الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة - ج1

- أوليا الشلبي المزيد...
616 /
3

الجزء الأول‏

الإهداء

إلى الصديق البحرينى‏

الدكتور سمير فخرو

أحد الأعمدة الأساسى‏

فى النهضة العربية المعاصرة

محمد حرب‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

تقديم‏

تعتبر رحلة الرحالة العثماني أوليا جلبى (توفى عام 1095 ه/ 1684 م) نموذجا فريدا غير مسبوق في تاريخ الثقافة الإسلامية. إن فوائدها كثيرة خاصة فى وصف البلدان، لقد تفوق أوليا جلبي الذي جاب 33 دولة من الدول القائمة آنذاك فى ثلاث قارات:

أوربا، و أسيا، و إفريقيا. و تحتاج هذه الدول معرفة هذه الرحلة لتكون أساسا فى تاريخها. فقد اهتم أوليا جلبى فى رحلته بوصف النظام الإدارى فى كل مكان ذهب إليه بدقة و تفصيل و قدم لنا معلومات عن مالية كل بلد يذهب إليه، و أخلاق أهل البلد و مدى قربهم أو بعدهم عن التدين. وصف المساجد بدقة و كذلك الكنائس و الأديرة و المعابد اليهودية بإحصائيات دقيقة مع إيراد تواريخها. هذه الإحصائيات التى قدمها لأوليا جلبى تشد الانتباه و تخدم علماء الاجتماع و علماء السكان أيضا. كما تعد رحلة أوليا جلبي مصدار هاما لدراسة الجوانب التاريخية و الحياة الاقتصادية و الاجتماعية في مصر العثمانية يعتمد عليها كل من أراد دراسة مصر فى القرن السابع عشر.

حدثني أستاذي بكير كوتوك اوغلو الأستاذ بجامعة استانبول، قبل ما يزيد على خمس و عشرين سنة، أنه كون لجنة لتحقيق رحلة أوليا جلبي، ففيها نقص كبير، و تواريخ متروكة، و فراغات، إذ مات الرحالة قبل أن يكتبها. و طلب بكير بك مني أن أشترك فى هذه اللجنة لتحقيق الجزء الخاص بمصر فى الرحلة. و حدثته عن ضرورة ترجمتها إلى العربية فرأى أن تحقق فى لغتها الأصلية و تستكمل علميا ثم ينظر في أمر ترجمتها. و لم يتم مشروع لجنة التحقيق هذه.

و لأن ترجمة الرحلة إلى اللغة العربية ضرورة، فقد توفر عليها، أسماء كبارنا، ذلك الجيل القيم: محمد على عوني و قيل إنه ترجمها و سلمها إلى الدكتور عبد الوهاب عزام‏

6

ليراجعها و راجع بعضها و ترك أغلبها ليراجها الدكتور أحمد السعيد و عدّل هذا فيها و بدّل فوجد نفسه فى النهاية أمام ترجمة جديدة من صنعه و من صياغته. و قيل إنه لم يسلمها لوزارة الثقافة المصرية، بل عهد بها إلى أحد أبنائه الأساتذة. كما قام كاتب هذا البحث بتكوين لجنة من الأساتذة الشبان المتخصصين فى اللغة التركية ليترجموا هذه الرحلة تحت إشرافي و كنت وقتها رئيسا لوحدة البحوث بمركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس بالقاهرة عام 1982 م، لكن لم يتم أحد من هذه اللجنة عملها إلا الدكتورة ماجدة مخلوف، و كانت وقتها مدرسا مساعدا.

و عندما تولينا- أي كاتب هذه السطور- رياسة المركز المصري للدراسات العثمانية و بحوث العالم التركي و البلقان سنة 1990 م، عهدنا إلى أستاذنا الدكتور حسين مجيب المصرى (عليه رحمة اللّه) بترجمة هذا العمل- أي رحلة أوليا جلبي، على ما في أصله العثماني من نقص، و عهدنا إلى مجموعة من الباحثين الشبان بمساعدته. و أنفق المركز على هذه الترجمة الشئ الكثير. و قد تطوعت الدكتور ماجدة مخلوف بمراجعتها و إكمال نواقصها. و لم نستطع نشر هذه الترجمة فى حينها لأسباب متعددة رغم أنه لم يكن لنا أى مطالب مادية فيها، إلى أن اضطلعت دار الآفاق العربية بنشر هذه النسخة الورقية من الترجمة. على كل حال، يظل أوليا جلبي، رغم كل هذا، قمة أدب الرحلات عند المسلمين.

أوليا جلبي: حياته و مسار رحلته‏

تعتمد معرفتنا لحياة أوليا جلبي. على ما دوّنه في كتابه الضخم ذي المجلدات العشر الذي سجل فيه رحلته.

غير معروف لنا اسمه الكامل و الحقيقي، و ربما يكون اسم أوليا جلبى نسبة إلى معلمه أوليا محمد أفندي. ارتحل أوليا جلبي داخل كل البلاد العثمانية و خارجها فى رحلة استغرقت حوالى الأربعين عاما. و قد سجل رحلته هذه و التي تعتبر نموذجا فريدا غير مسبوق في تاريخ الثقافة التركية و مازالت هذه الرحلة هامة حتى يومنا هذا.

7

و من خلال ما جاء فى هذه الرحلة من معلومات، نقول أن أوليا جلبي ولد في العاشر من المحرم عام 1020 ه- الخامس و العشرين م مارس عام 1611، في حي (اون قايا) أحد أحياء استانبول. كان والده- كما ذكر في بعض المواضع من رحلته- يدعي درويش محمد أغا، ابن درويش محمد ظلي أفندي، و كان هذا الأخير صائغ ذهب. (قيومجي) فى القصر السلطاني. و قد مال أوليا جلبي إلى المبالغة كثيرا في ما ذكره من أخبار في ثنايا رحلته. و من هذه (المبالغات) أنه كان يوجد في بيوتهم عند مولده حوالي سبعين من العلماء و الشيوخ، و قد تمكن بمددهم المعنوي أن ينجو بيسر و سهولة من كل ما صادفه في حياته من آلام و صعاب. و قد دون هذا كله ليذكر أن والده كان رجلا معروفا، و ما يؤكد هذا التصور، ما ذكره من أن والده اشترك فى فتح جزيرة قبرص، و أنه قد مفاتيح ماغوسا. كما أنه صنع بنفسه ميزاب الكعبة في زمن السلطان أحمد الأول، و حمله إلى الحجاز باعتباره أمينا للصرة. و اشترك في أعمال زخرفة باب و نوافذ مسجد السلطان أحمد، و أنه حظى بتقدير السلطان أحمد الأول لهذا السبب فرفع مكانته حتى أصبح (مصاحبا للسلطان). أما ما ذكره أوليا جلبي عن أجداده، فلايعدو أن يكون معلومات غير منتظمة. و يتصل نسب عائلته بأبناء كرميان، و يذكر أنه ينحدر من نسل الشيخ أحمد يسوي. و أن أحد أجداده و كان يدعي ياووز أر، كان بيرقدار السلطان الفاتح. و أن ياووز أر هذا قد ابتني من مال الغزو مائة دكان أوقفها كلها، و كذلك البيت الذي ولد فيه أوليا جلبي.

ذكر أوليا جلبي أن أجداده عاشوا في حي زره كان في كوتاهية. ثم جاءوا بعد الفتح إلى استانبول و استقروا فيها. و كانت عائلته تمتلك- علاوة على البيوت التي تمتلكها في كوتايهة-، منزلا في حي اينه لك، و آخر في بورصه، و في مغنيسيا، و مزرعة في صنديقا. و بعد استقرار عائلته في استانبول، امتلكت بيتين و دكانا في (أون قابان). و في مدار حديث أوليا جلبي عن هذه الممتلكات، يذكر أن له حديقة في قاضي كوي. أما أمه فكانت من الأباظه (الأبخار)، و ذكر أنه تربطه صلة قرابة من ناحية أمه بكل من ملك أحمد باشا، و دفتردار زاده محمد، و إبشير مصطفى باشا. و أن له أخ يدعى‏

8

محمود، و أخت اسمها إينال، و قد تزوجت أخته هذه من الياس باشا الباليكسرى الذي تمرد في زمن السلطان مراد الرابع.

تلقي أوليا جلبي تعليما جيدا، و واظب على تلقي العلم من خلال المدرسة لمدة سبع سنوات و ذالك في مدرسة شيخ الإسلام حامد أفندي. و انكب على حفظ القرآن على يد أستاذه أوليا محمد أفندي. كما تعلم فن الخط على يد والده، ثم انتسب إلى القصر و واصل تعليمه داخل الأندرون. كما تعلم الموسيقى بسبب جمال صوته. و استعان في هذا بدرويش عمر أفندى و استفاد منه. و بعد فترة، قدّمه إبراهيم أفندى الروزنامجي، و الخطاط حسن باشا، إلى السلطان مراد الرابع، و في هذه المقابلة رأى و للمرة الأولى «أمير كونه خان». و صار أوليا جلبى المسئول عن الكيلار الخاص بأمر من السلطان.

و هناك أتم تعليمه و تلقى دروسا فى الخط و الموسيقى و النحو و التجويد، و غير ذلك من المعارف.

و حسب قبول أوليا جلبى نفسه، أنه كان كثير التواجد في مجلس السلطان مراد الرابع، و كان يقص عليه اللطائف. و كان السلطان يستدعيه لمجلسه إذا ما اعتراه الضيق.

و لا شك أن الجو العام داخل القصر، لعب دورا هاما و إلى حد كبير في زيادة قدرته الأدبية، و معارفه، و قدرته على الملاحظة. و كان أوليا جلبي يطمح إلى أن يقضي حياته في التعلم، و لهذا ترك عمله في الأندرون، بعد أربع سنوات فقط قضاها ضمن السباهية براتب قدره أربعون أقجه.

و اعتملت لدى أوليا جلبي الرغبة في الرحلة للمرة الأولى، بسبب أحاديث والده التى كان يتكلم فيها عن عمله لدى الباشوات منذ زمن القانوني حتى زمن السلطان إبراهيم و وقائع الرحلات المختلفة التي استمع إليها من أصدقاء والده. و لا شك أن هذه الحكايات حركت لدى أوليا جلبى الرغبة فى السفر. و يذكر أوليا جلبي في كتابه، أن قيامه بهذه الرحلات، كان بسبب رؤيا رآها في منامه، في ليلة عاشوراء من شهر المحرم سنة 1040 ه (19 أغسطس 1630) و فيها رأى الرسول (عليه الصلاة و السلام) في جماعة في مسجد آخي جلبي بجوار يميش اسكله سي في استانبول، فاعتراه الانفعال‏

9

و هم يقبل يد رسول اللّه، و بدلا من أن يقول الشفاعة يا رسول اللّه، قال من فرط الانفعال «السياحة يا رسول اللّه» فتبسم له النبي و بشره بالشفاعة و السياحة و الزيارة (الحج) و دعا له الصحابة في هذه الجماعة، و تمني له سعد بن أبي وقاص أن يكتب مايراه. و قال له الشيخ عبد اللّه دده شيخ «المولوي خانه» في حي «قاسم باشا»، في تفسير هذه الرؤيا، «اتبع نصيحة سعد بن أبي وقاص، و ابدأ بالكتابة عن استانبول». بناء على ذلك قرر التجول في المدينة التي ولد و عاش فيها أولا، و كتابة كل مايراه. تجول أوليا جلبي في استانبول وطاف بأحيائها واحدا تلو الآخر، و جالس الناس في المجالس على اختلافها، و فى المقاهى و الحانات، و جمع المعلومات عنها. و كانت أول رحلة له خارج استانبول في عام 1640، و كانت إلى بورصه. و قد ذهب إليها بغير إذن من والده، ولدى عودته منها، أذن له والده بالرحلة مرة أخرى، و أوصاه بكتابتها. و ربما تمكن أولياء جلبى أثناء تجواله فى استانبول، من القيام برحلات إلى كوتاهية و مغنيسيا، و إزميد، لكنها كانت رحلات قصيرة بسبب ارتباطه بعائلته.

كانت أول رحلة لأوليا جلبي إلى بلاد بعيدة، ظفر بها من خلال وجوده مع كته نجي عمر باشا والي طرا بزون. فقد ذهب أوليا في معية الباشا إلى هناك عن طريق البحر، و منها توجه إلى عنابه. و أثناء وجوده هناك، اشترك في الحملة التى قادها حسين باشا لاسترداد قلعة آزاق سنة 1641 م. و لم تسفر الحملة عن شئ فتوجه إلى القرم و حل ضيفا على بهادر خان. و قطع الشتاء فى باغجه سراي. و في الربيع. اشترك في فتح الآزاق، ثم رجع من القرم إلى استانبول عن طريق البحر. و تعرضت المركب التي يركبها لعاصفة قوية و كادت أن تغرق. و بعد رجوعه إلى استانبول توقف عن الرحلات لمدة أربع سنوات و ربما كان هذا بسبب الخوف. ثم خرج للرحلة مرة أخرى في عام 1645.

و في هذه المرة اشترك في الحملة على كريت مع يوسف باشا. و شاهد فتح قلعة قانيه، ثم عادة إلي استانبول. و فى العام التالي رافق دفتردار زاده محمد باشا إلى أرضروم لدى تعيينه أمير أمراء عليها، و صاحبه أوليا باعتباره مؤذن و مصاحب له. و صار ضمن رجاله. و أثناء الرحلة زار بعض مدن الأناضول، و اشترك في حملته على شوشك،

10

و رافق رسول الصفويين لدى عودته إلى تبريز. و تجول في اذربيجان و كردستان، و طوّف بأنحاء باكو و تفليس و روان و كوموش خانه و طورطوف، و شارك في الحملات على كردستان. ثم نقل دفتر زاده محمد أفندي الذى أقام علاقة مع الباشوات المتمردين في تلك القري، من عمله هذا و عيّن في قارص، لكنه لم يهذب إلى عمله الجديد، و عندما خرج للعودة إلى استانبول، كلف أوليا جلبي بنقل رسائله أثناء قيام أوليا جلبي بوظيفته هذه، تعرف برؤساء الجلالية مثل قره حيدر أوغلو ممد و قاطرجي أوغلو محمد. كما عاصر تمرد واردار على باشا، و يفسح فى كتابه مكانا للحديث عن هزيمته على يد بشير مصطفى باشا، و مقتله. (سياحتنامه ج 2، ص 448- 452).

ثم ذهب أوليا جلبي في شهر أغسطس من عام 1648 إلى الشام بصحبة مرتضى باشا لدى تعيينه بكلر بك هناك، و من هناك تمكن نقل مرتضى باشا من الشام إلى سيواس، ذهب معه أوليا جلبي إلى سيواس، و تحايل بوسائل شتى حتى تمكن من السياحة في مدن وسط و شرق الأناضول، ثم رجع إلى استانبول سنة 1650.

و فى العام نفسه، و أثناء وجوده في استانبول اعتلى ملك محمد باشا منصب الصدارة و كانت تربط بينه و بين أوليا جلبي صلة قرابة و معرفة وطيدة، فكان ذلك واحدة من أهم نقاط التحول في حياة أوليا جلبي. فصار واحدا من أقرب الرجال إلى الصدر الأعظم.

لم يتردد في أن يسجل صراحة الوجه الآخر للأحداث التي شاهدها من خلال موقعه هذا. و سجل في كتابه أدوارهم في التمردات و المظالم التي وقعت. و كان قيام ملك محمد باشا بسك عملة مغشوشة للخروج من الأزمة المالية، سببا في تمرد أصحاب الحرف بتحريض أغوات الانكشارية، و بناء عليه تم عزله من الصدارة، و تم تعيينه بكلر بك في أوزي، مما أتاح السبيل أمام أوليا جلبي للسياحة مرة أخرى. فذهب برفقة ملك باشا إلى هناك. و خلال ذلك شاهد روسجق و سلتره، و بابا داغي. و اشترك في أعمال و كتابة و تحرير القرى و القصبات التى هناك. كما كان برفقة ملك أحمد باشا أثناء و توليه منصب بكلر بك الروملي. و لكنه رجع إلى استانبول في يوليو 1653 بعد عزل الباشا.

و ظل في استانبول لفترة طويلة. و ذات مرة حمل رسالة إلى ابشير مصطفي باشا في‏

11

قونيه. ثم عاد أوليا جلبي ليطوف مرة ثانية في دروب الأناضول بعد تكليف ملك أحمد باشا بمنصب بكلر بك، و ان. و أثناء هذه الرحلة تمكن من التجول في كثير من الأماكن فى شرق الأناضول كما تجول في أنحاء إيران و بغداد من خلال مهام مختلفة قام بها.

عقب هذا، ذهب مع ملك أحمد باشا إل أوزي مرة أخرى بمناسبة تكليفه بمنصب بكلر بك. و أثناء وجوده هناك، اشترك في الحملة المتجهة إلى راقوجزى، كما اشترك أيضا في الحملات التي شنها محمد كيراي الرابع، خان القرم ضد الروس و القازاق.

و بعد أن أقام فترة في استانبول، خرج في شهر ديسمبر من عام 1657، و تجول في بوصره و جناق قلعه و غاليبولي. و في عام 1659، أتيحت له الفرصة للسياحة مرة أخرى، و في هذه المرة انضم إلى القافلة المتجهة إلى إقليم ستيفانيتزا من البغدان.

و اشترك في هجمات متعددة مع فرسان القرم و في التحركات التي تمت لتأديب ميهنيان الثالث أمير الأفلاق المتمرد. و عقب عودته إلى أدرنه مباشرة، اشترك في حملة كوسه على باشا إلى واراد. و بعد هذا التحق مرة أخرى بملك أحمد باشا أمير أمراء البوسنة، و طاف بولاية البوسنة. و اشترك في كل التحركات العسكرية التي تمت في هذا الإقليم.

ثم ذهب إلى صوفيا أيضا مع ملك أحمد باشا، و تجول في الروملي بسبب تكليفه بمهمة جمع الضرائب. و فى هذه الفترة، اشترك في حملة كوسه على باشا على الإردل في صحراء طمشوار. (1661). و هناك، جال في الإردل مع جنود القرم. ثم ذهب إلى بلجراد لقضاء فصل الشتاء و عقب ذلك كلف بتحصيل المال فى الأرناؤوط (ألبانيا) عقب عودته إلى استانبول، كان أوليا جلبي يتحين الفرص للقيام بسياحة جديدة فاشترك في حملة فاضل أحمد باشا على النمسا فى عام 1663. و اشترك في كل مراحل هذه الحملة. و عقب فتح قلعة أويوار،- و حسب روايته- تجول في ديار كثيرة من بوهيميا حتى بلغ السويد و هولندا. ولدى عودته إلى بلغراد، حمل رسالة إلى سوخ راب محمد باشا في الهرسك. و هناك اشترك في التحركات التي جرت على طول حدود البندقية.

و بعد ذلك رجع إلى المجر، و حضر معركة رعب. و قد قدم معلومات مستفيضة عن هذه المعركة. (سياحتنامه، ج 7، ص 81- 120) و في عام 1664، ذهب إلى فيينا فى‏

12

صحبة السفير قره محمد باشا و طاف معه على القلاع التى تم فتحها حديثا و ذلك عقب معاهدة وارسوار، و كتب أوليا جلبي أنه التقي في فيينا بالإمبراطور ليوبويد الأول، و القائد مونته جوجوللي، و أنه ذهب إلى الدانمارك و هولند (1) و براند نبرج بإذن من الإمبراطور، و قال أنه طاف ببلاد كثيرة، لكن هذا أمر مشكوك في صحته.

و بعد فترة ذهب أوليا إلى القوقاز سالكا طريق القرم، فوصل حتى شواطئ الفولجا، و قال أنه بعد أن طاف بهذه الأماكن انضم إلى قافلة و رجع إلى قلعة آزاق، ثم ذهب من كفه إلى باغجه سراى، و اشترك في بعض الحملات التي قام بها عادل كيراي. و في مايو 1668، رجع أوليا إلى استانبول. و فى شهر ديسمبر من العام نفسه طاف بمدن الروملي مثل أدرنه و كومولجنه و سلانيك. ثم ركب البحر من الأناضول إلى كريت و فى تلك الأثناء كانت قلعة قنديه في كريت مازالت تحت الحصار، فشاهد بنفسه كل صفحات هذه الحصار، و سجل أحداثه في رحلته، و كتب «فتحنامه قنديه» و تجول أوليا في كريت و قدم معلومات مفصلة عنها. ثم رجع من هناك إلى المورة و اشترك في التنكيل بمتمردي «فانبوت ثم ذهب إلى بلاد الأرناؤوط (ألبانيا) و طارق بها، ثم رجع إلى استانبول في ديسمبر عام 1670. ظل أوليا في استنابول بضع شهور، ثم قرر أن يؤدي فريضة الحج الذي كان يتحرق شوقا إليه منذ أمد، فقرر الارتحال مرة أخرى. و ارتبط خروجه للرحلة هذه المرة برؤيا رآها في ليلة القدر عقب عودته من زيارة قبر أبو أيوب الأنصاري، فقد رأي في منامه، والده، و شيخه محمد أفندي و أوصياه بالحج فخرج من استانبول لهذه الغاية برفقه صديقه سائلي جلبي، و ثلاثة من الرفاق و سبعة من الخدم، و ذلك في مايو من سنة 1671. و كانت هذه الرحلة هي الأولى التي يرتحل فيها في رحلة طويلة بدون أن يلتحق بقافلة، إنما خرج مع مجموعة محدودة من الرجال. لهذا اختلف مساره في الرحلة عن ذى قبل. فقد مر ببورصه و كوتاهية وافيون و منها إلى إزمير، و من هناك ذهب إلى جزر صاقيز و سيسام، ثم رجع ثانية إلى غرب الأناضول، فطاف بسواحل آيدين و منتشا و جزر استان كوي و رودس، و كتب معلومات عنها استفاد فيها من دفتر خانة رودس. (سياحتنامه، ج 9، ص 256.) ثم انتقل أوليا من رودس إلى الأناضول،

13

و زار مدن جنوب الأناضول التي لم يتمكن من زيارتها من قبل، و تجول في اطنه و مرعش و عينتاب و كليس و منها ذهب إلى سوريا. و في الشام التحق بقافلة أمير الأمراء حسين باشا و توجه إلى الحج. و قد سجل في كتابه، على حده، مسار رحلته للحج.

و بعد أدائه للفريضة، ذهب إلى مصر. و سنحت له الفرصة و هو في مصر ليطوف بالمنطقة كلها فذهب إلى السودان و الحبشة. و لعله خص لهذه الديار الجزء العاشر و الأخير من رحلته، و الذى كتبه فى مصر. و نتبين منه أنه قضى فى هذه المنطقة مدة تربو على عشر سنوات، و ذكر أنه أثناء إقامته في مصر، انعقدت الصداقة بينه و بين الأمير أوبك بك، و قد احتوى الجزء العاشر محصلة هذا. لكن النسخ التي كتبها من هذا الجزء انتقلت إلى استانبول بعد إهدائها إلى الحاج بشير أغا، أغا البنات المشهور في زمن السلطان محمود الأول. ثم انتهي الجزء العاشر من رحلة أوليا جلبي بدون أن يكتمل، لهذا فإن التصور هو وفاة أوليا جلبي قبل أن يضع نهاية كتابه، و ليست هناك معلومات مؤكدة عن مكان أو تاريخ وفاته. و قد ذكر جاويد بايصون أنه بناء على المعلومات الواردة في نهايات الجزء العاشر من الرحلة، تكون وفاة أوليا جلبي في حوالي سنة 1093- 1682 م (دائر المعارف الإسلامية، ج 4، ص 406). لكن هذه المعلومة تم تصحيها بعد ذلك حيث و محتمل أنه كان على قيد الحياة عام 1905 ه- 1684 م، و أنه أدرك حصار فيينا للمرة الثانية. كما أن هناك أقوال بأن وفاته كانت بعد عودته من مصر إلى استانبول. و يقال أن قبره موجود في مدافن أسرته بجوار قبر (ميت زاده).

ثم يتزوج أوليا جلبي. و نتبين من كتابه أنه كان ماهرا في الفروسية، و لعب الجريد، و كان دؤوبا نشيطا، عذب الصحبة، له في مجالسه لطائف يتوق الجالسون إلى سماعها، و رغم معرفته الجيدة برجال الدولة في عصره، إلا أنه لم يحرص على المناصب و لم يسع إليها. و أوقف حياته كلها على السياحة. و كان يجد في الوظائف التي شغلها كأن ينقل الرسائل أو يقوم بتحرير (كتابة) القرى، و يجمع الضرائب عونا له في القيام بهذه الرحلات، و كان في بعض الأوقات ينضم إلى موكب أحد السفراء ليرتحل و يجد في هذا فرصة للقيام برحلة مأمونه. و كان ثراء عائلته يؤمن له نفقات رحلاته الطويلة، فكان‏

14

يأخذ معه خدامه و عبيده بل و أصدقاءه. و كانت العطايا التي يحصل عليها مقابل أدائه بعض الخدمات، و الأموال التي تتوفر له من بيع غنائم الحملات التي اشترك فيها كل هذا كان يوفر له مصادر إضافية للمال. كما أن انضمامه إلى بعض الهيئات الرسمية كان يعفيه من نفقات بعض الرحلات.

و مثّل ملك أحمد باشا دورا هاما في رحلات أوليا جلبي، سواء أثناء توليه منصب الصدارة أو أثناء شغله وظيفة أمير الأمراء في أوزى و البوسنة و الروملي و وان و ديار بكر، حيث أن أوليا جلبي لم يفارقه في أي منها. و بذلك تمكن من التجول في مناطق كثيرة من الأناضول و الروملي. حتي أنهم وصفوه بلقب «المنسوب إلى ملك أحمد باشا».

و اكتسب أوليا جلبي من رحلته التي قاربت نصف قرن من الزمان، تجارب و معارف لا نهاية لها. فكان شاعرا و خطاطا، و مزخرفا و عارفا بالموسيقى. و قد أكد مواهبه في مواضع كثيرة. و قد قام بكتابة الخطوط التي على الحرم الهمايوني على النسق القره حصاري. كما أنه عبر في كتابه، عن الانبهار الذي شعر به أمام الكتب المذهبة و ذات المنمنمات التي شاهدها في مناطق ترحاله. و كانت له روح رقيقة متصوفة يصف نفسه بأنه «أوليا بلاريا» (أوليايي بي ريا) و بسبب تواضعه التف حوله الكثير من الأصدقاء.

فضمت حاشيته الولاة و القادة. لكنه لم يتراجع عن توضيح ما لمسه فيهم من نقاط للضعف. و يغلب علي أوليا جلبي في كتابته حسن التعبير. أما أسلوبه، يجذب القراء رغم ما يبدو فيه من أخطاء نحوية متناثرة. و نجد فيه بعض الأشكال التي لا تتواءم في فهمها مع لغة الكتابة. و قد أعطى أوليا جلبي أهمية خاصة لأشكال الحديث و اللغة بين الاناس في الأماكن التي طاف بها. و هو بعبارته البسيطة و تعبيراته الصادقة التي كتبها و كأنه يتكلم، ظهر و كأنه يخاطب بها كل إنسان. و قد رأي بعض الباحثين في سياحتنامة هذه أنها مذكرات. و كان أوليا جلبي كثيرا ما يدنو من الأحداث بصورة أخّاذة. و لا يتورع عن تقليد من يلتقي بهم من شخصيات. و كان أحيانا يروي حادثة أو خبر مصطنع لكي يجعل الشئ الذي ينقله أكثر إثارة (تلونا). كما يبدو و قد أفسح مكانا للغريب من الوقائع التي لا تتفق مع العقل بغرض جذب اهتمام القارئ. مثال ذلك أن القرية التي يمر

15

منها الأفيال، تقوم النساء فيها بتوليد الأفيال. و المغامرات التي تقص أنباء الغيب، و الأطباء الذين يعالجون الأمراض التي لاعلاج لها، و ما شابه ذلك. و يصيغ كل هذه الأشياء غير العادية بأسلوبه و شرحه الجميل، حتى أنه يمكن القول إنه اجتهد بهذا النوع من الحكايات التي تثير اهتمام قطاع كبير من الناس، و أن يضفي على كتابه مسحة شعبية. و دفعته رغبته فى أن يترك أثره فى الأمكان التي يمر بها- إلى جانب تواضعه- إلى أن يكتب على جدران المنازل «الفاتحة على روح أوليا» فقد كان صاحب دعابة.

و حسبما نتبين من كتابه، كان أوليا جلبي يحب أوقات المرح، كما كان صاحب ذوق. و لا شك أنه لهذا تأثير فيما كتبه و ذكره من وقائع غريبة و لطائف. و كان أثناء تجوله في كل شبر من استانبول، يخالط رواد المدارس و الحانات و رواة المأثورات الشعبية، كما تعرف على أرباب الحرف فيها و صادقهم.

مسار رحلة أوليا جلبي‏

تضمن كتاب سياحتنامه أوليا جلبي بمجلدته العشر، الأحداث التي شاهدها أوليا جلبي في الأمكان التي تجول بها، و يعتبر بمثابة كتاب شامل و هام في تاريخ الثقافة التركية .. و هذا الكتاب المعروف باسم سياحتنامه أوليا جلبي، و باسم أوليا جلبي سياحتنامه سي، تحمل بعض النسخ منه اسم «تاريخ سيّاح». و الجزء الأول منه يصور استانبول، و الثاني يصور بورصه و إزميد، و بارطين، و أماصرا، و إبنه بولو، و سينوب، بافرا، و صامصون، و كيره سون، و طرابيزون. كما يقدم معلومات عن كرجستان و ديار الأباظه، و حملة كريت و فتح قلعة خانيه، و دوزجه، و بولو، و كرهده، و أماسيا، و نيكسار، و أرضروم، و أرزنجان، و شبنقره و حصار، و مرزيفون، و جوروم. و في الجزء الثالث يأخذ بالحديث عن اسكيشهر، و ليكين، و قونيه، و أولوقيشله، و باياص، و الإسكندرون، و أنطاكيه، و حما، و حمص، و الشام، و يافا، و بحر لوط، و الرمله، ثم قيصري، و سيواس، و موش، و عرب كير، و خربوط، و بينكول، و مدن برغاز، و براوادي، و شومنو، هزار جراد، و روسجق، و يركويي، و نيبولو، ثم يصف أطراف‏

16

أوزي، و كستانجه، و باباداغي، و زغره العتيقة، و فلبه، و تاتار بازارجق، و صوفيا، و جسر مصطفى باشا، و أدرنه. و في المجلد الرابع يقدم معلومات عن ديار بكر، و ماردين، بتليس، وان، و من إيران رومية و تبريز، و همدان، و كرمان‏شاه. في المجلد الخامس يبدأ أوليا جلبي بوصف ما رأه في مساره من إيران إلى بغداد، و من هناك إلى سعرد، و مروره بطوقاد أثناء عودته إلى استانبول. بالإضافة إلى أنه في هذا المجلد يصف الطريق إلى اوزي، و يصف وارنه، و إسماعيل، و آق كرمان و بندر، و حملة لهستان (بولندا) التي اشترك فيها من هناك، و أوكرنيا، و بروت، كلبورن، و رحلة الأنضول التي خرج فيها مع السلطان محمد الرابع بعد عودته إلى استانبول، و الوقائع المتعلقة بأباظه حسن باشا رئيس الجلاليين. و الأماكن مثل القلعة السلطانية و بوزجعده، غاليبولي، و بولاير، و كاشان، و القره، و البوسنه، و اسكوب، و مناستر. و في المجلد السادس يبدأ أوليا جلبي بذكر الحملة التي خرج فيها إلى الإردل برفقة كوسه على باشا، و يمر ببلاد الصرب، و المجر، و رومانيا. و يتكلم عن المدن التي في هذه البلاد. و في المجلد السابع، يصف الذهاب إلى فيينا مع سفارة قره محمد باشا، و يصف قانيجه، و استويني، و بلجراد، فيينا و قلاعها، ثم الوصول إلى المجر و بودين، و طمشوار، و ولايات الأفلاق و البغدان، و الأقوام في ولاية القازاق، و القرم و داغستان، و القوقاز، و لغاتهم، و أعرافهم، و عاداتهم .. و في المجلد الثامن، و يصف العودة إلى استانبول من الآزاق عبر طريق كفه، و باغجه سراي، و قيل بورون، و آق كرمان و إسماعيل، و بابا داغي، و خاص كوي، و أدرنه و ديماطوقه، و كومولجينه، و دراما، و سلانيك، مرورا من الزوره و خانيه، كما يتكلم عن ما بعد اشتراكه في فتح قنديه، فيذهب إلى الأرناؤوط، و من هناك يصف العودة إلى استانبول من فوق يانيه و تبه دالن، و بولونيا، و دراج، و ايلباصان، و اوهري، و رسنه، و مناستر، اشتيب، و جسر مصطفى باشا و أدرنة. و فى المجلد التاسع، يصف المدن الواقعة على الطريق الطويل الممتد من استانبول إلى مكة و المدينة، و غرب و جنوب الأناضول و سوريا. أما الجزء العاشر فكله خاص بمصر، و تناول فيه الأقاليم القريبة من مصر، و شواطئ النيل، و السودان و بلاد الحبشة.

17

مسار رحلة أوليا جلبي في مصر، كما وردت في رحلته‏

القاهرة- شبرا- بطن البقر- قنطرة الملك الطاهر- مصر خيم- عفريت- تفاحية- مبهوم- شبرتين- زفتي- ميت غمر- سرسنه- منوف- سرسنه- طوخ النصارى- طنطا- محلة مرحوم- ايبار- نهاريه- بلدة القبيلة- بلدة الفرزدق- محلة صال (محلة قلبية)- محلة أبوعلى- بلدة المجنون- دسوق- مرقص- رحمانية- داودية- سنهور- دمنهور- حوش عيسى- مدينة العقّاب- دمنهور- جبل قاسم بك- بصطيره- رزقون- زاوية الجنزال- ناصرية- سنتاويه- برسك- نحل- أبو خضر- قراوي- قافلة- دشوش- بركه- رويجب- لقون- بركه- جريون- مولّضفي- اقريش البستلقون البيضا- جنان- الإسكندرية- أبو قير- ادكو- رشيد- الإسكندرية- عزبة المغدي- هدية- محلة الأمير- برمبال ديّه- ادفينا- محلة مطوبس- جمشيره- فزاده- ديروط- سنديان- عاطف- فوه- شرف- شرمباي- مالك- شموخزاد رحمانية- إبراهيم الدسوقي- أبو على- مركز- دية البير- شبراخيش- شبريش- ميت جناح- كفر جديد- نقله- فرزدق- اشلميه- طاهريه- كفر الزيات- شبوج- سلمون- كفر النحا- كفر جديد- أبو أحمد- البحيرة- زايره- طنوب- طيرنه- علقمة أبو الجاوي- طماليه- جزي- طراره- زاويّة- أبو نشانه- إشمون جريس- كفر شركس- قوطه- أم دينار- شيراوي- دراري- بارودخانه- شبرا- الورّاق- امبابة- بولاق- العزبه- عزبة الحاج- البرلس- بلطيم- السنانية- دمياط- تينه- فرص فارسكور- كفر السليمانية- شرباص- ميت أبو غالب- رأس الخليج- أبو عبد الله- طهربة- بشاط- دنجي- مساط- شربين- بدوي- بترا- درمبال- دياسط- خياريه- قاش- المنصورة- المنزله- طلخا- الشيخ رمضان- ميت خميس- ميت الغرقي- ميت ويش- ميت عساس- ميت نورسي- ميت المنيا- سمنهود- أبو على قيطاس- أغا- محلة الكبير (المحلة الكبرى)- سمنود- أبو الحارث- أبو صير- ميت برقع- بريه- المنظره- ميت بدر- ميت دمسيس- ميت أنسا- سنباط- شرنجي- دنهور- غمار- رفتي- المعصرة- غريب- صهريج-

18

مسيد- صيد- عز- هارون- صفين- تغني- سندي- بريّ- أشمون- مويش- ملاو- بنها- بطاي- رمبلي- أبو الطوافتي- العطار- سيدي- خصر- عطف- طخلا (طلخا)- جوخ (طوخ)- عفيف- طنط- برشمس- برسوم- أبو شعره- قليوبية- شبرا- شروي- شبرا- القاهرة- البساتين- المعدية- محنط- قهوه‏خانه- دلي حسين باشا- الزاوية- كوم الدير- ميمونه بني سويف- الفشن- أبو جرجو- كليس (قيس)- سمنود سعيد- المنيا أشمونين- ملاوي- دار شيد- صنبو- منفلوط- أسيوط- شطوب- جبل الطير (طيلمان)- أبوتيج- الشيخ بن عابد- طما- الجزيرة- سوهاج- المنشية- جرجا- خالد- جمادي- مزار- بلابيش- فوحة على- قنا- القصير- أنبوت- قوص- شمونين- طوت- شفارس- أم على- حجيزه ردسي- شبيكه- سلسلة- إدفو* * * كوم سياه- كوم امبو- سنباص- أسوان- الشلال الأول- علوي- باب النوبه- قلعة إبريب- كنوزين- مهريه- كلابشه- أبو خور- سنيال- قشطامينه- كورد- وادي العرب- أزرق- إبريم- وادي حلفا- إبريم- سبوع- كنوز- طمانيس- رقبه- كرخ عرباني- حمام فرعون- باجه- إدفو- حجيزه- جعفري- كلخ- فرشوط- سمنهو- برديس- أسيوط- هركه- قلمون- ألواح- البهنسا- لاحون- الهوارة- الفيوم- كاميا- خان القهوة- أطفيح- الجيزة- القاهرة- الإسكندرية- القاهرة- سبيل علام- المطرية- عين شمس الخانكة- مشيره- دراعم بابيس- رني- قرين- ستاره- الصالحية- قرين- على- القاهرة- الإسكندرية.

مصادر رحلة أوليا جلبي‏

يقول أوليا جلبي في مقدمة رحلته في مصر:

«و بينما كنت أبحث عمن أقام تلك الأبنية ذات الطلاسم، و تلك القصور العالية رجعت إلى مالا يحده الحصر من التواريخ القيمة، و هذا بيان بعناوينها:

1- تاريخ المقريزي و هو كتاب عظيم مشهود له بصحته التاريخية، و هو مستخدم من‏

19

كتب قبطية و سريانية، و دهلوية و مغولية و لاتينية و يونانية و يتقبله الخاص و العام بقبول حسن. 2- تاريخ ابن جرير الطبرى صاحب التفسير القديم و هو تاريخ نفيس. 3- تاريخ الشيخ الإمام السيوطى، و هو تاريخ له ماله من عظيم قيمته. 4- تاريخ صابئة. 5- كتاب فتوحات مصر لابن عبد الحكم. 6- كتاب فضائل مصر لابن الكندي. 7- كتاب ابن زولاق (فضائل مصر و أخبارها). 8- كتاب خطط القضاع. 9- كتاب إيقاظ المتغفل لتاج الدين محمد بن عبد الوهاب الزبيري. 10- كتاب مناهج الفكر و منهج العبر. 11- كتاب عوان عنوان السير. 12- كتاب المسالك لابن فضل اللّه. 13- كتاب الإصابة في معرفة الصحابة. 14- كتاب الرجال العشرة للحسيني. 15- كتاب طبقات الحفاظ للذهبي. 16- كتاب طبقات الشافعية للسبكي. 17- كتاب طبقات المالكية لابن فرحون. 18- كتاب طبقات الحنفية لابن دقماق. 19- كتاب مرآة الزمان لابن الجوزي. 20- كتاب البداية و النهاية لابن كثير. 21- كتاب إنباء الغمر بأنباء العمر لابن حجر. 22- كتاب الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد. 23- كتاب السكردان لابن حجلة. 24- كتاب سجع النهرين في أوصاف نهر النيل. 25- كتاب ثمار الأوراق لابن حجة. 26- كتاب تواريخ الشهاب جلبي ترجمة لكتاب حسن المحاضرة «للشيخ السيوطي. 27- تاريخ محمد جلبي.

ثم يقول أوليا جلبي:

«علاوة على تلك الكتب السالف ذكرها قرأت كثرة من الكتب و الدواوين في مصر.

و هكذا يوضح أوليا جلبي للقارئ الكتب و المصادر التي اطلع عليها قبل زيارته لمصر ثم يوضح أن هناك كتبا أخرى استعان بها و قرأها فى مصر.

أما عن طريق تعامل أوليا جلبي مع المصادر فقد اختلفت من مصدر لآخر، حيث أن هناك مصادر مفضلة بالنسبة له اعتمد عليها اعتمادا كبيرا في أغلب فقرات كتابه و لتوضيح ذلك على النحو التالي:

أولا: يقول أوليا جلبي عن مصادره المفضلة.

20

«و ليعلم من يطلعون عليها (يقصد رحلته) أن ما في رحلتنا هذه من أخبار و أحداث مستمدة من خرائط علوم الهيئة و الأطلس و الجغرافية و تواريخ القبط و تواريخ اليونان و علم النجوم و بعض العلماء ذوي العقول الراجحة.

و من أمثلة استعانته بتلك المصادر التى ذكرها يقول:

و بناء على تواريخ اليونات أن مصر أول بلد عربى على وجه الأرض تميز بالعمائر العظيمة و الأخرى بغداد و الصين و عراق الداديين و هذه المدن الأربعة تشكل السوء الأعظم من العالم.

«و بناء من أمثلة اعتماده على تواريخ الصابئة و هي من المصادر الأساسية له خاصة في فترة التاريخ القديم منذ هبوط آدم، و أخبار و سير أبنائه يقول: «و جاء في تواريخ الصائبة أن إدريس كان له في علم الكتاب اليد الطولي و القدم الراسخة، و كانت له معرفة بكل ما في الوجود من شئ، و يحرز جميع الوقائع في يوميات و يحفظها في جبال الأهرام».

أيضا اعتمد على تواريخ القبط فقال في إحدى فقراته التى نقلها عن هذه التواريخ و هي خاصة بدعاء سيدنا آدم (عليه السلام) لمصر يقول أوليا جلبي: «أما دعاؤه لمصر، الذي أخذت ترجمته عن التواريخ القبطية فسوق نكتبه في مجموعتنا تلك. دعاء سيدنا آدم (عليه السلام) صفي اللّه في حق مصر بلسان كلام اللّه العبري «صام اللهم طط زد لم يتم إيما نمي حوز جيرز باشيطا لأن صقله فلازريبا قورتا ربني قورتا بني (مصرع ثاني) شوزم تراكن جملة ملكلرك طرز و لم شريزتنا بكا خذمت اتسنلر.

و عن مصادر في المعلومات الجغرافية كان «بطليموس» هو المفضل له حيث يقول:

«و على حد بطليموس الحكيم على وجه الأرض مئتا نهر عظيم و أربعة و أربعون ألف عين جارية».

هذا بالنسبة للتاريخ القديم، و النواحى الجغرافية، أما عن تاريخ مصر الإسلامية فإن أهم المصادر التى اعتمد عليها هو كتاب تاريخ المقريزي و الذي نقل عنه الكثير و استشهد به في كثير من مواضع كتابه، بل و مدحه قائلا:

«و قد اطلعت على كتب التاريخ و منها كتاب المقريزي القيم، إنه واسع العلم بالعربية و السريانية، و القبطية، و اليونانية، و كأنه في كثرة سياحاته فيثاغورث و قد تحدث عن أول من بنى مصر القديمة و كان ما قاله صحيحا، و هو القائل إن آدم استوطن مصر ثم أمره‏

21

اللّه بالتوجه إلى الشام، و كان لشيث ولده اسمه (غرياب) و ابنه نقراوش، و كان نقراوش هذا متضلعا في جميع العلوم، و قد أحب نقراوش هذا و سماه «مصرايم» و أمره بتعمير مصر و مضى آدم إلى الشام لزراعتها و من أسرة «نقراوش» هذا سبعون عادروا الديار فرارا من ظلم قابيل ...»

و يقول أوليا جلبي عن المقريزي في موضوع آخر من كتابه إنه مؤرخ العالم و هذه المبالغة فى مدحه إنما لشدة إعجابه به و أخذه عنه فيقول:

«يقول مؤرخ العالم الشيخ المقريزي: إنه لا يخلو ذراع من أرض مصر من كنز قديم».

و هكذا تكرر استشهاد و نقل أوليا جلبي الكثير من تاريخ المقريزي. و من المصادر التي اطلع عليها أوليا جلبي كتاب تذكرة داود، و يبدو أنه من الكتب التي اطلع عليها في مصر حيث إنه لم يذكره في المصادر التي ذكرها بداية كتابه يقول أوليا جلبي عن عصير العرقسوس: «و قد بذكر داود في تذكرته سبعين فائدة له، و من أعظم فوائده أنه يطهر المثانة و يدر البول».

و من المصادر التي اعتمد عليها أوليا جلبي خاصة في ذكر الفتح الإسلامي لمصر كتاب فتوح مصر و أخبارها لابن عبد الحكم و إن كان ما أخذه عنا بن عبد الحكم قليل فهو لم يذكه كما يذكر المقريزي و قد أخذ عنه ما يلي:

و بناء على قول بن عبد الحكم (رحمه اللّه): إن جبل خليل الرحمن في القدس و جبل طور سيناء و جبل ينبع و عرفات و إلي ساحل نهر مراد و الرها و حلب و ريح و من اللاذقية إلى ساحل البحر حتى مصر كل هذا أرض مقدسة، هذا قول ابن الحكم.

و يبدو أن أوليا جلبي لم يكن ينقل نقلا تاما عن هذه المصادر و إنما كان يصيغ ما يأخذه منها بأسلوبه، فقصة زيارة عمرو بن العاص لمصر في الجاهلية مقارنة بما جاء في رحلة أوليا جلبي فوجدته يتفق في المضمون مع ما جاء في كتابي فتوح مصر لابن عبد الحكم و ما جاء فى كتاب حسن المحاضرة للسيوطى و لكنها تختلف بعض الشئ في صيغتها كما أنها أكثر اختصارا فى رحلة أوليا جلبى.

و مما يؤخذ على أولياء جلبي أن سرده للجزء التاريخى المتعلق بفتح مصر فى عهد عمر بن الخطاب يتسم بالسطحية حيث لم يأخذ عن ابن عبد الحكم إلا ما ذكرناه سالفا

22

مع العلم إن ابن عبد الحكم مرجع المؤاخين القدامى فى كتابه حسن المحاضرة. أيضا لم يحدد المصدر الذى رجع إليه فى الأحداث المتعلقة بهذه الفترة.

و من المصادر الأخرى التى اطلع عليها و ذكرها كتاب معجم البلدان لياقوت الحموى، و الذى نقل عنه كثيرا من المعلومات الخاصة بالطوفان و مصر، و أبناء نوح (عليه السلام)، و كتاب ابن ظهيرة الفضائل الباهرة فى محاسن مصر و القاهرة.

أيضا من المصادر التى اطلع عليها و ذكرها فى ثنايا كتابه و لم يذكرها فى بداية كتابه عند ذكره للمصادر كتاب مروج الذهب للمسعودى، و كتاب النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى، و كتاب عبد الوهاب الشعرانى أحد أقطاب الصوفية فى مصر العثمانية، و قد اعتمد أوليا جلبى على كتابه لواقح الأنوار فى طبقات الأخيار أو ما يعرف بالطبقات الكبرى، و كتابه البداية و النهاية لابن كثير. أيضا اعتمد على كتب التفسير فاستخدم تفسير الطبرى، و تفسير ابن كثير، كما استخدم العديد من كتب الحديث كان أهمها كتاب الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن يزيد القزوينى المعروف بابن ماجة المتوفى سنة 275 ه/ 888 م كذلك صحيح مسلم.

يؤخذ على أوليا جلبى قوله فى كثير من الفقرات التى ينقلها:

و بناء على قول كثير من المؤرخين أو بناء على قول كثير من المفسرين أو أجمع المؤرخون دون تحديد مصدر نقل عنه أو تحديد من هم هؤلاء المؤرخين أو المفسرين و الأمثلة على ذلك كثيرة منها. قوله «و هذا ما اجتمعت عليه كلمة جميع المؤرخين»، أيضا قوله «و بناء على قول جميع المفسرين و المؤرخين» و فى ص 29 «أجمع المؤرخون على القول الصحيح و هو أن مصر دخلت فى حوزة أمة محمد عبد وفاة النبي (صلى الله عليه و سلم) بثمانية عشر عاما».

و هكذا تكثر هذه المقولة فى كتابه أوليا جلبى و كان الأفضل أن يذكر اسم كل مصر ينقل عنه.

و رغم ذلك نجد أوليا جلبى يتميز بتحليل و مناقشة أراء غيره و مقارنة بعضها ببعض فى كثير من مواضع كتابه مثل قوله: «و من الخطأ قولهم إن الفيّوم من ألف يوم، و إن‏

23

و فى تفسير قوله تعالى «مثل جنة بربوة» يقول بعض المفسرين إن المقصود بالربوة مصر كما قال بعضهم الآخر المراد بها دمشق، غير إن جمهرتهم قالت إن المقصود بها مصر».

و يقول فى موضع آخر مناقشا و مفندا أراء بعض المؤرخين:

«قال بعض المؤرخين إن حديقة إرم هى مدينة الإسكندرية، أما المقريزى صاحب الخطط فيقول: إن حديقة إرم فى أرض بجوار مصر تسمى «سبيل علام» و قد أخفاها اللّه حتى قيل إن جواهر وجدت فى سبيل علام، و قد رأيتها تباع بألف قرش، و بناء على قول بعض المؤرخين إن حديقة إرم بالقرب من دمشق أن أعرابيا أنخ بعيره فرأى الجنة و ذلك فى عصر بنى أمية، و ملأ مخلاة بمثار أشجارها و أحجارها و حملها إلى الخليفة فى دمشق و عرضها عليه، فعلم أن حديقة إرم بالقرب من دمشق، و قال كثر من أهل العلم أنها مصر لأن بانيها شداد بن عاد و وطنه الأصلى مدينة أسوان و قالوا إن حديقه إرم فى مصر على الأرجح» و عن نقده لآراء غيره يقول فى ذكره لمعركة مرج دابق بين السلطان سليم خان العثمانى و السلطان الغورى» و يقول بعض المؤرخين إن الغورى قتل فى هذه المعركة، و لكن هذا ليس بصحيح فمن المحقق أنه عاد إلى مصر و حشد جيشا. و يؤخذ عليه هنا أنه لم يأت بالأدلة و البراهين التى تؤكد على صحة ما قاله.

و من أمثلة نقده و تحليله ما جاء بشأن مدينة القسطاط: يقول: «و يسميها القبط الفسطاط، و لقد أصبحت مدينة معمورة عظيمة إلى عهد الطوفان، و هي الآن كذلك مدينة عتيقة، و الأحجار التى فيها كبيرة كأنها أحجار الهرمين، و طول الحجر عشرون و عرضه خمسة عشر ذراعا، و فى الأبنية الأثرية حجارة كثيرة كأنها الهرمان، و كل حجر يبلغ فى الطول و العرض عشرين و خمسة عشر ذراعا، و قد رآها بعضهم، فقالوا إنها من بناء الجن، لأن بنى الإنسان لا يقدرون على حمل هذه الأحجار، أما من يعارضون فى هذا فليس لديهم من خبر و لا علم، فما وجد بعد هبوط آدم من الناس من له مثل هذه القوة، و كان طول كل إنسان مائة ذراع، أما الآن فلا يتجاوز طول الإنسان ذراعين أو ثلاث أذرع، و لكن بواسطة آلات الرفع يستطيع أن يرفع جبلا، و يستطيع نقله من مكان‏

24

القوة، و كان طول كل إنسان مائة ذراع، أما الآن فلا يتجاوز طول الإنسان ذراعين أو ثلاث أذرع، و لكن بواسطة آلات الرفع يستطيع أن يرفع جبلا، و يستطيع نقله من مكان إلى آخر، و من يعارض فى ذلك لا علم له و لا خبر لديه عن علم جر الأثقال و ليعلم أيضا أن (زحمة الرجال تقلع الجبال).

أما عن مصادر أوليا جلبي الخاص بالإحصاءات و الأعداد التى ذكرها فى كتابه فيبدو أنه اطلع على سجلات خاصة بذلك و قد ذكر فى كثير من مواضع رحلته أنه أخذ هذه الإحصاءات عن ما يسمى بسجلات الغزالى حيث يقول:

«بناء على ما سلف ذكره، و بناء على ما ذكره الغزالى عن مصر أم الدنيا ففى مصر 740 حيا للمسلمين و فيها 78 قصرا لسلاطين السلف و أن اللسان ليعجز عن وصف كل منها فعلى شط بركة بركة الفيل قصر السلطان قايتباي و فى قلعة الكبش قصر السلطان جاولى و أسفله قصر محمد بك، و قبالته قصر نذير أغا و قصر رضوان بك أمير الحج و قصر يوسف بك أمير الحج الأسبق، و قصر الشيخ السادات و قصر بيقلى محمد بك و قصور نوالى بك ... على هذه القصور (22000) بيت للمسلمين، أما القبط فلهم 20 حارة و 600 منزل و عددهم 9000 قبطى يدفعون الخراج و يحصله أمين البحرين، و اثنتان و عشرون جماعة يهودية تشكل حارة واحدة ... و بيوتهم من خمسة أو ستة طوابق 000 و عدد اليهود 6060 نسمة يدفعون الخراج و هناك أربع حارات للأورام و حارتان للأرمن و مجموع سكان الروم و الأرمن 3000 نسمة يدفعون الخراج، و النصارى من التابعين لبلدان أوربا أو الدولة العثمانية فيتراوح بين 6000- 7000 نسمة، و لا وجود لغجر الأورام، أما جميع أهل مصر فهم قوم فرعون، و على حافة البركة حارة لنصارى أوربا و فيها مراكز لقناصل سبع دول أوربية بها 3000 من نصارى أوربا.

و يقول فى موضع آخر: و طبقا لما ورد فى كتب «الغزالى» فإن ذكر جميع المساجد أمر خارج عن طاقة البشر و هذا ما فيه الحاجة إلى مجلد خاص به».

أيضا عند ذكره لقرى مصر و إجمالى أكياس الخزانة و عددها و دراهمها و الدوانق‏

25

و يبدو أن أوليا جلبى استطاع الأطلاع على هذه السجلات حتى يتمكن من ذكر هذه الأرقام الكثيرة جدا و الإحصاءات الدقيقة خاصة فيما يتعلق برواتب و طوائف الجند و ما يتقاضونه كل شهر أو كل ثلاثة أشهر أيضا ما يتعلق بعوائد القرى و المدن و المحاكم و غيرها. فيقول أوليا جلبى عن هذه السجلات:

«كما وجد رئيس المترجمين، و أمين السجلات، و هناك قبة أخرى من الحجر تراكمت تحتها السجلات الشرعية منذ عهد الخليفة عمر رضى اللّه عنه و أصبحت و كأنها الجبال، و هذه السجلات تحت تصرف أمين السجلات و معهم كتخدا».

و بعلاقة أوليا جلبى بالإدارة العثمانية فى مصر، و هى علاقة كانت لا شك وطيدة حيث كان مقربا من الكتخدا و غيره، استطاع الأطلاع على هذه السجلات، و هذا الذى مكنه من رصد هذه الأرقام و هذه الإحصاءات.

يعد أوليا جلبى الرحالة الوحيد من بين كل من سبقوه بالرحلة إلى مصر الذى حرص على إظهار الجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية فى مصر فى فترة الحكم العثمانى، و هى الفترة التي نعتها كثير من المؤرخين و الكتاب بأنها فترة تخلف و ظلام، فجاءت رحلة أوليا جلبى لتظهر هذه الجوانب و تبين ما كان فى مصر من مدارس و مساجد و كتاتيب، و دور للقراء، و تكايا، و مستشفيات و محاكم، و مبرّات، كما بينت بالتفصيل صورة الحياة الاقتصادية فى مصر من خلال عرض ما كخان بها من حرف و صناعات و وكالات و دكاكين، و مستوى معيشة الناس و حالة الرغد و الرفاهية التى شهدها أوليا جلبى فى أثناء سياحته التى قام بها فى مصر.

أبرز أوليا جلبى أهمية مصر، و عظمة مكانتها من خلال الخلفية التاريخية البسيطة التى بدأ بها رحلته و التى تناول فيها تاريخ مصر منذ هبوط آدم إلى الأرض و حتى الفتح العثمانى لها، و دعوة الأنبياء لها، و استقرارهم بها، و ذكرها فى كتاب اللّه و فى أحاديث النبى (صلى الله عليه و سلم).

26

جمعت رحلة أوليا جلبى بين نمطين من الرحلات التى تمت لمصر، الأولى رحلات الأجانب الغير مسلمين و التى ركز أصحابها على إظهار صورة مصر الفرعونية و المسيحية من خلال آثارها، و النمط الآخر رحلات المسلمين أمثال بن جبير و ابن بطوطة التى أظهرت بعض مظاهر الحضارة الإسلامية فى مصر من مدارس و مساجد و خانقاوات و غيرها، فجمع أوليا جلبى بين النمطين فلم يهمل آثار الفراعنة بمصر من أهرام و مقابر و غيرها.

تميز أوليا جلبى بالدقة فى الحصر، و الاعتماد فى وصفه على مشاهداته الشخصية و ليس على مشاهدات و آراء الغير و الإتيان بإحصاءات غاية فى الأهمية لم يستطع غيره من السابقين الإتيان بها.

لم تقتصر سياحة أوليا جلبى و مشاهداته على القاهرة أو مصر القديمة و الإسكندرية كسابقيه و لكنه زار و شاهد أغلب- إن لم يكن كل- مدن و قصبات مصر آنذاك حتى مدينة أسوان بل وزار بلاد السودان و الحبشة و هذا ما لم يقم به غيره من الرحالة السابقين عليه.

عرض موجز لرحلة أوليا جلبى فى مصر و السودان و الحبشة

و تتناول رحلة أوليا جلبى إلى مصر فى بدايته تاريخ مصر منذ بدء الخليقة و هبوط آدم إلى الأرض و الدول التى تعاقبت على حكمها حتى الفتح العثمانى لها و نظم العثمانيين بها، ثم وصف للقاهرة أو مصر القديمة كما شاهدها أوليا جلبى حيث قام بتصوير الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و العلمية بها، و منشآتها من منازل و جوامع و مساجد و تكايا و أسبلة و مدارس و كتاتيب و حمامات و وكالات و خلجان و ترع و زراعات و حيوانات و أضرحة و غيرها، ثم وصف لبقية رحلته من القاهرة إلى الإسكندرية ثم رشيد و دمياط ثم عودته للقاهرة و استئناف رحلته إلى بقية قصبات و مدن مصر إلى الصعيد فمزار الفيوم و بنى سويف و أسيوط و سوهاج و غيرها حتى وصل إلى أسوان و توغل حتى بلاد السودان و الحبشة ثم عاد إلى مصر مرة أخرى.

27

و قد جاءت رحلة أوليا جلبى فى نحو ثلاثة و سبعين فصلا، بدأها بمقدمة حمد اللّه فيها و أثنى على رسوله الكريم، ثم تناول قصة خلق آدم و حواء و هبوطهما إلى الأرض و تنقلهما فى الأرض حتى وصولها إلى مصر حيث صارت مستقرا لهما و لذريتهم.

ثم ذكر أوليا جلبى بداية دخوله مصر و إعجابه بها و بأبنيتها، و المصادر التى اطلع عليها و فى ذكر مصر فقال فى تواضع جم يدل على رفعة نفسه و تدينه الشديد:

«دخلت أنا أوليا جلبى الحقير سياح العالم و نديم آدم، مصر فى السابع من صفر عام ثلاثة و ثمانين و ألف، فوجدت داخلها و خارجها و أعجبت له كل العجب ذلك أن ما فيها من عجائب و غرائب الأبنية ليس له من وجود فى ديار سواها، و بينما كنت أبحث عمن أقام تلك الأبنية ذات الطلاسم و تلك القصور العالية رجعت إلا ما ليحده الحصر من التواريخ القيمة».

و فى خاتمة شرح أوليا جلبى خط سير رحلته التى كتب مسوداتها فى مدينة أبريم بالحبشة و هى آخر ما وصل إليه فى رحلته حيث يقول فى ذلك «و استرحنا فى مدينة أبريم ثلاثة أيام، و وضعنا ما ثقل من أحمالنا فى السفن و أرسلناها إلى جرجة و لقد كتبت مسودات رحلتى».

ثم عاد أوليا جلبى إلى مصر و لكنه سلك الضفة الغربية للنيل أثناء عودته حيث كان فى ذهابه يسلك الضفة الشرقية و فى ذلك يقول:

«و من مدينة أبريم و دعت خلانى و أحبابى و ركبت السفينة فى النيل إلى الجانب المواجه لأن فى ذهابى رلى فونجستان شاهدت الضفة الشرقية للنيل و لذلك شئت أن أشاهد الضفة الغربية».

و مر أوليا جلبى بعدد من المدن و القصبات أثناء عودته حتى وصل مدينة «ألواح الكبرى» بولاية الواحات و بها بلغ كتابه نهايته، و وضع أوليا جلبى خاتمته التى شرح فيها خط سير رحلته و مشاهداته و طريقة كتابته لهذا الكتاب فيقول:

«و للّه نحمد أن كتابنا هذا بلغ نهايته هنا، كما نحمد اللّه نثنى عليه الثناء كله على أننا أقمنا فى ديار مصر القاهرة نادرة العصر و جعلنا أوراق كتاب رحلتنا هذه المتفرقة مثل‏

28

خرقة الدراويش ذات الألوان و كانت ألفاظها من بدايتها إلى نهايتها فى عصر و إلى مصر الباشا و أتمنا كتابنا فى ظل خيرة و رعايته، و إن كان هذا الكتاب فى رأى العقلاء و الحكماء لا يخلو من نقص و عيب و ذلك لكثرة تنقلنا بين البلاد و لم يهتم بكتابته بألفاظ جذلة، و المرجو منهم أن يغضوا النظر عن السهو الغلط عنه ... فلقد حملت مسودات هذا الكتاب و أنا أسيح فى البلاد خمسين عاما و لكثرة سياحتى انزويت فى ركن العزلة، و لم يتيسر لى أن أتتبع كل ما جاء فى التواريخ، و رأيت نهاية حدث من الأحداث، و لم أقيد فى كتابى نهاية حدث بالذات و لكن أستاذنا فى ديار مصر الشيخ على شمرلى ألقيت إليه السمع و أخذت عنه التفاسير الشريفة و الأحاديث النبوية و الآيات الكريمة فأثبتها فى مواضعها، و بذلك جرأت على كتابة هذه الأوراق (و العذر عند كرام الناس مقبول) و أنا أدعو اللّه له بالخير و لم أورد المثنويات فى خاتمة الكتاب و ذكرت هذا التاريخ.

كتبه أضعف الكتاب الحاج محمد المعروف بحافظ القران المجيد من تلاميذ محمد راسم كاتب السراير لسنة خمس و ستين و مائة و ألف من هجرة من له السعادة و المجد و الشرف.

منهج أوليا جلبى فى كتابة رحلته‏

استهل أوليا جلبى رحلته بموجز عن تاريخ مصر منذ بدء الخليقة، و استقرار أبناء أدم من الأنبياء بها، و حكام مصر قبل الطوفان و بعده حتى الفتح الإسلامى لها فى خلافة عمر بن الخطاب، و تعاقب الدول الإسلامية على حكمها حتى الفتح العثمانى لها.

و قد كان هذا الموجز التاريخى من أسباب عظمة هذا الكتاب، حيث جعله عملا ثقافيا متكاملا يمتع قارئه، فهو يجمع بين تاريخ مصر و جغرافيتها منذ أقدم العصور و حتى عصر هذه الرحالة و هو بذلك يختلف عن أسلوب سابقيه من الرحالة فى هذا المجال.

29

و أفاض أوليا جلبى فى ذكر الفتح العثمانى لمصر، و دواوين العثمانيين بها و رسومهم، و مواكبهم، و جندهم و رواتبهم و ملابسهم، و فرقهم و ذلك من خلال صفحات الكتاب.

علاقة مصر و الدولة العثمانية من خلال رحلة أوليا جلبى‏

من أهم مميزات هذا الكتاب هو توضيحه لموقف مصر من الدولة العثمانية قبل دخول العثمانيين إليها، ثم توضيح و إظهار الصورة المضيئة للعثمانيين فى ظل حكمهم مصر.

أما بالنسبة للنقطة الأولى و المتعلقة بموقف مصر من الدولة العثمانية قبل الفتح العثمانى لها بيّن أوليا أن دخول العثمانيين مصر كان بناء على رغبة أهلها و بموافقاتهم و لم يدخلوها عنوة حيث يقول:

و بسبب ظلم الشراكسة و طغيانهم، قدم من مصر كثير من أولياء اللّه إلى الشيخ أبو السعود الجارحى و الشيخ مرزوق كفافى يشكون، كما تشاور العلماء و الصلحاء فى الأمر و قالوا: إذا مضينا من مصر إلى المغرب وجدنا قوم سوء و إذا مضينا إلى الهند كانت بلاد بعيدة، و إذا مضينا إلى العجم، وجدنا فى مذهبهم شبهة، و إذا مضينا إلى الأكراد فدولتهم لاثبات لها، فهلموا لنذهب إلى آل عثمان فإنهم مؤمنون موحدون، إنهم يحبون العلماء و الصلحاء و المشايخ و هم أهل الشرع و أصحاب السيف، و حيثما مضوا كان النصر لهم، هلموا لنمض، إليهم، فتم اتفاقهم على ذلك و قرأوا الفاتحة، و هتف كل من الشيخ أبو الجارحى، و الشيخ مرزوق كفافى قائلا: تعال يا سليم تعال يا سليم و كان السلطان سليم فى مشتاه بأماسية مع وزراءه يتشاور، فقال الطواشى سنان باشا يونس باشا إننا سمعنا من قال يا سليم ثلاث مرات و قيلت صراحة، فقال السلطان سليم: عندما كنت فى سياحتى بمصر مع حليمى قال أبو السعود الجارحى و مرزوق كفاف بالمكاشفة: يا سليم روح اجلس على تخت أبوك و إذا ما دعوناك إلى مصر فاقدم هذا ماقالاه.

و يقول أوليا جلبى عن بشريات فتح العثمانيين مصر:

«و مضى سليم إلى بورسة لزيارة أمير سلطان فقال السلام عليكم يا أهل القبور،

30

فسمع صوتا يقول: و عليكم السلام يا صاحب السيف و القلم، ادخلوا مصر إن شاء اللّه آمنين و تردد هذا الصوت من القبر الشريف، فأخذ العجب مأخذه من جملة الحضور و فى الوقت عينه قال كمال باشا زاده للسلطان سليم، لقد بشرت يا مولاي بفتح مصر.

عقد سليم نيته على غزو مصر، فتمنطق بالسيف فى ضريح أمير سلطان و قرأ كمال باشا زاده الفاتحة و مسح وجهه بيده ثم أدى الزيارة، و مضى سليم إلى قصره و هناك جمع جميع علماء الترك، و أهل الفتيا على المذاهب الأربعة، فطلب منهم أن يفتوه فى فتح مصر، و كان الطواش سنان باشا الصدر الأعظم آنئذ، و عرض أربعين فتوى كانت قد جاءت من مصر، و قرأ هذه الفتاوى علماء الترك، و تبينوا ما جاء فيها، و قالوا مادام علماء مصر و كبار أولياء اللّه فيها أفتوا بوجوب قتال الجراكسة فنحن أولى بهذا القتال.

و بعد ما ذكر أوليا جلبى فى كتابه مضمون الفتوى قال:

فحمل سليم سند الفتوى و فى الحال بعث باثنى عشر رسولا إلى السلطان الغورى فدخل هؤلاء الرسل إلى ديوان السلطان الغورى، فقرأ السلطان الغورى رسالة السلطان سليم و فتاوى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ثم قال: لقد سبق للسلطان سليم أن قتل علاء الدولة بن ذي القدر و سبعين من أبنائه و أرستل إلينا أسرى مكبلين و الآن دماؤكم فداء لهم، و لقد أرسلكم إلى بحجة أنكم رسل، و أمر بقتل عشرة منهم و أطلق سراح اثنين، و سلمهم خطاب الأمان، و فيها يقول: مادامت حيا لن أمكنك من دخول مصر و ليكن اللقاء فى سهل مرج دابق عند حلب، و إن كنت رجلا تعال إلى ميدانى، و عندما تسليم سليم رسالة الغورى هذه استشاط غضبا، فقال علماء الترك: لم يقتل سفراء الكفرة قط على مر العصور و إذا ما قتل سفراء المسلمين، فقتل الغورى حلال، فانهض يا مولانا لساعتك و خف إليه و لا ترفع يدك عنه.

و جهز السلطان سليم جيشه و خاض معارك ضارية و نجح فى هزيمة الغورى و ضم بلاد الشام. ثم اتجه إلى مصر و دارت بينه و بين الجراكسة حروبا شرسة حتى مكنه اللّه فى نهايتها من ضم مصر لحوزة العثمانيين.

و أما النقطة الثانية التى وضحها أوليا جلبى ألا و هى الصورة المضيئة للعثمانيين فى‏

31

مصر فقد ظهرت منذ استقرار العثمانيين بها، فبعد أن مكّن اللّه السلطان سليم من فتح مصر و دانت له، يقول أوليا:

و بإذن من علماء مصر جميعا أدى صلاة الجمعة هو و كل أعضاء الديوان فى جامع عمرو بن العاص بمصر القديمة، و اجتمع هناك مائتا ألف رجل لأن فى ذلك اليوم كان حضور الشيخ أبو السعود الجارحى و الشيخ مرزوق كفافى و بإذنهما الشريف تلى الشيخ أبو العلا الخطبة باسم سلطان البرين و خاقان البحرين خادم الحرمين الشريفينين سليم خان ابن بايزيد أيد اللّه سلطنته إلى آخر الزمان. و بإذنهما الشريف سكّت العملة و كتب عليها «صاحب النصر، ضارب النصر غرو النصر فى البر و البحر السلطان سليم خان بن بايزيد خان عز نصره سنة 922» و بعد ذلك جمع سليم ذات يوم الديوان السلطان و حضره جميع أعضائه على تفاوتهم فى السن و الرتبة، و وضع سليم يده فى يد خير بك و أجلسه على سرير الخلافة و وضع على رأسه العمامة المعروفة بسليمى و ريشة نفيسة، و على ظهر خلعة فاخرة من السمور، و حول خصره منطقه مرصعة تعلق فيها خنجر مرصع و حرص سليم على أن يلبسه كل ذلك بنفسه، و رفع يده بالدعاء و قال: لقد جعلتك يا خير بك وزيرا و نائبى فى هذه الدولة و سأرى كيف تخدم الإسلام، فأنا لا رغبة لى فى شئ من مصر، لقد ظفرت بلقب خادم الحرمين الشريفين و كفى.

و وقف جميع محاصيل مصر على النبى (صلى الله عليه و سلم) فاشهدوا من الآن فصاعدا يا خير بك أنت مولى هذا الوقف فأحسن خدمته.

ثم وضع السلطان سليم قانونا تسير عليه الإدارة فى مصر كان من أهم ما جاء فيه التالى:

جعل مائة من الأغوات بكوات الشراكسة، و أمر ألا يجتمع الديوان ثلاثة أيام فى الأسبوع و أيام العطلة هى الجمعة و السبت و الأربعاء، و يحضر قاضى العسكر الديوان خمسة أيام، و من أجل الديوان فى كل يوم كيسان من دنانير. و يقدم ثلاثة آلاف صحن من طعام، و يطعم كل أعضاء الديوان و الخدم و الآتون من بعيد و جعل سليم ذلك قانونا، و لشاويشية الديوان كل يوم خمسة خراف و أردب من أرز و كيلتان من العدس‏

32

و الحمص و عشرة أحمال من الخطب و أوقيتان من شمع العسل، كما أجرى على الإئمة و المؤذنين راتبا ... و لجميع أقاليم مصر ثمانون كشافا و فى دواوينهم يبسط كل يوم سماط فى الصباح و سماط فى المساء و ذلك من المال السلطانى، كما أن بكوات الشراكسة و مائة من رؤساء الفرق بعد سماطهم، يبسطون الموائد للعوام و الخواص، و فى كل وقت من أوقات الطعام تقرع الطبول لينبه جميع الجياع. و جعل ذلك قانونا، و دامت هذه النعمة، و ما كانت مثل هذه النعمة فى بلاد سلطان آخر، و بعد ذلك لم يصدر قانون سلطانى.

و هكذا يتبين مما سبق نبل و عظمة هدف العثمانيين من دخول مصر فحدده السلطان سليم بأنه لخدمة الإسلام حيث جعل كل خيراتها وقفا للّه تعالى.

و شهد الناس فى ظل حكمه عطف و رعاية لا مثيل لها حيث نراه يأمر كاشفى الأقاليم بعمل أسمطة صباحا و مساء لإطعاء الناس، و لجدية الأمر يأمر بأن تقرع الطبول لينبه جميع الجياع.

و لم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل إن مصر شهدت ازدهارا اقتصاديا فى ظل حكم العثمانيين كما يتبين لنا ذلك من الرحلة، و تبين ذلك أيضا من طبيعة النشاط الاقتصادى و كثرة الحرف و الدكاكين و الوكالات و الصناعات.

كما شهد الناس نوعا من الرغد و الرفاهية فالمستشفيات تعمل مجانا و المبررات توزع طعامها ليلا و نهارا مجانا، و الاحتفالات كثيرة و متعددة مما يدل على نوع من الراحة و الاستقرار و إن كان ذلك فى الفترة التى عاشها أوليا جلبى فى مصر. إلا أنها كشف عن الكثير من إيجابات الحكم العثمانى فى مصر.

تقويم رحلة أوليا جلبى‏

فى أوليا جلبى كثير من الصفات الجليلة أولها القدرة على تحمل المشاق و الصبر عليها، و قد أوردنا جزءا يسيرا فى أمثلة سابقة من هذه المشاق، و الرحلة بها غير هذه الأمثلة، عشرات الأمثلة.

33

و من صفاته أيضا شجاعته، و إصراره على بلوغ هدفه و ثقته باللّه و إيمانه الشديد به سبحانه و تعالى:

مثال: أثناء عزمه زيارة فنجستان يقول:

«و لما عقدنا العزم على الرحيل قدم إلينا الشباب و الشيوخ و قالوا لنا إذا ذهبتم إلى فونجستان فإن جيادكم سوف تهلك من الحر و الجوع، و لا تأمنون عادية اللصوص من الزنوج و بسطوا إلينا الرجاء ألا نمضى فقلت إن الخوف لا يدخلنى مطلقا، لأن اللّه تعالى: (و الحافظون لحدود اللّه)، و قد حفظت منذ أربعين عام، و قد ختمت القرآن الكريم فى كل يوم جمعة منذ فجر شبابى، و بذلك كنت أختمه فى كل عام ثمانية و أربعون مرة.

و أنا مقتنع بذلك كل الاقتناع، و أنا لا أنثنى عن عزمى، و قالوا لى و إذا ما ذهبت إلى إبراهيم باشا، و أنت لا تحمل هدية، فأنا لا أرد جوابا، و ماذا أصنع بالهدايا التى لملك فونجستان، و فى الموضع الذى يصب فيه النيل عند دمياط و رشيد صليت ركعتى الحاجة، و دعيت اللّه، و دعيت اللّه قائلا أن ييسر لى زيارة منابع النيل و مقابر الأولياء هناك، فالحمد للّه تقبل دعائى، لقد جئت إلى بلدة صاى و عودتى إلى مصر غير محتملة، اللهم هبنى رفيقا لأرحل، و ألححت فى الدعاء، فقالوا لا تنسانا من دعواتك و كلفت أن أقدم إلى حاكم الفونج رسائل المودة.

و من صفات أوليا جلبى أيضا الواضحة تماما فى رحلته تدينه الشديد، و غلبة الروح الصوفية عليه، و يظهر ذلك فى كثير من فقرات كتابه، و فى تناوله و ذكره للأولياء خاصة، و المتصوفة. أيضا يظهر تدينه الشديد من كثرة استشهاده بالآيات القرآنية و أحاديث النبى (صلى الله عليه و سلم).

ما يؤخذ على أوليا جلبى فى رحلته‏

يلاحظ القارئ لكتاب أوليا جلبى مبالغته فى سرد بعض المشاهد و الأحداث التى يرويها فى مواضع متعددة من كتابه فعلى سبيل المثال، عند وصفه للتمساح، و الحكايات التى أوردها عنه ذكر عجيبة من العجائب قائلا:

34

و من عجب أن هذا التمساح يخرج إلى الجزيرة مع أنثاه و عند الجماع ترقد الأنثى فوق ظهرها، و بعض البدو ممن أصيبوا بالسيلان و أرادوا البرء منه أو استجابو لنفسهم الأمارة بالسوء يختبئ الواحد منهم فى الرمل، و قبل أن يجامع التمساح أنثاه و هى على ظهرها، يخرج من كمينه، و يطلق صيحة الية، فيجفل التمساح الذكر و يطرح نفسه فى النيل، إلا أن أنثاه تظل على ظهرها، لا تحرك ساكنا، فهى لا تستطيع أن تتحرك لأن أطرافها قصيرة، و هى تسبح فى الماء بفمها و ذيلها، و حتى يتم الجماع يغطى الملعون الذى يريد الاتصال بأنثى التمساح قدميها الخلفيتين بالرمال و يغمر كذلك ذيلها بالرمل، ثم يشرع فى فعله الشنيع دون خوف و لاحياء.

و يقسم من يفعل هذا أنه وجد لذة عظيمة من ذلك، و يقول إن جماع أنثى التمساح ألذ من جماع الفتاة البكر، و به حرارة شديدة، و يقول إن الدم الأحمر يسيل من كل جماع بكر، و إذا ما جامع أنثى التمساح أسبوعا بدلا من الزوجة وجد رائحة المسك فى أنفه، و دام شذا هذا المسك أكثر من أسبوع.

ثم يروى حكاية أخرى طويلة عن نفس الموضوع نقلا عن أحد الأشخاص، ثم يقول فى سبب جماع الناس للتماسيح:

و سبب انتشار جماع الناس للتماسيح فى تلك البلاد هو أن أغلب رجالها مصابون بالسيلان لقصر حضورهم، ولكى يبرءوا منه يجامعون التماسيح، و إذا ما جامعوها تحقق لهم الشفاء، من هذا الداء، و البعض ممن لا يجامعون التماسيح يجامعون الجوارى الحبشيات السود، و بذلك يشفون، و لهن حرارة شديدة تجذب ما فى جسم الإنسان من منّى و غيره.

و لم تكن هذه هى المرة الواحدة فقط التى يذكر فيها أوليا جلبى ذلك عن التماسيح و لكنه عاد و ذكرها فى مواضع أخرى، و الحقيقة أن ذلك فيه نوع من المبالغة و الاستفاضة فى موضوع ليس ذا أهمية. كما أنه مخالف للفطرة البشرية.

و من المبالغات التى ذكرها أيضا تحت عنوان .. «لطيفة غريبة»:

35

«رأيت فى صحراء «هيهات» قوم القالموق أكلة لحوم البشر، إنهم يأكلون لحم موتاهم، و قد خنقوا بعض أسرارهم من النوغاى و أكلوا لحومهم إلا أنهم لم يذبحونهم حتى لا تتسرب دماؤهم فهم يخنقونهم و يطبخونهم و يأكلونهم، و يقولون أن ألذ اللحم لحم البشر و الثعابين و الخنازير، كما يقولون أن إلية الخنزير و إلية البشر ألذا ما يكون طعما.

و واقع الأمر أن بين الترك من هم على مذهب القالمق، و يعرفون ذلك حق العرفة أما أنا فقد شاهدت ذات مرة أحدا يقبل حسناء فدبت فيه الحياة و شعر بمزيد من السرور فأدرت من ذلك أن لحم البشر لذيذ.

و من المبالغات و المتناقضات لأوليا جلبى ما ذكره فى الفصل الثامن و الخمسين قائلا «إن عدد المصابين بالرمد فى مصر مالا يعلمه إلا اللّه فى حين أنه لا وجود لكحال ماهر فيها، و جيادها كثيرة فى حين إنه لا وجود فيها لبيطار، و مرضاها كثير فى حين إنه لا وجود لطبيب يعالجهم، و كثير منهم تورمت خصيته حتى تمزقت و لا يجد له جراحا، و رجالها كثير فى حين أنه لا وجود لحاكم يحكمهم، و ما أكثر قضاتها فى حين أنه لا وجود لمن يقول الحق فيها، و ما أكثر شهود الزور فيها، و ما أكثر المعاندين فيها فى حين إنه لا وجود لمن يتفوه بكلمة طيبة، و جندها كثرة فى حين أنه ليس لهم ضابط، و يتملقون جندهم، و ما أكثر القائمين على جباية الضرائب فى حين أنه لا وجود لمحاسب ذى ضمير، و هذه العبارات أصبحت أمثالا تضرب فى مصر و هى تدور على ألسنة الناس.

و العجيب فى مقولة أوليا جلبى هذه أنها تتناقض بعض الشئ مع ما ذكره قبل ذلك فى رحلته، فبالنسبة للمرضى ذكر أن بها بيمارستانات و أنها تعالج المرضى مجانا، و عن قول الحق قال قبل ذلك أن مصر لا يضيع فيها الحق «و أن بمصر إحقاقا للحق ليس له من وجود»، و أن بها جراحين لعملية ختان البنات و الصبيان، كما أن كلامه ذلك كلام مطلق فليس من المعقول أنه لا يوجد واحد فقط يقول الحق أو واحد فقط يتكلم كلمة طيبة أو محاسب ذى ضمير، رغم أن أوليا جلبى ذكر فى فضائل أهل مصر و محاسنهم كثيرا من الأخلاق الحميدة، التى أعجب هو بها و ذكرها فى كتابه، مثل وقوفهم بجوار بعضهم البعض فى حالات الوفاة، و الختان و غيرها من المناسبات الاجتماعية.

36

خاتمة

و خاتمة القول فى ذلك:

1- قدمت إلى المكتبة العربية شخصية رائدة فى مجال أدب الرحلات هو أوليا جلبى، للمرة الأولى، و نشر هذا البحث معناه اهتمام الباحثين العرب به.

2- أوليا جلبى: عالم و رحالة و أديب و صحفى و ناقد. هذه نتيجة خرجت بها من دراسته. و المتداول عنه إنه مجرد رحالة.

3- كما أنه رجل إدارى.

4- أوليا جلبى، مثل للثقافة الإسلامية بفروعها الثلاثة الأساس: العربية و الفارسية و التركية العثمانية.

5- قدمت هذا البحث ليكون عونا على دراسة رحالة أوليا جلبى فى مصر التى تبلغ فى أصلها التركى ألف صفحة.

6- الثقة فى المؤرخ العثمانى الذى قدم لنا إحصائيات فاقت ما قدمه عظيم أدب الرحلات ابن بطوطة.

7- دراسة أوليا جلبى، تؤدى بالضرورة، إلى الكشف عن عصر التنوير الإسلام فى مصر فى القرن السابع عشر الميلادى.

و الله الموفق‏

محمد حرب‏

37

[مقدمة المؤلف‏]

- 1- الحمد للّه وحده و كفى، و سلام على عباده الذين اصطفى، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أن سيدنا و مولانا محمدا عبده و حبيبه و رسوله، و بعد ..

حمدا بلا حدّ و ثناء بلا عدّ، على الخلاق الباقى رب العباد، الذى أوجد كل ما فى هذا الوجود، و أتم خلق كل ما فى السموات و ما فى الأرض و الليل و النهار مخاطبا إياها بقوله كن: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ‏ يونس: 3، إن اللّه على كل شئ قدير.

خالق بلا نصب إله عظيم، خالق الأرض رب العرش العظيم.

ذلك الصانع المصورّ القيوم، اقتضت حكمته الأزلية و حسب علمه أن يأتى بحبيبه المصطفى إلى أديم هذه الأرض، و أن يزيّن الأرض ببنى آدم، و كيما يزين الأرض ببنى آدم، خلق من التراب بيد قدرته صفىّ البشر آدم، و نفخ فيه الروح من روحه، و جعله الكامل المكمل النبى و جعله حقيقا بجواره و أدخله جنة المأوى، و ألّف بينه و بين جميع الملائكة، و متّعه بالحور و الغلمان فشاهد جمال البارى دونما واسطة و علّمه كلمات و كان له عند اللّه حسن القبول، و سجد لآدم جميع الملائكة المقربين‏ وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ‏ البقرة: 34، و على حد قول المفسرين إنه سكن أرض الجنة العالية عاما واحدا و عاش مع أمنا حواء أطيب العيش و فى نهاية الأمر كان لا يسئل عما يفعل، و بناء على مشيئة اللّه الأزلية نهاه بتلك الآية الشريفة: وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏ البقرة:، و بعد النص القاطع صدر الأمر القاطع لآدم فما ذاق آدم حبة من قمح سنين عددا، و لكن بما أن العصيان مركوز فى طبع الإنسان نسى ما أمره اللّه به و بإيعاز من أمنا حواء أكل حبة من قمح، فطرد آدم من مقره إلى الأرض فى جزيرة (سرنديل) من أرض الهند، أما أمنا حواء فاستبعدت إلى جدة، و بناء على قول المفسرين إن آدم و أمنا حواء بعد هبوطهما كانا يسيحان فى الأرض و يتجولان عريانين و على رأسهما التاج، و قد بلغ منهما الجوع مبلغه و مست حاجتهما إلى حبة قمح و هما يهيمان على وجهيهما.

38

- 2- و بعد ذلك أهدت عصافير الجنة شعرة من لحية آدم إلى أمنا حواء، و أتت من شعر غدائر حواء لآدم عدة شعرات كالعنبر، فكانت طيور عصافير الجنة سبب لقائهما فى عرفات، فتم التقاء آدم بحواء فى عرفات، و لذلك سمى الجبل ب «عرفات» و هو فى اللغة العربية جبل (عرفه)، و باجتماعهما تم لهما الصفاء، و لذلك كان دعاؤهما لعصفور الجنة، فقال العصفور: حيال خدمتى لكما، لى عندكما رجاء، بما أن لحمى غاية فى لذة طعمه، فإن كل الأفاعى و الدويبات كثيرة الأرجل أعدائى، فلا أجد الذريّة، لى رجاء أبسطه لديكما هو أن يكون عشى فى داركما حيثما كنتما، يا آدم أعطنى من لحيتك شعرات، و على حواء كذلك أن تقدم عدة شعرات تمتزج بالطين و أصنع منها عشا فى داركما و يسعد عيشى فى ظلكما و تكون لى ذرية، فوقع رجاؤه موقع القبول، فقدم آدم و حواء الشعرات إلى عصفور الجنة فخمرها فى الطين و جعل العصفور عشه بناء صغيرا فى دار آدم، و بسبب ذلك تعيش طيور عصافير الجنة فى البيوت إلى يومنا هذا، و البيت الذى بناه آدم و حواء فى أسفل جبل عرفات. و يسمون مطبخ آدم البيت الشريف، و هو الآن موضع يزار، و قد عمّر هذا البناء نوح- (عليه السلام)- بعد الطوفان، و هو مزار للحجيج.

و قد حملت أمنا حواء شتاء فى عرفة، و قد أورد المؤرخون كثيرا من الروايات الأخرى، بينما كان آدم فى عالم التجرد احتلم فى منامه، فوقع منيّه على الأرض، و بعد عام ظهر منه (شيث) و أصبح مثل آدم مخلوق من التراب.

و فى قول أن وسط آدم انقبض فسقط منيّه على الأرض فخلق اللّه عشبا و انتشر هذا العشب فى البنغال و ايرجيش و دماوند و جبل الرهبان فى بروسة و جبل البرز، إنه عشب من الجن منهم رجال و نساء و له شعر و لحية و هما من غريب خلق الخالق، و فى لسان العرب (يبروح الصنم و عبد السلام)، و بعض الأطباء يجعلون هذا العشب فى المعاجين لتكون أدوية، إنه عشب مقو إلى حد بعيد.

39

و لما هبط آدم إلى الأرض نبت هذا العشب من منيّه، و إن قيل إنه ليس (شيث)، و القول الأرجح أنه هو، لأن شيث من آدم و حواء كما أن (شيث) لم يشترك مع بنت فى الرحم لأن آدم قال: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ الأعراف:، باسطا الرجاء إلى البارى تعالى، طالبا لشيث حورية، و سرعان ما جاء جبريل الأمين بحورية لآدم، و قدمت زوجة (لشيث)، و فى ذلك العصر كان عقد النكاح كلمة (لا إله إلا اللّه آدم صفى اللّه)، ثم مضى (شيث) مع أنيسته إلى أرض حوران بالشام.

- 3- و هناك مكث مدة من الزمن و هذه الحورية يخطئون فى تسميتها حوران، و هذا ما سلف ذكره فى مجلد سابق، و كان مقرهما الأول سرنديب و المقر الثانى جبل عرفات، أما مقرهما الثالث فمكة التى بلغاها بإذن من اللّه تعالى- و استوطناها.

و من أجل ألفة و أنس آدم أنزل اللّه- تعالى- قصرا من جنة المأوى إلى مكة و اسم هذا القصر البيت المعمور، و فى رواية أنه كان من الياقوت الأحمر، و فى أخرى أنه كان من اللؤلؤ الأبيض، و بعد الطوفان بينما كان اللّه يرفعه إلى الجنة، انفصل عنه الحجر الأسود، و قيل إنه اسوّد من ماء الطوفان، و قيل فى إحدى الروايات، أنه اسودّ من مسح العصاة وجوههم عليه، ثم فرض رب العزة على آدم أن يطوف بالبيت المعمور هذا، و قد علّم جبريل الأمين آدم العبادة فيه و دام على تلك الحال طويلا و هو يسكن مكة.

و يذهب المؤرخون إلى أن آدم كان له أربعون ألفا من الولد و كان يطوّف فى كل عام أبنائه حول البيت المعمور و يجعلهم يؤدون مناسك الحج، و لكن تأذت نفسه كثيرا لأن مكة أرض غير ذات زرع، فمضى إلى أرض مصر مؤتمرا بأمر الحق- تعالى- و استوطن شاطئ النيل، فمصر هى وطنه الرابع فاشتغل بالزراعة و تحصلت له وفرة من الغلال بحيث كان من كل حبة قمح مائة سنبلة و فى كل سنبلة مائة حبة. و فى البداية دعى آدم مع كل أبنائه لمصر، و دعا لهم بلسان عبرى إذ إن آدم حين هبوطه من الجنة نسى لغته العربية التى كان يتحدث بها فى الجنة بسبب عصيانه، فعلمه جبريل الأمين كلمات‏

40

عبرية، أما دعاؤه لمصر و الذى أخذته عن التواريخ القبطية فسوف نكتبه فى مجموعتنا تلك.

دعاء سيدنا آدم- (عليه السلام)- صفى اللّه فى حق مصر باللغة العبرية:

اللهم احفظ إيمانى من الشيطان و نجنى، نجنى و لتكن جميع الملائكة فى خدمتى، و اعطنى القمح لأصنع الخبز. اللهم اجعل هذا البلد عامرا لأبنائى بعد مماتى.

قال سيدنا آدم هذا الدعاء فى حق مصر بلسان عبرى على وزن مفتعلن مفتعلن، و لقد أصبحت جميع الديار معمورة أبدا منذ ذلك اليوم و حتى الآن. و المدينة الواحدة نصف الدنيا، و أصبحت مصر معمورة منذ أول الخلق و سوف نبين ولاة مصر و ملوكها منذ هبوط آدم و كيفية حكمهم و تصريفهم لأمورها حتى يومنا هذا و مدة حكمهم و أعمارهم.

***

41

ذكر أوصاف أقدم البلاد و أعظم المدن مصر المحروسة نادرة الزمان أم الدنيا: القاهرة المعزيّة، حفظها اللّه من الآفات السماوية و الأرضية

دخلت أنا أوليا الحقير سياح العالم، و نديم آدم، مصر فى السابع من صفر عام ثلاثة و ثمانين و ألف فوجدت داخلها و خارجها ما عجبت له كل العجب، ذلك أن ما فيها من عجائب و غرائب الأبنية ليس له من وجود فى ديار سواها، و بينما كنت أبحث عمن أقام تلك الأبنية ذات الطلاسم و تلك القصور العالية رجعت إلى ما لا يحده الحصر من التواريخ القيمة و هذا بيان بعناوينها:

- أسماء تواريخ مصر و غيرها من الكتب النادرة:

أولا: تاريخ المقريزى: و هو كتاب عظيم القيمة مشهود له بصحته التاريخية و هو مستمد من كتب قبطية و سريانية و دهلوية و مغولية و لاتينية و يونانية تلقاه الخاص و العام بقبول حسن.

و تاريخ ابن جرير الطبرى، صاحب التفسير القديم: و هو تاريخ نفيس.

تاريخ الشيخ الإمام السيوطى: و هو تاريخ له ما له من عظيم قيمته.

و تاريخ صابية و كتاب فتوحات مصر لابن عبد الحليم.

و كتاب فضائل مصر لابن عبد الكندى.

و كتاب ابن زولاق.

و كتاب خطط القضاع.

و كتاب إيقاض المتفضل و هو مختصر للشيخ نصر الدين الكرمانى.

و كتاب مباهج الفكر و مناهج العبر.

و كتاب عوان عنوان السير محمد بن عبد الملك الهمدانى.

و تاريخ الصحابة.

و تاريخ التجريد فى الصحابة للذهبى.

42

و كتاب المختصر للشيخ نصر الدين الكرمانى.

و كتاب الإصابة فى معرفة الصحابة لابن حجر.

و كتاب الرجال العشرة للحسينى.

و كتاب طبقات الحفاظ للذهبى، و كتاب طبقات الشافعية لابن السبكى، و كتاب طبقات المالكية لابن ترخون‏ (1)، و كتاب طبقات الحنفية لابن دقماق، و كتاب مرآة الزمان لابن الجوزى، و كتاب البداية و النهاية لابن كثير، و كتاب إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجلة، و كتاب الطالع السعيد فى تاريخ الصعيد لكمال الإدفوى، و كتاب السكردان لابن حجلة، و كتاب سجع النهر نيل فى أوصاف نهر النيل، و كتاب ثمار الأوراق لابن حجة، و تواريخ الشهاب جلبى ترجمة لكتاب «حسن المحاضرة» للشيخ السيوطى، و علاوة على تلك الكتب السالف ذكرها، قرأت كثرة من الكتب و الدواوين فى مصر و أدرجت فى رحلتى هذه ما تنبغى معرفته من قواطع الأدلة و أوصاف الرواة و الحوادث، و قسمت تاريخ مصر منذ هبوط آدم إلى يومنا هذا، و تجرأت على كتابة هذا «و به نستعين و باللّه التوفيق».

***

____________

(1) فى الأصل: مرحون.

43

الفصل الأول فى وصف فسطاط مصر بالقرب من جبل المقطم‏

بعد هبوط آدم أبو البشر و صفى اللّه اهتدى إلى مصر و وطأتها قدمه، و هى أول ما استوطن آدم أبو البشر و ابنه شيث، و كذلك أبناؤه و قينان و مهلائل و هو النبى هود، و ابنه اخنوخ و هو هرمس و فى العبرية اخنوخ، أى إدريس، و كان يقال عنه فى لغة أهل الجنة من الملائكة اخنوخ هرمس، و سموه بهذا الاسم لأنه كان يدرس العلم لبنى آدم و الملائكة فكان يقال إدريس النبى، أما مهلائل فكان كاهن العصر فى علم النجوم و قد بدأ ذيوع علم النجوم بفضله، أما فى عهد (شيث) فكانوا يسكنون فى الكهوف و لقد شاهدت فى ديار مصر هذه الكهوف و هى تسع جند آل عثمان، أما فى عهد (شيث) فكانوا يسمون أرض مصر (ايلون) و فى مصر ولد اخنوخ و إدريس، و أصبح سياح العالم و تعلم علم النجوم على يد مهلائل، و تعلم علم الكتاب من جبريل و علم الحياكة بتمامه، و فى الأربعين من عمره جاءته النبوة فى مدينة (أسوان)، و أصبح نبيا لقومه، و أقام على ساحل النيل مائة و أربعين مدينة و كانت له البراعة فى علم الهندسة، و المهارة فى علم النجوم و شاع عنه أنه يعرف كل غريب و عجيب فى جميع العلوم، و المدن التى أقامها إدريس النبى على شاطئ النيل هى الآن مدن عامرة، و فى أرض الجيزة المواجهة لفسطاط مصر هرمان بناهما «سوريد» الحكيم بفضل علم إدريس و حفظ فى الهرمين جميع الكتب و الكنوز لعلمه وقوع الطوفان، و بعد وفاة آدم و إدريس أصبح هذان الهرمان كعبة للصابئة يحجونها فى كل عام. و كان الرجال يحجونها من الجهة الشمالية أما الجهة الجنوبية فكانت خاصة بالنساء، و لما كان آدم- (عليه السلام)- على قيد الحياة كان جيمع أبنائه يمضون من مصر إلى البيت المعمور و يطوفون حول الكعبة الشريفة حجاجا، كما كانوا حينا يقدمون إلى مصر و حينا آخر يمضون إلى الشام إلى موضع قريب من «حوران»، و هناك يسكنون، و جاء فى تواريخ الصابئة أن إدريس كان له فى علم الكتاب اليد الطولى و القدم الراسخة، و كانت له معرفة بكل ما فى الوجود، و يحرر جميع الوقائع فى يوميات‏

44

و يحفظها فى جبال الأهرام، و اقتضت حكمة اللّه أن ينقضى زمان «شيث» و يوافيه الأجل.

و يقال إن إدريس دفنه فى جبل الأهرام، كما كان الملك «مصرايم» و الملك «بيطار» بن حام بن نوح- (عليه السلام)- و هما ملكان قديمان، مدفونين كذلك فى الأهرام، و كان من أبناء «شيث» الملك «نقراوش» كاهن العصر و قد شيد فى مصر مدينة عظيمة سماها «أمسوس» و أمسوس فى العبرية بمعنى المدينة الجديدة و سمى القبط هذه المدينة الفسطاط و قد عمرت و رممت بعد الطوفان و سميت «مصرايم» و لذلك تسمى الآن مصر و فى اللغة اليونانية تسمى «مقدونية» و فى العبرية «زرابيت» أما فى العربية فاسمها «القاهرة المعزية»؛ ذلك أنه عام خمسمائة و خمسة و سبعين كان السلطان معز الدين ملكا للمغرب، و كان سلطان مصر سلطان الإخشيديين و استأذن الملك معز الدين من ملك الإخشيديين فى إقامة جامع فى مصر، فأرسل من يسمى «قائد أزهر»، و هو مملوك عربى، و مال فى ألف خزانة، و خمسين ألف نجار و بنّاء و عامل و حمّال و معهم العدة و العتاد، و العبد المسمى «أزهر» تولى أمر بناء الأزهر الذى تم بعد سبعة أعوام، و انطلق معز الدين سلطان المغرب إلى مصر و أغار عليها ليلا، كما أن جنده ادعوا أنهم إنما قدموا من المغرب إلى مصر لبناء جامع الأزهر، و استولوا على مصر من يد أحمد بن على سلطان الإخشيديين جبرا و قهرا، و أقام مصر الحديثة، لذا يقال لمصر «مصر المعزيّة»، و لذلك فأهل مصر جميعا يتسمون إما بقهّار أو بقابض على أنهم ينقبضون على رجال اللّه، و تسمى مصر «أم الدنيا» (1).

أما نقراوش، هو الذى عمّر مصر أى «أمسوس» بعد آدم و يمتد عمرانها مسيرة ثلاثة أيام، و «نقراوش» هذا ملك مصر مائة و ثمانين عاما، و لما زايل الدنيا الفانية دفن فى جبل الهرمين، و خلفه ملكا على مصر ابنه «نتراش»، و قد كان مثل جده سيادة و كمالا و علما.

____________

(1) يأتى سبب تسميتها بذلك فى الفصل الثامن عشر من هذا الكتاب.

45

و أقام بعض المدن فى الواحات، و لما مات دفن فى جبل الأهرام و كان ملك مصر بعده لأخيه .. مصرايم بن نقراوش .. و كان حكيما كاهنا ساحرا، و من جملة علمه أنه كان يسخّر الأسود، و كانت الجن و الأسود يحملون سرير ملكه، و لما أدركه الموت دفن فى الأهرام.

و ملك مصر بعده من يسمى «عبقام» و هو من ذوى قرباه، و قد أقام العدل فى الناس، و فى عهده رفع إدريس فى أسوان إلى السماء، و لقد أخذ الحزن و الألم الصابئة لعروج إدريس فى السماء فأظهروا الفزع و الجزع و انتحبوا فكفوا عن العبادات و الطاعات. و تمثّل إبليس اللعين فى صورة إنسان و ادعى للناس أن صورته من اللّه و قال لهم سائلا: يا قوم ما لكم تبكون و يأخذكم شديد الأسى؟؛ و حكى قوم إدريس ما جرى من نقل إدريس، و فى التو قال إبليس: يا قوم لا تحزنوا سأحضر لكم صورة إدريس و على كل منكم أن يحتفظ بصوره فى داره، و فى كل يوم تشاهدون هذه الصورة كأنكم شاهدتم إدريس و هذا عزاء لكم. فصنع لهم صورة إدريس و حفظوها فى ديارهم، و كلما شاهدوها ذهب عنهم الحزن و نعموا بالسلوى.

و بعد موت الصابئة رأى أحفاد أحفادهم صورة إدريس فى دارهم و قد توارثوها عنهم فزادت محبتهم لها، و شرعوا يعبدونها و هذا أول عهد الصابئة بعبادة الأصنام، و بقيت فيهم من قوم إدريس و مات كذلك الملك «عبقام» الذى كان فى عصر إدريس و خلفه «عرياق»، و كان هاروت و ماروت مصلوبان من قدميهما على مدخل غار فى مدينة بابل و سماع قصتهما يثير الفزع، و أوصاف هذين الملكين مسطورة فى كتاب ابن جرير الطبرى، ثم كانت وفاة «عرياق» و أفضى الملك من بعده لابنه «الوخيم» و هو الذى أقام مدينة «شرق أخميم» شيد سبعمائة دير و مات.

و جاء بعده ابنه «خصيليم» و عمّر سبعمائة سنة و هو أول من أنشأ مدينة «أسوان» على شاطى النيل، كما أنه أقام فى تلك المدينة أول مقياس و هذا يعنى أن مصر هى أيضا أم علم القياس، و تأسيسا على علم الهندسة كذلك الترع فى جميع أراضى مصر، و أجرى ماء النيل إلى كل زقاق فى مصر، و روى أرض مصر فزادت محاصيلها و بطّن كل الترع‏

46

بالرخام السّماقى و المرمر الخام، و أقام السدود على جانبى نهر النيل، و شيد المدن و أوصل النيل إلى بلاد النوبة، و أمر بحفر اثنتى عشرة عينا، و أنشأ جسرا عظيما و آثارها اليوم ظاهرة باهرة و ولد نوح- (عليه السلام)- فى عهد الملك «حصيليم» هذا، و تكاثر عدد الناس فى هذا العهد حتى ازدحمت الأرض بهم إلى حد أنه لم يبق موضع فيها لزراعته، و أصاب الناس القحط و اشتد الغلاء فعمد الناس جميعا إلى صيد السمك من الأنهار و البحار، و بذلك عاشورا فى كفاف. و مات «حصيليم» و أصبح الملك من بعده للملك «ترسان ابن هوسال» و لما جاءت نوح النبوة و هو فى الأربعين من عمره، آمن به «ترسان»، ثم جاء بعده الملك «شرياق» ثم ولده الملك «شهلوق ثم ابنه الملك سوريد»، و كان جبارا فى الأرض ظلوما و هو أول من فرض الخراج على الرعية.

و بنى الأهرام الكبيرة الواقعة إلى جانب .. بنى سويف .. و لذا تسمى الأهرام أهرام سوريد، و فى حجر منها تاريخ مسطور بالعبرية، ثم جاء بعده ولده «افروس» و مات و دفن إلى جانب أبيه، ثم كان الملك لابن عمه «فرغان»، و وقع الطوفان فى عصره و كان أول القيامة، و بطل كل علم السحر و محيت كل العجائب و الغرائب و الطلاسم و المخطوطات العربية () (1) تفجرت الجبال و التى تحمل المعادن و الكنوز فى داخلها عيون من الماء و تفجرت الأنهار من الجبال و تلاطمت الأمواج كأمواج البحر و صعد منها العجيج و دام الحال على ذلك أربعين يوما و ليلة فظهرت جميع المعادن و الكنوز المخيفة فتغير وجه الأرض‏ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ فاطر: 1، و عند الطوفان كانت سفينة نوح راسية بجانب جبل الجودى بالقرب من الموصل، و بمناسبة نجاتهم يوم عاشوراء صنع قدرا و وضع فيها طعام عاشوراء فأصاب الناس جميعا من هذا الطعام، فشكروا له، و إن طهو طعام عاشوراء هذا سنّة لنوح و هو آدم الثانى، و يجب أن تكون موضع اعتبار، و ثمة دليل قاطع على نجاته من الطوفان على هذا الجبل، فقد جاء فى القرآن الكريم: وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ‏ هود: 44، و تلك آية نزلت على حبيب الرحمن، و بعد نجاة

____________

(1) بياض فى الأصل.

47

نوح بسفينته على جبل الجودى و هى أرض مباركة، سكن فيها، و بعد الطوفان شيد نوح مدينة الجودى و هى الآن بلدة صغيرة فى قمة جبل الجودى بالقرب من الموصل.

و بعد ذلك بعث بيظرى بن حام إلى مصر، و بنى مدينة العريش فى أرض حاسان القريبة من مصر، ثم بنى مدينة بلبيس، و قد عمرت تلك المنطقة أيضا بعد الطوفان و معروف أنه دفن فيها سبعة عشر نبيا، ثم بعد ذلك جاء بيظرى إلى مصر و أنشأ مدينة أمسوس القديمة التى هى مصر فصارت معمورة ثم بنى مدينة منوف، و قد بنى سام بن نوح الشام و فلسطين و القدس، و قد اطلعت على كتب التاريخ و منها كتاب المقريزى القيم، إنه واسع العلم بالعربية و السريانية و القبطية و اليونانية و كأنه فى كثرة سياحاته فيثاغورث، و قد تحدث عن أول من بنى مصر القديمة و كان ما قاله صحيحا، و هو القائل إن آدم استوطن مصر ثم أمره اللّه بالتوجه إلى الشام، و كان «لشيث» ولد اسمه (غرباب)، و ابنه «نقراوش»، و كان نقراوش هذا من النجباء الراشدين متطلعا فى جميع العلوم، و قد أحب آدم نقراوش هذا و سماه «مصرايم»، و أمره بتعمير مصر، و مضى آدم إلى الشام، لزراعتها، و من أسرة «نقراوش» هذا سبعون غادروا الديار فرارا من ظلم «قابيل»، و كيما يجدوا لهم موطنا قطعوا المراحل و طووا المنازل إلى أن بلغوا فى مصر جبل «غداس»، فطاب لهم هواؤه، فألقوا عصى التّسيار، و استوطنوا، و لأن جدهم آدم تجول كثيرا فى مصر إلا أنه لم يقم فيها أثرا له، و فى ذلك العهد كانوا يسكنون الأكواخ، أما «نقراوش» المسمى «مصرايم» فكانت له فى مصر ذرية، فكان صاحب عشائر كثيرة و كان يشيد المدن و الأبنية، و فى كل عام اعتاد أن يزور جده آدم فى الشام و حوران و بصرى و يدعو له، و سماه آدم ملك مصرايم، و سماه الملك فى اللغة العبرية، و كان له الملك مائة و ثمانية عشر عاما، و حكم جميع العشائر، و قد عمر و كان جبارا عتيا، و تعلم من أخيه الأكبر «زرايل» من عجائب و غرائب العلوم، و استخرج من جوف الأرض كثيرا من الكنوز، و أمر قومه جميعا أن يجمعوا من الجبال الأحجار، و من هذه الأحجار بنى مدينة فى موضع الخيام تسمى «أمسوس» و هى الآن على ساحل النيل تعرف بمصر القديمة، و يسميها القبط الفسطاط، و لقد أصبحت مدينة معمورة عظيمة إلى‏

48

عهد الطوفان، و هى الآن كذلك مدينة عتيقة و الأحجار التى فيها كبيرة، كأنها أحجار الهرمين، و طول الحجر عشرون و عرضه خمسة عشر ذراعا.

و فى الأبنية الأثرية حجارة كثيرة كأنها الهرمان، و كل حجر يبلغ فى الطول و العرض عشرين و خمسة عشر ذراعا، و قد رآها بعضهم، فقالوا إنها من بناء الجن، لأن بنى الإنسان لا يقدرون على حمل هذه الأحجار، أما من يعارضون فى هذا فليس لديهم من خبر و لا علم، فما وجد بعد هبوط آدم من الناس من له مثل هذه القوة، و كان طول كل إنسان مائة ذراع، أما الآن فلا يتجاوز طول الإنسان ذراعين أو ثلاثة أذرع، و لكن بواسطة آلات الرفع يستطيع أن يرفع جبل (بيستون) و يستطيع نقله من مكان إلى آخر، و من يعارض فى ذلك لا علم له و لا خبر لديه عن علم جر الأثقال، و ليعلم أيضا أن (همة الرجال تقلع الجبال).

و فى مدينة (أمسوس) خلق كثير، و قد حشد الملك (مصرايم) جيوشا جرارة و أراد الانتقام من (قابيل)، فانطلق إلى الشام، كما أن (قابيل) جيّش جيشا عظيما إلى فلسطين و قد عسكر فى مدينة الرملة، و قد اجتمع الجيشان و خاضا حربا ضروس، و قتل «هابيل» من رجال «قابيل» مائة ألف إنسان، و إن قابيل هو الذى ناشب (مصرايم) هذه الحرب و بما أن هذه الحرب وقعت فى صحراء الرملة. يمسونها فى العبرية فلسطين، و قد ألحق مصرايم الهزيمة بقابيل و غنم أموالا و غنائم كثيرة وصلت مصر، و بهذه الأموال التى غنمها قسّم النيل إلى فروع، و شق الترع و الخلجان فروى الصحراء و الحقول، وزرعها، و كان النيل يجرى و له فرع إلى بلاد النوبة، و آخر إلى بحر السويس، و فرع يجرى إلى المغرب فى أرض بنى هلال و يصب فى خليج (كبرت)، و لكن بفضل علم مصرايم بالهندسة ارتفعت كل أرض فكانت تنقسم إلى خلجان و بذلك كان يجرى النيل إلى الأراضى التى يريد ريها.

* و بنى مصرايم الهرمين التى فى مواجهة مصر، و أنشأ لنفسه مرقدا و مخزنا لكنوز الفرعون الكثيرة و بعد أن عمر مصرايم سبعمائة و خمسة عشر عاما انطوى كتاب عمره،

49

و جعل الهرمين مقبرة له، و دفنوا معه أمواله و من عهد الطوفان إلى اليوم لم ينقطع نسله، و كان لذريته ملك مصر، و ملك مصر من ذرية نقراوش سبعون ملكا.

و فى زمن الطوفان بناء على ما سلف ذكره كان للملك (لفرغان)، و إن نقراوش المذكور و هو من أبناء مصرايم كان له كاهن يسمى (قليمون) و له طول الباع فى شتى العلوم، حتى إنه استطاع بغزارة علمه أن يتنبأ بوقوع الطوفان على أنه غضب من اللّه، و قبل الطوفان زايل جده وطنه مصر و مضى ليكون إلى جوار نوح فى الكوفة، فشرف بالإيمان، و سكن العراق مع أهله و عشيرته.

و كان بعد ذلك لنوح ابن يسمى «حام»، و كان لحام ابن يسمى (بيطار)، و قد زوج قليمون الكاهن ابنته بيطار، و بذلك تمت القرابة بنوح، و لما حل زمان الطوفان، ركب نوح و جميع من معه السفينة، و نجى من الطوفان، و استوت على الجودى بعد أربعين يوما، و بعد الطوفان عمر نوح مدينة الجودى، و هى الآن قصبة الجودى، و تلقى قليمون الكاهن و صهره بيطار الأمر من (نوح) بالتوجه إلى إسوس التى بناها جده مصرايم، و هى مصر القديمة، و بعد قطع المنازل و طى المراحل كانت نجاتهما من الغرق، و جعل بيطار يبحث عن طريق، و نزلا بمكان بالقرب من مصر يسمى العريش و أقاما فيه، و العريش فى اللغة العبرية بمعنى المقر أو المستقر.

و كانت قد غرقت فى طوفان الغضب، و جلسا يستريحان فى ظل شجرة، و اقتضت حكمة اللّه- تعالى- أن يكون لبيطار هذا من ابنة الكاهن قليمون التى تسمى (زوزه) ولد وسمى كذلك مصرايم، و كان مصرايم بن بيطار هو أول مولود ولد بعد الطوفان، و أقاموا الأفراح فى العريش، و بما أن ظل الشجرة موضع مبارك زينوا الشجرة بالثياب و انطلقا إلى بلبيس و استطابا جوها و مكثا فيها، و قبل الطوفان كانت بلبيس مدينة السحرة، و وجدوها خرابا و بعد ذلك مضوا إلى أرض مصر و لكنهم لم يجدوا فى مدينة أمسوس التى بناها مصرايم أثرا بعد الطوفان إلا ما فى مواجهة النيل من أهرام بناها إدريس للتعليم، و لكى ينجوا من الطوفان دخلاها فغرق كل متاعهما فقالا لنبحث لنا عن وطن آخر، فمضيا فى سفينة إلى منوف و وجدا فيها مكانا طيب الهواء، و بجانبها

50

جزيرة جميلة فى النيل، فمكثا هناك و سكنا أكواخا و خياما، و على مر الأيام كانت لهما ذرية و تحصل لهما مال جزيل من الزراعة؛ و كان وطنا كثير الخيرات و البركات، و هناك أقاما بليدة صغيرة، و سموها منوف، و معنى منوف فى اللغة العبرية (مكان المتعة).

و كانت منوف هى القرية الثانية التى تم بناؤها بعد قرية الجودى التى بناها نوح- (عليه السلام)- على جبل الجودى بالقرب من الموصل حيث رست سفينته بعد الطوفان، و قد عاش فيها بيطار عمرا طويلا، و منوف مدينة عظيمة و بإيعاز من قليمون الكاهن صحب بيطار أهل بيته معه إلى «أمسوس» التى بناها جده و عمّر قليمون مصر العتيقة التى بناها أجداده، و عمر قليمون الكاهن ألف سنة و دفن فى الهرمين إلى جانب مصرايم و كان قليمون هذا هو أول من مات بعد الطوفان، و دفن فى الهرمين إلى جانب مصرايم، و هو الذى أقام فى مصر مدينة الواح.

***

51

الفصل الثانى بيان من ملكوا مصر بعد الطوفان‏

بعد نجاة بيطار بن حام بن نوح من الطوفان أذن له نوح بالذهاب إلى مصر بصحبة حماه الكاهن قليمون، فدعى نوح لبيطار بألا ينقطع نسله و أن يكون ملك مصر له، و أن يعمر طويلا، و يجد سعادة الدارين، فكان هذا دعاء له بالخير، و قدم بيطار أرض مصر و بنى مدينة منوف، و جلس على العرش، و يطلق علماء التاريخ على بيطار هذا أبو القبابطة، و كان له ثلاثون من الولد، و مصرايم أول من ولد له عندما قدم مصر فى العريش، و هو أعلم و أعقل أبناء بيطار الثلاثين، و علمه جده قليمون الكاهن كثيرا من العلوم العجيبة، حتى أصبح فريد دهره، و دله قليمون على جميع الكنوز التى فى مصر، و عمّر بيطار بعد والده مصرايم ثمانمائة و خمسين سنة و لما توفى دفنوه فى الهرم الكبير بجوار حماه قليمون الكاهن، و جعلوا الخلافة من بعده لمصرايم الذى ولد فى العريش، فاستقل بالملك، و بلغ إسنا و أسوان و السودان و بلاد الفونجة «فونجستان» و أصبح ملكا نافذ الحكم، و وزع ثلاثين من إخوته على أقاليم مصر، و حكم كل منهم إقليما و شيد فيه مدينة، و بفضل دعاء نوح كان لهذه المدن أسماء أبناء بيطار للذكرى، فمثلا كان لبيطار ابن اسمه رشيد فسميت مدينة رشيد باسمه، و كذلك دمياط باسم دمياط، و كذلك اسكندر باسم اسكندر، كما أن منهم تينه و سيف الذى شيد مدينة بنى سويف، و منهم من يسمى مينا الذى أقام مدينة المنيا، و الشأن كذلك فى أشمون، و أسيوط، و جرجة، و قنا، و قوص، و إسنا، و أسوان، و شلال و إبريم و صاى و حلفا و سنارة و السودان. فكل أمير من هؤلاء الأمراء شيد مدينة و إلى اليوم هذه المدن عامرة على ساحل النيل.

و كانت مهمتهم فى تلك المدن مهمة الحكام، أما أخوهم الأكبر مصرايم فهو ملك العالم و قد ولدته أمه فى العريش و مضت به إلى ظل شجرة و كسته من أوراق هذه الشجرة و زينت الأشجار بأحجار ثمينة، و جريا على العادة عبدت اللّه تحت هذه الشجرة و بنت مدينة عظيمة بالقرب من تلك الشجرة و اسمها (درسان) و معناها فى العبرية (باب‏

52

الجنة)، و بينما كان مصرايم فى طريقه من غزة إلى مصر ظهرت على يمنة طريقه آثار كثير من الأبنية، و عندما هدم بخت نصّر مصر انهدمت كذلك مدينة درسان.

و من الملوك الذين ملكوا مصر بعد ذلك يوسف صلاح الدين، و السلطان قايتباى، و لقد أقاما جامعا و قلاعا من أحجار و رخام درسان، و عمرا مصر، و ابن مصرايم بانى هذه المدينة مدفون فى قبر عالى القبة، قبته تمس الفلك علوا، و قد تخربت هذه المدينة، أما سبب عمران هذه القبة فهو أن جميع القبط يزورونها و يعمرونها و يرممونها و اسمه قبطم بن بيطار بن حام بن نوح- (عليه السلام)-، أما مصرايم فقد عمر سبعمائة عام و بذل الجهد فى إعمار مصر كأنها صرح شامخ، و كان له مائتان من الولد و كثرت لأولاده و لإخوتهم الثلاثين الذرية، حتى أصبح إقليم مصر بحرا من بنى آدم، و كانوا جميعا على دين جدهم نوح- (عليه السلام)-، و أولاد مصرايم هذا استقل كل منهم بحكم إقليم و بعد أن عاش مصرايم سبعمائة عام وقع تحت حكم قوله- تعالى-:

ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ‏ الفجر: 28، و دفن مصرايم مع أبيه بيطار فى الهرمين إلى جانب سوريد بانيهما قبل الطوفان، و فى ذلك العهد كان يزور الهرمين عوام الناس و خواصهم لأن الملوك قاطبة كانوا يدفنون فيها، كما كانوا إلى عهد إبراهيم- (عليه السلام)- يطوفون حولها كالطواف حول الكعبة، و لكن أصبح الملك من بعد فى مدينة درسان لقبطم، و هو من أم قبطية، و فى درسان التى أقامها أبوه مصرايم بدأ يعبد اللّه تحت الشجرة التى ولد فى ظلها، و بدأت عبادة الشجرة بقبطم، و قد ارتد عن دين جده نوح، و وقعت الفرقة بين إخوته و عمومته الثلاثين، و ابتدع كل منهم له مذهبا، و أخذ ابن مصرايم له مذهبه عن قبطم، و ذاعت له الشهرة و أصبح ملكا عظيما، و جميع القبط من نسله، و بقيت تواريخ القبط منه، و من نسل إدريس عالم أحاط بكل العلوم و كتب تواريخ القبط (فليس لتواريخ القبط أصل و نشأة، لأنه بعد هبوط آدم و بفضل إدريس انتشر علم الكتابة و علم الحساب و علم النجوم، و قد تيسرت تلك العلوم لقوم القبابطة، إنهم لا يشبهون قوما آخرين، و الآن‏ (1) فى مصر كل أرباب الدولة فى حاجة إليهم، فليس لهم من نظير

____________

(1) على عهد الكاتب.