام، و عادوا مع الركب الشامى؛ فوصلوا العراق سالمين، و عظم الأمر على الخليفة، و حزن على آقباش حزنا عظيما، و لم يخرج فى الموكب للقاء الحاج على العادة. و وصلت رسل حسن بن قتادة يعتذر، و يطلب العفو منه، فأجيب إلى ذلك‏ (2).

و يقال إن راجح بن قتادة قصد أمير حاج العراق آقباشا بعرفات و قال له: أنا أكبر ولد قتادة. و بذل له و للخليفة مالا ليساعده على ولاية مكة؛ فلم يجبه. و جاء معه، فظنّ حسن أن آقباشا قد وافقه عليه و ولّاه؛ فأغلق أبواب مكة. فركب آقباش ليسكّن الفتنة و يصلح بين الأخوين، و قال: ما قصدى قتال. فلم يلتفتوا له، فثار العبيد الأشرار فحملوا عليهم فقاتلوه؛ فانهزم أصحابه عنه، و بقى وحده و عقرت فرسه، فسقط، فذبحوه و علّقوا رأسه‏ (3).

و يقال إن الشريف حسن بن قتادة كان مهتما لهذه الفتنة؛ لأنه كان فى حاج الشام هذه السنة فخر الدين منصور بن عساكر، فجاء

____________

(1) العقد الثمين 4: 373.

(2) الكامل لابن الأثير 12: 166، و العقد الثمين 3: 323، 324.

(3) الذيل على الروضتين 123، و العقد الثمين 3: 323، 4: 167، و شفاء الغرام 2: 234. و انظر مفرج الكروب 4: 122- 124.

31

إليه الشريف حسن بن قتادة- و هو نازل داخل مكة- فقال له: قد أخبرت أنك خير أهل الشام، فأريد أن تصير معى إلى دارى؛ فلعل ببركتك تزول هذه الشدة عنا. فصار معه إلى داره مع جماعة من الدمشقيين، فأكلوا شيئا فما استتم خروجهم من عنده حتى قتل آقباش‏ (1) و زال بذلك الاستيحاش‏ (1).

و فيها قال أبو شامة فى ذيل الروضتين: لم يحج أحد من العجم بسبب التتار (2).

و فيها مات جماعة من الحجاج بالمسعى من الزحام‏ (3).

و فيها ولّى الخليفة الناصر لدين اللّه أبو العباس أحمد العباسى إمرة الحرمين و إمرة الحاج آقباشا/ فحج بالناس، و قتل بعد انقضاء أيام منى كما تقدم‏ (4).

فيها أوقف الأمير زين الدين قرامرز (5) محمود بن قرامرز (5) [الأفزرى‏] (6) الفارسى الرّباط المعروف بالخوزى، و سبب شهرة

____________

(1) وردت هذه العبارة فى الأصول فى نهاية الخبر التالى دون مناسبة، و نقلت إلى هنا موافقة للذيل على الروضتين 124، و العقد الثمين 4: 168، و شفاء الغرام 2: 234.

(2) الذيل على الروضتين 122، و شفاء الغرام 2: 235.

(3) العقد الثمين 1: 190، و شفاء الغرام 2: 235.

(4) العقد الثمين 3: 322، 323، و شفاء الغرام 2: 235، و النجوم الزاهرة 6: 249.

(5) كذا فى م، و العقد الثمين 1: 119، 6: 363. و فى ت، و شفاء الغرام 1: 332 «قرامز».

(6) إضافة عن المراجع السابقة.

32

هذا الرباط برباط الخوزى لسكنى أبى جعفر عمر بن مكى بن على الخوزى به، و جميع الدار المعروفة بدار المؤذنين بسوق الليل على الصوفية الغرباء المجردين.

*** «سنة ثمانى عشرة و ستمائة»

فيها حج بالناس من العراق حسام الدين أبو فراس بن جعفر ابن أبى فراس، و لم يحج فيها أحد من بلاد الأعاجم و لا من همذان و لا أصفهان؛ لخوف الطرق من انتشار التتار الكفرة فى البلاد و ما يليها (1).

و فيها حج بالناس من الشام كريم الدين الخلاطى، و حضر الملك المسعود صاحب اليمن بمكة، و منع أعلام الخليفة من الطلوع إلى جبل عرفات، و منع حاج العراق من دخول مكة يوما واحدا، ثم بعد ذلك لبس خلعة الخليفة [و اتفق‏] (2) الأمر، و فتح باب مكة، و حج الناس، و طابت قلوبهم، قاله ابن الأثير (3). و سيأتى فى السنة بعدها.

و فيها مات قتادة بن إدريس العلوى أمير مكة، فى جمادى الآخرة على ما ذكر ابن الأثير فى الكامل‏ (4)، و ذكر أبو شامة (5)

____________

(1) درر الفرائد 273.

(2) إضافة عن شفاء الغرام 2: 236، و درر الفرائد 274.

(3) أورد الكامل لابن الأثير (12: 170) ذلك فى أخبار سنة عشرين.

(4) الكامل 12: 165.

(5) الذيل على الروضتين 123.

33

و الذهبى‏ (1). و ابن كثير (2) أنه مات فى السنة قبل هذه على ما تقدم، و ولى بعده ابنه الحسن.

و أبو محمد حمزة بن محمد بن عبد الحكيم اليمنى، فى يوم السبت سادس عشر الحجة (3).

و أبو بكر عتيق بن بدر بن هلال العمرى- نسبة إلى عمل العمر و بيعها- الزنجانى الأصل‏ (4).

و فيها- فى ذى القعدة؛ كما ذكره ابن نقطة (5)، و قيل فى محرم التى بعدها؛ كما ذكره المقدسى، و جزم به [ابن‏] (6) النجار فى تاريخه، و الذهبى فى تاريخ الإسلام‏ (7). و يقال فى ربيع الآخر من السنة التى بعدها؛ كما ذكره المنذرى فى التكملة (8)، و جزم به ابن‏

____________

(1) و أورده النجوم الزاهرة 6: 251 نقلا عن الذهبى.

(2) البداية و النهاية 13: 92.

(3) العقد الثمين 4: 229 برقم 1079.

(4) العقد الثمين 6: 15 برقم 1939. و العمر: ما تغطى به الحرة رأسها.

(المعجم الوسيط). و فى التكملة لوفيات النقلة 3: 64 برقم 1854 «ابن بدل بن هلال».

(5) فى الأصول «ابن يقطين»، و المثبت عن العقد الثمين 7: 334، و هوامش التكملة لوفيات النقلة 3: 69.

(6) إضافة عن العقد الثمين 7: 334.

(7) النجوم الزاهرة 6: 254 نقلا عن الذهبى، و دول الإسلام للذهبى 2:

224.

(8) التكملة لوفيات النقلة 3: 69 برقم 1862.

34

مسدى- مات إمام الحنابلة بالمسجد الحرام أبو الفتوح نصر بن محمد بن على الحصرى‏ (1) بالمهجم من بلاد اليمن‏ (2).

*** «سنة تسع عشرة و ستمائة»

فيها- و قيل فى التى بعدها (3)- سار صاحب اليمن المسعود يوسف بن الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب إلى مكة و صاحبها حينئذ حسن بن قتادة، و كان حسن قد أساء السيرة إلى الأشراف و المماليك الذين كانوا لأبيه، و قد تفرقوا عنه و لم يبق له غير أخواله من عنزة، فوصل المسعود و معه راجح بن قتادة إلى مكة رابع ربيع الآخر- و قيل فى ربيع الأول- فلقيه حسن بن قتادة، و قاتله بالمسعى بين الصفا و المروة ببطن مكة، فلم يثبت حسن و ولى منهزما؛ ففارق مكة فيمن معه، و ملكها المسعود و نهبها عسكره إلى العصر، حتى أخذوا الثياب عن الناس. ثم صاحت صوائح المسعود بالأمان، و حرّم النهب و سفك الدماء، و أمر المسعود أن ينبش قبر قتادة و يحرق،

____________

(1) فى الأصول «الحضرمى» و التصويب عن المراجع السابقة، و الذيل على الروضتين 133، و البداية و النهاية 13: 99، و شذرات الذهب 5: 83.

(2) المهجم: بلد و ولاية من أعمال زبيد باليمن، بينها و بين زبيد ثلاثة أيام.

(معجم البلدان- ياقوت).

(3) قاله ابن الأثير فى كامله 12: 170، و ابن واصل فى مفرج الكروب 4: 125.

35

فنبشوه فظهر التابوت الذى دفنه ابنه الحسن، و الناس ينظرون إليه فلم يروا به شيئا، فعلموا حينئذ أن الحسن قتل أباه، و دفن التابوت فى قبره ليخفى أمره. و ردّ المسعود على أهل الحجاز جميع أموالهم و نخلهم جميعا، و ما كان أخذ من الوادى جميعه، و من مكة من الدور (1).

و بدا منه تجبّر و قلّة دين؛ من ذلك أنه صعد قبة زمزم و رمى حمام مكة بالبندق، و من ذلك ضرب غلمانه الناس بالمسعى بالسيوف فى أرجلهم و هم يسعون، و يقولون: اسعوا قليلا قليلا فإن السلطان نائم سكران فى دار السلطنة بالمسعى، و الدم يجرى من سيقان الناس‏ (2).

و من ذلك منعه دخول الحاج العراقى مكة يوما واحدا، و كان أميرهم ابن أبى فراس و هو مستقل. ثم بعد ذلك لبس خلعة الخليفة، و اتفق الأمر، و فتح باب مكة، و حج الناس و طابت قلوبهم، و نصب راية صفراء، و أطلع علمه و علم أبيه، و منع إطلاع علم الخليفة الناصر لدين اللّه العباسى إلى جبل عرفة، و يقال إنه/ أذن فى إطلاعه قبل الغروب لمّا ليم فى ذلك و خوّف‏ (2). و همّ العراقى بقتاله فعجز عن ذلك لكثرة عسكره، و قدّم أعلام أبيه على أعلام الخليفة، و خرج بعد الحج من مكة متوجّها إلى اليمن، و استناب على مكة الأمير نور الدين عمر بن على بن رسول، و رتب معه ثلاثمائة فارس، و ولّى المسعود

____________

(1) العقد الثمين 4: 170، و مفرج الكروب 4: 125.

(2) العقد الثمين 7: 493، 494.

36

راجحا حلي و السّرّين و نصف المخلاف‏ (1). ثم إن حسن بن قتادة راح إلى ينبع و أخذ جيشا كثيرا، و جاء إلى مكة فخرج إليه نور الدين و كسره على الخربة. فقصد الشام؛ فلم يلتفت إليه فتوجّه إلى العراق، و ذاق عاقبة قطيعة الرحم و عجّلت مقابلته؛ فقد باع دينه بدنياه، و زال عنه ما قتل أباه و عمه و أخاه لأجله، و خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ‏ (2) و لا جرم لم يمهله اللّه، و نزع ملكه و جعله طريدا شريدا خائفا (3).

و عوتب الملك الكامل على منع ولده لطلوع علم الخليفة، فكتب أبوه يعاتبه على ذلك، و على ما أراق من دم الشرفاء، و كتب له: برئت يا أقسيز من ظهر العادل إن لم أقطع يمينك؛ فقد نبذت وراء ظهرك دنياك و دينك، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العظيم. فغرم ديات الشرفاء، و أصابه شلل فى يده.

و فيها ولد الملك المظفر يوسف بن عمر بن على بن رسول‏ (4)، و ذلك فى أيام ولاية أبيه لها نيابة عن الملك المسعود.

و فيها عمر المسعود مسجد الهليلجة بالتنعيم، و هو المسجد الذى اعتمرت منه أم المؤمنين عائشة عام حجها مع النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)(5).

____________

(1) العقد الثمين 4: 171، و السلوك للمقريزى 1/ 1: 213.

(2) سورة الحج آية 11.

(3) العقد الثمين 4: 169- 172، و الكامل لابن الأثير 12: 170.

(4) العقود اللؤلؤية للخزرجى 1: 50 و ذكر مولده فى سنة 617 ه.

(5) العقد الثمين 6: 340، و النجوم الزاهرة 7: 72.

37

و فيها- فى جمادى الآخرة- عمّر نور الدين عمر بن على بن رسول المنقع‏ (1) المعروف ببازان بأمر السلطان صلاح الدين يوسف ابن أبى بكر بن أيوب.

و فيها مات بالمسعى جماعة من الزحام؛ لكثرة الخلق الذين حجوا فى هذه السنة من العراق/ و الشام‏ (2).

*** «سنة عشرين و ستمائة»

فيها- فى العشر الأوسط من شوال- أوقف أبو العباس أحمد ابن إبراهيم بن عبد الملك بن‏ (3) مطرف القنجيرى‏ (3) لجميع الرباط الشارع على المروة (4) على جميع الفقراء من أهل الخير و الفضل و الدين- العرب و العجم- المتأهلين و غير المتأهلين، على ما يليق بكل واحد منهم فى المنازل فى هذا الرباط، و أوقف عليه الحمّام الذى بأجياد.

و فيها- فى منتصف القعدة- جاء سيل قارب دخول الكعبة و لم يدخلها (5).

____________

(1) المنقع: كذا بالأصول، و هو الموضع الذى يستنقع فيه الماء أى يجتمع، و المعروف أن عين بازان و التى تعرف بعين زبيدة كانت من أهم مصادر الماء لمكة المكرمة.

(2) شفاء الغرام 2: 235.

(3) فى ت «ابن مطرق الفخرى» و فى م «ابن مطرق الفنجرى»، و فى شفاء الغرام 1: 333 «ابن مطرق الفنجيرى» و المثبت من العقد الثمين 3: 5 فقد حرر المحقق نسبه فى تعليقاته على ترجمته.

(4) و يقال له رباط التميمى، شفاء الغرام 1: 333.

(5) العقد الثمين 1: 207، و شفاء الغرام 2: 265، 266.

38

و فيها حج بالناس ابن [أبى‏] (1) فراس، و حج الملك الجواد و الملك الفائز من ديار مصر، و تأدبا مع أمير الحاج العراقى، و قدما علم الخليفة على علم الملك الكامل فى طلوع الجبل‏ (2).

و فيها عمّر الخليفة المستنصر العباسى‏ (3) مسجد البيعة بقرب منى على يسار الذاهب إليها.

و فيها مات القاضى عماد الدين أبو عمرو عثمان بن محمد بن أبى على بن عمر الكردى الحميدى‏ (4).

و الشريف أبو الحديد على بن محمد بن محمد بن حديد الحسينى الحضرمى‏ (5).

***

____________

(1) إضافة على الأصول عن الذيل على الرضتين 134.

(2) السلوك للمقريزى 1/ 1: 214، و درر الفرائد 275.

(3) فى شفاء الغرام 1: 262 يقول الفاسى: «عمره المستنصر العباسى على ما وجدته مكتوبا فى حجر ملقى حول هذا المسجد لتخربه، و فيه أن ذلك فى سنة تسع و عشرين و ستمائة». و قول الفاسى هو الصواب لأن المستنصر باللّه أبو جعفر بن منصور بن الظاهر بأمر اللّه بويع بالخلافة بعد موت أبيه فى رجب سنة ثلاث و عشرين و ستمائة، و توفى عاشر جمادى الآخرة سنة أربعين و ستمائة. (تاريخ الخلفاء 460- 463).

(4) العقد الثمين 6: 48 برقم 1969، و التكملة لوفيات النقلة 3: 97 برقم 1924.

(5) العقد الثمين 6: 249 برقم 3016.

39

«سنة إحدى و عشرين و ستمائة»

فيها حج بالناس ابن أبى فراس‏ (1).

و فيها أخذ غز مصر ينبع من الأشراف، و كان الغز اشتروا القلعة من الأشراف بأربعة آلاف مثقال، و امتنع الأشراف عن تسليمها؛ فأخذوها قهرا، و أقاموا لهم فيها نائبا، و لم تزل تحت أيديهم إلى سنة ثلاثين و ستمائة (2).

*** «سنة اثنتين و عشرين و ستمائة»

فيها جاء قاسم الحسينى إلى مكة بعسكر كثير، و حاصرها شهر زمان، و كان نواب الكامل فيها، و قتل‏ (3) قاسم الحسينى و لم يتمكن من أخذها.

و فيها هرب أمير الحاج العراقى حسام الدين أبو فراس الحلى و هو ابن أخى الشيخ ورّام، و كان عمه من الصالحين الأخيار من أهل‏

____________

(1) الذيل على الروضتين 142 و زاد «و من الشام شجاع الدين على بن السلار». و درر الفرائد 275.

(2) السلوك للمقريزى 1/ 1: 215.

(3) كذا فى الأصول، و السلوك للمقريزى 1/ 1: 219. لكن سيورد المؤلف فى أخبار سنة ست و عشرين و ستمائة أن الشريف قاسم حاصر أمير مكة و لم يدخلها، و قتل ابن عمه هاشم الحسينى.

و قد ورد أمام هذا الخبر فى هامش الأصول «محاصرة أمير المدينة لمكة».

40

الحلة السيفية (1)، فارق الحاج من مكة و المدينة، و سار إلى مصر، و حمله على ذلك الضائقة، و كثرة الخرج فى الطريق، و عدم الدخل.

و لما فارق الحاج خافوا خوفا شديدا فأمّن اللّه تعالى خوفهم/، و لم يذعرهم ذاعر فى جميع الطريق، و دخلوا آمنين، إلا أن كثيرا من الجمال هلكت و فنيت منهم، و لم يسلم منها (2) إلا قليل.

و فيها مات أبو الحسن على بن نصر بن المبارك بن محمد الواسطى الأصل ثم البغدادى، المكى المولد و الدار، الشهير بابن البناء، فى صفر- أو ربيع الأول- بمكة (3).

و أبو الحسن على بن صهيب بن جابر بن عبد الرحمن الأسدى، يوم الجمعة ثالث عشر شعبان‏ (4).

***

____________

(1) فى الأصول «الحلة السبقية» و التصويب عن الكامل لابن الأثير 12:

185. و الحلة السيفية: مدينة كبيرة بين الكوفة و بغداد، كان أول من عمرها و نزلها سيف الدولة بن منصور بن دبيس بن مزيد الأسدى، و تسمى حلة بن مزيد.

(معجم البلدان. ياقوت).

(2) فى الأصول «منهم» و المثبت عن درر الفرائد 275.

(3) العقد الثمين 6: 271 برقم 3032، و التكملة لوفيات النقلة 3: 140 برقم 2221، و النجوم الزاهرة 6: 263، و العبر فى خبر من غير 5: 90.

(4) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

41

«سنة ثلاث و عشرين و ستمائة»

فيها فى المحرم عمرّت الدار التى يقال لها دار سيدنا أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه، أمر بعمارتها الأمير نور الدين عمر بن على بن رسول‏ (1).

و فيها فى صفر عمّر بعض المجاورين مولد جعفر الصادق رضى اللّه عنه‏ (2).

و فيها بيع الحب بمكة كل مدّ بجاير.

و فيها توجه المسعود من مكة، عن طريق عيذاب إلى مصر زائرا والده، فامتدحه البهاء زهير كاتب أخيه الصالح بقصيدة مطلعها:

لكم أينما كنتم مكان و إمكان‏* * * و ملك له تعنوا الملوك و سلطان‏

و منها:

ضربتم من العزّ [المنيع‏] (3) سرادقا* * * و أنتم له بين السّماكين سكان‏

قدمت قدوم الليث و الليث باسل‏* * * و جئت مجى‏ء الغيث و الغيث هتّان‏

و ما برحت مصر إليك مشوقة* * * و مثلك من يشتاق لقياه بلدان‏ (4)

فحسبك قد وافاك يا مصر يوسف‏* * * و حسبك قد وافاك يا نيل طوفان‏

____________

(1) العقد الثمين 6: 340، 341، و شفاء الغرام 1: 273، 274. و قد ورد أمام هذا الخبر فى هوامش الأصول «تعمير دار سيدنا أبى بكر- رض».

(2) شفاء الغرام 1: 272.

(3) سقط فى الأصول و المثبت عن ديوان البهاء زهير 330، و مفرج الكروب 4 261.

(4) فى مفرج الكروب 4: 262 «صديان».

42

ثم عاد المسعود إلى مكة (1).

و فيها وصل حسن بن قتادة إلى بغداد، فهمّ أهل بغداد بقتله قودا بآقباش الناصرى الذى قتله أصحاب حسن بمكة فى سنة سبع عشرة، فعاجلت المنية حسن بن قتادة قبل قتلهم له فى الجانب الغربى على دكة. فلما علم به غسل و جهّز و صلى عليه و حمل إلى مشهد (2) موسى الكاظم‏ (2) فدفن هناك.

و فيها مات محمد بن محمد بن على الوخشى، المعروف بكش‏ (3) إسفهسلار (4) [و خش‏] (5) فى العشر الأول [من ربيع الأول‏] (5).

و يحيى/ بن موسى بن محمد الحجبى فى ثانى عشر جمادى الأولى‏ (6).

***

____________

(1) السلوك للمقريزى 1/ 1: 220.

(2) فى الأصول «موسى (عليه السلام)»، و كذا فى العقد الثمين 4: 171.

(3) كش: قرية من قرى أصفهان. (معجم البلدان- ياقوت).

(4) إسفهسلار: وظيفة من وظائف أرباب السيوف و عامة الجند، و صاحبها يرجع إليه أمر الأجناد، و المعنى فى لغة العجم: قائد الجيوش، (السيف المهند.

هامش ص 195)، و فى ترجمته فى العقد الثمين 2: 318 برقم 417 ملك الأمراء.

(5) الإضافة عن العقد الثمين 2: 318، 319.

(6) العقد الثمين 7: 451 برقم 2714.

43

«سنة أربع و عشرين و ستمائة»

فيها حج بالناس شمس الدين قيزان‏ (1) مملوك الخليفة، و حج من ميافارقين‏ (2) سلطانها الشهابى غازى بن العادل أبى بكر بن أيوب، و كان ثقله على ستمائة جمل، و بعث له الخليفة فرسين و بغلة و ألفى دينار، و قال: هذه من ملكى أنفقها (3) فى طريق الحج، و أوصى أمير الحاج بخدمته.

و [فيها مات‏] (4) إمام الحرمين أبو طالب عبد المحسن بن [أبى‏] (5) العميد بن خالد بن الشهيد الأبهرى الخفيفى، فى سابع صفر، و قيل فى ثامنه.

***

____________

(1) كذا فى م. و فى ت «قيروان». و فى الذيل على الروضتين 152 «شمس فيزان».

(2) ميافارقين: من أشهر مدن ديار بكر. (مراصد الاطلاع- و قد أطال ياقوت الحديث عنها فى معجم البلدان).

(3) فى الأصول «للفقهاء» و المثبت عن الذيل على الروضتين 152، و درر الفرائد 275، 692. و انظر فى حج شهاب الدين غازى البداية و النهاية 13:

117.

(4) سقط فى الأصول، و المثبت يقتضيه السياق.

(5) إضافة عن العقد الثمين 5: 493 برقم 1869، و التكملة لوفيات النقلة 3: 199 برقم 2147.

44

«سنة خمس و عشرين و ستمائة»

فيها- فى جمادى الثانية- كان أمير مكة حسام الدين ياقوت ابن عبد اللّه المسعودى‏ (1).

و فيها- فى شهر ربيع الأول- أوقف الأمير الإسفهسلار فخر الدين أياز بن عبد اللّه البانياسى رباطه المعروف قرب الصفا، على يسار الذاهب إلى الصفا من المسجد الحرام، على الفقراء المعروفين بالدين و الخير و الصلاح‏ (2).

و فيها عمّر الخليفة المستنصر العباسى العين المعروفة بعين بازان‏ (3)، و مولد سيدنا على بن أبى طالب رضى اللّه تعالى عنه‏ (4).

و فيها لم يحج أحد من الشام‏ (5)، بل قال صاحب المرآة: فيها حج بالناس من الشام على بن السلار (6).

____________

(1) شفاء الغرام 2: 199، و العقد الثمين 7: 425.

(2) شفاء الغرام 1: 333، و العقد الثمين 1: 120، 3: 338، 339.

(3) شفاء الغرام 1: 347.

(4) و انظر فى موضع مولد على رضى اللّه عنه شفاء الغرام 1: 270، 271، و فيه «إن الذى أمر بعمله أبو العباس أحمد بن الناصر لدين اللّه فى سنة 608 ه».

(5) شفاء الغرام 2: 236، و البداية و النهاية 13: 127، و الذيل على الروضتين 154.

(6) درر الفرائد 275.

45

و فيها مات الإمام العابد شرف الدين عدىّ بن أبى البركات بن صخر الشامى يوم الثلاثاء سابع الحجة (1).

*** «سنة ست و عشرين و ستمائة»

فيها قدم الملك المسعود من اليمن- بعد أن ظلم التجار- لما سمع بموت عمه المعظم صاحب دمشق طمعا فيها، و لم يصل إلى مكة إلا و قد فلج و يبست يداه و رجلاه، و رأى فى نفسه العبر، فلما احتضر بعث إلى رجل مغربى و قال: و اللّه ما أرضى لنفسى من جميع ما معى كفنا أكفن فيه، فتصدّق علىّ بكفن. فبعث إليه شقتين بغدادى و مائتى درهم، و اشتد مرضه بمكة، فمات بها فى يوم الاثنين الرابع و العشرين من جمادى الأولى، و أوصى ألا تهلب‏ (2) عليه الخيل، و لا تقلب عليه السروج، و أن يقبر بين الغرباء فى/ مقبرة أهل مكة.

و دفن بالمعلاة، و بنى عليه بعد ذلك قبة هى مشهورة إلى الآن. و قد بنى القبة التى على مقام إبراهيم، و الدراهم المسعودية المتعامل بها بمكة منسوبة إليه- فيما أظن- و ولى بعده ولده الكامل‏ (3).

____________

(1) العقد الثمين 6: 74 برقم 1982.

(2) يقال هلب الفرس هلبا: نتف هلبه، و الهلب ما غلظ و صلب من الشعر، و شعر الذنب. (المعجم الوسيط).

(3) العقد الثمين 7: 294، 295، و مفرج الكروب 4: 259- 263، و دول الإسلام 2: 233، 234، و الذيل على الروضتين 158، و المختصر فى-

46

و فيها حاصر الشريف قاسم أمير مكة، و لم يدخلها، و قتل ابن عمه هاشم الحسينى‏ (1).

و فيها سال وادى وجّ أربعين مرة، فوقع فى الناس الوباء و الحمّى و الموت، و رخص الشعير حتى لم يقم الحمل بكرائه إلى مكة، و حزن الناس لرخص الشعير، و كثر من ثقيف الطّغيان و الأشر.

و فيها عمّر الأمير جوبان بن تداون نائب السلطنة بالعراقين عين بازان‏ (2)، و حصل لأهل مكة بها نفع عظيم؛ لشدة احتياجهم إلى ذلك بسبب قلة الماء.

و فيها حج بالناس من العراق الأمير شمس الدين أصلان تكين الناصرى نيابة لا استقلالا.

و فيها لم يحج أحد من الشام‏ (3).

____________

- أخبار البشر 3: 142، و التكملة لوفيات النقلة 3: 244 برقم 2242، و النجوم الزاهرة 6: 272 و درر الفرائد 276، و العقود الؤلؤية للخزرجى 1:

40- 43.

(1) لم نعثر على هذا الخبر فيما تيسر من المراجع، و انظر ما سبق فى أخبار سنة 622 ه.

(2) كذا أورد المؤلف عمارة جوبان نائب السلطنة بالعراقين لعين بازان فى هذه السنة، و الصحيح أن هذه العمارة كانت فى سنة 726 ه، و انظر العقد الثمين 3: 446، 447، و شفاء الغرام 1: 347، و السلوك للمقريزى 2/ 1: 274، 275، و النجوم الزاهرة 9: 272، 273.

(3) الذيل على الروضتين 158، و البداية و النهاية 13: 127، و شفاء الغرام 2: 236، و درر الفرائد 276.

47

و فيها- أو فى التى بعدها- مات شيخ الحرم أبو الحسن على ابن المظفر بن على بن نعيم السلامى، المعروف بابن الحبير- بالحاء المهملة المضمومة و الباء الموحدة المفتوحة و الياء المثناة من تحت و الراء المهملة- فى رابع صفر (1).

و فيها ماتت زينب بنت أبى القاسم بن بركات الواسطى، والدة الشيخ الأجل فخر الدين أبى الحسن على بن الأنجب الواسطى، فى يوم الجمعة ثامن جمادى الآخرة (2).

*** «سنة سبع و عشرين و ستمائة»

فيها قدم أمير مكة ألطنبغا إلى الطائف‏ (3)، و قتل بها علىّ بن بركات الطويرقى، و قامت فتنة فى رغد عيش كان الناس فيه و بطر و أشر، و سعّر بالطائف يومئذ الشعير أربعين صاعا بدينار مصرى، و الحنطة عشرين صاعا، و السمن منين بدينار مكى، و التمر ستة أمنان بدرهم، و العسل سبعة أمنان مكية بدينار مكى.

____________

(1) العقد الثمين 6: 268 برقم 3027، و التكملة لوفيات النقلة 3: 341 برقم 2233.

(2) لم نعثر لها على ترجمة فيما تيسر من مراجع.

(3) و قد أخبر الفاسى فى العقد الثمين 5: 75 أنه رأى بخط الميورقى أن ألطنبغا أمير مكة أتى الطائف فى سنة سبع و عشرين و ستمائة. و لم يضف إلى ذلك شيئا.

48

و فيها وقع البرد بالطائف لسبعة عشر من صفر، و أتلف الدخن/ و الذرة.

و فيها حج الأمير شمس الدين أصلان تكين الناصرى‏ (1).

و فيها لم يحج أحد من الشام‏ (2).

و فيها مات أبو حفص عمر بن مكى بن على الخوزى السراج، ليلة الأربعاء سادس عشر محرم‏ (3).

و الزكى أبو القاسم عبد الرحمن بن القاسم بن على الإسكندرى فى رجب‏ (4).

*** «سنة ثمان و عشرين و ستمائة»

فيها أوقف أمير الحاج و الحرمين شجاع الدين أبو بكر بن عمر ابن محمد الطّغتكينى الملكى الكاملى رباطا بمكة على الفقراء، و هذا الرباط هو بيت شمس الدين الأنصارى بالصفا، الملاصق للميل الأخضر.

____________

(1) درر الفرائد 276.

(2) البداية و النهاية 13: 127، و الذيل على الروضتين 159، و شفاء الغرام 2: 236.

(3) العقد الثمين 6: 362 برقم 3098.

(4) لم نعثر له على ترجمة فيما تيسر من المراجع.

49

و فيها أوقف البيمارستان المنصورى العباسى بالجانب الشمالى من المسجد الحرام‏ (1).

و فيها حج بالناس الأمير شمس الدين أصلان تكين‏ (2).

و فيها مات أبو محمد عبد السلام بن أبى المعالى بن أبى الخير بن ذاكر الكازرونى المؤذن، فى أواخر صفر (3).

*** « (4) سنة تسع و عشرين و ستمائة» و «سنة ثلاثين و ستمائة (4)»

فيها جهز المنصور صاحب اليمن عسكرا من اليمن مقدمهم الأمير شهاب الدين بن عبدان و بعث معه خزانة إلى الشريف راجح بن قتادة، و أمره أن يستخدم العسكر. ففعل، فلما صاروا قريبا من مكة خرج إليهم العسكر المصرىّ، فالتقوا بمكان يقال له الخريقين‏ (5) بين‏

____________

(1) شفاء الغرام 1: 337، و العقد الثمين 1: 123.

(2) درر الفرائد 276.

(3) العقد الثمين 5: 431 برقم 1812.

(4- 4) كذا فى ت. و لم تذكر م سنة تسع و عشرين.

(5) الخريقين: و يقول مؤلفنا بين مكة و السرين، و عرف ياقوت السرين بأنها بليدة على الساحل. و فى صفة جزيرة العرب 53 هى من بناية الفرس على ساحل البحر. و فى معجم معالم الحجاز أن الخريقين تسمى حاليا الخرقان و هى قرب الليث.

50

مكة و السّرّين، فانهزم الأعراب أصحاب راجح و أسر ابن عبدان، فقيّده الأمير جغريل، و بعث به إلى الديار المصرية مقيدا (1).

و فيها عمّر الأمير شرف الدين أبو الفضائل و المكارم إقبال بن عبد اللّه الشرابى المستنصرى العباسى العلمين اللذين هما حد عرفة (2)، و عين عرفة و أجرى المياه من الطائف إلى عرفات، و عمّر البرك التى بأرض عرفة بعد تعطيلها و خرابها عشرين سنة، و كان الفراغ من العمارة و جريان الماء فى ذلك فى العشر الأخير من ربيع الآخر (3).

____________

(1) نقل الفاسى فى العقد الثمين 4: 377 هذا الخبر عن بعض العصريين، و أنه وقع فى سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة، و كذا فى 6: 345 و العقود اللؤلؤية 1:

55. و لكنه فى العقد الثمين 5: 65 ذكر هذا الخبر فى سنة تسع و عشرين و ستمائة، و أفادقيه بقتل ابن عبدان لا أسره و كذا فى العقود اللؤلؤية 1: 50. و فى ترجمته لراجح بن قتادة أمير مكة فى العقد الثمين 4: 372 برقم 1172 ساق أمورا ذكرها جماعة من المؤرخين منهم ابن البزورى، و الفويرى، و ابن محفوظ تفيد ولاية راجح لمكة فى سنة تسع و عشرين و ستمائة، و ثلاثين و ستمائة، و اثنتين و ثلاثين و ستمائة بعد تغلبه فى كل مرة على عسكر مصر بمؤازرة المنصور صاحب اليمن له.

و لعل هذا هو الذى دفع بمؤلفنا إلى إهمال ترتيب أخبار استيلاء راجح على مكة فى هذه السنوات.

(2) يشير شفاء الغرام 1: 302 إلى ذلك، و فيه أضيف الأمر ببنائها للمستظهرى العباسى فى شهور أربع و ثلاثين و ستمائة».

(3) العقد الثمين 3: 325 و فيه «كان إنجاز العمارة و جريان الماء فى العشر الأخير من ربيع الآخر سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة».