أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك‏ - ج1

- خير الدين التونسي المزيد...
538 /
5

[الجزء الأول‏]

تقديم‏

إن المتأمل في تجربة خير الدين التونسي من خلال كتابه «أقوم المسالك»، يلمس دعوته إلى التجديد و الاضافة في مختلف أوجه الحياة الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية في تونس. فقد دلت تلك التجربة على أن المشروع النهضوي يجب أن يبنى وفق أسس عقلانية واضحة، و عن طريق الرغبة في الاستفادة من المنجزات الحضارية للأمم الأخرى، و من هنا انبثقت فكرة كتاب خير الدين «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، فهو مؤلّف متنوّع المصادر، متعدّد المداخل، إذ كان خير الدين التونسي يؤمن إيمانا ثابتا أن بناء مشروع نهضوي تحديثي يستوجب استيعاب مختلف التوترات الاجتماعية و السياسية السائدة في البلاد انذاك، كما يستدعي الانفتاح على الآخر المختلف و الاقتداء بتجاربه. و لقد استطاع خير الدين أن يبلور برنامجه الاصلاحي في كتابه «أقوم المسالك» بشكل عقلاني فيه الكثير من الوضوح و الجرأة، و هذا ما أكسبه قيمة علمية و توثيقية هامة و جعله مرجعا أساسيا في كل الأوقات و العهود داخل الوطن العربي و خارجه.

و لئن كانت الوقائع المسجلة ابان تأليف الكتاب تثبت عدم قدرة خير الدين على تطبيق مجمل ما جاء في كتابه من أفكار تحررية و رؤى سياسية، بسبب تعدّد المناورات السياسية و كثرة المناوئين لهذا الخط الاصلاحي، فإن الكتاب لفت انتباه الصفوة العلمية و السياسية آنذاك و ما يزال إلى اليوم يعدّ من أبرز المؤلفات في ميدان اصلاح أنظمة الحكم و الدعوة إلى تطبيق مبادى‏ء العدل و المساواة.

6

و من هذا المنطلق عملنا في «بيت الحكمة» على اعادة طباعة هذا الكتاب كاملا تحقيقا لمجموعة من الغايات العلمية و المعرفية، و إيمانا منا بأن تونس كانت سباقة إلى إعلان مبادى‏ء العدل و الديمقراطية و إلى الدعوة إلى احترام الإنسان و إصلاح الأنظمة السياسية و الاجتماعية و الادارية.

رئيس المجمع التونسي‏

للعلوم و الآداب و الفنون «بيت الحكمة»

د. عبد الوهاب بوحديبة

7

طبعتنا هذه ...

تعدّ طبعتنا هذه الطبعة الثالثة لكامل كتاب أقوم المسالك، بعد الطبعة الأصلية الّتي ظهرت بتونس سنة 1867 و بعد الطبعة الأولى التي نشرها بيت الحكمة سنة 1990.

و قد عمدنا فيها إلى تقديم:

أ- دراسة تحليليّة عن خير الدين تشمل:

1- جدولا زمنيّا جامعا لترجمة خير الدّين منزّلة في عصره، و جدولا ثانيا ينزّل أثر خير الدين في تطوّر النثر السّياسي و فنّ الرّحلة في القرن التاسع عشر.

2- تمهيدا لأقوم المسالك كاملا: المقدّمة و الكتاب الأوّل (وصف عشرين بلدا) و الكتاب الثاني (أقسام الكرة) و الخاتمة و التقاريظ.

كما وضعنا مدخلا منهجيا للكتاب الأول (الرحلات).

3- بيبلوغرافيا منتقاة باللسان العربي و باللسانين الفرنسي و الانكليزي تناولت ترجمة خير الدين و مذهبه الإصلاحي و أعماله و عصره، بالاعتماد خاصّة على ما جدّ من دراسات.

ب- تحقيق أقوم المسالك كاملا مع التقيّد بالطبعة الأصلية دون بتر أو تقديم أو تأخير (1).

____________

(1) أضفنا في آخر التقاريظ تقريظين متأخرين الأول لعالم تونسي نشر بالرائد التونسي سنة 1780 و الثاني لعالم مصري أزهري نشر بالرائد التونسي سنة 1876.

8

1- حافظنا على الترقيم الأصلي للطبعة الأصلية و هو مثبت بين معقّفين حتّى يسهل على الباحث استغلال الإحالات المنطبقة على الطبعة الأصلية.

2- اجتهدنا في وضع أشباه عناوين و قسّمنا النصّ إلى فقرات غير ملتزمين دائما بالفهرس الأصلي، إذ هو عامّ و طويل العبارات.

3- حقّقنا الأعلام و العبارات الغامضة و أثبتنا تعاليق على كلّ ما رأينا أنّه جدير بالتوضيح و رقمنا كلّ ذلك ترقيما تصاعديا داخل المقدّمة و الكتابين الأوّل و الثاني بما فيهما من أبواب (26 بابا) و التقاريظ.

4- أثبتنا في آخر هذه الطبعة فهارس للآيات القرآنية و الأحاديث النبويّة و الأعلام و الأشعار و الأماكن و الكتب الوارد ذكرها و المصطلحات.

9

أقوم المسالك لخير الدين و تطوّر فنّ الرحلة إلى أوروبا في القرن(XIX) بالمشرق العربي‏

10

أقوم المسالك لخير الدين و تطوّر فن الرحلة إلى أوروبا في القرن(XIX) بتونس‏

11

خير الدّين و عصره‏

أحداث تاريخية

عهد حسين‏باي، الباي الثامن (1824- 1835)

1824:- القضاء بإيعاز من أوروبا على القرصنة و رقّ النصارى.

- معاهدة سلم بين تونس و الجزائر.

1827:- انهزام الجيش العثماني و التونسي بواقعة نافرين من قبل اليونان.

عهد مصطفى‏باي، الباي التاسع (1835- 1855)

1838:- مراسلة أحمدباي للدولة العثمانية باللغة العربية لأوّل مرّة.

1839:- التنظيمات بتركيا (خطّ شريف كلخانة).

1840:- إنشاء المكتب الحربي بباردو.

1840:- رفض أحمدباي التنظيمات و تحصّله على لقب «مشير».

1842:- توجّه أحمد ابن أبي الضياف إلى الآستانة لإبلاغ الدولة العثمانية رفض تونس للتنظيمات.

حياة خير الدين و أعماله‏

من ولادته إلى إصدار كتابه:

1822:- ولادة خير الدين (من قبيلة أباظة) ببلاد الشركس- بالجنوب الشرقي من جبال القوقاز، وفاة والده في إحدى الوقائع العثمانية ضدّ روسيا و تولّي حسين بك تنشئة خير الدين بالآستانة بعد أن اشتراه بسوق الرقيق.

1839:- قدوم خير الدين إلى تونس و قد اشتراه مبعوث أحمدباي ثانية، سنّه آنذاك 17 سنة.

تربيته بقصر الباي.

1840:- تولّيه خطة بنباشي (قائد) الخيالة في الجيش.

1842:- ترقّيه إلى رتبة آلاي أمين (قائد أوّل).

1846:- رحلته صحبة الباي إلى فرنسا.

1848:- ترقّيه إلى رتبة أمير آلاي «كلنيل».

1852:- ترقّيه إلى رتبة أمير لواء الخيالة (جنرال)

1853- 1857:- إقامته بباريس قصد فضّ قضية ابن عيّاد و بيع مجوهرات لتجهيز عساكر تونسية تساهم في حرب القرم.

21 جانفي 1857:- تعيينه وزيرا للبحر.

ماي 1857:- عودته إلى تونس من باريس بعد أن زار لندن.

12

1846:- عتق المماليك السودان.

- قدوم أبناء ملك فرنسا إلى تونس.

- رحلة أحمد باي إلى فرنسا.

- إصلاح الأداءت (إنشاء اللزمات و المحصولات و قانون الزيتون).

1847:- إنشاء دار المال و طبع الأوراق المالية (بداية الأزمة الاقتصادية).

1847:- هروب محمود بن عيّاد قابض المال إلى فرنسا.

1854:- إعانة حربية (000. 14 جندي) تقدّمها تونس مساهمة في حرب القرم.

عهد محمّد باي: الباي الحادي عشر (1855- 1859)

1855:- قدوم ليون روش قنصل فرنسا و ريشارد وود قنصل بريطانيا.

1856:- إحداث أداء جديد:

المجبى «36 ريالا».

- التنظيمات بتركيا (خطّ همايون).

1857:- قانون عهد الأمان (تمهيدا للدستور).

1858:- إنشاء المجلس البلدي بتونس العاصمة.

9 سبتمبر 1857:- مشاركته في لجنة شرح قواعد عهد الأمان.

1859:- توجّهه إلى الآستانة لطلب فرمان التولية باسم الصادق باي.

1860:- تسميته كاهية المجلس الأكبر (البرلمان).

1861:- رئاسة هذا المجلس عند وفاة مصطفى صاحب الطابع.

- رحلته إلى أوروبا لشكر ملوكها على استحسانهم للدستور التونسي.

1862:- زواجه بجنينة (للأكبيرة) بنت الوزير الأكبر مصطفى خزندار.

- استعفاؤه من وزارة البحر و رئاسة المجلس الأكبر لمعارضته الشديدة لمبدأ الاقتراض من أوروبا.

1863- 1867:- رحلاته في مهمّات ديبلوماسية رسمية من بين مقاصدها شكر الدول الأوروبية على استحسان الدستور.

1862- 1864:- دعوته إلى المشاركة في المجلس الخاص للباي للاستشارة.

1864:- سفارته لدى الدولة العثمانية لشكرها على المشاركة في إخماد ثورة ابن غذاهم.

1865:- رحلته في مهمّة إلى باريس.

- إعتذاره عن تولّي وزارة الحرب.

1867- 1868- إصدار كتابه «أقوم المسالك».

13

عهد الصادق باي، الباي الثاني عشر (1859- 1882)

1859:- التلغراف بين تونس و الجزائر.

إنشاء المطبعة الرسمية و جريدة «الرائد الرسمي».

- تنظيم الوزارات و الإدارات.

- رحلة الصادق باي إلى الجزائر لمقابلة نابليون الثالث.

1861:- الإعلان عن الدستور و تكوين للمجالس بباردو.

1870:- تخفيض عدد الجيش و ميزانية وزارة الحرب.

- تخفيض الكوميسيون للديون من 160 إلى 56 مليونا من الفرنكات.

1872:- مدّ سكّة الحديد تونس- حلق الوادي- المرسى (شركة أنجليزية).

1873:- عزل مصطفى خزنةدار.

- إنشاء بنك أنجليزي- تونسي و مصنع للغاز (شركتان أنجليزيتان).

1876:- التنظيمات بتركيا (قانون أساسي).

من إصدار كتابه إلى وفاته:

1869:- تعيينه رئيسا للكوميسيون المالي.

1870:- تعيينه وزيرا مباشرا إلى جانب الوزير الأكبر.

- وفاة زوجته إبنة خزندار.

- زواجه بجاريتين تركيتين: بدر جهان و حسن الملك.

1871:- سفارته لدى الدولة العثمانية و تحصّله على فرمان يوطّد العلائق بين البلدين.

- مجازاة الباي له بضيعة النفيضة (000. 100 هكتار).

1873:- تعيينه وزيرا أكبر خلفا لمصطفى خزنة دار إلى جانب رئاسته للكوميسيون.

- طلاقه لزوجتيه الجاريتين، و زواجه الرابع بجاريه: قمر.

1873- 1877:- أهمّ أعماله مدّة الوزارة الكبرى:

- تنظيم الوزارات و الأداءات.

- تنظيم القضاء.

- تنظيم الفلاحة و التجارة و الاقتصاد.

- تنظيم الأداءات.

- تنظيم الأحباس.

- تنظيم التعليم.

1875:- ولادة ابنه الطاهر خير الدين.

1877:- عزله عن الوزارة الكبرى و رئاسة الكوميسيون.

14

1877:- الحرب بين الدولة العثمانية و روسيا.

- تولّى محمّد خزنةدار للوزرارة الكبرى.

1878:- وفاة مصطفى خزنةدار.

- إبطال الدستور بالدولة العثمانية.

- مؤتمر برلين و اقتسام الخلافة العثمانية من قبل الغرب.

- تولّى مصطفى ابن اسماعيل الوزارة الكبرى.

1881:- احتلال فرنسا لتونس و انتصاب الحماية.

1881- 1883:- تولّى محمّد خزنة دار الوزارة الكبرى.

عهد علي باي الثالث عشر (1882- 1902)

1878:- حضوره بالآستانة بدعوة من السلطان عبد الحميد الثاني و تعيينه رئيسا للجنة اقتصادية و مالية (بعد رفضه لوزارة العدل).

1878- 1879:- تعيينه صدرا أعظم للخلافة العثمانية.

1880:- بيعه أملاكه و من بينها ضيعة النفيضة لشركة مرسيليا الفرنسية.

30 جانفي 1890: وفاته بالآستانة (سنّه 68).

15

المشير الأوّل أحمد باي‏

16

المشير الثاني محمّد باي‏

17

المشير الثالث محمّد الصادق باي‏

18

الوزير الأوّل مصطفى خزنةدار

19

التمهيد

( I

أهميّة كتاب أقوم المسالك.

( II

الأسباب الدّاعية للتأليف‏

( III

تحليل مقدّمة أقوم المسالك‏

( IV

تحليل الرحلات أو خير الدين و أوروبا.

الخاتمة

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

(I أهمية كتاب أقوم المسالك‏

يعدّ أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، للوزير الجنرال خير الدين التونسي، من أبرز الكتب التي حرّرت في القرن التاسع عشر و هو يدخل في باب التحرير السياسي و إن حشره مؤرّخو الآداب في باب الرحلة، اغترارا بعنوانه و تهاونا بمقدّمته التي حوت من الآراء الجوهرية الخطيرة ما يجعل منها مرحلة حاسمة من مراحل التفكير السياسي في العالم العربي الإسلامي الحديث.

ظهر هذا الكتاب سنة 1867 (1) و هو يشمل مقدّمة طويلة حلّل فيها المؤلّف وضع البلدان العربية الإسلامية المنضوية تحت لواء الخلافة العثمانية و أبرز ما يرتئيه من حلول للمعضلات السياسيّة و الاقتصاديّة و الاجتماعيّة القائمة في عصره. ثمّ نجد وصفا لعشرين بلدا أوروبيا من بينها الدولة العثمانية زارها المؤلّف ما بين 1853 و 1867 في مهمّات ديبلوماسية مختلفة. و يشمل أخيرا تقاريظ المعاصرين من التونسيين. و ينتمي هؤلاء المقرظون الى طبقة العلماء و رجال السياسية.

____________

(1) اثبت المؤلّف في الصفحة الأولى من الطبعة الأصلية التاريخ الهجري: 1284 الموافق لسنة 1867. و يتبيّن كما هو مثبت بخاتمة أقوم المسالك أنّ الفراغ من التأليف كان في 10 جمادى الأولى سنة 1284/ 9 سبتمبر سنة 1867 و أن الفراغ من الطبع كان في 28 ربيع الثاني 1285/ 18 أوت سنة 1867 أنظر تحقيقنا للخاتمة أسفله.

هذا و كان خير الدين عرض الكتاب مخطوطا على نظر الوزير الأكبر مصطفى خزنة دار الذي أجابه بتاريخ 18 رمضان سنة 1284/ 24 جانفي سنة 1868 بأنه اتّصل بالمخطوط و أطلع عليه الباي و أعلمه باستحسان الصادق باي للتأليف و بإذنه للمطبعة التونسية بطبعه.

أ. عبد السلام و ح. الحدّاد، احصاء و تلخيص لوثائق خير الدين ...، ص 137. رسالة عدد 188 (من الوزير الأكبر إلى أمير الأمراء خير الدين).

22

و لعلّ الأهمّ في هذا الكتاب مقدّمته‏ (2) إذ كانت برنامجا إصلاحيا لا لوضع تونس فقط، تلك البلاد التي كانت في منتصف القرن التاسع عشر على حدّ تعبير ابن أبي الضياف في إتحافه: «فقيرة حسّا و معنى» بل لكامل الأمبراطورية العثمانية «ذلك الرجل المريض» على حدّ تعبير أوروبا المستعمرة آنذاك و التي كانت متردّدة في شأنه بين عقيدتين سياسيتين: إمّا الحفاظ على كيانه لحين مع توفير بعض «التنظيمات» إذ كان يحمي الطريق الموصلة إلى مستعمرات الهند و يضمن سوقا تجارية ممتازة، و إمّا التعجيل باقتسام أشلائه بإثارة الحميّة القوميّة لعدد كبير من الشعوب النصرانية المنضوية تحت لوائه‏ (3).

فظهور هذا الكتاب في تلك السنة بالذات، 1867، يضفي عليه إذن أهميّة بالغة. فهو- إن نظرنا إليه من زاوية البلاد التونسية- يعتبر نتاج تجربة تونسية بحتة- من قبل مسؤول سياسي تونسي- في بلاد متأزّمة جرّبت النظام الدستوري سنة 1857 بإعلان عهد الأمان، و سنة 1861 بإعلان الدستور و تخلت عنه عند اندلاع ثورة شعبية فلاحية عارمة سنة 1864 و هي ثورة علي بن غذاهم، ممّا جعل هذا المفكّر الإصلاحي- و هو في عنفوان النشاط و النضج إذ كان في الخامسة و الأربعين من عمره عند تحريره- يستخلص العبر و يتحفّز لتصميم برنامج إصلاحي واقعي ستمكّنه الظروف من إنجاز قسط وافر منه لمّا يتقلّد الحكم من جديد ابتداء من سنة 1869 إلى سنة 1877 باعتباره رئيسا للكومسيون المالي ثمّ وزيرا مباشرا و أخيرا وزيرا أكبر.

و إن نحن نظرنا إلى أقوم المسالك من زاوية الخلافة العثمانية وصلتها بأوروبا وجدنا أن هذا الأثر يعتبر معلما هامّا في تاريخ المسألة الشرقية التي بلغت أوج التّأزّم إثر خصومة محمّد علي المصري مع تركيا و إعلان التنظيمات الخيرية سنة 1839 ثمّ مع ظهور حركة العثمانيين الجدد سنة 1865.

____________

(2) لذلك بادرنا بإخراج الطبعة الأولى للمقدّمة [عن الطبعة الأصلية] و ذلك سنة 1972.

(3) حرب اليونان و واقعة نافرين 1827- حرب موسكو: 1854- 1856.

23

و سوف تفضّ هذه المسألة الشرقية في مرحلة أولى في مؤتمر برلين سنة 1878، إذ بسط نظام الحماية على تونس و مصر. و في مرحلة نهائية عند اندلاع الحرب العالمية الأولى و ظهور الحركة الكمالية أين؟ التي أعلنت الجمهورية بتركيا سنة 1923 و ألغت الخلافة في السنة الموالية.

فنحن نعتقد إذن أن منطلق التفكير الإصلاحي عند خير الدين، تونسيّ، مرجعه وضع البلاد التونسية في منتصف القرن التاسع عشر- إلّا أنه يتنزّل في محيط عثماني، باعتبار أن تونس جزء لا يتجزّأ من الخلافة العثمانية. و لقد ركّز إصلاحه على قضيّة جوهرية و هي ضرورة الاقتباس من الغرب المتحضّر لا المستعمر- و تبرير ذلك شرعيا: فلئن بات عنده من الثابت أن تحدّي الغرب الاقتصادي أصبح أمرا تفاقم خطره فإنّه ما زال يعتقد و هذا هو برنامجه- أنّ العالم العربي- الإسلامي غير مستعدّ لأن يدمج إدماجا و أن يغزى عقائديا، لذلك سيطرت على تفكيره مشكلة الإصلاح من الباطن لا من الخارج و إحياء القيم الإسلامية السرمدية كالشورى و الحريّة و العدل، و نظام الحكم الذي حاد عن الشريعة الإسلامية و انقلب إلى حكم مطلق استبدادي أدّى إلى الخراب و التأزّم المجحف فكان نداؤه موجّها أوّلا و بالذّات إلى زعماء الشعوب العربية الإسلامية خاصّة منهم رجال الدين الذين تواطؤوا مع رجال السياسة على إقرار نظام الحكم المطلق و هذا ما يفسّر حرصه على ترجمة كتابه إلى اللغة التركية. (4)

____________

(4) لم تظهر الطبعة التركية إلّا بعد مدّة، سنة 1878. و كان خير الدين كلّف الجنرال حسين الذي تولّى الإشراف على الطبعة الفرنسية بباريس سنة 1868 بالتهيؤ للطبعة التركية و الأنجليزية و الفارسية نجزت الطبعة الفرنسية في شهر فيفري 1868 و بعد أن أعدّ الجنرال حسين العدّة للطبعة الأنجليزية بتكليف الفتى «إبراهيم» بهذا بلندن، سافر إلى الشرق لإعداد الطبعة التركية و الفارسية. أنظر:

أ. عبد السلام و ح. الحدّاد: المرجع نفسه، ص ص 149- 150، و رسائل حسين إلى أمير الأمراء خير الدين، عدد 14- 15- 17 و خاصّة 18. [سنة 1284/ 1867- 1868]. وصل الجنرال حسين إلى مصر و «أطلع رفاعة بك الطهطاوي على أصل كتاب أقوم المسالك و الترجمة باللغة الإفرنجية ...» رسالة عدد 19 بتاريخ 14 سفر الخير 6/ جوان 1868

أ. عبد السلام و ح. الحدّاد، المرجع نفسه، ص 151، رسالة عدد 19.

ثمّ إنّ الطبعة الأنجليزية لم تظهر إلّا سنة 1874 بأثينا. أمّا الطبعة الفارسية فقد وقع التفكير فيها جدّيا و كلّف خير الدين الجنرال حسين و السيد محمد البكّوش بإعداد العدّة لذلك:

- حسين إلى خير الدين، رسالة عدد 27 بتاريخ 6 جمادى الأولى/ 14 سبتمبر 1868، المرجع السابق، ص 153، و كذلك رسالة عدد 32 بتاريخ 10 أغشت 1869، ص 154.

- محمد البكوش إلى خير الدين: «يعلمه بأن سفير العجم بباريس شرع في ترجمة تأليف خير الدين إلى الفارسية». المرجع السابق، رسالة عدد 10، ص 283.

24

و كان نداؤه موجّها ثانيا إلى أوروبا المتشكّكة في حسن استعداد المصلحين للوثوب و النهضة فكان كتابه ردّا و احتجاجا، و ذلك ما يفسّر حرصه على ترجمة هذه المقدّمة إلى الفرنسية و الأنكليزية (5).

فإذا اعتبرنا هذا الأثر نتاج تجربة تونسيّة منزّلة في محيط عثماني، أمكن لنا أن نتساءل عن الأسباب البعيدة و القريبة الدافعة إلى تأليفه، ثمّ من خلال تحليلنا له عن مواقف خير الدين من نظام الحكم القائم في تونس خاصّة و الخلافة العثمانية عامّة، باعتبار أن نظام الحكم هو المفتاح لحلّ القضيّة الكبرى و هي الاقتباس من الغرب في نطاق الحفاظ على الأصالة و القومية العربيّة الإسلاميّة؟

____________

(5) لم يكن خير الدين التونسي ناثرا من الطبقة الأولى و لا شاعرا مفلقا، لذلك عهد بتحرير أفكاره في أقوم المسالك إلى أحد العلماء التونسيين، و المشهور أنه الشيخ سالم بو حاجب، بصريح قوله: «مستعينين في تهذيب ألفاظه ببعض أبناء الوطن» أقوم المسالك، الخاتمة. كما عهد بترجمة كتابه إلى اللّغات المذكورة أعلاه إلى عدد من المترجمين.

و لعلّ الأرجح، بالاعتماد على من قرّظوا أقوم المسالك عند الفراغ من تحريره قبل الفراغ من طبعه أن الذين هذّبوا النصّ و ساهموا في تحريره هم، إلى جانب الشيخ سالم بو حاجب، الصادق ثابت، و محمود قابادو.

25

(II الأسباب الداعية للتأليف‏

أ) الأسباب البعيدة:

تعتبر السنة التي ظهر فيها أقوم المسالك و هي سنة 1867 من أشدّ السنوات تأزّما بتونس، فهي السنة الشهباء على حدّ تعبير ابن أبي الضياف‏ (1) عمّ فيها الجدب و استأصل المرض الوبائي المعروف بالكوليرة أهل الإيالة و خاصّة أهل باجة حتّى سمّت العامّة هذه السنة عام «بوبرّاك».

يقول ابن أبي الضياف: «و قال لي بعض عقلاء العرب من أهل الخبرة:

«مات الثلثان» و بقي الثلث و يشهد له الحال من الجباية حتّى عجزوا عن الحفر لمواراة الموتى، فصاروا يجعلونهم في مطامير خزن الحبوب لفراغها، دون ما تأكله الوحش و الكلاب» (2).

و بلغ السيل الزبى بتزعّم محمّد العادل باي، أصغر إخوة الصادق باي ملك تونس آنذاك، ثورة شعبية اندلعت بجبل باجة عند عروش خمير (3).

و الحقيقة أنّ أصول هذه الأزمة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ترجع الى سنة 1860 حيث اختلّت ميزانية البلاد و انعدم المال ممّا اضطرّ الدولة التونسية إلى الاقتراض من أوروبا سنة 1863 و تضعيف الجباية سنة 1864.

فكانت ثورة علي بن غذاهم الفلاحية الهائلة في نفس السنة و تبعها اقتراض ثان سنة 1865 و ظهور سكّة النحاس و تفاقم الضرائب. و حيث أنّ أقوم المسالك‏

____________

(1) إتحاف، ج‏VI ، ص 90.

(2) إتحاف، ج‏VI ، ص 105.

(3) إتحاف، ج‏IV ، ص 96- 103.

26

هو كتاب نابع في اعتقادنا من تجربة تونسية بحتة حقّ لنا أن نتساءل عن الأصول البعيدة لهذه الكوارث؟

1) تونس المحروسة:

إنّ المطالع للجزء الثالث من إتحاف ابن أبي الضياف يلمس أن المجتمع التونسي قبل القرن التاسع عشر كان مجتمعا مستقرّا متوازنا في كنف ضرب من القرار أساسه تقادم الهياكل و الاكتفاء الذاتي، فكان الاقتصاد فلاحيا يفي بحاجات السكّان و مقتصرا على الاستهلاك و أمّا المجتمع فكان لا يتجاوز عدده مليون نسمة خمسهم في العاصمة إلى جانب التونسيين و المهاجرين الأندلسيين و اليهود و النصارى. و لم يتجاوز عدد النصارى الخمس عشرة ألف نسمة. و كان مجتمع القرى و الأرياف مكوّنا من عرب تونسيين و هم الأغلبية الساحقة و بعض آلاف من البربر موزّعين في الجنوب التونسي.

و على هذا الأساس، فلا مناصّ، إن نحن أردنا أن ندرس هذا المجتمع دراسة صحيحة، من الالتفات إلى الأغلبية الساحقة المكوّنة له و المسمّاة بالعروش أو القبائل: كانت هذه العروش مرتكزة على أصول ثلاثة: العائلة و الأرض و الدين. فالفرد ينتمي إلى العرش عن طريق العائلة الصغيرة بواسطة الطريقة الصوفية التي بسّطت التعاليم الإسلامية إلى حدّ الخرافات و الأباطيل أحيانا و لكن الرابط الأوّل و الحقيقي بين الفرد و العرش يبقى الأرض، فكان العرش يمتلك الأراضي الشاسعة التي يعمل فيها صغار الفلّاحين من أبناء العرش، و كان الاقتصاد قائما على الفلاحة و الملكية الصغيرة للعائلة و تربية الماشية و التجارة البسيطة المتمثّلة في تبادل العروش بضائع مكمّلة لاقتصاد فلاحي يفي بحاجيات الجميع. و لم يكن لهذه العروش من اتّصال بالدولة إلّا عند دفع الضرائب التي أخذت قيمتها تتزايد، رغم ضعف المستوى التقني لهذا الاقتصاد الفلاحي.

كذلك كان الشأن، أو يكاد، بالنسبة إلى العاصمة و المدن الساحلية التونسية.

فعلاوة على المهن التقليدية و خاصّة صناعة الشاشية التي بلغت من الإتقان‏

27

و الازدهار ما جعلها تغزو الأسواق الأجنبية في الشرق و أوروبا، كانت التجارة المحلّية قوام اقتصاد السكان الذين كانوا مثل سكّان العروش منضوين تحت راية العائلة الصغيرة و الطرق الصوفية و يمتلكون بعض الأراضي الشاسعة التي كان يستغلّها أهل العروش على أساس الكراء

و كان موقع العاصمة و المدن الساحلية حافزا لإقامة تبادل تجاري هامّ في حوض البحر الأبيض المتوسّط و لكن القرصنة النصرانية عملت على ألّا يكون للتونسيين أسطول تجاري و مبادلات تجارية مع بلاد النصارى فكان تبعا لذلك نشاط القرصنة التونسية نشاطا هامشيا بالغ التكاليف و إن كان له أن يزدهر فذلك في عهد الباي حمّودة باشا (1782- 1814) وقت حروب نابليون.

و يمكن أن يعتبر عهد حمّودة باشا نقطة تحوّل في تاريخ البلاد: فرغم عوادي المناخ من جدب أدّى أحيانا إلى المجاعة و رغم عوادي الأوبئة كالطاعون و الكوليرة فإنّ هذا المجتمع الفقير إلى السواعد تخدم أرضه و إلى مستوى تقني رفيع يمكّن من إثرائها. كان مجتمعا متوازنا رغم استقراره و عدم حركيّته‏ (4).

و بذلك تفهم تسمية العلماء لعاصمتهم بتونس المحروسة من عائلة النصارى الذي كانوا يحاولون عن طريق القرصنة السيطرة على تجارتها و بالتالي على اقتصادها.

2) تونس «الفقيرة حسّا و معنى» (5):

1- أمّا إذا كان فجر القرن التاسع عشر فإنّ لكنّ هذا التوازن سيختلّ اختلالا كليّا: في بداية القرن التاسع عشر ذلك أنّ أوروبا التي دخلت عصر

____________

(4) إن أجدّ الدراسات التي ظهرت بعد طبعتنا الأولى سنة 1972 تؤيّد ما ذهبنا إليه:- رشاد الإمام، سياسة حمّودة باشا في تونس، تونس 1980 و محمّد الهادي الشريف، تاريخ تونس ...، تونس 1985 خاصّة ص 88 و ما بعدها (و بفضل ما كان يتحلّى به من صفات مكّنته من استغلال بعض الظروف المواتية (و لم تكن جميعها حسنة) ارتقى هذا الأمير بالنظام الحسيني إلى أوجه».

(5) عبارة طالما تتردّد في الإتحاف.

28

الثورة الصناعية منذ منتصف القرن الثامن عشر غنمت أمرين هامّين هما تزايد النسل و تضخّم التجارة. فكان لزاما عليها أن تخلّص السواحل النصرانية للبحر الأبيض المتوسّط من آفة القرصنة لتفتح لتجارتها و لتجّارها حقلا جديدا من النشاط. فكان مؤتمر فينّا(Vienne) سنة 1815 الذي ألغى القرصنة و استرقاق النصارى. و هذا فضلا عن زيارة اللورد اكسموث(Lord Exmouth) لتونس في عهد محمود باي (1814- 1824) في السنة الموالية قصد حمله على الاعتراف بمعاهدة فينّا.

- و منذ ذلك التاريخ فتح باب تونس على مصراعيه للتجارة الأوروبية و استحوذ التجّار الأجانب على السوق التونسية بتوريدهم البضائع المصنوعة و تصديرهم منتوجات البلاد التونسية من زيت و قموح و صوف و جلد، و تقاسموا هذه السوق على الصفة التالية:

الفرنسيون يصدّرون إلى مرسيليا، الايطاليون و اليهود يصدّرون إلى قرنة(Livourne) و اليهود و بعض التونسيين المسلمين يصدّرون إلى المشرق.

و أعان على هذا الغزو التجاري الامتيازات القنصلية الممنوحة فكان الفرنسيون مثلا لا يدفعون للبلاد إلّا 5 في المائة عمّا يستوردونه و ما بين 3 في المائة و 8 في المائة عمّا يصدّرونه.

و نتج عن هذا الغزو التجاري ثلاثة أمور ستودي بالبلاد إلى الأزمة و تخرّب اقتصادها و تجعلها في قبضة الاقتصاد الأوروبي.

1) مزاحمة التجارة الأوروبية للصنائع التقليدية المحليّة ممّا سينتج عنه اضمحلال هذه الصنائع.

2) نزيف العملة التونسية إلى الخارج عن طريق أرباح التجّار الأجانب من جهة، و عن طريق تهريب الذهب من قبل هؤلاء التجّار من جهة أخرى، ممّا سيجعل هذه الأرباح توظف لتمويل مشاريع خارج تونس بينما كان من الأولى أن تبقى بالوطن.

29

3) هيمنة الفرنسيين على هذه التجارة الأوروبية و بالتالي على الاقتصاد التونسي فالتجّار أصبحوا- بحكم الامتيازات التي يرجع أصلها إلى سنة 1605 و بحكم معاهدة 1802 التي تمنح فرنسا حظوة أكبر من غيرها في التجارة مع تونس- منظّمين في نطاق «أمّة فرنسية» يحميها القنصل‏ (6) و يشترون من الباي غلّة الزيت المخصّصة للتصدير. نعم احتكر الباي منذ إلغاء القرصنة، هذه التجارة و أصبح يبيعهم بضعف السعر ما يشتريه من الأهالي مع الملاحظة أنه أسقط عن هؤلاء التجّار أداء التصدير.

ثمّ إنّ الباي لم يقتصر على هذه الأرباح المقدرة ب 100 في المائة بل عمد إلى طريق «السلم» و هي بيع الصابة مسبّقا بأسعار منخفضة معرّضا بنفسه و بالخزينة إلى خطر فادح و هو إرجاع مال التجّار و الأجانب ما لم تكن صابة بفائض باهظ جدّا، و في حال انعدام الصابة و استرجاع هؤلاء التجّار أموالهم من الباي فإنّهم يعمدون الى قرض الأهالي بفائض باهظ جدّا فاستفحل أمر الربا في الإيالة.

و لم يكف الباي استخلاص أداء العشر من الزيتون و الزيت و احتكار المتاجرة بالصابة مع التّجار الأجانب بل عمد إلى «السلم» مع الفلاحين أنفسهم بأسعار منخفضة جدّا ممّا جعل هولاء يتورّطون في الربا مع التجّار الأجانب و في بيع الصابات الموالية عن طريق «السلم» و المناجزة.

فلمّا كان احتلال الجزائر سنة 1830 عقدت فرنسا معاهدة بينها و بين تونس تقضي بإلغاء احتكار الباي للمتاجرة مع الأجانب و تمكينها من التمتّع بمنزلة «الوطن الأكثر امتيازا» ممّا جعل الفلّاح التونسي يقع في قبضة التجّار الأجانب مباشرة و من هنا تبدأ الكوارث التي ستتوالى على البلاد إلى سنة 1867، سنة ظهور أقوم المسالك‏ (7).

____________

(6) عيّنت فرنسا أوّل قنصل لها بتونس سنة 1577 ثلاث سنوات بعد الاحتلال التركي و يذكر ابن خلدون أن الحرب الصليبية السادسة في عهد لويس التاسع كان سببها حماية مصالح التجّار الفرنسيين بتونس من القرصنة التونسية.

(7) إتحاف،VI ، 110، أنظر أيضا:

CHATER( K. ), Dependance, et mutations precoloniales.

30

3) سراب التنظيمات في كنف الأزمة المالية:

فأصبحت تونس منطقة نفوذ فرنسي باعتبارها متاخمة للجزائر و اشتدّ التنافس بين دول ثلاث: فرنسا و انجلترا و إيطاليا نظرا إلى موقع تونس الاستراتيجي في حوض البحر الأبيض المتوسّط.

و الملاحظ أنّ التوغّل الاقتصادي الأوروبي بالإيالة وجد مجالا فسيحا ابتداء من عهد المشير الأول أحمد باي (1837- 1855) الذي ذهب في حكم الإطلاق و مذاهب السرف شوطا بعيدا، جعل البلاد بعد وفاته بستّ سنوات على شفا انهيار اقتصادي تامّ، دفعها بإيعاز من الوزير الأكبر مصطفى خزنة دار (1837- 1873) إلى التفكير في الاقتراض من أوروبا في نهاية سنة 1862، و هي السنة الحاسمة التي تخلّى فيها مؤلّف أقوم المسالك عن الوزارة و بقيّة مناصبه و تفرّغ فيها للتأمّل و جمع عناصر كتابه.

و يمتاز عهد المشير الأوّل بأنّه أضاف إلى عوادي المناخ و الأوبئة و الغزو التجاري الأوروبي كارثة جديدة هي الإجحاف في الضرائب على الأهالي خاصّة على المجتمع الريفي الذي كان يمثل أربعة أخماس الإيالة: فأحدث ثلاث بدع جبائية أرهقت الشعب إرهاقا و هي:

1) قانون الزيتون.

2) أداء المحصولات و هي ضريبة على موادّ الاستهلاك.

3) و اللّزمات و هو احتكار الباي فروعا من الإنتاج كصناعة الصابون و الجبس و الملح و البارود و زراعة التبغ و بيعه الخ ...

و أوكل أمر استخلاصها إلى الوزير مصطفى خزنة دار و قابض المال محمود بن عيّاد (8) و العمّال مستعينين في استخلاصها بما عدّة بعضهم إصلاحا و هو في‏

____________

(8) محمود بن عيّاد (1810- 1880) هرب سنة 1852 إلى فرنسا حاملا معه 60 مليونا فرنكا باعتبار أن ميزانية الإيالة كانت آنذاك عشرة ملايين فرنكا تقريبا!

31

الحقيقة دعامة الحكم القهري- الجيش- الذي رتّب له مكتبا حربيّا سنة 1840 ممّا إنجرّ عنه ضياع ثلثي مداخيل الدولة. و بذلك استتبّ له الأمر لتخريب الاقتصاد تخريبا و لإرضاء شهواته في شتّى مذاهب السرف من بناء القصور كقصر المحمّدية و اشتراء أسطول بحري (6 بواخر) و تجهيزه و اقتناء البضائع الكمالية من أوروبا لتجهيز قصوره و قصور كبراء الدولة إلى جانب اقتناء الخمور و الحرير و فاخر اللباس.

و المطالع للباب السادس من الإتحاف لابن أبي الضياف يجد تفصيلا لهذا الاسراف‏ (9).

و لئن كان ابن أبي الضياف يحمّل تبعية هذا الانهيار و هذه الأزمة المالية المشير الأوّل أحمد باي. فإنّا نذهب إلى أنّ الحائك لخيوط هذه المأساة إنّما هو الوزير مصطفى خزنة دار، الذي أثرى إثراء فاحشا هو و أتباعه من كبراء الدولة بعد حمل البايات على انتهاج سياسة الإسراف.

يظهر ذلك جليّا عند تولّي المشير الثاني محمّد باي (1855- 1859) الذي امتاز عهده بإنشاء بدعة جبائية أخرى سنة 1856 ضريبة «المجبى» و قدرها 36 ريالا (10) و هي ضرب من الجزية يدفعها كلّ تونسي بلغ سنّ الرشد.

في هذا المحيط المتأزّم تنزّلت قضيّة التنظيمات بتونس في مرحلتها الأولى و هي الإعلان عن عهد الأمان سنة 1857 (11) و مرحلتها الثانية هي الإعلان عن الدستور سنة 1861 و لا شكّ أنّ المصلحين التونسيين استبشروا بها و عملوا بقسط وافر على دعمها.

____________

(9) اتحاف،VI ، 111- 112 قانياج: أصول الحماية، ط. 1959، ص 177- 185.

(10) يساوي الريال آنذاك: 0، 6 فرنكا.

(11) و هو يكاد يكون نسخة طبق الأصل لخطّ شريف كلخانة الذي أعلنت عنه الخلافة العثمانية سنة 1839.

32

لكنّنا نعتقد- و الوضع ما بينّا- أنها كانت مسرحية حاك خيوطها الوزير الأكبر بالتعاون مع قنصل فرنسا ليون روش‏ (12) و قنصل أنكلترا، ريشاردوود (13) و كلاهما يرمي من ورائها إلى توطيد نفوذ بلاده الاقتصادي، الأوّل بحمل الباي على توخي سياسة استقلالية عن الخلافة العثمانية و الثاني بحمل الوزير خزنة دار على الابتعاد عن فرنسا. و آلت التنظيمات في الحقيقة إلى جعل سلطة خزنة دار سلطة مطلقة و ظهور الباي بمظهر الملك الذي ليس له من الملك و السيادة إلّا اللقب.

فأمّا عهد الأمان المحتوي على 11 قاعدة فإنه بقواعده التاسعة و العاشرة و الحادية عشرة فتح باب البلاد على مصراعيه للهيمنة الاقتصادية الأجنبية:

[القاعدة] التاسعة: تسريح المتجر من اختصاص أحد به، بل يكون مباحا لكلّ أحد و لا تتاجر الدولة بتجارة و لا تمنع غيرها منها و تكون العناية بإعانة عموم المتجر و منع أسباب تعطيله.

العاشرة: إن الوافدين على إيالتنا لهم أن يحترفوا سائر الصنائع و الخدم بشرط أن يتّبعوا القوانين المرتّبة و التي يمكن أن تترتّب، مثل سائر أهل البلاد، لا فضل لأحدهم على الآخر بعد انفصالنا مع دولهم في كيفية دخولهم تحت ذلك كما يأتي بيانه.

الحادية عشرة: إن الوافدين على إيالتنا من سائر أتباع الدول لهم أن يشتروا سائر ما يملك من الدور و الأجنّة و الأراضين مثل سائر أهل البلاد بشرط أن يتّبعوا القوانين المرتّبة و التي تترتّب من غير امتناع و لا فرق في أدنى شي‏ء من‏

____________

(12)Roches (Leon) : قنصل فرنسا بتونس من سنة 1855 إلى سنة 1863 و اختصّ بالباي و أصبح ألصق به من ظلّه.

(13)Wood (Richard) : قنصل أنكلترا بتونس من سنة 1855 إلى 1879 و اختصّ بالوزير خزنة دار الذي كان ينتصح بإشاراته.

33

قوانين البلاد و نبيّن بعد هذا كيفيّة السكنى بحيث أنّ المالك يكون عالما بذلك داخلا على اعتباره بعد الاتّفاق مع أحبابنا الدول‏ (14).

فإذا ذكّرنا بأنّ القاعدة الأولى في عهد الأمان تؤكّد الأمان لسائر سكّان الإيالة على اختلاف الأديان و الثالثة تسوّي بين المسلم و غيره في استحقاق الإنصاف و الرابعة توصي بأن لا يجبر الذميّ على تبديل دينه و لا يمنع من إجراء ما يلزم ديانته، علمنا أن عهد الأمان أقرّ وضعا توفّر للتجّار النصارى و اليهود منذ أوائل القرن التاسع عشر و اقتصر على إعطائه صبغة قانونية.

و لئن حرموا من حريّة الملكية حتّى 1857 فإنّ هذا التحريم كان يجد لديهم مخرجا بارتهان العقار و الدور و الزياتين لسنوات عديدة من صغار الفلّاحين المرهقين بالضرائب.

أما الدستور المنبثق عن عهد الأمان و المعلن عنه سنة 1861 فإنّه في أبوابه الثلاثة عشر و فصوله المائة و أربعة عشر يقيم توزيع الحكم بين الباي و وزرائه و مجلس أكبر له من سعة النفوذ ما لا يقدّر و هو مجلس أو برلمان مركّب من ستّين عضوا: 40 من المماليك عدا ابن أبي الضياف و 20 من أعيان الحاضرة و حقيقة الدستور هي إزاحة الباي عن السيادة و جعل حقيقة السلطان بيد الوزير الأكبر الذي كان له الدور الأوّل في انتداب أعضاء المجلس لأكبر و ما انبثق عن الدستور من مجالس كمجلس الضبطية و المحكمة الابتدائية الأولى و مجلس الجنايات ... إلخ بل إنه كان من مشمولات المجلس الأكبر إقالة الباي عند ما تثبت إدانته.

و لئن كان الفصل المائة و الثالث عشر غامضا بعض الغموض في خصوص الترخيص للأجانب بالملكية العقارية، حيث يتحدّث عن «ملك ما لا ينقل» فإنّ المعاهدة- أو الشروط على حدّ تعبير ابن أبي الضياف- التي أبرمها

____________

(14) إتحاف، ج‏VI ، ص 243.

34

الصادق باي مع دولة بريطانيا سنة 1863 كانت واضحة اللفظ و العبارة و «بمقتضاها سرّحهم لملك الربع و العقار في المملكة، و ذلك بموافقة المجلس الأكبر» (15).

- الشرط الأول: لرعايا الأنقليز من الآن فصاعدا، حقّ ثابت لا نزاع فيه بأن يشتروا و يملكوا ما لا ينقل على اختلاف أنواعه بالمملكة التونسية ...

- الشرط الرابع: كلّ منازعة تقع بين رعايا الأنقليز و رعايا تونس في شأن ما لا ينقل سواء كانت متعلّقة بملك أو بسكنى في ديار أو أراضي و غيرها ممّا لا ينقل تنشر بمجالس الأحكام المنتصبين لفصل أمثالها» (16).

و لم يفتأ الصادق باي أن عمّم هذه المعاهدة على بقيّة الدول الأوروبية الأخرى الممثّلة بتونس.

فواضح جليّ إذن أن الدستور كان سرابا و لم يكن له من دور إلّا إقرار وضع ثان- بعد عهد الأمان الذي أقرّ الغزو التجاري و الاقتصادي الأوروبي- اتّسم به عهد المشيرين الثلاثة و هو سيطرة الوزير الأكبر السيطرة المطلقة على مقاليد الحكم و تمكينه- في مأمن من يد العدالة- من الإثراء الفاحش- هو و صنائعه- في كنف هذه الأزمة المالية التي حرص على حبك حبائلها (17).

ب- الأسباب القريبة:

1) الاقتراض من أوروبا و رفض خير الدين ذلك:

و من هنا تبدأ مرحلة أخرى من هذه المأساة و تتمثل في محاولة الأجانب تصنيع البلاد بعد أن غزوها تجاريا. فبعد أن أثقل الوزير خزنة دار كاهل البلاد

____________

(15) إتحاف، ج‏V ، ص 100.

(16) إتحاف، ج‏V ، ص 101 و خير الدين رجل دولة، مذكرات، ص 46.

(17) أنظر عن هذا الدستور: إتحاف، ج‏V ، ص ص 32- 38- 42- 62 قانيآج: أصول الحماية، 76- 88- فيتوسي: الدولة التونسية، 68- 86.

35

بالضرائب، ممّا جعل بعض المواطنين يحرقون زياتينهم حتّى لا يرغموا على دفع الضرائب المجحفة التي ليس لهم قدرة على تسديدها (18)، فتح الباب على مصراعيه للدول الأوروبية بمنح رعاياها شتّى الرخص و الامتيازات المتعلّقة بالمشاريع الاقتصادية، كاستغلال مناجم الرخام و الحديد و الرصاص و إقامة طرق المواصلات و سكك الحديد و احتكار صيد المرجان و فتح البنوك و استجلاب ماء زغوان ... (19).

و رغم ما استطاع مصطفى خزنة دار أن يهرّب من مال- هو و صنائعه- إلى أوروبا فإنّ ديون البلاد التونسية سنة 1860 بلغت تسع عشرة مليونا ريالا: أحد عشر مليونا فرنكا أي ما يساوي دخل سنة عادية من الميزانية التونسية. و أمكن له أن يسدّد جلّ هذا الدين بما اغتصبه من مجوهرات عائلة محمّد باي المتوفّى سنة 1859.

لكن اعتلاء الصادق باي العرش مكّن الوزير خزنة دار من أن يستحوذ على عقله، فبعث الجيش و الأسطول من جديد على غرار ما كانا عليه في عهد أحمد باي، و بعث هديّة إلى الآستانة قدرها 3 ملايين فرنكا بمناسبة اعتلاء الصادق باي العرش و بنى قصورا لقنصلي فرنسا و أنجلترا بما قدره مليوني فرنك و شرع في استجلاب ماء زغوان بما كلّف الميزانية 12 مليون فرنك فلمّا كانت سنة 1862 بلغ الدين 28 مليون فرنك.

____________

(18) في آخر عهد أحمد باي أصبحت المساحات المزروعة 000. 150 هكتارا بعد أن كانت تقارب المليون في أوائل عهده.

«و ازداد بذلك نقصان الفلاحة حتّى كادت تنقطع و بقيت الهناشر مرعى السوائم و مبيت الوحوش، و تفاقم الأمر، و عيل الصبر و ضعفت الطاقة و صارت أزمّة الأعشار تأتي في البلدان و أكثر الهناشر مكتوب اسمه مقرونا بلفظ «أبيض» كناية عن عدم البذر ... و تذكّر الناس بهذا الحال حديث خرافة، و هو أن الفلّاح في آخر الزمان يمرّ بالمحراث فيضربه برجله و يقول له: «يا سبب فقري».

(19) قانياج: أصول الحماية، ص ص 61- 68.

36

آنذاك فكّر خزنةدار في الاقتراض من أوروبا (20) شأنه في ذلك شأن الخلافة العثمانية و مصر اللتين توغّلتا في الاقتراض، ممّا جعل الأوروبيين يسمّون عمليات الاقتراض مال العمائم‏ (21).

و كاد الوزير خزنةدار أن يتمّم الصّفقة مع بنك أنجليزي على أساس فائض ب 12 في المائة لو لا معارضة قابض المال آنذاك نسيم شمامة (22) الذي خلف محمود بن عيّاد و أصبح له و لصنائعه من التجّار اليهود و الإفرنج ما يستطيع به إقراض الدولة التونسية، فاقترح عليها 6 ملايين من الفرنكات بفائض 12 في المائة.

و هنا يأتي دور خير الدين التونسي: فمانع عن الاقتراض من أوروبا و حمل الباي و خزنةدار على إرجاء ما بيّتاه و على الاقتراض المحلي من نسيم.

يقول خير الدين: «الأفضل أن ندفع غاليا ثمن اقتراض نقترضه في بلدنا و نحافظ بذلك على حريّتنا من أن نربح بعض الفوائد الماديّة على حساب استقلالنا» (23).

و كان الوزير خزنةدار بالمرصاد فقبل على مضض. و في آخر تلك السنة 1862 تخلّص من خير الدين و أعضاده عن طريق تحوير وزاري استقال فيه خير الدين من وزارة البحر و رئاسة المجلس الأكبر و بقيّة مناصبه السّياسية و الشرفيّة و استطاع خزنةدار في السنة الموالية 1863 أن يقترض من أوروبا و بلغت آنذاك الكوارث الأوج.

____________

(20) قانياج: أصول الحماية، صص 190- 159، يلاحظ أن تركيا و مصر آنذاك كانتا تتخبّطان في أزمة مالية ممّا أدى بهما إلى الاقتراض من أنجلترا بفائض 7 في المائة.

(21)Valeurs a turbans اقترض العثمانيون ما بين 1854 و 1863 أكثر من 750 مليونا فرنكا.

(22) نسيم شمامة: (1805- 1873) يهودي تونسي صار كبير أحبار اليهود و قابض المال من 1852 إلى 1864 و فرّ من تونس عند اندلاع ثورة 1864 و استقرّ بقرنة حيث توفي و قد سرق 20 مليونا فرنكا من أموال الخزينة و قد كلّفت الحكومة التونسية الجنرال حسين بفضّ نازلة وراثته.

(23) إتحاف، ج‏V ، ص 96.

37

يقول ابن أبي الضياف: «و في شوّال من السنة 1279/ مارس- أفريل 1863، ظهر الباي في مجلسه الخاصّ بموافقة أكثره أن يبدل الاقتراض السابق الذي أصيبت به البلاد لأجل جلب الماء و طاعة الهوى.

و قد كان هذا الاقتراض من تجّار يهود و غيرهم من سكّان البلاد بحيث إنّ فائدة الاقتراض لا تخرج من البلاد فحوّله إلى تاجر فرنسي بباريس» (24) و يزيد المؤرّخ التونسي توضيحا:

«و كانت عقدة الاتّفاق النحس في الثامن عشر من ذي القعدة في السنة 1279 الخميس 7 ماي 1863. و مجموع المال المستقرض يومئذ خمسة و ثلاثون مليونا من الفرنكات و المقبوض منها على أقساط تسعة عشر و عشرون مليونا و خمسة و عشرون ألفا و البقيّة طارت بها العنقاء» (25).

و الحقيقة أن هذا الدين أصبح 39 مليونا فرنكا بدّده خزنةدار في أقلّ من سنة ممّا اضطرّه إلى إثقال كاهل الشعب بالضرائب فضعّف في المجبى من 36 ريالا إلى 72 ريالا. و اندلعت ثورة علي بن غذاهم. و لكنّ ذلك لم يثنه عن اقتراض ثان سنة 1865 قدره 27 مليون فرنك لم يقبض منها خزنةدار إلا عشرة ملايين و أقدم أخيرا سنة 1867 على اقتراض ثالث بمائة مليون فرنك لكنّ البنوك الأوروبيّة رفضت التورّط في هذا القرض.

و على كلّ فإن خير الدين يشير إلى أن خزنةدار بدّد ما بين سنة 1862 و سنة 1869 ما قدره ثلاثمائة مليون فرنكا و أن الأراضي المزروعة أصبحت لا تتجاوز ستّين ألف هكتار بعد أن كانت 000. 150 سنة 1862 و مليونا في أوّل عهد المشير الأوّل‏ (26).

____________

(24) إتحاف،V ، ص 96.

(25) إتحاف،V ، 97.

(26) أنظر: م. ص. مزالي، خير الدين، رجل دولة، مذكرات، ط. 1971 من ص: 255 إلى ص: 278، و الملاحظ أنّ الكوميسيون المالي وحّد هذا الدين و بفضل خير الدين لم يعترف إلّا ب 160 مليونا أي بالنصف، أنظر قانياج: أصول الحماية، ط. 1959، ص: 383.

38

و مواقف خير الدين من الوضع المالي و الاقتصادي للبلاد التونسية ترجع إلى ما أبعد من 1862، سنة تخلّيه عن الحكم بل إلى قضيّة محمود ابن عياد سنة 1852 عند ما اختلس هذا الأخير، بصفته قابض المال، ما قدره 60 مليون فرنك و كلّف الباي خير الدين بتمثيله بباريس في هذه القضيّة، ذلك أن بن عيّاد تجنّس عند هروبه بالجنسية الفرنسية و بقي خير الدين أربع سنوات بباريس و مثّل تونس في اللجنة التحكيمية التي أشرف عليها نابليون الثالث و حيث أن خزنةدار كان مورّطا مع بن عيّاد فلم يستطع خير الدين الحصول على كلّ الوثائق الضرورية و لم يتمكّن إلّا من استرجاع 24 مليونا فرنكا (27) و قد نشر في هذه النازلة 18 مذكّرة باللغة الفرنسية (28).

كذلك كان موقفه و هو بباريس من شأن الاقتراض من فرنسا قصد توفير الإعانة العسكرية التونسية للخلافة العثمانية مدّة حرب القرم(Crimee) فإنّه ماطل و رفض عقد الاقتراض لما يراه- على حدّ تعبير بيرم الخامس- من المضرّة على القطر (29).

يقول ابن أبي الضياف: و هو [أحمد باي‏] ينتظر خبر القرض الذي وجّه له أمير اللواء خير الدين، و تثاقل خير الدين في ذلك لما رأى فيه من الضرر الفادح في الحال و المآل، و الباي يحرّضه و يغلظ له القول و هو مع ذلك يتثاقل اعتمادا على عقل سيّده‏ (30).

____________

(27) المصدر المذكور، خير الدين رجل دولة، ص 22.

(28) المصدر نفسه، ص 21.

(29) بيرم الخامس: صفوة الاعتبار، جII ، ص: 49- 50. إتحاف جIV ، ص: 156:

«و هو [أحمد باي‏] يرى أن خير الدين يتساهل في الاقتراض» و أنظر كذلك صفحة 187: «و كاتبه أبو محمّد خير الدين من باريس في شأن اقتراض المال المأذون فيه من ابن عمّه [أحمد باي و الضمير يعود على المشير الثاني محمد].

فكتب له بأن لا يفعل و قال لي: أكتب له «صبرنا على أنفسنا خير من صبر الناس علينا» بهذا اللفظ و شكر خير الدين في عدم الاستعجال، و العجلة و الندامة فرسا رهان و أنقذ بها البلاد من هاوية».

(30) إتحاف، ج‏V ، ص 165.

39

فنرى إذن أن الداعي القريب الأوّل لتأليف أقوم المسالك و التخلّي عن الحكم هو معارضة خير الدين للباي و لخزنةدار في تطبيق السياسة الاقتصادية التي أدّت إلى هذه الأزمة المالية الممهّدة لاحتلال فرنسي أصبح شبحه يخيّم على البلاد بتقدّم الأيّام.

و لقد أحسن بيرم الخامس تصويرها بأسلوبه الأدبي قائلا: «فلو رأيت ما عليه القرار لملئت رعبا و لولّيت منه الفرار من ذئاب تغتال و ثعالب تحتال مجتهدة في قلب الرحال و تشتيت الرجال و ثعبان ثاغر فاه لابتلاع الأموال فيا لها من حال يرثي لها من رام النزال» (31).

2) رحلات خير الدين إلى أوروبا:

إذن استعفي خير الدين من كلّ مناصبه و سنّه 40 سنة.

يقول ابن أبي الضياف: «و استعفي أبو محمّد خير الدين من وزارة البحر و من رئاسة المجلس الأكبر و أثّر استعفاؤه في العقلاء من أهل الإيالة لأنّه لم يكن من سبب ظاهر في السنّ و لا في البدن إذ هو في أطيب أوقات الشباب» (32).

و اعتكف خير الدين بقصره مدّة خمس سنوات إلى تاريخ صدور أقوم المسالك يستخلص العبر من تجربته للحكم في إطار أساسه الحكم المطلق القهري.

و حيث لم يكن إبعاده عن الحكم إلّا لامتناعه عن الاقتراض من أوروبا فإنّ الباي و خزنةدار لم يبعداه تماما عن الحياة السياسية (33) فكانا يستشيرانه في نطاق المجلس الخاصّ للباي في كبرى القضايا. و منذ إعلان الدستور سنة

____________

(31) بيرم الخامس: صفوة الاعتبار، جII ، ص 36.

(32) إتحاف، ج‏V ، ص 96 أنظر أيضا خير الدين رجل دولة، مذكّرات، ص 23.

(33) بل إنّ الصادق باي عرض عليه وزارة الحرب سنة 1865، «و قد كان الباي عرض وزارة الحرب على الوزير خير الدين فاعتذر و اختار التخلّي عن المباشرة و قبل اعتذاره»، إتحاف ج‏IV ، ص 54.

40

1861 بعثه الباي في مهمّات ديبلوماسية و هي تسليم الأوسمة لرؤساء الدول الأوروبية الذين هنّأوا الحكومة التونسية بإعلان عهد الأمان و الدستور و واصل تكليفه بهذه المهمّات بعد إبعاده عن الحكم.

لهذا السبب كانت رحلاته إلى العشرين بلدا، و قد تحدّث عنها في أقوم المسالك‏ (34)، مع الملاحظة أنه زار قبل ذلك بلدين من هذه البلدان أكثر من مرّة و هما تركيا و خاصّة فرنسا التي زارها منذ 1846 صحبة المشير الأوّل أحمد باي بصفته مباشرا لمصرف الدراهم- على حدّ تعبير ابن أبي ضياف- (35) و أقام أربع سنوات من 1853 إلى 1857 من أجل قضيّة محمود بن عيّاد.

و المطالع لكتاب أقوم المسالك يلمس صدى تعلّق المؤلّف بوصف المؤسّسات السياسيّة و الاقتصاديّة الأوروبيّة، و حرصه على تقييد دخل ميزانياتها و خرجها فهو التونسي المبهر بالتوازن الاقتصادي الغربي و الملتاع ممّا تردّت فيه بلاده و غيرها من البلدان العربية الإسلامية من أزمات مالية اقتصادية.

و أدّته تجربته التونسية البحتة إلى الاقتناع- شأنه في ذلك شأن بقيّة المصلحين التونسيين في منتصف القرن التاسع عشر- بأن رأس الداء كامن لا في عوادي المناخ و الأوبئة و إنّما في نظام الحكم المطلق المسلّط على البلاد ذلك النظام الذي فتح باب البلاء على مصراعيه للتسرّب الاقتصادي الأجنبي إرضاء للشهوات و تشبّها بالعظماء و ميلا إلى الإسراف.

لذلك تنزّلت المقدّمة التي عقدها لأقوم المسالك في إطار عثماني عامّ، علما منه أن تونس هي صورة مصغّرة للخلافة التي تربطها بها أواصر عدّة و حامت حول ضرورة معالجة هذا الداء و هو حكم الإطلاق المتأزّم. فما هو محتوى هذه المقدّمة؟

____________

(34) خير الدين، رجل دولة مذكّرات، ص 23.

أنظر تحليلنا لمحتوى هذه الرحلات أسفله داخل هذا التمهيد.

(35) إتحاف، ج‏IV ، ص 97.

41

(III تحليل مقدّمة أقوم المسالك‏

أوّل ما يلفت انتباه المطالع لهذه المقدّمة هو أنّها تحليل ذاتي للحضارة الإسلامية. فخير الدين في حديثه عن الحضارة العربية الإسلامية و في إحالاته على الحضارة اليونانية و الرومانية و الأوروبية يعتقد اعتقادا راسخا أن الرابط الذي يربط بين كلّ هذه الحضارات إنّما هو التمدّن: في هذا المحيط تنزّلت لديه قضيّة إصلاح نظام الحكم بالبلدان العربية الإسلامية و قضيّة الاقتباس من الغرب في القرن التاسع عشر، بالنسبة إلى مجتمع أقرّ أهله و غير أهله بما هيمن عليه من تراجع و انحطاط.

و منذ الصفحات الأولى من المقدّمة يبسط خير الدين هاتين المشكلتين:

«إن الباعث الأصلي على ذلك، يعني تاليف كتابه» أمران آيلان إلى مقصد واحد:

أحدهما إغراء ذوي الغيرة و الحزم من رجال السياسة و العلم بالتماس ما يمكّنهم من الوسائل الموصلة إلى حسن حال الأمّة الإسلامية و تنمية أسباب تمدّنها بمثل توسيع دوائر العلوم و العرفان و تمهيد طرق الثروة من الزراعة و التجارة و ترويج الصناعات و نفي أسباب البطالة و أساس جميع ذلك حسن الإمارة المتولّد منه إتقان العمل المشاهد في الممالك الأوروبية بالعيان و ليس بعده بيان.

ثانيهما تحذير ذوي الغفلات من عوامّ المسلمين من تماديهم في الإعراض عمّا يحمد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا بمجرّد ما انتقش في عقولهم من أن‏

42

جميع ما عليه غير المسلم من السير و التراتيب ينبغي أن يهجر و تآليفهم في ذلك يجب أن تنبذ و لا تذكر ..».

فقد حدّد منذ البداية برنامجه و هو حسن الإمارة و ضرورة الاقتباس من الغرب في حدود الشريعة الإسلاميّة كما نصّ منذ البداية على من سيضطلع بإنجاز هذا البرنامج من المسلمين سواء أكانوا من رجال السياسة أم من رجال الدين داعيا في الآن نفسه الأوروبيّين إلى أن يكفّوا عن تشكّكهم في حسن استعداد المسلمين للنهضة و الإصلاح.

و لئن كانت تجربته تونسية بحتة، و لئن كان قوي الشعور بالانتماء إلى وطن محدّد و هو تونس، فإنّه من أجل ذلك و رغم ذلك ما انفكّ يعالج القضايا التي أثارها في مقدّمة كتابه في إطار الأمّة الإسلامية المنضوية تحت لواء الخلافة العثمانية، ذلك أنّه يعتقد- شأنه في هذا شأن كافّة المصلحين التونسيين في عصره- أن الإيالة التونسية جزء لا يتجزّأ من الخلافة العثمانية من صالحها أن تحرّض على توطيد الاتّصال بها و إلّا- و هي على ما تردّت فيه من تراجع- كانت فريسة للغرب القوي المتحفّز للاستعمار.

- فما هو أوّلا موقفه من الخلافة العثمانية؟

أ) خير الدين و الخلافة العثمانية

1) وطنية خير الدين التونسي:

قبل أن نحدّد موقفه من هذه الخلافة و ما يرتئيه لها من إصلاح، يجدر بنا أن نرفع التباسا تورّط فيه بعض المؤرّخين.

فقد زعم بعضهم أن خير الدين مملوك عثماني خدم البايات التونسيين ثمّ انفصل عنهم ليخدم السلطان عبد الحميد الثاني شأنه في ذلك شأن الرّبّان كان يقود سفينة تونسية ثمّ أصبح- بحكم الارتزاق- يقود سفينة عثمانية (1).

____________

(1) أنظر:C .Brown ,the Surest Path ,p .53

43

و رأى بعضهم أنّ خير الدين كان «عثمانيا قلبا و لحما و دما» إذ كان يعتقد أن المسألة التونسية جزء لا يتجزّأ من المسألة الشرقية و أن لا نجاة لتونس إلّا في ظلّ الخلافة العثمانية.

و يكفي أن نردّ على الزعم الثاني بأن نذكّر بأن هذه التهمة إن صحّت ينبغي إذن أن تلصق بكلّ المصلحين التونسيين الذين كانوا يعتقدون نفس الاعتقاد فابن أبي الضياف و بيرم الخامس و محمّد السنوسي و سالم بو حاجب الخ ..

عقدوا فصولا في كتبهم للدعوة إلى هذا الموقف و هو ضرورة الارتباط بالخلافة العثمانية لردّ غائلة الاستعمار الأوروبي‏ (2). و ما الجامعة الإسلامية التي أراد بعثها جمال الدين الأفغاني في الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلّا تدعيم لهذه الدعوى.

و اتّهمت فئة ثالثة خير الدين بأنه عند ما باع أملاكه العقارية و خاصّة هنشير النفيضة (100000 هكتار) (3) للشركة الفرنسية بمرسيليا سنة 1880 و عند ما منح شركة فرنسية رخصة إقامة سكّة حديدة تربط بين تونس و الجزائر قد مهّد للاحتلال الفرنسي.

و لقد ردّ خير الدين نفسه على ادّعاء خصومه مبيّنا أنّ منحه رخصة سكّة الحديد الرابطة بين تونس و الجزائر لم يوافق عليها إلّا بعد أن عجزت الشركات الأنقليزية و الإطالية عن الإيفاء بعهودها مع الملاحظة أنه اشترط على كلّ هذه الشركات أن لا تتجاوز في بسط هذه السكّة الحدود التونسية و لا يمكن بحال الترّخيص لها بتجاوزها إلّا بعد إذن السلطان العثماني ثمّ إنه تخلّى عن الحكم‏

____________

(2) إتحاف، ج‏VI ، صص 13- 30 [علاقة تونس بالدولة العثمانية].

(3) ضيعة كان يملكها عرش أولاد سعيد بالساحل و اغتصبها منهم أحمد باي سنتي 1840 و 1850 و أهداها الصادق باي لخير الدين سنة 1871 مكافأة له على الرجوع بالفرمان القاضي بجعل الحكم وراثيا في العائلة الحسينية.

44

سنة 1877 دون أن يبتّ في القضيّة و الذي منح الرخصة دون استشارة السلطان إنّما هو خلفه مصطفي ابن اسماعيل‏ (4).

و يعلّق خير الدين قائلا:

«و بعد، فليس مدّ سكّة حديد أخرى أو عدم مدّها هو الذي كان ليقرّر نهاية الصراع، ذلك أن الفرنسيين تمّ لهم احتلال تونس في أيام قلائل بإنزال جيوشهم بطبرقة و بنزرت و باجتياز الحدود من جهة جبال خمير و سهول تبسّة دون أن تعير اهتماما بسكة الحديد التي ما زالت آنذاك بصدد البناء» (5).

و أمّا في خصوص بيع أملاكه للشركة الفرنسية (ثلاثة قصور بتونس و دار بحمام الأنف و غابات زيتون و هنشير النفيضة) فإنّه لم يبعها إلّا بعد أن كان عرضها على التونسيين بخصم 10 في المائة من الثمن الذي يقترحه الأوروبيون و لكن مصطفى ابن اسماعيل كان حريصا على اغتصاب كلّ أملاك خير الدين لحسابه الخاصّ دون أن يدفع درهما واحدا (6).

و هناك فئة رابعة و أخيرة من المؤرّخين- و إن كانت أحسنت تنزيل إصلاحات خير الدين في إطارها التاريخي الاقتصادي الصحيح- فإنّها ذهبت إلى الاعتقاد أن خير الدين بترجمته مقدّمة أقوم المسالك إلى الفرنسية لم يكن له من همّ «إلّا أن يهيّ‏ء المجتمع التونسي لأن يهضم النظام الرأسمالي و بالتالي أن يسهّل عمل الجالية الأجنبية» (7).

و لئن كنّا نوافق أصحاب هذا الرأي على تحليلهم للوضع الاقتصادي الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر بالمغرب، فإنّا نعتقد أنّ خير الدين التونسي‏

____________

(4) خير الدين رجل دولة، مذكرات، صص 43- 50.

(5) المرجع نفسه، ص 45- 46.

(6) المرجع نفسه، ص 47.

(7) عبد اللّه العروي، تاريخ المغرب [الكبير]، ص 293.

45

كان صريحا على اتّباع سياسة أساسها التسوية و التعادل في منح الامتيازات للأجانب بتونس سواء أكانوا أنجليز أم فرنسيين أم إيطاليين بل إن أصل تخلّيه عن الوزارة الكبرى يرجع إلى رفضه أن تكون الأفضلية للفرنسيين في التمتّع بالامتيازات و الرخص التي تمنحها الحكومة التونسية.

و مهما يكن من أمر فإنّ خطّة الاحتلال الفرنسي لتونس لم تسطّر بين عشيّة و ضحاها و قبل سنة أو سنتين بل ترجع أصولها- كما بيّنّا- إلى أوائل القرن التاسع عشر.

و أخيرا نسوق حجّة لغوية شكلية فخير الدين لم يفتأ في مذكّراته يتحدّث عن تونس باعتبارها «وطنه المتبنّى»

أمّا معاصروه من التونسيين و على رأسهم ابن أبي الضياف فيسمّونه دائما و أبدا و بدون استثناء «خير الدين التونسي» و لا نعلم أنّهم أضافوا نسبة (التونسي) إلى أحد سواه من المماليك الذين أبلوا البلاء الحسن في خدمة تونس كالجنرال حسين و رستم و غيرهما ..

2) الاصلاح في إطار عثماني:

على ضوء ذلك ما هو موقف خير الدين التونسي من الخلافة؟

- هو موقف جميع النخبة المفكّرة و الطبقات الشعبية التونسية من الباب العالي و الآستانة.

يقول خير الدين:

«لقد كنت مؤمنا راسخ الإيمان أنّ المملكة التونسية ينبغي أن تجد في الروابط التي تربطها بالخلافة العثمانية أمنع حصن يصونها من أطماع الدول الأروباوية المختلفة و على مرّ الزمن سواء أكنت مواطنا أم موظّفا بسيطا أم‏

46

وزيرا أكبر فإنّي لم أنفكّ أؤيّد حقوق تركيا على تونس و أنصح بايات تونس بإقرار الروابط مع الامبراطورية العثمانية و توطيدها» (8).

و هو يعتقد: «أن هذا الارتباط ضمان للاستقلال فما دامت الخلافة قائمة فإن الإيالات التابعة لها لن تخشى شيئا لأنّ كيانها رهين حلّ المسألة الشرقية» (9).

و رغم محاولات الانفصال عن تركيا من بعض البايات‏ (10) فهو يرى في السفارات التي وجّهتها الحكومة التونسية إلى الآستانة منذ سنة 1827 (واقعة نافرين) إلى سنة 1876- و عددها 18 (11)- حجّة بليغة على ما يربط الإيالة بالآستانة من أواصر متينة (12).

و لنذكّر بأنّ العلاقات بين البلدين كانت تتمثّل في أنّ تونس ولاية تفويض يحكمها وال يزكي تسميته السلطان بفرمان التولية. و أنّ الخطبة و السكّة باسم السلطان، و أن تونس تقدّم مددا من العسكر كلّما طلبته منها الخلافة. و أنّ الجيش مكوّن من الأتراك. و كلّ ما طرأ من تغيير هو أنّه ابتداء من سنة 1837 أصبح الولاة ينتخبون من العائلات التركية التي أبلت البلاء الحسن كالمراديين و أنّ الباي الحسيني حمّودة تحصّل على لقب باشا في سنة 1780 و أن أحمد الأوّل تحصّل على لقب مشير في سنة 1839 و انّ الجيش أصبح تونسيا ابتداء من سنة (1835) (13).

____________

(8) خير الدين، رجل دولة، مذكرات، ص 38.

(9) المرجع نفسه، ص 203.

(10) يصنّف خير الدين التونسي الأمّة التونسية إلى صنفين: الباي و حاشيته و بلاطه و همّهم الاستقلال عن تركيا لإرضاء الشهوات و سياسة الإسراف دون رقيب و الأغلبية الساحقة من الأهالي و الموظّفين الذين كانوا يؤمنون بالارتباط بالخلافة و لا أدلّ على ذلك من ثوراتهم سنة 1864 و 1881 منادين باسم السلطان» أنظر مذكّرات، ص 94.

(11) قام ابن أبي الضياف بسفارتين، الأولى في سنة 1842 و قام خير الدين بثلاث في سنوات 1850 و 1864 و 1871.

(12) مذكّرات، صفحات 195- 198 و 300- 302.

(13) المرجع نفسه، ص ص 192- 1898.

47

و لقد أعان خير الدين بسفارتيه سنة 1864 و سنة 1871 على توطيد العلاقات خاصّة بتحصّله على فرمان سنة 1871.

و لئن حرص خير الدين على ربط تونس بالخلافة العثمانية فإنه لم يغب عن ذهنه اعتراض بعضهم «غريق متمسّك بغريق» فقد كان يعلم علم اليقين أنّ المسألة الشرقيّة بلغت أوج التأزّم، فبعد واقعة نافرين سنة (1827) و حرب القرم (1854- 1856) خرجت تركيا من الحرب كأهزل ما تكون، كما أن استعداد فرنسا لحفر قنال السويس (1859) الذي سيفتح في 1869 جعل أنجلترا تفكّر في تبديل سياستها التقليدية نحو تركيا و التهيؤ للاستيلاء مباشرة على مصر (14).

أضف إلى كلّ ذلك الديون التي تردّت فيها تركيا و مصر، و تدخّل فرنسا العسكري في لبنان (1860)، و ظهور حزب العثمانيين الجدد (1865).

و رغم كلّ هذه العوائق و من أجلها، كان خير الدين التونسي يرى أنّ الإصلاح ممكن «و أن وضع الخلافة العثمانية و إن كان سيّئا فهو لا يدعو إلى اليأس و أن العلاج متوفّر و أنه رهين مشيئة الأمراء التابعين للخلافة حتّى يخرج إلى حيّز الإنجاز» (15).

و هذا ما جعله يعرض برنامجا إصلاحيا في مقدّمة أقوم المسالك.

ب) برنامج خير الدين الإصلاحي:

نتيجة لتجربته التونسية البحتة و لإيمانه الراسخ بضرورة الارتباط بالخلافة العثمانية و لرحلاته و مشاهداته بالبلدان الغربية المختلفة انتهى خير الدين التونسي‏

____________

(14) قد كانت سياسية خديوي مصر اسماعيل (1863- 1879) سياسة أساسها الديون و فتح مصر للرأسمال الأجنبي ممّا جعله يرضى بإقامة المجالس المختلطة في بلاده و هو أمر مانع خير الدين من وجوده بتونس، مذكرات، ص 79.

(15) المرجع نفسه، ص 160.

48

إلى التساؤل عن أسباب تأخّر المسلمين و تقدّم الغربيين. فعالج في مقدّمة أقوم المسالك مشاكل ثلاث حاول أن يجد لها حلولا و هي ضرورة الاقتباس عن الغرب المتحضّر، مدعّما ذلك بالحجج النقلية و العقلية، و وجوب تغيير نظام الحكم المطلق السائد في بلاد المسلمين على أساس إحياء القيم الإسلامية الخالدة و جعلها ملائمة للعصر، مع الإلحاح على أنّ هذين الإصلاحين يرميان إلى غرض أسمى و أهمّ و هو ضرورة الخروج بالمجتمع العربي الإسلامي من مجتمع تقليدي متقادم مهدّد بالانهيار و الابتلاع من قبل الغرب المستعمر إلى مجتمع رأسمالي عصري أصيل.

فعلى هذا الأساس، كان منطلق التفكير عند خير الدين الوضع الاقتصادي المتأزم بتونس التي هي صورة مصغّرة للخلافة العثمانية و الغاية التي يرمي إليها هي إصلاح هذا الوضع عن طريق التنظيمات السياسية و في نطاق شريعة إسلامية متجدّدة ملائمة لأحوال العصر.

1) ضرورة الاقتباس عن الغرب:

أ) جواز الاقتباس:

و إذ بات من الثابت أن تأخّر المسلمين أصبح لا جدال فيه عمد في كتابه أقوم المسالك إلى تحليل أسباب التقدّم الغربي مدعّما ذلك بعشرين أنموذجا أوروبيا (العشرين بلدا التي وصفها) و مقدّما لذلك بمقدّمة افتتحها بفصل هو من الجرأة و الواقعية بمكان و هو مطلب ما يسوّغ موافقة غير المسلم في الأفعال المستحسنة. فمنطلق الإصلاح عنده المقارنة و الحوار و التفتّح مذيّلا هذه المقدّمة بفصلين هامّين و هما «التمدّن الأوروباوي» و «تلخيص المكتشفات و الاختراعات الأوروبية».

49

فالقضيّة عنده هي التمدّن أوّلا و آخرا و هو بمثابة الحكمة «و الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها حيث وجدها» و من سيضطلع بإنجاز هذا التمدّن هم رجال السياسة و رجال الدين من المسلمين لذلك عمد في تقرير هذه الضرورة إلى حجج عقلية و نقلية:

يقول خير الدين: «لا يتهيّأ لنا أن نميّز ما يليق بنا، على قاعدة محكمة البناء، إلّا بمعرفة أحوال من ليس من حزبنا لا سيّما من حفّ بنا و حلّ بقربنا» (16).

«مع الإشارة إلى ما كانوا عليه في العهد القديم و بيان الوسائل التي ترقّوا بها في سياسة العباد، إلى الغاية القصوى من عمران البلاد» (17).

و هو لا ينفكّ يحذّر المسلمين من مغبّة الإعراض عن الاقتباس قائلا:

«تحذير ذوي الغفلات من عوامّ المسلمين عن تماديهم في الإعراض عمّا يحمد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا بمجرّد ما انتقش في عقولهم من أنّ جميع ما عليه غير المسلم من السير و التراتيب ينبغي ان يهجر و تآليفهم في ذلك يجب أن تنبذ و لا تذكر. حتى أنهم يشدّدون الإنكار على من يستحسن شيئا منها و هذا على إطلاقه خطأ محض» (18).

و يورد هنا حججا نقلية عديدة تدحض هذا الزعم و هذا الخطأ في التفكير نقتصر على واحدة منها:

و في سنن المهتدين للعلامة الموّاق المالكي ما نصّه: «إنّ ما نهينا عنه من أعمال غيرنا هو ما كان على خلاف مقتضى شرعنا أمّا ما فعلوه على وفق الندب أو الإيجاب و الإباحة فإنّا لا نتركه لأجل تعاطيهم إيّاه لأنّ الشرع لم ينه عن التشبّه بمن يفعل ما أذن اللّه فيه» (19).

____________

(16) أنظر أسفله: ص 116.

(17) أنظر أسفله: ص 118.

(18) أنظر أسفله: ص 120.

(19) أنظر أسفله: ص 121.

50

ثمّ يورد حجّة تاريخية معتمدا على السلف الصالح: «و إذا جاز للسلف الصالح أخذ مثل المنطق من غير أهل ملّتهم و ترجمته من لغة اليونان لمّا رأوه من الآلات النافعة حتّى قال الغزالي: «من لا معرفة له بالمنطق لا يؤتمن بعلمه» فأيّ مانع لنا اليوم من أخذ بعض المعارف التي نرى أنفسنا محتاجين إليها غاية الاحتياج في دفع المكائد و جلب الفوائد؟» (20).

و حيث إنّ القضيّة عنده هي التمدّن فهو يدعو المسلمين إلى تجاوز الحواجز الدينية الضيّقة، هو يدعوهم الى ما نسمّيه اليوم ب «التفتّح» و كلّ متمسّك بديانة و إن كان يرى غيره ضالّا في ديانته، فذلك لا يمنعه من الاقتداء به في ما يستحسن في نفسه من أعماله المتعلّقة بالمصالح الدنيوية كما تفعله الأمّة الإفرنجية. فإنّهم ما زالوا يقتدون بغيرهم في كلّ ما يرونه حسنا من أعماله حتّى بلغوا في استقامة نظام دنياهم إلى ما هو مشاهد و شأن الناقد البصير تمييز الحقّ بعيار النظر في الشي‏ء المعروف عليه قولا كان أو فعلا فانّ وجده صوابا قبله و اتّبعه سواء كان صاحبه من أهل الحقّ أو من غيرهم فليس بالرجال يعرف الحقّ بل بالحقّ تعرف الرجال» (21).

ب- ماذا نقتبس؟

و يتّضح من هذا النصّ أنّ خير الدين لا يدعو إلى اقتباس ما يوجد في الدين المسيحي و إنّما ما يوجد في التمدّن الإفرنجي من «مصالح دنيوية» إذ أنّ الدين المسيحي دين تبتّل و زهد فصل منذ نشأته بين الدين و الدنيا.

و لئن حرص على ألّا يقع في المفاضلة بين الأديان فإنّه اضطرّ إليها اضطرارا حتّى يطمئن العلماء و رجال الدين. فهو يبدأ أوّلا بالتذكير بأن الأمم الأوروبية لم تعرف التمدّن في أوّل تاريخها: «إن الحالة الراهنة في ممالك أوروبا لم‏

____________

(20) أنظر أسفله: ص 121

(21) أنظر أسفله: ص 120.

51

تكن ثابتة لها من قديم الزمان لأنّها كانت بعد هجوم البرابرة و سقوط الدول الرومانية سنة أربعة مائة و ستّ و سبعين مسيحية على أنظم حال التّوحّش و الاعتداء و الجور آخذة في حركة السقوط التي هي أسرع من الصعود طبعا و لم تزل في ربقة الرقّ لملوكها و كبراء الأمم الجائرة المسميّن بالنوبليس إلى زمن ولاية الامبراطور شارلمان ملك فرنسا. ثمّ بعد وفاته رجعت أوروبا إلى غياهب جهالتها و ظلم ولّاتها» (22).

ثمّ يثنّي بحجّة يردّ فيها على ابن خلدون و بعض فلاسفة أوروبا في القرن الثامن عشر «و لا يتوهّم أن أهلها (أوروبا). وصلوا إلى ما وصلوا إليه بمزيد خصب أو اعتدال في أقاليمهم. إذ قد يوجد في أقسام الكرة ما هو مثلها أو أحسن» (23) و ينتهي إلى الدين المسيحي الذي لا يعزى له تقدّم أوروبا: «و لا أنّ ذلك من آثار ديناتهم إذ الديانة النصرانية و لو كانت تحثّ على إجراء العدل و المساواة لدى الحكم لكنّها لا تتداخل في التصرّفات السياسية لأنها تأسّست على التبتّل و الزهد في الدنيا حتّى أن عيسى (عليه السلام) كان ينهى أصحابه على التعرّض لملوك الدنيا فيما يتعلّق بسياسة أحوالها قائلا: «إنّه ليس له ملك في هذه الدنيا» لأنّ سلطان شريعته على الأرواح دون الأشباح. و الخلل الواقع في ممالك البابا كبير الديانة النصرانية لامتناعه في الاقتداء بالتراتيب السياسية المعتبرة في بقيّة الممالك الأوروباوية دليل واضح على ما ذكرناه» (24).

تجرّه هذه المقارنة إلى تفضيل الدين الإسلامي على المسيحي: «إن الشريعة الإسلامية كافلة بمصالح الدارين ضرورة أن التنظيم الدنيوي أساس متين لاستقامة نظام الدين» (25).

____________

(22) أنظر أسفله: ص 125.

(23) أنظر أسفله: ص 125.

(24) إتحاف،I ، 32، أنظر في قضية الفصل بين الدين و السياسة في الديانة المسيحية.

Fustel de Coulanges: La Citeantique, Paris, 4681, LivreV, chap. III

(25) أنظر أسفله: ص 115.

52

ففي ضوء ذلك و بعد دفع هذه الاحترازات ماذا نقتبس؟

ينبغي أن نقتبس حسب خير الدين تنظيماتهم: «المؤسّسة على العدل السياسي و تسهيل طرق الثروة و استخراج كنوز الأرض بعلم الزراعة و التجارة و ملاك ذلك كلّه الأمن و العدل اللذان صارا طبيعة في بلدانهم» (26).

يقول خير الدين:

«هل يمكننا اليوم الحصول على الاستعداد المشار إليه بدون أن نتقدّم في المعارف و أسباب العمران المشاهدة عند غيرنا و هل يتيسّر ذلك بدون إجراء تنظيمات سياسية تناسب التنظيمات التي نشاهدها عند غيرنا في التأسّس على دعامتي العدل و الحريّة اللذين هما أصلان في شريعتنا؟» (27).

أمّا محتوى الاقتباس و اتّجاهه على الخصوص فكتاب أقوم المسالك يشكّل مادته: و لنقتصر على الإشارة إلى أن الثورة الفرنسية التي اندلعت سنة 1789- و الثورة الصناعية التي ازدهرت في منتصف القرن التاسع عشر و ما مهّد لهما من أحداث فكرية و حضارية و ما نتج عنهما من تطوّر و تقدّم كلّ ذلك هو الأنموذج الذي يدعو خير الدين التونسي إلى الاقتباس عنه و الاهتداء بهديه موضّحا المنهج الذي ينبغي أن يعتمد.

ج) كيف نقتبس؟

لذلك فهو يرفض رفضا باتّا أن ينقلب الاقتباس إلى تقليد أعمى للغرب و يندّد بالمحاولات التي جنح إليها بعضهم في الخلافة العثمانية.

يقول خير الدين ردّا على من يسمّهم «حزبا من المسلمين مع الرعايا من غيرهم» (28):

____________

(26) أنظر أسفله: ص 126.

(27) أنظر أسفله: ص 124.

(28) المصدر نفسه، ص 168.

53

«إنّه مبدئيا من المحال نقل مؤسّسات بلد ما إلى بلد آخر حيث تكون فيه طبائع البشر مغايرة و كذا أخلاقهم و تربيتهم و ظروف مناخهم» (29).

و لئن فشل هؤلاء المقلّدون فذلك لأنّهم حسب خير الدين: لم يجنحوا إلى إصلاحات جوهرية تتلاءم و الحاجات الحقيقيّة للبلاد و طبائع سكّانها» (30).

كما أنّه يرفض رفضا باتّا مطلب أوروبا الرامي إلى هدم الذاتية العربية الإسلامية و هدم القضاء و العدالة الإسلامية بإحلال مجالس و قوانين أوروبيّة بدعوى أن المحاكم الإسلامية غير قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها نظرا إلى ما لحقها من جمود و تحجّر حتّى أصبحت لعبة في أيدي حكم الإطلاق‏ (31).

و هو أخيرا يرفض رفضا باتّا موقف السلفيين و خاصّة العلماء الذين يعارضون كلّ تفتّح على الغرب و حوار معه منادين بالرجوع إلى السلف الصالح و «معرضين عن استكشاف الأحوال الداخلية و أذهانهم عن معرفة الخارجية خليّة» (32).

أمّا الحلّ الذي يرتضيه فهو الاقتباس في حدود الشريعة الإسلامية و «الغرض من ذكر الوسائل التي أوصلت الممالك الأوروبيّة إلى ما هي عليه من المنعة و السلطة الدنيوية أن نتخيّر منها ما يكون بحالنا لائقا و لنصوص شريعتنا موافقا» (33).

و حيث إن محتوى الاقتباس هو المعارف و التنظيمات الأوروبيّة المؤسّسة على العدل و الحريّة، و هما أصلان في الشريعة الإسلامية، فإن ذلك يجرّ خير

____________

(29) المصدر نفسه، ص 32.

(30) المرجع نفسه، و الصفحة، (مذكّرات).

(31) المقدّمة، ص 182: ادّعاء بأن معارف حكّام الإسلام غير كافية لحفظ حقوق رعايهم»، أنظر في هذا الصدد: عبد اللّه العروي: تاريخ المغرب (الكبير)، ص 315، (هدم الكيان القومي و احلال الكيان الأوروبي محلّه).

(32) المقدمة، ص 121.

(33) المصدر نفسه، ص 123.

54

الدين إلى معالجة قضيّة إحياء القيم الإسلامية التي اندثرت بظهور الحكم المطلق القهري.

2) إصلاح نظام الحكم:

إنّ ضرورة الاقتباس عن الغرب جرّت خير الدين، إيمانا بهذه الضرورة من جهة و طمأنة للمحافظين من جهة أخرى، إلى أن ينكبّ على دراسة الحضارة الإسلامية التي ازدهرت لمّا كانت الشريعة أساسا لها و تدهورت لمّا فرّطت في هذه الشريعة و في قيمها.

أ) الشريعة الاسلامية صالحة كاملة:

فهو يعتقد أنّ الشريعة الإسلامية رائعة كاملة سرمدية (34) و لقد حقّقت في 80 او 90 سنة ما لم يحقّقه الرومان في ثمانية قرون‏ (35) و يرى أنّ العالم العربي الإسلامي أخذ في التراجع لمّا انقسم إلى دول ثلاث: الدولة العبّاسية ببغداد و المشرق، و دولة الفاطميين بمصر و إفريقية، و دولة الأمويين بالأندلس‏ (36).

و محاولة منه لطمأنة العلماء المحافظين يستشهد على هذا التقدّم بشهادة عالمين فرنسيين دروي‏DURUY وزير المعارف و سيدليوSEDILLOT أستاذ التاريخ بالكوليج دي فرانس‏ (37).

____________

(34) خير الدين، رجل دولة، مذكرات، 127.

(35) المرجع نفسه، 128، المقدّمة، طبعتنا، 157: إتحاف،IV ، 236، يروي ابن أبي الضياف قول القنصل البريطاني وودWood : «إن أردت دينكم الذي كان عليه سلفكم و به هدم في ثمانين سنة ما بناه الرومان في ثمانمائة سنة فهو المطلوب منحم و إن أردت تلوين فتاوي على حسب أغراض الملك فمعاذ اللّه أن يكون هذا دينا».

(36) المقدّمة، طبعتنا، 162.

(37) المصدر نفسه، 150- 162. لذلك قرظ رجال الدين كتاب أقوم المسالك: «يسرّنا أن يتمثل مجيبا لمن تشكّك من أهل أوروبا» رضوان، أنظر التقريظ 10 «تعريف الأجانب بحال شريعتنا المبرّأة ممّا كانوا ينسبون إليها». الورتتاني، أنظر التقريض 11.